المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌76 - قول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620): - المعنى في صفات الله تعالى معلوم والكيف مجهول

[محمد بن عبد الله المقشي]

فهرس الكتاب

- ‌1 - قول الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن المشهور بربيعة الرأي (المتوفى: 136):

- ‌2 - قول الإمام حماد بن أبي حنيفة (المتوفى: 176):

- ‌3 - قول الإمام مالك بن أنس (المتوفى: 179):

- ‌4 - قول الحافظ حماد بن زيد بن درهم (المتوفى: 179):

- ‌5 - قول عبد الله بن المبارك (المتوفى: 181):

- ‌6 - قول الإمام الفضيل بن عياض (المتوفى: 187):

- ‌7 - قول الإمام وكيع بن الجراح بن مليح (المتوفى: 197):

- ‌8 - قول الحافظ يزيد بن هارون (المتوفى: 206):

- ‌9 - قول الحافظ بشر بن عمر الزهراني (المتوفى: 207):

- ‌10 - قول الإمام أبي عبيدة معمر بن المثنى (المتوفى: 209):

- ‌11 - قول الإمام عبد الله بن مسلمة القعنبي (المتوفى: 221):

- ‌12 - قول الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام (المتوفى: 224):

- ‌13 - قول الإمام محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي (المتوفى: 231):

- ‌14 - قول الإمام يحيى بن معين (المتوفى: 233):

- ‌15 - قول الإمام إسحاق بن راهويه (المتوفى: 238):

- ‌16 - قول الإمام قتيبة بن سعيد (المتوفى: 240):

- ‌17 - قول الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى: 241):

- ‌18 - قول الإمام الحارث بن أسد المحاسبي (المتوفى: 243):

- ‌19 - قول الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى: 256):

- ‌20 - قول يحيى بن إبراهيم بن مزين (المتوفى: 259):

- ‌21 - قول الإمام أبي محمد ابن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276):

- ‌22 - قول الإمام محمد بن عيسى الترمذي (المتوفى: 279):

- ‌23 - قول الإمام حرب الكرماني (المتوفى: 280):

- ‌24 - قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (المتوفى: 280)

- ‌25 - قول الإمام الحسين بن الفضل البجلي (المتوفى: 282):

- ‌26 - قول الحافظ أبي بكر بن أبي عاصم (المتوفى: 287):

- ‌27 - قول الإمام أبي العباس أحمد بن يحيى، المعروف بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة

- ‌28 - قول الإمام أبي جعفر الترمذي محمد بن أحمد بن نصر (المتوفى: 295):

- ‌29 - قول الحافظ زكريا بن يحيى الساجي (المتوفى: 307)

- ‌30 - قول شيخ المفسرين أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفى:310):

- ‌31 - قول إمام الأئمة محمد ابن خزيمة (المتوفى: 311):

- ‌32 - قول الإمام أبي عبد الله الزبيري الشافعي (المتوفى: 317):

- ‌33 - قول الإمام أبي الحسن الأشعري (المتوفى: 324):

- ‌34 - قول الإمام أبي بكر ابن الأنباري (المتوفى: 328):

- ‌35 - قول الإمام البربهاري الحسن بن علي بن خلف شيخ الحنابلة ببغداد (المتوفى: 329):

- ‌36 - قول الحافظ أبي حاتم محمد بن حبان البستي (المتوفى: 354):

- ‌37 - قول الحافظ أبي أحمد القصاب (المتوفى: 360):

- ‌38 - قول الإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري (المتوفى: 360):

- ‌39 - قول الإمام أبي إسحاق بن شاقلا (المتوفى: 369):

- ‌40 - قول الإمام أبي منصور الأزهري (المتوفى: 370):

- ‌41 - قول الحافظ أبي بكر الإسماعيلي (المتوفى: 371):

- ‌42 - قول الإمام محمد بن خفيف الشيرازي (المتوفى: 371):

- ‌43 - قول الإمام أبي الحسين الملَطي: محمد بن أحمد بن عبد الرحمن (المتوفى: 377):

- ‌44 - قول الإمام محمد بن إبراهيم الكلاباذي (المتوفى: 380):

- ‌45 - قول الإمام ابن أبي زيد القيرواني (المتوفى: 386):

- ‌46 - قول الإمام عبيد الله بن محمد العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة (المتوفى: 387):

- ‌47 - قول الإمام أبي سليمان الخطابي (المتوفى: 388):

- ‌48 - قول الإمام أبي عبد الله ابن منده (المتوفى: 395):

- ‌49 - قول الإمام أبي عبد الله محمد ابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399):

- ‌50 - قول الإمام أبي بكر محمد بن موهب التجيبي المالكي (المتوفى: 406):

- ‌51 - قول الإمام العارف شيخ الصوفية معمر بن زياد الأصبهاني (المتوفى: 418):

- ‌52 - قول الخليفة القادر بالله أحمد بن إسحاق بن المقتدر (المتوفى: 422):

- ‌53 - قول الحافظ أبي عمر الطلمنكي المالكي (المتوفى: 429):

- ‌54 - قول الحافظ أبي نعيم الأصبهاني (المتوفى: 430):

- ‌55 - قول الإمام علي بن عمر الحربي (المتوفى: 442):

- ‌56 - قول الحافظ أبي نصر السجزي (المتوفى: 444):

- ‌57 - قول الإمام أبي عمرو الداني عثمان بن سعيد (المتوفى: 444):

- ‌58 - قول شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني (المتوفى: 449):

- ‌59 - قول الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (المتوفى: 458):

- ‌60 - قول القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء (المتوفى: 458):

- ‌61 - قول الحافظ ابن عبد البر (المتوفى: 463):

- ‌62 - قول الحافظ الخطيب البغدادي (المتوفى: 364):

- ‌63 - قول الإمام أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني إمام الشافعية في وقته (المتوفى: 471):

- ‌64 - قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري الهروي (المتوفى: 481):

- ‌65 - قول فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي الحنفي (المتوفى: 482):

- ‌66 - قول شمس الأئمة السرخسي الحنفي (المتوفى: 483):

- ‌67 - قول الإمام أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي (المتوفى: 486):

- ‌68 - قول محيي السنة البغوي (المتوفى: 516، أو 510):

- ‌69 - قول أبي الحسين محمد ابن أبي يعلى (المتوفى: 526):

- ‌70 - قول الإمام أبي الحسن علي ابن الزاغوني (المتوفى: 527):

- ‌71 - قول شيخ الحرمين أبي الحسن الكرجي الشافعي (المتوفى: 532)

- ‌72 - قول قوام السنة أبي القاسم التيمي الأصبهاني (المتوفى: 535):

- ‌73 - قول الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: 558):

- ‌74 - قول شيخ الإسلام عبد القادر الجيلاني (المتوفى: 561):

- ‌75 - قول الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (المتوفى: 600):

- ‌76 - قول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620):

- ‌77 - قول الحافظ أبي العباس القرطبي (المتوفى: 656):

- ‌78 - قول الإمام أبي طاهر القرشي (المتوفى: 669):

- ‌79 - قول المفسر أبي عبد الله القرطبي (المتوفى: 671):

- ‌80 - قول الإمام أحمد بن حمدان بن شبيب الحنبلي (المتوفى: 695):

- ‌81 - قول الإمام علي بن محمد المشهور بابن المنيّر (المتوفى: 699):

- ‌82 - قول العلامة أحمد بن إبراهيم، عماد الدين الواسطي الشافعي الصوفي، المعروف بابن شيخ الحزامية (المتوفى: 711 هـ):

- ‌83 - قول الإمام سليمان بن عبد القوي، نجم الدين الطوفي (المتوفى: 716):

- ‌84 - قول شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: 728):

- ‌85 - قول الحافظ محمد بن عبد الهادي (المتوفى: 744):

- ‌86 - قول الحافظ أبي عبد الله الذهبي مؤرخ الإسلام (المتوفى: 748):

- ‌87 - قول الحافظ ابن القيم (المتوفى: 751):

- ‌88 - قول الحافظ إسماعيل ابن كثير (المتوفى: 774):

- ‌89 - قول العلامة ابن أبي العز الحنفي (المتوفى: 792):

- ‌90 - قول الحافظ ابن رجب (المتوفى: 795):

- ‌91 - قول العلامة تقي الدين المقريزي الشافعي (المتوفى: 845):

- ‌92 - قول العلامة مرعي الكرمي المقدسي (المتوفى: 1033):

- ‌93 - قول العلامة عبد الباقي المواهبي (المتوفى: 1071):

- ‌94 - قول العلامة عثمان بن أحمد النجدي (المتوفى: 1097):

- ‌95 - قول العلامة صالح بن مهدي المقبلي (المتوفى: 1108):

- ‌96 - قول العلامة محمد السفاريني (المتوفى: 1188):

- ‌97 - قول الإمام محمد بن علي الشوكاني (المتوفى: 1250):

- ‌98 - قول العلامة محمود الألوسي مفتي الحنفية ببغداد (المتوفى: 1270):

- ‌99 - قول العلامة محمد صديق خان القنَّوجي (المتوفى: 1307):

- ‌100 - قول العلامة أحمد بن إبراهيم بن عيسى (المتوفى: 1327):

- ‌101 - قول العلامة جمال الدين القاسمي (المتوفى: 1332):

- ‌102 - قول العلامة محمد أنور شاه الكشميري الهندي (المتوفى: 1353):

- ‌103 - قول العلامة محمد رشيد رضا (المتوفى: 1354):

- ‌104 - قول العلامة عبد الحميد بن باديس (المتوفى: 1359):

- ‌105 - قول العلامة عبد الله بن محمد الخزرجي (المتوفى: 1362):

- ‌106 - قول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى: 1376):

- ‌107 - قول العلامة المحدث أحمد محمد شاكر (المتوفى: 1377):

- ‌108 - قول العلامة محمد حامد الفقي (المتوفى: 1378):

- ‌109 - قول العلامة عبد الرحمن المعلمي (المتوفى: 1386):

- ‌110 - قول العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ (المتوفى: 1389):

- ‌111 - قول العلامة محمد الأمين الشنقيطي (المتوفى: 1393):

- ‌112 - قول العلامة محمد خليل هراس (المتوفى: 1395):

- ‌113 - قول العلامة محمد بهجة البيطار (المتوفى: 1396):

- ‌114 - قول العلامة عبد العزيز بن باز (المتوفى: 1420):

- ‌115 - قول العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420):

- ‌116 - قول العلامة محمد بن صالح بن عثيمين (المتوفى: 1421):

- ‌117 - قول العلامة بداه بن البصير الشنقيطي المفتي العام بموريتانيا (المتوفى: 1430):

الفصل: ‌76 - قول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620):

‌76 - قول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620):

قال ابن قدامة في لمعة الاعتقاد (ص: 45): "وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله".

وقال أيضًا في لمعة الاعتقاد (ص: 64) بعد أن ذكر صفات الله الواردة في القرآن وهي الوجه واليدين والنفس والمجيء والإتيان والرضى والمحبة والغضب والسخط، والصفات الواردة في السنة وهي النزول والضحك والعجب: "فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره

(1)

، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين".

وقال أيضًا في ذم التأويل (ص: 11): "ومذهب السلف رحمة الله عليهم الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله، من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمرّوها كما جاءت، وردّوا علمها إلى قائلها ومعناها

(2)

إلى المتكلِّم بها.

وقال بعضهم: ويروى ذلك عن الشافعي رحمة الله عليه: آمنت بما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعلموا أنّ المتكلم بها صادق لا شك في صدقه فصدقوه، ولم يعلموا حقيقة معناها

(3)

فسكتوا عما لم يعلموه، وأخذ ذلك الآخر والأول".

وقال في إثبات صفة العلو (ص: 63): "فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك محمد خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته".

وقال أيضًا في إثبات صفة العلو (ص: 65): "وأخبر عن فرعون أنه قال: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً} يعني أظن موسى كاذبا في أن الله إلهه في السماء. والمخالف في هذه المسالة قد أنكر هذا، يزعم أن موسى كاذب في هذا بطريق القطع واليقين، مع مخالفته لرب العالمين، وتخطئته لنبيه الصادق الأمين، وتركه منهج الصحابة والتابعين والأئمة السابقين وسائر الخلق أجمعين".

(1)

كلام ابن قدامة واضح في أنّ هناك معنى ظاهر من آيات وأحاديث صفات الله تعالى، فلا يُقبل التأويل المخالف لذلك المعنى الظاهر.

(2)

أي: حقيقة معناها، كما في نهاية قول ابن قدامة هذا حيث قال:"ولم يعلموا حقيقة معناها". وقال أيضًا قبل سطر: "ولا تفسير ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها"، فدل على أنّ هناك معنى ظاهر من آيات وأحاديث صفات الله تعالى.

ومما يؤكِّد أنّ المنفي حقيقة المعنى لا أصل المعنى أن كلام ابن قدامة عام في جميع أسماء الله وصفاته، ومعلوم أن الحياة والقدرة والسمع والبصر والعلم ونحوهالم يقل أحدٌ من مثبتي الصفات بتفويض المعنى فيها. فدل ذلك على أنّ المنفي هو حقيقة المعنى وهو الكُنه والكيفية.

وحقائق - أي: كُنه وكيفيات - صفات الله تعالى هي من التأويل الذي استأثر الله بعلمه. وهذا هو تفويض السلف.

قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (13/ 312): "وأما التأويل الذي اختص الله به فحقيقة ذاته وصفاته كما قال مالك: والكيف مجهول. فإذا قالوا: ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره؟ قيل: هذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله".

وقال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/ 509) عن آيات وأحاديث الصفات: "قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات لله تعالى، استأثر الله بعلم حقائقها، وأنهما لا تشبه صفات المخلوقين كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين".

والحافظ الذهبي – كما سيأتي، وكما تقدم عند قولي أبي جعفر الترمذي، وأبي أحمد القصاب- من القائلين بثبوت الصفات، وأنها لا تُحمل على المجاز، وأنها معلومة في الجملة، وأن الاستواء والوجه والنزول وغير ذلك من صفات الله تعالى عبارات جلية بيّنة واضحة للسامع، وأنّ السؤال عن معاني تلك الصفات عيٌّ؛ لأنّ السؤال إنما يكون عن كلمة غريبة في اللغة.

وقال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (ص: 80) بعد أن ذكر الصفات الفعلية الاختيارية ومنها الاستواء والإتيان والمجيء والنزول والغضب والرضا: "ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه معلوم لنا".

(3)

تقدم في الهامش السابق أنّ حقائق – أي: كُنه وكيفيات- صفات الله هي مما استأثر الله بعلمه، وقد عبّر ابن قدامة بهذه العبارة في الإسراء والمعراج وأشراط الساعة وغير ذلك من أمور الغيب، مع كون جميع ذلك معلومًا، قال في لمعة الاعتقاد (ص: 134): "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه، أو جهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج

ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل".

تنبيه: ذكر بعضهم أنّ موفق الدين ابن قدامة من المفوِّضة وليس من أهل الإثبات في صفات الله تعالى، وهذا غير صواب؛ وقد ذكرنا في الأصل من أقواله ما يدل على أنه من أهل الإثبات، وله مؤلّف في إثبات العلو، ومؤلَّف في إثبات الحرف، ومعلوم أنّ المفوضة لا يقولون بذلك.

ومن أقوى ما استدل به بعضهم على كون ابن قدامة من أهل التفويض هو قوله في لمعة الاعتقاد (ص: 37 - 38): "وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل.

وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا، وترك التعرض لمعناه، ونردّ علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله اتباعا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} ".

والجواب أنّ هذا النقل ظاهر في أنّ تفويض المعنى إنما يكون فيما أشكل من نصوص الصفات، فنصوص الصفات عند ابن قدامة قسمان:

الأول: ما يجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول.

الثاني: ما أشكل من نصوص الصفات، فيجب إثبات لفظه، وعدم التعرض لمعناه.

والقسم الأول يجب قبوله، ولا يتعرض لتأويله، بل يقبله بمعناه الظاهر، ولذلك نفى عنه التشبيه والتمثيل، ولا يُنفى التشبيه إلا بعد إثبات المعنى، فنفي التشبيه والتمثيل عما ليس بثابت لغو من القول.

وهذا القسم هو الغالب على نصوص الصفات، ولذلك قال:"وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول"، وقد سبق أن ابن قدامة ذكر صفة النزول والضحك والعجب، ثم قال:"ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره"، فأثبت له المعنى الظاهر، وبيّن أنه لا يُقبل التأويل المخالف لذلك الظاهر.

والقسم الثاني خاص بما أشكل من نصوص الصفات، ولذلك قال:"وما أشكل من ذلك"، فقد يكون العالم من أهل الإثبات لصفات الله في الأعم الغالب، ولكن قد يُشكل عليه بعض نصوص الصفات فيردّ علمها إلى قائلها.

وهذا لا إشكال فيه، فكم من إمام من الأئمة أشكل عليه نصٌ من نصوص الصفات فيثبته لفظا ولا يتعرض لمعناه، أو يؤول معناه، كما صنع إمام الأئمة ابن خزيمة في حديث الصورة حيث لجأ إلى تأويله، وقد كان ابن خزيمة رأسًا في السنة وفي إثبات صفات الله تعالى، وشجى في حلوق المعطلة كما هو ظاهر في كتابه التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل.

فابن قدامة يرى أنه لا يُلجأ إلى التأويل حتى فيما أشكل معناه، بل يُثبت لفظه ويتوقف في معناه.

وتفويض ما أشكل لا إشكال فيه كما قلنا، ولكن الشأن في أن يٌجعل ذلك منهجًا عامًا فيما سوى الصفات السبع أو الثمان بزعم أن ذلك يوهم التجسيم والتشبيه.

وثمت شيء آخر وهو أن موفق الدين ابن قدامة لا ينفي المعنى الظاهر حتى فيما أشكل من نصوص الصفات، بل يترك التعرض لمعناه ويرد علمه إلى قائله، بخلاف المفوضة، إذ إنهم ينفون المعنى الظاهر، ويقولون بأن ظواهر هذه النصوص غير مرادة، ثم يتوقَّفون عن تعيين المعنى المراد، فهم في الحقيقة قائلون بالتأويل في الجملة، وابن قدامة غير قائل بذلك، فنسبته إلى المفوضة غير دقيقة حتى فيما أشكل عليه من نصوص الصفات، مع أنّه في الأغلب مشى على مذهب أهل الإثبات، وله كما قلنا مؤلّف في إثبات العلو، ومؤلَّف في إثبات الحرف والصوت.

ص: 76