المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌محمد بن سعد:

‌محمد بن سعد:

يعتبر محمد بن سعد آخر الكتاب الكبار في المغازي والسير وهو من مواليد البصرة سنة 168هـ، وكان من الموالي؛ فآباؤه كانوا موالي للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وقد رحل ابن سعد إلى المدينة المنورة، ثم إلى بغداد، حيث اتصل بأستاذه محمد بن عمر الواقدي، وارتبط به ارتباطًا وثيقًا، وكان يدون له كتبه وأحاديثه1، ومن أجل ذلك اشتهر بأنه كاتب الواقدي، واستفاد ابن سعد من أستاذه فائدة كبرى، ومعظم كتبه التي ألفها استقاها من علمه -وليس معنى هذا أنه لم يستفد من علم غيره، فقد استفاد كثيرًا من علماء آخرين سبقوا الواقدي كابن إسحاق وأبي معشر السندي، وموسى بن عقبة، وغيرهم- وكما استفاد ابن سعد من علم أستاذه، فقد كان هو نفسه صاحب فضل كبير في ترتيب علم أستاذه، وكثيرًا ما كان يزيد عليه، فقد كان يكمل ما كان ينقص الواقدي من أخبار الجاهلية، وقد استعان في ذلك بعلم هشام الكلبي، الذي كان حجة في أخبار الجاهلية، وقد خلف لنا ابن سعد واحدًا من أهم وأشهر المصادر الإسلامية، في السير والمغازي، وأخبار الصحابة والتابعين وطبقاتهم- وهو كتاب

1 انظر الفهرست لابن النديم ص145.

ص: 82

الطبقات الكبرى، والذي وصلنا سالمًا -لحسن الحظ- وهو في ثمانية أجزاء، وقد خصص ابن سعد الجزأين: الأول والثاني منه لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه والأجزاء الستة الباقية خصصها لأخبار الصحابة والتابعين حسب مواطنهم وأمصارهم، فمن في مكة المكرمة، ومن في المدينة المنورة، ومن في البصرة، ومن في الكوفة، ثم رتب علماء كل مصر، حسب شهرتهم وزمانهم.

وكان ابن سعد موضع ثقة المحدثين، ومدحه كثيرون منهم، فقد قال فيه الخطيب البغدادي:"محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرى في كثير من رواياته"1.

وإذا كان ابن سعد قد تتلمذ على أشهر علماء السير والمغازي في وقته، وارتبط اسمه واشتهر بأنه كاتبه، وهو الواقدي، فقد كان هو بدوره أستاذًا لكثير من العلماء، من أشهرهم المؤرخ الكبير، البلاذري صاحب كتاب فتوح البلدان، وهو من أشهر وأهم الكتب في موضوعه. وقد توفي ابن سعد في بغداد سنة 230هـ. رحمه الله رحمة واسعة.

هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم، هم أشهر وأكبر مؤرخي وكتاب المغازي والسير، طوال القرنين الأول والثاني للهجرة ومطلع

1 انظر تاريخ بغداد، جـ5، ص321، وانظر كذلك ضحى الإسلام، جـ2، ص328.

ص: 83

القرن الثالث، ومن خلال ما مر نستطيع أن نستنتج النتائج الآتية:1.

1-

إن أكثر وأشهر كتاب السير والمغازي الأولين، كانوا من أهل المدينة، وكان ذلك أمرًا طبيعيًّا، لأن أكثر أحداث السيرة، وكل المغازي كانت في المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم هو محور كل ذلك، وكان من حوله من الصحابة أعرف الناس بتلك الأخبار، لأنهم شهودها ومشتركون فيها، وكان يروونها ويحدثون بها ويتناقلونها في فخر واعتزاز كبيرين، وقد تلقى التابعون منهم كل ذلك بشغف كبير وسلموا كل ذلك إلى رجال التدوين الذين حفظوه بكل تفاصيله، وسلموه بدورهم للأجيال التالية حتى وصل إلينا، وهو ثروة قلما حظيت بها أمة من الأمم عن تاريخ نبيها وسيرته ومغازيه، فجزاهم الله خير الجزاء، وغفر لهم، وأسكنهم فسيح جناته.

2-

كانت السير والمغازي -في البداية- جزءًا من الحديث يرويه الصحابة، كما يروون الأحاديث، وقد شغلت السيرة النبوية حيزًا غير قليل من الأحاديث، والذين ألفوا في الأحاديث لم تخلُ كتبهم من ذكر ما يتعلق بحياة النبي -صلى الله وعليه وسلم- ومغازيه وخصائصه ومناقبه، وقد استمر هذا المنهج، حتى بعد أن انفصلت السيرة، عن علوم الحديث، وأصبحت علمًا مستقلًّا، له علماؤه ومؤلفوه، وأقدم كتاب

1 انظر في ذلك، ضحى الإسلام، جـ2، ص338- 339.

ص: 84

وصل إلينا في علم الحديث، وهو موطأ الإمام مالك بن أنس -المتوفى سنة 179هـ- لم يخلُ من ذكر طائفة كبيرة من الأحاديث التي تتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوصافه وأسمائه، وذكر ما يتعلق بالجهاد1.

واستمر هذا التقليد، أو هذا المنهج بعد ذلك في كتب كبار علماء المحدثين، وفي مقدمتهم الإمامان: البخاري -المتوفى سنة 256هـ- ومسلم بن الحجاج -المتوفى سنة 261هـ- فقد اشتمل صحيحاهما على جزء كبير من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضائله وفضائل أصحابه ومناقبهم، وقد شغل ذلك عشر صحيح البخاري2 وحذا حذو البخاري ومسلم أصحاب السنن والمسانيد في كتبهم.

3-

سلك معظم المؤلفين الأوائل في السيرة والمغازي مسلك علماء الحديث؛ من حيث العناية بالإسناد، وإن بعضهم -كمحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر الواقدي وأمثالهما- قد اضطر هؤلاء مراعاة لسير الحوادث وترتيبها في نسق واحد، أن يجمعوا الأسانيد، ويجمعوا بعد ذلك المتن، من غير أن يفردوا كل جزء من المتن بسنده، وقد قصدوا بذلك عرض الحادثة التاريخية في

1 انظر السيرة النبوية للشيخ محمد أبو شهبة ص23.

2 المرجع السابق نفسه.

ص: 85

إيجاز؛ تسهيلًا على القراء. ولكن المحدثين عابوا عليهم تلك الطريقة، وهاجموهم من أجلها، كما ذكرنا آنفًا.

وبعد؛ فهؤلاء هم أشهر رواد علم السيرة النبوية ومغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم نقدمهم للمسلمين؛ ليعرفوا فضلهم في تسجيل أحداث أشرف سيرة وأعطر حياة عرفتها البشرية، وهي سيرة وحياة خير الخلق أجمعين؛ محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ص: 86