الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ، بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ أَنْشَأَهُمْ خَلْقًا آخَرَ، فَأَخْرَجَ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ صَغِيرًا، ثُمَّ يَكُونُ مُحْتَلِمًا، ثُمَّ يَكُونُ شَابًّا، ثُمَّ يَكُونُ كَهْلًا، ثُمَّ يَكُونُ شَيْخًا، ثُمَّ هَرَمًا أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى الْمَوْتِ مَنْ عُمِّرَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُعَمَّرْ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ يُبْعَثُونَ أَحْيَاءً، يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَهَذَا الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ الْمَذْكُورَانِ هُنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ نَظِيرٌ آخَرُ ; لِأَنَّهُمَا إِمَاتَتَانِ وَإِحْيَاءَتَانِ ذُكِرَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَاحِدَةٌ هُنَا، وَذُكِرَ الْجَمِيعُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [2 \ 28] وَقَوْلِهِ: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [40 \ 11] كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ وَالْبَقَرَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَلُزُومِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ سبحانه وتعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ
(17)
، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:«طَرَائِقَ» وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا قِيلَ لَهَا طَرَائِقُ ; لِأَنَّ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: طَارَقَ النَّعْلَ إِذَا صَيَّرَهَا طَاقًا فَوْقَ طَاقٍ، وَرَكَّبَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ» أَيِ: التِّرَاسُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهَا طَبَقَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ يَصِفُ نَعْلًا لَهُ مُطَارَقَةٌ:
وَطِرَاقٌ مِنْ خَلْفِهِنَّ طِرَاقٌ
…
سَاقِطَاتٌ تَلْوِي بِهَا الصَّحْرَاءُ
يَعْنِي: نِعَالَ الْإِبِلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: طَائِرٌ طَرَّاقُ الرِّيشِ، وَمَطْرَقَةٌ إِذَا رَكِبَ بَعْضُ رِيشِهِ بَعْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ يَصِفُ بَازِيًا:
أَهْوَى لَهَا أَسْفَعُ الْخَدَّيْنِ مُطْرِقٌ
…
رِيشَ الْقَوَادِمِ لَمْ تُنْصَبْ لَهُ الشَّبَكُ
وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ بَازِيًا أَيْضًا:
طِرَاقُ الْخَوَافِي وَاقِعٌ فَوْقَ رِيعِهِ
…
نَدَى لَيْلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وَقَوْلُ الْآخَرِ يَصِفُ قَطَاةً:
سَكَّاءُ مَخْطُومَةٌ فِي رِيشِهَا طَرْقٌ
…
سُودٌ قَوَادِمُهَا كَدَّرَ خَوَافِيَهَا
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُهُ سَبْعَ طَرَائِقَ يُوَضِّحُ مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا الْآيَةَ [71 \ 15] وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا قِيلَ لَهَا طَرَائِقُ ; لِأَنَّهَا طُرُقُ الْمَلَائِكَةِ فِي النُّزُولِ وَالْعُرُوجِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا طَرَائِقُ الْكَوَاكِبِ فِي مَسِيرِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: قِيلَ لَهَا طَرَائِقُ ; لِأَنَّ لِكُلِّ سَمَاءٍ طَرِيقَةٌ وَهَيْئَةٌ غَيْرُ هَيْئَةِ الْأُخْرَى، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: طَرَائِقُ؟ أَيْ مَبْسُوطَاتٌ فَكِلَاهُمَا ظَاهِرُ الْبُعْدِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [23 \ 17] قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ [22 \ 65] ; لِأَنَّ مَنْ يُمْسِكُ السَّمَاءَ لَوْ كَانَ يَغْفُلُ لَسَقَطَتْ فَأَهْلَكَتِ الْخَلْقَ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [23 \ 17] بَلْ نَحْنُ الْقَائِمُونَ بِإِصْلَاحِ جَمِيعِ شُئُونِهِمْ، وَتَيْسِيرِ كُلِّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ يَعْنِي: السَّمَاوَاتُ بُرْهَانٌ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلَهُ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [23 \ 16] ; لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ، مَعَ عِظَمِهَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [40 \ 57] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا الْآيَةَ [79 \ 27] .
وَقَوْلِهِ: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [36 \ 81] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا بَرَاهِينَ الْبَعْثِ الَّتِي هَذَا الْبُرْهَانُ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَأَكْثَرْنَا مِنْ أَمْثِلَتِهَا وَهِيَ مَذْكُورَةٌ هُنَا، وَلَمْ نُوَضِّحْهَا هُنَا لِأَنَّا أَوْضَحْنَاهَا فِيمَا سَبَقَ فِي النَّحْلِ وَالْبَقَرَةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ، ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُعَظِّمًا نَفْسَهُ - جَلَّ وَعَلَا - بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْمُرَادِ بِهَا التَّعْظِيمُ وَأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ الَّذِي أَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ أَسْكَنَهُ فِي الْأَرْضِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ فِي الْآبَارِ، وَالْعُيُونِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَنَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - قَادِرٌ عَلَى إِذْهَابِهِ لَوْ شَاءَ أَنْ يُذْهِبَهُ فَيَهْلِكُ جَمِيعُ الْخَلْقِ بِسَبَبِ ذَهَابِ الْمَاءِ مِنْ أَصْلِهِ جُوعًا وَعَطَشًا وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ " بِقَدَرٍ " أَيْ: بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَهُ يَحْصُلُ بِهِ نَفْعُ الْخَلْقِ وَلَا يُكَثِّرُهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يَكُونَ كَطُوفَانِ نُوحٍ لِئَلَّا يُهْلِكَهُمْ، فَهُوَ يُنْزِلُهُ بِالْقَدْرِ الَّذِي فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، دُونَ الْمَفْسَدَةِ سُبْحَانَهُ - جَلَّ وَعَلَا - مَا أَعْظَمَهُ وَمَا أَعْظَمَ لُطْفَهُ بِخَلْقِهِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، جَاءَتْ مُبَيَّنَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْأُولَى: الَّتِي هِيَ كَوْنُهُ: أَنْزَلَهُ بِقَدَرٍ أَشَارَ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [15 \ 21] .
وَالثَّانِيَةُ: الَّتِي هِيَ إِسْكَانُهُ الْمَاءَ الْمُنَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ فِي الْأَرْضِ بَيَّنَهَا فِي قَوْلِهِ - جَلَّ وَعَلَا - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ [39 \ 21] وَالْيَنْبُوعُ: الْمَاءُ الْكَثِيرُ وَقَوْلُهُ: فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [15 \ 22] عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي الْحِجْرِ.
وَالثَّالِثَةُ: الَّتِي هِيَ قُدْرَتُهُ عَلَى إِذْهَابِهِ أَشَارَ لَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [67] وَيُشْبِهُ مَعْنَاهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [56 \ 70] ; لِأَنَّهُ إِذَا صَارَ مِلْحًا أُجَاجًا لَا يُمْكِنُ الشُّرْبُ مِنْهُ، وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ، وَقَدْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إِنْزَالِهِ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ [24 \ 43] فَصَرَّحَ بِأَنَّ الْوَدْقَ الَّذِي هُوَ الْمَطَرُ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِ السَّحَابِ الَّذِي هُوَ الْمُزْنُ، وَهُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ وَبَيَّنَ أَنَّ السَّحَابَةَ تَمْتَلِئُ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى تَكُونَ ثَقِيلَةً لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ الْآيَةَ [7 \ 57] فَقَوْلُهُ: ثِقَالًا جَمْعُ ثَقِيلَةٍ، وَثِقَلُهَا إِنَّمَا هُوَ بِالْمَاءِ الَّذِي فِيهَا وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [13 \ 12] جَمْعُ سَحَابَةٍ ثَقِيلَةٍ.
وَهَذِهِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْمَاءَ فِي الْمُزْنِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِنْ خِلَالِ السَّحَابِ، وَخِلَالُ الشَّيْءِ ثُقُوبُهُ وَفُرُوجُهُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَسْدُودَةٍ، وَبَيَّنَ - جَلَّ وَعَلَا - أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُهُ وَيُصَرِّفُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، فَيُكْثِرُ الْمَطَرَ فِي بِلَادِ قَوْمٍ سَنَةً، حَتَّى يَكْثُرَ فِيهَا الْخِصْبُ وَتَتَزَايَدَ فِيهَا النِّعَمُ، لِيَبْتَلِيَ أَهْلَهَا فِي شُكْرِ النِّعْمَةِ، وَهَلْ يَعْتَبِرُونَ بِعِظَمِ الْآيَةِ فِي إِنْزَالِ الْمَاءِ، وَيُقِلُّ الْمَطَرَ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ السِّنِينَ، فَتَهْلِكُ مَوَاشِيهِمْ مِنَ الْجَدْبِ وَلَا تَنْبُتُ زُرُوعُهُمْ، وَلَا تُثْمِرُ أَشْجَارُهُمْ، لِيَبْتَلِيَهُمْ بِذَلِكَ، هَلْ يَتُوبُونَ إِلَيْهِ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى مَا يُرْضِيهِ.
وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَعَ الْإِنْعَامِ الْعَامِّ عَلَى الْخَلْقِ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ بِالْقَدْرِ الْمُصْلِحِ وَإِسْكَانِ مَائِهِ فِي الْأَرْضِ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ هُمْ، وَأَنْعَامُهُمْ، وَيَنْتَفِعُوا بِهِ أَبَى أَكْثَرُهُمْ إِلَّا الْكُفْرَ بِهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [25 \ 48 - 50] .
وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَبَى مِنْهُمْ إِلَّا كُفُورًا الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَطَرَ لَمْ يُنَزِّلْهُ مُنَزِّلٌ هُوَ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ، وَإِنَّمَا نَزَلَ بِطَبِيعَتِهِ، فَالْمُنَزِّلُ لَهُ عِنْدَهُمْ: هُوَ الطَّبِيعَةُ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ الْمَاءِ التَّبَخُّرُ، إِذَا تَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ دَرَجَاتُ الْحَرَارَةِ مِنَ الشَّمْسِ أَوْ الِاحْتِكَاكِ بِالرِّيحِ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْبُخَارَ يَرْتَفِعُ بِطَبِيعَتِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ، ثُمَّ يَتَقَاطَرُ، وَأَنَّ تَقَاطُرَهُ ذَلِكَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا فَاعِلَ لَهُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَطَرُ. فَيُنْكِرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ وَيُنْكِرُونَ دَلَالَةَ إِنْزَالِهِ عَلَى قُدْرَةِ مُنَزِّلِهِ، وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ، فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ دَاخِلُونَ فِي قَوْلِهِ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا.
وَقَدْ صَرَّحَ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى، هُوَ مُصَرِّفُ الْمَاءِ، وَمُنَزِّلُهُ حَيْثُ شَاءَ كَيْفَ شَاءَ. وَمِنْ قَبِيلِ هَذَا الْمَعْنَى: مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصُّبْحَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِي: فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ". هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ رحمه الله فِي صَحِيحِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِبُخَارِ كَذَا مُسْنِدًا ذَلِكَ لِلطَّبِيعَةِ، أَنَّهُ كَافِرٌ بِاللَّهِ مُؤْمِنٌ بِالطَّبِيعَةِ وَالْبُخَارِ، وَالْعَرَبُ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ بَعْضَ الْمَطَرِ أَصْلُهُ مِنَ الْبَحْرِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يُسْنِدُونَ فِعْلَ ذَلِكَ لِلْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ - جَلَّ وَعَلَا -، وَمِنْ أَشْعَارِهِمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ:
لَا تَلُمْنِي إِنَّهَا مِنْ نِسْوَةٍ
…
رُقَّدِ الصَّيْفِ مَقَالِيتٍ نُزُرْ
كَبَنَاتِ الْبَحْرِ يَمْأَدْنَ إِذَا
…
أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ الْخُضَرْ
فَقَوْلُهُ: بَنَاتُ الْبَحْرِ يَعْنِي: الْمُزْنَ الَّتِي أَصْلُ مَائِهَا مِنَ الْبَحْرِ.
وَقَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:
سَقَى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ
…
حَنَاتِمُ غُرٌّ مَاؤُهُنَّ ثَجِيجُ
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ
…
مَتَى لُجَجٌ خُضْرٌ لَهُنَّ نَئِيجُ
وَلَا شَكَّ أَنَّ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - جَلَّ وَعَلَا -، هُوَ مُنَزِّلُ الْمَطَرِ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَشَاءُ كَيْفَ يَشَاءُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضَّحَةَ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ الْآيَةَ [16 \ 11] وَغَيْرَهَا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ، قَوْلُهُ: شَجَرَةً: مَعْطُوفٌ عَلَى: جَنَّاتٍ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مُسَوِّغَهُ مِرَارًا أَيْ: فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ، وَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ وَهِيَ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، كَمَا أَشَارَ لَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ الْآيَةَ [24 \ 35]، وَالدُّهْنُ الَّذِي تَنْبُتُ بِهِ: هُوَ زَيْتُهَا الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ [24 \ 35] وَمَعَ الِاسْتِضَاءَةِ مِنْهَا، فَهِيَ صِبْغٌ لِلْآكِلِينَ أَيْ: إِدَامٌ يَأْتَدِمُونَ بِهِ، وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ: نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو: سِينَاءُ بِكَسْرِ السِّينِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: بِفَتْحِهَا، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: تُنْبِتُ بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مُضَارِعُ أَنْبَتَ الرُّبَاعِيِّ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: تَنْبُتُ بِفَتْحِ التَّاءِ، وَضَمِّ الْبَاءِ مُضَارِعُ: نَبَتَ الثُّلَاثِيِّ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي حَرْفِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: بِالدُّهْنِ أَيْ: تَنْبُتُ مَصْحُوبَةً بِالدُّهْنِ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنْ زَيْتُونِهَا، وَعَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو، فَفِي الْبَاءِ إِشْكَالٌ، وَهُوَ: أَنَّ أَنْبَتَ الرُّبَاعِيَّ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَاءِ وَقَدْ قَدَّمْنَا النُّكْتَةَ فِي الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْبَاءِ فِي الْقُرْآنِ، وَأَكْثَرْنَا مِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ الْآيَةَ [19 \ 25] ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَنْبَتَ الرُّبَاعِيَّ، عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو هُنَا: لَازِمَةٌ لَا مُتَعَدِّيَةُ الْمَفْعُولِ، وَأَنْبَتَ تَتَعَدَّى، وَتَلْزَمُ فَمِنْ تَعَدِّيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ الْآيَةَ [16 \ 11] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [50 \ 9] وَمِنْ لُزُومِهَا قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو الْمَذْكُورَةُ، وَنَظِيرُهَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
رَأَيْتُ ذَوِي الْحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ
…
قَطِينًا بِهَا حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ الْبَقْلُ
فَقَوْلُهُ: أَنْبَتَ الْبَقْلُ لَازِمٌ بِمَعْنَى: نَبَتَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي قِرَاءَةِ:(تُنْبِتُ) بِضَمِّ التَّاءِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهَا مُضَارِعُ أَنْبَتَ الْمُتَعَدِّي: وَأَنَّ الْمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ أَيْ: تُنْبِتُ
زَيْتُونَهَا، وَفِيهِ الزَّيْتُ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الطُّورُ: هُوَ الْجَبَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يُسَمَّى طُورًا إِذَا كَانَ فِيهِ شَجَرٌ، فَإِنْ عُرِّيَ عَنِ الشَّجَرِ، سُمِّيَ جَبَلًا لَا طُورًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَطُورُ سَيْنَاءَ: هُوَ طُورُ سِنِينَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عليه السلام، وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْجِبَالِ، الَّتِي فِيهَا شَجَرُ الزَّيْتُونِ. اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ مَقَالٍ، وَقَالَ فِيهِ الْعَجْلُونِيُّ فِي كَشْفِ الْخَفَاءِ وَمُزِيلِ الْإِلْبَاسِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ وَابْنُ مَاجَهْ فَقَطْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِهِمَا ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم. اهـ مِنْهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَمَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ الْآيَةَ [16 \ 66] مَعَ بَيَانِ أَوْجُهِ الْقِرَاءَةِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ، الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ:«عَلَيْهَا» رَاجِعٌ إِلَى الْأَنْعَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ [23 \ 21] وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ خَلْقَهُ عَلَى الْأَنْعَامِ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْإِبِلُ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَيْهَا هُوَ الْأَغْلَبُ، وَعَلَى الْفُلْكِ: وَهِيَ السُّفُنُ وَلَفْظُ الْفُلْكِ، يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ مِنَ السُّفُنِ، وَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنَ الِامْتِنَانِ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ، عَلَى الْأَنْعَامِ وَالسُّفُنِ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [40 \ 79 - 80] وَقَوْلِهِ فِي الْأَنْعَامِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [36 \ 71 - 72] وَقَوْلِهِ فِيهَا وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [16 \ 7] وَقَوْلِهِ فِي
الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَعًا: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [43 \ 12 - 14] وَقَوْلِهِ فِي السُّفُنِ: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [36 \ 41 - 42] وَقَوْلُهُ: أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ [22 \ 65] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [16 \ 14] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ، وَهَذَا مِنْ نِعَمِهِ وَآيَاتِهِ، وَقَرَنَ الْأَنْعَامَ بِالْفُلْكِ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّ الْإِبِلَ سَفَائِنُ الْبَرِّ، كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
أَلَا خُيِّلَتْ مِنِّي وَقَدْ نَامَ صُحْبَتِي
…
فَمَا نَفَرَ التَّهْوِيمَ إِلَّا سَلَامُهَا طَرُوقًا
وَجُلَبُ الرَّحْلِ مَشْدُودَةٌ بِهَا
…
سَفِينَةُ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمَامُهَا
فَتَرَاهُ سَمَّى نَاقَتَهُ سَفِينَةَ بَرٍّ وَجُلَبُ الرَّحْلِ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ عِيدَانُهُ أَوِ الرَّحْلُ بِمَا فِيهِ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْلِهِ وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ، قَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ، الَّتِي لَهَا بَيَانٌ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ، بَيَّنَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ بَعْدَ إِرْسَالِ نُوحٍ وَالرَّسُولِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ تَتْرَى أَيْ: مُتَوَاتِرِينَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَكُلُّ مُتَتَابِعٍ مُتَتَالٍ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ مُتَوَاتِرًا، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ
…
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا
يَعْنِي: مَطَرًا مُتَتَابِعًا، أَوْ غُبَارَ رِيحٍ مُتَتَابِعًا، وَتَاءُ تَتْرَى مُبْدَلَةٌ مِنَ الْوَاوِ، وَأَنَّهُ كُلَّ مَا أَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى أُمَّةٍ كَذَّبُوهُ فَأَهْلَكَهُمْ، وَأَتْبَعَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِي الْإِهْلَاكِ الْمُتْسَأْصِلِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ بُيِّنَتْ آيَةُ اسْتِثْنَاءِ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذَا الْإِهْلَاكِ الْمَذْكُورِ.
أَمَّا الْآيَاتُ الْمُوَضِّحَةُ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ فَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [34 \ 34]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [43 \ 23]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً الْآيَةَ [7 \ 94 - 95] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
أَمَّا الْآيَةُ الَّتِي بَيَّنَتِ اسْتِثْنَاءَ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْآيَةَ [10 \ 98] ، وَظَاهِرُ آيَةِ الصَّافَّاتِ أَنَّهُمْ آمَنُوا إِيمَانًا حَقًّا، وَأَنَّ اللَّهَ عَامَلَهُمْ بِهِ مُعَامَلَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي الصِّفَاتِ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [37 \ 147 - 148] لِأَنَّ ظَاهِرَ إِطْلَاقِ قَوْلِهِ: فَآمَنُوا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمِنَ الْأُمَمِ الَّتِي نَصَّ عَلَى أَنَّهُ أَهْلَكَهَا وَجَعَلَهَا أَحَادِيثَ سَبَأٌ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِيهِمْ: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ الْآيَةَ [34 \ 19]، وَقَوْلُهُ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ أَيْ: أَخْبَارًا وَقِصَصًا يُسْمَرُ بِهَا، وَيُتَعَجَّبُ مِنْهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي مَقْصُورَتِهِ:
وَإِنَّمَا الْمَرْءُ حَدِيثُ بَعْدِهِ
…
فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَنْ وَعَى
وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو: تَتْرًا بِالتَّنْوِينِ: وَهِيَ لُغَةُ كِنَانَةَ، وَالْبَاقُونَ بِأَلِفِ التَّأْنِيثِ الْمَقْصُورَةِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ: وَهِيَ لُغَةُ أَكْثَرِ الْعَرَبِ، وَسَهَّلَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ قَوْلِهِ: جَآءَ أُمَّةٍ، وَقَرَأَهَا الْبَاقُونَ بِالتَّحْقِيقِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَقَوْلُهُ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [23 \ 44] مَصْدَرٌ لَا يَظْهَرُ عَامِلُهُ، وَقَدْ بَعُدَ بَعَدًا بِفَتْحَتَيْنِ، وَبُعْدًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: هَلَكَ فَقَوْلُهُ: بُعْدًا أَيْ: هَلَاكًا مُسْتَأْصِلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [11 \ 95] قَالَ الشَّاعِرُ:
قَلَّ الْغَنَاءُ إِذَا لَاقَى الْفَتَى تَلَفًا
…
قَوْلُ الْأَحِبَّةِ لَا تَبْعُدْ وَقَدْ بَعُدَا
وَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنَّ بُعْدًا وَسُحْقًا وَدَفْرًا أَيْ: نَتِنًا مِنَ الْمَصَادِرِ الْمَنْصُوبَةِ بِأَفْعَالٍ لَا تَظْهَرُ. اهـ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُمْ: سَقْيًا وَرَعْيًا، كَقَوْلِ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ: