المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم ‌ ‌مقدمة: النبي محمد بن عبد الله -صلوات الله - أوائل المؤلفين في السيرة النبوية

[عبد الشافى محمد عبد اللطيف]

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم ‌ ‌مقدمة: النبي محمد بن عبد الله -صلوات الله

بسم الله الرحمن الرحيم

‌مقدمة:

النبي محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- هو صفوة الله من خلقه، بل هو صفوة الصفوة، فالأنبياء -عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام- هم المصطفون الأخيار، وهو إمامهم وخاتمهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم:"أنا سيد ولد آدم"1. فهو حامل الرسالة العالمية الخاتمة لجميع الرسالات، وهو اللبنة الأخيرة في صرح عقيدة التوحيد. فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟! قال: فأنا اللبنة" 2 وفي رواية أخرى: "وأنا خاتم النبيين".

ولقد وصف الله تعالى عددًا من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ببعض الصفات، فقد وصف أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام فقال:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} 3. وقال عن

1 مسند الإمام أحمد بن حنبل جـ1 ص5.

2 ابن حجر العسقلاني. فتح الباري شرح صحيح البخاري. جـ6 ص158.

3 مريم: 41.

ص: 3

إسماعيل: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} 1.

وفي سورة الأنبياء يصف إسحاق ويعقوب بالصلاح والخيرية فيقول سبحانه وتعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} 2. ويصف لوطًا وداود وسليمان بالعلم والحكمة؛ فيقول: {وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} 3 ويقول سبحانه وتعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} 4.

ويصف إسماعيل وإدريس وذا الكفل بالصبر فيقول: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} 5.

وهكذا نرى الله تعالى يصف بعض أنبيائه ببعض الصفات النبيلة، لكنه في ختام السورة عندما يصف محمدًا عليه الصلاة والسلام فإنه لا يصفه بصفة جزئية وإنما يجعله كله هداية إلهية

1 مريم: 54.

2 الأنبياء: 72-73.

3 الأنبياء: 74.

4 الأنبياء: 79.

5 الأنبياء: 85.

ص: 4

إلى العالم، ورحمة لهذه الإنسانية1. فيقول تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} 2.

وفي موضع آخر يصفه بالصفة الجامعة لكل خصال الخير وجميع الفضائل الإنسانية، فيقول:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} 3.

والخلق العظيم هو جوهر رسالته صلى الله عليه وسلم، فهو القائل:"بعثت لأتمم حسن الأخلاق"4 ولقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم أخلاقيًّا من طفولته إلى أن لقي ربه، فقد كان قومه ينادونه بصفة نادرة في ذلك الزمان وقبل أن يبعث؛ فقد نادوه وعرف بينهم بـ"الصادق الأمين". وعظمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ليست في أنه يمتاز بمجموعة من الأخلاق الإنسانية العالية فحسب، فهو الأمين إذا ذُكرت الأمانة، وهو الصادق إذا ذكر الصدق، وهو الوفي الكريم، الزاهد، الشجاع، المتواضع، الرحيم، البار، الحكيم، الفصيح، البليغ، العابد، كان الرسول هذا كله وكان فوق هذا، فكانت أخلاقه فوق الصعاب وفوق كل الظروف والتقلبات التي تأتي بها الأيام، لقد كان قادرًا على أن

1 انظر في ذلك: البحث القيم الذي كتبه الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس بعنوان شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في كتاب: الجزيرة العربية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين" جـ1 ص63 إلى ص93. وهو مرجعنا الأساسي في تلك المقدمة.

2 الأنبياء: 107.

3 القلم: 4.

4 مسند الإمام أحمد بن حنبل حـ2 ص 281.

ص: 5

يلتزم الموقف الأخلاقي المناسب، مهما تكن اللحظة التاريخية حرجة وحاسمة، إنه نبي يشرع بسلوكه، وينطلق من منهج واضح، وليس من رد فعل؛ تمليه أو تفرضه أية ضغوط أو ظروف1.

"لقد تحدث بعض الكتاب معددًا الخوارق التي صاحبت الدعوة المحمدية فقال: "إن من أعظم الخوارق التي لمحمد صلى الله عليه وسلم أخلاقه، فكانت في ذاتها أمرًا خارقًا للعادة بين بني الإنسان، فهي أعلى من أخلاق الملائكة؛ لأن الملائكة حسنت أخلاقهم بمقتضى كونهم، {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}

فمحمد بين الناس الإنسانُ الذي تتجلى فيه الإنسانية الكاملة2.

وقد كانت صفحة حياته عليه الصلاة والسلام كما نقلت إلينا بكل دقة وتوثيق -أخلاقية إنسانية بلغت من السمو غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ، وكانت لذلك أسوة حسنة لمن هداه الله أن يحاول بلوغ الكمال الإنساني من طريق العمل الصالح، وأي سمو في الحياة كهذا السمو الذي جعل حياة محمد صلى الله عليه وسلم قبل الرسول مضرب المثل في الصدق، والكرامة، والأمانة، كما كانت بعد الرسالة كلها التضحية في سبيل الله وفي سبيل الحق الذي بعثه الله به، تضحية استهدفت حياته من جرائها للموت مرات، فلم يصده عنه أن أغراه

1 د. عبد الحليم عويس المرجع السابق ص73.

2 الشيخ محمد أبو زهرة -خاتم النبيين ج1 ص242.

ص: 6

قومه -وهو في الذروة منهم حسبًا ونسبًا- بالمال والملك وكل المغريات"1.

والغريب أن هذه الإنسانية الأخلاقية قد طبقت على هذا النحو الخارق للعادة في أروع صور البساطة واليسر، فبدت -مع سموها- وكأن البساطة وعدم التقعر أو التكلف نسيجها الذي يجمع بين خيوطها المترابطة2. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمًا من لعنة تذكر، ولا انتقم لنفسه شيئًا يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يضرب في سبيل الله، ولا سئل شيئًا قط فمنعه إلا أن يسأل مأثمًا، فإنه كان أبعد الناس عنه.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه"3.

"إن هذا النبي كان له -كما يقول كاتب نصراني- في مجال الأخلاق شئون وشئون، فبالرغم من مهامه الجسام وانشغالاته الكثيرة المتنوعة، وبالرغم من الغزوات والسرايا والحروب،

1 محمد حسين هيكل -حياة محمد ص583.

2 انظر د. عبد الحليم عويس -المرجع السابق ص74.

3 صحيح البخاري ج2 ص273. طبعة دار إحياء التراث العربي.

ص: 7

واضطلاعه بجميع المسئوليات وحده دون سواه، فلقد وجد الوقت الكافي ليلقي على المؤمنين -بأقواله وأفعاله- دروسًا في شئون لا تمر ببال مسئول كبير في مثل مستواه وخطورته

فذلك العظيم الذي كان يحاول تغيير التاريخ، ويعد شعبًا يفتح الدنيا من أجل الله، ذلك الرجل وجد الوقت الكافي ليلقي على الناس دروسًا في آداب المجتمع وفي أصول المجالسة وكيفية إلقاء السلام، لكأنه معلم حصر مهمته في تثقيف بضعة وعشرين تلميذًا، ولم يكن له مهمة سواها"1.

ولقد نجح محمد صلى الله عليه وسلم نجاحًا باهرًا في كل عمل اضطلع به، من أكبر عمل -وهو تبليغ الرسالة- إلى أصغر عمل قام به2.

فالتاريخ قد عرَّفنا برجال حملوا رسالات سماوية وأدوها بنجاح، ورجال بنوا أممًا، ورجال آخرين أسسوا دولًا، لكن التاريخ لم يحدثنا عن رجل جاء برسالة سماوية من عند الله تعالى، ثم بنى أمة ثم أسس دولة، ونجح في كل ذلك وفي حياته وقبل موته سوى النبي العربي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

ولهذا جعله مايكل هارت على رأس قائمة الخالدين المائة من أبناء آدم وعلل ذلك حسب منهجه العلمي ومقاييس العظمة عنده، بأن

1 المرجع السابق ص74 نقلا عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج1 ص367.

2 نصرى سلهب -في خطى محمد ص366-367.

ص: 8

محمدًا صلى الله عليه وسلم كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى، وبرز في كلا المستويين: الديني، والدنيوي، وأنه أسس ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظام. "وأنه بعد مرور أربعة عشر قرنًا لا زال تأثيره قويًّا ومتجددًا"1.

وبالقياس نفسه يشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم المؤرخ العالمي الشهير ول ديورانت فيقول: "وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا: إن محمدًا كان من أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو ولهيب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لا يدانيه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله. وقلَّ أن نجد إنسانًا غيره حقق كل ما كان يحلم به، وقد وصل إلى ما كان يبتغيه عن طريق الدين، ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى، بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين، تدفع العرب في أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذي سلكوه، فقد لجأ إلى خيالهم وإلى مخاوفهم وآمالهم، وخاطبهم على قدر عقولهم، وكانت بلادُ العرب لما بدأ الدعوة صحراءَ جدباءَ، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان، قليل عددها متفرقة كلمتها، وكانت عند وفاته أمة

1 انظر: الخالدون مائة. تأليف مايكل هارت، ترجمة: أمين منصور ص13.

ص: 9

موحدة متماسكة، وقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية، والمسيحية، ودين بلاده القديم، دينًا سهلًا واضحًا قويًّا، وصرحًا خلقيًّا قوامه البساطة والعزة، واستطاع في جيل واحد أن ينتصر في مائة معركة، وفي قرن واحد أن ينشئ دولة عظيمة، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم في نصف العالم"1.

بعد كل ما تقدم، وهو قليل من كثير من شخصية الرسول الخاتم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ليس عجبًا أن تكون تلك الشخصية محور اهتمام كل الناس: مسلمين، وغير مسلمين، على مدى تاريخه كله وأظن أن هذا الاهتمام سيستمر ما استمرت الحياة، ولن يبلغ الكتاب والمؤلفون مهما كتبوا وألفوا جوانب العظمة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وليس هناك أبلغ -في هذا المجال- من الكلمة التي قدم بها فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الأسبق، كتابَ حياة محمد للأستاذ الدكتور محمد حسين هيكل حيث قال: "منذ وجد الإنسان على الأرض، وهو مشوق إلى تعرف ما في الكون المحيط به من سنن وخصائص، وكلما أمعن في المعرفة ظهرت له عظمة الكون أكثر من ذي قبل، وظهر ضعفه وتضاءل غروره.

1 د. عبد الحليم عويس المرجع السابق ص89 نقلا عن قصة الحضارة ج2 ص47.

ص: 10

ونبي الإسلام -صلوات الله عليه وسلامه- شبيه بالوجود، فقد جد العلماء منذ أشرقت الأرض بنوره يلتمسون نواحي العظمة الإنسانية فيه، ويلتمسون مظاهر أسماء الله -جلت قدرته- في عقله وخلقه وعلمه، ومع أنهم استطاعوا الوصول إلى شيء من المعرفة، فقد فاتهم حتى الآن كمال المعرفة. وأمامهم جهاد طويل وبعد شاسع وطريق لا نهاية له"1.

ونَدُرَ أن نجد في التاريخ البشري رجلًا عرفت حياته -الخاصة والعامة- بكل تفاصيلها ودقائقها كما عرفت ودرست حياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

"فحتى قضاؤه لوطره، واغتساله بعده، وطريقة غسله، ونومه، وطريقة قضائه لحاجته واغتساله منها، كل ذلك نقله إلينا التاريخ، بطريقة موثقة، ندر أن توثق بها نصوص في التاريخ"2.

يقول المستشرق مونتييه في وصف وضوح حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: "ولقد ندر بين المصلحين من عرفت حياتهم بالتفصيل مثل محمد، وإن ما قام به من إصلاح الأخلاق، وتطهير المجتمع يمكن أن يعد به من أعظم المحسنين للإنسانية"3.

1 ص ط من تقديم الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي لكتاب حياة محمد.

2 د. عبد الحليم عويس - المرجع السابق ص67.

3 المرجع السابق ص68.

ص: 11