الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإيضاح
لما أوضح تبارك وتعالى فيما مضى من الآيات ما وصى به عباده ذكر سبحانه وتعالى في نهاية هذه الوصايا قولا أجمل فيه ما تقدم تفصيله، فقوله جل ذكره:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} (الأنعام: من الآية153) يدخل فيه كل ما أمر الله به ونهى عنه، فالشريعة جملة وتفصيلا هي صراط الله المستقيم، ومن المعلوم أن ما تقدم من الوصايا جملة من الأوامر والنواهي تدخل تحت هذا العموم؛ الذي يتناول كل ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الدعوة إلى الحق، وبيان دين الإسلام، فهو بدون شك المنهج القويم، وصراط الله المستقيم، الذي كلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الإنس والجن إلى اتباعه، والعمل به جملة وتفصيلا، ونهاهم عن العدول عنه، فمن عدل عنه وقع في الضلالات، وأحاطت به المهلكات، ومما تجدر الإشارة إليه هنا التنبيه على الإضافة في قوله: صراطي هل الصراط مضافا إلى الله عز وجل، أو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. نقول جوابا عن هذا التساؤل:
يجوز الأمران فإن كانت الإضافة إلى الرب عز وجل فباعتباره الشارع سبحانه وتعالى فهو الآمر الكريم، والناهي الحكيم.
وإن كانت الإضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فباعتباره سالك المنهج القويم، الداعي إلى النعيم المقيم وهذا ما قرره العلماء وقالوا: "قد يضاف إلى الدعاة إليه والسالكين له من النبيين1 وغيرهم كما في قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} 2. وعلى هذا فيكون المعنى ومما أتلو عليكم من وصايا رب العزة والجلال أن تعلموا أن القرآن الذي أدعوكم إلى العمل به والدعوة إليه وأن ما تضمن من أوامر ونواهي هو الطريق القويم الذي يصل سالكه إلى مرضاة الله وأن ذلك المنهج الذي أسير عليه، فهو الشرع النقي، والمورد العذب، والمشرب السائغ، ومما أتلو عليكم أن تعلموا أن ما أوصاكم الله به في هذه السورة العظيمة ما هو إلا جملة من الأوامر والنواهي التي ضمها كتاب الله العظيم الواجب عليكم العمل بما فيه جملة وتفصيلا، إن هذا القرآن الذي آمركم به وأدعوكم إليه فيه حياتكم، وبه رقيكم، وهو سفينة نجاتكم، فمن أحل حلاله، وحرم حرامه، وعمل بمحكمه، وآمن بمتشابهه فقد سلك صراط الله المستقيم المنتهي بسالكه إلى مرضاة الله عز وجل، إنه سبيل ظاهر الاستقامة، لا
1 الألوسي 5/50.
2 الآية 7 من الفاتحة.
يضل سالكه، ولا يهتدي تاركه، فاتبعوه وحده، ولا تتبعوا الطرق التي تخالفه، فتذهب بكم فتصبحوا فرقاً ضالة تنتهي إلى الهلكة والضياع، فما بعد الحق إلا الضلال، ومن ترك النور عاش في الظلمات، لأن ما بعث الله به رسله من نوح أول الرسل إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، وهو لا يتعدد، فالطريق الموصل إلى الله عز وجل واحد ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، لا يصل إلى الله أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كل طريق واستفتحوا من كل باب، فالطريق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله، موصل إلى الله1. وتأكيداً لما سبق بيانه جاءت السنة النبوية تزيد الأمر شرحاً وتجليه بالرسم البياني بعد بيان القول يقول ابن ماجه رحمه الله:
حدثنا أبو سعيد، عبد الله بن سعيد2، ثنا أبو خالد الأحمر3 قال: سمعت مجالداً4 يذكر عن الشعبي 5، عن جابر بن عبد الله قال:
"كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً، وخط خطين عن يمينه، وخطين عن يساره6، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله 7، ثم تلا هذه الآية {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} 8". فالسبل التي حذر الله عز وجل منها ونبه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الوسيلة الإيضاحية زيادة في تحذير الأمة من الزيغ واتباع الهوى، وتلك السبل تعم اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وسائر أهل الملل، وجميع أصحاب البدع والضلالات، من أهل الأهواء، والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل، والخوض في الكلام9. هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء
1 التفسير القيم ص 14. 15.
2 الأشج، ثقة، مات سنة سبع وخمسين ومائتين.
3 سليمان بن حيان، الأزدي، صدوق يخطىء، مات سنة تسعين ومائة.
4 ابن سعيد بن عمير، ليس بالقوي مات سنة أربع وأربعين ومائة. وقد وقع خطأ في السند في تفسير ابن كثير 2/ 190 فذكر بدله (مجاهد) والصواب (مجالد) .
5 عامر بن شراحيل.
6 لعل، صورته هكذا.
_________
7 أخرجه ابن ماجه 1/6 وبسنده أخرجه الإمام أحمد، وكذلك من طريق أخرى عن ابن مسعود (المسند 3/397، 1/465) وبه أخرجه الحاكم (المستدرك2/318) وابن حبان (1/ 167) .
8 الآية 153 من الأنعام.
9 انظر (القرطبي7/238) .
المعتقد1. وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم أجمعين قال الطبري رحمه الله: حدثني محمد بن عبد الأعلى2 قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان3، أن رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: "تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادّ، وعن يساره جوادّ، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة"4 ثم قرأ ابن مسعود {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما} (الأنعام: من الآية153) . ويزيد حرص ابن مسعود رضي الله عنه على دعوة الأمة المحمدية إلى الخير وتحذيرها من الشر، ويوضح رضي الله عنه أنه لا تتم السلامة لأحد إلا بنور العلم وضياء الكتاب والسنة وهو الإِسلام الذي فسر به الصراط المستقيم في حديث النواس بن سمعان الآتي:
قال الدارمي رحمه الله: أخبرنا أبو المغيرة5، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير6، عن أبي قلابة7 قال: قال عبد الله بن مسعود:
"تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع8، والتعمق9، والبدع10، وعليكم بالعتيق11"12 والرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين كثيرة في هذا الباب وإنما أردنا الدلالة عليها بما ذكرنا. وتبعهم من بعدهم من حملة الخير والهدى التابعون فهذا الدارمي رحمه الله يقول:
1 انظر (ابن عطية 6/ 185) .
2 الصنعاني، ثقة، مات سنة خمس وأربعين ومائتين.
3 ابن عثمان بن عفان، ثقة، مات سنة خمس ومائة.
4 الطبري 8/ 65.
5 عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، ثقة، مات سنة ثنتي عشرة ومائتين.
6 ثقة، ثبت، مدلس، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
7 عبد الله بن زيد الجرمي، ثقة، كثير الإرسال.
8 هما كلمتان مترادفتان ومعناهما هنا. التشدد والغلو في الكلام ولمزيد الفائدة انظر (اللسان 8/357، 10/ 271) .
9 هما كلمتان مترادفتان ومعناهما هنا. التشدد والغلو في الكلام ولمزيد الفائدة انظر (اللسان 8/357، 10/ 271) .
10 جمع بدعة وهي كل ما خالف أصول الشريعة من الأقوال والأعمال. وانظر (اللسان 8/ 6) .
11 القديم، أي الأمر الأول النهاية 3/ 179.
12 أخرجه الدارمي السنن 1/ 50.
أخبرنا مخلد بن خالد بن مالك1، أخبرنا النضر بن شميل2، عن ابن عون3، عن ابن سيرين4 قال:
"كانوا5يرون أنه على الطريق ما كان على الأثر"6. ولا ريب أن الأثر المذكور هو شرع الله عز وجل الذي جاء به نبي الهدى والرحمة وهو صراط الله المستقيم الذي سار عليه معلمو الإنسانية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتجدر بنا الإشارة – ونحن نختم هذه الجولة من معايشة آيات من كتاب الله - أن نذكر القارئ الكريم بأن الآية فيها من الأمور التي تظهر للمتأمل ما يلي:
1-
إن الله عز وجل قد جمع في هذه الوصية بين الأمر باتباع سبيل الحق، والنهي عن سبيل الضلال المقابلة له.
2-
أنه عزوجل كرر لفظ الوصية في هذه الآية فقال: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} (الأنعام: من الآية151) لمزيد التوكيد والاهتمام بها، فيا لها من وصية عظم الله شأنها، وقوى برهانها، وجعلها نورا لمن عمل بها، وحجة على من لم يستظل بظلها.
3-
في الآية الكريمة التنبيه على أن كل ما كان حقاً فهو واحد، ولا يلزم منه أن يقال: إن كل ما كان واحدا فهو حق، فإذا كان الحق واحداً، كان كل ما سواه باطلا، وما سوى الحق أشياء كثيرة، فيجب الحكم بأن كل كثير باطل، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل كثير7.
4-
الأمر بلزوم جماعة المسلمين لأن اتباع صراط الله المستقيم يستلزم ذلك.
5-
النهي عن الفرقة والإختلاف، فقوله:{وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} (الأنعام: من الآية153) دال على ذلك ويؤيده قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِه}
1 هكذا في النسختين ولم أقف عليه ولعل الصواب مخلد بن مالك الجمال، فهو شيخ الدارمي، وتلميذ النضر، ثقة مات سنة إحدى وأربعين ومائتين.
2 ثقة، ثبت، مات سنة أربع ومائتين.
3 عبد الله بن عون بن أرطبان، ثقة، ثبت، مات سنة خمسين ومائة.
4 محمد بن سيرين، ثقة، ثبت، عابد، مات سنة عشر ومائة.
5 أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. (يرون أنه) يعني المسلم يكون على طريق الحق ما دام يلتزم بالأثر.
6 أخرجه الدارمي السنن 1/50.
7 الرازي 3/14. وانظر تعليق أحمد شاكر رحمه الله عمدة التفسير 5/22.
(الشورى: من الآية13) .
{إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 1. وهذا نهي عن التفرق فغنما هلك من هلك بسبب الفرقة وكثرة الجدل، والخصومات في دين الله عز وجل2.
ولا ريب أن من يتابع أحوال المسلمين اليوم وما هم فيه من الفرقة والخلاف يعتريه قلق شديد علىمصير مئات الملايين من أبناء الأمة الإسلامية إذا لم يعتصموا بحبل الله المتين الكتاب والسنة. والأخطار محدقة بهم، ودعاة الهدم والضلال يزدادون يوما بعد يوم. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يصور الأمور لأمته أبدع تصوير ويجليها بضرب الأمثال، ويدلل عليها بإقامة المثال، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي، ثنا الحسن بن سوار أبو العلاء3، ثنا ليث يعني ابن سعد4، عن معاوية بن صالح5، أن عبد الرحمن بن جبير6 حدثه، عن أبيه7، عن النواس بن سمعان8 الأنصاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا (ولا تتفرقوا) 9 وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله عز وجل، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم"10. فلو تأمل المسلمون كتاب ربهم ودرسوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم لما كثر دعاة الضلال، ولما قويت دعوات الطوائف أعداء الأمة المحمدية الذين لا يفتئون يفتون في عضد الوحدة الإسلامية، ولما تفتحت أبواب البدع، والخرافات، وتنوعت أشكال الشعارات المزيفة، التي أصبح لها الأثر البالغ في غواية الشباب، وشحن الأفكار باتباع الأهواء، والإنزلاق في الشهوات بجميع أصنافها دون أدنى
1 الآية 13 من الشورى.
2 انظر كلام ابن كثير 2/190.
3 صدوق، مات سنة ست عشرة ومائتين.
4 المصري، أبو الحارث، ثقة، ثبت، فقيه، مات سنة خمس وسبعين ومائة.
5 قاضي الأندلس، صدوق له أوهامروى له مسلم، مات سنة ثمان خمسين ومائة.
6 ابن نفير، ثقة، مات سنة ثمان عشرة ومائة.
7 جبير بن نفير، ثقة، جليل، ولأبيه صحبة، مات سنة ثمانين.
8 صحابي، قيل وفد على النبي صلى الله عليه وسلم. انظر (أسد الغابة 5/45) .
9 في المسند (تتفرجو) وصوابه ما أثبتناه.
10 المسند 4/182.
نظرة لما يحل وما يحرم، فلسان حال الكثيرين اليوم يقول: إن الغاية تبرر الوسيلة، وإذا كنا نتحدث عما حل بالمسلمين اليوم وقلوبنا تنزف أسى وحسرة، لا نملك إلا أن نصرخ بالصوت العالي الجهور، ونقول: أيها المسلمون عودوا إلى كتاب ربكم لتعود عزتكم فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين1، عودوا إلى سنة نبيكم تعود لكم استقامتكم وتتحقق سلامتكم قال أبوداود رحمه الله: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الوليد بن مسلم2، حدثنا ثور بن يزيد قال: حدثني خالد بن معدان قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي3، وحجر بن حجر4 قالا: أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} 5 فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: "صلى بنا رسوله الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله؛ كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال:
"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً6، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء7 المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ8، وإياكم ومحدثات9 الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"10. فكما أرشدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بسنته أمرنا الله عز وجل بأخذ كل ما أمر به صلى الله عليه وسلم، وترك كل ما نهى عنه قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 11 وحذر جل شأنه من مخالفة نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه
1 إقرأ الآية 8 من (سورة المنافقين) .
2 ثقة، كثير التدليس، ولا يضر هنا لأنه صرح بالتحديث.
3 مقبول مات سنة عشر ومائة.
4 مقبول أيضاً.
5 الآية 192 التوبة.
6 أي وإن ولي عليكم عبد حبشي. ففيه الأمر بطاعة ولي الأمر ما أقام الدين وحكم بالشريعة.
7 هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم أجمعين وعن كافة أصحاب رسوله الكريم.
8 النواجذ أقصى الأضراس، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها. (ترتيب القاموس 4/327) .
9 جمع محدثة- بالفتح- وهي ما لم يكن معروفاً في كتاب ولا سنة ولا إجماع. (النهاية 1/ 351) .
10 سنن أبى داود 5/13 وأخرجه الترمذي من طريق أخرى عن خالد وقال: هذا حديث حسن صحيح (الجامع 5/ 44) .
11 الآية 7 الحشر.
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 1 فالهرب الهرب من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنجاة النجاة، بالتمسك بهدية والسير على طريقه وصحابته ففي ذلك التجارة الرابحة، ويلحظ النابه أن محور دعوته صلى الله عليه وسلم بعد توحيد الله تحذير الأمة من الأهواء والبدع وإرشادهم إلى الأخذ بالأمر المستقيم فكان يوصي بلزوم السنة إلى أن فارق الدنيا ففي رواية ابن ماجه لحديث العرباض أنه صلى الله عليه وسلم قال: "تركتكم على البيضاء2، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين
…
" -وقال في آخره: "فإنما المؤمن كالجمل الأنف3، حيثما قيد انقاد" 4، هذا ما أوصى به نبي الهدى أمته وتواصى بالتمسك به أصحابه من بعده، قال الدارمي رحمه الله: أخبرنا الحكم بن المبارك5، أنا عمر بن يحيى6 قال سمعت أبي7، يحدث عن أبيه8 قال: "كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه9 جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً أمرا أنكرته10، ولم أر والحمد لله إلا
1 الآية 63 النور.
2 شبه منهجه صلى الله عليه وسلم بالجادة الواضحة؛ الطريق الأبلج الذي لا يضل سالكه.
3 شبه انقياد المؤمن للحق عند سماعه بالجمل الذي يخزم أنفه فينقاد لصاحبه، فالجمل الأنف هو الذي يشتكي أنفه من الوجع (الصحاح1/ 54) .
4 ابن ماجة 1/16 وتقدم أنه عند أبي داود والترمذي.
5 الخاشتي، صدوق ربما وهم، مات سنة عشر ومائتين.
6 هكذا عند الدارمي. والصواب عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة بن الحارث، الكوفي، ذكره الحافظ في (اللسان4/378) وقال: قال ابن معين: "حديثه ليس بشيء، قد رأيته". ولم أقف عليه في تاريخ ابن معين، وسبق الحافظ إلى نقل هذه العبارة الحافظ الذهبي (الميزان 3/ 293) .
7 يحيى بن عمرو بن سلمة، لم يذكره أبو حاتم بجرح ولا تعديل (الجرح والتعديل 9/176) .
8 عمرو بن سلمة بن الحارث، الهمداني، لم يذكره البخاري بجرح ولا تعديل (التاريخ 6/337) ومثله ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل 6/ 235) . وذكره ابن حبان في (الثقات 5/ 172) وذكره الحافظ وقال: قال ابن أبي حاتم عن أبيه: "أخطأ في عمرو بن سلمة حيث جمع بينهما، ذاك جرمي، وهذا همداني". ثم قال: "وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة
…
"الخ (التهذيب 8/42) ولي على هذا ملاحظتان: الأولى: ما خطىء فيه البخاري ليس وارداً فقد أفرد كل منهما بترجمة (التاريخ 6/313، 337) والثانية: أن المذكور في طبقات ابن سعد غير هذا (الطبقات 6/ 171) ومن هنا والله أعلم وقع الخطأ في التقريب حيث قال: ثقة (التقريب 260) .
9 إن صحت هذه الرواية فالقيام هنا ليس من باب التعظيم الذي ثبت النهي عنه. إنما هو من باب الاستعداد للمشي إلى الصلاة.
10 هذه المقولة تدل على عدم ثبوت الرواية والله أعلم، لأنه ليس من المعقول أن يذهب أبو موسى إلى المسجد للصلاة ثم خرج منه وهو يعرف فضل المبادرة إلى المسجد والسبق إلى الصلاة. ثم ليس من المعقول أن يرى منكراً ثم يقول ما رأيت إلا خيرا، ثم لا ينكر ذلك ويذهب ليأخذ رأي ابن مسعود أينكر أم لا؟. وقد كان أصحاب رسول الله أكثر الناس التزاماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا رأي عنّ لي في المسألة. وانظر ما في تعليق (3، 6) وتعليق (2) الآتي.
خيرا، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال:"رأيت في المسجد قوماً حلقا1جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة". قال: "فماذا قلت لهم؟ " قال: "ما قات لهم شيئا انتظار رأيك وانتظار أمرك"2، قال:"أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم"، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال:"ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ " قالوا: "يا أبا عبد الرحمن حصى3 نعد به التكبير والتهليل والتسبيح". قال: "فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن لكم أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم4؛ هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل5، وأوانيه لم تكسر6، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة7 محمد؟! أو مفتتحو باب ضلالة؟ ". قالوا: "والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير". قال: "وكم من مريد للخير لن يصيبه8، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم9، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم"، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة:"رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج"10. فهذه المقولة عن ابن مسعود إن لم يصح سندها فمعناها صحيح ولها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة، وكلام التابعين الشواهد التي لا تحصر، وما رفعه ابن مسعود رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ثابت في الصحيحين من حديث أبي سعيد وغيره، انظر (الصحيح مع الفتح 13/415) وكذلك (صحيح مسلم 2/740
…
) ، وإنما المقدمة هي التي في النفس
1 بكسر الحاء، وفتح اللام، جمع الحلقة، مثل قصعة، وقصع، وهي الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب (النهاية 1/426) .
2 على فرض صحة هذه الرواية فتوقف أبي موسى عن المبادرة فى الإنكار إنما كان تعقلاً لا سيما وأن العمل مشروع لكن بغير هذه الصورة.
3 جمع حصاة، وهي الأحجار الصغيرة. انظر (النهاية 1/398) .
4 باقتراف البدع، واتباع الأهواء، يؤيد هذا حديث ((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)) .
5 كناية عن قرب موته صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يطل عليهم العهد، بل هم حديثوا عهد بهدى.
6 كناية عن قرب موته صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يطل عليهم العهد، بل هم حديثوا عهد بهدى.
7 هذه جملة توبيخ وإنكار، لأن من يزعم أنه جاء بأهدى من ذلك فهو كافر، فأراد ابن مسعود رضي الله عنه أن يوبخهم على ذلك ويحقر ما فعلوا.
8 إذا كان داعية هواه أو اجتهاده المحض، لكن من أراد الخير مستنيرا بالكتاب والسنة فإنه لا يعدم ذلك.
9 يريد به حديث.
10 الدارمي 1/ 61.
عليك بدين الأعراب والغلام في الكتاب1، وأله عما سوى ذلك. قال الدارمي رحمه الله:
حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن2 قال: حدثنا أسد بن موسى3 قال: حدثنا حماد ابن دليل4 قال: سمعت سفيان الثوري5 يحدثنا عن النضر. ورواه أبو داود أيضا بالسند العالي قال: حدثنا محمد بن كثير6 قال: حدثنا سفيان قال: "كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القَدَر، فكتب7؛ أوصيك بتقوى الله والاقتصاد8 في أمره، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون، بعد ما جرت به سنته، وكفوا مئونته، فعليك بلزوم السنة فإنها لك - بإذن الله - عصمة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها9، أو عبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من قد علم10 ما في خلافها من الخطأ، والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كَفّوا11، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه12 لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: - إنما حدث بعدهم - (فـ) ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مَقْصِر13، وما فوقهم من مجسر14، وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح15 عنهم أقوام فعلوا، وإنهم بين
1 يريد به من كانوا على الفطرة تقبل قلتم الحق وفي ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة ".
2 صاحب الشافعي، ثقة، مات سنة سبعين ومائتين.
3 صدوق يغرب، وفيه نصب، مات سنة اثنتين عشرة ومائتين.
4 صدوق، نقموا عليه الرأي.
5 الإمام، الحجة.
6 العبدي، ثقة، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
7 عمر بن عبد العزيز رحمه الله وهو الخليفة العادل حتى قيل: إنه خامس الخلفاء الراشدين.
8 المراد أن يكون المرء بين ذلك قواما، فلا يقصر في حق الله عز وجل ولا يغلو فيكون مجانباً للإفراط والتفريط.
9 أي على أنها محدثة وليست من الهدي المحمدي.
10لم يقل محمد بن كثير في روايته: (من قد علم) .
11 أي امتنعوا عما يخالف السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
12 من البدع والأهواء.
13 بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الصاد، أي لا يرضى المسلم بأقل مما وصلوا إليه من الفضل تقول: رضي بمقصر مما كان يحاول، دون ما طلب. (انظر اللسان 5/98) . وفي نظري أن الدعاس أخطأ في تعليقه على هذه اللفظة.
14 الذي في السنن ((محسر)) وفي نظري أنه خطأ صوابه ما أثبت أعلاه، من الجسارة أي لا يتطاول عليهم ويطلب المزيد على ما جاؤا به فإنهم أكرم الناس بعد رسول الله وأكمل الناس بعده صلى الله عليه وسلم. (انظر اللسان 4/136) .
15 أي أبعدوا في طلب المزيد على ما جاء عن الصحابة فوقعوا في الغلو انظر (الصحاح2/48) .
ذلك1 لعلى هدى مستقيم
…
الخ"2. ونقل القرطبي رحمه الله عن سهل بن عبد الله التستري3 قوله: "عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحواله ذموه، ونفروا عنه، وتبرؤا منه، وأذلوه، وأهانوه
…
لا يحدث أحدكم بدعة حتى يحدث له إبليس عبادة، فيتعبد بها ثم يحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع منه تلك الخدمة) 4 وهذا غيض من فيض، فنحذر إخواننا المسلمين من خطر الابتداع ومرافقة المبتدعين وإذا ثبت لنا أن رجلا ما يدعو إلى بدعة أو يحبذها. فعلينا مجانبته، والتحذير من مجالسته، فإنه جليس سوء ونافخ كير إما أن يحرق عقيدتك وإما أن تجد منه قولاً باطلاً لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، إن المروجين للبدع اليوم كثر وهم أئمة في مظاهرهم، وهيئاتهم، ولكنهم مضلون5 في بواطنهم وأفكارهم، فانصبوا لهم موازين الكتاب والسنة، وانفوا خبث أقوالهم بصوارم الأدلة، تكونوا من الفرقة الناجية التي عضت على الكتاب والسنة بالنواجذ، وإياكم والميل لصاحب بدعة أو مجالسته فإن ذلك يعرضكم للعقوبة فالله عز وجل يقول:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} 6وقد بينت آية النساء وهي مدنية عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} 7 فالله عز وجل ألحق من جالس هذه الطوائف بهم في الحكم، والعبرة أيها القارئ الكريم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهذا ما فهمه جلة من علماء المسلمين وأئمتهم منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وعبد الله بن المبارك حين حكموا بموجب هذه الآية وما في معناها في مجالسي أهل البدع، وأدبوهم على المعاشرة والمخالطة، وقالوا فيمن شأنه مجالسة أهل البدع: "ينهى عن مجالستهم فإن انتهى وإلا ألحق بهم، وقد نفذ هذا عملياً الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله وحكم بالحد
1 بين المقصر والمجسر (بين الإفراط والتفريط) .
2 أخرجه أبو داود 5/18 واستفاده القرطبي 7/ 139.
3 انظر شيئا من أقواله رحمه الله في الحلية10/189.
4 ذكره القرطبي 10/ 189.
5 انظر حديثاً في هذا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح (الجامع 4/ 504) .
6 الآية 168 الأنعام.
7 الآية 140 النساء.
الإيضاح
لما أوضح تبارك وتعالى فيما مضى من الآيات ما وصى به عباده ذكر سبحانه وتعالى في نهاية هذه الوصايا قولا أجمل فيه ما تقدم تفصيله، فقوله جل ذكره:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} (الأنعام: من الآية153) يدخل فيه كل ما أمر الله به ونهى عنه، فالشريعة جملة وتفصيلا هي صراط الله المستقيم، ومن المعلوم أن ما تقدم من الوصايا جملة من الأوامر والنواهي تدخل تحت هذا العموم؛ الذي يتناول كل ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الدعوة إلى الحق، وبيان دين الإسلام، فهو بدون شك المنهج القويم، وصراط الله المستقيم، الذي كلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الإنس والجن إلى اتباعه، والعمل به جملة وتفصيلا، ونهاهم عن العدول عنه، فمن عدل عنه وقع في الضلالات، وأحاطت به المهلكات، ومما تجدر الإشارة إليه هنا التنبيه على الإضافة في قوله: صراطي هل الصراط مضافا إلى الله عز وجل، أو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. نقول جوابا عن هذا التساؤل:
يجوز الأمران فإن كانت الإضافة إلى الرب عز وجل فباعتباره الشارع سبحانه وتعالى فهو الآمر الكريم، والناهي الحكيم.
وإن كانت الإضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فباعتباره سالك المنهج القويم، الداعي إلى النعيم المقيم وهذا ما قرره العلماء وقالوا: "قد يضاف إلى الدعاة إليه والسالكين له من النبيين1 وغيرهم كما في قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} 2. وعلى هذا فيكون المعنى ومما أتلو عليكم من وصايا رب العزة والجلال أن تعلموا أن القرآن الذي أدعوكم إلى العمل به والدعوة إليه وأن ما تضمن من أوامر ونواهي هو الطريق القويم الذي يصل سالكه إلى مرضاة الله وأن ذلك المنهج الذي أسير عليه، فهو الشرع النقي، والمورد العذب، والمشرب السائغ، ومما أتلو عليكم أن تعلموا أن ما أوصاكم الله به في هذه السورة العظيمة ما هو إلا جملة من الأوامر والنواهي التي ضمها كتاب الله العظيم الواجب عليكم العمل بما فيه جملة وتفصيلا، إن هذا القرآن الذي آمركم به وأدعوكم إليه فيه حياتكم، وبه رقيكم، وهو سفينة نجاتكم، فمن أحل حلاله، وحرم حرامه، وعمل بمحكمه، وآمن بمتشابهه فقد سلك صراط الله المستقيم المنتهي بسالكه إلى مرضاة الله عز وجل، إنه سبيل ظاهر الاستقامة، لا
1 الألوسي 5/50.
2 الآية 7 من الفاتحة.