الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{بل الساعة موعدهم} يريد يوم القيامة {والساعة أدهى وأمر} مما لَحِقَهُمْ.
فصل
«أدْهَى» من الداهية وهي الأمر العظيم يقال: أَدْهَاهُ أَمْرُ كَذَا أي أصابه دَهْواً ودَهْياً. وقال ابن السِّكِّيت: دَهَتْهُ دَاهِيَةٌ دَهْوَاءُ ودَهْيَاءُ، وهي توكيد لها.
قوله: {إِنَّ المجرمين فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} قيل: في ضلال بعد عن الحق. قال الضحاك: وسعر أي نار تسعّر عليهم. وقيل: ضلال ذهب عن طريق الجنة في الآخرة. وسُعُر جمع سَعِير: نار مستعرة. وقال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونارٍ في الآخرة. قال قتادة: في عناء وعذاب.
ثم بين عذابهم فقال: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ} ويقال لهم: {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} .
فصل
أكثر المفسرين على أن هذه الآية في القَدَرِيَّة. وفي الحديث: أَنَها نزلت في القَدَرِيَّة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم َ - أنه قال: «مَجُوسُ هَذِه الأُمَّةِ القَدَرِيَّةُ فَهُمُ المُجُرِمُونَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في قوله: {إِنَّ المجرمين فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} » .
واعلم أن الجَبْريَّ من يقول: القدريُّ من يقول الطاعة والمعصية بفعلِي فهم ينكرون القَدَر. والفريقان متّفقان على أن السُّنِّيَّ القائلَ بأن الأفعال خلق الله وبسببٍ من العبد ليس بقَدَرٍ. قال ابن الخطيب: والحقُّ أن القَدَرِيَّ هو الذي يُنْكِرُ القَدَرَ، ويَنْسِبُ الحوادث لاتصال الكواكب لما رُوِيَ أنَّ قريشاً خَاصَمُوا في القَدَر ومذهبهم أن الله مكَّن العبد مِن الطاعة والمعصية، وهو قادر على خلق ذلك في العبد، وقادر على أن يُطْعِمَ الفَقِيرَ، ولهذا قالوا:{أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ} [يس:
47]
منكرين لقدرته تعالى على
الإِطعام. وأما قوله عليه الصلاة والسلام ُ -: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأمة» فإِن أريد بالأمة المرسل إليهم مطلقاً كالقَوْم، فالقدرية في زمانه هم المشركون المنكرون قدرته على الحوادث، فلا يدخل فيهم المعتزلة. وإن كان المراد بالأمة من آمن به عليه الصلاة والسلام ُ - فمعناه أن نسبة القدرية إليهم كنسبة المَجُوس إلى الأمة المتقدمة، فإن المجوس أضعفُ الكَفَرَة المتقدمين شبهةً وأشدّهم مخالفةً للعقل، وكذا القدرية في هذه الأمة وكونهم كذلك لا يقتضي الجَزْم بكونهم في النار. فالحق أن القدريَّ هو الذي يُنْكِر قدرةَ الله تَعَالَى.
فصل
روى مُسْلِمٌ عن أبي هريرة، قال: جاءَ مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - في القدر، فنزلت هذه الآية:{إِنَّ المجرمين فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} إلى قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] . وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - يقول: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ كُلَّهَا مِنْ قَبْلِ أن يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ قال: وَعَرْشُهُ عَلَى الماء» وعن طاوس اليماني قال: أدركت ما شاء الله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - يقولون: كُلّ شيء بقدر الله. وسمعت من عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ -
«كُلُّ شَيْءٍ بقَدَرٍ حَتَى العَجْزُ والكَيْسُ أو الكَيْسُ والعَجْزُ» .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «قال رسول الله: لا يؤمن بالله عبدٌ حتى يؤمن بأربع: يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّه، وأَنِّي رسولُ الله بَعَثَنِي بالحقِّ ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقَدَر. وزاد عُبَيْدُ الله: خَيْرِهِ وشَرِّهِ» وهذه الأدلة تبطل مذاهب القدرية.
قوله: «ذُوقُوا» فيه إضمار القول. وقرأ أبو عمرو - في رواية محبوب عنه - مَسَّقَرَ.
وخطَّأَهُ ابنُ مجاهد، وهو معذُورٌ؛ لأن السِّين الأخيرة من «مَسَّ» مدغم فيها فلا تدغم في غيرها لأنه متى أدغم فيها لزم تحريكها ومتى أدغمت هي لزم سكونها فتَنَافَى الجمعُ بينهما.
قال أبو حيان: والظَّنُّ بأبي عمرو أنه لم يُدْغِمْ حتى حذفَ أحد الحرفين لاجتماع الأمثال ثم أدغم.
قال شهاب الدين: كلام ابن مجاهد إنما هو فيما قالوه أنه أدغم أما إِذا حَذَف وأدغم فلا إِشكال.
و (سَقَرُ) علم لجهنّم أعَاذَنَا الله منها، مشتقة من سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ والنارُ أي لَوَّحَتْهُ. ويقال: صَقَرَ بالصاد، وهي مبدلة من السين لأجلِ القاف. قال ذو الرمة:
4612 -
إِذَا ذَابَت الشَّمْسُ اتَّقَى صَقراتِهَا
…
بِأَفْنَانِ مَرْبُوع الصَّرِيمَةِ مُعْبِل
و «سَقَرُ» متحتِّم المنع من الصرف؛ لأن حركة الوسط تنزلت منزلة الحرف الرابع، كعَقْرَبَ وزَيْنَبَ.
قال القرطبي: و «سقر» اسم من أسماء جهنم مؤنث لا ينصرف، لأنه اسم مؤنث معرفة وكذلك «لظى وجهنم» . وقال عطاء:«سقر» الطابق السادس من النار. وقال قطرب: ويَوْمٌ مُسْمَقِرٌّ ومُصْمَقِرٌّ: شديد الحر.
ومسها ما يوجد من الألم عند الوقوع فيها.
فصل
العامل في (يَوْمَ يُسْحَبُونَ) يحتمل أن يكون منصوباً بعامل مفهوم غير مذكور. وهذا العالم يحتمل أن يكون سابقاً وهو قوله: {إِنَّ المجرمين فِي ضَلَالٍ} . والعامل في الحقيقة على هذا الوجه أيضاً مفهوم من (فِي) كأنه فيه بمعنى كائن غير أن ذلك صار نَسْياً مَنْسيًّا. ويحتمل أن يكون متأخراً وهو قوله: «ذُوقُوا» تقديره: «ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ يَوْمَ يُسْحَبُ المُجْرمُونَ» . والخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم} [القمر: 43] . ويحتمل أن يكون منصوباً بالقول المقدر أي يُقَالُ لهم يَوْمَ يُسْحَبُونَ ذُوقوا. وهو المشهور.
والذوق استعارة للمبالغة لقوة الإدراك في الذَّوْقِ؛ فإن الإنسان يشارك غيره في اللَّمْس، ويُخْتَصُّ بإدراك المطعوم فيحصل الألم العظيم، والمعنى ذوقوا أيها المُكَذِّبُونَ بمحمد صلى الله عليه وسلم َ - مَسَّ سَقَر يَوْم يُسحب المجرمون المتقدمون في النار.
قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ} العامة على نصب «كل» على الاشتغال. وأبو السَّمَّالِ بالرفع وقد رجح الناس - بل بعضُهُمْ أَوْجَبَ - النَّصَب، قال: لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، وذلك أنه إذا رفع:«كل شيء» كان مبتدأ، و «خلقناه» صفة ل «كُلّ» أو «شَيْء» و «بِقَدَرٍ» خبره.
وحيئنذ يكون له مفهومٌ لا يخفى على مُتَأَمِّلِهِ، فيلزم أن يكون الشيء الذي ليس مخلوقاً لله تعالى لا بقدر كذا قدره بعضهم. وقال أبو البقاء: وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق، والرفع لا يدل على عمومية بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر.
وقال مكي بن أبي طالب: كان الاختيار على أصول البصريين رفع «كُلّ» كما أن الاختيار عندهم في قولك: «زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ» الرفع والاختيار عند الكوفيين النصب فيه بخلاف قولنا: زَيْد أَكْرَمْتُهُ، لأنه قد تقدم في الآية شيء عمل فيما بعده وهو «إنَّ» . والاختيار عندهم النصب فيه. وقد أجمع القراء على النصب في (كُلَّ) على الاختيار فيه عند الكوفيين ليدل ذلك على عموم الأشياء المخلوقات أنها لله تعالى بخلاف ما قاله أهلُ الزَّيْغِ من أن ثَمَّ مخلوقاتٍ لغير الله تعالى. وإنما دل النصب في «كل» على
العموم، لأن التقدير: إنّا خَلَقْنَا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر «فخلقناه» تأكيد وتفسير «لخَلَقْنَا» المضمر الناصب ل «كُلَّ شَيْءٍ» فهذا لفظ عام يَعُمُّ جميع المخلوقات.
ولا يجوز أن يكون «خَلَقْنَاهُ» صفة ل «شَيْءٍ» ؛ لأن الصفة والصلة لا يعملان قبل فيما قبل الموصوف ولا الموصول، ولا يكونان تفسيراً لما يعمل فيما قبلهُما، فإذا لم يبق «خَلَقْنَاهُ» صفة لم يبق إلا أنَّه تأكيدٌ وتفسيرٌ للمضمر الناصب وذلك يدل على العموم.
وأيضاً فإن النصب هو الاختيار؛ (لأن «إنَّا» عندهم تطلب الفعل، فهُو أولى به فالنصب عندهم في «كل» هو الاختيار) فإذا انضاف إليه معنى العموم والخروج عن الشبه كان النصب أولى من الرفع.
وقال ابن عطيه وقومٌ من أهل السنة: بالرفع. قال أبو الفتح: هو الوجهُ في العربية وقراءتنا بالنصب مع الجماعة.
وقال الزمخشري: كل شيء منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر.
وقرىء: كُلُّ شَيْءٍ بالرفع. والقَدَرُ والقَدْرُ: التقديرُ. وقرىء بهما أي خَلَقْنَا كل شيء مقدَّراً محكماً مرتباً على حَسْب ما اقتضته الحكمة أو مقدراً مكتوباً في اللوح المحفوظ معلوماً قبل كونه قد علمنا حاله وزمانه انتهى.
وهو هنا يتعصب للمعتزلة لضعْف وجه الرفع.
وقال قومٌ: إذا كان الفعل يتوهم فيه الوصف، وأن ما بعده يَصْلُحُ للخبر وكان المعنى على أن يكون الفعل هو الخبر اختار النصب في الاسم الأول حتى يتضح أن الفعل ليس بوصف. ومنه هذا الموضع، لأن قراءة الرفع تخيل أن النصب وصف وأن الخبر:«بَقَدَرٍ» .
وقد تنازع أهل السنة والقدرية في الاستدلال بهذه الآية، فأهل السنة يقولون: كُلّ شيء مخلوق لله تعالى، ودليلهم قراءة النصب؛ لأنه لا يفسر في هذا التركيب إلا ما يَصِحُّ أن يكون خبراً لو رفع الأول على الابتداء.
وقال القَدَريَّة: القراءة برفع «كل» و «خَلَقْنَاهُ» في موضع الصفة ل «كُلّ» أي أمْرُنَا أو شَأْنُنَا كُلُّ شيء خَلَقْنَاه فهو بقدر أو بمقدار. وعلى حد ما في هيئَتِهِ وزمنِهِ (وَغيْرِ ذَلِكَ) .
وقال بعض العلماء في القدر هنا وجوه:
أحدها: أنه المقدار في ذاته وفي صفاته.
الثاني: (أنه) التقدير لقوله: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون} [المرسلات: 23] وقال الشاعر:
4614 -
…
...
…
...
…
...
…
...
…
.
…
وَقَدْ قَدَرَ الرَّحْمَنُ مَا هُوَ قَادِرُ
أي ما هو مقدِّر.
الثالث: القدر الذي يقال مع القضاء، كقولك: كَان بِقَضَاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فقوله:(بقَدَرٍ) على قراءة الناصب متعلق بالفعل الناصب، وفي قراءة الرفع في محلّ رفع، لأنه خبرٌ ل «كُلّ» و «كُلّ» وخبرها في محل رفع خبر «لإِنَّ» . وسيأتي قريباً أنه عكس هذه؛ أعني في اختيار الرفع وهي قوله تعالى:{وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر} [القمر: 52] ، فإنه يختلف في رفعه، قالوا: لأن نَصْبَه يؤدي إلى فساد المعنى لأن الواقع خلافه، وذلك أنك لو نصبته لكان التقدير: فَعلُوا كُلَّ شَيْءٍ فِي الزُّبُرِ. وهو خلافُ الواقع، إذ في الزبر أشياء كثيرة جداً لم يَفْعَلُوها. وأما قراءة الرفع فتؤدي إلى أن كل شيء فعلوه هو ثابتٌ في الزُّبُرِ. وهو المقصود فلذلك اتفق على رَفْعِهِ.
وهذان الموضعان من نُكَت المسائل الغَريبة التي اتُّفِقَ مجيئُها في سورة واحدةٍ ومَكَانَيْن مُتَقَارِبَيْن، ومما يدل على جلالة علم الإعراب وإفهامِهِ المعانيَ الغَامِضَة.
فصل
قال أهل السنة: إن الله تعالى قدر الأشياء أَيْ أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه فلا محدث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادرٌ عن علمِهِ تعالى وقدرتِهِ وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوعُ اكتساب ومحاولةٍ ونسبةٍ وإضافةٍ، وأن ذلك كله إنما جُعِلَ لهم بتيسير الله وبقدرة الله وإلهامه سبحانه وتعالى لا إله إلا هو ولا خالقَ غيره كما نص عليه القرآن والسنة. لا كما قال القَدَريَّة وغيرهمُ من أن الأعمال إلينا، والآجال بيد غَيرِنا.
فصل
روى أبو الزُّبَيْر عن جابرِ بنِ عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ -: «إِنَّ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ المُكَذِّبُونَ لِقَدَر اللَّهِ، إنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُم وإنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُم وإنْ لَقِيتُمُوهم فَلَا تُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ» أخرجه ابن ماجه في سننه. وخرج أيضاً عن ابن عباس وجابر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ -: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لهم في الإِسْلَام نَصِيبٌ أَهْلُ الإرْجَاء والقَدَر» .
قوله: {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَاّ وَاحِدَةٌ} أي إلا كلمة واحدة وهو قوله «كُنْ» . «كَلَمْحِ بِالبَصَرِ» أي قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. واللمح: النظر بالعَجَلة يقال: لَمَحَ البَرْق ببَصَره؛ وفي الصحاح: لَمَحَهُ وأَلْمَحَهُ إِذا أبصره بنظرٍ خفيف، والاسم اللَّمْحَة، ولَمَحَ البَرْقُ والنَّجْمُ لَمحاً، أي لَمَعَ.
قال البغوي: قوله «وَاحِدَةٌ» يرجع إلى المعنى دون اللفظ أي وما أمرنا إلا واحدة.
وقيل: معناه وأما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة كما تقدم، وهي رواية عَطَاءٍ عن ابْن عبَّاس، وروى الكلبي عنه: وما أمرنَا بمجيء الساعة في السرعة إلَاّ كَطَرْف البَصَر.
فصل
قال ابن الخطيب: إنَّ الله تعالى إذا أراد شيئاً قال له: كُنْ فهناك شيئان الإرادة والقَوْل، فالإرادة قَدَر، والقول قضاء، وقوله:«وَاحِدَةٌ» يحتمل أمرين:
أحدهما: بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نَفَاذِ القَوْل.
ثانيهما: بيان عدم اختلاف الحال فأمره عند خلق العرش العظيم كأمره عند خلق النَّمْلَة الصغيرة فأمره عند الكل واحد. وقوله: «كَلَمْحٍ بالبَصَرِ» تشبيه للكون لا تشبيه الأَمْر، فكأنه قال: أمرنا واحدة، فإذا المأمور كائنٌ كلمح بالبصر، لأنه لو كان راجعاً إلى الأمر لا يكون ذلك صفة مدح يليق به، فإن كلمة «كُنْ» شيء أيضاً يوجد كلمح بالبصر. ومعنى «كَلَمْحٍ بالبصَرِ» أي كنَظَر العَيْن. والباء للاستعانة مثل: كَتَبْتُ بالقَلَم، دخلت على الآلة ومثل بها؛ لأنها أسرع حركة في الإنسان؛ لأن العين وجد فيها قرب المحرَّك منها، ولا يفضل عليه بخلاف العِظام، واستدارة شكلها، فإن دَحْرَجَةَ الكُرَة أسرع من دحرجة المُثَلَّثِ والمربَّعِ، ولأنها في رُطُوبةٍ مخلوقة في العضو الذي هو موضعها، وهو الحكمة في كثرة المرئيَّات بخلاف المأكولات والمسموعات والمفاصل التي تُفْصَل بالأرجل والمذُوقات فلَوْلَا سرعة حركة الآلة التي بها إدراك المبْصرات لما وصل إلى الكل إلا بعد طول بَيَان.
وقيل: معنى: «كلمح بالبصر» البرق يمر به سريعاً، فالباء تكون للإلصاق، نحو: مَرَرْتُ بِهِ، وفي قوله:«كَلَمْحِ بِالبَصَرِ» ولم يقل: كلمح البرق فائدةٌ، وهي أن لَمْحَ البرق له مبدأٌ ونهاية فالذي يمر بالبصر منه يكون أدل من جملته مبالغة في القلة، ونهاية السرعة.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ} أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السابقة.
وقيل: أتباعكم وأعوانكم.
{فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ، أي يتذكر ويعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر.
(قوله){وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر} أي جميع مَا فَعَلَتْهُ الأمم قبلهم من خير وشر فإنه مكتوب عليهم أي في كتب الحفظة. وقيل: في اللوح المحفوظ.
وقيل: في أم الكتاب. قال القرطبي: وهذا بيان لقوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} أي «في الزُّبُرِ» أي في اللوح المحفوظ.
قوله: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} أي كل صغير وكبير مكتوب على عامله قبل أن يفعلوه.
وقرأ العامة مُسْتَطَرٌ بتخفيف الراء من السَّطْر وهو الكَتْب أي مُكْتَتَبٌ يقال: سَطَرْتُ واسْتَطَرْتُ وكَتَبْتُ وَاكْتَتَبْتُ وقرأ الأعمش وعِمْرَانُ بنُ حُدَيْر - وتروى عن عاصمٍ - بتشديدها، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مشتق من طَرّ الشاربُ والنباتُ أي ظَهَرَ وثَبَتَ بمعنى أن كل شيء قَلّ أو كَثُر ظاهرٌ في اللّوح غير خفي، فوزنه مُسْتَفْعَلٌ كمُسْتَخْرجٍ.
والثاني: أنه من الاسْتِطَار كقراءة العامة، وإنما شددت الراء من أجل الوقوف كقولهم: هذا جَعْفَرّ ونفعلّ، ثم أجري الوصل مجرى الوقف فوزنه مُفْتَعَلٌ كقراءة الجمهور.
قوله تعالى: {إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} العامة بالإفراد، وهو اسم جنس بدليل مقارنته للجمع والهاء مفتوحة كما هو الفصيح.
وسكّنها مجاهدٌ والأعرج وأبو السَّمَّال «والفَيَّاض» . وهي لغة تقدم الكلام عليها أول البقرة.
قال ابن جُرَيْجٍ: معنى (نهر) أنهار الماء والخَمْر والعَسَل. ووُحِّدَ؛ لأنه رأس آية. ثم الواحد قد ينبىء عن الجمع. وقال الضحاك ليس المراد هنا نهر الماء، وإنما المراد سَعَةُ الأرزاق؛ لأن المادة تدل على ذلك كقول قَيْس بن الخَطِيمِ:
4615 -
مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا
…
يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونها مَا وَرَاءَهَا
أي وسعته. ومنه: أَنْهَرْتُ الجُرْحَ. ومنه: النَّهَار، لضيائه.
وقرأ أبو نهيك وأبو مجْلَز والأعمش وزهير الفُرْقُبيّ - ونقله القرطبي أيضاً عن طَلْحَة بن مُصَرِّف والأعرج وقتادة -: «ونُهُر» بضم النون والهاء وهي تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون نهر بالتحريك وهو الأولى نحو: أُسُد في أَسَدٍ.
والثاني: أن يكون جمع الساكن نحو: سُقُف في سَقْفٍ، ورُهُن في رَهْن. والجمع مناسب للجمع قبله في جَنَّات. وقراءة العامة بإفراده أبلغ، وقد تقدم كلام ابن عباس في قوله تعالى آخر البقرة {وَمَلائكته وكتابه} [البقرة: 285] بالإِفراد أنه أكثر من الكُتُب، وتقدم أيضاً تقرير الزمخشري لذلك. قال القرطبي (رحمةُ الله عليه) كأَنه جمع نهار لا ليل لهم كسَحَاب وسُحُب. قال الفراء: أنشدني بعض العرب:
4616 -
إِنْ تَك لَيْلِيًّا فَإِنِّي نَهِرُ
…
مَتَى أَرَى الصُّبْحَ فَلَا أَنْتَظِرُ
أي صاحب النهار. وقال آخر:
4617 -
لَوْلَا الثَّرِيدُ إِنْ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ
…
ثَرِيدُ لَيْلٍ وَثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ
فصل
لما وصف الكفار وصف المؤمنين أيضاً، فقال:{إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ} الجنات: اسم للأشجار أي هم خلالها وكذلك الأنهر، والمعنى: جنات وعند عيون كقوله:
4618 -
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً.....
…
...
…
...
…
...
…
.
وجمعت الجنات إشارة إلى سَعَتِها وتنوعها، وأفرد النَّهَر؛ لأن المعنى في خلاله، فاستغني عن جمعه، وجمع في قوله:{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} لئلا يتوهم أنه ليس في الجنة إلاّ نهر فيه. والتنكير فيه للتعظيم.
قوله: «فِي مَقْعَدِ» يجوز أن يكون خبراً ثانياً وهو الظاهر، وأن يكون حالاً من الضمير في الجار لوقوعه خبراً، وجوّز أبو البقاء: أن يكون بدلاً من قوله: «فِي جَنَّاتٍ» . وحيئنذ يجوز أن يكون بدلَ بعض، لأن المقعد بعضها، وأن يكون اشتمالاً، لأنها مشتملة، والأول أظهر. والعامة على إفراد مَقْعَدٍ مراداً به الجنس كما تقدم في:«نَهَر» . وقرأ عُثْمَانُ البَتِّيُّ: مَقَاعِدَ. وهو مناسب للجمع قبله.
و «مَقْعَدُ صِدْقٍ» من باب رَجُلُ صِدْقٍ في أنه يجوز أن يكون من إضافة الموصوف لصفته والصدق يجوز أن يراد به ضد الكذب أي صدقوا في الإخبار عنه. وأن يراد به الجَوْدَة والخَيْرِيَّة. وَمَلِيكٍ مثال مُبالغة، وهو مناسب هنا ولا يتوهم أن أصله «ملك» ؛ لأنه هو الوارد في غير موضع وأن الكسرة أُشْبِعَتْ فتولد منها ياء؛ لأن الإشباع لم يرد إلا ضرورةً أو قليلاً وإن كان قد وقع في قراءة هشام:{أفئدة} [إبراهيم: 43] في آخر إبراهيم. فَلْيُلْتَفَتْ إليه.
فصل
قال: في مقعد صدق ولم يقل: في مجلس صدق؛ لأن القعود جلوس فيه مكثٌ ومنه: «قَوَاعِدَ البَيْتِ» [و]{والقواعد مِنَ النسآء} [النور: 60] ، ولا يقال جوالس فأشار إلى دَوَامِه وثَبَاتِهِ، ولأن حروف «ق ع د» كيف دارتْ تدل على ذلك والاستعمال في القعود يدل على ذلك ومنه:{لَاّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين} [النساء: 95]، وقوله {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121] إشارة إلى الثبات وكذا قوله: {عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ} [ق: 17]، فذكر المقعد لدوامه أو لطوله وقال في المجلس:{تَفَسَّحُواْ فِي المجالس} [المجادلة: 11] إشارة إلى الحركة، وقال {انشزوا} [المجادلة: 11] إشارة إلى ترك الجلوس أي هو مجلس فلا يجب ملازمته بخلاف المقعد.
فصل
قال المفسِّرون: في مقعد صدق أي حق لا لغو فيه ولا تأثيم {عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} أي مالك قادر لا يعجزه شيء و «عِندَ» ههنا عندية القُرْبَة والزُّلْفَةِ والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة. قال (جَعفرُ) الصادق: مَدَحَ الله المكانَ بالصِّدق فلا يقع فيه إلا أهل الصدق.
وروى الثعلبي في تفسيره عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ -: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ اقْتَرَبَت السَّاعَةُ فِي كُلّ غِبٍّ بُعِثَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ. وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ كَانَ أَفْضَلَ وَجَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَوَجْهُهُ مُسفرٌ عَلَى وُجُوهِ الخَلَائِقِ» .
(اللَّهُمّ ارحمْنا، وارزقْنَا واسْتُرْنَا) . (واللَّهُ أَعْلَمُ) .
سورة الرحمن
مكية كلها في قول الحسن، وعروة بن الزبير، وعكرمة، وعطاء، وجابر.
وقال ابن عباس: إلا آية منها، وهي قوله تعالى:{يسئله من في السماوات والأرض} [الرحمن: 29] الآية.
وقال ابن مسعود ومقاتل: هي مدنية كلها.
والأول أصح، لما روى عروة بن الزبير، قال: أول من جهر بالقرآن ب " مكة " بعد النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم قالت: ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قط، فمن رجل يسمعموه، فقال ابن مسعود: أنا، فقالوا: نخشى عليك، وإنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه، فأبى ثم قام عند المقام، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. " الرحمن، علم القرآن " ثم تمادى بها رافعا صوته، وقريش في أنديتها، فتأملوا، وقالوا: ما يقول ابن أم عبد؟ قالوا: هو يقول: الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه، ثم ضربوه حتى أثروا في وجهه.
وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي الصبح ب " نخلة "، فقرأ سورة " الرحمن "، ومن النفير من الجن فآمنوا به.