الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة:
إن من الأمور المهمة في هذا العصر السعي إلى ربط الناشئة منذ البداية بالسيرة النبوية العطرة؛ ليتم تلقي المعرفة من خلالها موضوعاً وأسلوباً، وذلك لما يجده الدارس لهذه السيرة من علم ومعرفة تنسجم مع حاجاته ومتطلباته في الدنيا والآخرة، بل إنه ليجد التطبيق الحي لهذا العلم.
وإن مما يعانيه المجتمع اليوم الانفصام البين بين العلم والتطبيق، فكثير من الناس لا ينقصهم المعرفة، ولكن ينقصهم جانب كبير من تطبيق لتلك المعرفة، وتحويلها إلى سلوك عملي مؤثر، ولذلك فإن من المهم اليوم أن يتجه الأساتذة والمربون، وهم قادة المجتمع ومربُّو أجياله، وقدوة ناشئته، إلى السيرة النبوية للارتباط بها، والسعي على تلقي تلك الدروس النبوية، ومعايشتها موضوعا وأسلوبا ومنهجا، والتي كان النبي يعلمها أصحابه، ثم يتلقاها أصحابه رضي الله عنهم، سلوكاً عملياً في حياتهم.
وهذا هو المطلوب بالدرجة الأولى من المعلّم، أن يكون متمكنا من دفع الطالب للعمل بما علم، وأن تترجم تلك المعرفة التي يتلقاها الطلاب إلى سلوك في حياتهم في المنزل وفي المدرسة وفي الطريق ومع الجميع.
ثم يستشعر أن التعليم من الأمور المطلوبة من الجميع، فهو حق متاح، بل واجب على الرجل والمرأة، فكل منهما كان يسعى ويتعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كانت تلك سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العملية، فقد خصص الرسول صلى الله عليه وسلم يوما للنساء يتعلمن منه العلم الشرعي، لكونهن يطلبن ما يطلبه الرجال من الخير، ولما لهن من النصيب الأوفر في الرسالة التربوية المهمة، سواء في تربية أولادهن في المنازل أو التعليم في المدارس، فالأم هي المربية الأولى لجيل المستقبل، ومن
حقها أن تنال من التعليم ما يعينها على تحقيق هذه الرسالة العظيمة المسندة إليها، وأن تكون مشاركة فعالة في تعليم بنات جنسها مختلف أنواع المعرفة المطلوبة في هذه الحياة.
كما كان من ضمن اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم تعليم الصغار، وهذا إشارة عملية منه صلى الله عليه وسلم لما لهذا التعليم من مكانة في سلم التربية والتعليم، سواء في المنزل أو في المدرسة.
فالأب لا يمكن أن تنحصر رسالته في تأمين مأكل أو مشرب أو كساء، ثم يغفل عن توجيه عقل هذا الناشئ، لقد كانت توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والعملية تتضافر نحو تأكيد الاهتمام بهذا الواجب، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشارك بنفسه في رعاية الصغار وتوجيههم نحو الصواب عندما يبدر من أحدهم خطأ كما مر معنا. وهو بهذا يعطينا الأسوة والقدوة للاهتمام والمتابعة والتعليم والتوجيه لهؤلاء الصغار، آباء كانوا أومعلمين، فالجميع يشتركون في حمل هذه الرسالة التعليمية المهمة.
ثم يأتي بعد ذلك الارتباط بالسيرة لمعرفة الموضوعات التي كان يوليها الرسول صلى الله عليه وسلم العناية ويديم التركيز عليها، ليقوم معلم اليوم بالتركيز عليها، تأسيا واقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ويوجه طلابه نحوها.
كما يهتم بالأساليب والوسائل التي كان يستخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم متناسبة مع عصره، ليأتي معلم اليوم ويدرك أهمية الوسيلة التعليمية في التعليم، ومن ثم يستخدم الوسائل والأساليب المتاحة له اليوم لما لها من دور فعال في إيصال المعلومة إلى الطلاب.
كل هذا تأكد لنا من خلال نتائج هذه الدراسة المختصرة لجزئية من سيرة
الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالتعليم، إذ برز اهتمامه صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه وتوجيههم، مما يشير إلى ما للتعليم عنده من عناية فائقة، واتبع في ذلك أرقى الأساليب التعليمية وأنجع الوسائل التي توصل إلى بعضها أخيراً النظريات التربوية الحديثة.
وكان من نتائج هذه الدراسة بروز القيمة العلمية المهمة للجوانب التعليمية التي وردت في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم والتي لابد من تنبيه المعلمين على قيمتها العظيمة للاستنارة بها في سيرتهم التعليمية.
ولهذا يمكن توظيف نتائج هذه الدراسة فيما يحقق خدمة المعلمين في العصر الحاضر من خلال توجيه المعلمين للاستعانة بطريقة وأسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في تعليمه الأصحاب، والمزج بينهما وبين النظريات التربوية الحديثة، وإبراز السيرة النبوية الشريفة في مختلف المواقف وتعميق ذلك في نفوس الطلاب، وكذلك دراسة تلك المواقف واستخلاص الفوائد المهمة المتصلة بالمعلم والربط بينها وبين مقدرته في إيصال المادة العلمية لتحقيق نجاح العملية التربوية. هذا خلاف ضرورة لفت انتباه الدارسين والممارسين من رجال التربية والتعليم إلى ما تحفل به السيرة النبوية الشريفة من لفتات تربوية عظيمة ينبغي أن تكون حاضرة في ذاكرة المعلم.
وأخيراً لابد من توجيه نداء إلى القائمين على أمر التربية والتعليم بالاهتمام بإبراز الجوانب المختلفة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فما تفرَّق في البشر من صفات الكمال تجمع في شخصه صلى الله عليه وسلم، وأخص من تلك الجوانب تلطفه صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه وحرصه على ذلك أشد الحرص. فالتركيز على كل هذه الجوانب المشرقة من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ولا سيما ما يتعلق منها
بالوسائل والأساليب التربوية، وإبرازها من قبل المسؤولين عن المناهج في المؤسسات التربوية؛ لتكون نبراساً يستنير به المعلمون في أداء رسالتهم التعليمية، سيكون له - بإذن الله - أثر إيجابي في العملية التعليمية، وسيكون أدعى للقبول لدى المتلقي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.