الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في مصنَّفات ومسانيد تَكْفُلُ لأهل العلم معرفة القوي من الضعيف، خشية تَسَرُّبِ الكذب إلى حديثه صلى الله عليه وسلم، ثم اجتهد كبار العلماء في جمع الحديث الصحيح على أسلم قواعد التثبُّت العلمي، فرحلوا في طلب ذلك، وسمعوا بأنفسهم، وتثبَّتُوا وسعهم، وكتبوا بأيديهم، فظهرت الكتب المجرَّدة من الضعيف، وأجمعت الأمَّة الإسلامية - التي فهمت الإسلام واتَّخذته سبيلها في مختلف وجوه حياتها - على صِحَّةِ " صحيح البخاري " و " صحيح مسلم "، فإذا اعترف المُسْتَشْرِقُونَ ببعض الحقائق العلميَّة، وأقرُّوا جانباً مِمَّا أثبتته المصادر الإسلامية، فلا يجوز لنا على أي حال أنْ نقبل ما ذهبوا إليه من طعن في صحاح السُنَّة، باسم طبيعة تطوُّر الرواية أو غير ذلك، كما لا يجوز لنا أيضاً أنْ نقبل منهم إضعاف ثقتنا باستظهار السُنَّة وحفظها ما دام قد ثبت تقييد بعض الحديث منذ عهده صلى الله عليه وسلم، فلا تعارض بين حفظ الحديث وكتابته، ولا يقتضي وجود أحدهما انعدام الآخر أو ضعفه.
جَهْلٌ مُرَكَّبٌ:
وهكذا كانت هذه الأحاديث التي حفظت في الصدور وكتبت في السطور، وهكذا تميَّزت هذه الأُمَّة عن غيرها من الأمم بمثل هذا السجل الخالد لِنَبِيِّهَا، فالأمم كلها فقيرة لا تملك مثل هذه المجموعة الناطقة المُسَجَّلَةِ عن الأنبياء والرسل، وهي (1) - من عمى وظلام تاريخي - قد انقطعت الصِلَةُ بينها وبين أنبيائها علمياً وعملياً وروحياً، وفقدت الحلقة التاريخية التي تصلها بعصر هؤلاء الرسل - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ -، وتوفقها على شؤون حياتهم، وما يكتنفها من ظروف وملابسات.
هذه أسفار اليهود التي تضمنت (2) سير هؤلاء الأنبياء قد خالج المُحَقِّقِينَ من العلماء ضروبٌ من الشك في كل سفر من أسفارها، على أننا إذا ضربنا صَفْحاً عن هذه الشكوك نرى سير هؤلاء الأنبياء ناقصة، مثال ذلك أحوال موسى المذكورة في أسفار " التوراة "، وقد توصل مؤلفو " دائرة المعارف البريطانية " أنفسهم إلى تحقيق أنَّ هذه الأسفار دُوِّنَتْ وجُمِعَتْ بعد موسى عليه السلام بقرون كثيرة، زِدْ على ذلك أنَّ
(1)" رجال الفكر والدعوة في الإسلام ": ص 81 بتصرف.
(2)
" الرسالة المحمدية ": ص 49 وما بعدها بتصرف.
" التوراة " الموجودة فيها لكل حادثة روايتان مختلفتان وحكايتان متباينتان كما حقَّق ذلك بعض علماء الألمان، وربما دفع بعض هذه الروايات بعضاً فتعارضت أُولاها بأُخراها.
ونحن نواجه الوصف المتعارض في سِيَرِ الرجال والحوادث جميعاً ومن أراد أنْ يزداد علماً بهذا الموضوع فليراجع مادة «بَايْبِلْ» في الطبعة الأخيرة من " دائرة المعارف البريطانية "، وإذا كان الأمر كذلك فبأي منزلة من التاريخ ننزل حوادث العالم من آدم إلى موسى عليهما السلام؟! وكيف نقدر قدر التاريخ الثابت في هذه الأمور؟!
وحسبنا أنْ نذكر أنَّ الأسفار الخمسة من " التوراة " لا تعطي تفاصيل حياة موسى عليه السلام بصورة تماثل ما نعرف عن حياة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن التحريف الذي لا يُحْصَى ولا يُعَدُّ، ولنذكر ما جاء في " سفر التثنية " (34: 5 - 10): «إنَّ عبد الله موسى مات بإذن الله في أرض موآب، ودفنه الله في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره الى هذا اليوم، وكان موسى ابن عشرين ومائة سَنَة حين جاءهُ الموت
…
ولم يقم بعد نبيٌّ في إسرائيل مثل موسى».
هذه الفقرات ذكرها " سفر التثنية "، وهو السفر الخامس من " التوراة " المُوحَى الى موسى عليه السلام، ولا يخفى أنَّ هذه الكلمات لم ينطق بها موسى عليه السلام، وهذا يدل على أنَّ هذا السفر كله أو هذه الفقرات لا صلة لها بالوحي بحال، فضلاً عن أنَّ الدنيا تجهل كاتب هذه السيرة لموسى عليه السلام! وواضح أنَّ قوله:«ولم يعرف إنسان قبره» . وقوله: «ولم يقم بعد نبيٌّ في إسرائيل مثل موسى» لم ينزل به الوحي!.
وأحوال عيسى عليه السلام وسيرته مكتوبة في الأناجيل، والأناجيل - كما تعلمون - كثيرة، غير أنَّ أكثرية المسيحيين اقتصرت على أربعة أناجيل. أما " إنجيل الطفولة ". و " إنجيل برنابا " وغيرها فلا يعتبرونهما، ومع ذلك فإنَّ الأناجيل الأربعة التي اقتصروا عليها لم يَلْقَ أَحَدٌ من الذين جمعوها سيدنا عيسى عليه السلام، وإذا تساءلنا: عَمَّنْ رَوَوْا هذه الأناجيل؟ نجد التاريخ يجهل ذلك كُلَّ الجهل، ويزداد المرء شكّاً إذا توصَّل إلى حقيقة أخرى، وهي أنَّ الرجال الأربعة المنسوبة إليهم هذه الأناجيل الأربعة لا يمكن القطع يقيناً بأنهم هم الذين جمعوها في الواقع، فإذا
كان الأشخاص المنسوبة إليهم هذه الأناجيل لا يَطْمَئِنُّ التاريخ إلى صدروها عنهم فكيف يَطْمَئِنُّ الى صِحَّتِهَا؟!
وزاد الطين بَلَّةً أننا لا نعلم يقيناً اللغة التي كتبت بها هذه الأناجيل في الأصل، وفي أَيِّ زمان كُتِبَتْ، فقد اختلف مفسرو الآناجيل اختلافاً شديداً في تعيين زمان جمعها وتدوينها، فَمِنْ قائل إنها كتبت سنة 60 للميلاد، ومن قائل إنها جمعت بعد ذلك التاريخ بكثير!
وقد كتب المُسْتَشْرِقُونَ التاريخ القديم لبابل وأشور والعرب والشام ومصر وأفريقيا والهند وتركستان، وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة المجهولة الزمن ويعرضونها على الناس واضحة نقيَّة مُنَسَّقَةً مرتبطاً بعضها ببعض، وطَفِقُوا يعثرون على الصفحات المفقودة من كتب التاريخ القديم للبشر، إلَاّ أنهم قد أعياهم البحث والفحص فلم يجدوا الصفحات المفقودة عن حياة نَبِيِّهِمْ، وقد استغرق «ريتان» جُهْدَهُ، ولقي من العناء والنصب مبلغاً عظيماً ليقف على حياة عيسى عليه السلام كاملة تامة، ومع ذلك فإنَّ شؤونه عليه السلام وأحواله لا تزال سراً مكنوناً في ضمير الزمن لم يبح به لسانه بعد، فضلاً عن التحريف الذي وقعوا فيه تجاه رسالته وما يعتقدونه تجاه الصلب وغيره!
وأما شأن أصحاب المِلَلِ والنِحَلِ فالأمر أعجب، حتى صار كثير من المُسْتَشْرِقِينَ (1) والمؤرِّخين يَشُكُّونَ في وجودهم، ويميلون إلى أنها شخصيات خُرافية ليس لها وجود تاريخي، ونحن - على معارضتنا لهذا التطرُّف - نوافق على أنها شخصيات مطمورة في ركام الماضي، وعلى أنَّ هنالك حلقات مفقودة لا يمكن البحث عنها والاهتداء إليها!
وهذا جهل مركب وقع فيه المُسْتَشْرِقُونَ، سواء اليهود تجاه أسفارهم، والنصارى تجاه أناجيلهم، وغير هؤلاء وأولئك تجاء مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ!
(1)" رجال الفكر والدعوه في الإسلام ": ص 72 - 81 بتصرف.
صفحة فارغة