المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المقدمة التاسعة: من العلم ما هو من صُلْب1 وَمِنْهُ مَا هُوَ2 - الموافقات - جـ ١

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌ ‌المقدمة التاسعة: من العلم ما هو من صُلْب1 وَمِنْهُ مَا هُوَ2

‌المقدمة التاسعة:

من العلم ما هو من صُلْب1 وَمِنْهُ مَا هُوَ2 مُلَح الْعِلْمِ لَا مِنْ صُلْبِهِ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ صُلْبه وَلَا مُلَحه؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.

- الْقِسْمُ الْأَوَّلُ:

هُوَ الْأَصْلُ وَالْمُعْتَمَدُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الطَّلَب، وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي مَقَاصِدُ الرَّاسِخِينَ، وَذَلِكَ مَا كَانَ قَطْعِيًّا، أَوْ رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ، وَالشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ مَنَزَّلَةٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ محفوظة في أصولها وفروعها3؛ كما قال تَعَالَى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الْحِجْرِ: 9] ؛ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ الْمَقَاصِدِ التي بها يكون صلاح الدارين،

1 "الصلب؛ بضم، فسكون: عظم الظهر من لدن الكاهل إلى العجب، والصلب أيضا الشديد القوي.

والملح؛ بفتح وسكون اللام؛ أي: ملحة التي تستملح، أي: تعد مليحة، أي: حسينة؛ إذ الملح بضم ففتح: هي الأخبار المليحة، وهي الملح بفتح فسكون" "ماء".

2 في "م" و"خ" زيادة: "من".

3 حمل المصنف في المقدمة الأولى الحفظ في الآية على الأصول الكلية، ونفى أن يكون المراد المسائل الجزئية وهو كما يظهر مخالف لعبارته في هذه المقدمة؛ إذ جعل الحفظ شاملا للأصول والفروع، والتحقيق أن الفروع محفوظة بنصب الأدلة الكافية لمن توجه إلى استنباطها ببصيرة صافية وفهم راسخ، فإذا ضل نبؤها على قوم؛ اهتدى إليه آخرون. "خ".

ص: 107

وَهِيَ: الضَّرُورِيَّاتُ، وَالْحَاجِيَّاتُ، وَالتَّحْسِينَاتُ، وَمَا هُوَ مُكَمِّلٌ لَهَا وَمُتَمَّمٌ لِأَطْرَافِهَا، وَهِيَ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ الْقَطْعِيُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا، وَسَائِرُ الْفُرُوعِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَيْهَا؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهَا عِلْمٌ أَصِيلٌ، رَاسِخُ الْأَسَاسِ، ثَابِتُ الْأَرْكَانِ.

هَذَا وَإِنْ كَانَتْ وَضْعِيَّةً لَا عَقْلِيَّةً؛ فَالْوَضْعِيَّاتُ قَدْ تُجَارِي الْعَقْلِيَّاتِ فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ، وَعِلْمُ الشَّرِيعَةِ مِنْ جُمْلَتِهَا؛ إِذِ الْعِلْمُ بِهَا مُسْتَفَادٌ مِنَ الاستقراء التام1 النَّاظِمِ لِأَشْتَاتِ أَفْرَادِهَا، حَتَّى تَصِيرَ فِي الْعَقْلِ مَجْمُوعَةً فِي كُلِّيَّاتٍ مُطَّرِدَةٍ، عَامَّةٍ، ثَابِتَةٍ غَيْرِ زَائِلَةٍ وَلَا مُتَبَدِّلَةٍ، وَحَاكِمَةٍ غَيْرِ مَحْكُومٍ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ خَوَاصُّ الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّاتِ2.

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّةَ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الْوُجُودِ، وَهُوَ أَمْرٌ وَضْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ؛ فَاسْتَوَتْ مَعَ الْكُلِّيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَارْتَفَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.

فَإِذًا لِهَذَا الْقِسْمِ3 خَوَاصٌّ ثَلَاثٌ، بِهِنَّ يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ:

إِحْدَاهَا:

الْعُمُومُ وَالِاطِّرَادُ؛ فَلِذَلِكَ جَرَتِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهَا الْخَاصَّةُ لَا تَتَنَاهَى؛ فَلَا عَمَلَ يُفرض، وَلَا حَرَكَةَ وَلَا سُكُونَ يُدَّعَى، إِلَّا وَالشَّرِيعَةُ عَلَيْهِ حَاكِمَةٌ إِفْرَادًا وَتَرْكِيبًا، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهَا عَامَّةٌ، وَإِنْ فُرِضَ فِي نُصُوصِهَا أَوْ مَعْقُولِهَا خُصُوصٌ مَا؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى عُمُومٍ؛ كَالْعَرَايَا، وَضَرْبِ الدية على العاقلة، والقراض،

1 في النسخ المطبوعة: "العام"، وما أثبتناه من المخطوط الأصل.

2 في "م": "العقلية"، وأثبت "م" هنا في الهامش ما نصه:"من لوازم ذلك وصف الشريعة بثلاثة أوصاف: عمومها، وثباتها، وكونها حاكمة".

3 أصوله وفروعه. "د".

ص: 108

وَالْمُسَاقَاةِ1، وَالصَّاعِ فِي الْمُصَرَّاةِ2، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أُصُولٍ حَاجِيَّةٍ أَوْ تَحْسِينِيَّةٍ أَوْ مَا يُكَمِّلُهَا3، وَهِيَ أُمُورٌ عَامَّةٌ4؛ فَلَا خَاصَّ فِي الظَّاهِرِ إِلَّا وَهُوَ عَامٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ.

وَالثَّانِيَةُ:

الثُّبُوتُ مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ؛ فَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ فِيهَا بَعْدَ كَمَالِهَا نَسْخًا، وَلَا تَخْصِيصًا لِعُمُومِهَا، وَلَا تَقْيِيدًا لِإِطْلَاقِهَا، وَلَا رَفْعًا لِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهَا، لَا بِحَسَبِ عُمُومِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَا بِحَسَبِ خُصُوصِ بَعْضِهِمْ، وَلَا بِحَسَبِ زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَلَا حَالٍ دُونَ حَالٍ5، بَلْ مَا أُثْبِتَ سَبَبًا؛ فَهُوَ سَبَبٌ أَبَدًا لَا يَرْتَفِعُ، وَمَا

1 فعموم النهي عن الغرر، وعدم مسئولية الشخص عن فعل غيره، وفساد المعاملات المشتملة على الجهالة في الثمن أو الأجرة مثلا، يشمل بظاهره هذه المسائل، ولكن لما كان لها في الواقع علل معقولة تجعل حكمها مغايرا لحكم العمومات المذكورة، وقد أخذت حكمها المعقول على خلاف حكم ما كان يشملها في الظاهر؛ أطلقوا عليها أنها مستثناة، وقالوا: إنها خاصة، وهي في الحقيقة قواعد كلية أيضا انبنت على أصول من مقاصد الشريعة الثلاثة. "د".

2 انظر وجه نظمه في هذا السلك مع أنهم قالوا: إنه حكم تعبدي محض "د".

و"المصراة": الناقة -مثلا- يربط صاحبها ضرعها ليجتمع لبنها، فيظن من يريد شراءها أن حلبتها كثير، فإذا اشتراها فحلبها، ثم أراد ردها للتدليس؛ رد معها صاعا من تمر. "م".

3 تندرج صور الوقائع تحت أصل واحد، وتتفق في الحكم إذا كانت متماثلة من كل وجه له مناسبة بالحكم، فإذا اختلف بعض المسائل في الحكم؛ عرفنا أنها لم تكن متماثلة تماثلا تاما، وأن اختلافها في الحكم كان لوجه يفرق بينها في نفس الأمر؛ فوصف بعض الفقهاء العرايا ونحوها بأنها مخالفة للقياس أو خارجة عن الأصل لا يصح إلا إذا أرادوا القياس أو الأصل الذي يتراءى لهم في بادئ النظر "خ". قلت: حقق ابن تيمية في "مجموع الفتاوى""20/ 555" وتلميذه ابن القيم في "إعلام الموقعين" أنه لم يثبت شيء في الشريعة على خلاف القياس.

4 بعدها في "ط" وحدها كلمة لم نتبينها.

5 لا يرد على هذا اختلاف الأحكام عند اختلاف العرف والعادة؛ فإنه ليس باختلاف في أصل الخطاب، وتحقيقه أن العوائد إذا اختلفت؛ رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يختص بها وينطبق حكمه عليها "خ".

ص: 109

كَانَ شَرْطًا؛ فَهُوَ أَبَدًا شَرْطٌ، وَمَا كَانَ وَاجِبًا؛ فَهُوَ وَاجِبٌ أَبَدًا، أَوْ مَنْدُوبًا فَمَنْدُوبٌ، وَهَكَذَا جَمِيعُ الْأَحْكَامِ؛ فَلَا زَوَالَ لَهَا وَلَا تَبَدُّلَ، وَلَوْ فُرِضَ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ؛ لَكَانَتْ أَحْكَامُهَا كَذَلِكَ.

وَالثَّالِثَةُ:

كَوْنُ الْعِلْمِ حَاكِمًا لَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ، بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُفِيدًا لِعَمَلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ انْحَصَرَتْ عُلُومُ الشَّرِيعَةِ فِيمَا يُفِيدُ الْعَمَلَ، أَوْ يُصَوِّبُ نَحْوَهُ، لَا زَائِدَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا تَجِدُ فِي الْعَمَلِ أَبَدًا مَا هُوَ حَاكِمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَإِلَّا انْقَلَبَ كَوْنُهَا حَاكِمَةً إِلَى كَوْنِهَا مَحْكُومًا عَلَيْهَا، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ.

فَإِذًا؛ كُلُّ عِلْمٍ حَصَلَ لَهُ هَذِهِ الْخَوَاصُّ الثَّلَاثُ؛ فَهُوَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مَعْنَاهَا وَالْبُرْهَانُ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

- وَالْقِسْمُ الثَّانِي:

وَهُوَ الْمَعْدُودُ فِي مُلَحِ الْعِلْمِ لَا فِي صُلْبِهِ1: مَا لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا وَلَا رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ، بَلْ إِلَى ظَنِّيٍّ، أَوْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى قَطْعِيٍّ إِلَّا أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهُ خَاصَّةٌ مِنْ تِلْكَ الْخَوَاصِّ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ خَاصَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَهُوَ مُخَيَّلٌ، وَمِمَّا يَسْتَفِزُّ الْعَقْلَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ الْأَوَّلِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِخْلَالٌ بِأَصْلِهِ، وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا؛ صَحَّ أَنْ يُعَدَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ.

فَأَمَّا تَخَلُّفُ الْخَاصِّيَّةِ الْأُولَى -وَهُوَ الِاطِّرَادُ وَالْعُمُومُ- فَقَادِحٌ فِي جَعْلِهِ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ يُقَوِّي جَانِبَ الاطراح ويضعف جانب الاعتبار؛ إذ النقص2 فِيهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْوُثُوقِ بِالْقَصْدِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ، وَيُقَرِّبُهُ مِنَ الْأُمُورِ الِاتِّفَاقِيَّةِ الْوَاقِعَةِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ فَلَا يُوثَقُ بِهِ وَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ.

وَأَمَّا تَخَلُّفُ الْخَاصِّيَّةِ الثَّانِيَةِ -وهو الثبوت- فيأباه صُلب العلم وقواعده،

1 انظر: "القواعد" للمقري "2/ 406".

2 في "د": "النقض" بالمعجمة.

ص: 110

فَإِنَّهُ إِذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ، ثُمَّ خَالَفَ حَكَمُهُ الْوَاقِعَ فِي الْقَضِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَوْ بَعْضِ الْأَحْوَالِ؛ كَانَ حُكْمُهُ خَطَأً وَبَاطِلًا، مِنْ حَيْثُ أَطْلَقَ الْحُكْمَ فِيمَا لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، أَوْ عَمَّ فِيمَا هُوَ خَاصٌّ؛ فَعَدِمَ النَّاظِرُ الْوُثُوقَ بِحُكْمِهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى خُرُوجِهِ عَنْ صُلْبِ الْعِلْمِ.

وَأَمَّا تَخَلُّفُ الْخَاصِّيَّةِ الثَّالِثَةِ -وَهُوَ كَوْنُهُ حَاكِمًا وَمَبْنِيًّا عَلَيْهِ- فَقَادِحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ صَحَّ فِي الْعُقُولِ لَمْ يُسْتَفَدْ بِهِ فَائِدَةٌ حَاضِرَةٌ، غَيْرَ مُجَرَّدِ رَاحَاتِ النُّفُوسِ، فَاسْتُوِيَ مَعَ سَائِرِ مَا يُتَفَرَّجُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَأَحْرَى فِي الِاطِّرَاحِ، كَمَبَاحِثِ السُّوفِسْطَائِيِّينَ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ.

وَلِتَخَلُّفِ بَعْضِ هَذِهِ الْخَوَاصِّ أَمْثِلَةٌ يُلْحَقُ بِهَا مَا سِوَاهَا:

أَحَدُهَا:

الْحِكَمُ الْمُسْتَخْرَجَةُ لِمَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي التَّعْبُدَاتِ1 كَاخْتِصَاصِ الْوُضُوءِ بِالْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ وَالصَّلَاةِ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَكَوْنِهَا عَلَى بَعْضِ الْهَيْئَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَاخْتِصَاصِ الصِّيَامِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، وَتَعْيِينِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فِي تِلْكَ الْأَحْيَانِ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا مِنْ أَحْيَانِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِالْأَعْمَالِ الْمَعْلُومَةِ، وَفِي الْأَمَاكِنِ الْمَعْرُوفَةِ، وَإِلَى مَسْجِدٍ مَخْصُوصٍ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَهْتَدِي الْعُقُولُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ وَلَا تَطُورُ نَحْوَهُ2 فَيَأْتِي بَعْضُ النَّاسِ فَيُطَرِّقُ3 إِلَيْهِ حِكَمًا يَزْعُمُ4 أَنَّهَا مَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنْ تِلْكَ الْأَوْضَاعِ، وَجَمِيعُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنٍّ5.

1 كلام المصنف هنا تعميق وتأصيل لما عند شيخه المقري في "القواعد""2/ 406-408، القاعدة التاسعة والخمسون بعد المائة".

2 أي: لا تحوم جهته من الطور، وهو الحوم حول الشيء. "د".

وكتب "م" في الهامش" "يطور: يتجه".

3 أي: يدخل تلك الحكم ويقحمها على تلك الأحكام وينسبها إليه.

4 في "ط": "يزعم فيها أنها".

5 فيكون من باب ما انتفى فيه خاصتان، ومع ذلك؛ فهو مبني على ظني، وربما يستفاد منه أن قوله سابقا:"إلا أنه تخلف عنه خاصة" ليس خاصا بما كان مبنيا على قطعي، وأنه لو كان ظنيا وانتفى فيه خاصة أو أكثر؛ يصح أن يعد من هذا القسم؛ فتأمل. "د".

ص: 111

وَتَخْمِينٍ غَيْرِ مُطَّرِدٍ فِي بَابِهِ، وَلَا مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ عَمَلٌ، بَلْ كَالتَّعْلِيلِ بَعْدَ السَّمَاعِ لِلْأُمُورِ الشَّوَاذِّ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا يُعَدُّ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ لِجِنَايَتِهِ عَلَى الشَّرِيعَةِ فِي دَعْوَى مَا لَيْسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ، وَلَا دَلِيلَ لَنَا عَلَيْهِ1.

وَالثَّانِي:

تَحَمُّلُ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ عَلَى الْتِزَامِ كَيْفِيَّاتٍ لَا يَلْزَمُ مِثْلُهَا، وَلَا يُطْلَبُ الْتِزَامُهَا، كَالْأَحَادِيثِ الْمُسَلْسَلَةِ الَّتِي أُتِيَ بِهَا عَلَى وُجُوهٍ مُلْتَزَمَةٍ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ؛ فَالْتَزَمَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِالْقَصْدِ، فَصَارَ تحملها على ذلك القصد تحريا له، بِحَيْثُ يَتَعَنَّى فِي اسْتِخْرَاجِهَا، وَيَبْحَثُ عَنْهَا بِخُصُوصِهَا، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَصْدَ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ، وَإِنْ صَحِبَهَا الْعَمَلُ؛ لِأَنَّ تَخَلُّفَهُ فِي أَثْنَاءِ تِلْكَ الْأَسَانِيدِ لَا يَقْدَحُ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، كَمَا فِي حَدِيثِ:

"الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ" 2؛ فَإِنَّهُمُ الْتَزَمُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ أول حديث يسمعه

1 كالنهي عن اتخاذ التماثيل، يقولون: إن العلة في التحريم خشية أن تجر إلى احترامها، ثم إلى عبادتها؛ لقرب الألف بعبادة الأوثان، فلما أيس الآن من ذلك؛ صار لا مانع مع اتخاذها، فهذا استنباط للعلة بطريق الظن واتباع الهوى. "د".

وعلق "خ" هنا ما نصه: "من هذا الصنف ما يصنعه بعض أصحاب الأهواء حين يريدون التملص من بعض ما نهت عنه الشريعة؛ إذ يقصدون إلى أمر كان واقعا في زمن التشريع، ثم ارتفع، يزعمون من غير بينة أنه علة التحريم؛ ليتسنى لهم القول بالإباحة بناء على قاعدة أن الأحكام تدور مع العلل وجودا وعدما".

2 أخرجه الترمذي في "الجامع""أبواب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، 4/ 323-324/ رقم 1924"، وأبو داود في "السنن""كتاب الأدب، باب في الرحمة، 4/ 285/ رقم 4941"، وأحمد في "المسند""2/ 160"، والحميدي في "المسند""رقم 591"، والبخاري في "التاريخ""9/ 64"، وعثمان الدارمي في "الرد على الجهمية""69"، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل""775"، والحاكم في "المستدرك""4/ 159"، والبيهيق في "الأسماء" =

ص: 112

التلميذ من شيخه، فإن سمعه من بَعْدَ مَا أَخَذَ عَنْهُ غَيْرَهُ؛ لَمْ يَمْنَعْ ذلك الاستفادة بمقتضاه، [وكذا سَائِرُهَا؛ غَيْرَ أَنَّهُمُ الْتَزَمُوا ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّبَرُّكِ وَتَحْسِينِ الظَّنِّ خَاصَّةً] 1، وَلَيْسَ2 بِمُطَّرِدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ أَوْ أَكْثَرِهَا؛ حَتَّى يُقال: إِنَّهُ مَقْصُودٌ؛ فَطَلَبُ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ مُلَحِ الْعِلْمِ لَا مَنْ صُلْبِهِ.

وَالثَّالِثُ:

التَّأَنُّقُ3 فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَدِيثِ مِنْ طُرق كَثِيرَةٍ، لَا عَلَى قَصْدِ طَلَبِ تَوَاتُرِهِ، بَلْ عَلَى أَنْ يُعَدَّ آخِذًا لَهُ عَنْ شُيُوخٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْ جِهَاتٍ شتى، وإن

= "ص423"، والخطيب في "التاريخ""3/ 260"، وابن أبي الدنيا في "العيال" "1/ 426" من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو مرفوعا. قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح".

وحسنه ابن حجر في كتابه "الإمتاع""ص63"، وذكر تصحيح الترمذي وعلق عليه بقوله:"وكأنه صححه باعتبار المتابعات والشواهد، وإلا؛ فأبو قابوس لم يرو عنه سوى عمرو بن دينار، ولا يعرف اسمه، ولم يوثقه أحد من المتقدمين".

قلت: وأقوى هذه الشواهد ما أخرجه البخاري في "الصحيح""كتاب التوحيد، باب قول الله تبارك وتعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} ، 13/ 358/ رقم 7376"، ومسلم في "صحيحه""كتاب الفضائل، باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، 4/ 1809/ رقم 2319" عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا بلفظ: "من لا يرحم الناس؛ لا يرحمه الله عز وجل ".

وما أخرجه البخاري في "الصحيح""كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، 10/ 426/ رقم 5997"، ومسلم في "الصحيح" "رقم 2318" عن أبي هريرة مرفوعا:"من لا يَرْحم؛ لا يُرحَم". وانظر: "الأربعين في فضل الرحمة والراحمين" لابن طولون.

1 زيادة من الأصل المخطوط و"خ" و"م"، وسقطت من "د".

2 فيكون انتفى فيه الخاصتان المنتفيتان في المثال قبله. "د".

3 وهو مما انتفى فيه فائدة بناء عمل عليه؛ لأنه ما دام ذلك راجعا إلى كثرة الرواة في بعض طبقاتهم في الحديث لا إلى جميع الطبقات حتى يفيد قوة في الحديث، لا يكون فيه فائدة، ولا ينبني عليه ترجيح للحديث على غيره. "د".

ص: 113

كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْآحَادِ فِي الصَّحَابَةِ، أَوِ التَّابِعَيْنِ، أَوْ غَيْرِهِمْ؛ فَالِاشْتِغَالُ بِهَذَا مِنَ الْمُلَحِ، لَا مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ.

خَرَّجَ أَبُو عُمَرَ ابن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيِّ؛ قال: خرجت حديثا واحدا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مِائَتَيْ طَرِيقٍ، أَوْ مِنْ نَحْوِ مِائَتَيْ طَرِيقٍ -شَكَّ الرَّاوِي- قَالَ: فَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْفَرَحِ غَيْرُ قَلِيلٍ، وَأُعْجِبْتُ بِذَلِكَ؛ فَرَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا! قَدْ خَرَّجْتُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مِائَتَيْ طَرِيقٍ. قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَخْشَى أن يدخل هذا تحت: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} 1 [التَّكَاثُرُ: 1] ، هَذَا مَا قَالَ. وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّ تَخْرِيجَهُ مِنْ طُرُقٍ يَسِيرَةٍ كافٍ فِي الْمَقْصُودِ مِنْهُ؛ فَصَارَ الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ فَضْلًا.

وَالرَّابِعُ: الْعُلُومُ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الرُّؤْيَا، مِمَّا لَا يَرْجِعُ إِلَى بِشَارَةٍ وَلَا نِذَارَةٍ2؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ بِالْمَنَامَاتِ وَمَا يُتَلَقَّى مِنْهَا تَصْرِيحًا، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً؛ فَأَصْلُهَا الَّذِي هُوَ الرُّؤْيَا غَيْرُ معتبر في

1 ذكرها بإسناد صحيح ابن عبد البر في "الجامع""رقم 1988"، وذكرها السلفي في "الوجيز""93"، وابن رشيد في "ملء العيبة""3/ 215"، والذهبي في "السير""16/ 181".

2 الأدلة المعتد بها ما يمكن التوصل إلى تمييز صحيحها من فاسدها، وهي اللفظ المروي أو الاستنباط، والرؤيا لا يمكن تمييز صالحها من باطلها كالإلهامات، ومن ثَم أفتى الفقهاء بأن من رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام وأخبره بأن زوجه طالق عليه، أو أن هذا اليوم من رمضان؛ ألغى العمل على مقتضى الرؤيا، وعول على ما يعرفه في اليقظة "خ".

قلت: وانظر في هذا: "مجموع ابن تيمية""24/ 376"، و"الاعتصام""1/ 261-263"، و"مدارج السالكين""1/ 51"، و"التنكيل""2/ 242"، وما سيأتي عند المصنف "4/ 470 وما بعدها".

ص: 114

الشَّرِيعَةِ فِي مِثْلِهَا1، كَمَا فِي رُؤْيَا الْكِنَانِيِّ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، فَإِنَّ مَا قَالَ فِيهَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ لَمْ نَحْتَجَّ2 بِهِ حَتَّى عَرَضْنَاهُ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْيَقَظَةِ؛ فَصَارَ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ مَأْخُوذًا مِنَ الْيَقَظَةِ لَا مِنَ المنام، وإنما ذُكرت الرؤيا تأنيسا، وعلى هَذَا يُحمل مَا جَاءَ عَنِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِالرُّؤْيَا.

وَالْخَامِسُ: الْمَسَائِلُ الَّتِي يُختلف فِيهَا؛ فَلَا يَنْبَنِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا فَرْعٌ عَمَلِيٌّ، إِنَّمَا تُعَدُّ مِنَ الْمُلَحِ، كَالْمَسَائِلِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهَا قَبْلُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ3، وَيَقَعُ كَثِيرٌ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْعُلُومِ، وَفِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْهَا كَثِيرٌ؛ كَمَسْأَلَةِ اشْتِقَاقِ الْفِعْلِ مِنَ الْمَصْدَرِ4، وَمَسْأَلَةِ اللَّهُم5، ومسألة أشياء6، ومسألة الأصل في

1 أي: مثل هذه الاستدلالات؛ فلم يجعلها الشرع من الأدلة على الأحكام، وإنما جعلها بشارة للمؤمنين مثلا "د".

2 فهذا من باب الظني غير المطرد، ولا ينبني عليه عمل. "د".

3 انظرها: "ص38".

4 ذهب الكوفيون إلى أن المصدر مشتقٌّ من الفعل وفرعٌ عليه، وذهب البصريون إلى أن الفعل مشتق من المصدر وفرع عليه.

انظر تفصيل المسألة في: "الإنصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري "1/ 235"، "شرح الرضى على الكافية""2/ 178".

5 ذهب الكوفيون إلى أن الميم المشددة في "اللهمَّ" ليست عوضا من "يا" التي للتنبيه في النداء، وذهب البصريون إلى أنها عوض من "ياء" التي للتنبيه في النداء، والهاء مبنية على الضم؛ لأنه نداء.

انظر تفصيل المسألة في "الإنصاف" لابن الأنباري "1/ 341"، "لسان العرب""أل هـ".

6 ذهب الكوفيون إلى أن "أشياء" وزنه "أفْعاء"، والأصل "أفعلاء"، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين، وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنه "أفعال"، وذهب البصريون إلى أن وزنه "لفعاء"، والأصل "فعلاء".

انظر تفصيل المسألة في: "الإنصاف" لابن الأنباري "2/ 812"، "لسان العرب""ش ي أ".

ص: 115

لَفْظِ الِاسْمِ1، وَإِنِ انْبَنَى الْبَحْثُ فِيهَا عَلَى أُصُولٍ مُطَّرِدَةٍ، وَلَكِنَّهَا لَا فَائِدَةَ تُجْنَى ثَمَرَةً لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا؛ فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ صُلْبِ الْعِلْمِ.

وَالسَّادِسُ: الِاسْتِنَادُ إِلَى الْأَشْعَارِ فِي تَحْقِيقِ الْمَعَانِي الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَكَثِيرًا مَا يَجْرِي مِثْلُ هَذَا لِأَهْلِ التَّصَوُّفِ فِي كُتُبِهِمْ2، وَفِي بَيَانِ مَقَامَاتِهِمْ؛ فَيَنْتَزِعُونَ مَعَانِيَ الْأَشْعَارِ، وَيَضَعُونَهَا لِلتَّخَلُّقِ بِمُقْتَضَاهَا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الْمُلَحِ3؛ لِمَا فِي الْأَشْعَارِ الرَّقِيقَةِ مِنْ إِمَالَةِ الطِّبَاعِ، وَتَحْرِيكِ النُّفُوسِ إِلَى الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ، وَلِذَلِكَ اتَّخَذَهُ الْوُعَّاظُ دَيْدَنا، وَأَدْخَلُوهُ فِي أَثْنَاءِ وَعْظِهِمْ، وَأَمَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْأَمْرِ فِي نَفْسِهِ؛ فَالِاسْتِشْهَادُ بِالْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَ شَرْعِيًّا؛ فَمَقْبُولٌ، وَإِلَّا فَلَا.

وَالسَّابِعُ: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى تَثْبِيتِ الْمَعَانِي بِأَعْمَالِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِالصَّلَاحِ، بِنَاءً عَلَى مُجَرَّدِ تَحْسِينِ الظَّنِّ، لَا زَائِدَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَكُونُ أَعْمَالُهُمْ حُجَّةً حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ4، فَإِذَا أُخِذَ ذَلِكَ بإطلاق فيمن يُحسن

1 ذهب الكوفيون إلى أن الاسم مشتق من الوَسْم وهو العلامة، وذهب البصريون إلى أنه مشتق من السمو وهو العلو.

انظر تفصيل المسألة في: "الإنصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري "1/ 6"، "لسان العرب""س م و".

2 ذكروا لمأخذ اسم الصوفية وجوها أقربها أنه نسبة إلى الصوف الذي هو لباس العباد أو إلى آل الصوفة على وجه التشبيه بهم، وهم حي من مضر كانوا يخدمون الكعبة، ويتنسكون كما في "أساس البلاغة" و"القاموس". "خ".

قلت: وهذه المآخذ ليست بصحيحة، والأسقم منها نسبة الصوفية إلى "أهل الصفة"، وقد بينت خطأ ذلك من وجوه أربعة في مقدمة تحقيقي لكتاب السخاوي "رجحان الكفة"؛ فانظره إن أردت الاستزادة، والله الهادي.

3 لأنها ليست قطعية، ولا مبنية على قطعي غالبا، ولا هي مطردة عامة "د".

4 انظر: "5/ 258 وما بعدها".

ص: 116

الظَّنُّ بِهِ؛ فَهُوَ -عِنْدَمَا يَسْلَمُ مِنَ الْقَوَادِحِ1- مِنْ هَذَا الْقِسْمِ؛ لِأَجْلِ مَيْلِ النَّاسِ إِلَى مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ صَلَاحٌ وَفَضْلٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ لِعَدَمِ اطِّرَادِ الصَّوَابِ فِي عَمَلِهِ، وَلِجَوَازِ تَغَيُّرِهِ، فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ -إِنْ سَلِمَ- هَذَا الْمَأْخَذَ2.

وَالثَّامِنُ: كَلَامُ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ3 مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ4؛ فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ أَوْغَلُوا فِي خِدْمَةِ مَوْلَاهُمْ، حَتَّى أَعْرَضُوا عَنْ غَيْرِهِ جُمْلَةً، فَمَالَ بِهِمْ هَذَا الطَّرَفُ إِلَى أَنْ تَكَلَّمُوا بِلِسَانِ الِاطِّرَاحِ لِكُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَأَعْرَبُوا عَنْ مُقْتَضَاهُ، وَشَأْنُ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ لَا يُطِيقُهُ الْجُمْهُورُ، وَهُمْ إِنَّمَا يُكَلِّمُونَ بِهِ الْجُمْهُورَ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ حَقًّا؛ فَفِي رُتْبَتِهِ لَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ -فِي حَقِّ الْأَكْثَرِ- مِنَ الْحَرَجِ أَوْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، بَلْ رُبَّمَا ذَمُّوا بِإِطْلَاقٍ مَا لَيْسَ بِمَذْمُومٍ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَفِي حَالٍ دُونَ حَالٍ؛ فَصَارَ أَخْذُهُ بِإِطْلَاقٍ مُوقِعًا فِي مَفْسَدَةٍ، بِخِلَافِ أَخْذِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَلَيْسَ عَلَى هَذَا مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُلَحِهِ وَمُسْتَحْسَنَاتِهِ.

وَالتَّاسِعُ: حَمْلُ بَعْضِ الْعُلُومِ عَلَى بَعْضٍ فِي بَعْضِ قَوَاعِدِهِ؛ حَتَّى تَحْصُلَ الْفُتْيَا فِي أَحَدِهَا بِقَاعِدَةِ الْآخَرِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَجْتَمِعَ الْقَاعِدَتَانِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ حَقِيقِيٍّ، كَمَا يُحْكَى عَنِ الْفَرَّاءِ النَّحْوِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ برع في علم واحد سهل

1 في "م" و"خ": "الفوادح"، بالفاء.

2 انظر في هذا والذي يليه "مجموع فتاوى ابن تيمية""10/ 430 و11/ 15".

3 وهو مما انتفى فيه الاطراد، وأخذ كلامهم على الاطراد والإطلاق موقع في مفسدة الحرج أو تكليف ما لا يطاق؛ فالبحث في كلامهم وشرحه من الملح "د".

4 الولي في العرف الشرعي وكلام السلف من صفت بصيرته وامتلأ قلبه وثوقا بالله ثم استقام على السنة الصحيحة والآداب الرفيعة، وبهذا المعنى يفسر الولي في مثل قوله تعالى:{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، والحديث القدسي:"من آذى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب ". "خ".

ص: 117

عَلَيْهِ كُلُّ عِلْمٍ. فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَكَانَ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنَ خَالَةِ الْفَرَّاءِ: فَأَنْتَ قَدْ بَرَعْتَ فِي عِلْمِكَ، فَخُذْ مَسْأَلَةً أَسْأَلُكَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِكَ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ سَجَدَ لِسَهْوِهِ فَسَهَا فِي سُجُودِهِ أَيْضًا؟

قَالَ الْفَرَّاءُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

قَالَ: وَكَيْفَ؟

قَالَ: لِأَنَّ التَّصْغِيرَ عِنْدَنَا1 لَا يُصَغَّرُ؛ فَكَذَلِكَ السَّهْوُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَا يُسْجَدُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَصْغِيرِ التَّصْغِيرِ؛ فَالسُّجُودُ لِلسَّهْوِ هُوَ جَبْرٌ لِلصَّلَاةِ، وَالْجَبْرُ لَا يُجْبَرُ، كَمَا أَنَّ التَّصْغِيرَ لَا يُصَغَّرُ.

فَقَالَ الْقَاضِي: مَا حَسِبْتُ أَنَّ النِّسَاءَ يَلِدْنَ مِثْلَكَ2.

فَأَنْتَ تَرَى مَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ التَّصْغِيرِ وَالسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الضَّعْفِ؛ إِذْ لَا يَجْمَعُهُمَا فِي الْمَعْنَى أَصْلٌ حَقِيقِيٌّ فَيُعْتَبَرُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.

فَلَوْ جَمَعَهُمَا أَصْلٌ وَاحِدٌ؛ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، كَمَسْأَلَةِ الْكِسَائِيِّ مَعَ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ.

رُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ دَخَلَ على الرشيد، والكسائي يداعبه ويمازحه؛ فقال

1 كلمة "عندنا" ليست في "م" و"خ".

2 المحاورة بين الفراء ومحمد بن الحسن موجودة في "تاريخ بغداد""14/ 151-152"، لكن رواها قبل ذلك "14/ 151" على أن بشرا المريسي هو الذي سأل الفراء.

وذكرها كذلك ابن خلكان في "وفيات الأعيان""6/ 179"، وكان ذكرها قبل ذلك "3/ 296" في ترجمة الكسائي أنها جرت بينه وبين محمد بن الحسن، ثم قال:"هكذا وجدت هذه الحكاية في عدة مواضع، وذكر الخطيب في "تاريخ بغداد" أن هذه القضية جرت بين محمد بن الحسن المذكور والفراء".

ص: 118

لَهُ أَبُو يُوسُفَ: هَذَا الْكُوفِيُّ قَدِ اسْتَفْرَغَكَ وَغَلَبَ عَلَيْكَ.

فَقَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ! إِنَّهُ لَيَأْتِيَنِي بِأَشْيَاءَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا قَلْبِي.

فَأَقْبَلَ الْكِسَائِيُّ عَلَى أَبِي يُوسُفَ، فَقَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ! هَلْ لَكَ فِي مَسْأَلَةٍ؟

فَقَالَ: نَحْوٌ أَمْ فِقْهٌ؟

قَالَ: بَلْ فِقْهٌ.

فَضَحِكَ الرَّشِيدُ حَتَّى فَحَصَ بِرِجْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: تُلْقِي عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِقْهًا؟

قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ! مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ، وَفَتَحَ أَنْ؟

قَالَ: إِذَا دَخَلَتْ طَلَقَتْ.

قَالَ: أَخْطَأْتَ يَا أَبَا يُوسُفَ.

فَضَحِكَ الرَّشِيدُ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ الصَّوَابُ؟

قَالَ: إِذَا قَالَ "أَنْ"؛ فَقَدْ وَجَبَ الْفِعْلُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ قَالَ:"إِنْ"؛ فَلَمْ يَجِبْ وَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ.

قَالَ: فَكَانَ أَبُو يُوسُفَ بَعْدَهَا لَا يَدْعُ أَنْ يَأْتِيَ الكسائي1.

1 والصواب في المسألة التفريق بين العارف بالعربية والجاهل بها؛ فيقع إن قال: "أن" بخلاف قوله "إن"، وإن كان جاهلا لم يقع شيء، أفاده الأسنوي في "الكوكب الدري""ص471".

والقصة التي ساقها المصنف ذكرها ياقوت في "معجم الأدباء" في ترجمة الكسائي "13/ 175-176" عن المرزباني أنها مع أبي يوسف أو محمد بن الحسن على الشك.

وكتب "م" هنا في الحاشية: "السر في هذا أن "إن" بالكسرة شرطية؛ فيصير الطلاق معلقا، وبالفتح مصدرية؛ فيصير مدخولها علة لوقوع الطلاق".

ص: 119

فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَارِيَةٌ عَلَى أَصْلٍ لُغَوِيٍّ لَا بُدَّ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمَيْنِ.

فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ تُرْشِدُ النَّاظِرَ إِلَى مَا وَرَاءَهَا، حَتَّى يَكُونَ عَلَى بَيِّنَةٍ فِيمَا يَأْتِي مِنَ الْعُلُومِ وَيَذَرُ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهَا يَسْتَفِزُّ النَّاظِرَ اسْتِحْسَانُهَا1 بِبَادِئِ الرَّأْيِ، فَيَقْطَعُ فِيهَا عُمْرَهُ، وَلَيْسَ وَرَاءَهَا ما يتخذه مُعْتَمَدًا فِي عَمَلٍ وَلَا اعْتِقَادٍ، فَيَخِيبُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَعْيُهُ، وَاللَّهُ الْوَاقِي.

وَمِنْ طَرِيفِ الْأَمْثِلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّثَنَاهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ: أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ الْبَنَّاءِ سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَعْمَلْ إِنَّ فِي {هَذَانِ} مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} الْآيَةَ [طه: 63] ؟

فَقَالَ فِي الْجَوَابِ: لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرِ الْقَوْلُ فِي الْمَقُولِ؛ لَمْ يُؤَثِّرِ الْعَامِلُ فِي الْمَعْمُولِ.

فَقَالَ2 السَّائِلَ: يَا سَيِّدِي! وَمَا وَجْهُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ عَمَلِ إِنَّ وَقَوْلِ الْكُفَّارِ فِي النَّبِيِّينَ؟

فَقَالَ لَهُ الْمُجِيبُ: يَا هَذَا! إِنَّمَا جِئْتُكَ بِنُوَّارَةٍ يَحْسُنُ رَوْنَقُهَا، فَأَنْتَ تُرِيدُ أَنَّ تَحُكَّهَا بَيْنَ يَدَيْكَ، ثُمَّ تَطْلُبَ مِنْهَا ذَلِكَ الرَّوْنَقَ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ3!

فَهَذَا الْجَوَابُ فِيهِ مَا تَرَى، وَبِعَرْضِهِ عَلَى الْعَقْلِ يَتَبَيَّنُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ مِنْ صلب العمل.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ:

وَهُوَ مَا لَيْسَ مِنَ الصُّلْبِ، وَلَا مِنَ الْمُلَحِ: مَا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ وَلَا ظَنِّيٍّ وَإِنَّمَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُرَّ4 عَلَى أَصْلِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ بِالْإِبْطَالِ

1 تحرفت في "د": "استسحانها" بتقديم السين الثانية.

2 في "م" و"خ" زيادة: "له".

3 أورد المصنف في "الإفادات""ص110" هذه القصة وسمى شيخه، وهو المقري.

4 أي: يرجع. "ماء".

ص: 120

مِمَّا صَحَّ كَوْنُهُ مِنَ الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالْقَوَاعِدِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهَا فِي الْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، أَوْ كَانَ مُنْهَضًا إِلَى إِبْطَالِ الْحَقِّ وَإِحْقَاقِ الْبَاطِلِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَهَذَا لَيْسَ بِعِلْمٍ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى أَصْلِهِ بِالْإِبْطَالِ، فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلَا حَاكِمٍ، وَلَا مُطَّرِدٍ أَيْضًا، وَلَا هُوَ مِنْ مُلَحِهِ؛ لِأَنَّ الْمُلَحَ هِيَ الَّتِي تَسْتَحْسِنُهَا الْعُقُولُ، وَتَسْتَمْلِحُهَا النُّفُوسُ؛ إِذْ لَيْسَ يَصْحَبُهَا مُنَفِّرٌ، وَلَا هِيَ مِمَّا تُعَادِي الْعُلُومَ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ أَصْلٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ هَذَا الْقِسْمِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.

هَذَا وَإِنْ مَالَ بِقَوْمٍ فَاسْتَحْسَنُوهُ وَطَلَبُوهُ؛ فَلِشِبْهِ عَارِضَةٍ، وَاشْتِبَاهٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ، فَرُبَّمَا عَدَّهُ الْأَغْبِيَاءُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ، فَمَالُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَحَقِيقَةُ أَصْلِهِ وَهْمٌ وَتَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، مَعَ مَا يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْأَهْوَاءِ؛ كَالْإِغْرَابِ بِاسْتِجْلَابِ غَيْرِ الْمَعْهُودِ، وَالْجَعْجَعَةِ بِإِدْرَاكِ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ الرَّاسِخُونَ، وَالتَّبَجُّحِ بِأَنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الْمَشْهُورَاتِ مُطَالَبَ لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا الْخَوَاصُّ، وَأَنَّهُمْ مِنَ الْخَوَاصِّ

وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَطْلُوبٌ، وَلَا يَحُورُ1 مِنْهُ صَاحِبُهُ إِلَّا بِالِافْتِضَاحِ2 عِنْدَ الِامْتِحَانِ، حَسْبَمَا بَيَّنَهُ الْغَزَّالِيُّ3، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ4، وَمَنْ تَعَرَّضَ لِبَيَانِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمَا.

وَمِثَالُ هَذَا الْقِسْمِ مَا انْتَحَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ إِخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ وَرَاءَ هَذَا الظَّاهِرِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى نَيْلِهِ بِعَقْلٍ وَلَا نَظَرٍ، وَإِنَّمَا يُنال مِنَ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ، تَقْلِيدًا لِذَلِكَ الْإِمَامِ، واستنادهم -في جملة من دعاويهم- إلى

1 أي: يرجع، انظر:"مختار الصحاح""ح ور"، وبالأصل:"يجوز"، وفي "ط":"يحلا".

2 في "ط": "بافتضاح".

3 انظر: "إحياء علوم الدين""كتاب العلم، بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة""1/ 41".

4 انظر: "قانون التأويل""ص196-197".

ص: 121

عِلْمِ الْحُرُوفِ، وَعِلْمِ النُّجُومِ1، وَلَقَدِ اتَّسَعَ الْخَرْقُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَلَى الرَّاقِعِ؛ فَكَثُرَتِ الدَّعَاوَى عَلَى الشَّرِيعَةِ بِأَمْثَالِ مَا ادَّعَاهُ الْبَاطِنِيَّةُ2؛ حَتَّى آل3 ذلك إلى ما لا يُعْقَلُ عَلَى حَالٍ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيَشْمَلُ هَذَا الْقِسْمُ مَا يَنْتَحِلُهُ أَهْلُ السَّفْسَطَةِ4 وَالْمُتَحَكِّمُونَ5، وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَنْبَنِي عليه،

1 وكتب السحر والشعبذة أكبر دليل على ذلك؛ مثل: "شمس المعارف الكبرى" للبوني، و"الرحمة في الطب والحكمة" المنسوب كذبا للسيوطي، و"الجفر" المنسوب كذبا تارة لعلي رضي الله عنه وتارة لجعفر الصادق، وغيرها كثير؛ كما بينته في المجلد الأول من "المجموعة الأولى" من كتابي "كتب حذر العلماء منها"، وهو مطبوع، ولله الحمد.

وقد عالج ابن القيم في كتابه: "مفتاح دار السعادة" هذا الموضوع معالجة وافية.

وأورد في آخره "2/ 148- إلى آخر الكتاب" رسالة في الرد على المنجمين لأبي القاسم عيسى بن علي بن الجراح البغدادي "ت391هـ" كتبها لما بصره الله رشده وأراه بطلان ما عليه هؤلاء الضلال الجهال، كتبها نصيحة لبعض إخوانه، وهي نفيسة جدا، ولا سيما مع تعقبات ابن القيم عليها، وانظر تفصيلا عن علم الحروف "مبادئه وأشهر أعلامه" في "علم الحروف وأقطابه" لعبد الحميد حمدان-مكتبة مدبولي، القاهرة، "1410هـ".

2 مبدأ هذا المذهب كما حكى السيد في "شرح المواقف": إن طائفة من المجوس تذاكروا ما كان لسلفهم من السطوة والملك، وقالوا: لا سبيل إلى مغالبة المسلمين بالسيف لقوة شوكتهم وسعة ممالكهم، لكنا نقاتلهم بتأويل شريعتهم إلى ما يطابق قواعد ديانتنا، ونستدرج به الضعفاء حتى تختلف كلمتهم ويختل نظام وحدتهم، وأول ما وضعوا في مبادئهم أن للقرآن ظاهرا وهو المعلوم في اللغة، وباطنا وهو المراد. "خ".

قلت: وكلام ابن تيمية فيهم كثير جدا، انظر منه ما في "مجموع الفتاوى""5/ 550-551 و13/ 235"، وسيأتي للمصنف كلام بديع حول الظاهر والباطن في "4/ 231 وما بعدها".

3 ساقطة من الأصل المخطوط، وأشار إلى ذلك الناسخ.

4 السفسطة: شعبة من شعب الفلسفة اليونانية نشأت في المائة الخامسة قبل الميلاد، ومن أشهر مؤسسيها "بروتغورس" القائل: كل واحد مخطئ ومصيب في آن واحد؛ لأن الحقيقة تابعة للشعور الوقتي الذي نحس به، وقد تصدى لنقض مغالطاتهم سقراط وأفلاطون وأرسطو، ونشأة هذا المذهب هي التي بعثت أرسطو على وضع علم المنطق "خ".

5 أي: مدعو الحكمة.

ص: 122

وَلَا ثَمَرَةَ تُجنى مِنْهُ؛ فَلَا تَعَلُّقَ بِهِ بِوَجْهٍ.

فَصْلٌ:

وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُعَدَّ مِنَ الثَّانِي، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي خَلْطِ بَعْضِ الْعُلُومِ بِبَعْضٍ؛ كَالْفَقِيهِ يَبْنِي فِقْهَهُ عَلَى مَسْأَلَةٍ نَحْوِيَّةٍ مَثَلًا، فَيَرْجِعُ إِلَى تَقْرِيرِهَا مَسْأَلَةً -كَمَا يُقَرِّرُهَا النَّحْوِيُّ- لَا مُقَدِّمَةً مُسَلَّمَةً، ثُمَّ يَرُدُّ مَسْأَلَتَهُ الْفِقْهِيَّةَ إِلَيْهَا، وَالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى أَنَّهَا مَفْرُوغٌ مِنْهَا فِي عِلْمِ النَّحْوِ فَيَبْنِي عَلَيْهَا، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِيهَا، وَفِي تَصْحِيحِهَا، وَضَبْطِهَا، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ النَّحْوِيُّ؛ صَارَ الْإِتْيَانُ بِذَلِكَ فَضْلًا1 غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا افْتَقَرَ إِلَى مَسْأَلَةٍ [عَدَدِيَّةٍ؛ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَسْلَمَةً] 2 لِيُفَرِّعَ عَلَيْهَا فِي عِلْمِهِ، فَإِنْ أَخَذَ يَبْسُطُ الْقَوْلَ فِيهَا كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَدَدِيُّ فِي عِلْمِ الْعَدَدِ؛ كَانَ فَضْلًا مَعْدُودًا مِنَ المُلَح إِنْ عُدَّ مِنْهَا، وَهَكَذَا سَائِرُ الْعُلُومِ الَّتِي يَخْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا.

وَيَعْرِضُ أَيْضًا لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَصِيرَ مِنَ الثَّالِثِ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَنْ يَتَبَجَّحُ بِذِكْرِ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ ذِكْرِ كِبَارِ الْمَسَائِلِ لِمَنْ لَا يَحْتَمِلُ عَقْلُهُ إِلَّا صِغَارَهَا، عَلَى ضِدِّ التَّرْبِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ، فَمِثْلُ هَذَا يُوقِعُ فِي مَصَائِبَ3، وَمِنْ أَجْلِهَا قَالَ عَلِيٌّ، رضي الله عنه: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ،

1 أي: زيادة غير مغتفر إليها. "م".

2 ساقطة من الأصل.

3 تلقين كبار المسائل لمن لا يحتملها عقله كانت إحدى الآفات التي نزلت بأسلوب التعليم في معاهدنا؛ فقتلت أوقاتا نفيسة في غير سبيل الله، وعطلت قرائح كانت أحق بأن تسقى بتعليم سائغ فتؤتي أكلها كل حين، وعلاج هذه العلة أن يعلم الأستاذ أن تمييز مراتب التلاميذ في الفهم وترشيحهم بمبادئ العلوم على حسب استعدادهم أعظم ثوابًا في الدار الباقية، وأدعى لإجلال التلاميذ أنفسهم وإخلاصهم له من مفاجأتهم بالخوض في مسائل لا تسعها مداركهم. "خ".

ص: 123

أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ "1، وَقَدْ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً عَلَى بَعْضِ السَّامِعِينَ، حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ هَذَا الْكِتَابِ2.

وَإِذَا عَرَضَ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُعَدَّ مِنَ الثَّالِثِ؛ فَأَوْلَى أَنْ يَعْرِضَ لِلثَّانِي أَنْ يُعَدَّ مِنَ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَوَّلِ.

فَلَا يَصِحُّ لِلْعَالِمِ فِي التَّرْبِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ إِلَّا الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُرَبِّيًا، وَاحْتَاجَ هُوَ إِلَى عَالِمٍ يُرَبِّيهِ.

وَمِنْ هُنَا لَا يُسْمَحُ لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ نَظَرَ مُفِيدٍ أَوْ مُسْتَفِيدٍ؛ حَتَّى يَكُونَ رَيَّانَ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، مَنْقُولِهَا وَمَعْقُولِهَا، غَيْرَ مُخْلِدٍ إِلَى التَّقْلِيدِ وَالتَّعَصُّبِ لِلْمَذْهَبِ3، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ هَكَذَا؛ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقَلِبَ عَلَيْهِ مَا أَوْدَعَ فِيهِ فِتْنَةً بِالْعَرَضِ، وَإِنْ كَانَ حِكْمَةً بِالذَّاتِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ للصواب.

1 أخرجه البخاري في "الصحيح""كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، 1/ 225/ رقم 127"، والبيهقي في "المدخل""رقم 610"، والخطيب في "الجامع""رقم 1318"، وآدم بن أبي أياس في "العلم"، وأبو نعيم في "المستخرج"؛ كما في "فتح الباري""1/ 225" بألفاظ مقاربة منها المذكور، وسيأتي "5/ 168" مرفوعا ولا يصح.

2 انظر: "5/ 167".

3 التعصب للمذهب ينشأ عن قصر النظر وعدم التفقه في الأصول العالية، ولهذا نجد المتبحر في علم الكتاب والسنة، المطلع على مذاهب الفقهاء ومداركها؛ يكاد احترامه للمذهب الذي يتبعه لا يزيد على احترامه للمذاهب الأخرى، وذلك لما يبدو له من رجحانها وتفوقها على مذهبه في كثير من المسائل "خ".

ص: 124