المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

سورة الواقعة   مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. قال ابن - اللباب في علوم الكتاب - جـ ١٨

[ابن عادل]

الفصل: سورة الواقعة   مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. قال ابن

سورة الواقعة

مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. قال ابن عباس وقتادة: إلى آية منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] .

وقال الكلبي: مكية إلا أربع آيات، منها آيتان:{أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 81، 82] نزلتا في سفر، وقوله تعالى:{ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة: 39، 40] نزلتا في سفره إلى " المدينة ".

ص: 367

وهي سبع وتسعون آية، وثلاث مائة وثمان وسبعون كلمة، وألف [وتسعمائة] وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ‌

‌ الواقعة

لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} .

في «إذا» أوجه:

أحدها: أنها ظرف محض ليس فيها معنى الشَّرط، والعامل فيها «ليس» .

الثاني: أن العامل فيها «اذْكر» مقدراً.

قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب «إذا» ؟ .

قلت: ب «ليس» ، كقولك: يوم الجمعة ليس لي شغل.

ثم قال: أو بإضمار «اذكر» .

قال أبو حيان: «ولا يقول هذا نحوي» .

ص: 367

قال: لأن «ليس» مثل «ما» النافية فلا حدث فيها، فكيف تعمل في الظرف من غير حدث، وتسميتها فعلاً مجازاً، فإن حدَّ الفعل غير منطبق عليها.

ثم قال: وأمَّا المثال الذي نظر به، فالظرف ليس معمولاً ل «ليس» بل للخبر، وتقدم معمول خبرها عليها، وهي مسألة خلاف. انتهى.

قال شهاب الدين: الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ومعنى كلام الزمخشري أن النفي المفهوم من «ليس» هو العامل في «إذا» كأنه قيل: ينتفي كذب وقوعها إذا وقعت، ويدل على هذا قول أبي البقاء رحمه الله.

والثاني: ظرف لما دل عليه {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} ، أي: إذا وقعت لم تكذب، فإن قيل: فليجر ذلك في «ما» النافية؟ .

فالجواب: أن الفعل أقرب إلى الدلالة على الحدث من الحرف.

الثالث: أنها شرطية، وجوابها مقدر، أي:«إذا وقعت كان كيت وكيت» ، وهو العامل فيها.

الرابع: أنها شرطية، والعامل فيها الفعل الذي بعدها ويليها، وهو اختيار أبي حيان، وتبع في ذلك مكيًّا.

قال مكي: «والعامل فيه» وقعت «؛ لأنها قد يجازى بها، فعمل فيها الفعل الذي بعدها كما يعمل في» مَا «، و» مَنْ «اللتين للشرط في قولك: ما تَفْعَلْ أفْعَلْ، ومن تُكْرِمْ أكْرِمْ» ، ثم ذكر كلاماً كثيراً.

الخامس: أنها مبتدأ، و «إذَا رُجَّتْ» خبرها، وهذا على قولنا:«إنها تتصرف» وقد مضى تحريره إلا أن هذا الوجه إنما جوزه ابن مالك، وابن جني، وأبو الفضل الرازي على قراءة من نصب «خافِضَةً رافِعَةً» على الحال، وحكاه بعضهم عن الأخفش.

قال شهاب الدين: «ولا أدري اختصاص ذلك بوجه النَّصب» .

السادس: أنه ظرف ل «خافضة» ، أو «رافعة» . قاله أبو البقاء. أي إذا وقعت خفضت ورفعت.

السابع: أن تكون ظرفاً ل «رُجَّتْ» ، و «إذَا» الثانية على هذا إما بدل من الأولى، أو تكرير لها.

الثامن: أن العامل فيه ما دلّ عليه قوله:

{فَأَصْحَابُ الميمنة} [الواقعة: 8] أي: إذا وقعت بانت أحوال الناس فيها.

ص: 368

التاسع: أن جواب الشرط، قوله:{فَأَصْحَابُ الميمنة} [الواقعة: 8] إلى آخره، و «لِوقعَتِهَا» خبر مقدم، و «كاذبة» اسم مؤخر.

و «كاذبة» يجوز أن تكون اسم فاعل، وهو الظَّاهر، وهو صفة لمحذوف، فقدر الزمخشري:«نفس كاذبة» .

أي: أن ذلك اليوم لا يكذب على الله أحد، ولا يكذِّب بيوم القيامة أحد.

ثم قال: «و» اللام «مثلها في قوله: {قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24] ، أو ليس نفس تكذبها، وتقول لها: لم تكوني كما لها اليوم نفوس كثيرة يكذبنها اليوم، يقلن لها: لن تكوني، أو هي من قولهم: كَذَبَتْ فُلاناً نفسُه في الخَطْبِ العظيم إذا شجعته على مباشرته، وقالت له: إنك تطيقه وما فوقه، فتعرض له ولا تبال به، على معنى أنها وقعة لا تُطاق شدة وفظاعة، وأن لا نفس حينئذ تحت صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور وتزين له احتمالها وإطاقتها؛ لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذلّ، ألا ترى إلى قوله {كالفراش المبثوث} [القارعة: 4] ، والفراش مثل في الضعف» .

وقدره ابن عطية: «حال كاذبة» .

قال: ويحتمل الكلام على هذا معنيين:

أحدهما: كاذبة أي: مكذوبة فيما أخبر به عنها، فسماها كاذبة لهذا، كما تقول: هذه قصّة كاذبة، أي: مكذوب فيها.

والثاني: حال كاذبة أي: لا يمضي وقوعها، كقولك: فلان إذا حمل لم يكذب.

والثالث: «كاذبة» مصدر بمعنى التَّكذيب. نحو {خَآئِنَةَ الأعين} [غافر: 19] .

قال الزمخشري: وقيل: «كاذبة» مصدر ك «العاقبة» بمعنى التكذيب من قولك: حمل فلان على قرنه فما كذب، أي فما جبن ولا تثبَّط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من إطاقته له وإقدامه عليه وأنشد ل «زهير» :[البسيط]

4669 -

...

...

... . إذَا

مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقَا

أي: إذا وقعت لم يكن لها رجعة ولا ارتداد انتهى.

ص: 369

وهو كلام حسن جدًّا.

ثم لك في هذه الجملة وجهان:

أحدهما: أنها لا محلّ لها من الإعراب، إما لأنها ابتدائية، ولا سيما على رأي الزمخشري، حيث جعل الظرف متعلقاً بها.

وإما لأنها اعتراضية بين الشرط وجوابه المحذوف.

الثاني: أن محلّها النصب على الحال. قاله ابن عطية.

ولم يبين صاحب الحال، ماذا؟ .

وهو واضح إذ لم يكن هنا إلَاّ الواقعة، وقد صرَّح أبو الفضل بذلك.

وقرأ العامة: برفع «خَافِضَةٌ ورافِعَةٌ» على أنها خبر ابتداء مضمر، أي: هي خافضة قوماً إلى النَّار، ورافعة آخرين إلى الجنة، فالمفعول محذوف لفهم المعنى.

أو يكون المعنى أنها ذات خفض ورفع، كقوله:{يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258]، {وَكُلُواْ واشربوا} [البقرة: 187] .

وقرأ زيد بن علي وعيسى والحسن، وأبو حيوة، وابن مقسم واليزيدي: بنصبهما على الحال.

ويروى عن الكسائي أنه قال: «لولا أن اليزيدي سبقني إليه لقرأت به» انتهى.

قال شهاب الدين: «ولا أظن مثل هذا يصح عن مثل هذا» .

واختلف في ذي الحال:

فقال أبو البقاء: من الضمير في «كاذبة» ، أو في «وقعت» .

وإصلاحه أن نقول: أو فاعل «وقعت» ؛ إذ لا ضمير في «وقعتْ» .

وقال ابن عطية وأبو الفضل: من «الواقعة» .

ثم قرّرا مجيء الحال متعددة من ذي حال واحدة، كما تجيء الأخبار متعددة. وقد تقدم بيانه.

وقال أبو الفضل: «وإذا جعلت هذه كلها أحوالاً، كان العامل في» إذا وقعت «محذوفاً يدل عليه الفحوى، أي: إذا وقعت يحاسبون» .

ص: 370

فصل في معنى الآية

قال المفسرون: {إذا وقعت الواقعة} أي: إذا قامت القيامة، والمراد: النَّفخة الأخيرة، وسميت الواقعة لأنها تقعُ عن قرب.

وقيل: لكثرة ما يقع فيها من الشَّدائد.

قال الجرجاني: «إذا» صلة، أي: وقعت الواقعة، كقوله:{اقتربت الساعة} [القمر: 1]{أتى أَمْرُ الله} [النحل: 1] وهو كما يقال: جاء الصوم، أي: دنا واقترب.

وقال القرطبي: فيه إضمار، أي: اذكر إذا وقعت، وعلى هذا «إذا» للتَّوقيت، والجواب قوله:{فَأَصْحَابُ الميمنة} [الواقعة: 8] .

وقال ابن الخطيب: أو يكون التقدير: إذا وقعت الزلزلة الواقعة يعترف بها كل أحد، ولا يتمكّن أحد من إنكارها.

و {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} .

«الكاذبة» : مصدر بمعنى الكذب، والعرب قد تضع الفاعل والمفعول موضع المصدر كقوله تعالى:{لَاّ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} [الغاشية: 11] أي: لغو، والمعنى: ليس لها كذب.

قاله الكسائي.

ومنه قول العامة: عائذاً بالله، أي: معاذ الله، وقُمْ قائماً، أي: قم قياماً.

وقيل: الكاذبة: صفة، والموصوف محذوف، أي: ليس لوقعتها حال كاذبة أو نفس كاذبة، أي كل من يخبر عن وقعتها صادق.

وقال الزجاج: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي: لا يردها شيء. ونحوه قول الحسن وقتادة.

وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها.

وقيل: إن قيامها جدّ لا هزل فيه.

وقوله: {خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ} .

قال عكرمة ومقاتل والسدي: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت من نأى، يعنى أسمعت القريب والبعيد.

وعن السّدي: خفضت المتكبرين ورفعت المستضعفين.

ص: 371

وقال قتادة: خفضت أقواماً في عذاب الله، ورفعت أقواماً إلى طاعة الله.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خفضت أعداء الله في النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.

وقال ابن عطاء: خفضت أقواماً بالعدل، ورفعت أقواماً بالفضل.

والرفع والخفض يستعملان عند العرب في المكان والمكانة والعزّ والمهانة، ونسب سبحانه وتعالى الرفع والخفض إلى القيامة توسعاً ومجازاً على عادة العرب في إضافتها الفعل إلى المحل والزمان وغيرهما مما لم يمكن منه الفعل، يقولون: ليلٌ قائم، ونهار صائم.

وفي التنزيل: {بَلْ مَكْرُ الليل والنهار} [سبأ: 33] .

والرافع والخافض في الحقيقة هو الله تعالى.

و «اللام» في قوله «لوقعتها» إما للتعليل، أي لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعتها.

وإما للتعدية، كقولك:«ليْسَ لزيد ضارب» فيكون التقدير: إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها امرؤ يوجد لها كاذب يكذب إذا أخبر عنه.

قال ابن الخطيب: وعلى هذا لا يكون «ليس» عاملاً في «إذا» وهو بمعنى «ليس» لها كاذب.

ص: 372

يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره.

وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها.

وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» .

قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» .

قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب.

والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت.

قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله.

وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام.

والرَّجْرجَة: الاضطراب.

وارتجّ البحر وغيره: اضطرب.

وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» .

يعني: إذا اضطربت أمواجه.

قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى.

قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت.

ص: 373

قوله: {وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً} .

أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها.

وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد.

أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله:{يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105]، ويدل عليه:{فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} .

قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ.

والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً.

قال الراجز: [الرجز]

4670 -

لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا

ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا

وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب.

وقال مجاهد: سالت سيلاً.

وقال عكرمة: هدّت.

وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل.

على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت.

قوله: {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} .

قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ.

ص: 374

ومعنى الآية لا ينبو عنه.

قال علي رضي الله عنه: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك.

وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس.

وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً.

وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى:{وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} [البقرة: 164] أي: فرق ونشر.

قوله: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً} .

أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال:{فَأَصْحَابُ الميمنة} ، {وَأَصْحَابُ المشأمة} ، {والسابقون} .

قوله: {فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة} .

«أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله:{الحاقة مَا الحآقة} [الحاقة: 1، 2]، {القارعة مَا القارعة} [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم.

فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال:«ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا.

وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها.

ص: 375

والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا.

وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب.

و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم.

فصل في تحرير معنى الآية

قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار.

و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة.

ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم.

وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم.

قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» .

قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي.

وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر.

وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» .

وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات.

ص: 376

وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة.

وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي صلى الله عليه وسلم َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ .

قال: هذا آدمُ عليه الصلاة والسلام ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث.

وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين.

ثم عجب نبيه صلى الله عليه وسلم َ فقال: {مَآ أَصْحَابُ الميمنة} وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في {مَآ أَصْحَابُ الميمنة} ، و {مَآ أَصْحَابُ المشأمة} للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله:{الحاقة مَا الحآقة} [الحاقة: 1، 2]، و {القارعة مَا القارعة} [القارعة: 1، 2] كما يقال:«زَيْدٌ ما زيدٌ» .

وفي حديث أم زرع رضي الله عنها: «مالك، وما مالك؟» .

والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب.

والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال:{مَآ أَصْحَابُ الميمنة} وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها.

فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم {وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال} ؟ [الواقعة: 41] .

فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا:«هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [

ص: 377

في] مقابلة [ «الميمنة» ][وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله.

قوله: {والسابقون السابقون} . فيه أوجه:

أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان:

أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك.

كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» .

وقوله: [الرجز]

4671 -

أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي

وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه.

التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة.

الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى:{وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ} [الأعراف: 26] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه.

الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة.

وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ .

قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا.

الرابع: أن يكون الوقف [على قوله]«والسَّابقون» ، ويكون قوله {السَّابقون، أولئك المقربون} ابتداء وخبراً.

وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله،

ص: 378

وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا:{وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة} اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً.

فصل في المراد بالسابقين

قال عليه الصلاة والسلام ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» .

ذكره المهدوي.

وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء.

وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة.

وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى:{والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار} [التوبة: 100] .

وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رضي الله عنه: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس.

وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى:{وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض} [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: {أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] .

وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم َ، وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قاله ابن عباس.

حكاه

الماوردي.

وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى

ص: 379

ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال.

وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة.

وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله {أولئك المقربون في جنات النعيم} .

قوله: {فِي جَنَّاتِ النعيم} .

يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم.

ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» .

وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد.

وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال:«دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» .

وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله:{إِن كَانَ مِنَ المقربين} [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها.

وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها.

قوله: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين} .

«ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» .

ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة.

أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] .

وأن يكون مبتدأ خبره {فِي جَنَّاتِ النعيم} .

أو قوله: {على سُرُرٍ} .

فهذه أربعة أوجه.

و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة.

ص: 380

وأنشد: [الطويل]

4672 -

وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ

بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ

ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت.

وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء.

ومنه قوله: [الرجز]

4673 -

أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا

لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا

أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا

انتهى.

ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: {ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين} أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى.

فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق.

وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة.

و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» .

فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين

قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين} . أي جماعة من الأمم الماضية.

{وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين} أي: ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك.

وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا.

ص: 381

(قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم َ) فنزلت {ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين} فقال النبي صلى الله عليه وسلم َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة.

قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه:

أحدها: أن عدد أمة محمد صلى الله عليه وسلم َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة.

الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ.

الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين.

الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله عليه الصلاة والسلام ُ:«عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» .

قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» .

قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال:{وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين} ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين:{ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين} .

ولذلك [قال عليه الصلاة والسلام ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: {ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين} ] .

ص: 382

وقال أبو بكر رضي الله عنه: كلا الثُّلتين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها.

وهو مثل قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله} [فاطر: 32] .

وقيل: المراد {ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين} هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى:{لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ} [الحديد: 10] .

{وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين} لحقوهم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ُ:«خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم»

ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين.

قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً} يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا عليه الصلاة والسلام ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلَاّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل.

ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: {واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21] .

وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي صلى الله عليه وسلم َ.

قوله تعالى: {على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ} .

أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير.

وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال:«سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» .

و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب.

ص: 383

وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت.

وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع:{على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ} [الطور: 20] .

وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب.

وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت.

و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض.

ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها.

قال الأعشى: المتقارب]

4674 -

ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً

تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا

وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال:[الرجز]

4675 -

إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا

مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا

مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا

وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» .

فجعله أصلاً في نسيج الدروع.

وقال الآخر: [الوافر]

4676 -

أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني

أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟

أي حزامي.

و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج.

قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» .

ص: 384

قوله: {مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} .

حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» .

ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» .

فصل في معنى الآية

«مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة.

والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه.

قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين.

قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت.

قوله: {يَطُوفُ} .

يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً.

{وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ} أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد.

والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً.

وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون.

ومنه قول امرىء القيس: [الطويل]

4677 -

وهَلْ يَنْعَمَنْ إلَاّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ

قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ

وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون.

يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة.

وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء.

قال الشاعر: [الكامل]

4678 -

ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا

أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ

ص: 385

وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق.

وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون.

وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة.

وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة.

قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة.

قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» .

و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه.

قال الشاعر: [البسيط]

4679 -

أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ

قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ

وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف]

4680 -

وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ

قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ

وقال آخر: [البسيط]

4681 -

كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ

مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ

ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق.

قوله: {وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ} تقدم في «الصافات» .

و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون.

ص: 386

وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة.

وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة.

قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى.

وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه.

قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب.

يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه.

وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى:{وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ}

[محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة.

فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ .

فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب.

قوله: {لَاّ يُصَدَّعُونَ} .

يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك.

وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» .

ومعنى {لَاّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا} أي: بسببها.

قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها.

والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه.

قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط]

4682 -

تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا

ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ

قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه.

ص: 387

والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا.

وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق.

ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد.

والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43] .

وحكى الزمخشري قراءة، وهي:«لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة.

قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» .

قوله: {وَلَا يُنزِفُونَ} .

تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» .

وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها.

والمعنى لا ينفدُ خمرهم.

ومنه قول الشاعر: [الطويل]

4683 -

لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ

لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا

وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» .

قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته.

وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال.

قوله: {وَفَاكِهَةٍ} .

ص: 388

العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» .

أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله:{عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}

[الحاقة: 21] .

فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ .

فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله:{جَنَّاتِ النعيم} أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] .

وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن رضي الله عنهم، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا.

والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها.

وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار.

وقوله: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} .

قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب.

قوله: {وَحُورٌ عِينٌ} .

قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» .

والباقون: برفعهما.

والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما.

وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ:«وحُوراً عيناً» بنصبهما.

ص: 389

فأما الجر فمن أوجه:

أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري.

قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» .

قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» .

وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ.

قال الشاعر: [الوافر]

4684 -

إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً

وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا

والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل.

وقال آخر: [مجزوء الكامل]

4685 -

ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى

مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا

الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله:«يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري.

الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب.

ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها.

وأما الرَّفْع فمن أوجه:

أحدها: عطفاً على «ولْدَان» .

ص: 390

أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا.

وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» .

قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» .

الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما.

الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره:«لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان.

وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه.

الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور.

وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» .

يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ:[الكامل]

4686 -

بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى

إلَاّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء

ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ

فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ

عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب.

الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء.

قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلَاّ بالخمر وحدها.

وأما النصب ففيه وجهان:

ص: 391

أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً.

والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه.

وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة.

وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم:«أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط.

وقوله عليه الصلاة والسلام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» .

[وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] .

وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» .

وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة.

وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب.

وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً.

وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] .

ص: 392

وهذه القراءة تحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ.

وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين.

وتقدم الكلام في اشتقاق العين.

«كأمْثَال» : صفة، أو حال.

و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء.

فصل في تفسير الآية

قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، {كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون} أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء.

وقوله: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .

قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به.

وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به.

قوله: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً} .

قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً.

و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام.

و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت.

قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً.

وقال مجاهد: {لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً} : شتماً ولا مأثماً.

قوله: «إلَاّ قيلاً» ، فيه قولان:

ص: 393

أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم.

والثاني: أنه متصل.

وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه.

وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول.

قوله: {سَلَاماً سَلَاماً} . فيه أوجه:

أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً.

الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» .

الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلَاّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج.

الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً.

وقرىء: «سلامٌ» بالرفع.

قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» .

قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة.

فصل في معنى الآية

معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً.

وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام.

قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عز وجل» .

وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله:{سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] .

و «القيل» مصدر كالقول.

ص: 394

قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف.

وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.

ص: 395

قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين} .

رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم.

فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم: 14]، وقال:{يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال:«وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم.

وقيل: أصحاب القوة.

وقيل: أصحاب النور.

قوله: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} .

قال ابن عبَّاس وغيره: {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ} أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه.

وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ .

ص: 395

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: ومَا هِيَ؟ .

قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ:» أو لَيْسَ يقولُ: «سِدْرٌ مخْضُودٌ» خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر «» .

وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت.

قال أمية بن أبي الصَّلت رضي الله عنه يصف الجنَّة: [الكامل]

4687 -

إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ

فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ

وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً.

وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال.

قوله: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} .

و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة.

وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب.

وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك.

قال الجعديُّ: [الرجز]

4688 -

بَشَّرها دليلُها وقَالَا

غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا

ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك.

ص: 396

وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان.

وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل.

وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلَاّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا.

وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل.

وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب.

قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه.

وقرأ علي رضي الله عنه وعبد الله، وجعفر بن محمد:«وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى:{طَلْعُهَا هَضِيمٌ} [الشعراء: 148] .

ولما قرأ عليٌّ رضي الله عنه قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} [ق: 10]، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل.

فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله.

قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رضي الله عنه» .

فصل في المراد بالآية

قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك.

وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى.

والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما.

و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص.

ص: 397

و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص.

قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها.

قوله: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} .

أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل} [الفرقان: 45] .

وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه.

قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله:{وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى.

وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش.

وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.

وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود.

قال الشاعر: [الكامل]

4689 -

غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ

دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ

وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} » .

ص: 398

وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار.

قوله: {وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ} .

أي: مصبوب بكثرة.

وقيل: جارٍ لا ينقطع.

وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً.

وانصب انسكب انسكاباً.

ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم.

قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب.

وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء.

وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك.

قوله: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} .

قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» .

أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة.

قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها.

قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان:

أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك:«مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها.

ص: 399

والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء.

وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلَاّ تعطف الصفة على موصوفها.

والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها.

وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا.

وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى:{وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} [الإنسان: 14] .

قوله: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} .

العامة: على ضم الراء، جمع:«فِرَاش» .

وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة.

و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة.

وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره.

قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» .

وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش.

وقيل: يعود على الحور المتقدمة.

وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق.

وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى:{مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض.

«وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم َ في قوله تعالى: {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» .

ص: 400

قوله: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ} .

قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة.

وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله:{فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر.

والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم.

«وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم َ في قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» .

«وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم َ عن قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً} ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» .

وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله:{إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» .

وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صلى الله عليه وسلم َ في قوله تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً} ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً «فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم َ:» لَيْسَ هُناكَ وجعٌ «» .

ص: 401

وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً} » .

قوله: «عُرُباً» .

جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين.

فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة.

وقيل: الحسناء.

وقيل: المحسِّنة لكلامها.

وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هنّ العواشق.

وأنشد للبيد: [البسيط]

4690 -

وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ

رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ

ويروى: [البسيط]

ص: 402

4691 -

وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ

ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا

وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن.

وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة.

قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» .

«وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ في قوله تعالى:» عُرُباً «قال:» كلامُهنَّ عَربيٌّ «» .

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «العَرُوب» الملقة.

قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله:«خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك.

قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» .

وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال.

وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد.

وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» .

ص: 403

وعنه عليه الصلاة والسلام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» .

قوله: {لأَصْحَابِ اليمين} .

في هذه «اللام» وجهان:

أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين.

والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له.

وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين.

قوله: {ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين} .

رجع الكلام إلى قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين} [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه.

وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك:{ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين} يعني: من سابقي هذه الأمة، {وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين} من هذه الأمة من آخرها.

بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: {ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين} ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» .

وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» .

قال الترمذي: هذا حديث حسن.

و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء.

ص: 404

فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

ص: 405

قوله: {وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال} .

لما ذكر منازل أهل الجنة وسمَّاهم أصحاب اليمين، ذكر منازل أهل النَّار، وسمَّاهم أصحاب الشمال؛ لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظم ذكرهم في البلاء والعذاب، فقال:{مَآ أَصْحَابُ الشمال فِي سَمُومٍ} وهي الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، والمراد بها حر النار ولهيبها.

وقيل: ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل، وأصله من السم كسمّ الحية والعقرب وغيرهما.

قال ابن الخطيب: «ويحتمل أن يكون هو السّم، والسّم يقال في خرم الإبرة، قال تعالى: {حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط} [الأعراف: 40] ؛ لأن سم الأفعى ينفذ في مسام البدن» .

وقيل: السموم يختص بما يهبّ ليلاً، وعلى هذا فقوله:«سَمُومٍ» إشارة إلى ظلمة ما هم فيه.

و «الحَمِيم» : هو الماء الحارّ الذي قد انتهى حره، فهو «فَعِيل» بمعنى «فاعل» من حَمِمَ الماء، أو بمعنى «مفعول» من حم الماء إذا سخنه.

وقوله: {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} .

«اليَحْمُوم» وزنه «يَفْعُول» .

قال أبو البقاء: «من الحمم، أو الحميم» .

قال القرطبي: «هو» يَفْعُول، من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق النار، وقيل: مأخوذ من الحُمَم وهو الفحم.

ص: 405

و «اليَحْمُوم» : قيل: هو الدُّخان الأسود البهيم.

وقيل: هو وادٍ في جهنم.

وقيل: اسم من أسمائها. والأول أظهر.

وقيل: إنه الظُّلمة، وأصله من الحمم، وهو الفَحْم، فكأنه لسواده فحم، فسمي باسم مشتق منه، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه، وربما تكون الزيادة فيه جامعة بين الزيادة في سواده، والزيادة في حرارته.

قال ابن الخطيب: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائماً؛ لأنهم إن تعرَّضوا لمهبّ الهواء أصابهم السَّمُوم، وإن استكنُّوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكِنِّ يكون في ظل من يحموم، وإن أراد التبرُّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم، فلا انفكاك له من العذاب، أو يقال: إنَّ السموم يعذبه فيعطش، وتلتهب نار السَّموم في أحشائه، فيشرب الماء، فيقطع أمعاءهُ، فيريد الاستظلال بظلّ، فيكون ذلك الظلّ ظل اليَحْمُوم.

وذكر السموم دون الحميم دون النَّار تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، كأنه قيل: أبرد الأشياء في الدنيا حارّ عندهم فكيف أحرها.

قال الضَّحاك: النار سوداء، وأهلها سُود، وكل ما فيها أسود.

قوله: {لَاّ بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} صفتان للظلّ، كقوله:«مِنْ يَحْمُومٍ» .

وفيه أنه قدم غير الصريحة على الصريحة، فالأولى أن تجعل صفة ل «يحموم» ، وإن كان السياق يرشد إلى الأول.

وقرأ ابن أبي عبلة: {لا بَارِدٌ ولا كريمٌ} برفعهما: أي: «هُوَ لا بَارِدٌ» .

كقوله: [الكامل]

4692 -

...

...

...

..... فَأبِيتُ لا حَرجٌ ولا مَحْرُومُ

قال الضَّحاك: «لا بَارِدٍ» بل حار؛ لأنه من دخان سعير جهنم، «ولا كَرِيم» عذب.

وقال سعيد بن المسيّب: ولا حسن منظره، وكل ما لا خير فيه، فليس بكريم.

وقيل: {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} أي: من النَّار يعذبون بها كقوله تعالى: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16] .

ص: 406

قال الزمخشري: «كرم الظل نفع الملهوف، ودفع أذى الحرّ عنه» .

قال ابن الخطيب: ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد، والأقوى أن يقال: فائدة الظل أمران:

أحدهما: دفع الحر.

والآخر: كون الإنسان فيه مكرماً؛ لأن الإنسان في البرد يقصد الشمس ليدفأ بحرّها إذا كان قليل الثِّياب، وفي الحرّ يطلب الظِّل لبرده، فإذا كان من المكرمين يكون أبداً في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه، فيحتمل أن يكون المراد هذا.

ويحتمل أن يقال: الظل يطلب لأمر حسّي، وهو يرده، ولأمر عقلي وهو التّكرمة، وهذا معنى ما نقله الواحدي عن الفرَّاء بنفي كل شيء مستحسن، فيقولون:«الدار لا واسعة ولا كريمة» .

قوله: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} .

أي: إنما استحسنوا هذه العقوبة؛ لأنهم كانوا في الدنيا متنعّمين بالحرام.

و «المُتْرَف» : المنعم.

قاله ابن عباس وغيره.

وقال السُّدي: «مُتْرَفينَ» أي: مشركين.

قوله: {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم} .

الحِنْثُ في أصل كلامهم: العدل الثقيل، وسمي به الذنب والإثم لثقلهما، قاله الخطابي.

وفلان حَنِثَ في يمينه، أي لم يَفِ به؛ لأنه يأثم غالباً، ويعبر بالحِنْثِ عن البُلُوغ، ومنه قوله:«لَمْ يَبْلغوا الحِنْثَ» .

وإنما قيل ذلك؛ لأن الإنسان عند بلوغه إيَّاه يؤاخذ بالحنث، أي: بالذنب، وتَحَنَّثَ فلان، أي جانب الحِنْث.

وفي الحديث: «كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءَ» ، أي: يتعبّد لمُجانبته الإثم، نحو:«تَحَرَّجَ» فتفعَّل في هذه كلِّها للسَّلْب.

ص: 407

فصل في تفسير الآية

قال الحسن، والضحاك، وابن زيد:{يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم} أي: يقيمون على الشرك.

وقال قتادة ومجاهد: الذَّنْب العظيم الذي لا يتوبون منه.

وقال الشَّعبي: هو اليمين الغَمُوس، وهي من الكبائر، يقال: حنث في يمينه، أي: لم يبرّها ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنْداد الله فذلك حنثهم.

فصل في الحكمة من ذكر عذاب هذه الطائفة

قال ابن الخطيب: والحكمة في ذكره سبب عذابهم، ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك تنبيه على أن ذلك الثواب منه فضل، والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه، أو لم يذكره لا يتوهّم بالمتفضل نقص وظلم.

وأمَّا العدل إن لم يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلماً، ويدلّ على أنه تعالى لم يقل في أصحاب اليمين:{جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الواقعة: 24] كما قاله في السَّابقين؛ لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل، بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه.

واعلم أن المترف هو المنعم، وذلك لا يوجب ذمًّا، وإنما حصل لهم الذم بقوله:{وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم} ، فإن صدور المعاصي ممن كثرت النِّعم عليه [من] أقبح القبائح، فقال:{إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} ، ولم يشكروا نعم الله، بل أصروا على الذنب العظيم.

وفي الآية مبالغة؛ لأن قوله: {وَكَانُواْ يُصِرُّونَ} يقتضي أن ذلك عادتهم، والإصرار على مُدَاومةِ المعصية والحنث أبلغ من الذنب؛ لأن الذنب يطلق على الصغيرة، ويدل على ذلك قولهم:«بَلَغَ الحِنْثَ» أي: بلغ مبلغاً تلحقه فيه الكبيرة.

وأما الصغيرة فتلحقُ الصغير، فإن وليَّهُ يعاقبه على إسَاءَة الأدب، وترك الصلاة، ولأن وصفه بالعظيم مبالغة. قاله ابن الخطيب.

قوله تعالى: {وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا} الآية.

ص: 408

هذا استبعاد منهم للبعث وتكذيب له، وقد تقدّم الكلام على ذلك في «والصَّافات» ، وتقدم الكلام على الاستفهامين في سورة «الرَّعْد» .

فإن قيل: كيف أتى ب «اللام» المؤكدة في قوله تعالى: {لَمَبْعُوثُونَ} ، مع أن المراد هو النفي، وفي النفي لا تدخل «اللام» في خبر «إنَّ» ، تقول:«إنَّ زيداً ليجيء، وإنَّ زيداً لا يجيء» فلا تذكر «اللام» ، ومرادهم بالاستفهام: الإنكار، بمعنى إنا لا نبعث؟ .

فالجواب من وجهين:

أحدهما: عند التصريح بالنفي وصيغته، يجب التصريح بالنفي وصيغته.

والثاني: أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث، فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار، ونحن ننكر مبالغته وتأكيده، فحكوا كلام المخبر على طريقة الاستفهام والإنكار، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم، فقالوا:«أئِذَا مِتْنَا» ثم لم يقتصروا عليه، بل قالوا بعده:{وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً} أي: وطال عهدنا بعد كوننا أمواتاً حتى صارت اللحوم تراباً، والعظامُ رفاتاً ثم زادوا وقالوا: مع هذا يقال لنا: إنكم لمبعوثون بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه:

أحدها: استعمال «إنَّ» .

ثانيها: إثبات «اللام» في خبرها.

ثالثها: ترك صيغة الاستقبال، والإتيان بالمفعول كأنه كائن، ثم زادوا وقالوا:{أَوَ آبَآؤُنَا الأولون} فقال الله تعالى لهم: «قُلْ» يا محمد {إِنَّ الأولين} من آبائكم، و {والآخرين} منكم {لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} يعني: يوم القيامة.

ومعنى الكلام: القسم ودخول «اللام» في قوله تعالى: {لَمَجْمُوعُونَ} هو دليل القسم في المعنى، أي: إنكم لمجمُوعون قسماً حقًّا، بخلاف قسمكم الباطل.

قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون} عن الهدى {المكذبون} بالبعث {لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} ، وهو شجر كريه المَنْظَر كريه الطعم، وهو المذكور في سورة «والصَّافَّات» .

وهذا الخطاب عامّ، وقيل: لأهل «مكة» ، وهو من تمام كلام النبي صلى الله عليه وسلم َ وقدم هنا الضَّالين على المكذبين في آخر السورة، قال:{وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين} [الواقعة: 92] ، فقدم المكذبين على الضَّالين؛ لأنهم هنا أصرُّوا على الحنث العظيم فضلوا عن السبيل، ثم كذبوا الرسول، وقالوا:«أئذا مِتْنَا» .

وفي آخر السورة قدم المكذبين بالحشر على الضالين عن طريق الخلاص، أو

ص: 409

يقال: إنَّ الكلام هنا مع الكُفَّار وهم ضلوا أولاً، وكذبوا ثانياً، وفي آخر السورة الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم َ فقدم التكذيب به إظهاراً للعناية به صلى الله عليه وسلم َ.

قوله: {مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} . فيه أوجه:

أحدها: أن تكون «من» الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان، أي: مبتدئون الأكل من شجر هو زقوم.

الثاني: أن تكون «من» الثَّانية صفة ل «شجر» فيتعلق بمحذوف أي: مستقر.

الثالث: أن تكون الأولى مزيدة، أي: لآكلون شجراً، و «من» الثانية على ما تقدم من الوجهين.

الرابع: عكس هذا، وهو أن تكون الثانية مزيدة، أي: لآكلون زقُّوماً، و «من» الأولى للابتداء في محل نصب على الحال من «زقّوم» أي: كائناً من شجر، ولو تأخَّر لكان صفة.

الخامس: أن «من شجر» صفة لمفعول محذوف، أي: لآكلون شيئاً من شجر و «مِنْ زقُّومٍ» على هذا نعت ل «شجر» أو لشيءٍ محذوف.

السادس: أن الأولى للتبعيض، والثانية بدل منها.

قوله: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون} .

الضمير في «منها» عائد على الشجر، وفي «عليه» للشجر أيضاً.

وأنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه، وأنهما لغتان.

وقيل: الضمير في «عليه» عائد على «الزَّقُّوم» .

وقال أبو البقاء: للمأكول.

وقال ابن عطية: «للمأكول أو الأكل» انتهى.

وفي قوله: «الأكْل» بُعْد.

وقال الزمخشري: «وأنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في» منها «و» عليه «، ومن قرأ: {مِن شَجَرَةٍ مِّن زَقُّومٍ} فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم؛ لأنه تفسيرها» .

فصل في تحرير معنى الزقوم

قال ابن الخطيب: «اختلفت أقوال الناس في» الزقوم «، وحاصل الأقوال يرجع

ص: 410

إلى كون ذلك في الطَّعم مرًّا، وفي اللمس حارًّا، وفي الرائحة منتناً، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يَسيغهُ.

والتحقيق اللغوي فيه أن الزَّقوم لغة عربية، ودلنا تركيبه على قبحه؛ لأن» ز ق م «لم يجتمع إلا في مهمل، أو في مكروه.

يقال منه: مَزَقَ يَمْزقُ، ومنه: زَمَقَ شعره إذا نتفه، ومنه «القَزْمُ» للدَّناءة واللؤم.

وأقوى من هذا أن «القاف» مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل في أكثر الأمر على مكروه، فالقاف مع «الميم» ك «القمامة والتَّقَمْقُم والقُمْقُمة» ، وبالعكس «المقامق» لتغليظ الصوت، و «المَقْمَقَة» هو الشق.

وأما القاف مع الزاي ف «الزق» رمي الطائر بذرقه، والزَّقْزقة: للخفة، وبالعكس - القزنوب - فينفر الطَّبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقُبْح، ثم قرن بالأكل، فدلَّ على أنه طعام ذو غُصَّة.

وأما ما يقال: بأن العرب تقول: «زَقَمْتَنِي» بمعنى: أطعمتني الزّبد والعسل واللَّبن، فذلك للمجانة، كما يقال: ارشقني بثوب حسن، وارجمني بكيس من ذهب «.

وقد تقدم الكلام على الزَّقُوم في» والصَّافات «.

وقوله: {فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون} .

بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكتفى منكم بنفس الأكل، كما يكتفى ممن يأكل الشَّيء لتحلّة القسم، بل يلزمون منها بأن يملئوا منها البطون.

وقوله:» البُطُون «إما مقابلة الجمع بالجمع، أي: يملأ كل واحد منكم بطنه.

وإما أن يكون لكل واحد بطون، ويكون المراد منه ما في بطن الإنسان، وهم سبعة أمعاء فيملئون بطون الأمعاء، والأول أظهر، والثاني أدخل في التعذيب.

قوله: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} أي: على الأكل، أو على الزَّقوم لأجل مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون من الماء الحار.

قوله: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم} .

وهذا أيضاً بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكون شربكم كمن شرب ماء حارًّا مُنْتِناً، فيمسك عنه، بل يلزمون أن يشربوا منه مثل ما يشرب الأهْيم، وهو الجمل العطشان، فيشرب ولا يروى.

وقرأ نافع وعاصم وحمزة: بضم الشين من» شُرْب «.

ص: 411

وباقي السبعة بفتحها.

ومجاهد وأبو عثمان النهدي: بكسرها.

فقيل: الثلاث لغات في مصدر» شرِبَ «، والمقيس منها إنما هو المفتوح، والمضموم والمكسور اسمان لما يشرب ك» الرَّعْي «و» الطَّحْن «.

قال القرطبي:» تقول العرب: «شَرِبْتُ شُرْباً وشَرْباً وشِرْباً وشُرُباً» بضمتين «.

قال أبو زيد: سمعت العرب تقول: بضم الشِّين وفتحها وكسرها.

والفتح هو المصدر الصحيح؛ لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله» فَعْل «؛ ألا ترى أنك تردّه إلى المرة الواحدة، فتقول:» فَعْلَة «نحو» شَرْبة «.

وقال الكسائي يقال:» شربت شُرْباً وشَرْباً «.

ويروى قول جعفر:» أيَّامُ مِنى أيَّام أكْلٍ وشَرْب «.

ويقال: بفتح الشين، والشرب في غير هذا اسم للجماعة الشَّاربين.

قال: [البسيط]

4693 -

كأنَّهُ خَارِجاً مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ

سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عندَ مُفتأدِ

و «الهِيْم» فيه أوجه:

أحدها: أنه جمع «أهْيَم أوْ هَيْمَاء» ، وهو الجمل والنَّاقة التي أصابها الهيام، وهو داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت، أو تسقم سقماً شديداً. والأصل:«هُيْم» - بضم «الهاء» - ك «أحْمر وحُمْر، وحَمرَاء وحُمْر» فقلبت الضمة كسرة لتصح «الياء» ، وذلك نحو «بِيض» في «أبْيَض» .

وأنشد لذي الرّمة: [الطويل]

4694 -

فأصْبَحْتُ كالهَيْمَاءِ، لا المَاءُ مُبْرِدٌ

صَداهَا، ولا يَقْضِي عليْهَا هُيَامُهَا

ص: 412

الثاني: أنَّه جمع «هَائِم وهَائمة» من «الهيام» أيضاً، إلا أن جمع «فَاعِل وفاعِلَة» على «فُعل» قليل، نحو:«نَازِل ونُزُل، وعائذ وعُوذ» .

ومنه: [الطويل]

4695 -

...

...

...

..... عُوذٍ مَطَافِلِ

وقوله: «العوذ المطافيل» .

وقيل: هو من «الهيَام» وهو الذهاب؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك هَامَ على وجهه.

الثالث: أنه جمع «هَيَام» بفتح الهاء، وهو الرمل غير المتماسك الذي لا يروى من الماء أصلاً، فيكون مثل «سَحَاب وسُحُب» - بضمتين - ثم خفف بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه لتصحّ «الياء» كما فُعِلَ بالذي قبله.

[الرابع: أنه جمع «هُيَام» - بضم الهاء - وهو الرمل المتماسك، مبالغة في «الهيام» بالفتح. حكاها ثعلب.

إلا أن المشهور الفتح، ثم جمع على «فُعُل» نحو:«قَرَاد وقُرُد» ، ثم خفف وكسرت فاؤه] [لتصح «الياء» ] .

وفي «الصحاح» : «والهُيَام - بالضَّم - أشدّ العطش، و» الهيام «كالجنون من العشق، و» الهَيْمَاء «أيضاً: المفازة لا ماء بها، و» الهِيَام «- بالكسر - العطاش» .

والمعنى: أنَّهم يصيبهم من الجُوع ما يلجئهم إلى أكل الزَّقُّوم، ومن العطش ما يضطرهم إلى شُرْب الهيم.

وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات واحدة، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسه؟ .

قلت: ليستا متفقتين من حيث إن كونهم شاربين على ما هو عليه من تناهِي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الماء أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين» . انتهى.

ص: 413

يعني قوله: {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحميم فَشَارِبُونَ} .

وهو سؤال حسن، وجوابه مثله.

وأجاب بعضهم عنه بجواب آخر، وهو أن قوله:{فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم} تفسير للشرب قبله.

ألا ترى أنَّ ما قبله يصلح أن يكون [مثل] شرب الهيم، ومثل شرب غيرها، ففسره بأنه مثل شرب هؤلاء البهائم أو الرمال، وفي ذلك فائدتان:

إحداهما: التنبيه على كثرة شربهم منه.

والثانية: عدم جَدْوى الشرب، وأن المشروب لا ينجع فيهم كما لا ينجع في الهِيْمِ على التفسيرين.

وقال أبو حيَّان: «» والفاء «تقتضي التعقيب في الشربين، وأنهم أولاً لما عطشوا شربُوا من الحميم ظنًّا منهم أنه ليسكن عطشهم، فازدادوا عطشاً بحرارة الحميم، فشربوا بعده شرباً لا يقع بعده ريٌّ أبداً، وهو مثل شرب الهيم، فهما شربان من الحميم لا شرب واحد اختلفت صفتاه فعطف، والمقصود: الصفة، والمشروب منه في {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم} محذوف لفهم المعنى، تقديره: فشاربون منه» انتهى.

قال شهاب الدين: «والظَّاهر أنه شرب واحد، بل الذي يعتقد هذا فقط، وكيف يناسب أن يكون زيادتهم العطش بشربة مقتضية لشربهم منه ثانياً» .

قوله: {اذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين} .

قرأ العامة: «نُزُلُهُمْ» بضمتين.

وروي عن أبي عمرو من طرق.

وعن نافع وابن محيصن: بضمة وسكون، وهو تخفيف.

و «النُّزُل» : ما يعدّ للضيف.

وقيل: هو أول ما يأكله، فسمي به هذا تهكّماً بمن أعد له.

وهو في المعنى كقول أبي الشعر الضَّبي: [الطويل]

4696 -

وكُنَّا إذا الجَبَّارُ أنْزَلَ جَيْشَهُ

جعلنَا القَنَا والمُرهفاتِ لَهُ نُزْلا

ص: 414

ومعنى الآية: هذا أول ما يلقونه من العذاب يوم القيامة كالنُّزل الذي يعد للأضياف تكرمة لهم، [وفيه] تهكم، كقوله تعالى:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] .

ص: 415

قوله: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ} .

تحضيض، أي: فهلا تصدقون بالبعث؛ لأن الإعادة كالابتداء. وقيل: المعنى نحن خلقنا رزقكم، فهلا تصدقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا، أو متعلق التصديق محذوف، تقديره: فلولا تصدقون بخلقنا.

قوله: «أفرأيتُم» .

[هي] بمعنى: «أخبروني» ومفعولها الأول «ما تمنون» .

والثاني الجملة الاستفهامية. وقد تقدم تقريره.

والمعنى: ما تصبُّونه من المنِيّ في أرْحَام النِّساء.

وقرأ العامَّة: «تُمْنُونَ» بضم التَّاء، من «أمْنى يمني» .

وابن عبَّاس وأبو السِّمال: بفتحها من «مَنَى يَمْنِي» .

قال الزمخشري: يقال: أمْنى النُّطفة ومناها، قال الله تعالى:{مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى} [النجم: 46] .

فظاهر هذا أنه استشهاد للثلاثي، وليس فيه دليل له، إذ يقال من الرباعي أيضاً: تمني، كقولك:«أنت تكرم» وهو من «أكرم» .

وقال القرطبي: ويحتمل أن يختلف معناهما عندي، فيكون «أمْنَى» إذا أنزل عند جماع، و «مَنَى» إذا أنزل عند احتلام، وفي تسمية المنيِّ منيًّا وجهان:

أحدهما: لإمنائه، وهو إراقته.

ص: 415

الثاني: لتقديره، وهو المَنّ الذي يوزن به؛ لأنه مقدار لذلك، فكذلك المَنِيّ مقدار صحيح لتصوير الخِلْقَة.

قوله: {أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ} . يجوز فيه وجهان:

أحدهما: أنه فاعل فعل مقدر، أي:«أتَخْلُقُونهُ» فلما حذف الفعل لدلالة ما بعده عليه انفصل الضَّمير، وهذا من باب الاشتغال.

والثاني: أن «أنْتُم» مبتدأ، والجملة بعده خبر.

والأول أرجح لأجل أداةِ الاستفهام.

وقوله: «أمْ» يجوز فيها وجهان:

أحدهما: أنها منقطعة؛ لأنَّ ما بعدها جملة، وهي إنما تعطف المفردات.

والثاني: أنها متَّصلة.

وأجابوا عن وُقوع الجملة بعدها بأن مجيء الخبر بعد «نحن» أتي به على سبيل التَّوكيد؛ إذ لو قال: «أمْ نَحْنُ» لاكتفي به دون الخبر، ونظير ذلك جواب من قال:«مَنْ في الدَّار» ؟ زيد في الدار، «أو زيد فيها» ، ولو اقتصر على «زيد» لكان كافياً.

ويؤيد كونها متصلة أن الكلام يقتضي تأويله، أي: الأمرين واقع، وإذا صلح كانت متصلة، إذ الجملة بتأويل المفرد.

ومفعول «الخَالِقُون» محذوف لفهم المعنى أي: «الخالقوه» .

فصل في تحرير معنى الآية

والمعنى: أنتم تصورون منه الإنسان {أم نحن الخالقون} المقدّرون المصورون، وهذا احتجاج عليهم، وبيان للآية الأولى، أي: إذا أقررتم بأنا خالقوه لا غير، فاعترفوا بالبعث.

قال مقاتل: نحن خلقناكم ولم تكونوا شيئاً، وأنتم تعلمون ذلك، فهلَاّ تصدقون بالبعث.

قوله: {نَحْنُ قَدَّرْنَا} .

قرأ ابن كثير: «قَدَرْنَا» بتخفيف الدال.

ص: 416

والباقون: بتشديدها.

وهما لغتان بمعنى واحد في التقدير الذي هو القضاء، وهذا أيضاً احتجاج، أي: الذي يقدر على الإماتة يقدر على الخَلْق وإذا قدر على الخَلْق قدر على البعث.

قال الضحاك: معناه أي: سوَّينا بين أهل السماء وأهل الأرض.

وقيل: قضينا.

وقيل: كتبنا.

قال مقاتل: فمنكم من يبلغ الهَرَم، ومنكم من يموت صبيًّا وشابًّا.

{وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي: مغلوبين عاجزين.

قوله: {على أَن نُّبَدِّلَ} .

يجوز أن يتعلق {بِمَسْبُوقِينَ} ، وهو الظَّاهر، أي: لم يسبقنا أحد على تبديلنا أمثالكم، أي: يعجزنا، يقال: سبقه إلى كذا، أي: أعجزه عنه، وغلبه عليه.

الثاني: أنه متعلق بقوله: «قَدَّرْنا» أي: قدرنا بينكم الموت، {على أن نُبدِّل} أي: تموت طائفة، وتخلفها طائفة أخرى. قال معناه الطبري.

وعلى هذا يكون قوله: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} معترضاً، وهو اعتراض حسن.

ويجوز في «أمْثَالكُمْ» وجهان:

أحدهما: أنه جمع «مِثْل» - بكسر الميم وسكون الثاء - أي: نحن قادرون على أن نعدمكم، ونخلق قوماً آخرين أمثالكم، ويؤيده:{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} [النساء: 133] .

والثاني: أنه جمع «مَثَل» - بفتحتين - وهو الصفة، أي: نغير صفاتكم التي أنتم عليها خَلْقاً وخُلُقاً، و «ننشئكم» في صفات غيرها.

وتقدم قراءتا النَّشأة في «العنكبوت» .

فصل في تفسير معنى الآية

قال الطبري: معنى الآية: نحن قدّرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، {وما نحن بمسبوقين} في آجالكم، أي: لا يتقدم متأخر، ولا يتأخّر متقدم، {وننشئكم فيما لا تعلمون} من الصُّور والهيئاتِ.

ص: 417

قال الحسن: أي: نجعلكم قِردةً وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم.

وقيل: المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا، فيجمّل المؤمن ببياض وجهه، ويقبح الكافر بسواد وجهه.

وقال سعيد بن المسيب: قوله: {فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} يعني في حواصل طير سُودٍ تكون ببرهوت كأنها الخَطَاطِيْف، و «برهوت» : وادٍ في «اليمن» .

وقال مجاهد: {فيما لا تعلمون} أي: في أي خلق شئنا.

وقيل: ننشئكم في عالم فيما لا تعلمون، وفي مكان لا تعلمون.

قال ها هنا: {قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت} .

وقال في سورة «الملك» : {خَلَقَ الموت والحياة} [الملك: 2] بلفظ الخلق؛ لأن المراد هناك بيان كون الموت والحياة مخلوقين، وهاهنا ذكر حياتهم ومماتهم.

قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى} .

أي: إذ خلقتم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا شيئاً. قاله مجاهد وغيره.

وهذا تقرير للنشأة الثَّانية.

وقال قتادة والضحاك: يعني خلق آدم عليه الصلاة والسلام ُ.

{فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} . أي: فهلا تذكرون.

قرأ طلحة: «تَذْكُرون» بسكون «الذال» ، وضم «الكاف» .

وفي الخبر: «عَجَباً كُل العَجبِ للمُكذِّبِ بالنَّشأة الآخرةِ، وهُو يَرَى النَّشْأة الأولى، وعَجَباً للمُصدِّقِ بالنَّشأةِ الآخرةِ، وهُوَ يَسْعَى لدارِ الغرُورِ» .

ص: 418

قوله: {أَفَرَأَيْتُم} وما بعده تقدم نظيره، وهذه حجة أخرى، أي: أخبروني عما

ص: 418

تحرثون من أرضكم، فتطرحون فيها البَذْر، أأنتُم تُنشئُونه، وتجعلونه زرعاً، فيكون فيه السُّنبل والحب، أم نحن نفعل ذلك وإنما منكم البِذْر وشقُّ الأرض؟ فإذا أقررتم بأن إخراج السُّنبلة من الحبَّة ليس إليكم، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم؟ .

وأضاف الحَرْث إليهم، والزَّرع إليه تعالى؛ لأنَّ الحرث فعلهم، ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله - تعالى - وينبت على اختياره لا على اختيارهم.

وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم َ أنه قال: «لا يَقُولنَّ أحدُكمْ: زَرعتُ، وليقُلْ حرثتُ، فإنَّ الزَّارعَ هُوَ اللَّهُ» .

قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله تعالى: {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون} .

قال القرطبي: «والمستحبّ لكل من زرع أن يقرأ بعد الاستعاذة: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} الآية، ثم تقول: بل الله هو الزارع، والمنبت والمبلغ، اللهم صل على محمد، وارزقنا ثمره، وجَنِّبْنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشَّاكرين، ويقال: إنَّ هذا القول أمان لذلك الزَّرع من جميع الآفات: الدُّود والجراد وغير ذلك، سمعناه من ثقة وجرَّبناه فوجدناه كذلك» .

فإن قيل: إذا كان الزَّارع هو الله، فكيف قال تعالى:{يُعْجِبُ الزراع} [الفتح: 29] .

وقال عليه الصلاة والسلام ُ: «الزَّرْعُ للزُّراع»

فالجواب: أن الحرث أوائل الزَّرع، والزرع أواخر الحرث، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر لاتِّصاله به.

ومعنى: «أأنْتُمْ تزرَعُونَهُ» ، تجعلونه، وقد يقال: فلان زَرَّاع كما يقال: حرَّاث أي: يفعل ما يؤول إلى أن يصير زَرْعاً، وقد يطلق لفظ الزَّرْع على بَذْر الأرض وتكريبها تجوزاً.

قال القرطبي: «وهذا نهي إرشاد وأدب، لا حظر وإيجاب» .

ص: 419

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ُ: «لا يَقُولنَّ أحدُكم: عَبْدِي وأمَتِي، وليقُلْ: غُلامِي وجَاريَتِي وفَتَايَ وفَتَاتِي» .

قوله: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} .

أتى هنا بجواب «لو» مقروناً ب «اللام» ، وهو الأكثر؛ لأنه مثبت، وحذف في قوله:{جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} [الواقعة: 70] ؛ لأن المنّة بالمأكول أعظم منها بالمشروب. قاله الزمخشري.

وهذا منقوض بقوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا} [يس: 66] و {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ} [يس: 67] ، وذلك أن أمر الطَّمس أهون من أمر المسخ، وأدخل فيهما «اللام» .

وأجاب الزمخشري بجواب آخر فقال: {ولو نشاء لجعلناه حطاماً} كان أقرب الذكر، فاستغنى باللام فيه عن ذكرها ثانياً.

قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ} [يس: 66] مع قوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ} [يس: 67] أقرب من قوله: {لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} ، و {جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} [الواقعة: 70] اللَّهُم إلَاّ أن تقول هناك: أحدهما قريب من الآخر ذكراً لا معنى؛ لأن الطَّمْس لا يلزمه المَسْخ ولا بالعكس، وأما المأكول يكون معه المشرُوب في الدهر فالأمران متقاربان لفظاً ومعنى.

فصل في الكلام على هذه الآية

قال الماوردي: هذه الآية تتضمن أمرين:

أحدهما: الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم.

الثاني: البرهان الموجب للاعتبار؛ لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره، وانتقاله إلى استواء حاله من العفنِ والتَّتريب حتى صار زرعاً أخضر، ثم قوي مشتدًّا أضعاف ما كان عليه، فهو بإعادة من أمات أحق عليه وأقدر، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السَّليمة، ثم قال:{لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} أي: متكسِّراً، يعني: الزَّرع والحُطَام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء، فنبَّه بذلك على أمرين:

ص: 420

أحدهما: ما أولاهم به من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكروه.

الثاني: ليعتبروا بذلك في أنفسهم كما أنه يجعل الزَّرع حُطاماً إذا شاء، وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتَّعظوا فينزجروا.

قوله: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} .

قرأ العامة: بفتح الظَّاء، بلام واحدة وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في «طه» .

وأبو حيوة وأبو بكر في رواية: بكسر الظاء.

وعبد الله الجحدري: «فظَلِلتُمْ» على الأصل بلامين، أولاهما مكسورة.

وروي عن الجحدري: فتحها، وهي لغة أيضاً.

والعامة: «تَفَكَّهُونَ» بالهاء.

ومعناه: تَنْدَمُون، وحقيقته: تلقون الفكاهة من أنفسكم، (ولا تلقى) الفكاهة إلَاّ من الحزن، فهو من باب «تحَرَّج وتأثّم وتحوب» .

وقيل: «تفكّهون» . تتعجبون بذهابها ما نزل بكم في زرعكم. قاله عطاء والكلبي ومقاتل.

وقيل: تتندمون مما حلّ بكم. قاله الحسن وقتادة وغيرهما.

وقيل: تلاومُون.

وقيل: تتفجَّعون، وهذا تفسير باللازم.

وقرأ أبو حزام العكلي: «تَفَكَّنُونَ» بالنون، أي: تندَّمون.

قال ابن خالويه: «تَفَكَّه» تعجَّب، و «تَفَكَّن» تندَّم.

وفي الحديث: «مثلُ العالم كمثل الحمَّة، يأتيها البُعدَاءُ ويترُكُهَا القُربَاءُ، فَبَيْنَا هُم إذ غَارَ ماؤهَا فانتفع به قومٌ، وبَقِي قومٌ يتفكَّنُون» ، أي: يتندَّمُون.

قال الفرَّاء: والنون، لغة عكل.

وفي الصحاح: «التَّفَكُّن» التندُّم على ما فات.

وقيل: التفكُّه: التكلُّم فيما لا يعنيك.

ص: 421

ومنه قيل للمزاح: فُكاهة بالضَّم.

فأما الفَكَاهة - بالفتح - فمصدر «فَكِهَ الرَّجل» بالكسر، فهو فَكِهٌ إذا كان طيّب النفس مزَّاحاً.

قوله: «إنا لمغرمون» .

قرأ أبو بكر: «أئِنَّا» بالاستفهام، وهو على أصله في تحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما.

والباقون: بهمزة واحدة على الخبر.

وقيل: هذه الجملة قول مقدر على كلتا القراءتين، وذلك في محل نصب على الحال، تقديره: فظلتم تفكهون قائلين، أو تقولون: إنا لمغرمون؛ أي: لمُلزمُون غرامة ما أنفقنا، أو مُهلكُونَ لهلاك رزقنا من الغرام وهو الهلاك. قاله الزمخشري.

ومن مجيء الغرام بمعنى الهلاك قوله: [الخفيف]

4697 -

إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْ

طِ جَزيلاً فإنَّهُ لا يُبَالِي

قال ابن عبَّاس وقتادة: الغرام: العذاب.

ومنه قول ابن المُحلَّم: [الطويل]

4698 -

وثِقْتُ بأنَّ الحِلْمَ منِّي سَجيَّةٌ

وأنَّ فُؤادِي مُبْتَلٌ بك مُغْرمُ

وقال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا.

يقال: أغرم فلان بفلانة أي أولع بها، ومنه الغرام، وهو الشر اللازم.

وقال مجاهد أيضاً: لملقون شرًّا.

وقال النحاس: «لمُغْرمُون» مأخوذون من الغرام، وهو الهلاك.

ص: 422

وقال الضحاك وابن كيسان: هو من الغرم.

و «المُغْرَم» : الذي ذهب ماله بغير عوضٍ، أي: غرمنا الحبَّ الذي بذرناه.

وقال مرة الهمداني: مُحَاسَبُون.

قوله: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} .

أي: حرمنا ما طلبنا من الريع، والمحروم المحدود الممنوع من الرِّزق، والمحروم ضد المرزوق. قاله قتادة.

وعن أنس «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم َ مرَّ بأرض الأنصار، فقال:» ما يمنَعُكمُ الحَرْث «؟ قالوا: الجُدوبة، فقال:» لا تَفْعَلُوا، فإنَّ الله - تعالى - يقولُ: أنَا الزَّارعُ، إن شِئْتُ زرعْتُ بالماءِ، وإن شِئْتُ زرعْتُ بالرِّيحِ، وإن شِئْتُ زرعتْ بالبَذْرِ «، ثم تلا: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون} » .

قال القرطبي: «وفي هذا الحديث والذي قبله ما يصحح قول من أدخل الزَّارع في أسماء الله - تعالى -» وأباه جمهور العلماء.

ص: 423

قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ} .

لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم.

{أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن} .

أي: السحاب، وهو اسم جنس، واحدهُ: مزنة.

قال: [المتقارب]

4699 -

فَلَا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودقَهَا

ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَهَا

وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أيضاً والثوري: المُزْن: السَّماء والسَّحاب.

وقال أبو زيد: المُزنة: السحابة البيضاء، والجمع مزن.

والمُزْنة: المطرة.

ص: 423

قال: [الطويل]

4700 -

ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مُزْنَةً

وعُفْرُ الظِّباءِ في الكناسِ تَقَمَّعُ

وقوله: {أَمْ نَحْنُ المنزلون} .

أي: إذا عرفتم بأني أنزلته فلم لا تشكروني بإخلاص العبادة لي، ولم تنكروا قُدرتي على الإعادة؟ .

وقوله: {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} .

وقد تقدم عدم دخول «اللام» في جواب «لو» هذه.

وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم دخلت» اللام «في جواب» لو «في قوله:» لجعلناه حطاماً «، ونزعت منه هاهنا؟ .

قلت: إن» لو «لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشَّرط، ولم تكن مخلصة للشرط ك» إن «و» لا «عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقاً من حيث إفادتها في مضمون جملتين أن الثَّاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علماً على هذا التعلق فزيدت هذه» اللام «لتكون علماً على ذلك، فإذا حذفت بعد ما صارت علماً مشهوراً مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه، وصار مألوفاً ومأنوساً به لم يبال بإسقاطه عن اللفظ استغناء بمعرفة السَّامع.

ألا ترى ما يحكى عن رؤبة، أنَّه كان يقول: خيرٍ، لمن قال له: كيف أصبحت؟

فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه، وتساوي حال إثباته وحذفه لشهرة أمره، وناهيك بقول أوس:[السريع]

4701 -

حَتَّى إذا الكَلَاّبُ قال لَهَا

كاليَوْمِ مَطْلُوباً ولا طَلَبَا

وحذفه:» لَمْ أرَ «فإذاً حذفها اختصار لفظي، وهي ثابتة في المعنى، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما، على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة، مُغْنٍ عن ذكرها ثانياً، ويجوز أن يقال: إن هذه» اللام «مفيدة معنى التَّوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أنّ أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأنَّ الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمَطْعُوم.

ص: 424

ألا ترى أنك إنما تسقي ضيفك بعدما تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء:[الوافر]

4702 -

إذا سُقِيَتْ ضُيُوفُ النَّاسِ مَحْضاً

سَقَوْا أضْيافَهُمْ شَبَماً زلالا

وسقي بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب» . انتهى.

وقد تقدم جواب ابن الخطيب له عن ذلك.

فصل في تفسير الآية

قال ابن عبَّاس: «الأجاج» : المالح الشديد الملوحة.

وقال الحسن: مُرًّا لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما.

«فلولا» أي: فهلا «تشكرون» الذي صنع ذلك بكم.

ص: 425

قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ} .

أي: أخبروني عن النَّارِ التي تظهرونها بالقَدْحِ من الشجر الرطب.

و «تُوُرون» : من أوريت الزند، أي: قدحته فاستخرجت ناره، وورى الزند يري أي: خرجت ناره، وأصل «تُورُون» توريون.

والشَّجرة التي يكون منها الزناد هي المَرْخُ والعفار.

ومنه قولهم: «فِي كُلِّ شجرٍ نارٌ، واستَمْجدَ المَرْخُ والعَفَارُ» .

أي: استكثروا منها، كأنهما أخذا من النَّار ما حسبهما.

وقيل: إنهما يسرعان الوَرْي.

قوله تعالى: {أَمْ نَحْنُ المنشئون} .

أي: المخترعون الخالقون، أي: فإذا عرفتم قُدرتي، فاشكروني ولا تنكروا قدرتي على البعث.

قوله: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} .

ص: 425

يعني: نار الدنيا موعظة للنار الكبرى. قاله قتادة.

وقال مجاهد: تبصرة للناس من الظَّلام.

قال عليه الصلاة والسلام ُ: «» إنَّ نَاركُمْ هذه الَّتي توقدونها يا بني آدَمَ جزءٌ من سَبْعينَ جُزْءاً من نَارِ جهنَّم «، فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال:» فإنَّهَا فُضِّلتْ عليْها بِتسْعَةٍ وسِتينَ جُزْءاً، كُلُّهن مثلُ حرِّها «» .

قوله: {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} .

يقال: أقوى الرَّجل إذا حلَّ في الأرض القواء، وهي القفر، ك «أصحر» : دخل في الصحراء، وأقوت الدَّار: خلت من ذلك؛ لأنها تصير قَفْراً.

قال النابغة: [البسيط]

4703 -

يَا دَارَ مَيَّةَ بالعَلْيَاءِ فالسَّندِ

أقْوَتْ، فطال عليْهَا سالفُ الأمَدِ

قال الضحاك: «متاعاً للمقوين» أي منفعة للمسافرين، سموا بذلك لنزولهم القوى، وهي القفر التي لا شيء فيها، وكذلك القوى والقواء - بالمد والقصر -.

ومنزل قواء: لا أنيس به، يقال: أقوت الدار، وقويت أيضاً، أي خلت من سكانها. قال:[الكامل]

4704 -

حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تقَادمَ عَهْدُهُ

أقْوَى وأقْفَرَ بَعْدَ أمِّ الهَيْثَمِ

وقال مجاهد: «للمقوين» أي المنتفعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها.

وقال ابن زيد: للجائعين في إصلاح طعامهم.

ص: 426

يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئاً، وبات فلان القواء وبات القَفْرَ، إذا بات جائعاً على غير طعم.

قال الشاعر: [الطويل]

4705 -

وإنِّي لأخْتَارُ القَوَى، طاويَ الحَشَا

مُحافَظَةً مِنْ أن يُقالَ: لَئِيمُ

وقال قطرب: المقوي من الأضداد، يكون بمعنى الفقير، ويكون بمعنى الغني.

يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زادٌ، ويقال للفقير: مُقْوٍ إذا لم [يكن] معه مالٌ.

وتقول العربُ: أقويت منذ كذا، أي: ما أكلت شيئاً، وأقوى: إذا قويت دوابه، وكثر ماله ليقويه على ما يريد.

وقال المهدوي: والآية تصلح للجميع؛ لأن النَّار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير.

وقال القشيري: وخصّ المسافر بالانتفاع بها؛ لأنَّ انتفاعه أكثر من انتفاع المقيم؛ لأنَّ أهل البادية لا بُدَّ لهم من النَّار يوقدونها ليلاً لتهرب منهم السِّباع، وفي كثير من حوائجهم.

قوله

: {فَسَبِّحْ

باسم

رَبِّكَ العظيم} .

أي: فنزه الله عما أضافه إليه المشركون من الأنداد والعجز عن البعث.

قال ابن الخطيب: والمشهور أن الاسم مقحم، والأحسن أنه من باب الأولى، وأنَّ تعظيم المسمى آكد، وقد تقدم أن تعلُّق الفعل إن كان ظاهراً استغنى عن الحرف ك «ضرب» ، وإن كان خفيًّا قوي بالحرف ك «ذهب» ، وإن كان بينهما جاز الوجهان ك «شَكَر ونَصَحَ» .

و «سَبِّحْ» متعد بنفسه إلَاّ أنه لما دخل على الاسم - والمراد الذَّات - خفي التعليق من هذا الوجه، فأتي بالحرف.

وأما قوله {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ} [من سورة الأعلى: 1] . فيحتمل أن ذلك لأنهم كانوا

ص: 427

يعترفون بالله، ويقولون:«نحن لا نشرك» في المعنى، وإنما سمي الأصنام آلهة باللفظ، فقيل لهم: نزّهوا الاسم كما نزهتم الحقيقة، وعلى هذا فالخطاب ليس للنبي صلى الله عليه وسلم َ بل هو كقول الواعظ: يا مسكين، أفنيت عمرك وما أصلحت عملك، ويريد السَّامع.

والمعنى مع الباء: فسبّح مبتدئاً باسم ربك، فلا تكون «الباء» زائدة.

ومعنى العظيم: القريب من الكل، فإن الصَّغير إذا قرب من شيء بعد عن غيره.

ص: 428

قوله: {فَلَا أُقْسِمُ} .

قرأ العامة: «فَلَا» لام ألف.

وفيه أوجه:

أحدها: أنها حرف نفي، وأنَّ النفي بها محذوف، وهو كلام الكافر الجاحد، تقديره: فلا حجة لما يقول الكُفَّار، ثم ذكر ابتداء قسماً بما ذكر.

وإليه ذهب كثير من المفسِّرين والنحويين.

قال الفرَّاء: «هي نفي، والمعنى: ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف [القسم] ، كما تقول:» لا والله ما كان كذا «ولا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدم، أي: ليس الأمر كما ذكر، بل هو كذا» .

وضعِّف هذا بأن فيه حذف اسم «لا» وخبرها.

قال أبو حيَّان: «ولا يجوز ولا ينبغي، فإنَّ القائل بذلك مثل سعيد بن جبير تلميذ خبر القرآن وبحره عبد الله بن عباس.

ويبعد أن يقوله إلا بتوقيفٍ» .

الثاني: أنَّها زائدة للتأكيد. والمعنى: فأقسم، بدليل قوله: وإنه لقسم، ومثله في قوله تعالى:{لِّئَلَاّ يَعْلَمَ} [الحديد: 29]، والتقدير: ليعلم.

ص: 428

وكقوله: [الطويل]

4706 -

فَلَا وأبِي أعْدائِهَا لا أخُونُهَا

الثالث: أنها لام الابتداء، والأصل: فلأقسم، فأشبعت الفتحة، فتولّد منها ألف.

كقوله: [الرجز]

4707 -

أعُوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ

قاله أبو حيَّان.

واستشهد بقراءة هشام: «أفئيدة» .

قال شهاب الدين: «وهذا ضعيف جدًّا» .

واستند أيضاً لقراءة الحسن وعيسى: «فلأقسم» بلام واحدة.

وفي هذه القراءة تخريجان:

أحدهما: أن «اللام» لام الابتداء، وبعدها مبتدأ محذوف، والفعل خبره، فلما حذف المبتدأ اتصلت «اللام» بخبره، وتقديره:«فلأنا أقسم» نحو: «لزيد منطلق» .

قاله الزمخشري وابن جني.

والثاني: أنها لام القسم دخلت على الفعل الحالي، ويجوز أن يكون القسم جواباً للقسم، كقوله:{وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ} [التوبة: 107] ، وهو جواب لقسم مقدر ويجوز أن يكون القسم كذلك وهذا هو قول الكوفيين، يجيزون أن يقسم على فعل الحال. والبصريون يأبونه، ويخرجون ما يوهم ذلك على إضمار مبتدأ، فيعود القسم على جملة اسمية.

ومنع الزمخشري أن تكون لام القسم.

قال: لأمرين:

أحدهما: أن حقها أن تقرن بالنون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيحٌ.

والثاني: أن «لأفعلن» في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال.

يعني أن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال.

ص: 429

وأمَّا قوله: «إنَّ حقَّها أن تقرن بها النون» ، هذا مذهب البصريين أيضاً. وأمَّا الكوفيون فيجيزون التَّعاقب بين اللام والنون، نحو:«والله لأضرب زيداً» كقوله: [الطويل]

4708 -

لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَليْكُم بُيُوتكُمْ

ليَعْلَمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ

و «الله اضربن زيداً» .

كقوله: [الكامل]

4709 -

وقَتِيلِ مُرَّة أثأَرَنَّ

.....

...

...

...

.

وقد تقدم قريب من هذه الآية في قوله تعالى:

{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ} [النساء: 65] ، ولكن هناك ما لا يمكن القول به هنا، كما أن هنا ما لا يمكن القول به هناك، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريب منه في «القيامة» في قراءة ابن كثير:{لأُقْسِمُ بِيَومِ القِيامَةِ} [القيامة: 1] .

قال القرطبي: وقيل: «لا» بمعنى «ألَا» للتنبيه، كقوله:[الطويل]

4710 -

ألا عِمْ صَبَاحاً أيُّهَا الطَّلَلُ البَالِي.....

...

...

...

ونبَّه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه، فإنه ليس بشعر، ولا سحر، ولا كهانة كما زعموا.

وقرأ العامة: «بمواقع» جمعاً.

والأخوان: «بموقع» مفرداً بمعنى الجمع؛ لأنه مصدر فوحَّد.

ومواقعها: مساقطها ومغاربها. قاله قتادة وغيره.

ص: 430

وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة.

وقيل: المراد نجوم القرآن. قاله ابن عباس والسدي، ويؤيده:«وإنه لقسم» و «إنَّه لقُرآن كريم» .

وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها.

وقال الضحاك: هي الأنواء التي كانت أهل الجاهلية، تقول إذا مطروا: مطرنا بنوء كذا.

وقال الماوردي: ويكون قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ} مستعملاً على الحقيقة من نفي القسم.

وقال القشيري: هو قسم، ولله أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله - تعالى - وصفاته القديمة.

قال القرطبي: «ويدلُّ على هذا قراءة الحسن: فلأقسم» .

قوله: «وإنه قسم - لو تعلمون - عظيم» .

الضمير عائد على القسم الذي تضمنه قوله: {فَلَا أُقْسِمُ} ؛ لأن «أقسم» يتضمن ذكر المصدر، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل فيقال:«ضربته قويًّا» .

فإن قيل: جواب «لو تعْلَمُونَ» ماذا؟ .

قال ابن الخطيب: ربما يقول بعض من لا يعلم بأن جوابه ما تقدم، وهو فاسد في جميع المواضع؛ لأن جواب الشرط لا يتقدم؛ لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها، فلا يقال: زيداً إن قام.

فالجواب يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يقال: الجواب محذوف بالكلية بحيث لا يقصد لذلك جواب، وإنما يراد نفي ما دخلت «لو» فكأنه قال: وإنه لقسمٌ عظيم لو تعلمون.

وتحقيقه: أن «لو» تذكر لامتناع الشيء لامتناع غيره، فلا بُدَّ فيه من انتفاء الأول،

ص: 431

فإدخال «لو» على «تعلمون» أفاد أن علمهم منتفٍ، سواء علمنا الجزاء أم لم نعلم.

وهذا كقولهم في الفعل المتعدِّي: فلان يعطي ويمنع، حيث لا يقصد منه مفعولاً، وإنما يراد إثبات القدرة.

الثاني: أنَّ جوابه مقدر، تقديره: لو تعلمون لعظَّمتموه، لكنكم ما عظَّمتموه، فعلم أنكم لا تعلمون، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم، ولا تعظيم فلا تعلمون.

قوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} .

هذا هو القسم عليه، وعلى هذا فيكون في هذا الكلام اعتراضان:

أحدهما: الاعتراض بقوله: «وإنه لقسم» بين القسم والمقسم عليه.

والثاني: الاعتراض بقوله: «لو تعلمون» بين الصفة والموصوف.

ومنع ابن عطية أن يجعل قوله: «وإنه لقسمٌ» اعتراضاً.

فقال: «وإنه لقسم» تأكيد للأمر، وتنبيه من المقسم به، وليس هذا باعتراض بين الكلامين، بل هذا معنى قصد التهكُّم به، وإنما الاعتراض قوله:{لَّوْ تَعْلَمُونَ} .

قال شهاب الدين: «وكونه تأكيداً ومنبّهاً على تعظيم المقسم به لا ينافي الاعتراض، بل هذا معنى الاعتراض وفائدته» .

«والهاء» في «إنه لقرآن» تعود على القرآن، أي: إن القرآن لقسم عظيم.

قاله ابن عبَّاس وغيره.

وقيل: أي ما أقسم الله به عظيم {إنه لقرآن كريم} ذكر المقسم عليه، أي: أقسم بمواقع النجوم أن هذا القرآن قرآن ليس بسحرٍ ولا كهانة ولا بمفترى، بل هو قرآن كريم، محمود جعله الله معجزة نبيه، وهو كريم على المؤمنين؛ لأنَّه كلام ربهم وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء والأرض؛ لأنه تنزيل ربهم ووحيه.

وقيل: «كريم» أي: غير مخلوق.

وقيل: «كريم» لما فيه من كرم الأخلاق، ومعالي الأمور.

وقيل: لأنه يكرم حافظه، ويعظم قدره.

فصل في تحرير معنى الآية

قال ابن الخطيب: «كريم» أي: لا يهون بكثرة التلاوة؛ لأن الكلام متى أعيد

ص: 432

وكرر استهين به، والقرآن يكون إلى آخر الدهر، ولا يزداد إلَاّ عزاً. والقرآن إما ك «الغُفْرَان» ، والمراد به المفعول، وهو المقروء كقوله:[هَذَا خلقُ اللَّه] وإما اسم لما يقرأ ك «القُرْبَان» لما يتقرب به، والحُلْوان لما يحلى به فم الكاهن، وعلى هذا يظهر فساد قول من رد على الفقهاء قولهم في باب الزَّكاة: يعطي شيئاً أعلى مما وجب ويأخذ الجبران أو شيئاً دونه، ويعطي الجبران لأن الجبران مصدر لا يؤخذ ولا يعطى، فيقال له: هو كالقرآن بمعنى المقرُوء.

فمعنى «كريم» أي: مقروء، قرىء: ويقرأ بالفتح، فإن معنى «كريم» أي: لا يهون بكثرة التلاوة، ويبقى أبد الدَّهر كالكلام الغضِّ، والحديث الطَّري.

وهو هنا يقع في وصف القرآن بالحديث، مع أنه قديم يستمد من هذا مدداً، فهو قديم يسمعه السَّامعون كأنه كلام [الساعة] .

فصل

قوله: {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} . مصون عند الله.

وقيل: «مَكْنُون» محفوظ عن الباطل، والكتاب هنا: كتاب في السَّماء.

قاله ابن عبَّاس.

وقال جابر بن زيد وابن عباس أيضاً: هو اللوح المحفوظ.

وقال عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن.

وقال السدي: الزَّبُور.

وقال قتادة ومجاهد: هو المصحف الذي في أيدينا.

فصل في تفسير معنى الآية

قال ابن الخطيب: قوله تعالى: {فِي كِتَابٍ} يستدعي شيئاً مظروفاً للكتاب وفيه وجهان:

أحدهما: أنه القرآن، أي: هو قرآن في كتاب، كقولك: «فلان رجلٌ كريم في

ص: 433

نفسه» لا يشك السامع بأن المراد منه أن في الدَّار قاعد، وأنه لا يريد به أنه رجل إذا كان في الدَّار غير رجل إذا كان خارجاً، ولا يشك أيضاً أنه لا يريد أنه كريم وهو في البيت، فكذلك هاهنا معناه: أنه كريم في كتاب.

فإذا قيل: «فلان رجل كريم في نفسه» يعلم كل أحد أن القائل لم يجعله رجلاً مظروفاً، وأن القائل لم يرد أنه رجل في نفسه قاعد أو قائم، وإنما أراد أن كرمه في نفسه، وكذا قوله:«قرآن كريم، في لوح» أي: أنه لم يكن كريماً عند الكُفَّار.

الثاني: أن المظروف هو مجموع قوله تعالى: {لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} أي: هو كذا في كتاب كقوله تعالى {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} [المطففين: 19]، كتاب أي: في كتاب الله تعالى.

والمعنى: أن في اللوح المحفوظ مكتوب: إنه قرآن كريم.

فصل في معنى الكتاب

قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف سمي الكتاب كتاباً، والكتاب «فِعَال» وهو إما مصدر كالحِساب والقِيام ونحوهما، أو لما يكتب كاللِّباس ونحوه، وكيفما كان، فالقرآن لا يكون في القِرْطَاس؛ لأنه بمعنى المصدر، ولا يكون في مكتوب، وإنما يكون مكتوباً في لوح، أو ورق، فالمكتوب لا يكون في الكتاب، وإنما يكون في القرطاس؟ .

وأجاب بأن اللوح لما لم يكن إلَاّ لأن يكتب فيه صح تسميته كتاباً.

وقوله: {فِي كِتَابٍ} إما خبر بعد خبر، وإما صفة ل «كريم» ، وإما معمول ل «كريم» .

والأصح أنَّ الكتاب المكنون هو اللوحُ المحفوظ، لقوله تعالى:{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22] .

قوله: {لَاّ يَمَسُّهُ} .

في «لا» هذه وجهان:

أحدهما: أنها نافية، فالضمة في «لا يمسُّه» ضمة إعراب.

وعلى هذا القول ففي الجملة وجهان:

أحدهما: أن محلها الجر صفة ل «كتاب» ، والمراد به: إما اللوح المحفوظ، و «المُطَهَّرون» حينئذ: الملائكة، أو المراد به المصاحف، والمراد ب «المطهرين» : المكلفون كلهم.

والثاني: أن محلها الرفع صفة ل «قرآن» . والمراد ب «المطهرين» : الملائكة فقط،

ص: 434

أي: لا يطلع عليه، أو لا يمسّ لوحه، لا بد من هذين التجوزين؛ لأن نسبة المسّ إلى المعاني حقيقة متعذّر.

ويؤيد كون هذه نفياً قراءة عبد الله: «ما يمسّه» ب «ما» النافية.

الوجه الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم؛ لأنه لو فكّ عن الإدغام لظهر ذلك فيه، كقوله تعالى:{لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء} [آل عمران: 174] ولكنه أدغم، ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب.

ولم يحفظ سيبويه في نحو هذا إلا الضم.

وفي الحديث: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عليك إلَاّ أنَّنَا حرمٌ» .

وإن كان القياس يقتضي جواز فتحه تخفيفاً، وبهذا يظهر فساد من ردّ بأن هذا لو كان نهياً لكان يقال:«لا يمسّه» بالفتح؛ لأنه خفي عليه جواز ضم ما قبل «الهاء» في هذا النحو، لا سيما على رأي سيبويه، فإنه لا يجيز غيره.

وقد ضعف ابن عطيَّة كونها نهياً بأنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك:«تَنْزِيل» صفة، فإذا جعلناه نهياً كان أجنبيًّا معترضاً بين الصِّفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام فتدبره، وفي حرف ابن مسعود:«ما يمسه» . انتهى.

وليس فيما ذكره ما يقتضي تضعيف هذا القول؛ لأنا لا نسلّم أن «تنزيل» صفة، بل هو خبر مبتدأ محذوف، أي:«هو تنزيل» فلا يلزم ما ذكره من الاعتراض.

ولئن سلّمنا أنه صفة ف «لا يمسّه» صفة أيضاً، فإن اعترض علينا بأنه طلب فيجاب بأنه على إضمار القول، أي: نقول فيه: «لا يمسّه» كما قالوا ذلك في قوله: {فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ} [الأنفال: 25] على أن «لا تُصِيبن» نهي.

وهو كقوله: [مشطور الرجز]

4711 -

جَاءُوا بمَذْقٍ هَلْ رأيْت الذِّئْبَ قَط؟

وقد تقدم تحقيقه في «الأنفال» .

وهذه الآية يتعلق بها خلاف العلماء في مس المُحْدث المصحف، وهو مبني على هذا.

وقرأ العامة: «المُطَهَّرُونَ» بتخفيف الطَّاء، وتشديد الهاء مفتوحة اسم مفعول.

ص: 435

وعن سلمان الفارسي كذلك إلا أنه يكسر الهاء، اسم فاعل، أي: المطهرون أنفسهم، فحذف مفعوله.

ونافع وأبو عمرو في رواية عنهما، وعيسى بسكون الطاء، وفتح الهاء خفيفة اسم مفعول من «أطْهَر زيد» .

والحسن وعبد الله بن عوف وسلمان أيضاً: «المطَّهِّرون» بتشديد الطَّاء والهاء المكسورة، وأصله:«المُتطهرون» فأدغم.

وقد قرىء بهذا على الأصل أيضاً.

فصل في تحرير المسّ المذكور في الآية

اختلفوا في المسّ المذكور في الآية، هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلفوا في المطهرون مَنْ هم؟ .

فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمسّ ذلك إلَاّ المطهرون من الذنوب وهم الملائكة.

وقال أبو العالية وابن زيد: هم الذين طهروا من الذنوب كالرّسل من الملائكة، والرسل من بني آدم.

وقال الكلبي: هم السَّفرة، الكِرَام البررة، وهذا كله قول واحد، وهو اختيار مالك.

وقال الحسن: هم الملائكة الموصوفون في سورة «عبس» في قوله تعالى: {فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 13 - 16] .

وقيل: معنى «لا يمسّه» لا ينزل به إلا المطهرون، يعني: الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء، ولا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلَاّ الملائكة المطهرون.

ص: 436

ولو كان المراد طهر الحدث لقال: المتطهرون أو المطهرون بتشديد «الطاء» .

والصحيح أن المراد بالكتاب: المصحف الذي بأيدينا؛ لما روى مالك وغيره: أن في كتاب عمرو بن حزم: «لا يمسّ القرآنَ إلَاّ طاهرٌ» .

وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم َ: «لا تمسَّ القُرآنَ إلَاّ وأنْتَ طاهرٌ» .

وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه، وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة:{لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ المطهرون} فقام واغتسل، وأسلم.

وعلى هذا قال قتادة وغيره: معناه: لا يمسه إلا المطهّرون من الأحداث والأنجاس.

وقال الكلبي: من الشِّرْك.

وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا.

وقال محمد بن فضيل وعبدة: لا يقرؤه إلا المطهرون، أي: إلَاّ الموحدون.

قال عكرمة: وكان ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءته.

وقال الفراء: لا يجد نفعه وطعمه وبركته إلا المطهرون، أي: المؤمنون بالقرآن، وقال الحسين بن الفضل: معناه: لا يعرف تفسيره وتأويله إلَاّ من طهَّره الله من الشِّرْك والنفاق.

وقال أبو بكر الورَّاقُ: لا يوفق للعمل به إلا السُّعداء.

وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم َ أن المعنى: لا يمسّ ثوابه إلا المؤمنون.

فصل في مس المصحف لغير المتوضىء

اختلف العلماء في مسِّ المصحف على غير وضوء.

فالجمهور على المَنْع من مسِّه على غير طهارة لحديث عمرو بن حزم، وهو مذهب علي، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعطاء، والزهري، والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشَّافعي.

واختلفت الرواية عن أبي حنيفة.

فروي عنه أنه يمسّه المحدث، وهذا مروي عن ابن عباس والشعبي وغيرهما، وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه، وما ليس بمكتوب.

ص: 437

وأمَّا [الكتاب] فلا يمسّه إلَاّ طاهر.

قال ابن العربي: وهذا يقوي الحجة عليه؛ لأن جِرْمَ الممنوع ممنوع، وكتاب عمرو بن حزم أقوى دليل عليه.

وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلامة، ولا على وسادة.

وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك.

وروي عن الحكم وحماد وداود بن علي: أنه لا بأس بحمله ومسّه للمسلم والكافر طاهراً أو محدثاً، إلَاّ أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله، واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم َ إلى «قيصر» ، ولا حجة فيه لأنه موضع ضرورة.

والمراد بالقرآن: المصحف، سمي قرآناً لقرب الجوار على الاتِّساع، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم َ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. أراد به المصحف.

قوله: {تَنزِيلٌ} .

قرأ العامة: بالرفع.

وقرأ بعضهم: «تنزيلاً» بالنصب، على أنه حال من النكرة، وجاز ذلك لتخصصها بالصفة.

وأن يكون مصدراً لعامل مقدر، أي: نزل تنزيلاً.

وغلب التنزيل على القرآن.

وقوله: «من ربّ» يجوز أن يتعلق به على الأول لا الثاني؛ لأن المؤكد لا يعمل، فيتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة له.

وأما على قراءة «تَنزِيلٌ» بالرفع، فيجوز الوجهان.

قال القرطبي: «تنزيل» أي: منزل، كقولهم:«ضَرْب الأمير، ونَسْج اليمن» .

وقيل: «تنزيل» صفة لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} .

وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو «تنزيل» .

قال ابن الخطيب: قوله «تنزيل» مصدر، والقرآن الذي في كتاب ليس بتنزيل، إنما هو منزل لقوله تعالى:{نَزَلَ بِهِ الروح الأمين} [الشعراء: 193]، فنقول: ذكر المصدر،

ص: 438

وإرادة المفعول كثير، كقوله تعالى:{هذا خَلْقُ الله} [لقمان: 11] وأوثر المصدر؛ لأن تعلق المصدر بالفاعل أكثر.

قوله: {أفبهذا الحديث} متعلق بالخبر، وجاز تقديمه على المبتدأ؛ لأن عامله يجوز فيه ذلك، والأصل: أفأنتم مدهنون بهذا الحديث، وهو القرآن.

ومعنى «مُدْهِنُون» أي: متهاونون كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه، ولا يتصلب فيه تهاوناً به، يقال: أدهن فلان، أي: لاين وهاود فيما لا يجمل عنه المدهن.

قال أبو قيس بن الأسلت: [السريع]

4712 -

الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ من الْ

إدْهَانِ والفَهَّةِ والهَاعِ

وقال الراغب: والإدهان في الأصل مثل التدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجدّ، كما جعل التَّقريد وهو نزع القراد عبارة عن ذلك.

قال القرطبي: «وأدهن وداهن واحد، وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت» .

قال ابن عبَّاس: «مُدْهِنُون» أي: مكذبون. وهو قول عطاء وغيره.

والمدهن: الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبّه بالدهن في سهولة ظاهره.

وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: «مدهنون» كافرون، نظيره:{وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] .

وقال المؤرِّج: المدهن: المنافق الذي يلين جانبه ليُخفي كفره.

والإدْهَان والمُداهنَة: التكذيب والكفر والنِّفاق.

وقال الضحاك: «مُدْهنون» معرضون.

وقال مجاهد: مُمَالِئُون الكُفَّار على الكفر به.

ص: 439

وقال ابن كيسان: المدهن: الذي لا يعقل ما حق الله عليه، ويدفعه بالعللِ.

وقال بعض اللغويين: «مُدْهنون» : تاركُون للجزمِ في قبول القرآن.

قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} .

فيه أوجه:

أحدها: أنه على التهكم بهم، لأنهم وضعوا الشيء غير موضعه، كقولك: شتمني حيث أحسنت إليه، أي: عكس قضية الإحسان.

ومنه: [الرجز]

4713 -

كَأنَّ شُكْر القَوْمِ عندَ المِنَنِ

كيُّ الصَّحِيحاتِ، وفقْءُ الأعيُنِ

أي: شكر رزقكم تكذيبكم.

الثاني: أن ثمَّ مضافين محذوفين، أي: بدل شكر رزقكم، ليصح المعنى.

قاله ابن مالك.

وقد تقدم في قوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} [النجم: 9] أكثر من هذا.

الثالث: أنَّ الرزق هو الشكر في لغة «أزد شنوءة» يقولون: ما رزق فلان فلاناً، أي: ما شكره، فعلى هذا لا حذف ألبتة.

ويؤيده قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتلميذه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «وتَجْعَلُونَ شُكْركُمْ» مكان رزقكم.

قال القرطبي: «وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان الشُّكر لأنَّ شكر الرِّزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقاً لهذا المعنى» .

قوله: {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} .

قرأ العامة: «تُكذِّبُونَ» من التكذيب.

وعلي رضي الله عنه وعاصم في رواية المفضل عنه: «تكْذبُونَ» مخففاً من الكذب.

ص: 440

ومعنى الآية: أنكم مكذبون بالرِّزق، أي؛ تضعون الكذب مكان الشُّكر، كقوله تعالى:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ البيت إِلَاّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35]، أي: لم يكونوا يصلون، ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصَّلاة.

قال القرطبي: وفيه بيان أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسباباً، بل ينبغي أن يروه من قبل الله - تعالى - ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروهاً تعبداً له وتذلُّلاً.

وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم َ قرأ: {وتجعلون شكركم أنكم تكذبون} خفيفة.

وعن ابن عباس أيضاً: أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: مُطِرْنَا بنوءِ كذا، رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم َ.

وفي «صحيح مسلم» عن ابن عبَّاس قال: «مطر النَّاس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فقال النبي صلى الله عليه وسلم َ:» أصْبَحَ من النَّاسِ شَاكِرٌ ومنهُمْ كَافرٌ «.

فقال بعضهم: هذه رحمة الله؛ وقال بعضهم: لقد صدق نَوْء كذا وكذا، قال: فنزلت هذه الآية: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم} حتى بلغ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} » .

وعنه أيضاً: «أن النبي صلى الله عليه وسلم َ خرج في سفر فعطشوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم َ:» أرأيْتُمْ إن دعوْتُ اللَّهَ لكُم فسُقيْتُمْ لعلَّكمْ تقولون: هذا المطرُ بنَوْءِ كذا «، فقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء. فصلّى ركعتين، ودعا ربه، فهاجتْ ريح، ثم هاجت سحابة فمطروا، فمر النبي صلى الله عليه وسلم َ ومعه عصابةٌ من أصحابه برجل يغترف بقدح له، وهو يقول: سقينا بنوء كذا، ولم يقل هذا من رزق الله، فنزلت: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} » .

أي: شكركم لله على رزقه إياكم أنكم تكذبون بالنعمة، وتقولون: سقينا بنوء كذا، كقولك: جعلت إحساني إليك إساءة منك إليّ، وجعلت إنعامي إليك أن اتَّخذتني عدُوًّا.

قال الشَّافعي: لا أحب لأحدٍ أن يقول: مُطِرنَا بنوء كذا، وإن كان النَّوْءُ عندنا الوقت المخلوق لا يضر، ولا ينفع، ولا يمطر، ولا يحبس شيئاً من المطر، والذي أحبّ

ص: 441

أن يقول: مطرنا وقت كذا، كما تقول: مطرنا شهر كذا، ومن قال: مطرنا بنوءِ كذا، وهو يريد أن النَّوء أنزل الماء كما يقول بعض أهل الشِّرك فهو كافر، حلال دمه إن لم يَتُبْ.

وقيل: معنى قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} أي: معاشكم وتكسبكم تكذيب محمد، كما يقال: فلان جعل قطع الطريق معاشه، فعلى هذا التَّكذيب عام، وعلى الأول التكذيب خاص والرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، كما يقال للمأكول: رِزْق، وللمقدور: قُدْرة وللمخلوق: خَلْق.

ص: 442

قوله: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم} .

ترتيب الآية الكريمة: فلولا ترجعونها - أي النَّفس - إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين.

و «لولا» الثانية مكررة للتوكيد قاله الزمخشري.

قال شهاب الدين: فيكون التقدير: فلولا فلولا ترجعونها من باب التوكيد اللفظي، ويكون «إذا بلغت» ظرفاً ل «تَرْجعُونها» مقدماً عليه؛ إذ لا مانع منه، أي فلولا ترجعون النَّفس في وقت بلوغها الحُلْقُوم.

وقوله: {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} .

جملة حالية من فاعل «بلغت» .

والتنوين في «حينئذٍ» عوض من الجملة المضاف إليها أي: إذا بلغت الحلقوم، خلافاً للأخفش، حيث زعم أن التنوين للصَّرف، والكسر للإعراب. وقد مضى تحقيقه.

وقرأ العامة: بفتح نون «حينئذ» لأنه منصوب على الظرف، ناصبه «تنظرون» وعيسى: بكسرها.

ص: 442

وهي مشكلة لا تبعد عن الغلط عليه، وخرجت على الإتباع لحركة الهمزة.

ولا عرف في ذلك، فليس بأبعد من قرأ:«الحَمْدِ لله» بكسر الدال لتلازم المتضايفين، ولكثرة دروهما على الخصوص.

فصل في تحرير معنى الآية

قال المفسرون: معنى الآية فهلا إذا بلغت النفس، أو الروح الحلقوم، ولم يتقدم لها ذكر؛ لأن ذلك معروف.

قال حاتم: [الطويل]

4714 -

أمَاويُّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عن الفَتَى

إذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ

وفي الحديث: «إنَّ مَلَكَ المَوْتِ لهُ أعْوانٌ يَقْطعُونَ العُرُوق، ويَجْمَعُونَ الرُّوح شَيْئاً فَشَيْئاً حتَّى ينتهي بها إلى الحُلْقُومِ، فيتوفَّاها ملكُ الموتِ» .

{وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} أمري وسلطاني.

وقيل: تنظرون إلى الميت لا تقدرون له على شيء.

قال ابن عباس: يريد من حضر من أهل الميِّت ينتظرون متى تخرج نفسه.

ثم قيل: هو رد عليهم في قولهم لإخوانهم: {لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} [آل عمران: 156] ، فهلَاّ ردوا روح الواحد منهم إذا بلغت الحُلْقُوم.

وقيل: المعنى فهلَاّ إذا بلغت نفس أحدكم الحُلْقُوم عند النَّزْع، وأنتم حضور أمسكتم روحه في جسده مع حرصكم على امتداد عمره، وحبكم لبقائه، وهذا رد لقولهم:{نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَاّ الدهر} [الجاثية: 24] .

قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ} .

يجوز أن يكون حالاً، أي: تنظرون في هذه الحال التي تخفى عنكم.

وأن تكون مستأنفة، فيكون اعتراضاً، والاستدراك ظاهر.

والبصر يجوز أن يكون من البَصِيْرَة، والمعنى: ونحنُ أقرب إليه منكم بالقدرة والعلم والرُّؤية.

ص: 443

قال عامر بن عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلَاّ رأيت الله - تعالى - أقرب إليَّ منه.

وأن يكون من البصر، أي لا تنظرون أعوان ملك الموت، والمعنى: أن رسلنا الذين يتولون قبض روحه أقرب إليه منكم لكن لا ترونهم.

قوله: {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} .

«إن كنتم» شرط، جوابه محذوف عند البصريين لدلالة «فلولا» عليه، أو مقدم عند من يرى ذلك كما تقدم تقريره.

والمعنى: فهلا كنتم غير محاسبين، ولا مجزيين بأعمالكم، ومنه قوله تعالى:{أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 53]، أي: مجزيّون أو محاسبون. وقد تقدم.

وقيل: غير مملوكين، ولا مقهورين.

قال الفراء وغيره: دِنْتُه، ملكته.

قال الحطيئة: [الوافر]

4715 -

لَقَدْ دُيِّنْتِ أمْرَ بَنِيكِ حَتَّى

تَرَكْتِهِمُ أدَقَّ مِنَ الطَّحِينِ

يعني: مُلِّكْتِ.

ودانه: أي أذله واستعبده، يقال: دنْتُه فدان.

ومنه دانت له البلاد والعباد، وقد تقدم في «الفاتحة» عند قوله «يوم الدِّين» .

قوله: {تَرْجِعُونَهَآ} .

قال أبو البقاء: «تَرْجعُونَها» جواب «لولا» الأولى، وأغنى ذلك عن جواب الثانية.

وقيل: بعكس ذلك.

وقال الزمخشري: «إنّ» لولا «الثانية تكرير» . انتهى.

قال شهاب الدين: وتسمية مثل هذا جواباً ليس بصحيح ألبتة؛ لأن هذه تحضيضية لا جواب لها، إنما الجواب للامتناعية لوجود، نحو:{وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ} [النور: 21] .

وقال ابن عطية: وقوله: «ترجعونها» سدّ مسدّ الأجوبة والبيانات التي تقتضيها التحضيضيات، وإذا في قوله «فَلوْلَا إذَا» ، وإن المتكررة، وحمل بعض القول بعضاً إيجازاً واختصاراً. انتهى.

ص: 444

فجعل «إذا» شرطية، وقوله بالأجوبة يعني ل «إذا» ، ول «إن» في قوله:{إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} ، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} .

والبيانات: يعني الأفعال التي حضض عليها، وهي عبارة قلقة.

قال أبو حيان: «و» إذا «ليست شرطاً، بل ظرفاً يعمل فيها» ترجعونها «المحذوف بعد» فلولا «لدلالة» ترجعونها «في التحضيض الثاني عليه، فجاء التحضيض الأول مقيداً بوقت بلوغ الحلقوم، وجاء التَّحضيض الثاني معلقاً على انتفاء مربوبيتهم، وهم لا يقدرون على رجوعها، إذ مربوبيتهم موجودة فهم مقهُورون، لا قدرة لهم» . انتهى.

فجعل «ترجعونها» المذكور ل «لولا» الثانية، وهو دال على محذوف بعد الأولى، وهو أحد الأقوال التي نقلها أبو البقاء فيما تقدم.

وقوله: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} .

شرط آخر، وليس هذا من اعتراض الشرط على الشرط نحو:«إن ركبت إن لبست فأنت طالق» حتى يجيء فيه ما تقدم في هذه المسألة؛ لأن المراد هنا: إن وجد الشرطان كيف كانا فهل رجعتم بنفس الميت؟ .

[وقال القرطبي: {ترجعونها إن كنتم صادقين} يرجع الروح إلى الجسد إن كنتم صادقين، أي: ولن ترجعونها فبطل] زعمكم أنكم غير مملوكين، ولا محاسبين، و «تَرْجعُونها» جواب لقوله تعالى:{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم} ، ولقوله:{فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} وأجيبا بجواب واحد. قاله الفرَّاء، وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد، ومنه قوله تعالى:{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

[البقرة: 38] ، أجيبا بجواب واحد، وهما شرطان.

والمعنى: إن كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعث، ولا حساب، ولا إله يجازي، فهلَاّ تردون نفس من يعزّ عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل. قاله البغوي.

وقيل: حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه.

وقيل: فيها تقديم وتأخير، مجازها:«فلولا وهلا إن كنتم غير مدينين ترجعونها تردّون نفس الميت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم» .

ص: 445

ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم، فقال:{فَأَمَّآ إِن كَانَ} .

قد تقدَّم الكلام في «أمَّا» أول الكتاب.

وهنا أمر زائد، وهو وقوع شرط آخر بعدها.

واختلف النحاة في الجواب المذكور بعدها، هل هو ل «أما» أو ل «أن» وجواب الأخرى محذوف لدلالة المنطوق عليه والجواب لهما معاً؟ ثلاثة أقوال:

الأول: لسيبويه.

والثاني: للفارسي في أحد قوليه، وله قول آخر لسيبويه.

والثالث: للأخفش.

وهذا كما تقدم في الجواب بعد الشرطين المتواردين.

وقال مكي: «ومعنى» أما «عند أبي إسحاق الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كُنَّا فيه، وخذ في غيره» .

وعلى هذا فيكون الجواب ل «إن» فقط، لأن «أما» ليست شرطاً، ورجح بعضهم أن الجواب ل «أمَّا» لأن «إن» كثر حذف جوابها منفردة فادعاء ذلك مع شرط آخر أولى.

قوله: {فَأَمَّآ إِن كَانَ} .

الضمير في «كان» و «كان» و «كان» للمتوفى، لدلالة «فلَوْلَا ترجعونها» ، والمراد بالمقربين: السابقين لقوله تعالى {والسابقون السابقون أولئك المقربون} [الواقعة: 10] .

قوله: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} .

قرأ العامة: «فَرَوْحٌ» بفتح الراء.

وقرأ ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ونصر بن عاصم، والجحدري ورويس وزيد عن يعقوب وجماعة: بضم الراء.

وتروى عن النبي صلى الله عليه وسلم َ.

فمن قرأ بالفتح، فمعناه: فله روح، وهو الرَّاحة. وهو قول مجاهد.

وقال سعيد بن جبير: فرج.

وقال الضحاك: مغفرة ورحمة «وريحان» : استراحة.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق.

ص: 446

قال مقاتل: [هو الرزق بلغة]«حِمْير» . يقال: خرجنا نطلب ريحان الله، أي: رِزْقَه.

وقيل: هو الريحان الذي يشم.

قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يُؤتى بغُصْنٍ من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه.

وقال أبو بكر الورَّاق: الرَّوح: النَّجاة من النار والرَّيحان: دخول دار القرار.

وقد تقدَّم الكلام على «رَيْحَان» وكيفية تعريفه في السورة قبلها.

وقوله: «فَرَوْحٌ» مبتدأ، خبره مقدر قبله، أي: فله روح، ويجوز أن يقدر بعده لاعتماده على فاء الجزاء.

قوله: {وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلامٌ لك من أصحاب اليمين} .

«فسلام لك» مبتدأ وخبر.

و «من أصحاب» . قال الزمخشري: «فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك» .

وقال ابن جرير: «فسلام لك أنت من أصحاب اليمين» .

وهذا يحتمل أن يكون كقول الزمخشري، ويكون «أنت» تأكيداً للكاف في لك، ويحتمل أن يكون أراد أن «أنت» مبتدأ، و «من أصحاب» خبره، ويؤيد هذا ما حكاه قوم من أن المعنى فيقال لهم: سلام عليكم لك إنك من أصحاب اليمين.

وأول هذه الأقوال هو الواضح البين؛ ولذلك لم يعرج أبو القاسم على غيره.

فصل في المقصود بهذا السلام

قال القرطبي: {فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين} أي: لست ترى منهم إلَاّ ما تحب من السلامة فلا تهتمّ، فإنهم يسلمون من عذاب الله.

وقيل: المعنى: سلام لك منهم، أي: أنت سالم من الاهتمام لهم، والمعنى واحد.

وقيل: إن أصحاب اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلي الله عليك ويسلم.

ص: 447

وقيل: معناه: سلمت أيها العبدُ ممَّا تكره، فإنك من أصحاب اليمين فحذف إنك.

وقيل: إنه يُحَيَّا بالسلام إكراماً.

فعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقاويل:

أحدها: عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت. قاله الضحاك.

قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يقرئك السلام.

الثاني: عند مساءلته في القبر يسلّم عليه منكر ونكير.

الثالث: عند بعثه في القيامة يسلم عليه الملك قبل وصوله إليها.

قال القرطبي: «ويحتمل أن يسلم عليه في المواطن الثلاثة، ويكون ذلك إكراماً بعد إكرام» .

قوله: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين} بالبعث «الضَّالين» عن الهدى، وطريق الحق {فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ} كما قال:{ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون المكذبون لآكِلُونَ} [الواقعة: 51 - 52] إلى أن قال: {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ} [الصافات: 67] .

قوله: {وَتَصْلِيَةُ} .

قرأ أبو عمرو في رواية اللؤلؤي عنه، وأحمد بن موسى، والمنقري: بجر التاء عطفاً على «حميم» ، أي: ونزل من تصلية جحيم.

والمعنى: إدخال في النَّار.

وقيل: إقامة في الجحيم، ومقاساة لأنواع عذابها.

يقال: أصلاه النَّار وصلاه، أي: جعله يصلاها.

والمصدر هنا أضيف إلى المفعول، كما يقال: لفلان إعطاء مال، أي: يعطي المال.

قوله: {إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين} .

أي: هذا الذي قصصناه محضُ اليقين وخالصه.

وجاز إضافة الحق إلى اليقين، وهما واحد لاختلاف لفظهما، وذلك من باب إضافة المترادفين على سبيل المبالغةِ.

قال المبرد: هو كقولك: عين اليقين وحق اليقين.

ص: 448

فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وإن كانوا فعلوا ذلك في اللفظ الواحد، فقالوا: صواب الصواب، ونفس النفس مبالغة، فلأن يفعلوا عند اختلاف اللفظ أولى.

وعند البصريين بمعنى: حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين.

وقيل: هو توكيد، كقولك: حق الحق، وصواب الصواب. قاله ابن عطية.

وقيل: أصل اليقين أن يكون نعتاً للحق فأضيف المنعوت إلى النَّعت على الاتِّساع والمجاز، كقوله تعالى:{وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ} [النحل: 30] .

قال ابن الخطيب: «هذه الإضافة كقولك: ثوب كتان، وباب ساجٍ بمعنى ثوب من كتان، وباب من ساجٍ، أي: لهو الحق من اليقين» .

ويحتمل أن يكون المعنى: أنه الحق الذي يستحقه اليقين، كقوله عليه الصلاة والسلام ُ:«أمِرْتُ أن أقَاتِلَ النَّاس حتَّى يقُولُوا: لا إلَهَ إلَاّ اللَّهُ، فإذا قالُوهَا عَصَمُوا منِّي دمَاءَهُمْ وأمْوالهُمْ إلَاّ بحقِّهَا» .

فالضمير يرجع إلى الكلمة، أي: إلا بحق الكلمة، ومن حق الكلمة أداء الزكاة والصلاة، فكذلك حق اليقين، بالاعتراف، أي: بحق اليقين.

والمعنى: أنه يعترف بما قال الله - تعالى - في سورة «الواقعة» ، وفي حق الأزواج الثلاثة، وعلى هذا المعنى إن اليقين لا يحق إلَاّ إذا صدق بما قاله، فالتصديق حق اليقين الذي يستحقه.

قوله: {فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم} .

أي: نزّه الله - تعالى - عن السُّوء.

و «الباء» يجوز أن تكون للحال، أي: فسبِّح ملتبساً باسم ربِّك على سبيل التبرك كقوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30] ، وأن تكون للتعدية على أن «سبح» يتعدى بنفسه تارةً، كقوله:{سَبِّحِ اسم رَبِّكَ} [من سورة الأعلى: 1] وبحرف الجر تارة كهذه الآية.

وقال القرطبي: «والباء زائدة، أي: سبح اسم ربك» .

وادعاء زيادتها خلاف الأصل.

ص: 449

و «العظيم» يجوز أن يكون صفة للاسم، وأن يكون صفة ل «ربك» ؛ لأن كلاًّ منهما مجرور، وقد وصف كل منهما في قوله:{تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام} [الرحمن: 78] و «ذي الجَلالِ» .

ولتقارب المتضايفين ظهر الفرق في الوصف.

فصل في تحرير معنى الآية

قيل: معنى «فسبح» أي فصل بذكر ربك وبأمره.

وقيل: فاذكر اسم ربك العظيم وسبحه.

«وعن عقبة بن عامر قال: لمَّا نزلت: {فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم} قال النبي عليه الصلاة والسلام ُ:» اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ «. ولما نزلت: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى} قال النبي صلى الله عليه وسلم َ:» اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ «» .

أخرجه أبو داود.

وروى أبو طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم َ [يقول] : «مَنْ قَرَأ سُورَة الواقِعَة في كل ليلة لم تُصِبْهُ فاقةٌ أبَداً» وكان أبو هريرةٍ لا يدعُها أبداً.

ص: 450