الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نظرة عامة في قواعد النقد حتى أواخر هذا القرن
قضي النقد الأدبي العربي مدة طويلة من الزمن، وهو يدور في مجال الأنطباعية الخالصة، والأحكام الجزئية التي تعتمد المفاضلة بين بيت وبيت أو تمييز البيت المفرد أو إرسال حكم عام في الترجيح بين شاعر وشاعر، إلى أن أصبح درس الشعر في أواخر القرن الثاني الهجري جزءاً من جهد علماء اللغة والنحو، فتبلورت لديهم قواعد أولية في النقد بعضها ضمني وبعضها صريح، ولكنها كانت في أكثرها ميراث القرون السابقة:
مبدأ اللياقة
وفي طليعة تلك القواعد اعتماد النقد مبدأ اللياقة؛ فالشماخ معيب حين يقول مخاطباً ناقته:
إذا بلغتني وحملت رحلي
…
عرابة فاشرقي بدم الوتين لان قوله " أشرقي بدم الوتين " أسوأ مكافأة لها على ما قدمته له من معروف. وطرفة مقصر عن أصول اللياقة المتعارفة في قوله:
فإذا ما شربوها وانتشوا
…
وهبوا كل أمون وطمر لأن الكرم عند السكر وحده لا يعد كرماً أصيلاً، وقس على ذلك كثيراً ن أمثلة هذا النقد، التي لا تعد نقداً للشعر نفسه وإنما تلمح العلاقة بين الشعر وبين المواضعات الاجتماعية والأخلاقية.
مبدأ الجودة المثالية
وقريب من هذه القاعدة أخرى نشأت عن ملاحظة الجودة المثالية في الشيء الموصوف، فالشاعر قد يصف فرسه بان شعره مسترسل على جبينه، وكذلك هو في واقع حاله، فيعاب بهذا الوصف لان العرب اتفقت على أن الفرس الجيد لا يكون شعره كذلك (1) .
الخضوع للعرف في النظر للبيت المفرد
إن الخضوع للعرف العام في الخلق الفردي والاجتماعي وفي محاسن الأشياء وعيوبها هو الحكم الذي كان يفيء إليه أولئك النقاد العلماء في دراستهم للشعر. وكانوا ما يزالون يتساءلون عن أمدح بيت وأغزل بيت وأهجى بيت، ولم يكن هذا السؤال؟ على سذاجته - وليد اعتقاد بان البيت هو الوحدة الشعرية، وإنما كان وليد البيئة التي تعتمد على الحفظ وعلى الاستشهاد والتمثل بالأبيات المفردة السائرة، مثلما هو نتاج المفاضلة الساذجة في نطاق الموضوع الواحد، وسيكون النظر إلى " البيت المفرد السائر "؟ أو الأبيات المفردة السائرة - محكاً للجودة ما دام الحفظ لا يسمح بتصور القصيدة جميعاً، ولكنا نرى إلى جانب ذلك اهتماماً بقصائد تؤخذ جملة، ويطلق عليها الحكم ويقرظ صاحبها بها، وبأنه لو اجتمع له عدد من القصائد مثلها لكان عالي الشأن في ميزان النقد.
الرواة يستجيبون للتغيير في الشعر
وقد جرت القواعد السابقة وأشباهها إلى عمل خطير في نطاق الرواية الأدبية حين استباح الرواة أن يغيروا ما يمكن تغييره إذا هو لم يتفق وتلك القواعد؛ يقول الأصمعي: قرأت على خلف شعر جرير فلما بلغت قوله:
فيا لك يوماً خيره قبل شره
…
تغيب واشيه وأقصر عاذله
(1) إذا غطت الناصية الوجه لم يكن الفرس كريماً (الموشح: 39) .
فقال: ويليه، ما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ قلت له: هكذا قرأته على أبي عمرو؛ فقال لي: صدقت، وكذا قاله جرير، وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك غلا كما سمع، فقلت: فكيف كان يجب أن يقول، قال: الأجود له ولو قال:
فيا لك يوماً خيره دون شره
…
فاورده هكذا، فقد كان الرواة قديماً تصلح من أشعار القدماء. فقلت: والله لا ارويه بعد هذا إلا هكذا (1) .
الخليل ومصطلح العروض البدوي
وكان الخليل بن احمد (2) - حين وضع العروض - قد وضع في أيدي هؤلاء العلماء مصطلحاً للعيوب الشكلية، من إقواء وإسناد وإيطاء، ظل هو مفزعهم كلما أرادوا نقد الشعر من تلك الناحية. والشيء اللافت للنظر في مصطلح الخليل انه مستمد من " بيت الشعر " - بفتح الشين - وقد كان عمله من هذه الناحية يمثل وعياً دقيقاً وتكاملاً في النظرة العامة. يقول في وصفه لما صنع: " رتبت البيت من الشعر ترتيب البيت من بيوت الشعر - يريد الخباء - قال: فسميت الإقواء ما جاء من المرفوع في الشعر والمخفوض على قافية واحدة؟. وإنما سميته إقواء لتخالفه، لان العرب تقول: أقوى
(1) الموشح: 198 - 199.
(2)
للخليل في توجيه النقاد عمل آخر عدا المصطلح العروضي فهو الذي يقول: " الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا، ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده؟. فيحتج بهم ولا يحتج عليهم، ويصورون الباطل في صورة حق والحق في صورة الباطل "(منهاج البلغاء: 143) وقد وضع الخليل في هذا القول أسساً كثيرة اعتمدها النقاد من بعد، وتناولوها بالموافقة أو المخالفة.
القائل إذا جاءت قوة من الحبل تخالف سائر القوى؟ (1) ، وستكون هذه السنة التي سنها الخليل في الوصل بين المصطلح الشعري وشئون الخباء البدوي - والحياة البدوية عامة - مرجعاً يستوحي منه هؤلاء العلماء كلما حاولوا مصطلحاً جديداً في النقد، وذلك ما سيتبين لنا بعد قليل.
قاعدة الاستواء النفسي
ونحن إذا أنعما النظر في أحكام هؤلاء العلماء؟ وكتاب الموشح للمرزباني معرضها - وجدنا ان هناك نواة لحركة نقدية، مهما تكن أسبابها موصولة بالخطا أو الصواب، وإنها قد تتطور في المستقبل إلى نظرات أوفى وأشمل. وفي مقدمة تلك القواعد ما يمكن أن نسميه " قانون الاستواء النفسي "، أي أن يظل الشاعر ملتزماً بمستوى واحد من النظرة إلى الحياة وقيمها، فامرؤ القيس متسق الشعور مع حاله - وهو ابن ملك وطالب مجد - حين يقول (2) :
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة
…
كفاني ولم أطلب، قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل
…
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
ويتطلب الناقد منه أن يظل ملتزماً بهذا المستوى من الشعور بالذات وبقيمة الغاية، ولذلك فإن الناقد يراه قد هوى من عليائه أو أصبح على حد تعبيره " نذلاً " حين يقول:
لنا غنم نسوقها غزار
…
كأن قرون جلتها العصي
فتملأ بيتنا اقطاً وسمنا
…
وحسبك من غنى شبع وروي
وهذا القانون الصارم يجهل تقلب الحال النفسية، وينكر أن يكون شعر
(1) الموشح: 15 - 16.
(2)
الموشح: 26.
الشاعر متفاوتاً بحسب تلك الحال، وهو من القوانين الخاطئة التي لا تلبث أن تندرس كلما اتسع مجال الفهم النفسي لدى النقاد، ولعل هذا هو الذي دعا بعض النقاد إلى أن يقول: عن كثيراً من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه (1) ، يعتذر بذلك عن التفاوت النفسي، بالإضافة إلى التفاوت في مستوى الجودة الشعرية (2) .
قانون الشمول الخاطئ
وإذا كان القانون السابق يدل على مقدار التصور الخاطئ والإدراك الساذج فإن بعض المقاييس الأخرى يدل على شمول في النظرة ويعتريه الخطأ من ذلك الشمول نفسه؛ ومثاله ما رواه أبو عبيدة عن أبي الخطاب الأخفش، قال أبو الخطاب وكان " اعلم الناس بالشعر وانقدهم له، واحسن الرواة ديناً وثقة " -: " لم يهج جرير الفرزدق إلا بثلاثة أشياء يكررها في شعره، كلها كذب، منها جعثن والزبير والقين؟. "(3) فهذا الحكم قائم على تمثل واضح لشعر جرير الذي يكرر الهجاء بهذه الأشياء، ولكنه حكم ينظر إلى الموضوع نفسه لا إلى الطريقة، ويحتكم إلى قاعدة " الكذب "؟ وهي قاعدة أخلاقية.
تميز الأصمعي بين الرواة
ومن الطبيعي أن يتفاوت هؤلاء العلماء في طبيعة إسهامهم النقدي، ويقف الأصمعي (- 210) بينهم مثلاً متميزاً، فهو وإن شاركهم في كثير من النظرات الساذجة من مثل الالتفات نحو أغزل بيت وأهجى بيت وما أشبه ذلك من أحكام، قد هداه بصره النافذ إلى مواقف نقدية واضحة، ونكتفي هنا بثلاثة
(1) الموشح: 37.
(2)
التفاوت في مستوى الجودة الشعرية يدل عليه قول الأصمعي " طفيل الغنوي في بعض شعره أشعر من امرئ القيس ".
(3)
الموشح: 193.
مواقف منها:
(1)
الفصل بين الشعر والأخلاق: من العجيب أن الأصمعي الذي كان يتحرج تديناً من رواية أي شعر فيه ذكر للأنواء (1) ، يقيم حداً فاصلاً بين الشعر والدين، ويراهما عالمين منفصلين لا يتصل أحدهما بالآخر، وفي اتصالهما حيف على الشعر نفسه، ومن ذم نسمعه يقول في لبيد راوياً هذا القول عن أستاذه أبي عمرو بن العلاء:" ما أحد أحب إلي شعراً من لبيد بن ربيعة لذكره الله عز وجل ولإسلامه ولذكره الدين والخير، ولكن شعره رحى بزر "، يريد انه ذو جعجعة وطنين، وليس وراءه كبير شيء؛ ويسند الأصمعي رأي أستاذه بقوله:" شعر لبيد كأنه طيلسان طبري، يعني انه جيد الصنعة وليست له حلاوة "(2) . وأوضح من هذا في تبيان موقفه من العلاقة بين الشعر والدين، قوله الذي لا يزال يقتبس دائماً في هذا المعرض:" طريق العر إذا أدخلته في باب الخير لان، ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام فلما دخل شعره في باب الخير - من مراثي النبي (ص) وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم - لان شعره. وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الحمر والخيل والحروب والافتخار، فإذا أدخلته في باب الخير لأن "(3) . ففي هذا النص القيم الغريب نجد الأصمعي قد قصر مجال الشعر على الشئون الدنيوية التي كانت سائدة في الجاهلية، وحدد موضوعاته التي تصلح له
(1) وذلك أن الأصمعي كان لا ينشد ولا يفسر ما كان فيه ذكر الأنواء لقول رسول الله (ص) : إذا ذكرت النجوم فأمسكوا؛ وكان لا يفسر ولا ينشد شعراً فيه هجاء، وكان لا يفسر شعراً يوافق تفسيره شيئاً من القرآن (الكامل 3: 36) .
(2)
الموشح: 100.
(3)
الموشح: 85، 90 وانظر آمالي المرتضى 1:269.
ويصلح لها، وجعل صفة " اللين " عالقة بالموضوعات المتصلة بالخير والدين. فلدينا هنا اصطلاحان غامضان بعض الغموض هما " اللين " و " الخير "؛ فأما " اللين " فقد وضع الأصمعي إزاءه " طريقة الفحول " ثم لم يتجاوز حدود الموضوع، ولكن كلمة " اللين " سترد عند بعض النقاد مرادفة لضعف الأسر، يقول ابن سلام:" وأشعار قريش أشعار فيها لين فتشكل بعض الأشكال "(1) ، ولا باس ان نفهمها على النحو نفسه عند الأصمعي. وأما كلمة " الخير " فليس يقابلها لفظة " الشر " وإن روي قول الأصمعي من بعد " الشعر نكد بابه الشر "، وظني أن هذه الرواية غير دقيقة، وإنها ترجمة متأخرة بعض الشيء لمفهوم قول الأصمعي، وإنما الخير عند الأصمعي يعني " طلب الثواب الأخروي " أو ما يتصل اتصالاً وثيقاً بالناحية الدينية ويقابله حينئذ " دنيوية " الشعر واتصاله بالصراع الإنساني في هذه الحياة، فالليونة والانحياز إلى الخير مضادان للفحولة، وهذا هو المبدأ الثاني الذي نميز به الأصمعي:
(2)
الفحولة: يعود بنا هذا المصطلح إلى طريقة الخليل بن أحمد في انتخاب الألفاظ الدالة على الشعر من طبيعة الحياة البدوية، فالفحل جملاً كان أو فرساً، يتميز بما يناقض صفة " اللين " التي يكرهها الأصمعي في الشاعر، وبالفحولة يتفوق على ما عداه، فقد سال أبو حاتم الأصمعي عن معنى الفحل فقال له:" له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق "(2) ؛ لهذا انقسم الشعراء لدى الأصمعي في فئتين: فحول وغير فحول: قال أبو حاتم: " سالت الأصمعي عن الأعشى - أعشى بني قيس بن ثعلبة - أفحل هو؟ قال: لا ليس بفحل "(3) ؛ وقال: سالت الأصمعي عن مهلهل، قال:
(1) الطبقات: 204.
(2)
الموشح: 63، والحقاق: جمع حق، وهو الذي استكمل ثلاث سنوات.
(3)
المصدر نفسه.
ليس بفحل، ولو قال مثل قوله " أليلتنا بذي حسم أنيري " خمس قصائد لكان أفحلهم (1) . وقال: سالت الأصمعي عن عمرو بن كلثوم، أفحل هو: فقال: ليس بفحل، قلت: فأبو زبيد؟ قال: ليس بفحل، قلت: فعروة بن الورد؟ قال: شاعر كريم وليس بفحل. قلت: فالحويدرة؟ قال: لو كان قال خمس قصائد مثل قصيدته - يعني العينية - كان فحلاً. قلت: فحميد بن ثور؟ قال: ليس بفحل. قلت: فابن مقبل: قال: ليس بفحل؟ قلت: فابن أحمر الباهلي: قال: ليس بفحل؟ قلت: فكعب بن جعيل؟ قال: أظنه من الفحول ولا أستيقنه. قلت: فحاتم الطائي؟ قال: حاتم إنما يعد في من يكرم، ولم يقل إنه فحل في شعره. قلت: فمعقر بن حمار البارقي حليف بني نمير؟ قال: لو أتم خمساً أو ستاً لكان فحلاً؟ قلت: فكعب بن سعد الغنوي؟ قال: ليس من الفحول إلا في المرئية فإنه ليس مثلها في الدنيا؛ قال: وسألته عن خفاف بن ندبة وعنترة والزبرقان بن بدر فقال: هؤلاء اشعر الفرسان؟ ولم يقل إنهم فحول. قلت: فالأسود بن يعفر النهشلي: قال: يشبه الفحول؟ قلت: فأوس بن مغراء الهجيمي، قال: لو كان قال عشرين قصيدة لحق بالفحول، ولكنه قطع به. قلت: فكعب بن زهير بن أبي سلمى؟ قال: ليس بفحل، قلت: فزيد الخيل الطائي؟ قال: هو من الفرسان؟ الخ (2) .
يتجلى لنا في هذا النص أن الفحولة صفة عزيزة، تعني التفرد الذي يتطلب:
(أ) غلبة الشعر على كل صفات أخرى في المرء، فرجل مثل حاتم قد يقول قصائد ولكنه يعد في الاجواد ولا يسمى فحلاً لان الشعر لا يغلب عليه؛ وكذلك أشباه زيد الخيل وعنترة، فإنهم فرسان يقولون شعراً، وحسب.
(1) الموشح: 106.
(2)
الموشح 106، 119 - 120.
(ب) وأن غلبة صفة الشعر تستدعي عدداً معيناً من القصائد التي تكفل لصاحبها التفرد، فالقصيدة الواحدة كما هي مرئية كعب بن سعد الغموي لا تجعل من صاحبها فحلاً. ويتفاوت هذا العدد، على قاعدة لا ندريها، فهو خمس قصائد أو ست أو عشرين.
ونقل ابن رشيق نصاً عن الأصمعي يذكر فيه كيف يصبح الشاعر فحلاً، ويبين ذلك النص المجال الثقافي للشاعر ولكنه لا يضيف إليه عنصراً آخر من موهبة أو غيرها، قال الأصمعي:" لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلاً حتى يروي أشعار العرب ويسمع الأخبار ويعرف المعاني وتدور في مسامعه الألفاظ، وأول ذلك ان يعلم العروض ليكون ميزاناً له على قوله، والنحو ليصلح به لسانه وليقيم إعرابه. والنسب وأيام الناس ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها بمدح أو بذم "(1) .
وليس من شك في أن هذه الفحولة تعني طرازاً رفيعاً في السبك وطاقة كبيرة في الشاعرية وسيطرة واثقة على المعاني وإن لم يفصح الأصمعي عن ذلك كله. ومن غريب ان هذه الفحولة لا تلتبس بروح الفروسية لدى الأصمعي، فليست هي وحسب " قوة النفس " على الموت حين يعبر عنها في الشعر، غير أنها اتجهت هذا الاتجاه في المفهوم عند أبي عبيدة فقد كان إذا سمع شعر قطري بن الفجاءة قال:" هذا الشعر! لا ما تعللون به نفوسكم من أشعار المخنثين "(2) . فالفحولة بهذا المعنى ضد " التخنث "، وتلك عودة إلى مقياس خلقي ربما لم يقره الأصمعي، وإن كان هناك شبه ما بين صفتي " التخنث " و " اللين ".
وأياً كانت الفروق القائمة بين تصور الأصمعي وأبي عبيدة للفحولة فإن صفة " القوة " هي المقياس المشترك لديهما ولدى سائر هؤلاء العلماء
(1) العمدة 1: 132.
(2)
أمالي المرتضى 1: 638.
الرواة؛ غير أن اعتماد مقياس واحد للتمييز بين مختلف ألوان الشعر يعد خطراً على النقد وعلى التذوق معاً، ولابد من أن يضيق به الدارسون ذرعاً، حتى هؤلاء الرواة أنفسهم لن يحسنوا الصبر على لون واحد فيما يرونه. إذ ما أسرع ما يحدث تضييق المقاييس تقلباً في الذوق بين الحين والحين، فكيف إذا كان المعتمد مقياساً واحداً؛ وقد ذكر ابن قتيبة أن الأصمعي نفسه كان يروي قول الشاعر (1) :
يا تملك يا تملي
…
صليني وذري عذلي
ذريني وسلاحي ثم
…
شدي الكف بالغزل ويعلل روايته له واختباره " بخفة رويه "، فكيف يكون حال غير الأصمعي وهو لا يملك مقياساً يلزمه الإعجاب بالفحولة وعدم اللين.
وقد صور الجاحظ هذا التقلب في الأذواق لدى الرواة أنفسهم فقال:
" وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين: ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب ونسيب الأعراب والأرجاز الأعرابية القصار وأشعار اليهود والأشعار المصنفة، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله، ووقعوا على قصار الأحاديث والقصائد والفقر والنتف من كل شيء. ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب فصار زهدهم في نسيب العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب، ثم رأيتهم منذ سنيات وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر أو فتياني متغزل "(2) .
(1) الشعر والشعراء: 29.
(2)
البيان والتبين 3: 323.
(3)
العناية بالتشبيه: أورد الحاتمي في حلية المحاضرة (1) صورة مجلس في بلاط هارون الرشيد دار الحوار فيه حول أحسن التشبيهات عند الشعراء، ويبدو أن هذا المجلس جمع فعلاً أكثر الأبيات التي ميزها الاستحسان على مر الزمن، لما فيها من جمال التشبيه، ولو فرضنا ان هذا المجلس من نسج الخيال، لما استطعنا أن ننكر أن ذكر الأصمعي فيه غنما كان مبنياً على شهرته في هذه الناحية أيضاً، وقد ميز الأصمعي تشبيهات امرئ القيس مثل:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً
…
لدى وكرها العناب والحشف البالي
كأن عيون الوحش حول خبائنا
…
وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
ولو عن ثنا غيره جاءني
…
وجرح اللسان كجرح اليد وآثر الرشيد والفضل ويحيى تشبيهات أخرى، مثل تشبيه طرفة:
يشق حباب الماء حيزومها بها
…
كما قسم الترب المفايل باليد وتشبيه عنترة في الذباب وغير ذلك. ومما يدل على أن هذه المجموعة تمثل المختار من التشبيهات لا بالنسبة للأصمعي وحده بل بالنسبة لمن تقدمه من العلماء، قول الأصمعي نفسه (2) " اجمع أبو عمرو بن العلاء وخلف الأحمر و [] وهؤلاء أهل العلم بالشعر أن التشبيهات العقم التي انفرد بها أصحابها ولم يشركهم فيها غيرهم ممن تقدم ولا ممن تأخر أبيات معدودات أحدها قول عنترة
(1) الورقة 11 وما بعدها (النسخة رقم 590) .
(2)
الورقة: 13 من المصدر السابق.
في تشبيه حنك الغراب بالجلمين؟ الخ " ثم عد هذه التشبيهات العقم؛ فللأصمعي الفضل في توسيع نطاق هذا الموضوع الذي حام حوله العلماء قبله.
قصور النقد عن متابعة التغير في الثقافة والشعر
من ثم يمكننا أن نقول إن النقد في مطلع القرن الثالث كان قاصراً عن الوفاء بحاجة دارسي الأدب. لاتساع الآفاق الجديدة، وضيق أفق النقد. فقد ظل النقد حيث هو، بينا كان الشعر يشهد تغيراً كبيراً على يدي أبي نواس وأبي العتاهية وأبي تمام والعباس بن الأحنف وإضرابهم ممن سموا المحدثين، ولم يعد مقياس " القوة " صالحاً لأمثال العباس وأبي العتاهية، كما ان الحكم على شعر أبي تمام المسرف في " البديع " اصبح يتطلب مقياساً جديداً. ونشأت طبقة جديدة ن الكتاب عربية اللغة غير أنها ليست عربية الذوق، لأنها تعتمد في ثافتها على كليلة ودمنة وعهد أدرشير وكتاب مزدك (1) وما شاكل ذلك. وهي تمثل عصب الطبقة المثقفة. وتسللت الثقافة المنطقية الفلسفية إلى نفوس المثقفين - في بطئ - وبدا صراع بين المبنى الشعري والمبنى المنطقي. وكاد ان يتم الانفصال ثمة بين الشعر والنثر، وكثر التساؤل عن المقياس الصالح للمبنى النثري. وكان الجاحظ يمثل هذا الانفصال على نحو عملي، كما كان أمثال أبي تمام ثم ابن الرومي من بعده يحاولون عملياً الجمع بينهما. وزادت حركة الاعتزال من تقديس العقل واستتبع ذلك اللحاح على الوضوح في الفكرة، وكان النثر ارحب صدراً من الشعر لتقبل هذا المنحى. ولكن كان لابد لهذا الاتجاه من أن يتساءل عن منزلة المعنى بالنسبة إلى الشكل شعراً كان الموضوع أم نثرا، لصلة المعنى بالاتجاه العقلي.
(1) رسالة الجاحظ في الكتاب، انظر رسائل الجاحظ 2: 191 - 192.
تباين الرواة في تصورهم لمهمة الشعر
وزاد الأمر حدة اختلاف طبقة الرواة أنفسهم في تصورهم للمهمة التي يروى الشعر من اجلها، فكل فريق منهم يريده أن يخدم غاية محددة، دون الالتفات إلى الغايات الأخرى، وهذا على أنه تحيز في الذوق، يعد تسخيراً للشعر كي يخدم غايات عملية وفؤائد نفعية، لا عن طريق التأثير بل عن طريق المحتوى غير الشعري:
(1)
فالنحويون من هؤلاء الرواة لا يروون إلا كل شعر فيه أعراب.
(2)
والذين يجمعون الأشعار لا يهتمون غلا بكل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج.
(3)
ورواة الأخبار لا يقبلون إلا على كل شعر فيه الشاهد والمثل.
(4)
وعامة الرواة لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة والديباجة الكريمة وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ وأشارت إلى حسان المعاني، وهؤلاء أكثرهم من رواة الكتاب (1) .
وعلى الرغم من ان الطبقة الأخيرة هي التي تصطلح للنقد، فإنها لا تهتم بالشعر من حيث هو، بل تتخير منه ما يقوي قدرة أفرادها على البيان، وتجعل من الشعر وسيلة إلى إتقان الصياغة النثرية.
(1) البيان والتبيين 3: 323.
الجاحظ يعيب الرواة في مجال النقد
وقد قضى الجاحظ على هؤلاء الرواة - وهم أساتذته الذين درس عليهم - بحكم أخرجهم به من نطاق النقد الأدبي، وترك المكان خالياً ليحتله أي ناقد قدير. فقال:" ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعاراً من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التحفظ والتذاكر، وربما خيل إلي ان أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون ان يقولوا شعراً جيداً لمكان أعراقهم في أولئك الآباء؛ ولو أن أكون عياباً ثم للعلماء خاصة لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة ومن هو ابعد في وهمك من أبي عبيدة "(1) .
تحكم الذوق المحافظ في الرواة
ولكن ما كان الجاحظ ولا غيره ليستطيعوا تغيير الذوق الأدبي في زمن يسير، بل ربما زادت الهجمات التي يوجهوها للرواة من تمسك بعضهم بما نشأوا عليه وألفوه، فوجد أولئك المتشبثون بما عرفوا، الذين تشدهم روح المحافظة إلى الموروث والذوق المألوف، على نحو يوحي بالتعصب المحض أحياناً، وفي طليعة هؤلاء ابن الأعرابي الذي نتخذه نموذجاً لهذا الموقف المحافظ، فقد قرا عليه أحد تلامذته أرجوزة أبي تمام:
وعاذل عذلته في عذله
…
فظن أني جاهل من جهله وهو لا يعرف نسبتها، فأمر تلميذه بان يكتبها له، قال التلميذ فقلت له: أحسنة هي؟ قال: ما سمعت بأحسن منها. فقلت: أنها لأبي تمام. فقال: خرق خرق (2) . وأمثلة هذه العصبية في طبقة المحافظين ثيرة، وهي ليست قاصرة على رفض شعر أبي تمام بل إنها تتناول كل شعر محدث؛ يقول
(1) البيان والتبيين 3: 324.
(2)
أخبار أبي تمام: 175 - 176 وتهذيب ابن عساكر 4: 22.
الصولي في ابن العرابي " وكذلك فعل في النوادر (يعني كتاب النوادر) جاء فيها بكثير من أشعار المحدثين ولعله لو علم بذلك ما فعله "(1) . وينقل المرزباني عمن روى عن ابن الأعرابي قوله في شعر المحدثين عامة: " إنما أشعار هؤلاء المحدثين - مثل أبي نواس وغيره - مثل الريحان يشم يوماً ويذوي فيرمى به، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلما حركته أزداد طيباً "(2) .
الجو مهيأ لظهور الناقد
كان الجو إذن مهيأ للناقد الذي تتكافئ لديه صفتا القدم والحداثة، ويهيديه ذوقه إلى الجيد في كل منهما، فلا يتحيز لإحداهما على الأخرى، فهل وجد هذا الناقد؟ ذلك ما نريد أن نتبينه عند دراسة المحاولات النقدية في القرن الثالث.
(1) أخبار أبي تمام: 177.
(2)
الموشح: 384.