المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ» مفعوله محذوف أي كذبت الرُّسُلَ؛ لأنهم لما - اللباب في علوم الكتاب - جـ ١٨

[ابن عادل]

الفصل: قوله: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ» مفعوله محذوف أي كذبت الرُّسُلَ؛ لأنهم لما

قوله: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ» مفعوله محذوف أي كذبت الرُّسُلَ؛ لأنهم لما كذبوا نوحاً فقد كذبوا جميع الرسل. ولا يجوز أن تكون المسألة من باب التنازع؛ إذ لو كانت منه لكان التقدير: كذبت قبلهم قومُ نوح عَبْدَنا فكذبوه ولو لفظ بهذا لكان تأكيداً؛ إذ لم يفد غير الأول، وشرط التنازع أن لا يكون الثاني تأكيداً، ولذلك منعوا أن يكون قوله:

45‌

‌9

2 -

...

...

...

..... أَتَاكِ أَتَاكِ اللَاّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ

من ذلك.

وفي كلام الزمخشري ما يجوزه، فإنه أخرجه عن التأكيد، فقال: فإن قلت: ما معنى قوله «فَكَذَّبُوا» بعد قوله: «كَذَّبَتْ» ؟

قلت: معناه كذبوا فكذبوا عبدنا أي كذبوا تكذيباً عقب تكذيب كلما مضى منهم قَرْنٌ مُكَذِّبٌ تبعه قرن مُكَذِّبٌ. هذا معنى حسن يسوغ معه التنازع.

فصل

لما فرغ من حكاية كلام الكافر، ومن ذكر علامات الساعة أعاد ذكر بعض الأنبياء فقال: كذبت قبلهم قوم نوح أي قبل أهل مكة. واعلم أن إلحاق ضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائزٌ وحسنٌ بالاتفاق وإلحاق ضمير الجمع بالفعل قبيحٌ عند أكثرهم، فلا يجوزون: كَذَّبُوا قَوْمُ نوحٍ ويجوزون: كَذَّبَتْ فما الفرق؟

ص: 243

قال ابن الخطيب: لأن التأنيث قبل الجمع، لأن الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل، ولم تحصل الأنُوثَةُ للفاعل بسبب فعله بخلاف الجمع، لأن الجمع للفاعلين بسبب فعلهم.

فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} بعد قوله: «كَذَّبَتْ» ؟

قال ابن الخطيب: الجواب عنه من وجوه:

الأول: أن قوله «كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ» أي بآياته فكذب هؤلاء عبدنا بآية الانشقاق فَكذَّبُوكَ.

الثاني: كذبت قوم نوح المرسلين وقالوا لم يبعث الله رسولاً وكذبوهم في التوحيد فكذبوا عبدنا كما كذبوا غيره؛ وذلك لأن قومَ نوح كانوا مشركين يعبدون الأصنام ومن يعبد الأصنام يكذب كُلَّ رسول، وينكر الرسالة، لأنَّه يقول: لا تعلق لله بالعالم السُّفْلِيِّ، وإنما أمره إلى الكواكب فكان مذهبهم التكذيبَ فكذَّبُوك.

الثالث: أن قوله تعالى: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} للتصديق والرد عليهم تقديره: كذبت قوم نوح فكان تكذيبهم تكذيب عبدنا أي لم يكن تكذيباً بحق.

فإن قيل: لو قال: فكذبوا رسولنا كان أدلَّ على قُبْحِ فعلهم فما الفائدة في اختيار لفظ العبد؟

فالجواب: أن قوله: عَبْدَنَا أدلّ في صدقه وقبح تكذيبهم من قوله: «رسولنا» ؛ لأن العبد أخوف وأقلّ تحريفاً لكلام السيِّد من الرسول فيكون كقوله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين} [الحاقة: 44 - 45] .

قوله: «وَقَالُوا مَجْنُونَ» مجنون خبر ابتداء مضمر أي هُو مجنون، وهذا إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه حيث رأوا ما عجزوا عنه، وقالوا مصاب الجن أو زيادة بيان لقُبْح صنيعهم حيث لم يَقْنَعُوا بتكذيبهم بل قالوا: مجنون أي تَقَوَّل ما لا يقبله عاقلٌ والكاذب العاقل يقول ما يظن به صدقهُ، فيكون قولهم: مَجْنُونٌ مبالغة في التَّكْذِيبِ.

قوله: «وَازْدُجِرَ» الدال في «ازدجر» بدل من تاء لِمَا تَقَدَّمَ.

وهل هو من مقولهم أي قالوا إنه ازدجر أي ازْدَجَرَتْهُ الجِنُّ وذهبت بُلبِّه - قاله مجاهد - أو هو من كلام الله تعالى أخبر عنه بأنه انتُهِزَ وزجر بالسبِّ وأنواع الأذى؟ وَقَالوا «لِئَنْ لَمْ تَنْتَهِ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ» . قال ابن الخطيب: وهذا أصح؛ لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم َ - بذكر من تقدمه، وأيضاً ترتب عليه قوله تعالى:{فَدَعَا رَبَّهُ} ، وهذا الترتب في غاية

ص: 244

الحسن، لأنهم لَمَّا زَجَرُوهُ وانْزَجَرَ هو عن دعائهم دعا ربه أَنِّي مَغْلُوبٌ.

قوله: «أَنِّي مغلوب» العامة على فتح الهمزة؛ أي دعا بأَنِّي مغلوبٌ، وجاء بهذا على حكاية المعنى ولو جاء على حكاية اللفظ لقال: إنِّي مغلوب وهما جائزان.

وعن ابن أبي إسحاق والأعمشِ - ورُوِيَتْ عن عاصمٍ - بالكسر إما على إضمار القول، أي فقال فسّر به الدعاء، وهو مذهب البَصْريّين، وإما إجراء للدعاء مُجْرَى القول. وهو مذهب الكوفيين.

فصل

في معنى مغلوب وجوه:

أحدها: غلبني الكفار فانْتَصْر لي منهم.

ثانيها: غَلَبَتْنِي نَفْسِي وَحَمَلَتْنِي على الدعاء عليهم، فانْتَصِرْ لي من نفسي. قاله ابن عطية. وهو ضعيف.

ثالثها: أن يقال: إِنَّ النبي لا يدعو على قومه ما دام في نفسه احْتِمَالٌ وحِلْمٌ، واحتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان منهم محتملاً، ثم إنَّ يأسه يحصل والاحتمال والحلم يفر الناس مدة بدليل قوله لمحمد صلى الله عليه وسلم َ - {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} [الشعراء: 3] {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] وقال لنُوحٍ عليه الصلاة والسلام ُ -: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [هود: 37] و [المؤمون: 27] فقال نوح: يا إِلهي إن نفسي غلبتني وقد أمَرْتَنِي بالدُّعاء عليهم فأهلكتهم فيكون معناه مغلوب بحكم البشرية أي غُلبت وعِيلَ صَبْرِي فانْتَصِرْ لي منهم لا من نفسي.

قال ابن الخطيب: وهذا الوجه مُرَكَّبٌ من الوجهين. وهو أحسنهما.

وقوله: «فَانْتَصِرْ» أي فانتصر لِي أو لنفسك، فإِنهم كفروا بك، أو انتصر للحَقِّ.

قوله: (فَفَتَحْنَا) تقدم الخلاف في فتحنا في الأنعام. والمراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها وأن للسماء أبواب تُفْتَحُ وتُغْلَقُ.

ص: 245

قال علي رضي الله عنه: هي المَجَرَّة وهي شرع السماء ومنها فتحت بماء منهمر. وقيل: هذا على سبيل الاستعارة؛ فإِن الظاهر أن الماء كان من السحاب فهو كقول القائل في المطر الوابل: «جَرَتْ مَيَازِيبُ السَّمَاء» .

وفي قوله: «فَفَتَحْنَا» بيان بأن الله انْتَصَرَ منهم، وانتقم بماء لا بجُنْدٍ أنزله ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكهم الله بمَطْلُوبِهِمْ.

قوله: (بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ) في الباء وجهان:

أظهرهما: أنها للتعدية ويكون ذلك على المبالغة في أنه جعل الماء كالآلة المُفْتَتَحِ بها، كما تقول فَتَحْتُ بالمَفَاتِيحِ.

والثاني: أنها للحال أي فتحناها ملتبسةً بهذا الماء والمُنْهَمرُ: الغزير النازل بقوة. وأنشد امرؤ القيس:

4593 -

رَاحَ تَمْرِيهِ الصَّبَا ثُمَّ انْتَحَى

فِيهِ شُؤْبُوب جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ

واستعير ذلك في قولهم: هَمَرَ الرَّجُلُ في كلامه إذا أكثر الكلام وأسرع، وفلانٌ يُهَامِرُ الشيء أي يحرفه، وهَمَّرَ لَهُ من ماله أعطاه بكَثْرَة.

والمنهمر الكثير قاله السُّدِّيُّ (رحمة الله عليه) قال الشاعر:

4594 -

أَعَيْنَيَّ جُودَا بالدُّمُوعِ الهَوَامِرِ

عَلَى خَيْرِ بَادٍ مِنْ معَدٍّ وَحَاضِرِ

قال المفسرون: معنى منهمر أي منصب انْصباباً شديداً. قال ابن عباس: منهمر من غير سحاب لم ينقطع أربعين يوماً. وقيل: ثمان.

قوله: «وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ» قرأ عبد الله وأبو حيوة وعَاصِم - في روايةٍ - وفَجَرْنا مخففاً. والباقون مثقلاً.

ص: 246

وقوله: «عُيُوناً» فيه أوجه:

أشهرها: أنه تمييز أي فَجَّرْنَا عُيُونَ الأَرْضِ، فنقله من المفعولية إلى التمييز كما نقل من الفاعلية. ومنعه بعضهم على ما سيأتي.

وقوله: {وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً} أبلغ من فَجَّرْنَا عُيُونَ الأَرْضِ، لما ذكر في نظيره مراراً.

الثاني: أنه منصوب على البدل من الأرض، ويُضْعِفُ هذا خلوّه من الضمير، فإِنه بدل بعض من كل ويجاب عنه بأنه محذوف أي عيوناً منها كقوله:«الأُخْدُودِ النَّارِ» ، فالنار بدل اشتمال ولا ضمير فهو مقدر.

الثالث: أنه مفعول ثان؛ لأنه ضمن فَجَّرْنَا معنى صَيَّرْنَاهَا بالتفجير عُيُوناً.

الرابع: أنها حال، وفيه تجوز حذف مضاف أي ذَات عُيُونٍ، وكونها حالاً مقدرةً لا مقارنةً. قال ابن الخطيب: قوله {وفجرنا الأرض عيوناً} فيه من البلاغة ما ليس في قول القائل: وَفجَّرْنا من الأرض عيوناً.

وقال: وفجرنا الأرض عيوناً، ولم يقل: فَفَتَحْنَا السَّمَاءَ أبواباً؛ لأن السماء أعظمُ من الأرض وهي للمبالغة، وقال: أبواب السماء ولم يقل: أنابيب ولا منافذ ولا مَجَاري. أما قوله تعالى: {فَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً} فلا غنى عنه لأن قول القائل: فجرنا من الأرض عيوناً يكون حقيقة لا مبالغة فيه ويكون في صحة ذلك القول أن يحصل في الأرض عيونٌ ثلاثٌ ولا يصلح مع هذا في السَّمَاءِ ومِيَاهِهَا.

فصل

قال ابن الخطيب: العُيُون جمع عَيْنٍ وهي حقيقية في العين التي هي آلة الإبصار ومجاز في غيرها أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الناظرة التي يخرج منها الدمع، لأن الماء الذي في العين كالدمع الذي في العين وهو مجاز مشهور صار غالباً حتى لا يفتقر

ص: 247

إلى قرينةٍ عند الاستعمال فكما لا يحمل اللفظ على العين الناظرة إلا بقرينة كذلك لا يحمل على الفَوَّارَةِ إلا بقرينة، مثل شَرِبْتُ مِنَ العَيْنِ واغْتَسَلْتُ مِنْهَا ونحوه.

فإِن قيل: من أين علمت أن العين حقيقة في الناظرة؟ .

قلنا: لأن الأفعال أخذت منه، ولم تؤخذ من اليُنْبُوع، فيقال: عَانَهُ يَعِينُهُ إذا أصابه بالعين وعَايَنهُ مُعَايَنَةً وعِيَاناً.

قال عُبَيْدُ بْنْ عُمَيْرٍ: أوحى الله تعالى إلى الأرض أن تُخْرِجَ ماءها فتفجرت بالعيون وأي عين تأخرت غضب عليها فجعل ماءها مُرًّا إلى يوم القيامة.

قوله: «فَالتَقَى المَاءُ» لما كان المراد بالماء الجنس صَحَّ أن يقال: فَالْتَقَى الماءُ كأنه قال: فالتقى ماءُ السماء وماءُ الأرض. وهذه قراءة العامة. وقرأ الحسن والجَحْدَريُّ ومُحَمَّد بن كَعْب وتروى عن أمير المؤمنين أيضاً: «المَاءَانِ» تثنية والهمزة سالمة أي النوعان منه ماء السماء وماء الأرض؛ لأن الالتقاء إنما يكون بين اثنين. وقرأ الحسن أيضاً: «المَاوَانِ» بقلبها واواً، وهي لغةَ طيِّىءٍ. قال الزمخشري كقولهم: عِلْبَاوَانِ، يعني أنه شبه الهمزة المنقلبة عن هاء بهمزة الإِلحاق.

وروي عنه أيضاً المَايَان بقلبها ياء، وهي أشدُّ مما قبلها.

قوله: «قَدْ قُدِرَ» العامة على التخفيف. وقرأ ابن مِقْسِم وأبو حيوة بالتشديد. هما لغتان قرىء بهما في قوله: {قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 3]{فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: 16] كما سيأتي.

فصل

قيل: معنى قد قدر أي حال قدرها الله كما شاء قضى عليهم في أُمّ الكتاب. وقال مقاتل: قدَّر الله أن يكون الماءانِ سواءً، فكانا على ما قَدَّره. وقيل: على مَقَادِير؛ وذلك لأن المفسّرين اختلفوا، فمنهم من قال كان ماء السماء أكثر، ومنهم من قال: ماء الأرض. ومنهم من قال: كانا متساوِيَيْن، فقال على مقدار كان وقال قتادة: قدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا.

ص: 248

قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: التقى الماء أي اجتمع على أمر هلاكهم وهو كأنه مقدور (مقدر) . وفيه رد على المنجِّمين الذين يقولون: إن الطوفان كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة في برج مائيّ والغرق لم يكن مقصوداً بالذات وإنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه، فرد الله عليهم بأنه لم يكن ذلك إلا لأمر قد قُدِرَ، ويدل عليه أن الله تعالى أوحى إلى نوح بأنهم مُغْرَقُونَ.

قوله: {وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} أي سفينة ذاتِ ألواح. قال الزمخشري: وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابَها وتؤدي مُؤَدَّاها بحيث لا يُفْصَلُ بينها وبينها ونحوه:

4595 -

...

...

...

.

وَلَكن قَمِيصي مَسْرُودَة مِنْ حَدِيدِ

أراد ولكن قميصي درع، وكذلك:

4596 -

...

...

...

.

وَلَوْ فِي عُيُون النَّازِيَاتِ بِأَكْرُعِ

أراد ولو في عيون الجرار، ألا ترى أنك لو جمعت بين الصفة وبين هذه الصفة، أو بين الجرار والدرع وهاتين الصفتين لم يصح. وهذا من فصيح الكلام وبَدِيعِهِ.

والدُّسُر، قيل: المسامير جمع دِسَارٍ، نحو كُتُب في جمع كِتاب وقال الزمخشري: جمع دِسَارة، وهو المِسْمَارُ فعالة من دسره إذا دفعه، لأنه يدسر به منفذه.

وقال الراغب: الواحد دَسْرٌ فيكون مثل سَقْف وسُقُف وقال البغوي: واحدها دِسَار ودَسِيرٌ.

ص: 249

وأصل الدسر الدفع الشديد بقهر (و) دَسَرَهُ بالرمح. ومُدْسِر مثل مُطْعِن وروي: ليس في العنبر زَكاة إنَّما هُوَ شَيءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ أي دفَعَهُ.

وقيل: إنها الخيوط التي تشد بها السفن. وقيل: هي عراض السفينة وقيل: أضلاعها. وقال الحسن الدسر صدر السفينة، سميت بذلك لأنها تَدْسُرُ الماء بجؤجؤها أي تدفع. وقال الضحاك: الدسر أَلْوَاحُ جَانِبَيْهَا.

قوله: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا» أي بمَرْأى منَّا. وقال مقاتل: بأعيننا أي بحفظنا، لقولك: اجْعَل هذا نصب عينك. وقيل: بالأعين النابعة من الأرض. وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة. فقوله: بأعيننا أي ملتبسة بحفظنا، وهو في المعنى كقوله تعالى:{وَلِتُصْنَعَ على عيني} [طه: 39] .

وقرأ زيد (بن) علي وأبو السَّمَّال بأَعْيُنَّا بالإدغام. وقال سفيان: معناه بأمرنا.

قوله: (جزاء) منصوب على المفعول له، نَاصبُهُ (فَفَتَّحْنَا) وما بعده.

وقيل: منصوب على المصدر إما بفعل مقدر أي جَازَيْنَاهُم جَزَاءً، وإما على التجوز بأن معنى الأفعال المتقدمة جازيناهم بها جزاءً.

قوله: {لِّمَن كَانَ كُفِرَ} العامة على كُفِرَ مبنيًّا للمفعول، والمراد بمَنْ كُفِرَ: نوح عليه الصلاة والسلام ُ - أو الباري تعالى.

وقرأ مُسَيْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ كُفْرَ بإسكان الفاء، كقوله:

4597 -

لَوْ عُصْرَ مِنْهُ المِسْكُ وَالبَانُ انْعَصَرْ

ص: 250

وقرأ يزيد بن رومان وعيسى وقتادة: كَفَرَ، مبنياً للفاعل.

والمراد ب «مَنْ» حينئذ قَومُ نوح. و «كَفَر» خبر كان. وفيه دليل على وقوع خبر كان ماضياً من غير قد. وبعضُهمْ يقول: لا بد من (قد) ظاهرةً أو مضمرة.

ويجوز أن تكون كان مزيدة، وأما كفرهم ففيه وجهان:

أحدهما: أن يكون «كَفَرَ» مثل شَكَرَ تعدى بحرف وبغير حرف، يقال: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، قال تعالى:{واشكروا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] .

وقال: {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت} [البقرة: 256] .

الثاني: أن يكون من الكفر لا من الكُفْرَان أي جزاء لمن ستر أمره وأنكر شأنه، أو جزاء لمن كفر به.

فصل

المعنى فعلنا به من إنجاء نوح وإغراق قومه ثواباً لمن كفر به وجُحِدَ أمره وهو نوح عليه الصلاة والسلام ُ -. وقيل: «مَنْ» بمعنى «ما» أي جزاء لما كان كفر من أيادي ونقمة عند الذين غرقهم، وجزاء لما صنع بنوحٍ وأصحابه.

واللام في «لِمَنْ» لام المفعول له. والجزاء هنا بمعنى العقاب أي عقاباً لكفرهم.

قوله: {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً} ضمير تركناها إمَّا للقصة أو للفِعْلَة التي فعلناها آية يعتبر بها، أو السفينة. وهو الظاهر. والمعنى تركناها أي أبقاها الله بباقِرْدى من أرض الجزيرة آيةً أي عبرة حتى نظرت إليها أوائلُ هذه الأمة، وكانت على الجُوديِّ. وقيل: بأرض الهِنْدِ، ومعنى تركناها أي جعلناها، لأنها بعد الفراغ منها صارت متروكة ومجعولة.

ص: 251

قوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أصله «مُدْتَكر» فأبدلت التاء دالاً مهملة، ثم أبدلت المعجمة مهملة لمقارنتها وقد تقدم هذا في قوله:{وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] . وقد قرىء «مُدْتَكِرٍ» بهذا الأصل.

وقرأ قتادة فيما نقل عنه أبو الفضل - مُدَكَّرٍ - بفتح الدال مخففة وبتشديد الكاف، من دَكَّر بالتشديد أي دَكَّر نَفْسَه أو غَيرَه بما بمضى من قصَصِ الأولين.

ونقل عنه ابن عطية كالجماعة إلا أنه بالذَّال المعجمة، وهو شاذ لأن الأَوَّلَ يُقْلَبُ للثَّانِي، لا الثاني للأول.

روى زُهَيْرٌ عن أبي إِسْحَاقَ أنه سمعَ رجُلاً يسأل الأسود: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أو مِنْ مذَّكِرٍ، قال: سمعت عبد الله يقرأها: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ دالاً.

فصل

وهذه الآية إشارة إلى أن الأمر من جانب الرسل قد تَمَّ، ولم يبق إلا جانب المُرْسَلِ إِليهم بأن يتفكروا ويهتدوا. وهذا الكلام يصلح أن يكون حثاً وأن يكون تخويفاً وزجراً، وقال ابن الخطيب: مُدَّكِرٌ مُفْتَعِلٌ من ذَكَرَ يَذْكُرُ وأصله مُذْتكرٌ. وقرأ بعضهم بهذا الأصل. ومنهم من يقلب التاء دالاً. وفي قوله: مدّكِر إشارة إلى قوله: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172] أي هل ممن يتذكر تلك الحالة؟ وإما إلى وضوح الأمر كأنه جعل للكل آيات الله فنَسُوها، فهل من متذكر يتذكر شيئاً منها؟ .

قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} كان الظاهر فيها أنها ناقصة (و)«فَكَيْفَ» خبر مقدم. وقيل: يجوز أن تكون تامة، فتكون «كَيْفَ» في محل نصب إما على الظرف وإِمَّا على الحال كما تقدم تحقيقه في البقرة.

ص: 252

فصل

وحذفت ياء الإضافة من «نُذُر» كما حذفت ياء «يَسْر» في قوله تعالى: {والليل إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4] ؛ وذلك عند الوقف، ومثله كثير، كقوله:{فَإِيَّايَ فاعبدون} [العنكبوت: 56]{وَلَا يُنقِذُونَ} [يس: 23]{ياعباد فاتقون} [الزمر: 16]{وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152] وقرىء بإثبات الياء في: «عَذَابِي ونُذُرِي» .

قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن} هيأناهُ «لِلذِّكْرِ» من قولهم: «يَسَّرَ فَرَسَهُ» أي هَيَّأَهُ للركوب بإِلجامه، قال:

4598 -

فَقُمْتُ إِلَيْهِ باللِّجَامِ مُيَسِّراً

هُنَالِكَ يَجْزِيني الَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ

وقيل: سهلنا القرآن ليتذكر ويعتبر به. وقال سعيد بن جبير: يسرناهُ للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن.

وقوله: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} مُتَّعِظٍ بمواعظه.

ص: 253

ذكر ههنا: {فكيف كان عذابي ونذر} مرتين، فالأول سؤال، كقول المعلم للمتعلم: كَيْفَ المَسْأَلَةُ الفُلَانِيَّةُ؟ ثم بين فقال: «إِنَّا أَرْسَلْنَا» ، والثاني بمعنى التعظيم والتهويل.

فإن قيل: قال في قوم نوح: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ولم يقل في عاد: كَذَّبَتْ قَوْمُ هُودٍ؛ لأن التعريف كلما أمكن أن يؤتى به على وجه أبلغ فالأولى أن يؤتى به والتعريف بالاسم العلم أقوى من التعريف بالإِضافة؛ لأنك إذا قلت: «بَيْتُ اللَّهِ» لا يفيد ما يفيد قولك: الكَعْبَةُ، وكذلك إذا قلت: رَسُولُ اللَّهِ وقلت: محمد «فَعَادٌ» اسم علمٍ للقوم.

ولا يقال: قَوْم هُودٍ أعرف لوجهين:

أحدهما: أن الله تعالى وصف عاداً بقوم هود في قوله: {أَلَا بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 60] ولا يوصف الأظهر بالأخفى، والأخصُّ بالأعمِّ.

ثانيهما: أن قوم هو (واحد وعَادٌ قيل:) إنه لفظٌ يقع على أقوام، ولهذا قال

ص: 253

تعالى: {عَاداً الأولى} [النجم: 50] لأنا نقول: أما قوله تعالى: {لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 60] فليس ذلك صفة، وإنما هو بدل ويجوز في البدل أن يكون دون المُبْدَل (منه) في المعرفة، ويجوز أن يبدل من المعرفة بالنكرة. وأما عاداً الأولى فهو لبيان تقدمهم أي عاداً الذين تقدموا، وليس ذلك للتمييز والتعريف كما تقول: مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ شَفِيعِي واللَّهُ الكَرِيمُ رَبِّي وَرَبُّ الكَعْبَة المُشَرَّفَة، لبيان الشرف، لا لبيانها وتعريفها بالشرف كقولك: دَخَلتُ الدَّار المَعْمُورَة مِنَ الدَّارَيْنِ، وخَدَمْتُ الرَّجُلَ الزَّاهِدَ مِنَ الرَّجُلَيْنِ؛ فتبين المقصود بالوصف.

فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: فكذبوا هوداً كما قال فكذبوا عَبْدَنَا؟ .

فالجواب: إِما لأن تكذيب قوم نوح أبلغُ لطول مقامه فيهم وكثرة عِنَادِهِمْ، وإما لأن قصة عادٍ ذكرت مُخْتَصَرَةً.

قوله: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} الصَّرْصَرُ الشَّديدة الصَّوْت من صَرْصَرَ البابُ أو القَلَمُ إِذَا صَوَّت.

وقيل: الشديدة البرد من الصَّرِّ وهو البرد وهو كله أصول عند الجمهور.

وقال مكي: أصله «صَرَّراً» من صَرَّ الشيءُ إِذا صوت، لكن أبدلوا من الراء المشددة صاداً، وهذه أقوال الكُوفِيِّين. ومثله: كَبْكَبَ وكَفْكَفَ. وتقدم هذا في فُصِّلَتْ وغيرها.

وقال ابن الخطيب: الصرصر هو الدائمة الهبوب من أَصَرَّ عَلَى الشَّيْءِ إِذا دَامَ وَثَبَت.

فصل

{يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} شديد دائم الشُّؤم استمر عليهم بنُحُوسِهِ، ولم يُبْقِ منهم أحداً إِلا أهلكه. قيل: ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر.

فإن قيل: إذا كان يوم الأربعاء يَوْمَ نَحْسٍ مستمر فكيف يستجاب فيه الدعاء؟! وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم َ - استجيب له فيه فيما بين الظهر والعصر.

ص: 254

فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم َ - قال: «أتاني جبريل فقال:» إنَّ اللَّهَ يأمرك أَنْ تَقْضِي مع الشاهد «

وقال: يَوْمُ الأربعاء يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ. ومعلوم أنه لم يرد أنه نحس على المصلحين بل على المفسدين، كما كانت الأيام النحسات على الكُفار، لا على نبيهم والمؤمنين.

واعلم أنه تعالى قال ههنا: إِنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً وقال في الذاريات: {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم} [الذاريات: 41] فعرَّف الريح هناك، ونكَّرَها ههنا؛ لأن العقم في الريح أظهر من البَرْد الذي يضرّ النبات أو الشدة التي تَعْصِفُ الأشجار، لأن الريح العقيم هي التي لا تُنْشِىء سحاباً، ولا تُلَقِّح شجراً وهي كثيرة الوقوع، وأما الريح المهلكة الباردة فقلما تُوجَد فقال: الريح العقيم أي هذا الجنس المعروف.

ثم زاده بياناً بقوله: {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَاّ جَعَلَتْهُ كالرميم} [الذاريات: 42] فتميزت عن الريح العقيم، وأما الصرصر فقليلة الوقوع فلا تكون مشهورة فنكَّرها.

قوله: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} العامة على إضافة يَوْم إلى نَحْسٍ - بسكون الحاء - وفيه وجهان:

أحدهما: أنه من إضافة الموصوف إلى صفته.

والثاني - وهو قول البصريين - أنه صفة لموصوف محذوف أي يوم عذاب نحس.

وقرأ الحسن - رضي الله عنه بتَنْوِينه ووصفه بنَحْسٍ ولم يقيِّده الزمخشري بكسر الحاء. وقيده أبو حيان. وقد قرىء قوله: {في أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} [فصلت: 16] بسكون الحاء وكسرها، وتنوين «أيام» عند الجميع ما تقدم تقريره، و «مُسْتَمِرٍّ» صفة «ليوم» أو «نحس» . ومعناه كما تقدم أي عليهم حتى أهلكهم، أو من المرارة. قال الضحاك: كان مراً عليهم وكذا حكى الكسائي أن قوماً قالوا هو من المرارة يقال: مَرَّ الشَّيْءُ، وأَمَرَّ أي كان كالشيء المر تكرهه النفوس، وقد قال:{فَذُوقُواْ} [آل عمران: 106] والذي يُذَاقُ قَدْ يكونُ مُرًّا.

ص: 255

قوله: (تَنْزِعُ النَّاسَ) في موضع نصب إما نعتاً ل «رِيحاً» وإما حالاً منها لتخصصها بالصفة؛ ويجوز أن تكون مستأنفة. وقال: «الناس» ليعم ذَكَرَهُمْ وأنثاهم، فأوقع الظاهر موقع المضمر لذلك فالأصل تَنْزِعُهُمْ.

فصل

قال تعالى هنا: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} وقال في السجدة: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} [فصلت: 16] وقال في الحاقة: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} [الحاقة: 7] . والمراد من اليوم هنا الوقت والزمان كما في قوله: {يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [مريم: 33] . وقوله «مُسْتَمِرّ» يفيد ما يفيده الأيام؛ لأن الاستمرار ينبىء عن امتداد الزمان كما تنبىء عَنْهُ الأيام. والحكاية هنا مذكورة على سبيل الاختصار فذكر الزمان ولم يذكر مقداره على سبيل الإيجاز.

قوله: «كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ» حال من الناس مقدرةً، و «مُنْقَعِرٍ» صفة للنَّخل باعتبار الجنس، ولو أنث لاعتبر معنى الجماعة كقوله:{نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] . وقد مضى تحقيق اللغتين فيه.

وإنما ذكر هنا وأنث في الحاقة مراعاةً للفواصل في الموضعين. وقرأ أبو نُهَيْكٍ: «أَعْجُزُ» على وزن أفْعُلٍ نحو: ضَبُع وأَضْبُع.

وقيل: الكاف في موضع نصب بفعل مقدر تقديره: تَتْرُكُهْم كَأَنَّهم أَعْجَازٌ. قاله مَكِّي.

ولو جعل مفعولاً ثانياً على التضمين أي تصيرهم بالنزع كأنهم لَكَان أقرب.

والأعجاز جمع عَجُز وهو مؤخر الشيء، ومنه العَجْز، لأنه يؤدي إلى تأخر الأمور. والمُنْقَعِرُ: المنقلع من أصله (يقال) قَعَرْتُ النَّخْلَةَ قَلَعْتُهَا من أصلها فانْقَعَرَتْ.

ص: 256

وقَعَرْتُ البئْرَ: وَصلتُ إِلى قَعْرِهَا وقَعَرْتُ الإِناء شَرِبْتُ ما فيه حتى وصلت إِلى قَعْرِهِ، وأَقْعَرْتُ البِئْرَ أي جَعَلْتُ له قَعْراً.

فصل

تنزع الناس تَقْلَعُهُمْ ثُمَّ تَرْمِي بهم على رؤوسهم فتدق رِقَابَهُمْ. وروي: أنها كانت تنزع الناس من قبورهم كأنهم أعجاز نخل. قال ابن عباس رضي الله عنهما أصولها. وقال الضحاك: أوراك نخل منقعر منقلع من مكانه ساقطٍ على الأرض وقال: أعجاز نخل وهي أصولها التي قلعت فروعها، لأن الكفّار تبين رؤوسهم من أجسادهم فتبقى أجسادهم بلا رؤوس. قال ابن الخطيب: تَنْزِعُهُمْ بعُنْف كأنهم أعجاز نخل منقعر فينقعروا.

وهذا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض، ويكون ذلك إشارةً إلى عظم أجسادهم أو إلى ثباتهم في الأرض فكأنهم كانوا يجعلون أرجُلهمْ في الأرض ويقصدون المنع به على الرِّيح.

قال ابن إسحاق: لما هاجت الريح قام سبعة نَفَر من عاد من أقواهُم وأحْسَمِهمْ منهم عمرو بنُ الحُلِيّ، والحارث بن شدّاد والهِلْقَامُ وابنا تِقْن وخَلْجَانُ بن سعد فألجأوا العِيَالَ في شِعْب بينٍ جَبَلَيْن ثم اصطفّوا على جانبي الشِّعْب ليردُّوا الريح عمن في الشِّعْب من العِيال فجعلت الريح تَجْعفُهُمْ رجلاً بعد رجلٍ، فقالت امرأة عاد:

4599 -

ذَهَبَ الدَّهْرُ بِعَمْرِو بْ

نِ حُلِيٍّ والهَنِيَّاتِ

ثُمَّ بالحَارِثِ والهِلْ

لقَام طلَاّعِ الثَّنِيَّاتِ

والَّذِي سَدَّ مَهَبَّ الرْ

رِيحِ أَيَّامَ البَلِيَّاتِ

أو يكون إشارة إلى يُبْسِهِمْ وجفافهم بالريح، فهي كانت تقتلهم وتحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة.

فصل

(قال) المفسرون: ذكر النخل هنا، وقال:«منقعر» وأنثه في الحاقّة، وقال: أعجاز

ص: 257

نخل خاوية لأجل الفواصل كقوله: مُسْتَمِرّ، ومُنْهَمِر، ومُنْتَشِر.

وقيل: إِن النَّخْل لفظه لفظ واحد، ومعناه الجمع، فيقال: نَخْلٌ مُنْقَعِرٌ، ومُنْقَعِرَةٌ ومُنْقَعِرَاتٌ، ونَخْلٌ خاوٍ وخَاوِيةٌ وخَاوِيَاتٌ ونَخْلٌ بَاسِقٌ وبَاسِقَةٌ وبَاسِقَاتٌ.

فإِذا قيل: «منقعر أو خاو أو باسق» فبالنظر إلى اللفظ، وإذا قيل: مُنْقَعِرَاتٌ أو خاويات أو باسقاتٌ فلأجل المعنى.

قال أبو بكر بن الأنباري: سُئِلَ المُبَرِّدُ بحضرة القَاضي إسرفيل عن ألف مسألة هذه من جُمْلَتِهَا فقال: ما الفرق بين قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً} [الأنبياء: 81] وقال: {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} [يونس: 22]، وقوله:{كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] و {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} ؟ فقال: كلّ ما ورد عليك من هذا القرآن، فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً أو إلى المعنى تأنيثاً.

قال ابن الخطيب: ذكر الله لفظ النخل في مواضع ثلاثة ووصفها على الأوجه الثلاثة، قال:{والنخل بَاسِقَاتٍ} [ق: 10] وذلك حال عنها وهي كالوصف وقال: «نَخْلٍ خَاوِيَةٍ» و «نَخْلٍ مُنْقَعرٍ» فحيث قال: «مُنْقَعِرٍ» كان المختار ذلك، لأن المنقعر في حقيقة الأمر كالمَفْعُول؛ لأنه ورد عليه القَعْر، فهو مَقْعُورٌ، و «الخَاوِي والباسق» فاعل وإخلاء المفعول من علامة التأنيث أولى، تقول: امْرَأَةٌ قَتِيلٌ.

وأما الباسقاتُ فهي فاعلاتٌ حقيقة، لأن البُسُوقَ اسم قام بها، وأما الخاويةُ فهو من باب «حَسَنِ الوَجْهِ» ؛ لأن الخاوي موضعها فكأنه قال: نَخْلٍ خَاوِيَةِ المَوَاضع، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ.

قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} قال أكثر المفسرين:

إن «النُّذُر» ههنا جمع «نَذِير» الذي هو مصدر بمعنى الإِنذار فما الحكمة في توحيد العذاب حيث لم يقال: فكيف أنواعُ عَذَابِي وَقَالَ: إِنذاري؟! .

قال ابن الخطيب: هذا إشارة إِلى غَلَبَةِ الرحمة، لأن الإِنذار إِشفاقٌ ورحمةٌ فقال:

ص: 258

الإنذاراتُ التي هي نِعَمٌ ورحمة تَوَاتَرَتْ، فلما لم ينفع وقع العذاب دفعة واحدة فكانت النعمُ كثيرةً والنقمةُ واحدةً.

ص: 259

قوله: {كَذَّبَتْ (ثَمُودُ بالنذر} اعلم أَنَّه تعالى لم يقل في قوم نوح: «كَذَّبْت قَوْمُ نُوحِ) بالنذر» وكذلك في قصة عاد. لأن المراد بقوله: {كذبت قبلهم قوم نوح} أن عادتهم إنكار الرسل وتكذيبهم فكذبوا نوحاً على مذهبهم وعادتهم.

وإنما صرح ههنا، لأن كل قوم يأتون بعد قوم، فالمكذِّب المتأخر يكذب المرسلينَ جميعاً حقيقةً، والأولون يكذبون رسولاً واحداً حقيقة ويلزم منه تكذيب من بعده تبعاً، ولهذا المعنى قال في قوم نوح:{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين} [الشعراء: 105] وقال في عاد: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} [هود: 59] فذكر بلفظ الجمع المُسْتَغْرق ثم إنه تعالى قال عن نوح: {رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} [الشعراء: 117] ولم يقل: كَذَّبُوا رُسُلَكَ إشارةً إلى ما صدر منهم حقيقة لا إلى ما لزم منه، وقوله تعالى:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر} إن قلنا: إن النذر هم الرسل فهو كما تقدم، وإن قلنا: إن النذر هي الإنذارات فنقول: قوم نوح وعاد لم تستمر المعجزات التي ظهرت في زمانهم.

وأما ثمود فأُنْذِرُوا وأُخْرِجَ لهم ناقة من صخرةٍ وكانت تدور بينهم وكذبوا فكان تكذيبهم بإِنذاراتٍ وآياتٍ ظاهرة فصرَّح بها.

قوله: «أبَشَراً» منصوب على الاشتغال وهو الراجح، لتقدم أداة هي بالفعل أولى. و «مِنَّا» نعت له. و «وَاحِداً» فيه وجهان:

أظهرهما: أنه نعت «لِبَشَراً» إلا أنه يشكل عليه تقديم الصفة المؤولة على

ص: 259

الصريحة. ويجاب: بأن «مِنَّا» حينئذ ليس وصفاً بل حال من «وَاحِداً» قُدِّمَ عليه.

والثاني: أنه نصب على الحال من هاء «نَتَّبِعُهُ» . وهو يَخْلُصُ من الإعراب المتقدم، إِلا أنَّ المرجع لكونه صفة قراءتهما مرفوعين:{أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} على ما سيأتي، فهذا يرجّح كون «واحداً» نعتاً «لبَشَرٍ» لا حالاً.

وقرأ أبُو السَّمَّال فيما نقل الهُذَلِيُّ والدَّانِيّ برفعهما على الابتداء، و «وَاحِدٌ» صفته و «نَتَّبِعُهُ» خبره.

وقرأ أبو السَّمَّال أيضاً فيما نقل ابن خالويه، وأبو الفضل وابن عطية: برفع «بشر» ونصب «واحداً» وفيه أوجه:

أحدها: أن يكون «أَبَشَرٌ» مبتدأ وخبره مضمر تقديره: أَبَشَرٌ منا يُبْعَثُ إِلينا أو يُرْسَل. وأما انتصاب «واحداً» ففيه وجهان:

أحدهما: أنه حال من الضمير المستتر في (مِنَّا) لأنه وقع نعتاً.

الثاني: أنه حال من هاء «نَتَّبِعُهُ» . وهذا كله تخريج أبِي الفضل الرَّازيِّ.

والثاني: أنه مرفوع بالابتداء أيضاً، والخبر «نَتَّبِعُهُ» و «واحداً» حال على الوجهين المذكورين آنفاً.

الثالث: أنه مرفوع بفعل مضمر مبني للمفعول تقديره: أَيُنَبَّأُ بَشرٌ، و (مِنَّا) نعت و (واحداً) حال أيضاً على الوجهين المذكورين آنفاً.

وإليه ذهب ابن عطية.

فصل

قال ابن الخطيب: والحكمة في تأخير الفعل في الظاهر أن البليغ يُقَدِّمُ في الكلام ما يكون تعلق غرضه به أكثر والقوم كانوا يريدون بيان كونهم محقِّين في ترك الاتّباع، فلو

ص: 260

قالوا: أَنَتَّبِعُ بَشَراً أمكن أن يقال: نعم اتَّبِعُوهُ، وماذا يمنعكم من اتباعه؟ فإذا قدمنا حاله وقالوا: هو من نوعنا بشر من صِفَتِنَا رجل ليس غريباً نعتقد فيه أنه يَعْلَمُ ما لا نَعْلَمُ أو يَقْدِرُ على ما لا نَقْدِرُ وهو واحد وليس له جندٌ ولا حَشَمٌ ولا خَدَمٌ ولا خيلٌ وهو وحيد ونحن جماعة فكيف نتبعه؟! فيكونون قد قدموا الموجب لجواز الامتناع عن اتباعه. وفي الآية إشاراتٌ إلى ذلك، منها تنكيره حيث قالوا: أَبَشَراً، ولم يقولوا: أَرَجُلاً، ومنها: قولهم: مِنَّا وهو يحتمل أمرين:

أحدهما: من صنفنا ليس غريباً.

والثاني: «مِنَّا» أي تَبَعنَا؛ لأن «مِنْ» للتبعيض والبعض يتبع الكل، لا الكل يتبع البعض.

ومنها قولهم: «واحداً» ، وهو يحتمل أمرين أيضاً:

أحدهما: وحيداً إشارةً إلى ضعفه.

وثانيهما: واحداً أي هو من آحاد النَّاس أي هو ممَّنْ ليس بمشهور بحَسَبٍ ولا نَسَبٍ، إذا حَدَّث لا يُعْرَفُ ولا يمكن أن يقال عنه: قَال فلانٌ، بل يقال: قال واحدٌ، وذلك غاية الخُمول، أو لأن الأرذَلَ لا يَنْضَمُّ إليه أحد.

قوله: {إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ} خَطَأٍ، وذهاب عن الصواب «وَسُعُرٍ» (قال ابن عباس: عذاب. وقال الحسن: شدة العذاب. وقال قتادةً: عَنَاء) . «وسُعُر» يجوز أن يكون مفرداً أي جُنُون يقال: نَاقَةٌ مَسْعُورَةٌ أي كالمجنونة في سيرها، قال الشاعر (- رحمةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -) :

4600 -

كَأَنَّ بِهَا سُعْراً إذَا السُّعْرُ هَزَّهَا

ذَمِيلٌ وَإِرْخَاءٌ مِنَ السَّيْرِ مُتْعِبُ

وأن يكون جمع «سَعِيرٍ» وهو النار. قاله سفيان بن عُيَيْنة. والاحتمالان منقولان عنه.

ص: 261

والمعنى: إِنَّا إذَنْ لَفِي عَنَاءٍ وعذاب مما يلزمنا مِنْ طاعته. وقال وَهْبٌ: معناه: بُعْدٌ عن الحَقِّ.

قوله: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} معناه أأنزل عليه الذكر، وهُو الوحي «مِنْ بَيْنِنَا» حال من هاء «عليه» ، أي ألقي عليه منفرداً من بيننا أي خصص بالرسالة من بين آلِ ثمود وفيهم من هو أكثر مالاً وأحسن حالاً. وهو استفهام بمعنى الإنكار.

قوله: {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} الأشِرُ البَطِرُ، يقال: أَشِرَ يأشَرُ أَشَراً فَهُو أشِرٌ كَفِرحَ، وآشِرٌ كَضَارِبٍ وأَشْرَانُ كَسَكْرَانَ، وأُشَارَى كَأُسَارَى.

وقرأ أبو قِلَابَةَ: {بل هو الكَذَّابُ الأَشَرُّ} ، {مَنِ الكَذَّابُ الأَشَرُ} ؟ بفتح الشين وتشديد الراء، جَعَلَهُمَا أفعلَ تَفْضِيلٍ. وهو شاذ، لأنه (لم) يحْذف الهمزة من لفظ الخَيْرِ والشّرّ في «أفعل» التفضيل، تقول: زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْ عَمْرو وشَرٌّ مِن بَكْرٍ، ولا تقول: أخْيَرُ ولا أَشَرّ إلَاّ في نُذُورٍ كهذه القراءة وكقول رؤبة:

4601 -

بِلَالُ خَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرِ

وتثبت فيهما في التعجب نحو: ما أَخْيَرَهُ ومَا أَشَرَّهُ. ولا يحذف إلى في نُدَورٍ عكس أفعل التفضيل، قالوا: مَا خَيْرَ اللَّبَنَ للصّحيح، وَمَا شَرَّهُ لِلْمَبطُونِ. وهذا من محاسن الصِّناعة. وقرأ أبو قَيْس الأَوْدِيُّ ومجاهدٌ الحرف الثاني الأشُرُ بثلاث ضمات، وتخريجها على أن فيه لغةً أُشُر بضم الشين كحُذُر وَحَذُر، ثم ضمت الهمزة إِتباعاً لضمِّ الشين. ونقل الكسائي عن مجاهد ضم الشين وفتح الهمزة على أصل تِيكَ اللغة كَحَذُرٍ.

ص: 262

فصل

(الأَشر) التحيّر والنشاط، يقال: فَرَسٌ أَشِرٌ إذا كان مَرِحاً نَشِطاً. قال امرؤ القيس يصف كلباً:

4602 -

فَيُدْرِكُنَا فَغِمٌ دَاجِنٌ

سَمِيعٌ بَصِيرٌ طَلُوبٌ نَكِرْ

أَلَصّ الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضُّلُوعِ

تَبُوعٌ أَرِيبٌ نَشِيطٌ أَشِرْ

(و) قيل: إنه المتعدي إلى منزلةٍ لا يستحقها. وقال ابن زيد وعبد الرحمن بن حماد: الأَشِرُ الذي لا يُبَالِي ما قال.

وفي قراءة أبي قلابة بفتح الشين وتشديد الراء فالمعنى أَشَرُّنَا وأَخْبَثُنَا.

فإن قيل: قولهم: بل هو كذاب يستدعي أمراً مضروباً عنه فما هو؟

فالجواب: قولهم: أألقي للإنكار فكأنهم قالوا: مَا ألقي، ثم إنَّ قولَهم: أألقي عليه الذكر لا يقتضي إلا أنه ليس بِنبِيٍّ، وقول القائل: ليس بِنبي لا يلزم منه أنه كاذب فكأنهم قالوا ليس بنبي، ثم قالوا: بل هو ليس بصادقٍ.

قوله: «فَسَيَعْلَمُونَ» قرأ ابنُ عامر وحمزةُ بالخطاب. وفيه وجهان:

أحدهما: أنه حكاية قول صالح لقومه.

والثاني: أنه خطاب الله على جهة الالتفات. والباقون بياء الغيبة جَرْياً على الغيب قبله في قوله: «فَقَالُوا أَبَشراً» ، واختارها مَكِّيٌّ، قال: لأن عليها الأكثر.

و «غَداً» ليس المراد به الذي يلي يومك بل الزمان المستقبل، كقول الطِّرمَّاح (رحمةُ الله عليه ورضاه) :

4603 -

أَلَا عَلِّلَانِي قَبْلَ نَوْحِ النَّوَائِحِ

وَقَبْلَ اضْطِرَابِ النَّفْسِ بَيْنَ الجَوَانِحِ

وَقَبْلَ غَدٍ يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى غَدٍ

إذَا رَاحَ أَصْحَابِي وَلَسْتُ بِرَائِحِ

ص: 263

والمعنى «سَيَعْلَمُون غَداً» حين يَنْزِلُ عليهم العذاب. قال الكلبي: يعني يوم القيامة. وذكر الغد للتقرِيبِ على عادة الناس يقولون: إنَّ مَعَ الْيَوْم غَداً.

فصل

الكذَّاب فعال صيغة مبالغة، لأن المنسوب إلى الشيء لا بدَّ له من أن يكثر من مزاولة الشيء، فإنَّ من خاط يوماً لا يقال له: خيَّاط فالمبالغة ههنا إما في الكثرة بأن يكون كثيرَ الكذب، وإمّا في الشدة أي شديد الكذب، يقول ما لا يقبله العقل. ويحتمل أن يكونوا وصفوه بذلك لاعتقادهم الأمرين جميعاً. وقولهم «أشِرٌ» إشارة إلى أنه كذب لا لضرورة وحاجة وإنما هو استغنى فبَطَرَ وطلب الرِّئَاسَةَ.

قوله: {إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة} أي مُخْرِجُوهَا من الهَضَبَة التي سألوا.

وأتى باسم الفاعل والإضافة مبالغة في حقيقته كأنه وقع «فِتْنَةً» مفعول به، أو مصدر من معنى الأول أو في موضع الحال.

روي

أنهم

تعنتوا

على صالح فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقةً حمراءَ عُشَرَاءَ، فقال الله:{إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً لَّهُمْ} محنةً واختباراً؛ فقوله: «فتنة» مفعول له؛ لأن المعجزة فتنة؛ لأن بها يتميز المُثَابُ من المعذب، فالمعجزة تصديق، وحينئذ يفترق المصدِّق من المُكَذِّب.

أو يقال: إخراج الناقة من الصخرة معجزة، ودورانها بينهم، وقسمة الماء كان فتنةً، ولهذا قال:«إنَّا مُرْسِلُواْ» ولم يقل: مُخْرِجُو.

قوله: «فَارْتَقِبْهُمْ» أي انتظر ما يصنعون «وَاصْطَبِرْ» أي اصبر على أَذَاهُمْ وأصل الطاء في «اصْطَبِرْ» «تاء» فتحولت طاءً، لتكون موافقةً للصاد في الإطباق.

قوله: «وَنَبِّئْهُمْ» أي أخبرهم {أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} أي بين آل ثمود وبين الناقة لها يوم ولهم يوم، كقوله تعالى:{لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} [الشعراء: 155] فالضمير في (بينهم) لقوم صالح والناقة فغلّب العاقل.

وقرأ العامة: قِسْمة بكسر القاف - ورُوِيَ عن أبي عمرو فَتْحُها - وهو قياس

ص: 264

المرة. والمعنى: أن الماءَ مقسومٌ بَيْنَهُمْ فوصف بالمصدر مبالغة، كقولك: فُلانٌ عَيْنُ الكرم.

قوله: {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} أي يحضره من هُو له، فالناقة تحضر الماء يوم وُرُودِهَا وتغيب عنهم يوم وُرُودِهِمْ. قاله مقاتل. وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غَبِّها عنهم فيشربون، ويحضرون اللبن يوم ورودها فيحتلبون. والشِّرْبُ - بالكسر - الحظ من الماء. وفي المثل: آخرها أقلُّها شِرْباً وأصله من سقي الإناء، لأن آخرها يرد وقد نَزفَ الحَوْضُ.

واعلم أن قسمة الماء إما لأن الناقة عظيمةُ الخَلْق ينفر منها حيواناتهم فكان يوم للناقة ويوم لهم، وإما لقلة الماء فلا يحملهم، وإما لأن الماء كان مقسوماً بينهم لكل فريق منهم فيوم وُرُودِ الناقة على هؤلاء يرجعون على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النُّقْصَان على الكل، ولا تختص الناقة بجميع الماء.

رُوِيَ أنهم كانوا يكتفون في يوم ورودها بلبنها، وليس في الآية إلا القسمة دون كيفيتها، وظاهر قوله تعالى:{كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} يعضد الوجه الثالث، وحَضَر واحْتَضَرَ بمعنًى واحد.

قوله: «فَنَادَوْا صَاحِبَهْم» قبله محذوف أي فتمادوا على ذلك ثم عزموا على عقرها فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر. و «تعاطى» مطاوع عَاطَى كأنهم كانوا يتدافعون ذلك حتى تولاه أشقاها. والمعنى فنادوا صاحبهم نداء المُسْتَغِيث وهو قُدار بنُ سَالف وكان أشجعهم. وقيل: كان رئيسهم. فتعاطى أي آلةَ العقر أو الناقةَ، أو هو عبارة عن الإقدام على الفعل العظيم. وتحقيقه أن الفعلَ العظيمَ يتبرأ منه كُلُّ أحد ويعطيه صاحبَه أو جَعَلُوا لَهُ جُعْلاً فَتعَاطَاهُ.

قال مُحَمَّدُ بن إسْحَاقَ: كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها فانتظم به عضلة ساقها ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورَغَتْ رغاة واحدة، ثم نَحَرَها.

قال ابن عباس: كان الذي عقرها أحمر أشقر أكشف أقعى يقال له: قُدار بن سالف. والعرب تسمي الجَزَّار قُدَاراً تشبيهاً بقُدار بْنِ سالف مشؤوم آل ثمود، قال مهلهل:

4604 -

إنَّا لَنَضْرِبُ بالسُّيُوف رُؤُوسَهُمْ

ضَرْبَ القُدَارِ نَقِيعَةَ القُدَّامِ

ص: 265

قوله: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً} يريد صيحة جبريل كما تقدم {فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر} العامة على كسر الظاء اسم فاعل وهو الذي يتخذه حظيرةً من حَطَب وغيره.

وقرأ أبو السَّمال وأبو حَيْوة وأبو رجاء وعمرُو بن عُبَيْد بفتحها. فقيل: هو مصدر أي كَهَشِيم الاحْتِظَارِ.

وقيل: هو اسم مكان. وقيل: هو اسم مفعول وهو الهَشِيمُ نفسه، ويكون من باب إضافة الموصوف لصفته كمَسْجِدِ الجَامِعِ. والحَظْر المَنْع، وقد تقدم تحريره في «سُبْحَانَ» .

فصل

«كان» في قوله «فكانوا» قيل: بمعنى صاروا كقوله:

4605 -

...

...

...

...

..... كَانَت فِرَاخاً بُيُوضُهَا

أي صارت. والهشيم: المهشوم المكسور، ومنه سمي هاشِمٌ لهشمه الثَّرِيد في الجفان غير أن الهشيم يستعمل كثيراً في الحطب المتكسر اليابس.

قال المفسرون: كانوا كالخشب المُنْكَسِرِ الذي يخرج من الحظائر بدليل قوله: {هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح} [الكهف: 45] وهو من باب إقامة الصّفة مقَام الموصوف.

وتشبيههم بالهشيم إما لكونهم يابسين كالموتى الذين ماتوا من زمان، أو لانضمام بعضهم إلى بعض، كما ينضم الرفقاء عند الخوف يدخل بعضهم في بعض، فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كما يجمع الحاطب الحَطَبَ يصف شيئاً فوق شيء منتظراً حضور من يشتري منه.

ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم أي كانوا كالحطب اليابس الذي للوَقِيد كقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] وقوله: {فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} [الجن: 15] .

ص: 266

فصل

ذكر في الآية مباحث:

منها: قوله تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} . اعلم أن هذه الآية ذكرت في ثلاثة مواضع ذكرها في حكاية نوح بعد بيان العذاب، وذكرها هنا قبل بيان العذاب، وذكرها في حكاية عاد قبل بيانه وبعد بيانه، فحيث ذكر قبل بيان العذاب فَلِلْبَيَانِ كقول العارف بحكايته لغير العارف: هَلْ تَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ أَمْرُ فُلان؟ وغرضه أن يقول: أخبرني عنه. وحيث ذكرها بعد بيان العذاب ذكرها للتعظيم كقول القائل: ضرب فُلَانٌ أَيَّ ضَرْب وأيّما ضرب، وتقول: ضَرَبْتُهُ وكَيْفَ ضَرَبْتُهُ أي قويًّا. وفي حكاية عاد ذكرها مرتين للبيان والاستفهام ومنها في حكاية نوح ذكر الذي للتعظيم، وفي حكاية ثمود ذكر الذي للبيان، لأن عذاب قوم نوح كان بأمر عظيم عام وهو الطوفان الذي عم العالم ولا كذلك عذاب قوم (هود) فإنه كان مختصاً بهم.

فصل

اعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص، وجعل القصة المتوسطة مذكورة على أتمِّ وجه؛ لأن حال صالح كان أكثر مشابهةً بحال محمد - عليهما الصلاة والسلام - لأنه أتى بأمر عجيب أَرْضِيٍّ، وكان أعجب مما جاء به للأنبياء، لأن عيسى عليه الصلاة والسلام، أحيا الميت لكن الميت كان محلاً للحياة فقامت الحياة بإذن الله في محل كان قابلاً لها وموسى عليه الصلاة والسلام ُ - انقلبت عصاه ثُعْبَاناً فأثبت الله له في الخشب الحياة بإذن الله؛ لكن الخشبة نبات كان له قوة في النمو فأشبه الحيوان في النمو، وصالح عليه الصلاة والسلام ُ - كان الظاهر في يده خروج الناقة من الحجر، والحجر جماد، وليس محلاً للحياة، ولا محلاً للنمو والنبي عليه الصلاة والسلام ُ - أتى بأعجبَ من الكُلِّ، وهو التصرف في الجرْم السَّماويِّ الذي يقول المشرك: لا وصول لأحد إلى السماء، وأما الأرضيات فقالوا: إنها أجسام مشتركة المواد يقبل كلُّ واحد منها صورة الأخرى، والسماوات لا تقبل ذلك فلما أتى بما اعترفوا بأنه لا يقدر على مثله آدَمِيٌّ كان أتم وأبلغ من معجزة صالح عليه الصلاة والسلام التي هي أتم من معجزة سَائر الأنبِياء غير محمد عليه الصلاة والسلام.

فصل

من قرأ المُحْتَظَر - بفتح الظاء - أراد الحظيرة، ومن قرأ بالكسر أراد صاحب الحظيرة. ونقل القرطبي عن صاحب الصِّحَاح، قال: من كسر جعله الفاعل، ومن فتح

ص: 267

جعله المفعول، ويقال للرجل القليل الخير: إنَّه لَنَكِدُ الحَظِيرَةِ. قال أبو عبيدة: أراه سمى أمواله حظيرة، لأنه حظرها عنده ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. وقال المَهْدَوِيُّ: من فتح الظاء من المُحْتَظَر فهو مصدر، والمعنى كهشيم الاحتظار. ويجوز أن يكون المحتظر هو الشجر المتخذ منه الحظيرة، قال ابن عباس (رضي الله عنهما) : المحتظر هو الرجل يجعل لغنمه حظيرةً بالشجر والشوك فما سقط من ذلك وداسته الغَنَم فَهُوَ الهَشِيمُ قال:

4606 -

أَثَرْنَ عَجَاجَةً كَدُخَانِ نَارٍ

تَشِبُّ بِغَرْقَدٍ بَالٍ هَشِيمِ

وعنه: الحشيش تأكله الغنم، وعنه أيضاً: كالعظام النَّخِرة المحترقة. وهو قول قتادة. وقال سعيد بن جبير: هو الترابُ المتناثر من الحِيطَان في يوم ريح. وقال سفيان الثوري: هو ما تناثر من الحظيرة إذا ضَرَبْتَهَا بالعصا، وهو فَعِيلٌ من مَفْعُولٍ. وقال ابن زيد: العرب تسمي كل شيء كان رطباً فيَبِسَ هشيماً والحَظْر المنع. والمُحَتَظرُ المُفْتَعَلُ يقال منه: احْتَظَرَ على إِبِلِهِ، وحظر أي جمع الشجر بعضَه على بعض ليمنع برد الريح والسِّباع عن إبله، قال الشاعر:

4607 -

تَرَى جِيفَ المَطِيِّ بِجَانِبَيْهِ

كَأَنَّ عِظَامَهَا خَشَبُ الْهَشِيمِ

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما) أيضاً: أنهم كانوا مثل القمح الذي دِيسَ وهُشِمَ -. (والهشيم:) فُتَات السُّنْبُلَةِ والتِّبْن.

روى أَبُو الزُّبَيْرِ عن جابر قال: «لما نزلنا الحِجْر في مَغْزَى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - تبوك، قال: أيها الناس لا تسألوني الآياتِ، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم ناقةً،

ص: 268

فبعث الله عز وجل إليهم الناقةَ وكانت ترد من ذلك الفجّ فتشرب ماءهم يوم ورْدِها ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون منها يوم غِبِّها» .

ص: 269

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنذر} أخبر عن قوم لوط لما كذبوا لوطاً. ثم قال: {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} والحاصب فاعل من حصب إذا رَمَى بالحَصَا وهي الحجارة. وقال النَّضْرُ: الحَاصِبُ الحَصْبَاءُ في الرِّيح. وقال أبو عبيدة: الحاصب الحِجارة. وفي الصِّحاح: الحَاصِبُ الريح الشديدة التي تثير الحَصْبَاء، وكذلك الحَصْبَةُ، قال لَبيدٌ:

4608 -

جَرَّتْ عَلَيْهَا أَنْ خَوَتْ مِنْ أَهْلِهَا

أَذْيَالَها كُلُّ عَصُوفٍ حَصِبَهْ

(يقال) : عَصَفَتِ الرِّيحُ أي اشتدت فهي ريحٌ عَاصِفٌ وعَصُوفٌ. وقال الفرزدق:

4609 -

مُسْتَقْبِلِينَ شَمَالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُنَا

بِحَاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ

قوله: {إِلَاّ آلَ لُوطٍ} فيه وجهان:

ص: 269

أحدهما: أنه متصل ويكون المعنى: أنه أرسل الحاصب على الجميع إلا أهله، فإنه لم يرسلْ عليهم.

والثاني: أنه منقطع. قال شهاب الدين: ولا أدري ما وَجْهُهُ؛ فإن الانقطاع وعدمه عبارة عن عدم دخول المستثنى في المستثنى منه، وهذا داخلٌ ليس إلَاّ.

وقال أبو البقاء: هو استثناء منقطع. وقيل: متصل؛ لأن الجميع أرسل عليهم الحاصب فهَلَكُوا إلا آلَ لوط. وعلى الوجه الأول يكون الحاصب لم يرسل على آل لوط. انتهى. وهو كلام مُشْكِلٌ.

فصل

قال ابن الخطيب: الحاصب رامي الحَصْبَاء، وهي الحجارة؛ كقوله:{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} [الحجر: 74] وقول الملائكة: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} [الذاريات: 33] مع أنَّ المرسلَ عليهم ليس بحاصب فيحتمل أن يكون المعنى: لنرسل عليهم ريحاً حاصباً بالحجارة. ويجوز تذكير الرِّيح؛ لأن تأنيثها غير حقيقي. ويحتمل أن يكون المراد عذاب حاصب لأن (أَرْسَلْنَا) يدل على مُرسلِ وهو مرسل الحجارة وحاصبها، وأفرد للجنس. وقوله:«إنَّا أَرْسَلْنَا» كأنه جواب من قال: كَيْفَ كَانَ أَمْرُهُمْ؟ والاستثناء في قوله: {إِلَاّ آلَ لُوطٍ} من الضمير في «عَلَيْهِمْ» وهو يعود على قوم لوط فيقتضي أن آلَهُ كَذَّبُوا، لكن قد يكون أهله قليلاً فعمهم ظاهر اللفظ فبين بالاستثناء خروجهم لأن المقصودَ بيانُ هلاكهم ومن نجا أو يكون الاستثناء من كلامٍ مدلول عليه أي فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط، ويكون الإرسال عليهم والإهلاك عامًّا، فكأن الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصوداً وغيرهم، كالأطفال والدَّوَابِّ.

والمراد بآل لوط: من تبع على دينه إلا بِنْتَاهُ.

قوله: «نَجَّيْنَاهُمْ» تفسير وجواب لقائل يقول: فَمَا كان من شأن آلِ لوط؟ كقوله تعالى: {أبى} [البقرة: 34] بعد قوله: «إلَاّ إبْلِيسَ» . وقد تقدم في البقرة.

قوله: «بِسَحَرٍ» الباء حالية أو ظرفية، وانصرف «سَحَرٌ» لأنه نكرة، ولو قصد به

ص: 270

وقتٌ بعينه لمنع (مِنَ) الصَّرف للتعريف والعدل عن أل هذا هو المشهور.

وزعم صَدْرُ الَافَاضِلِ أنه مبني على الفتح كَأَمْسِ مبنياً على الكسر.

و «نِعْمَةً» إما مفعولٌ له، وإما مصدرٌ بفِعلٍ من لفظهما أو من معنى «نَجَّيْنَاهُمْ» ؛ لأن تنجيتهم إنعامٌ، فالتأويل إما في العامل وإما في المصدر.

و «مِنْ عِنْدِنَا» إما متعلق بنعْمةٍ، وإما بمحذوفٍ صفةً لها.

والكاف في «كَذَلِكَ» نعت مصدر محذوف أي مِثْلُ ذَلِكَ الْجَزَاءِ نَجْزِي.

فصل

قال الأخفش: إنّما جُرَّ سَحَر، لأنه نكرة، ولو أراد يوماً بعينه لم يَجُرَّه. وكذا قال الزجاج: سحرٌ إذا كان نكرة يراد به سحر من الأسحار يصرف، نقول: سَحرُنَا هذا، وأتيته بسَحَرٍ، والسَّحَرُ هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل بِبَيَاضِ النهار؛ لأن في هذا الوقت تكون مخاييل الليل ومخاييل النهار.

{نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا} إنعاماً على لوط وابْنَتَيْهِ.

{كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} ، أي كما جازينا لوطاً وأهله بالإنجاء، فكذلك نجزي من شكر أي آمن بالله وأطاعه.

قال المفسرون: هو وعد لأمة محمد عليه الصلاة والسلام ُ - بأنه يصونهم عن الهلاك العام.

قال ابن الخطيب: ويمكن أن يقال: هو وعد لهؤلاء بالثواب يوم القيامة، كما أنجاكم في الدنيا من العذاب؛ لقوله تعالى:{وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشاكرين} [آل عمران: 145] .

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} هي العذاب الذي أصابهم، أو هي عذاب الآخرة، لقوله:{يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى} [الدخان: 16]، وقوله:«فَتَمَارَوا بِالنُّذُرِ»

ص: 271

أي فشكُّوا فيما أنذرهم به الرسول ولم يصدقوه، وهو تَفَاعَلُوا من المِرْيَة. وهذه الآية تدل على أن المراد بالنذر الإنذارات.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} المراودة من الرَّوْدِ، يقال: رَاوَدْتُهُ عَلَى كَذَا مُرَاوَدَةً، ورَواداً أيْ أَرَدْتُهُ. وَرادَ الكَلأَ يَرُودُهُ رَوْداً وَرِياداً، وارْتَادَهُ أيضاً أي طَلَبَهُ. وفي الحديث:«إذَا بَالَ أَحَدكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ» أي يطلب مكاناً ليناً أو منْحَدراً. قال ابن الخطيب: ومنه الإرادة وهي المطالبة غَيْرَ أن المطالبة تستعمل في العين، يقال: طَالَبَ زَيْدٌ عَمْراً بالدَّرَاهِمِ، والمراودة لا تستعمل إلا في العمل، فيقال: رَاوَدَهُ عَنِ الْمُسَاعَدَةِ، ولهذا تعدى المراودة إلى مفعول ثانٍ والمطالبة بالباء وذلك لأن الشغل منوطٌ باختيار الفاعل، والعين قد توجد من غير اختيار منه فلهذا يفترق الحال بين قولك: أَخْبِرْنِي عَنْ أَمْرِ زَيْدٍ وأَخْبِرْنِي بأَمْر زَيْدٍ، وكذا قوله:«أَخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ مَجِيءِ فُلَانٍ» وقوله: «أَخْبَرَنِي بمجيئه» ؛ فإن من قال عن مجيئه ربما يكون الإخبار عن كيفية المجيء لا عن نفسه، وأخبرني بمجيئه، لا يكون إلا عن نفس المجيء.

والضيف يقع على الواحد والجماعة، والمعنى أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الملائكة.

قوله: «فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ» قرأ العامّة فَطَمسنَا مخففاً. وابن مِقْسِم مشدَّداً على التكثير، لأجل المتعلق أو لشدة الفعل في نفسه.

والضمير في: «رَاوَدُوهُ» عائد على قومِ لوط.

وأسند إليهم لأن جميعهم راضٍ بذلك، والمراد الذين دخلوا عليه. روي أن جِبْرِيلَ عليه الصلاة والسلام ُ - ضربهم بجناحه فَعَمُوا. وقيل: صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شِقّ، كما تطمس الريح الأثر والأعلام بما تَسْفِي عليهم من التراب، وقال الضحاك: بل أعماهم الله تعالى فلم يَرَوا الرسل. وقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا فرجعوا ولم يروهم. وهذا قول ابن عباس.

فإن قيل: قال ههنا: فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ، وقال في يس:{وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ} [يس: 66] فما الفرق؟

فالجواب: هذا يؤيد قول ابن عباس: بأن المراد من الطمس الحَجْبُ عن الإدراك، ولم يجعل على بصرهم شيء. وفي «يس» أراد أنه لو شاء لجعل على بصرهم غشاوة أو أَلْزَقَ أحد الجَفْنَيْن بالآخَرِ فتكون العينُ جلدةً.

ص: 272

وروي أنهم صارت أعينهم مع وجودهم كالصفحة الواحدة.

قوله: {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} الخطاب لهم، أي قلنا على لسان الملائكة فذوقوا، وهو خطاب كل مكذب، أي إنْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ فَذُوقُوا.

قال القرطبي: والمراد من هذا الأمر الخبر أي: فَأَذَقْتُهُمْ عَذَابي الذي أنذرَهُمْ به لوطٌ.

فإن قيل: إذا كان المراد بقوله: «عذابي» هو العذاب العاجل، وبقوله:«ونُذُر» هو العذاب الآجل فهما لم يكونا في زَمَانٍ واحد فكيف قال: ذوقوا؟

فالجواب: أن العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل فهما كالواقع في زمان واحد وهو كقوله تعالى: {أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} [نوح: 25] .

قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً} انصرف «بكرةً» ؛ لأنه نكرة ولو قصد به وقت بعينه امتنع الصرف للتأنيث والتعريف. وهذا كما تقدم في «غَدْوَةٍ» .

ومنعها زيدُ بن عليٍّ الصرف، ذهب بها إلى وقتٍ بعينه.

قال صاحب المختصر: انتصب بُكْرَة على الظرف أي بكرة من البكر كقوله: {أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] . قال الزمخشري: والتنكير يدل على أنه كان في بعض الليل وتمسك بقراءة من قرأ: مِنَ اللِّيْلِ. قال ابن الخطيب: وهو غير ظاهر، والأظهر أن يقال: بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تَعْيِينَ الوقت ليس بمقصود للمتكلم، كقوله: خَرَجْنَا فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ مَعَ أن الخروج لا بدّ وأن يكون في بعضِ الأوقات، وكذلك قوله:«صَبّحَهُمْ بُكْرَةً» أي بكرة من البكر، و {أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] أي ليلاً من الليالي.

ومعنى صبحهم قال لهم: عِمُوا صباحاً، كقوله:{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] . والمراد بقوله: بكرة أول أزمنة الصبح. أو انتصب «بُكْرَةً» على المصدر كقولك: ضَرَبْتُهُ سَوْطاً؛ لأن الضرب يكون بالسَّوْطِ وغيره، وكذلك الصبح يكون بكرةً وبَعْدَها.

ص: 273

ومعنى «مستقر» أي ثابت عليهم لا يدفعه أحد عنهم، أو دائم لأنهم انتقلوا منه إلى عذاب الجحيم، وهو دائم، أو بمعنى قدر الله عليهم وقوعه ولم يصبهم بطريق الاتفاق وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم، وجعل أعلاها أسْفَلَهَا.

وقوله: {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} أي العذاب الذي نزل بهم من طَمْسِ الأَعْيُن غير العذاب الذي أهلكوا به، فلذلك حسن التكرير.

ص: 274

قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ النذر} المراد بآله خواصُّه، والنُّذُر مُوسَى وهَارُونُ. ولقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين. وقيل: المراد بآل فرعون القِبط.

فإن قيل: ما الفائدة في قوله: «آلَ فِرْعَوْنَ» بدل «قَوْمِ فِرَعوْنَ» ؟

فالجواب: أن القوم أعم من الآل فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم، أو يقومون هم بأمره وقوم فرعون: كانوا تحت قهره بحيث لا يخالفونه في قليل ولا كثير، فأرسل إليه الرسول وحده غير أنه كان عنده جماعة من المقربين مثل قَارُون. مقدم عنده لمالِهِ العَظِيم، وهَامَان لِدَهَائِهِ، فاعتبرهم الله في الإرسال، حيث قال في مواضع:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [الزخرف: 46] وقال: {إلى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ} [غافر: 24] وقال في العنكبوت: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُم موسى} [العنكبوت: 39] لأنهم إن آمنوا آمن الكل، بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم، فقال:{وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ النذر} وقال: {أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب} [غافر: 46] .

فإن قيل: كيف قال: «ولقد جاءهم» ولم يقل في غيره: جاء؟

فالجواب: لأن موسى عليه الصلاة والسلام ُ - لما جاءهم كان غائباً عن القوم فقدم عليهم، كما قال:{فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون} [الحجر: 61]، وقال تعالى:{لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128] حقيقة أيضاً، لأنه جاءهم من الله من السموات بعد المعراج، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة.

والنذر: الرسل وقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى. وقيل: النذر الإنذاراتُ.

ص: 274

قوله: «كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا» فيه وجهان:

أحدهما: أن الكلام تمّ عند قوله: {وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ النذر} وقوله: «كَذَّبُوا» كلام مستأنف، والضمير عائد إلى كل مَنْ تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون.

والثاني: أن الحكاية مسوقةٌ على سياق ما تقدم فكأنه قيل: فَكَيْفَ كَانَ؟ فقال: كذبوا بآياتنا كلها فَأَخَذْنَاهُمْ.

فعلى الوجه الأولى آياتنا كلها ظاهر، وعلى الثاني المراد بالآيات التي كانت مع موسى عليه الصلاة والسلام ُ - كالعصا، واليد، والسِّنِينَ، والطمسِ، والجرادِ، والطوفانِ، والجرادِ، والقُمَّلِ، والضفادعِ والدَّمِ.

قوله: {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ} هذا مصدر مضاف لِفاعله، والمعنى أخَذْنَاهُمْ بالعذاب أخَذْ عَزِيزٍ غالب في انتقامه (مُقْتَدِرٍ) قادرٍ على إهلاكهم، لا يُعْجِزُه مَا أرَادَ.

ثم خوف أهل مكة فقال: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ} أي أشد وأقوى من الذين أحللت بهم نِقْمَتي من قوم نوح وعاد وثمود، وقم لوط. وهذا استفهام بمعنى الإنكار، أي ليسوا بأقوى منهم، فمعناه نفي أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم.

وقوله: «خَيْرٌ» مع أنه لا خير فيهم إما أن يكون كقول حسان:

4610 -

...

...

...

... ..... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ

أهو بحسب زعمهم، واعتقادهم، أو المراد بالخير شدة القوة، أو لأن كل مُمْكِن فلا بدّ وأن يكون فيه صفات محمودة، والمراد تلك الصفات.

{أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر} أي في الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بالسلامة من العقوبة. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما) أم لكم في اللوح المحفوظ براءة من العذاب.

قوله: «أَمْ يَقُولُونَ» العامة على الغيبة، وأبو حيوة وأبو البَرَهسم وموسى الأسوَاريّ بالخطاب، جرياً على ما تقدم من قوله:«كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ»

إلى آخره. والمعنى نحن جماعة لا نُطَاقُ لكثرة عددهمْ وقوتهم، ولم يقل: منتصرين اتباعاً لرؤوس الآي.

ص: 275

وقال ابن الخطيب: قولهم: «جميعٌ» يحتمل الكثرة، والاتّفاق، ويحتمل أن يكون معناه نحن جميع الناس إشارة إلى أن من آمن لا عبرة به عندهم كقول قوم نوح:{أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111] فيكون التنوين فيه عوضاً من الإضافة. وأفرد منتصر مراعاةً للفظ «جميع» أو يكون مرادهم كل واحد منتصر كقولك: كُلُّهُمْ عَالِمٌ أي كل واحد فيكون المعنى أن كل واحد منا غالب؛ فردّ الله تعالى عليهم بأنهم يهزمون جَمِيعُهُمْ.

قوله: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ» العامة على سَيُهْزَمُ مبنياً للمفعول و «الجَمْعُ» مرفوعٌ به. وقرىء: سَتَهْزِمُ بتاء الخطاب، خطاباً للرسول عليه الصلاة والسلام ُ - «الْجَمْعَ» مفعول به. وأبو حيوة في رواية يعقوب: سَنَهْزِمُ بنون العظمة، و «الْجَمْعَ» منصوب أيضاً. وابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: سَيَهْزِمُ بياء الغيبة مبنياً للفاعل (الجَمْعَ) منصوب أي سيَهْزِمُ اللَّهُ.

و «يُوَلُّونَ» العامة على الغيبة. وأبو حيوة وأبو عمرو - في رواية - وتُوَلُّونَ بتاء الخطاب، وهي واضحة والدُّبُر هنا اسم جنس، وحسن هنا لوقوعه فاصلةً بخلاف:{لَيُوَلُّنَّ الأدبار} [الحشر: 12] .

وقال الزمخشري: أي الأدبار، كما قال:

4611 -

كُلُوا فِي بَعْضِ بطْنِكُمُ تَصِحُّوا.....

...

...

...

... . .

وقرىء الأدبار.

قال أبو حيان: وليس مثل بعضِ بَطْنِكُمْ؛ لأن الإفراد هنا له محسّن، ولا محسن لإِفراد بَطْنِكُمْ.

ص: 276

قال ابن الخطيب: وأفْردَ «الدُّبُرُ» هنا وجُمع في غيره؛ لأن الجمع هو الأصل، لأن الضمير ينوب مناب تَكْرار العاطف فكأنه قيل: تولى هذا وهذا. وأفرد لمناسبة المقاطع. وفيه إشارة إلى أن جميعهم يكونون في الانهزام كشخص واحد، وأما قوله:{فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأدبار} [الأنفال: 15] فجمع لأن كل واحد برأسه منهيّ عن رأسه، وأما قوله:{وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأدبار} [الأحزاب: 15] أي كل واحد قال: أنا أثبت ولا أوَلِّي دُبُرِي.

فصل

قال مقاتل: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال: نحن نَقْتَصُّ اليومَ من مُحَمَّد وأصحابِهِ فأنزل الله تعالى: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} .

وقال سعيد بن المسيب: «سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما نزل: سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّون الدُّبُرَ كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - يثب في درعه ويقول: {سَيُهْزَمُ الجَمْع وَيُوَلُّون الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} أعظم نائبةً وأشدّ مرارةً من الأسر والقتل يوم بدر»

، وفي رواية «أن النبي صلى الله عليه وسلم َ - كان يَثِبُ في دِرْعِهِ ويقول:» اللَّهُمَّ إنَّ قُرَيْشاً حَادَّتْكَ وتُحَادّ رَسُولَكَ بفَخْرِهَا بخَيْلِهَا فَأَخْنِهِمُ العَدَاوَةَ «، ثم قال: {سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} » وقال عمر - رضي الله عنه -: فَعَرَفْتُ تَأْويلهَا. وهذا من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبعُ سِنينَ، فالآية على هذا مكية. وفي البخاري عن عائشةَ أمِّ المؤمنين - رضي الله عنهما - قالت: لقد أنْزِلَ على مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم َ - بمكة، وإني لجارية ألعبُ:{بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ والساعة أدهى وَأَمَرُّ} . «وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم َ - قال وهو في قُبَّةٍ له يوم بدر:» أَنْشُدُكَ عَهْدَك ووَعْدَكَ، اللَّهمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْم أبداً «. فأخذ أبو بكر بيده وقال: حَسْبُك يا رسول الله قد أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّك وهو في الدِّرع فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيولُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» .

ص: 277