الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة المنافقون
مكية، وهي إحدى عشرة آية، ومائة وثمانون كلمة، وسبعمائة وستة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {إِذَا جَآءَكَ
المنافقون}
.
«إذا» : شرط، قيل: جوابه «قالوا» .
وقيل: محذوف، و «قالوا» : حال أي إذا جاءوك قائلين كيت وكيت فلا تقبل منهم.
وقيل: الجواب {اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} ، وهو بعيد، و «قالُوا» أيضاً: حال.
فصل في تعلق هذه السورة بالتي قبلها
قال ابنُ الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أن تلك السورة مشتملةٌ على ذكر بعثة الرسول، وذكر من كان يُكذِّبهُ قلباً ولساناً فضرب لهم المثل بقوله:{مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً} [الجمعة: 5] .
وهذه السورة مشتملةٌ على ذكر من كان يكذِّبُ قلباً دون اللسان، ويصدقه لساناً دون القلب.
وأما تعلق الأول بالآخر، فلأن في آخر تلك السُّورة تنبيه للمؤمنين على تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام ُ - ورعايةِ حقِّه بعد النداء لصلاةِ الجمعةِ، وتقديم متابعته على غيره، فإنَّ ترك التعظيم والمتابعةِ من شيمِ المنافقين، والمنافقون هم الكاذبون.
فصل في نزول السورة.
وروى الترمذي عن زيد بن أرقم، قال:» غَزوْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وكان معنا أناسٌ من الأعراب، فكُنَّا نبدر الماء، أي: نقسمه، وكان الأعرابُ يسبقُوننا إلى الماء، فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض، ويجعلُ حوله حجارة، ويجعلُ النِّطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجلٌ من الأنصار أعرابيًّا فأرخى زِمامَ ناقته لتِشرب، فأبَى أن يدعهُ، فانتزع حجراً ففاض الماءُ، فرفع الأعرابيُّ خشبة، فضرب بها رأس الأنصاريِّ فشجَّهُ، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال:{لَا تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ} [المنافقون: 7] من حوله، يعني: الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم َ عند الطعام، فقال عبد الله: فإذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه:{لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} .
قال زيد: وأنا ردف عمي، فسمعت عبد الله بن أبي، فأخبرت عمي، فانطلق، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم َ - فحلف وجحد قال: فصدَّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم َ -
وكذَّبني، قال: فجاء عمّي إليَّ فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم َ، وكذبك، والمنافقون.
قال: فوقع عليّ من جرأتهم ما لم يقع على أحدٍ.
قال: فبينما أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم َ قد خفقتُ برأسي من الهمِّ إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فعرك في أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرّني أنَّ لي بها الخُلدَ في الدنيا، ثم إن أبا بكرٍ لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم َ؟ .
قلت: ما قال لي شيئاً إلا أنه عرك أذني، وضحك في وجهي، فقال: أبْشِرْ ثم لحقني عمرُ، فقلتُ له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم َ سورة المنافقين «.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
فصل في المنافق
سُئلَ حُذيفةُ بنُ اليمانِ عن المنافقِ، فقال: الذي يصفُ الإسلامَ ولا يعملُ به.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم َ قال:» آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلف، وإذا ائتُمِنَ خَانَ «.
وروى عبدُ الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ قال:» أربعٌ من كُنَّ فيه كانَ مُنافقاً خَالِصاً، ومَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلةٌ مِنهُنَّ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ من النِّفاقِ حتَّى يدعها: إذا ائتُمِنَ خَانَ، وإذَا حدَّث كَذَبَ، وإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ «.
وروي عن الحسن أنه ذُكِرَ له هذا الحديثُ، فقال: إن بني يعقوب حدَّثوا فكذبُوا، ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا. إنما هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم َ على سبيل الإنذار للمسلمين، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال شفقاً أن تفضي بهم إلى النفاق.
وليس المعنى: أن من بدرت منه هذه الخصالُ من غير اختيارٍ واعتيادٍ أنه منافقٌ وقال عليه الصلاة والسلام ُ -» المُؤمِنُ إذَا حدَّثَ صَدَقَ، وإذَا وَعَدَ نجَّزَ، وإذا ائتُمِنَ وفَّى «.
والمعنى: أن المؤمن الكامل إذا حدَّث صدق.
قوله:» نَشْهَدُ «.
يجري مجرى القسم كفعلِ العلم واليقين، ولذلك تلقي بما يتلقى به القسم في قوله:{إِنَّكَ لَرَسُولُ الله} .
وفي قوله: [الكامل]
4770 -
ولَقَدْ عَلِمْتُ لتَأتِيَنَّ مَنِيَّتِي
…
إنَّ المَنَايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا
وقد تقدم [الخلاف] في الصدق والكذب، واستدلالهم بهذه الآية، والجواب عنها في أول البقرة.
وقال القرطبي هنا: معنى «نَشْهَدُ» نحلفُ، فعبر عن الحلف بالشهادة؛ لأن كل واحدٍ من الحلف والشهادة إثباتٌ لأمر مُغَيَّب، ومنه قول قيس بن ذريح:[الطويل]
4771 -
وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أني أحِبُّهَا
…
فَهَذَا لَهَا عِنْدِي، فَمَا عِنْدهَا لِيَا؟
ونظيره قول الملاعن: أشهدُ بالله.
قال الزمخشري: «والشهادة تجري مجرى الحلف في التوكيد. يقول الرجلُ: أشهدُ، وأشهدُ بالله، وأعزمُ، وأعزمُ بالله في موضع» أقْسِمُ وأُولي «، وبه استشهد أبو حنيفة على أن» أشهدُ «يمين» .
ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم َ اعترافاً بالإيمان ونفياً للنفاق عن أنفسهم وهو الأشبه.
قوله: {والله يَعْلَمُ} .
جملة معترضة بين قوله: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله} وبين قوله: {والله يَشْهَدُ} [لفائدة.
قال الزمخشري: «ولو قال:» قالوا: نشهد إنك لرسول الله، واللَّهُ يشهدُ إنَّهُم لكاذبُون «لكان يُوهِمُ أن قولهم هذا كذبٌ، فوسط بينهما قوله:» واللَّهُ يعلمُ إنَّكَ لرسُولُه «ليُميطَ هذا الإبهام» .
قال القرطبي: {والله يعلم إنك لرسوله} كما قالوه بألسنتهم] ، {والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ} بضمائرهم، فالتكذيبُ راجع إلى الضمائر وهذا يدلُّ على أن الإيمان
تصديقُ القلب، وعلى أنَّ الكلام الحقيقي كلامُ القلب، ومن قال شيئاً واعتقد خلافه فهو كاذبٌ، وقيل: أكذبهم الله في أيمانهم، وهو قوله:{وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} [التوبة: 56] .
قال ابن الخطيب: فإن قيل: لو قالوا: نعلم إنَّك لرسولُ الله مكان قولهم: نشهد إنَّكَ لرسُولُ اللَّهِ، تفيد ما أفاد قولهم: نشهد؟ .
فالجواب: لا؛ لأن قولهم: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله} صريحٌ في الشَّهادة على إثبات الرسالة، وقولهم: نعلم ليس بصريح في ذلك.
قوله: {اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} .
قد تقدم الكلام أنه يجوز أن يكون جواباً للشرط.
ويجوز أن يكون مستأنفاً جيء به لبيان كذبهم وحلفهم عليه، أي أنَّ الحامل لهُم على الأيمانِ اتقاؤهم بها عن أنفسهم.
والعامة: على فتح الهمزة، جمع يمين.
والحسن: بكسرها مصدراً.
وتقدم مثله في «المجادلة» ، والجُنَّةُ: التُّرْس ونحوه، وكل ما يقيك سوءاً. ومن كلام الفصحاء:[جُبَّةُ البرد] جُنَّةُ البردِ.
قال أعشى همدان الشاعر: [الطويل]
4772 -
إذَا أنْتَ لَمْ تَجْعَلْ لعرضِكَ جُنَّةً
…
مِنَ المَالِ سَارَ الذَّمُّ كُلَّ مَسِيرِ
فصل
قال القرطبي وغيره: اتَّخذُوا أيمانهُم جُنَّةً، أي: سُترةً، وليس يرجع إلى قوله:{نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله} وإنَّما يرجعُ إلى سبب الآيةِ التي نزلت عليه حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن أبيّ أنه حلف ما قال، وقد قال، وقال الضحاك: يعني: حلفهم بالله «إنهم لمنكم» .
وقيل: يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في سورة «براءة» في قوله:
{يَحْلِفُونَ
بالله
مَا قَالُواْ} [التوبة: 74] .
فصل في نص اليمين
قال القرطبي: «من قال: أقسمُ باللَّهِ، وأشهد بالله، أو أعزم بالله، أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله، أو شهدت، أو عزمت، أو حلفت، وقال في ذلك كله:» بالله «فلا خلاف أنها يمينٌ، وكذلك عند مالكٍ وأصحابه أن من قال: أقسمُ، أو أشهد، أو أعزم، أو أحلف، ولم يقل» بالله «إذا أراد» بالله «، وإن لم يرد» بالله «فليس بيمين» .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو قال: أشهد بالله لقد كان كذا كان يميناً، ولو قال: أشهد لقد كان كذا - دون النية - كان يميناً لهذه الآية؛ لأن الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال: {اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} .
وعند الشافعي: لا يكون ذلك يميناً وإن نوى اليمينَ؛ لأنَّ قوله تعالى: {اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} ليس يرجعُ إلى قوله: «قالوا: نَشهدُ» ، وإنما يرجعُ إلى ما في براءة من قوله تعالى:{يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ} .
قوله: {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله} .
أي: أعرضوا، وهو من الصُّدود، أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حدود الله عليهم من القَتْل، والسبي، وأخذ الأموال، فهو من الصَّدِّ، أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا أو يقتدي بهم غيرهم.
وقيل: فصدوا اليهود والمشركين عن الدُّخول في الإسلام بأن يقولوا: ها نحن كافرون بهم، ولو كان ما جاء به محمد حقًّا لعرف هذا منا، ولجعلنا نكالاً، فبيَّن الله أنَّ حالهم لا يخفى عليه، ولكن حكمه أن من أشهر [الإيمان] أجري عليه في الظَّاهر حكم الإيمان.
قوله: {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .
أي: سيئت أعمالهم الخبيثةُ في نفاقهم، وأيمانهم الكاذبةِ، وصدِّهم عن سبيل الله. و «ساء» يجوز أن تكون الجارية مجرى «بِئْسَ» ، وأن تكون على بابها، والأول أظهر وقد تقدم حكم كل منهما.
فإن قيل: إنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل، ولم يقل: إنَّهم ساء ما كانوا يعملون؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب أن أفعالهم مقرونة بالأيمان الكاذبة التي جعلوها
جُنَّة أي: سُترة لأموالهم ودمائهم عن أن يستبيحها المسلمون.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا} .
هذا إعلامٌ من الله بأن المنافقين كفار، إذْ أقروا باللسان ثم كفروا بالقلب.
وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا {فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ} أي ختم عليها بالكفر {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} الإيمان ولا الخير.
وقرأ العامَّةُ: «فَطُبِعَ» مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل الجار بعده.
وزيد بن علي: «فَطَبَعَ» مبنياً للفاعل.
وفي الفاعل وجهان:
أحدهما: أنه ضمير عائد على الله تعالى، ويدل عليه قراءة الأعمشِ، وقراءته في رواية عنه:«فَطَبَعَ اللَّهُ» مُصرحاً بالجلالة الكريمة.
وكذلك
نقله
القرطبي عن زيد بن علي.
فإن قيل: إذا كان الطَّبْع بفعل الله - تعالى - كان ذلك حجة لهم على الله تعالى فيقولون: إعراضنا عن الحق لغفلتنا بسبب أنه - تعالى - طبع على قلوبنا؟ .
فأجاب ابن الخطيب: بأن هذا الطبع من الله - تعالى - لسوء أفعالهم، وقصدهم الإعراض عن الحق فكأنه تعالى تركهم في أنفسهم الجاهلة وغوايتهم الباطلة.
والثاني: أن الفاعل ضميرٌ يعودُ على المصدر المفهوم مما قبله، أي: فطبع هو أي بلعبهم بالدين.
قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} .
أي: هيئاتهم، ومناظرهم، {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} يعني: عبد الله بن أبي وقال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي وسيماً جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان، فإذا قال، سمع النبي صلى الله عليه وسلم َ مقالته، وصفه الله بتمامِ الصُّورةِ وحسن الإبانةِ.
وقال الكلبي: المراد ابن أبي وجدُّ بن قيس ومعتِّب بن قشير، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة.
وفي صحيح مسلم: وقوله: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} . كانوا رجالاً [أجمل] شيء كأنهم خشبٌ مسنَّدةٌ شبههم بخشب مسندة إلى الحائطِ لا يسمعون ولا يعقلون أشباحٌ بلا أرواحٍ، وأجسامٌ بلا أحلامٍ.
وقيل: شبههم بالخشب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها.
قال الزمخشري: شبهوا في استنادهم بالخشب المسندة إلى حائط؛ لأنهم أجرام خاليةٌ عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحائط، لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار، أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به فأسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان.
فصل في قراءة خشب
قرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي: «خُشْبٌ» بإسكان الشين. وهي قراءة البراء بن عازب، واختيارُ عُبيدٍ.
لأنَّ واحدتها خشبة كما تقول: بدنة وبُدْن. قاله الزمخشري.
وقال أبو البقاء: و «خُشبٌ» - بالإسكان والضم - جمع خَشَب، مثل: أَسَد وأُسْد.
قال القرطبي: وليس في اللغة: «فَعَلَة» يجمع على «فُعُل» ، ويلزم من ثقلها أن تقول:«البُدُن» فتقرأ: «والبُدُنَ» ، وذكر اليزيدي أنه جمع الخشباءِ، كقوله تعالى:{وَحَدَآئِقَ غُلْباً} [عبس: 30] واحدتها: حديقة غلباء.
وقرأ الباقون من السبعة: بضمتين.
وقرأ سعيد بن جبير، وابن المسيب: بفتحتين.
ونسبها الزمخشري لابن عبَّاس، ولم يذكر غيره.
فأما القراءة - بضمتين - فقيل: يجوز أن تكون جمع خشبة، نحو: ثمرة وثُمُر. قاله الزمخشري.
وفيه نظر؛ لأن هذه الصيغة محفوظة في «فَعَلَة» لا ينقاس نحو: ثَمَرَة وثُمُر.
ونقل الفارسي عن الزبيدي: «أنه جمع: خَشْبَاء، وأخْشِبَة» غلط عليه؛ لأنه قد يكون قال: «خُشْب» - بالسكون - جمع «خَشْبَاء» نحو: «حَمْرَاء وحُمْر» لأن «فَعْلاء» الصفة لا تجمع على «فُعُل» بضمتين، بل بضمة وسكون.
وقوله: الزبيدي، تصحيف، إما منه، وإما من الناسخ، إنما هو اليزيدي تلميذ أبي عمرو بن العلاء، ونقل ذلك الزمخشري.
وأما القراءة بضمة وسكون.
فقيل: هي تخفيف الأولى.
وقيل: هي جمع خشباء، كما تقدم.
وهي الخشبة التي نُخِر جوفها، أي: فرغ، شبهوا بها لفراغ بواطنهم مما ينتفع به.
وأما القراءة - بفتحتين - فهو اسم جنس، وأنِّثَتْ صفته، كقوله:{نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] وهو أحد الجائزين.
وقول: «مُسَنَّدَةٌ» .
تنبيه على أنه لا ينتفعُ بها كما ينتفعُ بالخشب في سقفٍ وغيره، أو شبهوا بالأصنام؛ لأنهم كانوا يسندونها إلى الحيطان شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم.
وقيل: شُبِّهُوا بالخشب المُسنَّدةِ إلى الحائط، لأن الخشبة المسنَّدة إلى الحائط أحدُ طرفيها إلى جهة، والآخرُ إلى جهة أخرى.
والمنافق كذلك لأن أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر، والطرف الآخر وهو الظاهرُ إلى جهة أهلِ الإسلام.
ونقل القرطبي عن سيبويه أنه يقال: «خَشَبةٌ وخِشَابٌ وخُشُبٌ» مثل: ثَمَرة وثِمَار وثُمُر، والإسناد: الإمالة، تقول: أسندتُ الشيء أي: أملته، و «مُسَنَّدةٌ» للتكثير، أي: استندوا إلى الإيمان لحقن دمائهم.
قوله: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} .
فيه وجهان:
أظهرهما: أن «عليهم» هو المفعول الثاني للحسبان، أي واقعة وكائنة عليهم ويكون قوله:{هُمُ العدو} جملة مستأنفة، أخبر الله عنهم بذلك.
والثاني: أن يكون «عليهم» متعلقاً ب «صَيحةٍ» و «هُمُ العَدُوُّ» جملة في موضع المفعول الثاني للحسبان.
قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون» هُمُ العَدُوُّ «هو المفعولُ الثَّاني كما لو طرحت الضمير.
فإن قلت: فحقه أن يقال: هي العدُوُّ، قلت: منظور فيه إلى الخبر كما في قوله: {هذا رَبِّي} [الأنعام: 77]، وأن يقدر مضافٌ محذوفٌ أي: يحسبون كل أهلِ صيحةٍ» انتهى.
وفي الثاني بعد بعيد.
فصل
وصفهم الله تعالى بالجُبْنِ والخَوَر.
قال مقاتل والسدي: إذا نادى مناد في العسكر أن أنفلتت دابة، أو أنشدت ضالّة ظنوا أنهم هم المرادون، لما في قلوبهم من الرعب.
كما قال الأخطل: [الكامل]
4773 -
مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ
…
خَيْلاً تكرُّ عَليْهِمُ ورِجَالا
وقيل: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ} ، أنهم قد فطن بهم وعلم بنفاقهم؛ لأن للريبة خوفاً، استأنف الله خطاب نبيه عليه الصلاة والسلام ُ - فقال:«هم العَدُوُّ» وهذا معنى قول الضحاك.
وقيل: يَحْسَبُونَ كُلَّ صيحةٍ يسمعونها في المسجد أنها عليهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم َ قد أمر فيها بقتلهم، فهم أبداً وجلُون من أن ينزل الله فيهم أمراً يبيح به دماءهم، ويَهْتِكُ به أسْتارهُم، ثم وصفهم الله بقوله {هُمُ العدو فاحذرهم} حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم.
قوله: {فاحذرهم} . فيه وجهان:
أحدهما: فاحذر أن تثق بقولهم، أو تميل إلى كلامهم.
الثاني: فاحذر ممايلتهُم لأعدائك، وتخذيلهم لأصحابك.
{قَاتَلَهُمُ الله} .
قال ابن عباس: أي: لعنهم الله.
قال أبو مالك: هي كلمةُ ذمٍّ وتوبيخ.
وقد تقول العرب: قاتله اللَّه ما أشعرهُ، فيضعونه موضع التعجب.
وقيل: معنى {قَاتَلَهُمُ الله} أي: أحلَّهُم محلَّ من قاتله عدو قاهر، لأن الله تعالى قاهرٌ لكلِّ معاندٍ. حكاه ابن عيسى.
قوله: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} .
«أنى» بمعنى: كيف.
قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون «أنى» ظرفاً ل «قاتلهم» ، كأنه قال: قاتلهم الله كيف انصرفوا، أو صرفوا، فلا يكون في القولِ استفهام على هذا. انتهى.
قال شهاب الدين: وهذا لا يجوز؛ لأن «أنَّى» إنما تستعمل بمعنى «كيف» ، أو بمعنى «أين» الشرطية أو الاستفهامية، وعلى التقادير الثلاثة فلا تتمحض للظرف، فلا يعمل فيها ما قبلها ألبتَّة كما لا يعملُ في أسماءِ الشرط والاستفهام.
فصل
قال ابن عباس: «أنَّى يؤفكُونَ» أي: يكذبون.
وقال قتادة: أي يعدلون عن الحق.
وقال الحسن: يُصْرفُونَ عن الرشدِ.
وقيل: معناه كيف تضل عقولهم على هذا مع وضوح الدَّلائل، وهو من الإفك.
قوله: «أنَّى» بمعنى: «كيف» ، وقد تقدم.
قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} .
هذه المسألة عدها النحاة من الإعمال، وذلك أن «تعالوا» يطلب «رسُولُ اللَّهِ» مجروراً ب «إلى» أي: تعالوا إلى رسول الله.
و «يَستَغْفِرْ» يطلبه فاعلاً، فأعمل الثاني، ولذلك رفعه، وحذف من الأول، إذ التقديرُ: تَعَالوا إليْهِ. ولو أعمل الأول لقيل: تعالوا إلى رسول الله يستغفر، فيضمر في «يستغفر» فاعل.
ويمكن أن يقال: ليست هذه من الإعمالِ في شيء؛ لأن قوله «تعالوا» أمر بالإقبال من حيث هو، لا بالنظر إلى مقبل عليه.
قوله: {لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ} هذا جواب «إذا» .
وقرأ نافع: «لَوَوْا» مخففاً، والباقون مشدداً على التكثير.
و «يَصُدُّونَ» حالٌ؛ لأن الرؤية بصرية، وكذا قوله:«وهُمْ يَسْتَكبرُونَ» حال أيضاً، إما من أصحاب الحال الأولى، وإما من فاعل «يصدون» فتكون متداخلة.
وأتي ب «يَصُدُّون» مضارعاً دلالة على التجدُّدِ والاستمرارِ.
وقرىء: «يَصِدُّونَ» بالكسر.
وقد تقدمتا في «الزخرف» .
فصل في نزول الآية
لما نزل القرآن بصفتهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا: افتضحتم بالنفاقِ فتوبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ من النفاق، واطلبوا أن يستغفر لكم، فلوو رءوسهم أي: حرَّكُوها استهزاء وإباء.
قاله ابن عباس.
وعنه أنه كان لعبد الله موقف في كل سبب يحُضُّ على طاعة الله، وطاعة رسوله، فقيل له: وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عيله وسلم عليك غضبان، فأته يستغفر لك فأبى، وقال: لا أذهب إليه.
قال المفسِّرون: «وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم َ غزا بني المصطلق على ماء يقال له:» المُريْسِيعُ «من ناحية» قُدَيد «إلى السَّاحل فازدهم أجير لعمر يقال له:» جهجاه بن سعيد الغفاري «يقود له فرسه بحليف لعبد الله بن أبيٍّ، يقال له:» سِنَانُ بنُ وبرة الجهنِيُّ «حليفُ بني عوفٍ من الخزرج على ماء» بالمشلِّل «فصرخ جهجاه بالمهاجرين، وصرخ سنان بالأنصار فلطم جهجاه سناناً وأعان عليه جهجاه فأعان جهجاه رجل من المهاجرين يقال له: حقالٌ، وكان فقيراً، فقال عبد الله بن أبي: أوقد فعلوها؟ والله ما مثلنُا ومثلهُم إلَاّ كما قال الأولُ:» سَمِّنْ كلْبَكَ يأكلْكَ «أما - والله - لَئِنْ رَجَعْنَا إلى» المدينة «ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم َ ثم قال لقومه: كفوا طعامكُم عن هذا الرجل، لا تنفقوا على من عنده حتى ينفضّوا ويتركوه، فقال زيد بن أرقم - وهو من رهط عبد الله - أنت - والله - الذليلُ المنتقص في قومك، ومحمد صلى الله عليه وسلم َ في عز من الرحمن، ومودة من المسلمين، والله لا أحبّك بعد كلامك هذا أبداً، فقال عبد الله: اسكت إنما كنتُ ألعبُ، فأخبر زيد النبي صلى الله عليه وسلم َ بقوله، فأقسم بالله ما فعل ولا قال، قال: فعذره النبي صلى الله عليه وسلم َ قال زيد بن أرقم: فوجدت في نفسي ولامني الناسُ، فنزلت سورةُ المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله، فقيل لعبد الله: قد نزلت فيك آياتٌ شديدة، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ليستغفر لك، فألوى رأسه» فنزلت الآيات. خرجه البخاري والترمذي بمعناه.
وقيل: معنى قوله: {يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ} يستتبكم من النِّفاق، لأن التوبة استغفارٌ {ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ} أي يعرضُون عن الرسول {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} أي متكبرون عن الإيمان.
قيل: قال ابن أبيّ لما لوى رأسه: أمرتموني أن أومن فقد آمنت، وأن أعطي الزكاة من مالي فقد أعطيتُ، فما بقي إلا أن أسجدَ لمحمدٍ.
قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ} .
قرأ العامَّة: «أسْتَغْفَرْتَ» بهمزةٍ مفتوحةٍ من غير مدٍّ، وهي همزة التسوية التي أصلُها الاستفهامُ.
وقرأ يزيد بن القعقاع: «آسْتغَفرْتَ» بهمزة ثم ألف.
فاختلف الناسُ في تأويلها:
فقال الزمخشري: إشباعاً لهمزة الاستفهام للإظهار والبيانِ لا قلباً لهمزة الوصل كما في {آلسَّحْرُ} [يونس: 81] و {آللهُ} [يونس: 59] .
يعني إنما أشبع همزة التسوية فتولد منها ألف.
وقصده بذلك إظهار الهمزة وبيانها، إلا أنه قلب الوصل ألفاً كما قلبها في قوله:{آلسحر، آلله أذن لكم} لأنَّ هذه الهمزة للوصل، فهي تسقط في الدرج، وأيضاً فهي مكسورة فلا يلتبس معها الاستفهام بالخبر بخلاف «آلسّحر» ، {آلله أذن لكم} .
وقال آخرون: هي عوض عن همزة الوصلِ، كما في {ءَآلذَّكَرَيْنِ} [الأنعام: 143] .
وهذا ليس بشيء؛ لأن هذه مكسُورة فكيف تبدل ألفاً.
وأيضاً فإنما قلبناها هناك ألفاً ولم نحذفها وإن كان حذفها مستحقاً لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر، وهنا لا لبس.
وقال ابن عطية: وقرأ أبو جعفر يعني يزيد بن القعقاع: «آسْتغْفَرتَ» بمدَّةٍ على الهمزة وهي ألف التسوية. وقرأ أيضاً: بوصل الألف دون همزة على الخبر، وفي هذا كله ضعف، لأنه في الأولى أثبت همزة الوصل وقد أغنت عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية حذف همزة الاستفهام، وهو يريدُها، وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر.
قال شهاب الدين: أما قراءته «استغفرت» بوصل الهمزة فرويت أيضاً عن أبي عمرو، إلا أنه يضم ميم «عَليْهِمُ» عند وصله الهمزة لأن أصلها الضم، وأبو عمرو يكسرها على أصل التقاءِ الساكنينِ.
وأما قوله: وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر، فإن أراد بهذا مدَّ هذه الهمزة في هذا المكان فصحيح، بل لا تجده أيضاً، وإن أراد حذف همزة الاستفهامِ، فليس بصحيح؛ لأنه يجوز حذفها إجماعاً قبل «أم» نثراً ونظماً، فأما دون «أم» ففيه خلاف:
والأخفش رحمه الله يجُوِّزه، ويجعل منه {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} [الشعراء: 22] .
وقول الآخر: [الطويل]
4774 -
[طَرِبْتُ ومَا شَوْقاً إلى البِيضِ أطْرَبُ
…
ولا لَعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يلعَبُ]
وقول الآخر: [المنسرح]
4775 -
أفْرَحُ أنْ أرْزأ الكِرَامَ وأنْ
…
أورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبَلَا
وأما قبل «أم» فكثير، كقوله:[الطويل]
4776 -
لَعَمْرُكَ مَا أدْرِيَ وإنْ كُنْتَ دَارِياً
…
بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمَانِ
وقد تقدمت هذه المسألة مستوفاة.
فصل في نزول هذه الآية.
قال قتادةُ: «هذه الآية نزلت بعد قوله: {استغفر لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} ، وذلك أنَّها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ:» أخبرني رب فلأزيدنهم على السبعين «، فأنزل الله تعالى: {فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} [التوبة: 80] الآية» .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالفاسِقينَ المُنافقُونَ.
فصل في تفسير الآية
معنى قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} .
أي: كل ذلك سواء لا ينفع استغفارك شيئاً؛ لأن الله تعالى لا يغفر لهم، نظيره:{سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]، {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الواعظين} [الشعراء: 136] ، {إِنَّ الله لَا يَهْدِي القوم الفاسقين} .
قال ابن الخطيب: قال قوم: فيه بيان أن الله - تعالى - يملك هداية وراء هداية البيان، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك.
وقيل: معناه لا يهديهم لفسقهم، وقالت المعتزلة: لا يُسمِّيهم المهتدينَ إذا فَسَقُوا وضلُّوا.
فإن قيل: لم ذكر الفاسقين ولم يقل: الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كلاًّ منهم تقدم ذكره؟ .
فالجواب: أن كل واحد منهم دخل تحت الفاسقين.
قوله: {هُمُ الذين يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ} .
قد تقدم سببُ النزول، وأن ابن أبي قال: لا تنفقوا على من عند محمد «حتى ينفضوا» أي يتفرقوا عنه، فأعلمهم الله سبحانه وتعالى أن خزائن السماوات والأرض له ينفق كيف يشاء.
قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: {وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السماوات والأرض} .
وقال الحسن: «خزائنُ السماوات» الغُيوبُ، وخزائنُ الأرضِ القلوبُ، فهو علَاّمُ الغيوب ومُقلبُ القُلوبِ.
قوله: {يَنفَضُّواْ} .
قرأ العامَّةُ: «ينفضُّوا» من الانفضاضِ وهو التفرقُ.
وقرأ الفضلُ بن عيسى الرقاشي: «يُنْفِضُوا» من أنفض القوم، فني زادهم.
ويقال: نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفضَّ.
فيتعدى دون الهمزة ولا يتعدى معها، فهو من باب «كَبَبتهُ فانْكَبَّ» .
قال الزمخشري: وحقيقته جاز لهم أن ينفضوا مزاودهم.
ثم قال تعالى: {ولكن المنافقين لَا يَفْقَهُونَ} أنه إذا أراد أمراً يسره.
قوله: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} .
القائل ابن أبيّ، كما تقدم.
وقيل: إنه لما قال: {لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} ورجع إلى المدينة لم يلبث إلا أياماً يسيرة حتى مات، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وألبسه قميصه، فنزل قوله:{لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} .
وروي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سَلُولَ قال لأبيه: والله الذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ هو الأعزُّ وأنا الأذلُّ، فقاله.
توهموا أن العزة لكثرةِ الأموال والأتباعِ فبيَّن اللَّهُ - تعالى - أنَّ العزَّة والمنَعَة والقُوَّة لله.
قوله: {لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} .
قرأ العامَّةُ: بضم الياء وكسر الراء مسنداً إلى «الأعزّ» و «الأذلّ» مفعول به، والأعزُّ بعضُ المنافقين على زعمه.
وقرأ الحسن وابنُ أبي عبلة والمسيبي: «لنُخْرجَنَّ» بنون العظمة، وبنصب «الأعزَّ» على المفعول به، ونصب «الأذَلَّ» على الحالِ.
وبه استشهد من جوز تعريفها.
والجمهور جعلوا «أل» مزيدة على حدّ «أرسلها العراك» و «ادخلوا الأول فالأول» .
وجوَّز أبو البقاء: أن يكون منصوباً على المفعولِ، وناصبه حال محذوفةٌ، أي: مشبهاً الأذلَّ.
وقد خرجه الزمخشري على حذف مضافٍ، أي: خروج الأول أو إخراج الأول.
يعني بحسب القراءتين من «خرج وأخرج» فعلى هذا ينتصب على المصدر لا على الحال.
ونقل الدَّاني عن الحسن أيضاً: «لنخرُجَنَّ» بفتح نون العظمة وضم الراء، ونصب «الأعزَّ» على الاختصاص كقولهم:«نحن العرب أقرى النَّاس للضيفِ» و «الأذلَّ» نصب على الحال أيضاً.
قاله أبو حيان.
وفيه نظر، كيف يخبرون عن أنفسهم أنهم يخرجون في حال الذل مع قولهم:«الأعز» أي: «أخُصُّ الأعزَّ» ويعنون ب «الأعزِّ» أنفسهُم.
وقد حكى هذه القراءة أيضاً أبو حاتم.
وحكى الكسائي والفرَّاء: أن قوماً قرأوا: «ليَخْرُجنَّ» - بفتح الياء وضم الراء - ورفع «الأعزّ» فاعلاً ونصب «الأذل» حالاً.
وهي واضحة.
وقرىء: «ليُخْرجَنَّ» - بضم الياء - مبنيًّا للمفعول، «الأعز» قائم مقام الفاعل «الأذلّ» حال أيضاً.
فصل في ختم الآية ب «لا يفقهون»
قال ابن الخطيب: فإن قيل: ما الحكمةُ في أنه تعالى ختم الآية الأولى بقوله: «لا يَفْقَهُونَ» وختم الثَّانية بقوله: «لَا يَعْلمُونَ» ؟ .
فالجواب: ليعلم بالأولى قلة كياستهم وفهمهم، وبالثانية حماقتهم وجهلهم، ولا يفقهون من فِقهَ يَفْقَهُ، كعلِمَ يَعْلَمُ، أو من فقُهَ يَفقهُ، كعَظُمَ يَعظُمُ، فالأول لحصولِ الفقه بالتكلُّفِ، والثاني لا بالتكلُّفِ، فالأول علاجيٌّ، والثاني مزاجي.
قوله
تعالى
: {يا
أيها
الذين آمَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ الله} .
حذَّر المُؤمنين أخلاق المنافقين، أي: لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المُنافقُون إذ قالُوا - لأجْلِ الشُّحِّ بأموالهم -: {لَا تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ} .
وقوله: {عَن ذِكْرِ الله} .
أي: عن الحجِّ والزكاة.
وقيل: عن قراءة القرآن.
وقيل: عن إدامة الذكر.
وقال الضحاك: عن الصلواتِ الخمس.
وقال الحسنُ: عن جميعِ الفرائضِ، كأنه قال: عن طاعة الله.
وقيل: هذا خطاب للمنافقين، أي: آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب، {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} يشتغل بالمالِ والولدِ عن طاعةِ ربهِ {فأولئك هُمُ الخاسرون} .
قوله: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ} .
قال ابن عباس: يُريدُ زكاة الأمْوالِ.
{مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت} .
قال القرطبي: «هذا يدل على وجوب تعجيل إخراج الزَّكاةِ ولا يجوزُ تأخيرها أصلاً وكذلك سائر العبادات إذا دخل وقتها» .
قال ابن الخطيب: وبالجملة فقوله: {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ الله} تنبيه على المحافظة على الذِّكرِ قبل المَوْتِ. وقوله: {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ} : تنبيه على الشكر كذلك.
قوله: {فَيَقُولُ رَبِّ لولا أخرتنيا} .
أي: هلَاّ أخَّرتَنِي.
وقيل: «لا» صلة، فيكونُ الكلامُ بمعنى التَّمنِّي.
أي لو أخرتني إلى أجل قريب فنسأل الرجعة إلى الدنيا لنعمل صالحاً.
قال القرطبيُّ: ذكره الحليمي في كتاب «منهاج الدين» مرفوعاً، فقال: وقال ابن عبَّاس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: «مَنْ كَانَ عِنْدهُ مالٌ يُبلِّغهُ الحَجَّ» الحديث.
قال ابنُ العربيِّ: «أخذ ابنُ عباس بعموم الآية في إنفاق الواجب خاصة دون النفلِ، فأما تفسيره بالزَّكاةِ فصحيح كلُّه عموماً وتقديراً بالمائتين.
وأما القولُ بالحج ففيه إشكالٌ؛ لأننا إن قلنا: الحج على التراخي ففي المعصية بالموتِ قبل الحج خلافٌ بين العلماءِ، فلا تخرج الآية عليه.
وإن قلنا: الحج على الفور فالعمومُ في الآية صحيحٌ لأنَّ من وجب عليه الحج فلم
يؤده لقي من الله ما يودُّ لو أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات.
وأما تقدير الأمر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء، وليس لكلام ابن عباس فيه مدخل، لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل المجتهد فيها ولا المختلف عليها، وإنما تدخلُ في المتفقِ عليه.
والصحيح تناوله للواجب من الإنفاق بالإجماع أو بنصّ القرآن؛ لأن ما عدا ذلك لا يتحقق فيه الوعيدُ «.
قوله: {فَأَصَّدَّقَ} .
نصب على جواب [التمني] في قوله: {لولا أخرتنيا} .
وقرأ أبي وعبد الله وابن جبير:» فأتَصَدَّقَ «، وهي أصل قراءة العامة ولكن أدغمت الفاء في الصاد.
قوله:» وأكُنْ «.
قرأ أبو عمرو:» وأكونَ «بنصب الفعل عطفاً على» فأصَّدَّقَ «.
والباقون:» وأكُنْ «مجزوماً، وحذفت الواوُ لالتقاءِ الساكنين.
واختلف عباراتُ الناس في ذلك.
فقال الزمخشري:» عطفاً على محل «فأصَّدَّقَ» كأنَّه قيل: إنْ أخَّرتني أصَّدقْ وأكُنْ «.
وقال ابن عطية:» عطفاً على الموضع: لأنَّ التقدير: إن أخرتني أصَدقْ وأكُنْ، وهذا مذهب أبي علي الفارسي «.
وقال القرطبي:» عطلفٌ على موضع الفاء، لأن قوله:«فأصدق» لو لم تكن الفاء لكان مجزوماً، أي «أصَّدَّقْ» ، ومثله:{مَن يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} [الأعراف: 186] فيمن جزم.
فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غيرُ هذا، وهو أنه جزمٌ على توهم
الشرط الذي يدل عليه التمني، ولا موضع له هنا لأنَّ الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف على الموضع بحيث يظهرُ الشرطُ، كقوله:{مَن يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأعراف: 186] فمن جزم عطفه على موضع {فلا هَادِي لَه} ؛ لأنه لو وقع موقعه فعل لانجزم «انتهى.
وهذا الذي نقله سيبويه هو المشهور عند النحويين.
ونظَّر ذلك سيبويه بقول زهير رحم الله المؤمنين: [الطويل]
4777 -
بَدَا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى
…
ولا سَابِقٍ شَيْئاً إذَا كَانَ جَائِيَا
فخفض» ولا سابقٍ «عطفاً على» مدركٍ «الذي هو خبرُ» ليس «على توهم زيادة الباء فيه قد كثر جرّ خبرها بالباء المزيدةِ، وهو عكسُ الآية الكريمة؛ لأنه في الآيةِ جزم على توهُّم سقوطِ الفاءِ، وهنا خفض على توهُّم وجود الباء، ولكن الجامع توهم ما يقتضي جواز ذلك.
قال شهاب الدين:» ولكني لا أحب هذا اللفظ مستعملاً في القرآن الكريم، فلا يقال: جزم على التوهم لقبحه لفظاً «.
وقال أبو عبيد: رأيت في مصحف عثمان» أكن «بغير واو.
وقد فرق أبو حيان بين العطف على الموضع والعطف على التوهم فقال:» الفرقُ بينهما أنَّ العامل في العطف على الموضع موجودٌ، وأثره مفقودٌ، والعامل في العطفِ على التوهم مفقود، وأثره موجود «. انتهى.
قال شهاب الدين:» مثال الأول «هذا ضارب زيد وعمراً» فهذا من العطف على الموضع فالعامل وهو «ضارب» موجود، وأثره وهو النصب مفقود، ومثال الثاني ما نحن فيه، فإن العامل للجزم مفقود وأثره موجود، وأصرحُ منه بيتُ زهيرٍ، فإن الباء مفقودةٌ وأثرُها موجود، ولكن أثرها إنما ظهر في المعطوفِ لا في المعطوفِ عليه، وكذلك في الآية الكريمة، ومن ذلك أيضاً بيت امرىء القيس:[الطويل]
4778 -
فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ
…
صَفِيفِ شِواءٍ أو قَدِيدٍ مُعَجَّلِ
فإنهم جعلوه من العطف على التوهُّم، وذلك أنه توهّم أنه أضاف «منضج» إلى «صفيف» وهو لو أضافه إليه فجره فعطف «قديدٍ» على «ضعيفٍ» بالجر توهماً لجرّه بالإضافة «.
وقرأ عبيد بن عمير:» وأكُونُ «برفع الفعل على الاستئناف، أي:» وأنَا أكُونُ «، وهذا عدةٌ منه بالصلاح.
فصل فيما تدل عليه الآية
قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآية تدل على أن القوم لم يكونوا من أهل التوحيد؛ لأنه لا يتمنى الرجوع إلى الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند اللَّه خير في الآخرة.
قال القرطبي:» إلا الشَّهيد فإنه يتمنّى الرجوع حتى يقتل لما يرى من الكرامة «.
وقال الضحاك: لم ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا طلب الرجعة وقرأ هذه الآية {وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من خير وشرّ.
قرأ أبو بكر عن عاصم والسلمي: بالياء من تحت على الخبر على من مات، وقال هذه المقالة.
والباقون: بالخطاب، وهما واضحتان.
روى الثعلبي في تفسيره عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ:» مَنْ قَرَأ سُورةَ المُنافقينَ بَرِىءَ مِنَ النِّفَاقِ «والله أعلم.
سورة التغابن
مدنية في قول الأكثرين.
وقال الضحاك: مكية. وقال الكلبي: هي مدنية ومكية.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن سورة " التغابن " نزلت ب " مكة " إلا آيات من آخرها نزلت ب " المدينة " في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده، فأنزل الله عز وجل:{يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} [التغابن: 14] إلى آخرها.
وهي ثماني عشرة آية ومائتان وإحدى وأربعون كلمة، وألف وسبعون حرفا.
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مولود يولد إلا وفي تشابيك رأسه مكتوب خمس آيات من فاتحة سورة التغابن ". بسم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} . تقدم نظيره.
قال ابن الخطيب: وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين، وهذه السورة للموافقين الصادقين، وأيضاً فإن تلك السورة مشتملة على ذكر النفاق سرًّا وعلانية، وهذه السورة مشتملة على التهديد البالغ لهم عن ذلك، وهو قوله تعالى:{وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} ، وأما تعلق هذه السورة بآخر التي قبلها فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كما تقدم، وفي أول هذه السورة أشارة إلى أن في الناس أقواماً يواظبون على الذِّكر والشكر دائماً وهم الذين يُسَبِّحُون، كما قال تعالى:{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} .
قوله: {لَهُ الملك} .
مبتدأ وخبر، وقدم الخبر ليفيد اختصاص الملك والحمد لله تعالى، إذ الملك والحمد له - تعالى - حقيقة {وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
قوله: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله خلق بني آدم مؤمناً وكافراً، ويعيدهم في يوم القيامة مؤمناً وكافراً.
وروى أبو سعيد الخدري قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ عشية فذكر شيئاً مما يكون، فقال:» يُولَدُ النَّاسُ على طَبقاتٍ شَتَّى: يُولَدُ الرَّجُلُ مؤمِناً ويَعيشُ مُؤمِناً ويمُوتُ مُؤمِناً ويُولَدُ الرَّجُلُ كَافِراً ويعيشُ كَافِراً ويمُوتُ كَافِراً، ويُولَدُ الرَّجُلُ مُؤِمناً ويَعِيشُ مُؤمِناً ويَمُوتُ كَافِراً، ويُولَدُ الرَّجلُ كَافِراً ويَعيشُ كَافِراً ويَمُوتُ مُؤمِناً «» .
وقال ابن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم َ: «خَلَق اللَّهُ فِرْعونَ في بَطْنِ أمِّهِ كَافِراً، وخلق يَحْيَى بْنَ زكريَّا في بَطْنِ أمِّهِ مُؤمِناً» .
وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ قال: «إنَّ الرَّجُلَ ليَعملُ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو للنَّاسِ وهُوَ مِنْ أهْلِ النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ ليَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ النَّارِ فيمَا يَبْدُو للنَّاسِ وهُوَ من أهْلِ الجَنَّةِ» .
قال القرطبي رحمه الله: قال علماؤنا: والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم، فيجري ما علم وأراد وحكم، فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال، وقد يريده إلى وقت معلوم، وكذلك الكفر. وقيل: في الكلام محذوف تقديره: فمنكم كافر ومنكم مؤمن ومنكم فاسق، فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه.
قاله الحسن.
وقال غيره: لا حذف فيه؛ لأن المقصود ذكر الطرفين.
وقيل: إنه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا، والتقدير:«هُو الَّذي خَلقُكُمْ» ، ثم وصفهم فقال:{فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} كقوله تعالى: {والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ} [النور: 45] الآية، قالوا: فالله خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله {فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} ، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام ُ:«كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ فأبواهُ يَهوِّدانهِ ويُنصِّرانهِ ويُمْجِّسانِهِ» .
قال البغوي: وروينا عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: «إن الغلامَ الذي قَتلهُ الخضِرُ طُبعَ كافراً» .
وقال تعالى: {وَلَا يلدوا إِلَاّ فَاجِراً كَفَّاراً} [نوح: 27] .
وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم َ قال: «وكل اللَّهُ بالرَّحمِ مَلكاً، فيقُولُ: أي: ربِّ نُطفَةٌ،
أي ربِّ علقَةٌ، أي: ربِّ مُضغَةٌ، فإذا أرَادَ اللَّهُ أن يقْضِيَ خَلْقَهَا، قال: ربِّ أذكرٌ أم أنْثَى؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فما الرِّزْقُ؟ فما الأجلُ؟ فيُكْتَبُ ذلِكَ في بَطْنِ أمِّهِ» .
وقال الضحَّاك: فمنكم كافر في السِّر، مؤمن في العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السر، كافر في العلانية كعمّار وذويه.
وقال عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكوكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكوكب يعني في شأن الأنْوَاء، كما جاء في الحديث.
قال القرطبي: وقال الزجاج - وهو أحسن الأقوال -: والذي عليه الأئمة أن الله خلق الكافر، وكُفره فعل له وكسبٌ، مع أن الله خالق الكفر، وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكَسْب، مع أنَّ الله خالق الإيمان، والكافر يكفر، ويختار الكفر بعد خلق اللَّه تعالى إياه؛ لأن اللَّه - تعالى - قدّر ذلك عليه وعلمه منه؛ لأن وجود خلاف المقدور عجز، ووجود خلاف المعلوم جهل، ولا يليقان باللَّه تعالى، وفي هذا سلامة من الجَبْر والقدر. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: فمنكم كافر حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن حياته كافر في العاقبة.
وقيل: فمنكم كافر بأن الله خلقه، وهو مذهب الدَّهْرية، ومنكم مؤمن بأن الله خلقه.
قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنه - تعالى - حكيم وقد سبق في علمه أنه إذا [خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر، فأي حكمة دعته إلى خلقهم؟] .
فالجواب إذا علمنا أنه تعالى حكيم، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك، بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة.
قوله: {خَلَقَ السماوات والأرض بالحق} .
أي: خلقها يقيناً لا ريب فيه.
وقيل: الباء بمعنى اللام، أي: خلقها للحق، وهو أن يجزي الذي أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
قوله: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} .
قرأ العامة: بضم صاد «صُوركم» ، وهو القياس في فعله.
وقرأ زيد بن علي والأعمش، وأبو رزين: بكسرها، وليس بقياس وهو عكس لُحَى - بالضم - والقياس «لِحى» بالكسر.
فصل
معنى «وَصَوَّركُمْ» يعني آدم عليه الصلاة والسلام ُ - خلقه بيده كرامة له. قاله مقاتل.
وقيل: جميع الخلائق، وقد مضى معنى التصوير، وأنه التخطيط والتشكيل.
فإن قيل: كيف أحسن صوركم؟ .
قيل: بأن جعلهم أحسن الحيوان كلِّه وأبهاه صورة، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصُّور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكب كما قال عز وجل:{لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] كما يأتي إن شاء الله تعالى.
قال ابن الخطيب: فإن قيل: قد كان من أفراد هذا النوع من كان مشوه الخِلقة سمج الصورة؟ .
فالجواب: لا سماجة لأن الحسن في المعاني، وهو على طبقات ومراتب، فانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقه لا يمنع حسنه، فهو داخل في خير الحسن غير خارج عن حده. قوله {وَإِلَيْهِ المصير} . أي: المرجع، فيجازي كلاًّ بعمله.
قال ابن الخطيب: فإن قيل: قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ المصير} يوهم الانتقال من جانب إلى جانب، وذلك على الله تعالى مُحال؟ .
فالجواب: أن ذلك الوهْمَ بالنسبة إلينا وإلى زماننا لا بالنسبة إلى ما يكون في نفسه بمعزل عن حقيقة الانتقال إذا كان المنتقل منزهاً عن الجانب والجهة.
قوله: {يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} . تقدم نظيره.
قال ابن الخطيب: إنه - تعالى - نبَّه بعلمه ما في السماوات وما في الأرض، ثم
بعلمه ما يسرونه وما يعلنونه ثم بعلمه ما في الصدور من الكليات والجزئيات على أنه لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض ألبتة.
ونظيره قوله: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلَا فِي الأرض} [سبأ: 3] .
وقرأ العامّة: بتاء الخطاب في الحرفين.
وروي عن أبي عمرو وعاصم: بياء الغيبة، فيحتمل الالتفات وتحمل الإخبار عن الغائبين.
{والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} فهو عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء.
قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} .
الخطاب لقريش، أي: ألم يأتكم خبر كُفَّار الأمم السالفة {فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} أي: عوقبوا {وَلَهُمْ} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: مُؤلم.
قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ}
الهاء للشأن والحديث، و {كَانَت تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُم} : خبرها، ومعنى الإشارة أي: هذا العذاب لهم بكفرهم بالرسل تأتيهم بالبينات، أي: بالدلائل الواضحة.
قوله: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} .
يجوز أن يرتفع «بشر» على الفاعلية، ويكون من الاشتغال، وهو الأرجح، لأن الأداة تطلب الفعل، وأن يكون مبتدأ وخبراً.
وجمع الضمير في «يَهْدُونَنَا» إذ البشر اسم جنس.
أنكروا أن يكون الرسول من البشر.
وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع، فيكون اسماً للجنس، وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد كقوله تعالى:{مَا هذا بَشَراً} [يوسف: 31] .
قوله: «فَكَفَرُوا» أي: بهذا القول إذ قالوه استصغاراً، ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده.
فصل
فإن قيل: قوله «فَكَفَرُوا» يفهم منه التولي، فما الحاجة إلى ذكره؟ فالجواب: قال ابن الخطيب: إنهم كفروا وقالوا: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} وهذا في معنى الإنكار والإعراض بالكلية، وهذا هو التولي، فكأنهم كفروا وقالوا قولاً يدلّ على التولي، فلهذا قال:{فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ} .
وقيل: كفروا بالرسل وتولوا عن البرهان وأعرضوا عن الإيمان والموعظة.
قوله: {واستغنى الله} استغنى بمعنى المجرد.
وقال الزمخشري: «ظَهَر غناه» ، فالسين ليست للطلب.
قال مقاتل: استغنى الله، أي: بسلطانه عن طاعة عباده.
وقيل: استغنى الله، أي: بما أظهره لهم من البرهان، وأوضحه لهم من البيان عن زيادة تدعو إلى الرشد، وتعود إلى الهداية {والله غَنِيٌّ حَمِيدٌ} غنيٌّ عن خلقه حميد في أفعاله.
فإن قيل: قوله: {وَتَوَلَّواْ واستغنى الله} يوهم وجود التولّى والاستغناء معاً، والله تعالى لم يزل غنيًّا؟ .
فأجاب الزمخشري: بأن معناه أنه ظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك.
ثم أخبر عن إنكارهم للبعث فقال عز وجل:
{زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ} أي: ظنوا، والزعم هو القول بالظن.
وقال الزمخشري: الزعم ادِّعاء العلم، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ُ -:«زَعَمُوا مطيَّة الكَذِب» .
وقال شريح: لكل شيء كنية وكنية الكاذب زعموا.
وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي مع خباب كما تقدم في آخر سورة «مريم» ثم عمّت كل كافر.
قوله: {أَن لَّن يُبْعَثُواْ} .
«أن» مخففة لا ناصبة لئلا يدخل ناصب على مثله، و «أن» وما في خبرها سادة مسدَّ المفعولين للزعم أو المفعول.
قوله: «بَلَى» إيجاب للنفي، و «لتُبْعثُنَّ» جواب قسم مقدر، أي: لتخرجن من قبوركم أحياء، «ثُمَّ لتُنَبَّؤُنَّ» لتخبرن «بِمَا عَمِلْتُمْ» أي: بأعمالكم، {وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ} إذ الإعادة أسهل من الابتداء.
فإن قيل: كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث وهم قد أنكروا الرسالة؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب: أنهم أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقاداً جازماً لا مزيد عليه فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون صدق هذا الإخبار عنده أظهر من الشمس في اعتقاده ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسم بعد قسم.
ثم إنه تعالى لما أخبر عن البعث، والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان، قال:{فآمنوا بالله ورسوله} وهذا يجوز أن يكون صلة لما تقدم؛ لأنه تعالى ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، وذلك لكفرهم بالله، وتكذيبهم للرسل فقال «فآمِنُوا» أنتم «باللَّه ورسُولِهِ» لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من العقوبة.
وقال القرطبي: قوله: {فآمنوا بالله ورسوله} أمرهم بالإيمان بعد أن عرفهم قيام الساعة {والنور الذي أنزلنا} وهو القرآن لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلال كما يهتدى بالنور في الظلمات.
فإن قيل: هلا قيل: ونوره بالإضافة كما قال: ورسوله؟ .
فالجواب: إن الألف واللام في النور بمعنى الإضافة، فكأنه قال: ورسوله ونوره، ثم قال:{والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: بما تسرّون وما تعلنون فراقبوه في السر والعلانية.
قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ} . منصوب بقوله: «لتُنبَّؤنَّ» عند النحاس، وب «خَبِير» عند
الحوفي، لما فيه من معنى الوعيد، كأنه قال: والله يعاقبكم يوم يجمعكم.
وب «اذكر» مضمراً عند الزمخشري، فيكون مفعولاً به.
أو بما دلّ عليه الكلام، أي يتفاوتون يوم يجمعكم. قاله أبو البقاء.
وقرأ العامَّة: «يَجْمعُكُمْ» بفتح الياء وضم العين.
ورُوِي سكونُها وإشمامها عن أبي عمرو، وهذا منقول عنه في الراء نحو «ينصركُمْ» وبابه كما تقدم في البقرة.
وقرأ يعقوب وسلام وزيد بن علي والشعبي ونصر وابن أبي إسحاق والجحدري: «نَجْمعُكُمْ» بنون العظمة، اعتباراً بقوله:{والنور الذي أَنزَلْنَا} . والمراد ب «يَوْمَ الجَمْعِ» أي: يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين والإنس والجن وأهل السماء وأهل الأرض.
وقيل: يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله.
وقيل: يجمع فيه بين الظالم والمظلوم.
وقيل: يجمع فيه بين كل نبي وأمته.
وقيل: يجمع فيه ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي.
قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ التغابن} .
«التَّغَابُن» تفاعل من الغبن في البيع والشراء على الاستعارة، وهو أخذ الشيء بدون قيمته.
وقيل: الغبن: الإخفاء، ومنه غبن البيع لاستخفائه، والتفاعل هنا من واحد لا من اثنين.
ويقال: غبنت الثوب وخبنته، أي: أخذت ما طال منه من مقدارك: فهو نقص وإخفاء.
وفي التفسير: هو أن يكتسب الرجل مالاً من غير وجهه فيرثه غيره، فيعمل فيه بطاعة الله، فيدخل الأول النار، والثاني الجنة بذلك المال، فذلك هو الغَبْن البَيِّن والمغابن: ما انثنى من البدن نحو الإبطين والفخذين.
والمغبون: من غبن في أهله ومنازله في الجنة، ويظهر يؤمئذ غَبْن كُلِّ كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام.
قال الزجاج: ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة بالنسبة إلى من هو أعلى منزلة منه.
فإن قيل: فأيُّ معاملة وقعت بينهما حى يقع الغبن فيها؟ .
فالجواب: هو تمثيل للغَبْنِ في الشِّراء والبيع كقوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16] ، فلما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خَسِرُوا، ذكر أيضاً أنهم غُبِنُوا، وذلك أن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا، واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة، وهذا نوع مبادلة اتساعاً ومجازاً، وقد فرق الله الخلق فريقين: فريقاً للجنة وفريقاً في السعير.
وقال الحسن وقتادة: بلغنا أن التغابن على ثلاثة أصناف:
رجل علم علماً فضيعه ولم يعمل به فشقي به، ورجل علم علماً وعمل به فنجا به، ورجل اكتسب مالاً من وجوه يُسَألُ عنها وشحَّ عليه وفرط في طاعة ربه بسببه، ولم يعمل فيه خيراً وتركه لوارث لا حساب عليه، فعمل ذلك الوارث في بطاعة ربه، ورجل كان له عبد، فعمل العبد بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية ربه فشقي.
فصل
استدلّ بعض العلماء بقوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ التغابن} على أنه لا يجوز الغبن في المعاملات الدنيوية، لأن الله تعالى خَصَّ التغابن بيوم القيامة فقال:{ذَلِكَ يَوْمُ التغابن} ،
وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في بيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث. واختاره البغداديون، واحتجوا عليه بقوله عليه الصلاة والسلام ُ - لحبان بن منقد:«إذا بِعْتَ فَقُل: لا خَلابَةَ ولَكَ الخِيَارُ ثلاثاً» .
ولأن الغَبْنَ في الدنيا ممنوع منه بالإجماع في حكم الدين إذ هو من باب الخِدَاع المحرم شرعاً في كل ملّة، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه فمضى في البيوع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبداً؛ لأنه لا يخلو منه، فإذا كان كثيراً أمكن الاحتراز منه فوجب الرد به، والفرق بين القليل والكثير في الشريعة معلوم فقدرناه بالثلث، وهذا الحد اعتبر الشارع في الوصية وغيرها.
ويكون معنى الآية على هذا: يوم التغابن الجائز مطلقاً من غير تفصيل، وذلك يوم التَّغابن الذي لا يستدرك أبداً.
قال بعض علماء الصُّوفية: إنَّ الله - تعالى - كتب الغَبْنَ على الخَلْقِ أجمعين، فلا يلقى أحد ربه إلا مغبوناً؛ لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب.
قال عليه الصلاة والسلام ُ -: «لَا يَلْقَى اللَّهَ أحَدٌ إلَاّ نَادِماً إن كَان مُسِيئاً أن لَمْ يُحْسِنْ، وإن كَانَ مُحْسِناً أنْ لَمْ يَزْدَدْ» .
قوله: {وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ} .
قرأ نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء.
قوله: {والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} يعني القرآن {أولئك أَصْحَابُ النار خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ المصير} .
قال ابن الخطيب: فإن قيل: قال الله تعالى في حق المؤمنين: {وَمَن يُؤْمِن بالله} بلفظ المستقبل، وفي حق الكُفَّار قال:«والذين كفروا» بلفظ الماضي؟ .
فالجواب: أن تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ندخله جنات ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار.
فإن قيل: قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن} بلفظ الواحد و «خَالدِينَ» بلفظ الجمع؟ .
فالجواب: ذلك بحسب اللفظ وهذا بحسب المعنى.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: {وَبِئْسَ المصير} بعد قوله: {خَالِدِينَ فِيهَآ} وذلك بئس المصير؟ .
والجواب: أن ذلك وإن كان في معناه فلا بد من التصريح [بما] يؤكده.
فصل
لما ذكر ما للمؤمنين ذكر ما للكفار فقال:
{مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله} أي: بإرادته وقضائه.
وقال الفراء: يريد إلا بأمر الله.
وقيل: إلا بعلم الله.
وقيل: سبب نزول هذه الآية: أنَّ الكُفَّار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقًّا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا فبيّن الرب تعالى أن ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل يقتضي همّاً أو يوجب عقاباً آجلاً أو عاجلاً فبعلم الله وقضائه.
فإن قيل: بم يتصل قوله: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله} ؟ .
فالجواب: يتعلق بقوله: {فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ} [التغابن: 8] كما أن من يؤمن بالله يصدق بأنه لا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله.
قوله: {وَمَن يُؤْمِن بالله} يصدق ويعلم أنه لا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله {يَهْدِ قَلْبَهُ} للصبر والرضا.
وقيل: يثبته على الإيمان.
وقال أبو عثمان الجيزي: من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة.
وقيل: {وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ} عند المصيبة فيقول: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] . قال ابن جبير.
وقال ابن عباس: هو أن يجعل في قلبه اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقال الكلبي: هو إذا ابتلي صبر وإذا أنْعِمَ عليه شكر وإذا ظلم غفر.
وقيل: {يَهْدِ قَلْبَهُ} إلى نَيْل الثَّواب في الجنَّة.
قوله: {يَهْدِ قَلْبَهُ} .
قراءة العامة: بالياء مجزوماً جواباً للشرط لتقدم ذكر الله.
وابن جبير وابن هرمز طلحة والأزرق: بالنون على التعظيم.
والضحاك وأبو حفص وأبو عبد الرحمن وقتادة: «يُهْدَ» مبنياً للمفعول «قَلْبُهُ» قائم مقام الفاعل.
ومالك بن دينارٍ، وعمرو بن دينار، وعكرمة:«يَهْدَأ» بهمزة ساكنة «قلبه» فاعل به، بمعنى يطمئن ويسكن.
وعمرو بن فائد: «يَهْدَا» بألف مبدلة من الهمزة كالتي قبلها، ولم يحذفها نظراً إلى الأصل، وهي أفصح اللغتين.
وعكرمة ومالك بن دينار أيضاً: «يَهْدَ» بحذف هذه الألف إجراء لها مُجرى الألف الأصلية، كقول زهير:[الطويل]
4779 -
جَرِيءٌ مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقِبْ بظُلْمِهِ
…
سريعاً، وإلَاّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ
وقد تقدم إعراب ما قبل هذه الآية وما بعدها.
{والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . لا يخفى عليه تسليم من انقاد لأمره، ولا كراهة من كرهه.
قوله: {وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول} . أي: هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول في العمل بسنته {فَإِن تَولَّيْتُمْ} عن الطاعة فليس على الرسول إلا البلاغ المبين.
قوله: {الله لَا إله إِلَاّ هُوَ} . أي: لا معبود سواه، ولا خالق غيره.
قال ابن الخطيب: «قوله {لَا إله إِلَاّ هُوَ} يحتمل أن يكون من جملة ما تقدم من الأوصاف الجميلة بحضرة الله تعالى من قوله: {لَهُ الملك وَلَهُ الحمد وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ} [التغابن: 1] ، فإن من كان موصوفاً بهذه الأوصاف هو الذي لا إله إلا هو» .
قوله: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} .
قال الزمخشري: هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ على التوكل عليه حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.
قوله
تعالى
: {يا
أيها
الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم} .
قال ابن عبَّاس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم َ جفاء أهله وولده، فنزلت، ذكره النحاس.
وحكاه الطَّبريّ عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التَّغابن كلها ب «مكة» إلا هؤلاء الآيات: {يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم} نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد وكان إذا أراد الغزو بكوه ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا فيَرقّ فيقيم فنزلت هذه الآية إلى آخر السورة بالمدينة.
روى الترمذي عن ابن عباس، وسئل عن هذه الآية قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم َ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا للنبي صلى الله عليه وسلم َ فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم َ وإذا الناس قد تفقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية.
حديث حسن صحيح.
فصل
قال ابن العربي: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدواً لذاته، وإنما كان
عدواً بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدواً ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد والطاعة.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم َ قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ فِي طريقِ الإيمانِ، فقَال لَهُ: أتُؤمِنُ وتَذَرُ دينكَ ودينَ أهْلكَ ومالكَ فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر وتترك أهلك فَخالفَهُ وهاجَرَ، ثُمَّ قَعدَ لَهُ على طريقِ الجهادِ، فقَالَ لَهُ: أتُجَاهدُ فتَقْتُلَ نَفْسَك فتنُكَحَ نِسَاؤكَ ويُقسَّم مالك فخَالفَهُ فَجَاهَدَ فقُتِلَ فحقٌّ على اللَّهِ أن يُدْخِله الجَنَّة» .
وقعود الشَّيطان يكون بوجهين:
أحدهما: أن يكون بالوسوسة.
والثاني: أن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب، فقال تعالى:{وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [فصلت: 25]، وفي حكمة عيسى عليه الصلاة والسلام ُ -: من اتخذ أهلاً ومالاً وولداً كان في الدنيا عبداً.
وقال عليه الصلاة والسلام ُ -: «تَعِسَ عَبدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عبدُ الدِّرهَمِ، تعِسَ عبْدُ الخَميصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ القَطِيفَة» ، ولا دَنَاءَةَ أعْظَمُ مِنْ عبادَة الدِّينار والدِّرهم، ولا همَّة أخسُّ من همَّة تَرْتَفِعُ بثَوبٍ جَديدٍ.
واعلم أن قوله: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} يدخل فيه الذكر والأنثى، فكما أن الرجل تكون زوجته وولده عدوّاً له، كذلك المرأة يكون زوجها عدوّاً لها بهذا المعنى.
قوله: {فاحذروهم} . أي: فاحذروهم على أنفسكم، والحذر على النفس يكون بوجهين: إما لضرر في البدنِ، أو لضررٍ في الدين، وضرر البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة، فحذر الله تعالى العبد من ذلك.
قال ابن الخطيب: وقيل: أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جملة ما تقع به الفتنة، وهذا عام يعم جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، فإنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله كغصب مال الغير وغيره.
قوله: {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
روى الطَّبري عن عكرمة في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم} . قال: كان الرجل يريد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم َ فيقول أهله: أين تذهب وتدعنا؟ .
قال: فإذا أسلم وفَقُهَ قال: لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر فلأفعلن ولأفعلن. قال: فأنزل الله عز وجل {وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
وقال مجاهد في هذه الآية: ما عادوهم في الدنيا، ولكن حملتهم مودتهم لهم على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم.
والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد، وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم.
قوله: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} .
أي: بلاء واختبار يحملكم على كسب الحرام ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم في معصية الله.
وفي الحديث: «يُؤتى بِرَجُلٍ يوم القِيامَةِ، فيُقال: أكَلَ عياله حَسَنَاته» .
وقال بعض السلف: العيال سوس الطاعات.
وقال ابن مسعود: لا يقولن أحدكم، اللهم اعصمني من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنةٍ، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مُضلاّت الفتن.
وقال الحسنُ في قوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} ، أدخل «من» للتبعيض؛ لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر من في قوله تعالى:{إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} ؛ لأنهما لا يخلوان من الفتنة، واشتغال القلب بهما.
روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم َ يخطب، فجاء الحسن والحُسَين رضي الله عنهما وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله عز وجل:
{إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} نظرتُ إلى هذينِ الصَّبيَّين يمشيان ويعثُرانِ فلمْ أصْبِرْ حتَّى قطعتُ حديثي ورَفعتُهُمَا ثُمَّ أخَذَا في خُطْبَتِهِ» .
{والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} . يعني: الجنة، فلا أعظم أجراً منها.
قوله: {فاتقوا الله مَا استطعتم} .
قال قتادة، والربيع بن أنس، والسُّدي، وابن زيد: هذه الآية ناسخة لقوله {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] .
ذكر الطبري عن ابن زيد في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] قال: جاء أمر شديد، قال: ومن يعرف هذا ويبلغه، فلما عرف الله أنه اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم، وجاء بهذه الآية الأخرى فقال:{فاتقوا الله مَا استطعتم} .
وقال ابن عباس: هي محكمة لا نسخ فيها، ولكن حق تقاته أن تجاهد لله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
فإن قيل: إذا كانت الآية غير منسوخة، فكيف الجمع بين الآيتين، وما وجه الأمر باتقائه حق تقاته مطلقاً من غير تخصيص، ولا مشروط بشرط، والأمر باتقائه بشرط الاستطاعة؟ .
فالجواب: أن قوله تعالى: {فاتقوا الله مَا استطعتم} معناه فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعله فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة وأنتم مستطيعون، وذلك أن الله - تعالى - قد كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها، لقوله تعالى:{إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97] إلى قوله: {فأولئك عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ} [النساء: 99] ، فأخبر أنه قد عفا عمن لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً بالإقامة في دار
الشرك، فكذلك معنى قوله:{مَا استطعتم} في الهجرة من دار الشِّرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم.
ويدل على صحة هذا قوله تعالى: {فاتقوا الله مَا استطعتم} عقيب قوله: {يا أيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم} ، ولا خلاف بين علماء التأويل أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كانوا تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك كما تقدم، وهذا اختيار الطبري.
وقال ابن جبير: قوله: {فاتقوا الله مَا استطعتم} فيما تطوع به من نافلة أو صدقة، فإنه لما نزل قوله تعالى:{اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] اشتدت على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرَّحت جباهُهُمْ، فأنزل الله تخفيفاً عنهم:{فاتقوا الله مَا استطعتم} فنسخت الأولى.
قال الماوردي: ويحتمل أن يثبت هذا النَّقْل، لأن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها، لأنه لا يستطيع اتقاءها.
قوله: {واسمعوا وَأَطِيعُواْ} .
أي: اسمعوا ما توعظون به، وأطيعوا ما تؤمرون به، وتنهون عنه.
وقال مقاتل: «اسْمَعُوا» أي: أصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله، وهو الأصل في السَّماع «وأطِيعُوا» الرسول فيما يأمركم أو ينهاكم.
وقيل: معنى «واسْمَعُوا» أي: اقبلوا ما تسمعون وعبر عنه بالسماع؛ لأنه فائدته.
قوله: {وَأَنْفِقُواْ} .
قال ابن عباس: هي الزكاة.
وقيل: هي النفقة في النفل.
وقال الضحاك: هي النفقة في الجهاد.
وقال الحسن: هي نفقة الرجل لنفسه.
وقال ابن العربي: وإنما أوقع قائل هذا، قوله:«لأنفُسِكُمْ» وخفي عليه قوله: إن نفقة الفرض والنَّفْل في الصَّدقة على نفسه، قال الله تعالى:{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}
[الإسراء: 7] . فكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه، والصحيح أنها عامة.
قوله: {خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} .
في نصبه أوجه:
أحدها: قال سيبويه: إنه مفعول بفعل مقدر، دلَّ عليه «وأنفقوا» ، تقديره: ايتوا في الإنفاق خيراً لأنفسكم وقدموا لأنفسكم كقوله: {انتهوا خَيْراً لَّكُمْ} [النساء: 171] .
الثاني: تقديره: يكن الإنفاق خيراً، فهو خبر كان المضمرة، وهو قول أبي عبيدة.
الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، وهو قول الكسائي والفراء، أي: إنفاقاً خيراً.
الرابع: أنه حال، وهو قول الكوفيين.
الخامس: أنه مفعول بقوله «أنفِقُوا» ، أي: أنفقوا مالاً خيراً.
قوله: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون} .
تقدم نظيره.
وكذا {إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} .
تقدم في سورة البقرة والحديد.
{وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله شَكُورٌ حَلِيمٌ} .
تقدم معنى الشكر في «البقرة» . والحليم: الذي لا يعجل.
قال بعضهم القَرْض الحسن: هو التصدق من الحلال.
وقيل: التصدق بطيب النفس، والقرض هو الذي يرجى بدله.
قوله: {عَالِمُ الغيب والشهادة} .
أي: ما غاب وحضر، «وهُوَ العَزيزُ» الغالب القاهر، فهو من صفات الأفعال، ومنه قوله عز وجل:{تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم} [الزمر: 1] أي: من الله القاهر المُحْكم خالق الأشياء.
وقال الخطابي: وقد يكون بمعنى نفاسة القدر، يقال منه:«عَزَّ يَعِزُّ» - بكسر العين - فيكون معنى العَزِيز على هذا أنه لا يعادله شيء وأنه لا مثل له «الحَكِيمُ» في تدبير خلقه.
وقال ابن الأنباري: «الحَكِيمُ» هو المُحْكِم الخلق للأشياء، صرف عن «مفعل» إلى «فعيل» ومنه قوله عز وجل:{الم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم} [لقمان: 1، 2] .
فصرف عن «مفعل» إلى «فعيل» والله أعلم.
روى الثعلبي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: «مَا مِنْ مولُودٍ يُولَدُ إلَاّ وهو على الفطرة فِي تَشَابِيكِ رَأسِهِ مَكتُوبٌ خَمْسُ آيَاتٍ من فَاتحةِ سُورةِ التَّغَابنِ» .
وعن زرّ بن حبيش قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: «مَن قَرَأ سُورَةَ التَّغَابُنِ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْتَ الفُجَاءَةِ» والله أعلم.