المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النقد في الأندلسفي القرنين السادس والسابع - تاريخ النقد الأدبي عند العرب

[إحسان عباس]

الفصل: ‌النقد في الأندلسفي القرنين السادس والسابع

‌النقد في الأندلس

في القرنين السادس والسابع

شيوع المؤلفات الأدبية القائمة على أساس جغرافي

قد رأينا أول التفاتة عارضة إلى الأثر الإقليمي في الأدب إنما وردت عند الثعالبي في اليتيمة، ثم توضحت وأصبحت موضع تساؤل عند كل من عبد الكريم النهشلي وابن رشيق؛ ولا بد ان يكون الموقف الدفاعي عند أدباء الأندلس قد غذى ذلك الاتجاه وساعد على تبلوره في النفوس؛ فوجد الإحساس العميق بالتاريخ الأدبي لكل إقليم على حدة، وأصبحت العناية بالمعاصرين لدى مؤرخي الأدب في المشرق والمغرب ظاهرة كبيرة؛ وسلك المؤرخون للأدب في تواليفهم إحدى طريقين: فإما ساروا على طريقة الثعالبي في تأليف موسوعي يضم اشهر شعراء كل إقليم وأدبائه كما فعل العماد الأصفهاني في الخريدة، وابن سعيد في كتابه المغرب والمشرق، وإما اقتصروا على شعراء إقليم واحد، كما هي الحال في " الجنان " لابن الزبير وهو في شعراء مصر، و " زاد المسافر " لصفوان بن إدريس في معاصريه من الأندلسيين و " تحفة القادم " لابن الابار في شعراء الأندلس بعد فترة صفوان، إلى أشباه هذه المؤلفات - وهي كثيرة العدد - خلال القرنين السادس والسابع. ولكن القاعدة النقدية في هذه الكتب ضعيفة، فهي لا تتجاوز القسمة الجغرافية إلا إلى شيء من التعليقات السريعة؛ فأما أن يدرس العماد الأصفهاني أو صفوان بن إدريس بين النقاد فذلك ما لا يحقق شيئاً واضحاً في تاريخ النقد سوى المسئولية التي قد يتحملها هؤلاء المؤرخون للأدب في إثبات ما أثبتوه

ص: 493

ورفض ما رفضوه، ومدى تأثيرهم في توجيه الذوق المعاصر حينئذ أو في توجههم بقوة ذلك الذوق.

فترة الخوف من الضياع

وقد نسمي هذين العصرين في تاريخ الأدب المشرقي والمغربي فترة الخوف من الضياع، إذا تذكرنا الحروب الصليبية في المشرق، وسقوط كثير من المدن الأندلسية واحدة إثر أخرى في القرن السابع، ثم الموجة المغولية التي ظلت تتدحرج في طريقها حتى أبواب سيناء؛ وفي فترات الخوف من الضياع يكثر التسجيل والتقييد ويقل النقد أو يضعف صوته، وتخمد المعارك الأدبية لالتهاء الناس بمعارك تحدد البقاء أو الفناء. فإذا حدث أن ثارت النزعة الإقليمية في قطر ما واستدعت الجدل والمماحكة ضد نزعة أخرى كان اكبر جهد للنقد إبراز المفاخر، وعلاء شان الحسنات.

أثر الخوف من الضياع في كل من الشعر والنقد

ونجم عن الخوف من الضياع ظواهر أخرى في طبيعة الشعر نفسه: منها الميل إلى الإطالة في مبنى القصيدة والإكثار من الشعر؛ وهذا يقد يفسر باسم الرغبة نفسها في التخليد والبقاء، ولكن له في نظري معنى آخر: وذلك أن شقة البعد بين الشاعر وحماة الشعر ورعاته قد زادت، فأصبح الشاعر يتلذذ من ناحية ويملأ وقت فراغه من ناحية أخرى بمطولات شعرية، وهو يعرف ما قاله ابن رشيق من قبل بان المطولات أكثر إثارة للهيبة في النفوس؛ وكانت التفننات البلاغية التي تكاثرت على مر الزمن قد جعلت تسوق القصيدة في طريقها، بدلاً من أن يظل الشاعر هو الذي يتحكم في بناء قصيدته، فكم من أبيات لم تأت إلا لأن الجناس قد خلقها ومثلها أمام عيني الشاعر جميلة، وزاد القصيدة طولاً انحلال صفة الجزالة، وعجز الشاعر تحت وطأة التلاعب أن يوفر لأبياته الاكتناز والامتلاء؛ أقول هذا في الجملة وأنا أعلم أن استثناءات قد تقع هنا وهناك. وزاد من صفة الجزالة ذوباناً انتشار التصوف ومحاولة الشعر أن يعبر عنه وعن تجارب

ص: 494

أصحابه، والشعر الصوفي يمثل استسلام الكلمة لمدلولات جديدة، واتجاه التركيب إلى عدم الدقة لأن التأويل فيه ممكن ميسور، والانسياق المسترسل في المبنى دون حدود صارمة، والحاجة إلى النغمة العذبة، لأن كثيراً من ذلك الشعر كان يغنى في الحلقات.

كساد الشعر في الجملة

وقد كان الشعراء كثيراً ما يذكرون في العصور السابقة " حرفة الأدب "، ويعدون أنفسهم محارفين محدودين؛ وفي القرن الخامس تحدث ابن رشيق عن التكسب بالشعر حديثاً يتصل بعصره؛ ولكن الظاهرة في هذين القرنين تجعل للكساد الذي يشكوه الشعراء معنى فنياً إلى جانب المعنى الاجتماعي؛ ولسنا نقلل من أثر المعنى الثاني فإنه يتصل بصميم الأوضاع الاقتصادية التي واجهها الشعراء على مر الزمن، ولكن يبدو ان وراء هذا العامل عاملاً آخر هو ضعف أثر الشعر في النفوس، وشعور الشاعر بالهزيمة إذا قاس نفسه إلى غيره من المثقفين: وهذا الإعلان بالكساد نسمعه من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، فعنه عبر أبو إسحاق الغزي (- 524) (1) حين قال:

قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة

باب الدواعي والبواعث مغلق

خلت الديار فلا كريم يرتجى

منه النوال ولا مليح يعشق

ومن العجائب أنه لا يشتري

ويخان فيه مع الكساد ويشرق وعنه عبر الأعمى التطيلي (- 252) وشاح الأندلس بقوله يصور سيادة الفقه واندحار الشعر:

أيا رحمتا للشعر أقوت ربوعه

على انه للمكرمات مناسك

وللشعراء اليوم ثلث عروشهم

فلا الفخر مختال ولا العز تامك

فيا دولة الضيم اجملي أو تجاهلي

فقد أصبحت تلك العرى والعرائك

ويا " قام زيد " اعرضي أو تعارضي

فقد حال من دون المنى " قال مالك "

(1) له ترجمة مطولة في الخريدة (قسم الشام) .

ص: 495

الانصراف الجماهيري نحو الأشعار العامية وزيادة آمة الشعر الفصيح

فإذا كان هذا حال الشعر بسبب الخوف من الضياع وضعف الصلة بين الشاعر والممدوحين، فإن مما يزيد حاله وهناً اكتفاء الجماهير في المشرق والمغرب بشعرها العامي - اعني بألوان الزجل التي وجدت فيها غذاءها الطبيعي، وبهذا يتضح ان أزمة الشعر ازدادت عما رأينا في القرن الخامس؛ وزاد من وضوحها عدم ظهور الشاعر الذي ينتهج مذهباً يثير من حوله حركة نقدية، فكانت حال الشعر سبباً في ضعف النقد عامة. نعم وجد الوشاح الكبير الذي يستطيع أن يمد برزخاً فوق الهوة القائمة بين طبقات المثقفين وجماهير الشعب، ولكن هذا الوشاح لم يستطع أن يستثير حوله مدرسة نقدية معارضة، لأن الناس استقبلوا الخفة الغنائية في مبتكراته وهم بحاجة إليها - دون ثورة امتعاض أو مغالاة في إعجاب.

الاهتمام بالمصطلح البلاغي الشكلي واعتباره نقداً

وكان الانحراف نحو الشكل قد وصل إلى النتيجة الحتمية وهي الاهتمام في الشعر بالشئون البلاغية التي كانت تسير من قبل في معونة الحركة النقدية، فلما ضعف النقد، انفصلت عنه البلاغة واستقلت واستأثرت بالاهتمام الكلي، وأصبحت جهود أصحابها مقصورة على التفنن في التقسيم والتفريع؛ وتجولت كلمة " نقد " عن معناها الأصلي، فإذا قرأت عنوان كتاب لأسامة ابن منقذ " البديع في نقد الشعر " فقدر أنه تحديد لمصطلحات البديع ليس غير، وانه لا يتعلق من النقد بسبب قوي، وكان ذلك أشد وضوحاً في المشرق، فأنت إذا استثنيت بلاغياً مترسلاً كابن الأثير كانت شخصيته نفسها ذات أثر في تكوين بعض المفهومات النقدية، وجدت أن أكثر جهود المشارقة اتجهت نحو البلاغة؛ وصادف ذلك اشتداد الذوق الفارسي على أثر اليقظة على الشعر الفارسي نفسه، فكان أن وجد ذلك الذوق طلبته الكبرى في مصطلح البديع، وحين تقرأ كتباً مثل ترجمان البلاغة

ص: 496

ودقائق السحر للرشيد الوطواط (- 573) تجد ان مفهوم النقد الأدبي لم يعد كما كان عند أبن طباطبا وقدامة والآمدي والجرجاني.

دور الأندلس وتقاعسها عن أداء دورها

ولذلك اضطلعت الأندلس بكثير من مهمة النقد في هذين القرنين؛ مثلما اضطلعت بتطوير فني الموشح والزجل اللذين كانا يتطلبان مقاييس نقدية جديدة ملائمة. ولكن الأندلس لم تكن تعي أنها مهيأة لدور خطير في النقد: نعم إن محاولات ابن بسام وابن خفاجة وابن سعيد وصالح بن شريف الرندي قد تدخل في سياق نقدي، وقد تكون عودة كل من ابن رشد وحازم القرطاجني إلى " كتاب الشعر " عودة إلى منبع أصيل، ولكن الأندلس كانت تعاني احساسات الخوف من الضياع ثم الضياع المحقق، فلما جاء دورها في النقد الأدبي، وجدت اكثر زادها في عمدة ابن رشيق (1) ، وربما قلنا إنها لم تسطع أن تضع المقاييس النقدية التي يتطلبها منها كل من الموشح والزجل، وفات العهد الذي كان يمكنها من الالتفات إلى المشكلات الكبرى.

فإذا تجاوزنا الأندلس لم نجد حيوية نقدية نسبية إلا في مصر. وهي متأثرة بالأدب الأندلسي مثلما هي متأثرة بالتيار البلاغي المشرقي.

ابن خفاجة ومثله الشعرية العليا

وابن خفاجة (- 533) شاعر الطبيعة أول من يطالعنا من نقاد الأندلس في القرن السادس؛ وهو يمثل الشاعر الذي وجد طريقته أول الأمر في مثل شعر الرضي ومهيار وعبد المحسن الصوري، ثم ألمت به في الحياة فترة من الانقطاع عن قول الشعر، استمرت حتى دخول المرابطين إلى الأندلس وقدوم الأمير أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين أميراً على

(1) قام محمد بن عبد الملك الشنتريني (- 545) بتخليص العمدة (انظر التكملة: 472) .

ص: 497

المنطقة الشرقية؛ فعندئذ استأنف قول الشعر؛ غير انه حريص على أن يؤكد انه ظل يقوله متعففاً به عن التكسب، كما كان شأنه في عصر الشباب:" فعطفت هنالك على نظم القوافي عناني؟. مطنعاً لا منتجعاً ومستميلاً لا مستنيلاً، اكتفاء بما في يدي من عطايا منان، وعوارف جواد وهاب "(1) .

الشعر مركب ذو طول ولابد أن يعتوره لذلك القوة والضعف

وتبدو قيمة المقدمة التي كتبها ابن خفاجة على ديوانه في أنه تحدث فيها عن جوانب من تجربته الفنية، فهو يعتقد ان الشعر لا يمكن ان يجيء كله مستوي الجودة وغنما ينقسم إلى طرفين ووسط، وفي الطرف الثاني تكل الأذهان وتقل المادة من لفظ وقافية (2) ؛ ثم إن الشعر يلحق بالأشياء المركبة لأنه يتألف من معنى ولفظ ووزن وروي؛ وكل تركيب فلابد أن يصيب بعض أجزائه اضطراب إذ قد يتعسر إيراد شيء من هذه الأربعة يكون انسجاماً كاملاً مطلقاً، ولذلك تجد التفاوت في الأبيات فبعضها منظومة أي متسقة وبعضها منثورة أي ضعيفة الإيقاع (3) .

التخييل يساوي الكذب وليس عيباً. مطلب الجوالة عسير لأنه لا يصلح لكل فنون الشعر

وابن خفاجة في ضيق من النقاد الذين يؤاخذون الشاعر بكل ما يقوله، ويحاسبونه من خلال القول على فعله، وهؤلاء في رأيه يغفلون عن طبيعة الشعر الذي يقصد فيه التخييل وليس القصد فيه الصدق ولا يعاب فيه الكذب (4) . وهو يقسم النقاد إلى فئات: فمنهم من ينتقد نقداً صحيحاً معتمداً على الفهم ومنهم من يحكم خبثه ومنهم من يقصر به ضعف بصيرته. وهذان الأخيران (الخبثاء وضعفاء البصيرة) قد حجروا واسعاً، واقتصروا في مقاييسهم النقدية على مقياس

(1) ديوان ابن خفاجة: 8.

(2)

ديوانه: 9.

(3)

نفسه. (وربما عني ابن خفاجة أن الشاعر قد يجيء بأبيات ثم يشفعها بقطعة منثورة في نطاق واحد) .

(4)

ديوانه: 10 - 11.

ص: 498

واحد هو " الجزالة " سواء أكان الموضوع مدحاً أو تغزلاً. جداً أو هزلاً، مع ان فناً كالغزل إنما تصلح له الرقة التي يمثلها شعر عبد المحسن الصوري والرضي ومهيار، أو ان يكون في طريقة أبي الطيب الذي يلف الغزل بالحماسة (1) .

ولا ندري إلى أي النقاد يشير ابن خفاجة حين يقول ان بعضهم اتخذ الجزالة مقياساً لكل شيء، ولعله إنما يتحدث عن بعض معاصريه ممن كان يتعقب شعره بالنقد؛ إذ لا نجد بين من تحدثنا عنهم من نقاد الأندلس من اقتصر على الجزالة وتطلبها في كل موقف؛ ولكن هذا الخبر هام لانه على ان الصراع بين طريقة العرب (وهي تقوم على الجزالة) وطريقة المحدثين (وقد تطورت حتى أصبحت محاكاة لشعر عبد المحسن والشريف ومهيار) كان ما يزال قائماً في القرن السادس.

لماذا لجأ ابن خفاجة إلى مصطلح " التخييل "

كذلك فإن لفظة " التخييل " التي استعملها ابن خفاجة إنما صدرت عن دوائر النقد المتصل بالفلسفة أو المتأثر بها فرأيناها عند الفارابي وابن سينا وعبد القاهر؛ وقد قرنها الشاعر بفكرة الكذب، وحدد هذا الكذب بالخلف بين القول والفعل، ولم يلمح أن فكرة الكذب كانت تتصل عند بعض النقاد (قدامة مثلاً) بالغلو، وهو قد يكون في الصورة أو في الوصف ولا يكون الكذب قاصراً على الفعل وحده، وإنما لجأ غليها الشاعر ليرد على الاتجاه الأخلاقي الذي كان يؤاخذ الشاعر بقوله في شعره " إني فعلت " و " إني صنعت "، إصراراً على ان الشعر بذلك يصور واقع الحياة.

(1) ديوانه: 11 - 16.

ص: 499

الاشتركويي ومقاماته اللرومية

واتخذ محمد بن عبد الله بن يوسف الاشتركويي (- 538)(1) صاحب " المقامات اللزومية " في مقامتين من مقاماته، الشكل الذي جرى عليه ابن شرف من قبل في " رسائل الانتقاد " إلا أن السرقسطي لم يتصد لنقد الاندلسيين، وكان اقل احتفالاً من ابن شرف بالتحليل وذكر العيوب واستقصائها ولا يتعدى ما يورده في المقامة أبرز ما عرف عن الشاعر، أو ما قاله حوله النقاد الأقدمون من أحكام مجملة. فالفرزدق " بنحت من صخر " وجرير " يعرف من بحر " وذو الرمة ماهر في الوصف مقصر في المدح والهجاء:" إذا وصف المنازل والمراحل والظعائن والرواحل، والأوانس والحبائب، والسباسب والركائب، والأحياء والحلال، والافياء والظلال، وطرحته الطوارح، وتعرضته السوانح والبوارح، ثم شبب بمي ونسب، فقد كفى وأحسب، فخذه وصافاً وصداحاً، ولا ترده هجاء ولا مداحاً "(2) ؛ وتعد وقفته عند ذي الرمة من الوقفات الطويلة في مقامته وإن كان من الممكن إيجاز حكمه في كلمات، وإذا حكمنا بطول الجمل المسجوعة على مدى اهتمامه بالشاعر وجدنا انه أطال الوقوف نسبياً عند عمر بن أبي ربيعة (26 سجعة) وجميل (16 سجعة) وكثير (10 سجعات) وهؤلاء هم شعراء غزلون، وذو الرمة أحدهم؛ ولا يداني هؤلاء عدداً إلا أبو فراس (21 سجعة) وقد يتضح من هذه المقارنة مدى اتساع القول لديه في من يؤثرهم من الشعراء إذا تذكرنا أن أبا نواس لم يفز منه إلا بثماني سجعات؛ غير انه لا يزال يعد الفحولة مقياساً هاماً، ولهذا يعيب عمر ابن أبي ربيعة بأنه " قصر عن مدى الفحول " ولكنه حط كثيراً على بشار " حرم فصاحة الأعراب ولم يفطر على الإعراب " ومزج المدح بالذم حين ذكر أبا تمام " بئس ما أفصح عن المعاني وعبر " وحين ذكر ابن الرومي

(1) انظر ترجمته في الصلة: 556.

(2)

من المقامة الموفية ثلاثين، الورقة: 72 وما بعدها.

ص: 500

" كثيراً ما أقول هو الشاعر ثم أرى أنه الصادح الناعر؟ حاطب ليل وزاعب سيل "؛ وقد ختم حديثه عن الشعراء بمهيار الديلمي. وكانت مقامته مقصورة على تقييم المشارقة حتى عصر مهيار (القرن الخامس) .

عودة مكرورة إلى المفاضلة بين الشعر والنثر

ولما عقد مفاضلة بين الشعر والنثر في المقامة الخمسين، لم يقل شيئاً يستحق أن نتوقف عنده، وغنما كان قوله ترديداً للعموميات التي جاء بها من سبقوه.

إن هاتين المقامتين اللتين اتخذتا النقد موضوعاً لهما، زادتا من يقيننا بان شكل المقامة لم يكن صالحاً للنقد، لا لأنها موجزة وحسب. بل لأن بناءها على السجع كان يزيد في صدرها ضيقاً عن الخروج بآراء دقيقة؛ وبهذا تكون المقامة - فيما عدا استثناءات يسيرة - ارتداداً عن النقد التحليلي وعودة إلى النشاط النقدي الذي كان سائداً في النقد العربي قبل مطلع القرن الثالث.

ابن بسام الشنتريني والعودة إلى ابن حزم

ولعل ابن بسام الشنتريني (- 542) صاحب " الذخيرة " هو أكثر النقاد بالأندلس - في القرن السادس - احتفالاً بقواعد النقد وتطبيقها. وهذا ما نلمحه في الأساس النقدي الذي يقوم عليه كتاب الذخيرة، لأن ابن بسام لم يكتب في النقد الأدبي شيئاً مستقلاً. ويمكن ان نقول إن مذهب ابن بسام في النقد يقوم على ركيزتين كلتاهما تتصل بابي محمد ابن حزم: إحداهما ركيزة الدفاع عن تراث الأندلس الأدبي عامة. والثانية: النظرة الأخلاقية في الحكم على بعض الفنون الشعرية؛ وقد شفع ابن بسام هذه الفلسفة بمواقف تطبيقية تناول فيها بعض الشئون الأدبية وخاصة قضية السرقة.

ص: 501

الموقف الدفاعي

ولقد كانت الغاية الأولى من تأليف " الذخيرة " هي جذب الأندلسيين إلى تخليد تراثهم والاعتزاز به، ولهذا ندد بهم ابن بسام في مقدمته لأنهم يهملون ما لديهم من أدب ويقبلون بالتقليد على أدب المشارقة، ويكبرون كل شيء ورد من جهة المشرق:" إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنماً، وتلوا ذلك كتاباً محكماً. وأخبارهم الباهرة وأشعارهم السائرة مرمى القضية ومناخ الرذية، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثماداً مضمحلة "(1) ؛ غير أن ابن بسام - رغم هذه الحماسة لوطنه وما فيه من شعر ونثر - كان من أكثر الناس التفاتاً إلى المشرق، فهو يبني كتابه أولاً وفي ذهنه نموذج اليتيمة للثعالبي، وهو إذا وقف عند كثير من أشعار أهل بلده لم يقف عندها إلا ليبين كيف أن معانيها مأخوذة من أشعار المشارقة. وقد يغتفر هذا الموقف لديه، لأنه كان يريد ان يظهر مبلغ ثقافته، ويربط بين الشعر المشرقي والمغربي على وجه من الدراسة المقبولة في عصره (دراسة السرقة والأخذ) ولكنه لا يعذر في أمر آخر وهو تصديه لتخليد الشعر دون إيمان عميق به، ولا ندري لماذا شاء ان يعلن عن هذه الناحية: أكان حقاً لا يؤمن بالشعر أم كان يداري نظرة سائدة في زمانه إلى الشعر حين قال: " جدة تمويه وتخيل، وهزله تدليه وتضليل، وحقائق العلوم أولى بنا من أباطيل المنثور والمنظوم "(2) .

(1) الذخيرة 1/ 1: 2.

(2)

الذخيرة 1/ 1: 7.

ص: 502

الوقفة إلى جانب الأخلاق

أما وقفته إلى جانب الدعوة الأخلاقية التي صرح بها ابن حزم فإنها تتجلى في تجافيه عن فن الهجاء " ولما وصنت كتابي هذا عن شين الهجاء وأكبرته أن يكون ميداناً للسفهاء أجريت هاهنا طرفاً من ملح التعريض ". والهجاء عنده قسمان: هجو الاشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سباباً مقذعاً، ولا هجراً مستبشعاً، والسباب الذي أمعن فيه جرير ومن حذا حذوه. ولهذا اقتصر ابن بسام على إيراد نماذج من النوع الأول؛ ذلك هو ما قرره ابن بسام من حيث المبدأ. ولكن الأمر لم يكن كذلك دائماً لأنه كثيراً ما تورط في إيراد حكايات وأشعار هجائية متصلة بها؛ وربما كان ابن بسام خاضعاً للوازع الأخلاقي الديني في رفضه للهجاء، غير أنا يجب أن نضيف إلى هذا العامل عاملاً اجتماعياً، فقد كان ابن بسام يؤرخ العلاقات بين الأحياء - في الغالب - ولذلك كان حريصاً على ان ينفي من كتابه ما قد يؤذي مشاعرهم رعاية للعلاقات الاجتماعية.

نقمة على الفلسفة والإلحاد

غير أن هذا لا يضعف ما قررناه سابقاً وهو أن العامل الأخلاقي الديني كان قوياً في توجيه النقد لدى ابن بسام، وذلك يتجلى في نفوره من التفلسف في الشعر، ومن إيراد المعاني الإلحادية فيه؛ أورد قصيدة للسميسر يقول فيها:

يا ليتنا لم نك من آدم

أورطنا في شبه الأسر

عن كان قد أخرجه ذنبه

فما لنا نشرك في الأمر فحمل عليه بشدة قائلاً: " والسميسر في هذا الكلام ممن اخذ الغلو بالتقليد، ونادى الحكمة من مكان بعيد، صرح عن ضيق بصيرته، ونشر مطوي سريرته، في غير معنى بديع، ولا لفظ مطبوع، ولعله أراد أن يتبع أبا العلاء، فيما كان ينظمه من سخيف الآراء، وهبه ساواه في قصر باعه

ص: 503

وضيق ذراعه، أين هو من حسن إبداعه ولطف اختراعه " (1) .

وأورد أبياتاً فلسفية لأبي عامر ابن نوار الشنتريني، يقول فيها:

يا لقومي دفنوني ومضوا

وبنوا في الطين فوقي ما بنوا

ليت شعري إذ رأوني ميتاً

وبكوني أي جزاي بكوا

ما أراهم ندبوا في سوى

" فرقة التأليف " إن كانوا دروا وعلق عليها بقوله: " وهذا معنى فلسفي قلما عرج عليه عربي، وإنما فزع إليه المحدثون من الشعراء حين ضاق عنهم منهج الصواب، وعدموا رونق كلام الأعراب. فاستراحوا إلى هذا الهذيان استراحة الجبان إلى تنقص أقرانه. واستجادة سيفه وسنانه، وقد قال بعض أهل النقد إنه عيب في الشعر والنثر أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلمة من كلام الأطباء أو بألفاظ الفلاسفة القدماء. وإني لأعجب من أبي الطيب على سعة نفسه وذكاء قبسه، فإنه أطال قرع هذا الباب، والتمرس بهذه الأسباب، وكذلك المعري كثر به انتزاعه. وطال إليه ايضاعه، حتى قال فيه أعداؤه وأشياعه، وحسبك من شر سماعه، وإلى الله مأله، وعليه سؤاله "(2) .

وخلاصة موقف ابن بسام هنا كراهيته لإدخال الأفكار والألفاظ الفلسفية في الشعر، وإيمانه أن المعاني ضاقت بالمحدثين، فلهذا لجاوا إلى مثل هذه الامور، وخرجوا عن " رونق كلام الأعراب "؛ وهو معجب بابي الطيب وأبي العلاء وخاصة بما يخترعه أبو العلاء، وبسعة النفس لدى أبي الطيب، ولكنه في الوقت نفسه متعجب من إقدامهما على ألفاظ الفلاسفة وأفكارهم،

(1) الذخيرة 1/ 2: 378.

(2)

الذخيرة (القسم الثاني - المخطوط) : 195 - 196.

ص: 504

ويبدو من هذا الموقف ان أبن بسام الناقد النافذ النظر، وابن بسام المتدين في صراع لا يجد له صاحبه حلاً.

الصدق الواقعي مطلب أخلاقي

ابن بسام إذن - رغم سمو ذوقه الأدبي - ناقد محافظ، عن صح التعبير، ولهذه الروح يرفض ان يضمن مؤلفه أي موشح، خضوعاً لما جرت به العادة في المؤلفات المخلدات، وغن كانت الموشحات مطربة إلى حد " أن تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب "(1) ؛ وتمشياً مع هذه الروح ومع حقيقة أندلسية واقعية يمقت الشعر حين يبتعد عن الصدق الواقعي، فإذا سمع أبا بكر الداني يقول لممدوحه ما معناه: إنك تدفع الجزية للروم لأنك تعطيهم نقمة في لبوس نعمة، تعود ضرراً عليهم (2) ثارت ثائرته لهذه الدعوى الفاجرة، وصرخ احتجاجاً على هذا الزور، ولم يعد لديه حلم الناقد الرحب الصدر:" وهذا مدح غرور وشاهد زور، وملق معتف سائل، وخديعة طالب نائل، وهيهات! بل حلت القاهرة بعد بجماعتهم؟ الخ "(3) وقد عرض ابن بسام هنا لقضية شائكه، طالما تمرس النقد العربي حولها بمثل قول النقاد: عن الشعر يحسن الباطل ويلبسه ثوب الحق ثم لا يضيره ذلك شيئاً؛ وهذا هو ابن بسام يجد الباطل مزوقاً بتسويغات كاذبة فلا تطاوعه نفسه على السكوت؛ عن الناقد - وإن يكن محافظاً في روحه - يقاس بالإخلاص، وقد كان ابن بسام مخلصاً للحقيقة في وطنه، دون ان يستطيع التمويه الشعري مخادعة نظرة عما يحس. عن هذه الوقفة وحدها من ابن بسام تصحيح لكثير من الأحكام النقدية الخاطئة التي لم تستطع أن تخفي الزيف تحت شعارات " التخييل ".

(1) الذخيرة1/ 2: 2.

(2)

في نصرة الدين لا أعدمت نصرته

تلقى النصارى بما تلقى فتنخدع

تنيلها نعماً في طيها نقم

سيستضر بها من كان ينتفع (3) الذخيرة (القسم الثاني - المخطوط) : 102.

ص: 505

ثورة على الاستعارات المبتدعة

ومما يؤكد هذه المحافظة ومبدأ الالتزام بالذوق العربي العام الذي يمثله عمود الشعر ثورته على الاستعارات البعيدة لدى بعض شعراء عصره:

" كقول ابن الطلاء: بقراط حسنك لا يرثي على عللي " وقول ابن المصيصي:

إذا كانت جفانك من لجين

فلا شك فيها ثريد وقد قدح أهل النقد في المتنبي بخروجه في الاستعارة إلى حيز البعد، كقوله:

مسرة في قلوب الطيب مفرقها

وحسرة في قلوب البيض واليلب " (1) حب المألوف من الطريقة الشعرية

وهو ناقد لا ينفك يذكرنا بحيه للمألوف الذي جرت به العادة، ولهذا فإنه يكره الجمع بين التعزية والمدح الكثير للمعزى، " وليس من عادة أئمة الشعراء المقتدى بها الإكثار من مدح المعزي في تأبين حميمه المتوفي، وإنما يلمون به إلماماً بعد التوفر على ندبة ميته والإشباع في ذكر ما فقد من خصاله ثم الكر على تسكين جأشه وحضه على التعزي اتقاء لربه - هذه طريقة قدماء الشعراء "(2) .

مؤرخ أدبي ناقد في قراءة الشعر وله منهج نقدي

ويستشف من تعليقاته على بعض ما يورده من أشعار انه معجب بالاستعارة الموفقة والعبارة الرشيقة، والإتيان بالتشبيه دون أداة (3) وهو ماهر في استكشاف الأخذ والسرقة، يدل بذلك على سعة اطلاع، ولهذا فهو محب للتوليد في المعاني (4) ، وله تعليقات على بعض الأشعار تدل على نفاذ بصر بالنقد، كقوله في التعليق على هذين البيتين:

(1) الذخيرة 1/ 2: 335 - 336.

(2)

الذخيرة 1/ 2: 318.

(3)

المصدر السابق: 320 - 321.

(4)

الذخيرة (القسم الثاني) : 76؛ هذا وقد نشر الأستاذ ابن عاشور كتاباً في سرقات أبي الطيب من تأليف ابن بسام النحوي، واعتبر ابن بسام صاحب الذخيرة مؤلفاً له، ولكن ليس في الكتاب أية قرينة تدل على انه من تأليفه.

ص: 506

عليك أبا عبد الله خلعتها

لها البدر طوق والنجوم غلائل

وما هي إلا الدهر في طول عمرها

وغن لم يكن فيها الضحى والأصائل " فيا لهذا البيت ما احسن مذهبه، وأبدع مثواه ومنقلبه، إلا انه بالدهر مسلوب الضحى والأصائل، فلم يزد على ان جلاه في زي عاطل، وأبرزه في مسوح شوهاء ثاكل، وليت شعري أي شيء أبقى للدهر المظلوم، بعد ضحاه الناصعة الأديم، وآصاله المعتلة النسيم، هل بقي إلا ليله الأسود الجلباب، وهجيره السائل اللعاب، ولو قال لممدوحه وتلك العلى فيها الضحى والاصائل، لأبرز قصيدته رفاقه البرود، شفافة العقود "(1) . إننا قد نجده تعليقات مثل هذه لدى المتعقبين للشعر بوحي من روح التدقيق، ولكن ابن بسام رغم ذلك يبدو من خير مؤرخي الأدب الذين كان لهم منهج نقدي واضح المعالم، بحيث لا يساميه في هذه المنزلة مرخون كثيرون، إلا أنه كان ابن عصره وقطره: يكره الفلسفة كما كرهتها الاندلس، ويعتقد بان العنصر الأخلاقي ابد ان يكون أساساً في كل نشاط إنساني حتى في الفنون، لان وجوده من علائم التماسك في البيئة الأندلسية، وهو يعيش في عصر يقبل على الزخرف بقدر - في شتى مجالات الحياة - ولذلك نراه يحب البديع في الشعر.

(1) الذخيرة (القسم الثاني) : 253.

ص: 507

ابن قزمان وقواعد الزجل أول اعتراف نقدي بشعر عامي

وقد استعار ابن قزمان (- 555) إمام الزجالين بالأندلس بعض القواعد النقدية التي أجريت على القصيد، فطبقها على الزجل، إما بطريق المقايسة أو القلب: فقد كان يشعر - كما شعر ابن خفاجة - بأن مقياس الجزالة لا يصلح لبعض أنواع الشعر، وهو من ثم أقل صلاحية للزجل؛ وكان من قبله من الزجالين - أو بعضهم في الأقل - ينتحي منحى القوة والمتانة، ومن أشهرهم في ذلك ابن راشد الزجال؛ ولذلك تهكم به بقوله:

زجلك يا ابن راشد قوي متين

وإن كان هُ للقوة فالحمالين (يعني إن كان مرجع الأمور إلى القوة، فإن الحمالين أقوياء، ولكن هل هذه القوة تعلي من شأنهم؟) ؛ ولذلك دعا ابن قزمان إلى اعتماد الزجل على " انسياب الطبع وسهولة الألفاظ " أي إلى اكتساء الزجل عامة بالرقة. وعاب متقدمي الزجالين بأنهم يأتون بمعان باردة وأغراض شاردة: وأثنى من بينهم على ابن نمارة " فإنه نهج الطريق، وطرق فأحسن التطريق، وجاء بالمعنى المضيء والغرض الشريق: طبع سيال، ومعان لا يصحبه بها جهل الجهال، ويتصرف بأقسامه وقافيه تصرف البازي بخوافيه، ويتخلص من التغزل إلى المديح، بغرض سهل وكلام مليح "(1) . وأكثر ما أعجبه في ابن نمارة طريقته في حكاية التصوير بألفاظ صوتية كقوله " طاق في خدي وبف في القنديل " فلفظة " طاق " صوت القبلة، ولفظة " بف " صوت النفخ لإطفاء الشعلة، وكان ابن قزمان يعني أن هذا اللون من التعبير يجعل الزجل أدق في نقل الحياة الواقعية الشعبية؛ ولكنه أثنى عليه أيضاً لاستخدامه الصور المجسمة من مثل " وجا الليل وامتد مثل القتيل "؛ فدل بذلك على امتيازه في قوة التخيل.

(1) اللوحة الثانية من مقدمة الديوان.

ص: 508

ولما رأى ابن قزمان أن اللحن عيب مستبشع في القصيد عكس القاعدة، فذهب إلى ان الأعراب يشين الزجل. ولذلك افتخر بأنه جعل ديوانه خالياً من الأعراب:" وعريته من الأعراب؟ تجريد السيف عن القراب " وقال: " والأعراب هو أقبح ما يكون في الزجل وأثقل من إقبال الأجل "(1) وقال أيضاً: " ليس اللحن في الكلام المعرب المقيد أو الموضح بأقبح من الأعراب في الزجل "(2) . وعلى الجملة نستطيع ان نقول إن إحكام ابن قزمان النقدية مستمدة من طريقته، فإذا اعتبرنا أن ابن قزمان أصبح إمام الزجالين في المشرق والمغرب من بعد عرفنا أن أحكامه هذه أصبحت قاعدة عامة، وهو يعتقد لنه بطريقته قد حقق للزجل أن يكون " قريباً بعيداً وبلدياً غريباً، وصعباً هيناً وغامضاً بينا، إذا سمع السامع سباطة أقسامه ومصارعه، همت فترة ان تكون بمشارعه " فإذا حاول أحد أن يحاكيه وجده لا يدرك ولا يلحق وهذه ترجمة لما سماه النقاد في الشعر باسم " السهل الممتنع ".

ابن عبد الغفور ونشاطه النقدي

ويمثل أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي وعياً نقدياً بارزاً بين أقرانه لتوفره على التأليف في النقد، فمن كتبه المتصلة بهذا الموضوع كتاب " ثمرة الأدب " وكتاب (الانتصار لأبي الطيب " ورسالته في " إحكام صنعة الكلام "، وهي التي وصلتنا من مؤلفاته؛ وتدل جهود ابن عبد الغفور على أن أبا الطيب وأبا العلاء قد أصبحا مناط أحلام المنادين بمبدأ الجزالة، وان أبا العلاء في مؤلفاته النثرية " لا يضاهي فيها ولا يجازى، ولا يعارض في واحد منها ولا يباري " (3) ، وأن النقاد قد حكموا بأنه لم يكن في صنعة النظم والنثر مثله لا قبله ولا بعده، إلا ما كان من أبي الطيب في الشعر وحده " (4)

(1) اللوحة الأولى.

(2)

اللوحة الثانية.

(3)

إحكام صنعة الكلام: 26.

(4)

المصدر السابق: 131.

ص: 509

أبو الطيب يجد نصيراً في الأندلس

وعنوان كتاب " الانتصار " يدل على إن المؤلف وقف فيه موقف الدفاع عن أبي الطيب ويؤخذ من إشاراته إليه انه تحدث فيه كيف كان أبو الطيب ينحو في غزل قصائده إلى غرض مقاصده (1)، فيوحد بذلك بين موضوع القصيدة وفاتحتها؛ وإنه دافع عنه فيما تعقبه فيه النقاد من مثل قوله:

بليت بلى الإطلال إن لم أقف بها

وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه (2) واتصل حديثه بالكشف عن بعض عيوب أبي تمام، وبإيراد أخبار سيف الدولة، ومن المحقق انه اطلع على شرح ابن جني وما حوته يتيمة الدهر للثعالبي، ولكنا نقدر انه استخدم مصادر أخرى، وبعضها أندلسي؛ وهو يرد على ابن شهيد الذي أشار في " حانوت عطار " إلى أن الاكتفاء بما لا يتجاوز الأربعين بيتاً في القصيدة يعد ضيق عطن، ودافع عن ابي تمام والجعفي (المتنبي) وذهب إلى أن الطول مملول، مخالفاً في ذلك ما تقدم منقول لابن رشيق (3) .

إحكام صنعة الكلام وابتكار مصطلح جديد

وأما رسالة " إحكام صنعة الكالم " فإنها تتناول النثر بالقواعد والأمثلة، فبعد مقدمات قسم الرسالة في بابين: الباب الأول في الكتابة وآدابها، والباب الثاني في ضروب الكلام وهي: الترسيل والتوقيع والخطبة والحكم والأمثال والمقامة والحكاية والتوثيق والتأليف (وقد أدرج مع هذه التي تعد أنواعاً على الحقيقة فصلاً في المورى والمعمى) ثم انصرف إلى الأسلوب نفسه فاختار السجع وقسمه إلى المنقاد والمستجلب والمضارع والمشكل. ومن هذه

(1) إحكام صنعة الكلام: 67.

(2)

المصدر السابق: 187.

(3)

المصدر السابق: 47.

ص: 510

القسمة يتجلى لنا أن وقفة ابن عبد الغفور عند أنواع النثر تعد هامة في تاريخ النثر العربي، لأنه استطاع من موقفه في الزمان أن يحدد الأنواع بدقة ووضوح، وأن ينصرف عن التحدث في أنواع البديع لان غيره قد أشبعها بحثاً؛ وانصرف هو إلى ابتكار مصطلح جديد لضروب النثر: فالترسيل في نظره أقسام منها:

(1)

العاطل: لقلة تحيته بالأسجاع والفواصل، وهو أصل النثر، إذ التجمل بكثرة السجع طارئ.

(2)

الحالي: وهو ما حلي بحسن العبارة ولطف الإشارة وبدائع التمثيل والاستعارة وزادت العناية فيه بالسجع دون غلبة لهذا السجع عليه.

(3)

المصنوع: وهو ما نمق بالتصنيع ووشح بأنواع البديع وحلي بكثرة الفواصل والأسجاع.

(4)

المرصع: وهو ما رصع بالأخبار والأمثال والأشعار والآيات والأحاديث وجرى فيه حل أبيات القريض.

(5)

المغصن: وهو ما كان ذا فروع وأغصان بحيث تتم المقابلة فيه متوازية، فمن مقابلة أربع بأربع (ومن السلام سلام وغن لاح جوهراً، ومن الكلام كلام وإن فاح عنبرا) .

(6)

المفصل: وهو ما تراوح فيه المنثور والمنظوم على التوالي.

(7)

المبتدع: وهو ما يقرأ فيه كلمات من جهتين وثلاث وربما أربع.

وبيننا نجد ابن عبد الغفور يضع قواعد لبعض الأنواع النثرية (كالتوثيق مثلاً) نراه في بعض الأبواب الأخرى يورد مثلة وحسب، كما فعل عندما

ص: 511

عرض للمقامة فهو لم يدرسها، ولم يبين قواعدها ولم يعطنا رأيه فيها. ونصائحه في طريقة الكتابة تشير إلى اهتمام بآدابها وقوانينها الشكلية، وليست ذات قيمة نقدية كبيرة، وأقيم ما في الكتاب من هذه الزاوية مصطلح ابن عبد الغفور في أنواع النثر وألوان السجع، ولكنه لم يتنبه في بعض هذا المصطلح إلى الاضطراب الذي قد ينجم عن استعمال شيء من مصطلحاته في غير ما استعملها.

عودة إلى المفاضلة بين الشعر والنثر

وقد عاد ابن عبد الغفور إلى القضية التي تمرس بها النقد العربي مدة طويلة اعني المفاضلة بين الشعر والنثر، فانحاز إلى جانب النثر، لان النظم لا يعدو أن يكون فرعاً من المنثور، والنثر أسلم جانباً وأكرم حاملاً وطالباً، وقد ذم الرسول الشعر لان الشعر داع لسوء الأدب وفساد المنقلب، فهو يحمل الشاعر على الغلو والكذب، وهو مطية للتكسب، يحمل صاحبه على خطاب الممدوح بالكاف. ومن الغريب أن يتوصل ابن عبد الغفور إلى عيب الشعر بسب الوزن. فالوزن داع للترنم، والترنم من الغناء، والغناء رقية الزنا، يقضي هذا الناقد في النهاية بان الشعر والنثر متنافران لتنافر طبائع أهلهما، ومع انه يقر بان للشعر الفضل نجده يقول: ذلك قد كان فيما مضى " ولكن القوم غير هؤلاء القوم واليوم غير هذا اليوم "(1) . ولا باس أن نلمح في نقد ابن عبد الغفور قاعدة أخلاقية في النظرة إلى الشعر.

(1) انظر إحكام صنعة الكلام: 36 - 39.

ص: 512

المواعيني والريحان والريعان

وممن يمكن التوقف عند بعض محاولاتهم النقدية من رجال القرن السادس (1) أبو القاسم محمد بن إبراهيم ابن خيرة المواعيني (- 564)(2) ، وهو قرطبي سكن اشبيلية وكتب عن أميرها أبي حفص، وله من المؤلفات: كتاب الأمثال، وكتاب الوشاح المفصل، وكتاب ريحان الألباب وريعان الشباب، وهذا الأخير جمع فيه الفنون التي يستمدها من عني بمزاولة المنثور والموزون وجعله في سبع مراتب: في كل مرتبة مراقب وثنايا، فالمرتبة تساوي الكتاب، والمراقبة بمثابة الباب، والثنية بمنزلة الفصل.

المرتبة الرابعة في الريحان والريعان

ومن مراتبه التي تهمنا هنا المرتبة الرابعة. وهي " مرتبة الفصاحة والبلاغة وجامع في لوازم إنشاء الصناعة ". وقد كان المؤلف درس كتاب البيان والتبيين للجاحظ واعجب به وخطر له أن يختصره، ثم عدل عن ذلك، وألف كتابه هذا لمنفعة المتأدب، وظل اثر البيان والتبين فيه واضحاً؛ إلا انه مطلع على كثير من المصادر المشرقية.

(1) كان من الممكن ان نتصدى لجهود المؤرخ ابي عامر محمد بن احمد السالمي (انظر ترجمته في التكملة: 495 والذيل والتكملة، الورقة: 3 نسخة باريس، وتوفي سنة 559) ، ولكن مؤلفاته لم تصلنا، ومنها:(1) حلية الكاتب وبغية الطالب في الأمثال السائرة والأشعار النادرة. (2) حلية اللسان وبغية الإنسان في الأوصاف والتشبيهات والأشعار السائرات. (3) طبقات الشعراء الإعلام في الجاهلية والإسلام مرتباً على حروف الهجاء إلى عصر المؤلف. (4) منهاج الكتاب.

(2)

انظر ترجمته في التكملة. 515، وفيها انه توفي في نحو السبعين.

ص: 513

تباين الألوان أوقع من تقاربها في النفس

وقد شرح أولاً نقد الألفاظ المفردة (أي الفصاحة) فوضع لها سبعة شروط منها " أن يكون تأليف اللفظ من حروف متباعدة المخارج متباينة في الأسماع، وعلة ذلك أن الحروف التي هي أصوات تجري من السمع مجرى الألوان التي هي أصوات تجري من السمع مجرى الألوان من البصر، ولا شك ان الألوان المتباينة إذا جمعت كانت في النظر أحسن من الألوان المتقاربة؟ ولا ريب أن الأزهار الربيعية المتفننة الألوان، وصناعة الديباج أجمل من البساط الأغبر أو الأخضر أو من الثوب الناصع المصمت، وهذه علة يقع لكل أحد فهمها وحجة لا يمكن منازعاً جحدها "(1) والشرط الذي ذكره المواعيني قد أورده البلاغيون المشارقة، ولكن التمثيل عله هو الشيء الجديد عنده.

ومن الشروط (في فصاحة اللفظة أيضاً)" أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسناً ومزية على غيرها وإن تساويا في التأليف من الحروف المتاعدة، كما انك تجد لبعض النغم والالوام حسناً يتصور في النفس ويدرك بالبصر والسمع والحس، مثال ذلك من الحروف ع ذ ب فغن قدمت بعض هذه الحروف على بعض ذهبت حلاوة الكلمة ولم تجد حسنها على الصفة؛ فإن قالوا فاتونا بكلام يتبين موقع حسنه بلفظ يشف رونقه على غيره، فمثال ذلك مما يختار قول أبي القاسم ابن المغربي من رسالة: فرعوا جميعاً قد تأنفت روضته ورادوا مسرحاً مسحوا عن أعطاف نباته قطر نداه، ونشروا من لباته عقد طله، ف " تأنفت " كلمة لاخفاء بموقعها وحسن موضعها؟ "(2) ويؤكد المواعيني هنا التلاؤم بين اللفظ والمعنى، ولكنك تجده يخرج إلى استطرادات لافتة مثل قوله في أعقاب ذلك: " ولما لم تجد الصوفية كلاماً أهز للنفوس البشرية وأبعث لإطرابها وأبث لأشواقها من أشعار في النسيب ووصف

(1) الريحان والريعان، الورقة 47 - 48.

(2)

الورقة: 48/ أ.

ص: 514

المحبوب، تناشدتها وتفانت على أعراضها وهامت بظواهر ألفاظها، لكنهم يعنون المحبوب الذي لا يوجد منه الاضطراب، ولا الصدود إذا صد الأحباب " (1) .

الإجماع لا الشذوذ معاذ الشاعر المولد

ويؤمن المواعيني أن الشاعر المولد يجب ألا يشذ عن الإجماع والجماعة، وليس له ان يكسر الشعر ويحتج بأشعار عبيد بن الأبرص ولا أن يزاحف ولا أن يخرم ولا ان يخزم، ويقول:" وأنت ترى أن أهل البديع تحذقوا حتى التزموا لزوم ما لا يلزم، فاوكد عليهم ان لا يتجنبوا الضرائر؛ والكلام النقي الصافي الناصع؟. هو الذي يؤدي المعنى المقصود من غير زيادة ولا إخلال ولا حشو ولا فصول؛ وثم لطيفة هي روح التحبير وهي ان يكون اللام كثير الرونق والمائية والنعمة "(2) . لقد كان الشعر آخذاً بالتشدد وعدم التسامح في شئون الزحاف، كما كان ينتحل قيوداً جديدة من البديع، ولذلك أدرك المواعيني أن التساهل ناب عن طبع العصر، ولم يعد الناس يقبلونه.

تمثيل الكلام بالصنائع

فإذا توصل إلى الحديث عن الكلام المؤلف، جاء بتمثيل من الصنائع فذكر أن كل صنعة تحتوي على خمسة أشياء: الموشوع - كالخشب، والصانع - النجار، والصورة - وهي الشكل المخصوص إن كان المصنوع كرسياً، والآلة - المنشار والقدوم، والغرض - وهو المقصود من الكرسي: فإذا كان تأليف الكلام صناعة وحب اعتبار الأقسام الخمسة فيه، فالموضوع هو الكلام، والصانع هو المؤلف ناثراً كان أن ناظماً، والصورة كالفصل من كتاب والبيت من الشعر، والآلة: هي طبع المؤلف للكلام، والعلوم

(1) الورقة: 48/ ب.

(2)

الورقة: 51 ب.

ص: 515

المؤدية لطبعه، وأما الغرض فبحسب الكلام المؤلف، فإن كان مدحاً جاء الحديث عن جلالة الممدوح ورفعه إلى مصاف النجوم. وغن كان هجواً فبالضد؛ ومن الدليل على أن المواعيني لم يدرك من التمثيل إلا صورته الخارجية أنه لم يستغله - على نحو منطقي واضح - في دراسة كل عنصر منه على حدة، فهو لم يدرس الشاعر أو الناثر ولم يدرس كيف تجتمع الآلة من طبع المؤلف، ومن العلوم المؤيدة لذلك الطبع، واخطأ في فهم الغرض الكلي للشعر أو دراسة مهمته من جميع النواحي.

أطيب الشعر أكذبه، والفرق بين الخطابة والشعر

ويردد المواعيني رأي أهل المذهب القائل بان " أطيب الشعر أكذبه "(ويضيف: في غالب الأمر) ؛ أما الخطابة فإنها تختلف عن الشعر فهي أكثر اقتصاداً وأذهب في سبيل التحقيق، وإن كانت لا تخلو من الفخامة وإبراز الصورة.

عيوب الكلام التي يجب اجتنابها

وفي تأليف الكلام لابد من تجنب المعاظلة، وان يضع الأديب الألفاظ في مواضعها دون تقديم وتأخير يؤديان إلى فساد الكلام أو اضطراب إعرابه، كقول المتنبي:

وفاوكما كالربع أشجاه طاسمه

بان تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وان لا يكون الكلام مقلوباً كقول الفرزدق " رفعت لناري " يريد " رفعت له ناري ". وأن يتجنب الحشو، وألا يستعمل في المدح ألفاظاً تستعمل في الذم كقول أبي تمام " ما زال يهذي بالمكارم

"؟ إلى أن تبلغ شروط التأليف سبعة، وهو عدد الشروط في اللفظة المفردة.

ص: 516

وليست تهمنا هنا تلك الفصول التي استوعبت نماذج كثيرة من الخطب وحديثاً عن أدوات الكاتب وصفاته وأحكام صنعته. وأسماء المشهورين من الكتاب. ووصف الخط والأقلام والدواة والحبر مما يشغل حيزاً كبيراً في المرتبة الرابعة يعود بعده إلى الحديث عن مرتبة نظام القريض. فيورد أقوال المتقدمين في قيمته وأهميته ويقف عند قوله تعالى " وما علمناه الشعر وما ينبغي له ". وعند قوله: " وانهم يقولون ما لا يفعلون "، فيعلق بقوله:" ومثل هذه المبالغات المحالية والدعاوى الانتخالية مثل قولهم: قالت لي وقلت لها فيمن لم يكن رآها قط أو كلمها، فمن صدق هذا واتبعه فقد غوى "(1) .

التأثير يتم بالتلازم بين الموضوع ونفسية السامع

وتأثير الشعر في رأي المواعيني إنما يتم بسبب التلاؤم بين الموشوع ونفسية السامع. كالمدح في حال المفاخرة والمنافرة، والهجاء في حال المنابذة. والنسيب في حال شكوى العاشق واهتياج شوقه ولوعته، " فإذا واقعت هذه المعاني هذه الحالات تضاعف حسن موقعها عند مستمعها؛ ومن ثم يكون الشعر سبباً في تحريك المشاعر المتشابهة وإثارتها، فيحترق العاشق ويشرف الجواد ويمرح المسرور ويترح الحزين (2) .

ولا جديد عنده في قسمة الشعراء إلى مطبوع ومثقف متكلف أو في الحديث عن البديهة والروية، أو عن الجزالة الأعرابية والليونة الحضرية. وهو يرى الجمع المتوسط بين الجزالة والرقة (3) ، كأنه كان يرجو التوفيق بين المذهبين المتباعدين في الأندلس.

(1) الريحان والريعان: 112/ أ.

(2)

انظر الورقة: 120.

(3)

انظر الورقة: 122.

ص: 517

شعر لا يربطه بالشعر إلا الوزن

ونقف عند تمييزه لنوع أخرجه ابن حزم من حد الشعر، إذ يقول المواعيني:" ومن الشعر نظم خبر أو تقرير حجة أو ذهاب مع مقاصد الشريعة أو تخليد كلمات حكمة، وغنما سمي شعراً بالوزن وإلا فالخطبة أولى الأسماء به "(1) وهذا حكم جميل، يدل على أن النقاد كانوا أشد وعياً لمعنى الشعر مما نظن.

أقسام الشعر - قسمة غريبة

وقسمته للشعر لا تتناول أغراضه وفنونه بل تتناول طبيعة التعبير فيه، فمن أقسام الشعر:

1 -

الشعر المتين الصلب.

2 -

الشعر الغامض كشعر العتابي وابن نباتة والهذليين.

3 -

الشعر الرطب السهل كشعر البحتري وأبي العتاهية وعمر، وهو المطمع الممتنع.

وينفذ المواعيني إلى إفراد أبي نواس وابن الرومي بشيء يتفوقان فيه على كل شاعر سواهما، فالطبع للحسن (أبي نواس) والبراعة لابن الرومي (راجع ابن حزم) يجعلان أشعارهما " إذا قيسا بالشعراء كما قيل في عقل إياس والحجاج في العقلاء "(2) .

غثاثة الشعر الرطب وخاصة عند الزجالين

ويرى المواعيني - ورأيه غريب - ان الشعر السهل الرطب قد ينزل عن حده فيصبح غثاً " مثل أشعار كثرت في زماننا هذا من أقوال للبطليين (؟) والاميين على طريقة التوسع (؟) الذي يسمى الازجال، وهي معان شعرية

(1) انظر الورقة: 123.

(2)

الورقة: 127/ أ.

ص: 518

بألفاظ عامية لإفهام الجهال؛ ولقد أنشد بعض علية الكتاب شعر زجال، ويعد في شعراء الخواص، وهو قوله:

يمسك الفارس رمحاً بيد

وأنا أمسك فيها قصبه

فكلانا بطل في حربه

عن الأقلام رماح الكتبه فقال: وإلى الآن إنما نحن من شعره في زجل " (1)(يريد صوتاً لا يفهم) . وهذا النص هام لأنه يظهر جانباً آخر من الذوق الأندلسي غير الذي عرفناه عندما تحدثنا عن ابن قزمان؛ ولا ريب في أن اعتبار الزجل من الشعر الذي نزل من السهولة إلى الغثاثة إنما يعد خطأ في التصور والحكم؛ ولكن السهولة التي توخاها ابن قزمان قد أتاحت للنقاد المحافظين أن يصدروا مثل القول.

تفاوت الشعراء: نعم تفاوت الشعر لشاعر واحد متغرب

ويقر المواعيني أن تفاوت الشعراء أمر طبيعي ولكنه يتعجب من أن يكون لشاعر واحد تارة شعر مستغلق وتارة منيسط، ويقول:" ولا أدري فائدة لغامض المعاني والألفاظ إلا لمعنى سبر إفهام الناس، أو أن يدل الشاعر على اتساع موارده واحتفال حفظه لكلام العرب ولغاتها شعيرها وغريبها "(2) .

إتكاؤه على ابن طباطبا وابن المعتز وقدامة والحاتمي

فإذا تحدث عن تسهل الشعر وتصعبه بين حين وحين نقل كل ما جاء عند ابن قتيبة، وإذا تحدث عن الأشعار الرصينة والمموهة والمستكرهة، أو شبه بعض الشعر بالقصور وبعضه بالخيام المتقوضة، وإذا نص على أن عيار الشعر أن يعرض على الفهم الثاقب كما تعرض المحسوسات على الحواس المختلفة، فلذلك كله منقول من " عيار الشعر " لابن طباطبا. وبعد أن يورد

(1) الورقة: 127/ ب.

(2)

الورقة: 129.

ص: 519

نماذج من جيد الشعر يتحدث عن أنواع البديع - متبايناً ابن المعتز وقدامة والحاتمي وغيرهم - من استعارة وتشبيه وتمثيل وتكافؤ وطباق وتجنيس وتقسيم ومقابلة وتوشيح وتسهيم وترديد وتصدير واستثناء واستطراد وتصريع وترصيع ومبالغة وإيغال وغلو وإغراق وقلب ونظم المنثور ونثر المنظوم.

الموشح من الوزن المركب، وجماله في سهولة النظم

وتحدث من بينها عن قسم سماه الوزن المركب؛ ثم قال " ولعل الملاعب والتوشيح فيما أخالها من هذا المقصد المركب " ثم مثل على غريب التوشيح بموشحه لعبادة بن ماء السماء:

بأبي ظبي حمى

تكنفه أسد غيل

يستبي لبي بما

يعطفه إذ يميل " وهي من ستة أبيات، فتأمل أيدك الله إحكام نسجه وإتقان نظمه - أربع تضمينات في كل غصن؟ وفي الخرجات (ست) تضمينات في كل بيت ثمانية عشر بيتاً وأكثرها سهل، وليس هذا من قصدنا وإنما ذكرنا منها هذه النكتة لكونها مسندة من تلقاء بعض شيوخنا، ولأنها فذة في نظمها، وتنظيمها سهل مكين فغصونها لا تكاد تشعر بها "(1) ؛ وهذا النص القيم في التعليق على شكل الموشح، وعده من الوزن المركب، يفيدنا حقائق أخرى في المصطلح، فالمواعيني لا يستعمل كلمة " قفل " وإنما يضع بدلها كلمة " غصن " ثم يستعمل كلمة " الخرجات " للدلالة على ما يسميه غيره " الأغصان ".

ولو ان المواعيني لم يكثر النقل والتلفيق من الكتب المشرقية لكان في مقدوره من خلال تمثيلاته وصوره، ومعرفته بطبيعة الأندلس ورقة ذوقه

(1) الورقة: 147 - 148.

ص: 520

ان يكون ذا مكانة أوضح في تاريخ النقد الأدبي، ولكنه لم يسمح لشخصيته إلا بشيء يسير من الاستقلال والتفرد.

ابن رشد وكتاب الشعر

ويبدو أن الأندلس لم تعرف " كتاب الشعر " قبل ابن رشد (- 595) سوى التماعات يسيرة لعلها جاءت بالواسطة؛ فأما حين تناول ابن رشد هذا الكتاب فإنه جرى فيه على غير ما وجدناه عند الفارابي وابن سينا. هذان تهيبا الكتاب على تفاوت فيما بينهما؛ أما ابن رشد فإنه رأى أن الكتاب لا يمكن أن يكون ذا جدوى للقارئ العربي إذا هو لم يطبق ما يمكن تطبيقه من آراء أرسطو على الشعر العربي؛ كانت مهمة الشارح المبسط تدفعه إلى ان يجعل الكتاب واضحاً مفهوماً ذا فائدة عملية، بحيث لا يبقى غريباً عن النقد العربي.

خروج الشعر العربي عن مفهوم الشعر لدى اليونان

وكان يعلم حق العلم أن كثيراً من قوانينه خاص بأشعار اليونان، أو بأشعار " الأمم الطبيعية "؛ وكان يدرك أن الشعر العربي يبتعد عن مدح الفضائل، وأن ما فيه منها إنما يجيء مجيء الفخر بها لا بالحث عليها، ويوافق الفارابي في قوله: إن أكثر أشعار العرب إنما هي في النهم والكريه (1) . فالنسيب عند العرب حث على الفسوق " ولذلك ينبغي أن يتجنبه الولدان، ويؤدبون من أشعارهم بما حث على الشجاعة والكرم "(وهما الفضيلتان الوحيدتان اللتان يتحدث عنهما الشعر العربي بطريق الفخر لا الحث)(2) . ويقول في موضع آخر: " إذ كانت مدائح الفضائل ليس توجد في أشعار العرب، وإنما توجد في زماننا هذا في السنن المكتوبة "(3) ؛ وكان يدرك كذلك أن قوانين النقد

(1) فن الشعر: 205.

(2)

المصدر نفسه.

(3)

فن الشعر: 220 وانظر ص 245 " ومحاكاة هذا النوع من الوجود (يعني أحوال المتقدمين في فن الملاحم " قليل في لسان العرب، وهو كثير في الكتب الشرعية ".

ص: 521

التي تداولها العرب لا تمثل إلا شيئاً يسيراً بالنسبة إلى ما وجد في كتابي الخطابة والشعر لأرسطو - مردداً بذلك قول الفارابي (1) -؛ وهو يؤكد القول بان كتاب الشعر نفسه ناقص لم يتكلم فيه أرسطو إلا عن صنف المديح وانه وعد بالتكلم في صناعة الهجاء، وإن كان من الممكن استنباط قوانين صناعة الهجاء إذ كانت الأضداد يعرف بعضها ببعض (2) .

المديح والهجاء - التراجيديا والكوميديا

وواضح أن ابن رشد يعني بالمديح فن المأساة (التراجيديا) وبالهجاء فن الملهاة (الكوميديا) وأنه يعيد استعمال المصطلحين كما وردا عند أبي بشر متى، لا كما ورد عند ابن سينا؛ ولكن شرحه لا يدل على انه عرف هذين الكتابين، فهو يشير إلى الفارابي، وليس ما يشير إليه مما ورد في " قوانين صناعة الشعر "، ولابد أن نفترض أن الفارابي قد تحدث عن الشعر حديثاً مسهباً بالاعتماد على كتاب ارسطو، وان هذا الكتاب الذي وضعه الفارابي كان معتمد ابن رشد.

عدم فهمه للمحاكاة

وقد كانت الغاية التي وضعها ابن رشد نصب عينه هي السبب في انحرافه بعيداً بمدلولات كتاب الشعر، فهو لم يختر المصطلح الخاطئ (كالمدح والهجاء) اعتباطاً، وغنما اختاره لأنه اقرب إلى الربط بالشعر العربي، وهو لم يكتف باختيار المصطلح الخاطئ، وإنما انحرف بالمعاني والمدلولات، لكي يسوق أمثلة تقربها إلى القارئ، ولعل أكبر خطأ وقع فيه هو انه لم يفهم المحاكاة، كما فهمها الفارابي وابن سينا، فظن المحاكاة " وجهي التشبيه " في الصورة، فقال " وأصناف التخييل والتشبيه ثلاثة: اثنان بسيطان وثالث مركب منهما، أما الاثنان البسيطان فأحدهما تشبيه شيء بشيء وتمثيله به،

(1) فن الشعر: 250.

(2)

المصدر نفسه.

ص: 522

وذلك يكون في لسان بألفاظ خاصة عندهم مثل كأن وأخال، وما أشبه ذلك في لسان العرب وهي التي تسمى عندهم حروف التشبه، وإما أخذ الشبيه بعينه بدل الشبيه، وهو الذي يسمى الإبدال في هذه الصناعة وذلك مثل قوله تعالى " وأزواجه أمهاتهم " ومثل قول الشاعر " هو البحر من أي النواحي أتيته ". " وينبغي أن تعلم أن في هذا القسم تدخل الأنواع التي يسميها أهل زماننا استعارة وكتابة؟ " وأما القسم الثاني فهو أن يبدل التشبيه مثل أن تقول: الشمس كأنها فلانة أو الشمس هي فلانة؟ ومن العكس قول ذي الرمة " ورمل كأوراك العذارى "، والصنف الثالث من الأقاويل الشعرية هو المركب من هذين " (1) ؛ وحين تصبح المحاكاة هي عملية التشبيه الجزئي في رسم صورة، تصبح درجات المحاكاة (وهي تصوير الناس أحسن مما هم عليه أو أسوأ أو كما هم بالضبط) درجات للتشبيه نفسه، فالتشبيه يكون للتحسين أو التقبيح أو المطابقة (2) .

الخطأ يجر إلى خطأ آخر من طريق المصطلح

وبعد أن سمى ابن شد ما يعرف عندنا اليوم بالعقدة باسم " القول الخرافي " وسمى جزءي الانقلاب والانكشاف باسمي " الإدارة والاستدلال " عاد يسمي هذا القول الخرافي محاكاة " فالمحاكاة البسيطة هي التي يستعمل فيها أحد نوعي التخييل؟ اعني النوع الذي يسمى الإدارة - أو النوع الذي يسمى الاستدلال، وأما المحاكاة المركبة فهي التي يستعمل فيها الصنفان جميعاً "(3) وعرف الإدارة (الانقلاب أو التحول) بأنها: محاكاة ضد المقصود مدحه؛ والاستدلال (الانكشاف) محاكاة الشيء فقط. فخرج عن مدلول ابن سينا ومصطلحه وقد كان اقرب إلى الأصل؛ ذلك أن ابن

(1) فن الشعر 201 - 203.

(2)

انظر فن الشعر 204 - 206.

(3)

فن الشعر: 216.

ص: 523

سينا قد قال: وأجزاء الخرافة جزءان، الاشتمال وهو الانتقال من ضد إلى ضد؟ وكان يستعمل في طراغوذياتهم في أن ينتقلوا من حالة غير جميلة إلى حالة جميلة بالتدريج؟ والجزء الثاني: الدلالة، وهو ان يقصد الحالة الجميلة بالتحسين " (1) . حقاً إن ابن سينا ليس دقيقاً، ولكن ابن رشد أبعد منه كثيراً عن نص ارسططاليس. وقد زاد ابن رشد بعداً انه اخطأ معنى " الاستدلال " فظنه الحالة العقلية التي تتمكن من استقراء الأدلة فقال: " وهذا النوع من الاستدلال الذي ذكره هو الغالب على أشعار العرب، اعني الاستدلال والإدارة في غير المتنفسة (من الأشياء) وهو مثل قول أبي الطيب:

كم زورة لك في الأعراب خافية

أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب

أزورهم وسواد الليل يشفع لي

وانثني وبياض الصبح يغري بي فإن البيت الأول هو استدلال والثاني إدارة، ولما جمع هذان البيتان صنفي المحاكاة كانا في غاية الحسن " (2) فأين هذا الحديث عن معنى الإدارة؟ أي التحول في مقدورات بطل المأساة - والاستدلال - أي وجود علائم تنكشف بها حقائق كانت خافية في طبيعة المأساة ويتبع ذلك تحول في الشعور بالكره أو الحب نحو شخصيات المسرحية؟

البطل المسرح عنده هو الممدوح

وحين تحدث عن الشخصية (مجموعة الخصائص التي تكون في الفرد) سماها " العادات " وجعل شخص البطل المسرحي هو " الممدوح " وربط ما يطلبه ارسطو من مواءمة بين تصوير شخصيات أعلى من المستوى العادي وبين المحافظة على درجة من الواقعية - ربط ذلك بان الشاعر يصور كل

(1) فن الشعر: 179.

(2)

فن الشعر: 216.

ص: 524

شيء بحسب ما هو عليه حتى يحاكي الأخلاق والنفس، ومثل على ذلك بقول أبي الطيب:

أتاك يكاد الرأس يجحد عنفه

وتنقد تحت الذعر منه المفاصل

يقوم تقويم السماطين مشيه

(1) إليك إذا ما عوجته الأفاكل صرف الاستدلالات إلى معنى التشبيه

أما حين تحدث عن أنواع الاستدلالات (الانكشافات) فإنه ابتعد فيها عن نص ارسطو ابتعاداً كلياً، فزعم أنها أنواع، منها:

(1)

مجيء المحاكاة لأشياء محسوسة بأشياء محسوسة؟ " وجل تشبيهات العرب راجعة إلى هذا الموضع، ولذلك كانت حروف التشبيه عندهم تقتضي الشك ".

(2)

مجيء المحاكاة لأمور معنوية بأمور محسوسة كقولهم في المئة: إنها " طوق العنق " وهذا كثير في أشعار العرب، وما كان منها غير مناسب في أشعار الحدثين فيجب أن يطرح كقول أبي تمام " لا تسقني ماء الملام "، كلك يطرح التشبيه بالخسيس ويكون الأشياء الفاضلة؛ ومن التشبيه الخسيس قول الشاعر في تشبيه الشمس " كأنها في الأفق عين الأحول ". وهناك أشعار هي في باب التصديق والإقناع أدخل منها في باب التخييل كقول أبي الطيب:" ليس التكحل في العينين كالكحل ".

(3)

المحاكاة بالتذكر، وهو مثل قول متمم بن نويرة:

وقالوا أتبكي كل قبر رأيته

لقبر ثوى بين اللوى والدكادكك

فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى

دعوني فهذا كله قبر مالك ومنه ما جاء في شعر العرب من ذكر الطيف، وتصرفهم فيه كثير التفنن.

(1) فن الشعر: 222.

ص: 525

(4)

أن تكون المحاكاة بذكر شخص شبيه بشخص آخر من ذلك النوع، مثل قول امرئ القيس " وتعرف فيه من أبيه شمائلا ".

(5)

ما يستعمله السوفسطائيون وهو الغلو الكاذب كقول أبي الطيب:

عدوك مذموم بكل لسان

ولو كان من أعدائك القمران. وهذا كثير في أشعار العرب غير موجود في القرآن الكريم لأنه ينزل من الشعر منزلة الكلام السوفسطائي من البرهان.

(6)

هذا النوع يستعمله العرب وهو إقامة الجمادات في مخاطبتهم مقام الناطقين كقول المجنون:

وأجهشت للتوباد لما رأيته

وكبر للرحمن حين رآني

فقلت له أين الذين عهدتهم

حواليك في أمن وخفض زمان

فقال مضوا واستودعوني بلادهم

ومن ذا الذي يبقى على الحدثان منه مخاطبتهم الديار والأطلال ومجاوبتها (1) .

ومن عرف ما قاله أرسططاليس عن أنواع الاستدلال (الانكشاف) وهي: الانكشاف بالإشارات والعلامات المرئية (كالجروح والعقود) والانكشاف المتعمد، والحادث بواسطة الذاكرة (حين تهيج الذكرى مثلاً بعولس فيبكي فينكشف حاله) والانكشاف الحادث بطريق الاستنتاج وكلها تدل على التعرف إلى حال الشخص الذي تدور حوله القصة - من عرف ذلك كله أدرك أن أبن رشد قد نقل المعاني إلى مجالات أخرى، وقياساً على ذلك زاد من عنده عليها أشياء لا صلة لها بالمعنى الذي يريده مؤلف " كتاب الشعر ".

(1) فن الشعر: 222 - 229.

ص: 526

الحل والربط في المسرحية هما حسن التخلص

كذلك نقل الحل والربط في المسرحية عن حقيقتهما حين فهم منهما أن الربط يشبه البيت الرابط بين الغزل والمدح أي بيت التخلص، وأن الحل هو عدم إيراده والاكتفاء بقول:" دع ذا " و " عد عن ذا "(1) .

مثال من الشعر البطولي عند العرب

أما الشعر البطولي فقد أقر بأنه قليل في لسان العرب، ولكن أورد عليه قول الأسود بن يعفر:

ماذا أؤمل بعد آل محرق

تركوا منازلهم وبعد أياد وهي قصيدة يتحدث فيها عن فناء الأمم الماضية (2) .

وقد كان السبب الأكبر في خطأ أبن رشد أنه لم يفهم معنى المحاكاة حين ظنها التشبيه. وحيثما وقع الحديث عنها عاد إلى التمثيل عليها بالتشبيهات المستمدة من الشعر العربي، وزاده إمعاناً في ذلك إن النماذج التي يمثلها كتاب أرسطو لا وجود لها في ذهن أبن رشد، فانساق مع المصطلح حسب مدلوله الظاهري؛ فكان شديد البعد عن النظرية الشعرية الأرسططاليسية.

تأثره بأفلاطون

حتى هذا الحد رأينا أبن رشد في نطاق التأثير الأرسططاليسي، يلخص ويفسر؛ وقد كان لابد له وقد لخص جمهورية أفلاطون من أن يتعرض لرأي ذلك الفيلسوف في الشعر وصلته بمنهاجه التربوي في نطاق الجمهورية. وما يزال تلخيصه للجمهورية - في صورته باللغة العربية - مفقوداً إلا أن الأيام قد احتفظت منه بترجمة عبرية قام بها صموئيل بن يهوذا المرسيلي وترجمها الأستاذ إ. روزنتال إلى الإنجليزية، ويقع هذا التلخيص في ثلاث مقالات يرد فيها الحديث عن الشعر في المقالتين الأولى والثالثة: فيقرر

(1) أنظر: 231.

(2)

أنظر: 245 - 246.

ص: 527

ابن رشد أولاً متابعاً لأفلاطون أن المحاكاة كانت تتم لدى الأقدمين بالصوت والشكل (الصورة) ثم تحولوا إلى المحاكاة بالكلمات إذ هذا النوع من المحاكاة أكثرها مناسبة لفن الشعر، ويعلق أبن رشد على هذا قائلاً " وغالباً ما يتبع الشعراء العرب هذه الطريقة الأخيرة في المحاكاة أي المحاكاة التي تتم عن طريق الكلمات " وبعد أن يورد رأي أفلاطون في إبعاد حماة الجمهورية (Guardians) عن المحاكاة جملة إذ الإنسان منوط باستكمال فعالية واحدة في تلك الجمهورية، يميز بين أنواع القابليات فيقول إن بعض الناس مهيأون بالطبع لإجادة " الهجاء " Satire بينما آخرون مهيأون للرثاء فقط كما روي عن أبن العجاج (1) الذي كان يستطيع أن يمدح فقط ولا يستطيع أن يهجو. وبما أن المحاكاة تصبح طبيعة ثانية فإنه لابد أن يمنع " الحماة " من محاكاة أعمال النساء وأصواتهن في مختلف شئون الحياة ولا أن يحاكوا الدباغين أو غيرهم من ذوي الحرف؟. وهنا يعلق أبن رشد بقوله:" قلت: لابد من أن تستبعد القصائد التي تجري على سياق ما عرف لدى العرب من وصف هذه الأمور ومن محاكاة أمور مماثلة لها "(2) . ويشفع ذلك بقوله: " لكل هذه الأسباب ليس من المناسب أن نسمح للشعراء في هذه الجمهورية بمحاكاة كل شيء، لأسباب عدة، أولها أن عمل المحاكي يجيء حسناً إذ أقتصر المرء على المحاكاة ضمن مقولة واحدة كما هي الحال في الفنون والصنائع، وثانيها أنه ليس من اللائق أن نسمح بمحاكاة الأشياء الحقيرة أو محاكاة ما ليس له تأثير (؟) (3) على قبول الأمور ورفضها كما هي الحال لدى كثير من القصائد العربية، التي يعد وجودها في الجمهورية بوصف حكايات النساء (؟) وطريقة تحسينها وبعامة القيم الأخلاقية "(4) .

(1) في الأصل: ابن Tahas والاسم محرف، وقد روي عن العجاج أنه لم يكن يهجو (الشعر والشعراء: 37) .

(2)

أنظر Averroes Commentry ص: 131 - 133.

(3)

ما وضعنا بعده علامة استفهام فهو غامض أو مضطرب في النص الأصلي.

(4)

المصدر نفسه: 133.

ص: 528

وحين تحدث أفلاطون عن الحكم القائم على الطغيان بطريقة خاصة، أفاد أبن رشد أن حديثه على هذا النحو إنما جاء كلك لأنه رأى قصائد تمدح الطغاة، ثم أردف لك بقوله:" وقد رأيت كثيراً من الشعراء وممن نشأوا في تلك الدول يؤثرون هذا النوع من الحكم، يظنونه الهدف الأسمى وأن في روح الطغيان تفوقاً وهم ينصاعون لذلك الحكم "(1) .

لعل أبن رشد لم يضف شيئاً كثيراً هنا إلى ما قاله أفلاطون، ولكن ارتباط ذهنه دائماً بالواقع في الشعر العربي مما يلفت النظر، سواء أكان ذلك في تفسيره لكتاب الشعر أو في تعليقاته على ما جاء في الجمهورية، وقد كان في كل ذلك خاضعاً لمنهجه العام، وهو ربط الآراء الفلسفية بما يجده في الواقع عامة، لا في الشعر وحده، ولهذا تجده يبارح التلخيص في الجمهورية مثلاً ليربط بين ما يقوله أفلاطون وما يعرفه من واقع عصر المرابطين في السياسة (2) أو مما صنعه أبن غانية (3) . وهو في كشفه لنقائص الشعر العربي بالنسبة للجمهورية يعيد الموقف الذي وجدناه عند مسكويه " (4) .

(1) المصدر نفسه: 243.

(2)

يقول ابن رشد: إنك تستطيع أن تدرك هذا من الحكم الديمقراطي الموجود في عصرنا لأنه كثيراً ما يتحول إلى طغيان، خذ مثلا الحكم في بلدنا قرطبة بعد الخمسمائة، إذ كان ديمقراطياً تماماً لكنه بعد 540 تحول إلى طغيان (أنظر ص 235) .

(3)

يقول ابن رشد ما خلاصته إن الطاغية يشتبك في الحروب المستمرة لكي يستطيع السيطرة على أملاك شعبه، لأنه يظن أنه إن أبتز ما في أيديهم من ممتلكات لم يستطيعوا خلعه إذ يكونون مشغولين بأنفسهم ويطلب القوت يومياً مثلما حدث لأهل إقليمنا مع الرجل المعروف بأبن غانية (المصدر نفسه) وبنو غانية كانوا من المرابطين الذين أقلقوا الموحدين ولعل المشار إليهم منهم وهو يحيى بن غانية (أنظر التعليقات: 295) .

(4)

أشار الأستاذ روزنتال إلى ذلك (أنظر التعليقات: 260) .

ص: 529

طرح النقاد بعد أبن رشد جانب الأخلاق وتمسكوا بالموقف الدفاعي

ومع أن أبن رشد حاول أن يجعل لكتاب الشعر فائدة عملية، لدى كل من الشاعر والناقد، فإن أكثر الذين تحدثوا عن قضايا الشعر من الأندلسيين في القرن السابع لم يلتفتوا إلى ما صنع، وغلبت عليهم نزعة التأريخ الأدبي القائم على التصنيف أولاً ثم على قاعدة بسيطة من النظر النقدي؛ وبما أن أكثرهم هاجروا من موطنهم إلى بلاد أخرى فإن النزعة الدفاعية عن الأندلس وأدبها استقوت لديهم، كما قوي إحساسهم بالفوارق القائمة بين الشعر الأندلسي والشعر في الأقطار الأخرى، فهم من هذه الناحية استمرار للتيار الذي بدأه أبن حزم وتابعه فيه أبن بسام، ولكنهم طرحوا النظرة الأخلاقية جانباً وتعلقوا بنظرة فنية قائمة على تذوق " الصورة الشعرية ".

الشقندي ورسالته في المفاضلة بين الأندلس والمغرب

وفي طليعة هؤلاء أبو الوليد إسماعيل بن محمد الشقندي (1)(- 629) ولم يكن من المهاجرين، ولكن إثارة المقارنة بين الأندلس والمغرب في الشعر والمآثر عامة هي التي حفزته إلى وقفته الدفاعية. فقد تنازع مع أبن أبي يحيى أبن المعلم الطنجي حول أي العدوتين أفضل، في مجلس أمير سبتة أبي يحيى أبن أبي زكريا، فطلب الأمير إليهما أن يعمل كل واحد منهما رسالة في تفضيل بره؛ فكتب الشقندي رسالة أفتخر فيها بعظماء الملوك والعلماء والمؤرخين والبلاغيين من الأندلس وبالكتب الأندلسية، ثم أخذ يعدد أكابر الشعراء أمثال أبن زيدون وأبن وهبون وأبن دراج، واستشهد بقطع متميزة للأندلسيين بعضها في ذكر الغربة والعفة وجمال التشبيه وصفة الخمرة ووصف الرياض والغزل والهجاء وغير ذلك من موضوعات الشعر، وافتخر ببعض النساء الشواعر، حتى إذا انتهى من ذلك عرج على ذكر الفرسان وشمائل الأندلسيين وفضائل إشبيلية وقرطبة وجيان وغيرها من المدن، فما

(1) أنظر نفح الطيب 4: 177 وما بعدها.

ص: 530

يتعلق بالنقد من هذه الرسالة قد سبق في قالب الحمية للدلالة على فضل الأندلس في الشعر؛ وأكثر ما أورده من مقطعات إنما رجع فيه إلى ما استحسنه الأندلسيون واعجب به الذوق العام، وأكثره يعتمد على الصور الجميلة، وليس مما يستقل به ذوق الشقندي أو ما يوشحه بأحكام نقدية صريحة، ولكن دلالة هذه المختارات قوية، فكأن الشقندي قد أورد على أبن المعلم نماذج من الشعر لا يستطيع أبن المعلم نفسه أن ينكر جمالها، كذلك فإن سكوته عن بيان خصائصها يفترض ضمناً أن أبن المعلم - إن كان سليم الذوق - سيدرك خصائصها الفنية دون حاجة إلى توضيح، وعلى هذا تدل النماذج الشعرية التي أوردها الشقندي على شيئين أولهما: طبيعة الذوق المغربي في القرن السابع وثانيهما وحدة هذا الذوق في كل من المغرب والأندلس.

الموقف الدفاعي عند أبن دحية وكتاب المطرب

وفي هذا الصف الذي يمثله الشقندي يقف أبن دحية الكلبي (- 633) فإنه كتب " المطرب " للملك الكامل الأيوبي ليعرف المشارقة بالشعر الأندلسي والمغربي فجمع في كتابه صوراً من " الغزل والنسيب والوصف والتشبيب، إلى غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة ومبتكرات بدائع بدائه الخواطر المستغربة؟ الخ "(1) واسترسل في كتابه مع الخاطر، دون تبويب أو ترتيب، ولذا فإنه لم يراع فيه التدرج الزمني. وهو يعلق على ما يختار بتقريظات قائمة على المبالغة، ولكن موقفه الدفاعي واضح في قوله بعدما أورد أبياتاً للغزال: " وهذا الشعر لو روي لعمر بن أبي ربيعة أو لبشار بن برد أو لعباس بن الأحنف ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لاستغرب له، وإنما أوجب أن يكون ذكره منسياً ان كان أندلسياً، وإلا

(1) المطرب ص: 1؛ ومن الضروري أن نلحظ هنا قوله " بدائع بدائه الخواطر "، ونقرنه بتسمية معاصره المصري ابن ظافر لأحد كتبه باسم " بدائع البدائه "، فهو صورة من اللقاء بين الأندلس ومصر لا من حيث الاهتمام بموضوع واحد وحسب، بل من حيث الالتقاء عند تسمية واحدة.

ص: 531

فما لها أخمل وما حق مثله أن يهمل؟. هل وصفه إلا الدر المنتظم، وهل نحن ألا نظلم في حقنا ونهتضم؟ يا لله لأهل المشرق قولة غاص بها شوق، ألا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، واقصروا عن استهجان الكريم الهجان، ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان " (1) . وابن دحية ليس من النقاد، وهو مثل الشقندي اعتمد الذوق العام في تدوين ما دونه من شعر؛ ولكن من الطريف أن نجده حين يصف شاعراً بالبراعة في الشعر يقول فيه: " شاعر المغرب الأقصى ومفخره في صناعة المحاكاة والتخييل " (2) فانظر إلى هاتين اللفتين اللتين كانتا من مصطلحات ذوي الثقافة الفلسفية كيف درجتا، حتى ليستعملهما شخص بعيد عن ذلك اللون من الثقافة، وقد مرت بنا اللفظة الثانية منهما عند ابن خفاجة.

ابن سعيد يستمر في الموقف الدفاعي

ولم يكن نقد ابن سعيد (- 685) سوى حلقة تجمع بين موقف الشقندي وابن دحية، فهو تبنى الموقف الدفاعي مثلهما عن الشعر الأندلسي، وإن كان أقل منهما حدة واكثر مجاملة للمشارقة، واقدر على استيضاح الفروق القائمة بين المشرق والمغرب في العادات والتقاليد والأخلاق لطول تمرسه بالرحلة والتنقل، ولهذا كان نقده يرتكز في البداية: على أن الإنصاف لا يقصر الفضل على مصر دون مصر، كما انه لا يقصره على مصر دون عصر (3)(وكان هذا الشق الثاني من القاعدة قد أصبح تكأة للشق الأول وحسب) ؛ ولهذا كان ابن سعيد أول وصوله إلى مصر والشام معنياً بتعريف الناس فيهما إلى أدب الأندلس، ومن اجل تلك الغاية ألف المغرب في برنامجه ليكون تاريخاً أدبياً للشرق والغرب على السواء، فألف " المشرق في

(1) المطرب: 145.

(2)

المطرب: 199.

(3)

عنوان المرقصات: 3.

ص: 532

حلى المشرق "، وعاد يمزح بين الغايتين في " جامع المرقصات والمطربات " (1) وفي " المقتطف من ازاهر الطرف " و " القدح المعلي في التاريخ المحلي ".

الشعر مرقص ومطرب ومراتب دونهما

ثم هو يجمع بين ابن دحية والشقندي من وجه آخر فهو يشترك والأول في الوقوف عند نوع من الشعر سمي " المطرب " كان هو النوع الهام الذي يستأثر بإعجاب ابن دحية وبه سمى كتابه " المطرب من أشعار أهل المغرب ". وهو يشترك مع الشقندي في اللون الشعري المفضل، الذي عده الشقندي في رسالته تميزت به الأندلس. ولهذا نجد أن ابن سعيد لا يرى حرجاً في أن يعد المختارات والنماذج التي أوردها الشقندي في رسالته ملكاً له، يوردها للتمثيل على نوع من الشعر سماه " المرقص " ولو أن دارساً قارن الأمثلة التي أوردها الشقندي في رسالته لكل من المعتد وابنه الراضي وابن زيدون وابن دراج واللمائي وأبي حفص ابن برد وابن شهيد وابن اللبانة وابن وضاح وابن الزقاق وابن خفاجة وابن بسام والرصافي وابن حنون (أو حيون) من شعراء الأندلس، لوجد تلك الأمثلة هي عينها التي أوردها ابن سعيد في " عنوان المرقصات والمطربات " ثم أوجد ابن سعيد يكرر هذه الأمثلة في " رايات المبرزين "، فإذا أضفنا إلى ذلك أن للشقندي كتاباً اسمه " ظرف الظرفاء " وأنه من المصادر الهامة التي يعتمدها ابن سعيد عرفنا كم كان الشقندي موجهاً لذوق ابن سعيد (أو إن شئت فقل: لقلمه) في اختيار الشعر الأندلسي، ثم في اختيار الشعر المشرقي قياساً على ذلك.

(1) جامع المرقصات والمطربات: هو كتاب استخرجه من المشرق والمغرب معاً، ثم أعجله عنه الطلب، فاكتفى بأنموذج منه سماه " عنوان المرقصات والمطربات ".

ص: 533

الغرابة تخلص من السأم الناشئ عن التكرار

وهؤلاء النقاد الثلاثة صورة للذوق الغالب على الأندلس، فمن الواضح أن ابن دحية لم يصنع شيئاً سوى تقييد ما كان طلاب الأدب يعجبون به من أشعار أندلسية على مر الزمن، وربما كانت النماذج التي أوردها الشقندي في رسالته هي أيضاً زاد البيئات الأندلسية في المجالس والحلقات؛ وكلا الرجلين، وخاصة الثاني منهما، سهل على ابن سعيد تناول تلك النماذج؛ وأكبر الظن أن ابن سعيد نفسه وهو الذي جاب الأندلس بصحبة أبيه، كان موجه الخاطر إلى تلك النماذج لا بتأثر من أبيه (الذي كان أكبر موجه له) بل بتأثير من البيئة عامة، وهي بيئة لم يكن ذوقها - من ناحية الأدب - حضرياً وحسب، بل كان قد أصبح " حضرياً متزمتاً " - عن صح التعبير - يطلب تحت وطأة السام جديداً يتعلق به؛ يطلب " الغرابة " وهي إكسير كان يسعى إلى العثور عليه نقاد المشرق منذ زمن بعيد، حين كانوا يحسون بالشبع من تكرار المألوف، ومن تواتر الأشكال المتشابهة، فلا غرابة حينئذ أن يسمي ابن سعيد كتابه الكبير - وهو ميراث عدد من الناس نحوا هذا المنحى - بأم " المغرب ". والغرابة الجدة المصاحبة للابتكار أو الجدة المرافقة لتوليد شيء جديد من أمور لم تعد جديدة، وإذا عثر عليها المتذوق اشتد به الطرب إلى درجة التعبير عنه بالرقص، ولذلك سمى ابن سعيد ما تمتع بالجدة - من حيث الابتكار أو التوليد - باسم " المرقص " وسمى ما دونه مما عليه إثارة من الابتداع لا تبلغ بالمتذوق حد الرقص وإنما تثير في النفس هزة ارتياح ونشوة طرب باسم " المطرب ". ومن الأول ذلك البيت الذي ملك على ابن شهيد - أبي النقد الأندلسي - إعجابه وأسهره حتى استطاع أن يولد منه معنى، وذلك هو قول امرئ القيس:

سموت إليها بعدما نام أهلها

سمو حباب الماء حالاً على حال فليس المرقص هو الشعر القائم على التشبيه بل على " غريب التشبيه " أو غريب

ص: 534

" الصورة " - استعارة كانت أو تشبيهاً أو غير ذلك؛ فهناك تشبيه جميل ولكنه لا يبلغ حد المرقص، وهناك " التشبيهات العقم "، وهي أيضاً شيء غير المرقص - فيما يبدو لان ابن سعيد لا يخلطها به؛ وأما المطرب فمثاله قول زهير:

تراه إذا ما جئته متهللاً

كأنك تعطيه الذي أنت سائله (1) المرقص والمطرب يرجحان الشعر المحدث على القديم

ومن درس النماذج التي أوردها ابن سعيد على هذين اللونين من الشعر وجد المرقص والمطرب يترددان معاً في أشعار الجاهلين والإسلاميين والمحدثين - مع غلبة في المطرب على المرقص - وأن الاستشهاد بالمطرب يقل كثيراً في المائة الرابعة (2) ، حتى إذا وصلنا المائة الخامسة والسادسة والسابعة اختفى الاستشهاد بالمطرب، ولم تبق إلا الأمثلة على المرقص؛ وليس معنى هذا أن المطرب لم يعد له وجود، بل إن كثرة المرقص قد أغنت عن إيراده.

وفي الشعر بعد هذين النوعين نوع ثالث يسمى " المقبول " وهو ما " لا يكون فيه غوص على تشبيه وتمثيل "(3) . كقول طرفة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

ويأتيك بالأخبار من لم تزود فإذا كان المقياس هو " الغوص على التشبيه والتمثيل " فمعنى ذلك أن شعر الأقدمين يقل فيه المرقص ويكثر فيه المطرب، ولكن أكثره مقبول أو مسموع (وهو ما لا يأباه الطبع) أو متروك (وهو ما كان قائماً على خشونة ينفر منها الذوق) ؛ وكان اكثر شعر الشعراء في القرون الثلاثة الأخيرة من المرقص والمطرب واقله من المقبول والمسموع والمتروك؛ وهذا يعني حقيقة

(1) راجع نقد ابن شرف القيرواني لهذا البيت في الفصل الخاص به، ولاحظ التباين بين ذوقين.

(2)

وضع ابن سعيد الشاعر ابن المعتز في المائة الرابعة، وهو وهم أو اضطراب في النسخ.

(3)

عنوان المرقصات: 5.

ص: 535

واحدة وهي المتأخرين للغوص على التشبيهات، وميل الأذواق إلى طريقتهم، وليس إنكاراً للأنواع الأخرى من الشعر نظرياً، غير أنه من الناحية العملية يعني تقديم الأهم على المهم؛ ومن هنا يتبين تجافي الذوق المتنوق عن شعر عمر بن أبي ربيعة لان أكثره في طبقة المقبول (1) ، وعن تشبيهات الأعشى لأنها إعرابية جافية (2) ، وعن شعر علقمة لان معاني الغوص معدومة في شعره (3) ؛ وعن نثر الأقدمين جملة لأنه عار من السجع والصور فهو داخل في درجة المقبول والمسموع والمتروك (4)، حتى عن نثر الصابي لان معظم ترسله في طبقة المقبول (5) ؛ وبهذا المقياس يرتفع نثر العتبي صاحب " اليميني " والقاضي الفاضل وابن خاقان وابن أبي الخصال لاعتماد نثرهم على السجع والغوص على الصور؛ بل يصبح قول المتنبي:

وعدت إلى حلب ظافراً

كعود الحلي إلى العاطل هو مقياس الإيثار في شعره، ويتضاءل إلى جانبه مثل قوله:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى

عدواً له ما من صداقته بد لان الأول غوص على تشبيه فهو من المرقص، والثاني حكمة فهو من النمط المقبول، إذ أكثر الحكم والأمثال من هذا النمط.

(1) عنوان المرقصات: 23.

(2)

المصدر نفسه: 17.

(3)

المصدر نفسه.

(4)

المصدر السابق: 5.

(5)

المصدر نفسه: 8.

ص: 536

المرقص والمطرب انتصار لفكرة المتعة على الفكرة الأخلاقية

وفي استعمال هذه المصطلحات الخمسة (المرقص - المطرب - المقبول - المسموع - المتروك) نظر ابن سعيد إلى الشعر من ناحية " التأثير " وحسب، أي نظر إلى فعل الشعر في نفس المتلقي وإلى رد الفعل لديه حين يتلقى الشعر؛ وقصر النظر على هذه الناحية دون سواها، مع استبعاد الأمثال والحكم من باب المرقص والمطرب، وذلك انحياز إلى جانب المتعة في الشعر، وانصراف عما أهتم به النقاد الأندلسيون السابقون من الزاوية الأخلاقية، ونتيجة لذلك انحصرت براعة الشعر (أو براعة الشاعر) في إبراز وجه جديد من القول قائم على الصورة؛ ومن الواضح أن اعتماد " التوليد " صنواً للابتكار هو نظر إلى الشعر من زاوية " قضية السرقات "، وكان ذلك قد أصبح قانوناً للشعر في الأندلس منذ ابن شهيد؛ غير انه من الغريب أن نجد هذا التفاوت في الذوق الأندلسي في فترة واحدة، فبينا يتأخر المتنبي عن شعراء القرون الثلاثة الأخيرة في قدرته على الإبداع التصويري لدى ابن سعيد (وربما لدى المدرسة الاشبيلية كلا) نجده اكبر شاعر في نظر حازم (ابن المنطقة الشرقية في الأندلس) ، وبينا يفوز المتاخرون عند ابن سعيد بقصب السبق في الاختراع والتوليد، نجد حازماً يعدهم نموذجاً لانحراف الشعر عن خطه الصحيح (منذ أكثر من قرنين) . غير انه من الجدير أن نشير إلى أن مقياس ابن سعيد سريع إلى الاختلال عند الفحص، لا من حيث النظرة والذوق لدينا اليوم، بل من حيث شمول النظرة لو حاولها ابن سعيد نفسه، ولهذا نجد اضطراباً داخلياً لدى ابن سعيد في الأخذ بمقياسه، فهو يحب شعر المجنون وقيس بن ذريح وكثير (1)(دون ان تكون صلة ذلك الشعر قوية بالغوص على الصور) وهو يرى في المعري " اشعر من ملك طريق التخييل) (2) ؛ ومرة أخرى يقف الدارس حائراً في تقلب هذا

(1) عنوان المرقصات 23 - 28.

(2)

رايات المبرزين: 6.

ص: 537

الذوق الأندلسي في فترة زمنية قصيرة، فبعد سنوات سنستمع أشياخ ابن خلدون يخرجون المعري - وأستاذه المتنبي - من دائرة الشعر، لأنهما لا يجريان على طريقة العرب، وتلك عودة لا إلى الصورة ولا إلى الحكمة، وإنما هي عودة إلى البحتري، أي إلى جمال الموسيقى (1) .

الرندي مصنف مدرسي لآراء النقاد المشارقة

وقد كان من الممكن ان نقف قليلاً عند أبي البقاء الرندي (- 685) من أدباء هذا العصر وسعرائه، فقد خلف كتاباً سماه " الوافي في نظم القوافي "؛ ولم يكن الرندي من المهاجرين الأندلسيين فلهذا لم يكن بحاجة إلى الموقف الدفاعي، وكتابه لا يضيف شيئاً جديداً إلى القضايا والآراء النقدية، وإنما هو ذو منحى تعليمي خالص، جمع فيه بين ما جاء في كتاب العمدة وما جاء في الفصل الخاص من " العقد " حول الشعر والشعراء، واستقل بزيادة بعض الأمثلة أو بحشد التقسيمات الواردة في المصادر المختلفة، فليست له قضية نقدية يدافع عنها أو يتبناها، وإنما هو يكتب بصيغة تقريرية خالصة " وقد أوردت في كتابي هذا جملة كافية في صنعة الشعر لمن أحب أن يأخذ بأزراره ويطلع على أسراره ويتفنن في بديعه ويتبين سقطه من رفيعه "، وهو يردد ما قاله معاصروه وكثير ممن سبقهم من أن المتأخر ربما بلغ " بشرف الاطلاع ما لم يبلغ المقدم بفضل الاختراع "؛ وقد نقول إن شعوره بهوان الشعر في عصره هو الذي جعله يتحدث عن فضل الشعر وأن كثيراً من الخلفاء والأمراء قالوه " وهم القدوة "، ولكن

(1) قصرنا الحديث هنا على الأندلس، والواقع أن الذوق في المشرق كان مشابهاً لذوق الأندلسيين، وخاصة في مصر حيث نجد ابن ظافر يؤلف " غرائب التشبيهات " ونرى ابن الأثير يفضل المحدثين على كل من سبق من إسلاميين وجاهلين (وان كان تفضيله لهم قائماً على المعنى) ، وهكذا تبوأ الشعر المحدث مكان الصدارة في الذوق، في المغرب والمشرق على السواء، سواء لما فيه من صور أو لما فيه من معان (انظر الفصل الخاص بالنقد في مصر والشام والعراق) .

ص: 538

الأمر لا يعدو ما قاله صاحب العقد قبل قرون كثيرة: فكتاب " الوافي " مثل آخر على مدى تأثير العمدة في النقد في الأندلس.

حازم القرطاجني ملتقى الروافد العربية واليونانية جميعاً

وربما كانت آخر صلة بين كتاب أرسطو والنقد العربي متمثلة في كتاب حازم القرطاجني " منهاج البلغاء وسراج الأدباء "؛ وحازم ينتمي إلى شرق الأندلس، غير انه غادر وطنه حين سقط بلده في يد الرومس أو قبيل لك وعاش في ظل الدولة الحفصية، وفي مهاجره الجديد كتب كتابه المذكور.

الناقد الغريب الضائع يحس بضياع الشعر

ولم يكن غريباً على حازم الذي فقد وطنه ان يحس بالضياع، وان ينعكس إحساسه هذا على حال الشعر والنقد في عصره؛ أما الشعر فإنه منذ مائتي عام يعاني خروجه عن مذهب الفحول في الإحكام والانتقاء (1) ؛ وقد تضاءل جمهوره وقل المقبلون عليه، بل أصبح كثير من أنذال العالم - وما أكثرهم - يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة، مع أن القدماء كانوا يعظمون صناعة الشعر حتى كانوا يرون في الشاعر كما يقول ابن سينا: نبياً يعتقد قوله وتصدق حكمته ويؤمن بكهانته؛ وغنما تردى الشعر إلى هذه الدرجة من الهوان لعجمة في ألسنة الناس (2) واختلال في طباعهم، ثم رأى هؤلاء ما ركبه الاخساء الذين اتخذوا " الأشباح الشعرية " وسيلة لاستدرار الاعطيات من السوقة، دون أن يعرفوا حقيقة الشعر، ظانين أن كل ما ركب على وزن وقافية يعد شعراً، وضاعت التفرقة بين الشعر الحق وهذا " الشبح "

(1) منهاج: 10.

(2)

لاحظ كيف جعل ابن خلدون " العجمة في ألسنة الناس " علة في انحدار النثر العربي إلى الناحية الشكلية والإكثار من المحسنات، وذلك تغطية على الفقر في الأفكار والمعاني (انظر الفصل الخاص بابن خلدون) .

ص: 539

الذي يرسم صورة الشعر دون حقيقته، واستنكف الذين يعرفون قدر الشعر عن أن يسلكوا أنفسهم في هذه الموجة من الانحطاط الفني، خوفاً من أن يظن الناس أن الفريقين - من النظامين والشعراء - على مستوى واحد، بل لعلهم ظنوهم كذلك، فعاملوهم بنفس القدر من الاستهانة، وشاع بين الناس أن الشعر زور وكذب، جهلاً منهم بحقيقة الشعر أيضاً، أو حسداً للشعراء أدى بهم إلى تنقص الشعر والزراية به، وبهذا لم يفقد الناس تقديرهم للشعر وحسب، بل انهم فقدوا الهزة التأثرية عند سماعه (1) .

وبضياع النقد

وأما النقد فإنه صناعة سحب عليها الخمول أذياله، ولهذا يحس حازم باليأس من الاستقصاء فيه، لان العناية بالشيء تكون على قدر المستفيدين، وقد اصبح المستفيدون قلة، هذا مع أن " النقد " أو " تعليم صناعة الشعر " أمر لا يستغني عنه عصر من العصور، حتى العرب على ما اختصت به من جودة الطباع في عصور ازدهار الشعر لم تكن تستغني في نظم القصائد عن التعليم والإرشاد، والتنبيه على العيوب وعلى الجهات التي قد تدخل منها. والدليل على ذلك أن كل شاعر ناشئ كان يلزم أحد الشعراء المحنكين، ويتعلم منه قوانين النظم ويتدرب على يديه في شئون البلاغة؛ أما في عصر حازم فإن الذي يريد أن يتقن الفن الشعري يرى أن طبعه يهديه إلى ذلك دون حاجة إلى معلم، فإذا أتقن الكلام الموزون المقفى ظن انه قد أصبح واحداً من الفحول، ذلك لأنه يعتقد " أن الشعرية في الشعر إنما هي نظم أي لفظ اتفق كيف اتفق نظمه، وتضمينه أي غرض اتفق، على أي صفة اتفق، لا يعتبر عنده في ذلك قانون ولا رسم موضوع "(2) .

(1) منهاج: 124 - 126.

(2)

منهاج: 27 - 28.

ص: 540

المصلح المنتظر ناقد يجمع بين الثقافتين

الشعر والنقد كلاهما قد انحدر إلى الحضيض؛ ولابد لهما من امرئ مؤمن بهما معاً ينقذهما من هذا الانحطاط الذي ترديا في مهاويه، وهذا الإنقاذ لا يحسنه إلا ناقد يستطيع ان يجمع بين الثقافتين: العربية واليونانية، فإن الشعر بعد اليوم لا يستطيع أن يعتمد على رجل واحدة، بل لابد له، كما حاول النقاد في العصور السابقة، من رجلين اثنتين، وبدأ حازم من هذا الموقف يرسم الطريق التي يعتقد صحتها، وهو ينطلق من موقف إصلاحي، وإن كنا نحس ان حماسته للإصلاح لم تكن لتخفي عنه " يلقي ترنيمه في أرض غريبة "، وإمامه تراث كبير من النقد القائم على الطريقة العربية، وبين يديه تلخيص ابن سينا لكتاب الشعر، ومن المزاوجة بين هذين التراثين، حاول أن يرسم " منهاجاً " للبلغاء وان يوقد " سراجاً " للأدباء؛ وحين نظر في كتاب الشعر كما لخصه ابن سينا أزداد اقتناعاً بان القواعد اليونانية وحدها لا تستطيع ان تستغرق الشعر العربي، بالحكم والتفسير، وكان ابن سينا نفسه هو الذي أوحى غليه بذلك، ولهذا آمن بان الحكيم أرسططاليس، رغم عنايته بالشعر وكلامه على قوانينه، قصر أحكامه على أشعار يونان، وهي محدودة الأغراض والاوزان، تدور على خرافات موضوعة، يهدفون منها إلى أن تكون أمثلة لما قد يقع في الوجود، ولهم طريقة يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه وتنقل الدول، ولكن ليس لديهم تشبيه الأشياء بالأشياء، وإنما لديهم التشبيه بالأفعال لا في ذاتها، ولو أن أرسطو عرف الحكم والأمثال والاستدلالات واختلاف ضروب الإبداع في الشعر العربي لكان بحاجة إلى التوسع في القوانين التي وضعها؛ إذن فالطريق مهيأ أمام حازم ليزيد على ما جاء به أرسطو، وهذا أيضاً من وحي ما اقترحه ابن سينا، فإنه ختم تلخيصه بقوله " ولا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر المطلق وفي علم الشعر بحسب عادة الزمان كلاماً شديد

ص: 541

التحصيل والتفصيل " (1) . ويبدو أن ابن سينا لم يبتدع شيئاً من عند نفسه في هذا الموضوع، وشغلته عنه ظروفه، فليقم حازم بما قصر فيه أو شغل عنه ذلك الفيلسوف.

غير انه - وربما كان هذا من قبيل الحيطة - لم يحاول الاستقصاء إلى النهاية في هذه " البويطيقيا " الجديدة، وإنما ترك أشياء كثيرة مكتفياً بان يعرض الظواهر الكبرى في صناعة الشعر، ثم ما يليها من أمور تقع على عمق غير بعيد عن الظاهر، فأما الدقائق والخفايا، فقد اعرض عنها لعسرها أولاً، ولأنها تتطلب إطالة كثيرة ثانياً، ثم لأن من احكم الظواهر الكبرى وما بعدها من " المتوسطات " استطاع ان يهتدي بنفسه إلى الدقائق والخفايا (2) .

اليأس من الحال لم يقلل من الإخلاص في محاولة الانتقاد

وحقيقة الحال أن اليأس الذي كان يتسلل إلى حازم بسبب وضع الشعر والنقد في عصره، لم يمنعه من ان يكون مخلصاً في رسم منهجه النقدي، إلا أن قلة ثقته في المستوى الثقافي لأبناء ذلك العصر لم يحفزه على النزول إلى مستواهم، فكتب، منتحلاً خطة كان الشكل الذي اختاره، يناقض الغاية العملية من الإصلاح الذي ارتاه، فذهب جهده صيحة في واد، ولم يستطع أن ينقد الشعر، أو يوجه النقد، ولو أن كتاب حازم ظهر يوم ظهر نقد الشعر لقدامة أو الموازنة للآمدي لكان له - فيما أقدر - في توجيه النقد الأدبي دور آخر.

(1) انظر 68، 69 من منهاج البلغاء.

(2)

منهاج: 70.

ص: 542

عرض متسلسل لمنهج حازم

وفي سبيل الاطلاع على ما قاد به حازم لابد من أن تقيم ترتيباً جديداً للخطوات التي سار فيها، متذكرين في كل خطوة، إن هذا الناقد أسلم نفسه إلى وضع القواعد ولم يحاول التمثيل إلا في النادر، فجاء كلامه نظرياً، ولكنه سلم مما تورط فيه ابن رشد من التباين بين القاعدة والمثال؛ وقد نمر أثناء إعادة الترتيب على أمور لها ما يشابهها عند النقاد الآخرين، ولكن الرغبة في الكشف عن " التصور الكلي " لمنهج حازم يجعلنا نتغاضى عن هذا التكرار.

ما هو الشعر

لم ينف حازم أن الشعر كلام موزون مقفى (1) ، ولكنه وقف من هذا التعريف عند ناحية التأثير أي فعل الشعر في التحبيب والتنفير، وذلك لأن الشعر يعتمد على عناصر تكفل له هذه القدرة منها: حسن التخييل أو المحاكاة أو الصدق أو الأغراب (2) ولكن " أحسن الشعر ما حسنت محاكاته وهيأته وقويت شهوته أو صدقه أو خفي كذبه وقامت غرابته "(3) ، وأردأ الشعر ما كان بضد ذلك، وهذا النوع الرديء جدير بألا يسمى شعراً؛ ذلك هو تعريف الشعر بالنسبة لتأثيره، أما من حيث الإبداع فإنه وليد حركات النفس أي وليد انفعالات تتناوب النفوس بين قبض وبسط (نزاع إلى ونزوع عن) وحركات النفس بين بسائط ومركبات، تتضمن الارتياح والاكتراث وما تركب منهما - وهي الطرق الشاجية، وتحت هذه يقع الاستغراب والاعتبار والرضى والغضب والنزوع والخوف والرجاء، ومن قيام الشعر بوصف هذه الانفعالات، تتولد المعاني الشعرية التي سنتحدث عنها فيما

(1) قد حدد حازم ص 89 أن التقفية مطلب في الشعر العربي، كما قال ابن سينا والفارابي من قبل.

(2)

سيأتي القول في بعض هذه العناصر التي تكفل للشعر القدرة على التأثير.

(3)

منهاج: 71.

ص: 543

بعد (1) ؛ ولا بد لإبداع الشعر في أكمل الوجوه من ثلاثة عوامل خارجية:

(أ) المهيئات: وأهمها البيئة ذات الهواء المعتدل والمطعم الطيب والمناظر الجميلة، والنشأة بين الفصحاء الذين دربوا على الإحساس بالإيقاع، وحفظ الكلام الفصيح.

(ب) الأدوات: وهي العلوم التي تتناول الألفاظ والأخرى التي تتناول المعاني.

(ج) البواعث: وهي نوعان: إطراب وآمال (فالإطراب كعوامل الحنين والآمال كالاستشراف إلى العطاء وما أشبه) .

ولهذا قلما يبرع في الشعر إلا من نشا في بقعة فاضلة وفي أمة فصيحة (ليجود اللفظ) وحدته آمال إلى التجويد وإعمال الروية، وخلق لديه الحنين رقة في الأسلوب.

ولا بد لكمال الإبداع من عوامل داخلية، وهي توفر ثلاث قوى لدى الشاعر:

(أ) القوة الحافظة: وذلك بان تكون خيالات الفكر منتظمة متمايزة، نعرف طبيعة الموضوع الذي يقبل عليه الشاعر فترفده بالتصور المناسب، دون أن يعتكر خياله فيقع في التخليط وعدم انتظام الصور.

(ب) القوة المائزة: وهي التي تعين الشاعر على ان يميز ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض مما لا يلائم.

(ج) القوة الصانعة: وهي التي تتولى ربط أجزاء الألفاظ والمعاني

(1) أنظر المنهاج: 11 - 12.

ص: 544

والتركيبات النظمية والمذاهب الأسلوبية إلى بعض مع الاحتفاظ بالتدرج.

فإذا اجتمعت هذه القوى معاً في شاعر أطلق عليها " الطبع الجيد ".

ويبدو لنا من هذا المدخل إلى الشعر معظم الخصائص التي يتصف بها منهج حازم، فهو منهج قائم على الانتقاء والتنسيق والقياس؛ فهو قد انتقى من نقاد الفلاسفة تعريفه لماهية الشعر وعلاقته بحركات النفس، ومن الجاحظ القول بأثر البيئة والعرق (وذلك شيء شارك في جانب منه ابن قتيبة)، ووقف مع جميع النقاد القائلين بحاجة الشاعر إلى الثقافة (العلوم) وكذلك هو في حديثه عن البواعث؛ أما حديثه عن القوى الحافظة والمائزة والصانعة فإنها قياس على ما وجده لدى الفلاسفة (وخاصة ابن سينا) من الحديث عن قوى النفس: قوة الفنطاسيا والقوة المصورة والقوة المخيلة والقوة الوهمية والقوة الحافظة الذاكرة (1) ؛ وتبدو قيمة هذا الجمع في سيطرة حازم على مختلف الجوانب التي نجدها مبعثرة هنا وهناك - على مر الزمن - عند كثير من النقاد.

الفرق بين الشعر والخطابة وقضية الصدق والكذب

ومما يزيد حد الشعر وضوحاً إقامة التفرقة بينه وبين الخطابة، وقد كان لابد لحازم من أن يتصدى لهذا الموضوع خضوعاً للأثر الفلسفي الذي استوحاه من الفارابي وابن سينا، ويبدو انه هنا لم يحاول أن يجري في مضمار من تقدموه وإنما انفرد باستنتاجات جديدة. فقد قرر هنا أن الشعر قائم على التخييل وإن الخطابة قائمة على الإقناع، وكان الفارابي قد قال إن الأقاويل الشعرية كاذبة بالكل لا محالة لأنها قائمة على التخييل، ورغم ذلك فإنها ترجع إلى نوع من أنواع السولوجسموس (القياس) وأن لهذا التخييل قيمة

(1) كتاب النفس من الشفا، الفصل 5:43.

ص: 545

البرهان في العلم. وسمى هذا التخييل باسم المحاكاة، وان المحاكاة لذلك أهم عنصر في الشعر، ولكنها ليست عنصراً في الخطابة، إذ تقوم الأقاويل الخطابية على الإقناع فهي صادقة بالمساواة (أي أن الصدق والكذب فيها متساويان) ؛ ولكن حازما ذهب من الأسس التي وضعها - أو صاغها - الفارابي في منحى آخر. فالخطابة تقوم حقاً على الإقناع ولكنها تعتمد على تقوية الظن لا على إيقاع اليقين ومن ثم كانت غير صادقة إلا أن عدل بها عن الإقناع إلى التصديق؛ أما التخييل في الشعر فإنه - كما قال الفارابي - قد ينقل الشيء على ما هو عليه أو يخيله على غير ما هو عليه، فهو أحق بأن يقال فيه: إن مقدماته تكون (إذا نقل الشيء على ما هو عليه) صادقة وتكون (إذا خيل الشيء على غير ما هو عليه) كاذبة (1) . وبعد أن يحدد حازم طبيعة السولوجسموس الشعري وهو أنه يرد دائماً محذوف إحدى المقدمتين أو النتيجة لأنه لا حاجة به إلى الإطالة في التفصيل (إذ في قوة القول نفسه ما يدل على المحذوف) يتجه حازم إلى القول بأن ما كان من الأقاويل القياسية مبنياً على تخييل وفيه محاكاة فهو قول شعري سواء كانت مقدماته برهانية أو جدلية أو خطابية، يقينية أو مشتهرة أو مظنونة؛ وعلى هذا فالقول الشعري يقبل من الخطابة بمقدار، ويظل على ذلك قولاً شعرياً.

فالأقاويل الصادقة تقع في الشعر ولكنها لا يصح أن تقع في الخطابة لان الإقناع بعيد من التصديق، إذ هو مبني على الظن الغالب، والظن مناف لليقين (2) . وقد تقع فيه الأقاويل الكاذبة لأنه قد يبدأ بمقدمات مموهة وهو شعر في الحالين، لأنه لا يسمى شعراً بمقدار ما فيه من عنصري الصدق والكذب وإنما بمقدار ما فيه من محاكاة أو تخييل (3) .

(1) منهاج: 62 - 63.

(2)

منهاج: 70.

(3)

منهاج: 71.

ص: 546

على أنا إذا نظرنا نظرة تفصيلية إلى الشعر من زاوية الصدق والكذب وجدنا الصدق يتعين في أحوال منها تحسين حسن ليس له نظير، فهذا يجب أن تكون الأقوال فيه صادقة، وتقبيح قبيح ليس له نظير، وهو في حكمه كالاول، وتحسين حسن له نظير، ويقع الصدق فيه كثيراً وخاصة لأنه يعتمد مبدأ التوسط في المحاكاة، وتقبيح قبيح له نظير، وهو كسابقه، أما من ناحية الكذب فالقول قد يبنى على الاختلاق الإمكاني كأن يصف الشاعر حبه وشجاه من غير أن يحب أو يحس بالشجى، وهذا لا يعلم كذبه من ذات القول، ولا يحكم عليه بالكذب، وقد يبنى على الاختلاق الإمتناعي والإفراط الإمتناعي والإستحالي وفي هذه جميعاً يكون القول كاذباً. أما الإفراط الإمكاني فلا يتحقق ما هو عليه من صدق أو كذب لا من ذات القول ولا من بديهة العقل، ولذلك لا يوصف بالكذب.

يتبين من هذا إن الأقاويل الشعرية بعضها واقع (حاصل) وبعضها مختلق، وكلا القسمين يكون في ثلاث حالات اقتصار أو تقصير أو إفراط، فالأقاويل الحاصلة صادقة في حالي الاقتصاد والتقصير، وما كان إمكانياً فإنه يتحمل الصدق والكذب، ثم تكون الأصناف التالية كاذبة: الحاصل الممتنع، والحاصل المستحيل، والمختلق المقصر، والمختلق الاقتصادي والمختلق الإمكاني، والمختلق الإمتناعي، والمختلق الإستحالي.

وإذا أنعمنا النظر في هذا الإحصاء وجدنا أن ما يدخل فيه الكذب أكثر عدداً مما يدخله الصدق، إلا إن حازماً بعد هذا كله يرجع من حيث بدأ فيرى أن الاعتبار في الشعر ليس بالنظر إلى الصدق والكذب بل بالنظر إلى التخييل، وأن الصدق والكذب أمران يرجعان إلى المفهومات لا إلى الدلالات، بل يخطو خطوة أبعد فيزعم أن الصدق أقدر على التحريك من الكذب، إذ التحريك في الصدق عام والتحريك في الأقوال الكاذبة خاص، ولخصوصيته كان ضعيفاً؛ ومن ثم فإن الصدق في المواد الشعرية أفضل. ويستنتج من

ص: 547

هذا أن من قال " إن مقدمات الشعر لا تكون إلا كاذبة " إنما هو امرؤ كاذب. حقاً إن الشعر لا يقصر على الكذب، وبهذا قال من ذهب إلى " أن أعذب الشعر أكذبه " فإنهم لم يقولوا إن الصدق فيه معدوم ولكنهم فضلوا جانب الكذب فيه على جانب الصدق، فجاء حازم ينصر قضية الصدق مترسماً ما قرأه لدى ابن سينا (1) حيث قال:" وليس يجب في جميع المخيلات أن تكون كاذبة "(2) وحيث قال: " فإن كونه (أي الكلام المخيل) مصدقاً غير كونه مخيلاً أو غير مخيل "(3) - وخلاصة القول هنا: إن الشعر إنما ينظر إليه من ناحية تأثيره وقدرته على إحداث الانفعال النفساني. فقد يكون صادقاً والصدق فيه قادر على إحداث الانفعال. وحينئذ يكون الكاذب القادر على إحداث الانفعال خيراً منه، ويستشهد حازم بقول الفارابي " الغرض المقصود بالأقاويل المخيلة أن ينهض السامع نحو فعل الشيء الذي خيل له فيه أم ما من طلب له أو هرب عنه "(4)، وكأنه لم يطلع على قول الفارابي: إن الأقاويل الشعرية كلها كاذب، ولهذا ساوى بين موقفه وموقف أبن سينا.

وقد اتهم حازم المتكلمين بإشاعة نسبة الكذب إلى الشعر (دون أي شيء من الصدق) زاعماً انهم احتاجوا إلى الكلام في إعجاز القرآن، فدرسوا مقدمات في الفصاحة والبلاغة ضللتهم، وسكت حازم عن سائر التهمة، وأعتقد انه أراد أن يقول إن نسبة الكذب إلى الشعر إنما كانت لجعله في منزلة بعيدة عن القرآن القائم كله على الصدق؛ لكنه بدلاً من أن يقول ذلك اتهمهم بضعف بضاعتهم في النقد لأن المقدمات اليسيرة في الفصاحة والبلاغة لا تكفي؛ لابد في صناعة البلاغة من إنفاق العمر، " فهي البحر

(1) أنظر المنهاج 74 - 84.

(2)

المصدر نفسه: 84.

(3)

منهاج: 85.

(4)

نفسه: 86.

ص: 548

الذي لم يصل أحد إلى نهايته " (1) . وبهذه الوقفة من موضوع طال حوله افتراق النقاد حسم حازم الخلاف نظرياً، حين أخرج قضية الصدق والكذب من طبيعة الشعر جملة وركز على أهمية " التخييل ". وأظهر أن الجدل حول هذه القضية إنما كان تجاوزاً عن دائرة " الانفعال " إلى منطقة الدلالات في الأقوال نفسها، وإن النقاد بدلاً من أن يسألوا هل هذا صدق أو كذب كان عليهم أن يسألوا عن " المحاكاة " ومدى تأثيرها.

أقسام المحاكاة وتأثيرها

أطال حازم القول في أقسام المحاكاة بالنظر إليها من زوايا وعلاقات مختلفة. فهي من حيث الغاية مثلاً تنقسم إلى محاكاة تحسين ومحاكاة تقبيح، ومحاكاة مطابقة، وهذه الثالثة ربما كانت في قوة الأوليين. وقد اعتمد في هذا على قول ابن سينا " فظاهر أن فصول التشبيه هذه الثلاثة: التحسين والتقبيح والمطابقة " وهذا إيجاز لقول أرسطو إن الرسام أو الشاعر قد ينقل الشيء كما هو أو أدنى مما هو أو كما يجب أن يكون. ثم تنقسم المحاكاة من جهة ما تخيل الشيء في قسميه، قسم يخيل لك الشيء كما هو في نفسه ومثاله الصورة التي يضعها الرسام أو التمثال الذي ينحته المثال، وقسم يخيل لك الشيء في غيره ومثاله صورة الشيء في المرآة؛ ثم تنقسم المحاكاة بحسب التنوع إلى المألوف والمستغرب، وما يتفرع عن هذين من مقابلات. وهكذا يمضي حازم في القسمة والتفرع ويتطرق إلى أشياء جزئية يستمد من طبيعة التركيب العربي نفسه.

وإذا سلك الشاعر في المحاكاة مسلك التحسين أو التقبيح، فإنه يستطيع أن يحقق غايته - في نظره إلى الشيء أو إلى الفعل أو إلى الاعتقاد - بأربع وسائل:

(1) منهاج 87 - 88.

ص: 549

(1)

أن يحسن الشيء (أو يقبحه) من جهة الدين وأثره في النفس.

(2)

أن يحسن الشيء بمطابقته للعقل أو يقبحه لخروجه على مقتضى العقل.

(3)

أن يحسن الشيء من جهة الخلق أو يقبحه لمنافاته للخلق.

(4)

أن يحسن الشيء بربطه بالناحية النفعية في الدنيا أو يقبحه لما قد يجلبه من ضرر في هذه الناحية، فإذا أراد أن يقبح عشق الشيخ لفتاة صغيرة أعتمد ذم التصابي في حال المشيب، لكن إذا كان العاشق شاباً أضاف إلى ذلك تقبيح العلاقة باستثارة ما لدى النساء من قبح أخلاقي كالغدر والملالة وما أشبه ذلك (وهو تقبيح من جهة العقل)(1) ، أما محاكاة الشيء بما يطابقه، فالمذهب الأمثل فيها محاكاة الحسن بالحسن والقبيح بالقبيح (2) وأي تفاوت في المقدار أو اللون قد يفسد المحاكاة، أما الهيئة فلا يلتفت فيها إلى التفاوت (لأن الهيئة تؤخذ جملة ولا تؤخذ تفصيلاً) ، ويبدو من كل ذلك أن مفهوم حازم للمحاكاة متسع وإنها تشمل كل صور التعبير (أو النقل) ولكن المحاكاة التشبيهية تحتل من دراسته مقاماً هاماً، بحيث يعود ما دامت نماذجه مستمدة من الشعر العربي الغنائي إلى تغليب معنى التشبيه على المحاكاة.

وحين تناول حازم سبب قوة المحاكاة على التأثير عاد إلى ابن سينا ونقل ما قاله أرسططاليس في التذاذ النفوس وانفعالها بالمحاكاة من حيث هي محاكاة، وبما زاد فيها من طبيعة التوافق الموسيقي، وقد فسر حازم هذا التوافق الموسيقي بتلذذ السمع بجمال العبارة الشعرية وذلك يشبه لذة العين

(1) منهاج 106 - 108.

(2)

منهاج: 113.

ص: 550

برؤية الشراب في إناء من الزجاج أو البلور. وهو أمر لا يتأتى من وضع الشراب في آنية خزفية، وهذا الجمال يعتمد على اختيار مادة اللفظ وتلاؤم التركيب، وفي هذا تنفرد الأقاويل الشعرية عن غيرها من الأقاويل (1) . غير إن المحاكاة ليست دائماً على درجة واحدة من التأثير، وإنما يكون تأثيرها مساوياً لمقدار الإبداع فيها ومحدداً بحسب استعداد النفس لقبولها، والاستعداد النفسي يعني حالة معينة تكون فيها النفس مستعدة لتقبل محاكاة ملائمة لتلك الحالة، أو هو استعداد عام وذلك يعني " الإيمان بالشعر "، وهذا ما قد فقد في العصور المتأخرة، ولما فقد الشعر منزلته في النفوس، ضاع تأثير المحاكاة أو ضعف إلى الغاية؛ وقد عرضنا من قبل لرأي حازم في هوان الشعر على الناس في عصره (2) .

ويتطرق حازم بعد ذلك إلى سؤال دقيق: وهو لماذا لا يكون التذاذ الناس بالشيء المحكي نفسه أكثر من التذاذهم بالمحاكاة نفسها؟ لم لا تكون اللذة الحادثة من رؤية امرأة جميلة اكبر بكثير من رؤية تمثال فني لتلك المرأة؟ فيقول أن اللذة حادثة في الحالين إلا أنها مختلفة في طبيعتها. فاللذة من رؤية الشيء نفسه. نابعة من حسن ذلك الشيء، أما اللذة من المحاكاة فإنها نابعة من " التعجيب ". ثم إن الشيء المحكي ربما لم يكن حسناً في كل حال، ولكن تخييله بالمحاكاة لا ينفي قدرته على العجيب في كل حال؛ ولنأخذ مثالا من الطبيعة: إن منظر الشمعة أو المصباح ربما كان جميلاً، ولكن انعكاس صورة الشمعة أو المصباح على صفحة مائية صافية أجمل بكثير من الشيئين في الواقع، أولاً لحدوث إقترانات جديدة (بين الضوء وصفحة الماء) وثانياً لان هذه الصورة اقل تكراراً من رؤية الشمعة نفسها، والنفس إلى ذلك أميل ذهاباً مع الاستطراف (3) .

(1) منهاج: 116 - 119.

(2)

منهاج 121 - 126.

(3)

منهاج: 126 - 128.

ص: 551

معاني الشعر في اغلبها جمهورية

قرر حازم وحدة المنبع في الشعر حين رده كله إلى أصل واحد، وجعله وليد حركات النفس، ولكن هذه الحركات النفسية تشتمل على ثلاثة عناصر (1) العوامل المحركة (2) المتحركين (3) العوامل المتحركة والمتحركين معاً؛ وعلى هذا لا تعدو معاني الشعر أن تكون وصفاً للحركات أو وصفاً لأحوال المتحركين أو وصفاً لأحوال الاثنين معاً (والثالث هو الأكمل)(1) . ولما كانت الغاية الكبرى من المعاني الشعرية (أو من الأقاويل الشعرية في صورتها المكتملة) هي إحداث التأثير والانفعال في النفوس الإنسانية بحيث تحمل على عمل شيء أو اعتقاده أو تجنبه. كانت أدخل المعاني في الصناعة الشعرية وأعرقها فيها هي ما اشتدت علقته بأغراض الإنسان، واشتركت في قبولها (أو النفور منها) نفوس الخاصة والعامة (2) بحكم الفطرة أو العادة؛ وذلك أن تجمع المعاني بين أن تكون معروفة ومؤثرة في آن معاً، أو أن تصبح مؤثرة بعد أن تعرف. وأحسن الأشياء التي تجمع المعرفة والتأثير معاً هي ما فطر الناس على استلذاذه أو التألم منه، وهذا يعني أن الشعر من هذه الناحية يتناول:(1) ما هو مفرح كلقاء الأحبة واجتلاء الروض والماء (2) وما هو مفجع كالفرقة (3) وما هو مستطاب كلذة انصرفت يتلذذ الإنسان بذكراها؛ هذه الأمور تتصور بالفطرة، ولذلك يمكن أن نسميها " المتصورات الأصيلة " ويقابلها " المتصورات الدخيلة " وهي التي لا يوجد لها في نفوس الجمهور أثر لفرح أو ترح أو شجو، وإنما هي مكتسبة، كتلك الأغراض التي تستمد

(1) منهاج: 13.

(2)

استدرك حازم على هذا بقوله " فأما بالنظر إلى حقيقة الشعر فلا فرق بين ما انفرد به الخاصة دون العامة وبين ما شاركوهم فيه، ولا ميزة بين ما اشتدت علقته بالأغراض المألوفة وبين ما ليس له كبير علقة " وحجته أن نجاح المحاكاة هو وحده الذي يقرر حقيقة الشعر، وكأني به يفرق هنا بين ما هو شامل وبين ما هو خاص التأثير، كلاهما شعر، ولكن الأول أكثر علقة بأكبر عدد من الناس ومن النفسيات (أنظر ص 21 من منهاج البلغاء) .

ص: 552

من العلوم والصناعات والمهن، وبعض هذه قد يكون معروفاً عند الجمهور كالأغراض المستمدة من المهن، ورغم ذلك لا يحسن إيرادها في الشعر، كما أن بعض المعاني التي لا يعرفها الجمهور، وإذا كان تعريفهم بها ممكناً فإنها تظل متعلقة بالإدراك الذهني، وهذا النوع المتعلق بالإدراك الذهني لا يصلح للشعر، وأكثر الناس يستبرد وقوع المعاني الذهنية فيه، ولا يوردها في شعره إلا من أراد أن يموه على الناس بأنه عالم شاعر. والشاعر الحق لا يدرج في شعره إلا المعاني التي تحرك الجمهور وتؤثر في النفوس؛ لذلك يمكن القول على وجه الإجمال (مع استثناءين سبقا) إن المعاني الجمهورية هي المادة الأصلية للشعر، وهي التي لا يتألف كلام فصيح عال إلا منها؛ وقد ترد فيها معان أوائل (مقصودة في نفسها) أو معان ثوان (أي استدلالات تقوي المعاني الأوائل) ؛ ولذلك كانت خير التصورات ما صلحت لإيراد النوعين من هذه المعاني متعاقبين، وذلك لا يكون أيضاً إلا بالعودة إلى المعاني الجمهورية القائمة في أصل الفطرة الإنسانية (1) .

التجربة الشعرية تستمد من الحياة وبعضها من الثقافة

مما تقدم يتبين لنا كيف إن حازماً ربط بين الشعر وبين الحياة الطبيعية أو حياة الحس عامة، وانه حاول أن يبعد الشعر عن العلم قدر استطاعته؛ وجعل ينبوع الشعر من حركات النفس، ومصبه النفوس الإنسانية في مدى تقبلها أو أعراضها بحسب الفطرة (أو بقوة الاكتساب الذي يرقى إلى درجة العادة) ؛ ولهذا كان من الطبيعي أن يوجه الشاعر ليستمد معانيه من التجربة الحسية، بحيث ترتسم صور المحسوسات في خياله، ثم يستطيع خياله أن يقيم ضروب العلاقات بينها؛ غير أنه في مقدور الشاعر أن يؤيد التجربة المستمدة من

(1) منهاج: 13 - 31.

ص: 553

عالم الطبيعة بقوة التخيل والملاحظة والتجربة المستمدة عن طريق الثقافة، كدراسة ما جرى من قبل في تجارب غيره من الشعراء والأدباء أو ما أورده المؤرخون والقصاص، أو ما تبلور من التجربة الشعرية في صورة أمثال، والإفادة منه زائداً على التجربة الطبيعية، وشاعريته هي التي تستطيع أن تهديه إلى كيفية التصرف بهذا الزاد الثقافي في شعره (1) ؛ وهو في الأمرين يجب أن يخضع شعره للتناسب الصحيح والتطالب الحتمي بين ضروب المعاني من أضداد وأشباه ومتقاربات؟ الخ وقد حدد له البلاغيون نماذج من هذه المناسبات كالمطابقة والمقابلة والتقسيم والتفسير؟ الخ وعليه أن يراعي ذلك، فإن هذه المذاهب في مناسبات المعاني بعضها لبعض، إنما استخرجت من نماذج شعرية سابقة، سارع الذوق إلى استحسانها (2) . كذلك عليه أن يتدبر العيوب، أي المناحي السلبية، التي تنشأ عن الإخلال بصور المناسبات والتطالبات والتطابقات كالاستحالة بسبب الإفراط في المبالغة وفساد التقسيم وفساد التقابل والغموض؟ الخ (3) .

الغموض والوضوح في الشعر

ويتفرع عن الحديث في المعنى، حديث حازم عن الغموض والوضوح في الشعر، مع إن حازماً يقر أن بعض أنواع الغموض لابد أن يتوفر في الشعر مثل اللغز والكناية، والإشارات إلى الأحداث الماضية والقصص مما يتطلب من القارئ ثقافة خاصة، فإنه في الجملة منحاز إلى جانب الوضوح، فبعد أن يعد وجوه الغموض الناجمة عن طبيعة المعنى (كدقة المعنى أو تحمله لأوجه من التأويل) وعن طبيعة العبارة (كالتقديم والتأخير أو طول العبارة وكثرة المعترضات؟ الخ) نراه يصف للشاعر حيلاً يستطيع

(1) منهاج: 38 - 39.

(2)

منهاج 44 - 61.

(3)

منهاج: 137 - 196 واكثر هذا الفصل يعتمد على ما جاء به النقاد السابقون أمثال قدامة، مع بعض التوجيه الجديد في التفسير أو التمثيل.

ص: 554

أن يخفف لها من درجة الغموض في شعره أو يزيلها، فإذا كان المعنى نفسه دقيقاً وجب على الشاعر أن يؤديه بأبسط عبارة أو أن يقرن المعنى بما يناسبه من الأمور التوضيحية؛ وانتصاراً منه للوضوح ين باعتماد القصص المشهورة حتى لا تكتسي الإشارات بالغموض، وينصح الشاعر أن يبتعد عن العبارات المتعلقة بصنائع أهل المهن، أو العبارات الدالة على المعاني العلمية (1) .

قضية السرقة

وتتصل قضية السرقة أيضاً بموضوع المعاني، ومما يميز نقد حازم انه مر بها مروراً عابراً، فجاءت كأنها قضية هامشية في نقده؛ وفي أثناء تعرضه لها قسم المعاني في قسمين:(1) قديمة متداولة، (ب) جديدة مخترعة، والقسم الأول مثل ما شاع بين الناس من تشبيه الشجاع بالأسد، ومثل هذا القسم لا تدخله سرقة لان معانيه ثابتة في وجدانات الناس مرتسمة في خواطرهم، وينشق عن هذا القسم نوع آخر من المعاني يعتمد الزيادة في المتداول أو قلبه أو التركيب عليه؛ غير أن المرتبة العليا في الشعر تتمثل في استنباط المعاني:" من بلغها فقد بلغ الغاية القصوى من ذلك، لأن ذلك يدل على نفاذ خاطره وتوقد فكره حيث استنبط معنى غريباً واستخرج من مكامن الشعر سراً لطيفاً "، وهذا النوع المبتكر لا يمكن أن يسرق وإنما يتحاماه الشعراء لضيق المجال في إخفاء السرقة؛ وهذه الأنواع من المعاني تحدد مراتب الشعراء، لأنها أربع درجات: اختراع واستحقاق وشركة وسرقة " والسرقة كلها معينة وإن كان بعضها اشد قبحاً من بعض "(2) .

(1) منهاج: 172 - 192.

(2)

منهاج: 192 - 196.

ص: 555

أغراض الشعر

وبعد ان استعرض حازم موقف النقاد السابقين في قسمة الشعر إلى أغراض (1) عاد يطلب مبدأ الوحدة الذي طلبه قدامة حين جعل أغراض الشعر نابعة من منبع واحد أخلاقي هو الفضيلة (وما يناقضها) وإنها ترتسم في صورة واحدة هي المدح (وما يناقضه) ؛ ولكنه اختار طريقاً جديدة لإبراز هذه الوحدة فقال: " عن الأقاويل الشعرية لما كان القصد بها استجلاب المنافع واستدفاع المضار، ببسطها النفوس إلى ما يراد من ذلك، وقبضها عما (لا) يراد، بما يخيل لها فيه من خير أو شر، وكانت الأشياء التي يرى إنها خيرات أو شرور منها ما حصل ومنها ما لم يحصل، وكان حصول ما من شأنه أن يطلب يسمى ظفراً، وفوته في مظنة الحصول يسمى إخفاقاً، وكان حصول ما من شأنه أن يهرب عنه يسمى أذاه أو رزءاً، وكفايته في مظنة الحصول تسمى نجاة، سمي القول في الظفر والنجاة تهنئة، وسمي القول بالإخفاق إن قصد تسلية النفس عنه تأسياً وإن قصد تحسرها تأسفاً، وسمي القول في الرزء ان قصد استدعاء الجلد على ذلك تعزية، وإن قصد استدعاء الجزع من ذلك سمي تفجيعاً، فإن كان المظفور به على يدي قاصد للنفع جوزي على ذلك بالذكر الجميل وسمي ذلك مديحاً، وإن كان الضار على يدي قاصد لذلك فادى ذلك إلى ذكر قبيح سمي ذلك هجاء، وإذا كان الرزء يفقد شيء فندب ذلك الشيء سمي ذلك رثاء؛ ولما كانت المنافع كأنها تنقسم إلى ما يكون بالنسبة والملاءمة مثل ما يوجد من مناسبة بعض الصور لبعض النفوس فيحصل لها بمشاهدة تلك الصور المناسبة لها نعيم وابتهاج؟. وغلى ما يكون بالفعل والاعتماد مثل ما يعتمده الإنسان من إسعاف آخر بطلبته فيكون في إسعافه بها منفعة له، وإلى ما يكون منفعة بالقوة والمال أو بتشفي النفس فقط مثل ما تحل مضرة بعدو إنسان؟.. اقتضى ذلك انقسام الذكر الجميل إلى ما يتعلق من المنافع بالأشياء المناسبة لهوى النفس وسمي

(1) انظر ص: 336 حيث ورد قول قدامة والرماني وغيرهما.

ص: 556

ذلك نسبياً، وإلى ما يتعلق بالأشياء المستدعية رضى النفس وسمي ذلك؟ كما تقدم - مديحاً؟ الخ (1) .

من هذا التفصيل في أغراض الشعر - وجميعها يرتد إلى الظفر أو النجاة (وتقيضيهما) نرى كيف عانى حازم قسمة أخرى للانفعالات النفسية لكي يذكر النسيب بين أنواع الشعر. وهو ذلك الفن الذي أبى الخضوع تماماً لقسمة قدامة من قبل؛ على أي حال لم يكن حازم وهو الذي جعل الشعر وليد حركات النفس (المعتمد على المعاني الجمهورية) بحاجة إلى كل هذا العناء في سبيل إقامة " منطق " خاص بأغراض الشعر، ذلك انه لو قال أن الغرض الشعري الواحد صورة من حالة نفسية في لحظة ما، لكان ذلك وحده كافياً لرد الأغراض إلى منبع واحد، وإذن لتحققت " وحدة الانطلاق " دون اللجوء إلى هذه المشقة في التفريعات. أما حديث حازم بعد ذلك عن الشئون التي يجب على الشاعر مراعاتها في كل من المدح والنسيب والرثاء والفخر والاعتذار؟ الخ، فلا تخرج عن عموميات ما جاء به النقاد السابقون من وصايا (2) .

نظم الشعر

يقول حازم: " اعلم ان خير الشعر ما صدر عن فكر ولع بالفن "(3) ؟ لا يعني بذلك أن الشعر يصدر عن فكر فقد قرر أن الشعر وليد حركات النفس، وغنما يعني هنا " صدق الإحساس " بالتجربة الواقعية، فاحسن الناس نسبياً من أحس بالألم من جراح التجربة، ولكنه يستدرك - كما فعل من قبل - حين يمنح الخيال حقه في التعويض عن تلك التربة، وهذا الخيال يتكون عن طريق الثقافة ودراسة طرق السابقين حتى تصبح لدى الشاعر " قوة على

(1) منهاج: 337 - 338.

(2)

انظر المنهاج: 349 - 353.

(3)

منهاج: 341.

ص: 557

التشبه " (identification) ؛ وقد تكون هذه القوة عامة في الشاعر، فهو يحسن استغلالها في أي موضوع أو غرض شعري، ومنهم من تكون فيه قاصرة متميزة، فهو لا يحسن ذلك إلا بالدرجة المستمرة.

القوى الضرورية لنظم الشعر

فنظم الشعر إذن يحتاج إلى طبع أو دربة (بعد وجود المهيئات والأدوات والبواعث) وكلا الشيئين معقود بقوة الخيال لدى الشاعر، وقوة الخيال تفترض شيئاً من التصور الذي يحيط بما يريد الشاعر تحقيقه، ولذلك فإن عليها أن ترسم (1) المقاصد الكلية (2) طريقة إيراد تلك المقاصد وأسلوب إيرادها (3) ترتيب المعاني في الأسلوب المتخير (4) تشكل المعاني في عبارات (5) تخيل المعاني واحداً بعد آخر بحسب الغرض (6) مكملات المعاني وزينتها (7) ملاءمة تلك المعاني للإيقاع (8) ملاءمة المعنى الملحق بالمعنى الأصلي لاكتمال البيت الواحد (1) . ولا يمكن تحقيق ذلك كله إلا إذا توفرت لدى الشاعر عشر قوى وهي:

(1)

القوة على التشبيه فيما لا يجري على السجية ولا يصدر عن قريحة بما يجري على السجية ويصدر عن قريحة.

(2)

القوة على تصور كليات الشعر والمقاصد الواقعة فيها والمعاني الواقعة في تلك المقاصد..

(3)

القوة على تصور صورة تكون بها أحسن ما يمكن (من حيث توالي أجزائها) .

(4)

القوة على تخيل المعاني بالشعور بها؟.

(5)

القوة على ملاحظة الوجوه التي يقع بها التناسب بين المعاني.

(1) منهاج: 371.

ص: 558

(6)

القوة على التهدي إلى العبارات الحسنة الوضع والدلالة على ذلك المعاني.

(7)

القوة على التخيل في تسيير تلك العبارات متزنة؟.

(8)

القوة على الالتفات من حيز إلى حيز والخروج منه إليه والتوصل به.

(9)

القوة على تحسين وصل بعض الفصول ببعض والأبيات ببعضها؟.

(10)

القوة المائزة حسن الكلام من قبيحه بالنظر إلى نفس الكلام وموضعه (1) .

إن من يقرأ هذا التقسيم يتذكر ما قاله ابن طباطبا حول نظم القصيدة، غير أن ابن طباطبا كان يتحدث عن الخطوات العملية، بينا حول حازم هذه الخطوات إلى " قوى " قائمة في طبيعة الشاعر؛ ولو قال إن " قوة الخيال "؟ وهي قوة واحدة - تستطيع أن تحقق هذا وما هو أكثر منه، لما لجا إلى هذا الالتواء، ولكن حازماً - كما اتضح في غير موطن - مسرف في شغفه بالتقسيمات، لان لها دلالة على ثقافة منطقية. ويستمر حازم في سياق هذه القسيمة فيرى ان من اجتمعت فيه هذه القوى كاملة فهو الشاعر الكامل، الذي يقوى على تصور " كليات المقولات " ثم من حصل له قسط متوسط من هذه القوى، فهو الشاعر المتوسط (الذي تغلب الدربة لديه على الخيال) ثم من حصل له قسط قليل من تلك القوى، وهم أدعياء الشعراء ومنهم المتلصصون المغيرون على ما لدى غيرهم - " وهم شر العالم نفوساً وأسقطهم همماً وهم النقلة للألفاظ والمعاني على صورها في الموضع المنزل منه من غير أن يغيروا في ذلك غلا ما لا يعتد به "(1) .

(1) منهاج: 200 - 201.

(1)

منهاج: 200 - 201.

ص: 559

التأهب للنظم

فإذا أراد الشاعر أن ينظم قصيدة كان عليه أن يتخير الوقت والحالة النفسية - متبعاً في ذلك ما جاء في وصية أبي تمام للبحتري (1) - ومن ثم يستحضر في خياله المعاني ثم يقسمها في فصول مرتبة، مختاراً الوزن الملائم، والعبارات، ويجب أن يتجنب الشاعر الحالات النفسية التي تعوق دون النظم كالكسل في الخاطر أو التشتت فيه أو استيلاء السهو عليه أو تكلفه لمواد العبارات (لأنها قليلة) ، وأن يحاذر وهو يصوغ شعره من أن يكون قدر الوزن فوق قدر المعنى أو العكس، أو يكون المعنى دقيقاً داعياً إلى إيراد عبارة عنه على صورة يقل ورودها عفواً، أو يكون المعنى من المعاني التي يقل عنها التعبير في اللغة، فالخاطر يكد كثيراً لإيرادها موزونة (2) .

الشعراء قسمان في عملية النظم

والشعراء في عملية النظم اثنان: (1) شاعر مرو يحتاج الروية قبل ان ينظم وحال النظم وعند الفراغ، وبعد الفراغ من النظم، وهذا يعني انه يعتمد على قوة التخيل والقوة الناظمة وقوة الملاحظة وقوة الاستقصاء. وقد تصيب الروية تغييراً في المعنى أو تغييراً في العبارة " طلباً للغاية القصوى من الإبداع "(2) شاعر مرتجل، وأحسن حالاته حين يجيء بقول مستقصى تقارنت فيه المعاني، وأسوأ حالاته أن يكون قوله غير مستقصى ولا مقترن (3) .

أما العبارة في النظم فيجب أن يراعي الشاعر فيها حسن التأليف وتلاؤمه (في الحروف والكلمات) والتسهل في العبارات وترك التكلف، ومراعاة حسن الوضع (في تقارب الألفاظ وتطالبها) ومجانية الزيادة والحشو، ومن ثم اختيار العبارات المستعذبة الجزلة.

(1) منهاج: 203.

(2)

منهاج: 208 - 210.

(3)

منهاج: 208 - 210.

ص: 560

مناسبة الوزن في النظم للغرض والكشف عن خصائص الأوزان

وفي سبيل مناسبة الوزن للغرض، درس حازم علم العروض دراسة جديدة وهي حقيقة بان تنال اهتماماً لا يتسع له هذا المقام، وإنما أشير منها هنا إلى حملة حازم على بحر المضارع ونبو ذوقه عنه (1) وتعليله اتخاذ البيت ثم الشطر ثم القافية مصطلحاً في الشعر العربي (2) ، وحديثه عن " تسلسل " القصيدة - رغم أن البيت وحده - في ذلك الشعر، ورغم ان حديثه عن هذه الناحية يشبه الخوض في الشئون المتافيزيقية فإنه حري بالاقتباس، يقول:" ويجب أن تعلم أن أبيات الشعر، وإن كانت أوئلها منفصلة عن اوئلها، فإن النظام فيها في تقرير الاتصال على استدارة، إذ كان وضع الأوزان الشعرية وترتيبها زمانياً لا يمكنك فيه ان ترجع بالنهاية إلى زمان المبدأ بل تكون بينهما فسحة من الزمان ولابد. وترتيب البيت المضروب ترتيب مكاني، إذا بدأت بأي موضع شئت منه ثم درت عليه تأتي لك أن ترجع إلى الموضع الذي بدأت منه بنقلة مستديرة على اتصال من غير أن يكون بين المبدأ والنهاية فسحة، والأوزان وإن لم يمكن أن يعاد بالنهاية فيها إلى زمان المبدأ فإنها على تقدير ذلك؟ الخ "(3) .

ويؤكد حازم على أن كل غرض من أغراض الشعر يستدعي نوعاً من الأوزان (4) ، ثم يتحدث عن خواص كل بحر من البحور وما يناسبه " فالعروض الطويل تجد فيه أبداً بهاء وقوة، وتجد للبسيط سباطة وطلاوة وتجد للكامل جزالة وحن اطراد؟ الخ (5) . ثم يتحدث عن وضع القافية

(1) منهاج: 243.

(2)

منهاج: 249 - 252.

(3)

منهاج: 255.

(4)

منهاج: 266.

(5)

منهاج: 269.

ص: 561

وصلتها بنظرته إلى مبدأ التناسب (1) ؛ ويرى حازم أن القصيدة تتكون من " فصول " متناسقة مترابطة، وان لكل فصل شروطاً لابد من توفرها كالترتيب والاستقصاء وإيراد المعاني الجزئية؟ الخ (2) ، وسبب قسمة القصيدة إلى فصول " أن النفوس " تسأم التمادي على حال واحد وتؤثر الانتقال من حال إلى حال،؟ وتستريح إلى استئناف الأمر بعد الأمر واستجداد الشيء بعد الشيء؟ وتنفر من الشيء الذي لم يتناه في الكثرة إذا أخذ مأخذاً واحداً ساذجاً ولم يتحيل فيما يستجد نشاط النفس لقبوله بتنويعه والافتنان في أنحاء الاعتماد به، وتسكن إلى الشيء وإن كان متناهياً في الكثرة إذا أخذ من شيء مآخذه التي من شانها ان يخرج الكلام بها في معاريض مختلفة؟ " (3) ومعنى ذلك كله أنه لابد في الشعر من الملاءمة بينه وبين حال الملتقى ومراعاة الشئون النفسية عامة، وقد سخر حازم أمر الانتقال من تسويم رؤوس الفصول إلى مرحلة التعجب إلى التذكر؟ إلى الاعتبار بذم الدنيا في قصيدة للمتنبي، ليدل على أن قسمة القصيدة إلى فصول إنما يراد به إشباع حاجة النفس إلى التنويع (4) ؛ وقد عاد حازم في هذا الفصل إلى مصطلحين مشتقين من صفات الخيل وهما " التسويم " و " التحجيل "؟ فالتسويم في الفواتح والتحجل في الخواتيم - وهو بذلك يدل على انه لم يترك مصطلحاً يمكن الإفادة منه في منهجه النقدي إلا حشده لهذه الغاية؛ وفي سبيل ملاءمة القصيدة للأحوال النفسية للمستمعين، شرح حازم كل غرض من الأغراض كالنسيب والمدح والرثاء، وأبان عن الشرائط التي يجب توفرها في حالتي التسويم والتحجيل، أو كما قال النقاد القدامى في المطلع والتخلص والاستطراد والختام (5) .

(1) منهاج: 272 - 281.

(2)

منهاج: 292 - 294.

(3)

منهاج: 296.

(4)

منهاج: 298 - 300.

(5)

منهاج: 303 - 324.

ص: 562

طرق الشعر (جد وهزل)

إن ملاءمة الشعر للنفوس أو منافرته لها - حسبما تقرر في الفقرة السابقة - هو المقياس الكبير الذي تقاس به حقيقة الشعر من حيث طرقه والحيل اللازمة فيه وأساليبه ومنازعه، وهي المواد التي سننفرد كلاً منها بالقول.

فأما من حيث الطريقة فإن للشعر منهجين: الجد والهزل، وطريقة الجد تصدر الأقاويل فيها عن مروءة وعقل بنزاع الهمة والهوى إلى ذلك، وطريقة الهزل تصدر الأقاويل فيها عن مجون وسخف، وفي الطريقة الأولى يجب تجنب الهزل، والابتعاد بها عما ألف في الطريقة الهوزلية من أنواع التاليف، أي يجتنب فيها الساقط المولد من الألفاظ ويعتمد فيها اللفظ العربي المحض الصريح في الفصاحة، ويعتمد فيها من المعاني ما لا يشين ذكره ولا يسقط مروءة المتكلم، وأما الطريقة الهزلية فقد تستعير شيئاً من الطريقة الجدية (وليس العكس) وقد قال سقراط، حكاية الهزل لذيذ سخيف أهلها وحكاية الجد مكروهة، وحكاية الممزوج منهما معتدل، ولا نقبل على شاعر يحكي كل جنس، بل نطرده وندفع ملاحته وطيبه ونقبل على شاعرنا الذي يسلك مسلك الجد فقط " (1) . ومن الواضح أن الذي قاد حازماً إلى هذه القسمة تأثره بالنقد اليوناني مختلطاً، فالقسمة إلى جد وهزل هي قسمة الشعر إلى طراغوذيا وقوموذيا، وأما قول سقراط " بل نطرده؟ الخ " فإنه يومئ إلى ما قاله أفلاطون في الجمهورية من الإقبال على الشاعر الذي ينسجم وما تتطلبه مصالح تلك الجمهورية، وطرد الشعراء الذين يهزلون حين ينسبون الخصام إلى الآلهة وما أشبه، ولكن دراسته للمنطقة المشركة بين الطريقتين، وتصوره لها، إنما هما مستمدان من طبيعة دراسته لنماذج هذين اللونين في الشعر العربي (2) .

(1) منهاج: 330.

(2)

انظر المصدر نفسه: 331 - 335.

ص: 563

الحيل الشعرية

وفي الشعر حيل يلجأ إليها الشاعر لإنهاض النفوس نحو الحث على الفعل أو الحض على تركه، وهذه الحيل إذا اتصلت بالقول والموضوع سميت محاكاة - وهي عماد الشعر - فإذا اتصلت بالقائل والمتلقي (الشاعر والجمهور) فهي دعامة لتقوية التأثير؛ غير إن المحاكاة قد تحتاج أحياناً إلى ما يعضدها كالاستدلالات الخطابية. أما الشاعر نفسه فإن الحيلة المتصلة به هي استناده كثيراً إلى ضمير المتكلم، وأما الحيلة المتصلة بالسامع فهي استغلال صيغة الأمر وما شابهها (مع التنويع اللازم في الحالين لدفع السأم) ؛ " وكذلك لا ينبغي أن يستمر في كلام طويل على وصف حالة ساذجة، بل التركيب في الأحوال واقتران بعضها ببعض مما يجب أن يعتمد، مثل اقتران وصف حالة المحب بوصف حالة المحبوب "(1) ؛ ولعل أهم ما تؤديه الحيل الشعرية في حال الشاعر نفسه هو " إيهام بأنه صادق " أما بالنسبة للمستمع فهو الاحتيال على إثارة انفعاله " بتقريظه بالصفة التي من شأنها أن يكون عنها الانفعال "(2) . إن الحيل الشعرية أمور زائدة على صدق المحاكاة، ولكنها جزء من الإبداع الشعري لتحقيق المستوى المطلوب من التأثير.

الأساليب الشعرية

وتنقسم الأساليب الشعرية في ثلاثة أقسام: (1) الأسلوب الخشن (2) الأسلوب الرقيق (3) الأسلوب المتوسط بين هاتين الصفتين، ومن هذه الأقسام الثلاثة تتركب عشرة أنواع تجمع بين الحظوظ المختلفة من هذه الأقسام. ولما كان الشعر موجهاً إلى الجمهور، فان الأحوال النفسية لهذا الجمهور إما ان تكون (1) اللذة (2) الألم (3) اللذة والألم متكافئين وعلى هذا الاعتبار تتنوع الأقوال - بحسب بساطتها وتركيبها - في الأنواع الآتية:

(1) منهاج: 348.

(2)

منهاج: 346.

ص: 564

(1)

أقوال مفرحة (2) أقوال شاجية (3) أقوال مفجعة (4) أقوال مؤتلفة من سارة وشاجية (5) أقوال مؤتلفة من سارة ومفجعة (6) أقوال مؤتلفة من شاجية ومفجعة (7) أقوال مؤتلفة من سارة ومفجعة وشاجية؛ وكان حظ النفوس من هذه الأقسام بحسب استعدادها، ولهذا كان الأسلوب المعتمد هو ما يوافق السامع، وهذه الموافقة تراعي لدى البسيط الأحوال الطيبة السارة، ولدى الرقة الأحوال الشاجية، ولدى الألم الأحوال الفاجعة؛ فالمستطاب من هذه الأحوال وصف المدركات الحسية من عناق ولثم وماء وخضرة ونسيم وخمر وغناء؟. الخ والأحوال الشاجية تتعلق بالألم بعد اللقاء والجور بعد العدل؟ الخ (وأبو الطيب ماهر في وصف هذا اللون من التغير) والأحوال المفجعة وصف ما يلحق العالم من فساد وتغير وفناء؟ ويجب أن يراوح الشاعر ففلا يستمر على ذكر المعاني الموحشة بل يشغلها بما يؤنس النفس، إلا أن كان يتحدث عن موضوع لا يمكن فيه النقلة (كالحرب) ؛ ومما يهيئ الاسترواح للنفوس المراوحة بين المعاني الشعرية والمعاني الخطابية لارتياح النفوس للنقلة، وينبغي ان يكون الإقناع في الشعر تابعاً للتخييل وان لا يستكثر من التخييل في الخطابة والإقناع في الشعر، وإنما يتم ذلك بإيجاز فإذا ساوى في العكس (بان جعل الأقاويل الشعرية خطابية والخطابية شعرية) فقد خرج بكلتا الصناعتين عن طريقهما (وقد كان المتنبي فارس هذه الخطة في المعاقبة الملائمة بين الشعر والخطابة)(1) .

ماذا نعني بالأسلوب الشعري؟ إذا كان الاستمرار بالألفاظ على نسق معين يسمى نظماً، فإن الاستمرار بالمعاني على نسق مرسوم يسمى أسلوباً، " فالأسلوب هيئة تحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيئة تحصل عن التأليفات اللفظية "(2) ولهذا كان الأسلوب الشعري محتاجاً إلى " الاطراد

(1) منهاج: 354 - 363.

(2)

منهاج: 365.

ص: 565

والتناسب والتلطف في الانتقال " (1) .

المنازع الشعرية

" أما المنازع فهي رد الهيئات الحاصلة عن كيفيات مآخذ الشعراء في أغراضهم وأنحاء اعتماداتهم فيها وما يميلون بالكلام نحوه أبداً ويذهبون به إليه حتى يحصل بذلك الكلام صورة تقبلها النف أو تمتنع من قبولها "(2) - لقد ميز حازم الطريقة الشعرية والأسلوب الشعري - وهو هنا يتسلل بدقة إلى تمييز شيء جديد قد نسميه " الاستمرار على أسلوب شعري مؤثر " - أو المذهب - كمنزع أبن المعتز في التشبيه ومنزع البحتري في وصف الطيف، وقد يتفرد الشاعر في منزعه، أو يقتفي أثر شاعر، فتصبح طريقته مركبة من عدة طرائق، وأحياناً يكون مفهوم " المنزع " - " القانون العام في شعر شاعر ما " فالقانون العام في شعر المتنبي مثلاً هو طريقته المفضلة في توطئة صدور الفصول للحكمة؛ ومقطع القول أن المنزع يمثل " العنصر البارز " في الطريقة الشعرية، فإذا كان هنالك شاعر يبني عبارته على التضاد أو على منحى من الاستعمال التعبيري فلذلك هو منزعه. " وحسن المآخذ في المنازع التي ينزع بالمعاني والأساليب نحوها يكون بلطف المذهب في الاستمرار على الأساليب والاطراد في المعاني والاتلاج إلى الكلام من مدخل لطيف "(3) وقد يكون حسن المنزع أحياناً مما لا يمكن تعليله.

(1) المصدر نفسه.

(2)

منهاج: 365.

(3)

منهاج: 374 - 379.

ص: 566

المفاضلة بين الشعراء مطلب نسبي

هل تمكن المفاضلة بين الشعراء؟ لقد وجدنا كيف وضع الآمدي مبدأ الموازنة بين شاعرين، ومثل ذلك فعله من قبله ومن بعده من النقاد، حتى إذا كان ابن الأثير أباح المفاضلة لا بين شاعرين وحسب، بل بين الشعر الذي تتباعد موضوعاته. ولكن حازماً كان اقرب إلى الواقع من أي ناقد آخر في فهمه لمبدأ المفاضلة؛ كان حازم يدرك الحقائق الآتية التي أشار إليها أو وضحها في كتابه وهي:

(1)

أن الشعر يختلف بحسب اختلاف أنماطه وطرقه، فشاعر يحسن فيما هو جزل متين، ولا يحسن طريقة الرقة واللطافة، وشاعر يحسن في غرض شعري كالنسيب دون الأغراض الأخرى.

(2)

أن الشعر يختلف بحسب الأزمان وما فيها وما يولع به الناس مما له علقة بشئونهم، فهناك زمن تشيع فيه أوصاف الخمر والقيان وزمان آخر يشيع فيه وصف الحرب والغازات أو نيران القرى والسخاء؟ الخ.

(3)

ان الشعر يختلف بحسب الأمكنة مما يلهم بعض الشعراء أن يصفوا الوحش (البادية) وآخرين أن يصفوا الخمر (الحاضرة) ؟ الخ.

(4)

أن الشعر يختلف بحسب اختلاف أحوال القائلين والموضوعات التي يحاولون فيها القول، فواحد يحسن الفخر، وآخر يحسن في المدح؟ الخ.

لذلك كله فإن المفاضلة بين الشعراء أمر تقريبي ولا يجوز أن يؤخذ على سبيل القطع، والوصول في المفاضلة إلى درجة الجزم أمر غير ممكن، إنما يتم الترجيح فيها على سبيل التقريب، وتكون المفاضلة غير متيسرة في جودة الطبع وفضل القريحة، كما إنها قد تكون ممكنة إذا اجتمع الشاعران في غرض ووزن وقافية؛ ويجب أن ينال الشاعر من التقدير شيئاً كثيراً إذا

ص: 567

هو أجاد في تصوير ما لم يألفه، فإن إجادته في هذه الناحية يجب ان تكفل له التفضيل على شاعر آخر يحسن تصوير ما هو مألوف لديه. أما النقاد الذين جعلوا الزمن عاملاً في تفضيل شاعر على آخر فإنهم خارجون عن صناعة " النقد " جملة؛ وقد جرت في تاريخ النقد مفاضلات ينبغي ان نمر عنها عابرين لأنمها أقل من أن تستحق التوقف عندها. فإذا كانت البواعث والأسباب المهيئة لدى شعراء أكثر من غيرها لدى آخرين فحينئذ نقيم المفاضلة بينهم على هذا الأساس " كما نفضل شعراء العراق على شعراء مصر " - إذ لا تناسب في توفير الأسباب المهيئة لقول الشر " (1) .

هل يمكن الحكم بكمال الشعر

وأخيراً هل يمكن للناقد أن يحكم " بكمال " شعر ما؟ ذلك أمر يعز القول فيه لان الناقد يجب أن يتصدى عند الحكم لكل ما تحدثنا عنه من أنماط المعاني والنظام والأساليب والأوزان، واعتبار كل نمط من المعاني يصلح به نمط من اللفظ والنظام والأساليب والأوزان. واعتبار كل نمط من النظم بما يصلح به من أنماط اللفظ والمعاني والأساليب والأوزان، واعتبار كل نمط من أنماط الأساليب بما يصلح به من أنماط الألفاظ والمعاني والنظام والأوزان، واعتبار كل نمط من أنماط الأوزان بما يصلح به من أنماط اللفظ والمعنى والنظم والأسلوب؟ الخ " (2) أي ان مهمة الناقد هي فحص جميع الصور التي وضعها حازم - من حيث علاقتها جميعاً - للخروج بحكم في ذلك، وهذا ما لا يمكن بلوغه في النقد الأدبي.

خاتمة

كان من الضروري أن نتبع هذا السياق في عرض آراء حازم في النقد لأسباب عديدة منها أن أسلوب حازم صعب. ولذلك كان في هذا العرض شيء من التبسيط، ومنها ان هناك مسائل عالجها حازم في مواطن متفرقة من

(1) منهاج: 379 - 380.

(2)

منهاج: 143.

ص: 568

كتابه خضوعاً لمنهجه العام وتقسيماته، وكان لابد من رصدها وجمعها معاً في نطاق واحد لسهل الرؤية على القارئ؛ ومنها أن كثيراً من الأمور التي عرض لها حازم جزئيات تتصل بعلم البلاغة، وكان من اللازم عند بناء نظرية نقدية متكاملة له أن ننحي تلك الأمور جانباً. وان نخلص المادة النقدية، مما يحيط بها من شئون عارضة. وبعد ذلك كله يمكننا أن نسأل: ما هو موقف حازم - أو دوره - في تاريخ النقد العربي؟

شمولية النقد عند حازم

أول ما يلاحظه الدارس لنقد حازم هي تلك الصفة الشمولية التي تميزه عمن جاء قبله من النقاد، ذلك انه حاول أن يفيد من الاتجاه الفلسفي المبني على كتاب أرسططاليس، ومن آثار النقاد العرب سواء منهم من تأثر بالثقافة اليونانية أو لم يتأثر، وان يجيب على أكثر المشكلات الهامة التي عرضت للنقد الأدبي على مر الزمن، من خلال منهج قائم على نوع من المنطق الخاص بصاحبه، ولكنه منهج شمولي أيضاً لا يغفل أبداً ثلاثية هامة كان النقاد يكتفون بالنظر إلى واحد دون الآخر من أضلاعها، وتلك هي (الشاعر والعملية الشعرية والشعر "؛ وقد أولى حازم هؤلاء الثلاثة عناية متساوية على وجه التقريب، فاستطعنا أن نجد لديه بحثاً عن " القوى النفسية " التي لابد منها لقول الشعر، صحيح إنه لم يستعمل لفظة " الخيال " كثيراً، ولكن ما كان بمقدوره أن يفعل ذلك حين أتخذ لفظة " التخييل " صنواً للمحاكاة، وبهذا البحث في القوى النفسية استطاع حازم أن يربط بين الفاعل (أو العلة) والنتيجة. وبينا كان منهج حازم يوحي بأنه امرؤ موغل في العقلانية نجد آراءه في النقد تبعد كثيراً عن هذه الصنعة (إلا أن يتورط فيها عفوراً بتأثير من قدامة) إذ نراه يرد الشعر إلى العوامل النفسية دون غيرها، ولا يغيبن عن البال أن استعماله لكلمة " فكر " أحياناً لا تعني الدلالة العقلية، فإن اهتمامه " بالمعاني الجمهورية " هو تأكيد للعلاقة القائمة بين الشاعر وعالم

ص: 569

الحس، ولهذا وجدنا لأول مرة ناقداً يتحدث عما نسميه اليوم " التجربة الشعرية " المستمدة من الواقع، والتي يمكن أن يرفدها الخيال والزاد الثقافي؛ وفي هذا يختلف حازم اختلافاً شديداً عن ناقد كبير آخر هو عبد القاهر الجرحاني، فإن الجرجاني الناقد جعل الشعر مربوطاً بالعقل، من جهة المعاني حتى في حالة التخييل، وبذلك قصر التخييل على الحيل العقلية في رفع درجة الشعر المخيل إلى درجة المعقول؛ ومن ثم كان التلذذ الناشئ عن تذوق الشعر لديه أمراً عقلياً. أما حازم فإنه استطاع لدقته أن يميز بين الحيل التمويهية والتخييل، صحيح إنه يعتقد أن التمويه متصل بالقائل والمتلقي، ولكن الحيل الشعرية إذا اتصلت بالشعر نفسه فهي محاكاة، وبهذا استطاع حازم أن يفصل بين التخييل من حيث هو مظهر عام يساوي المحاكاة، ومن حيث هو عنصر خاص قد يوازي التمويه. كذلك تجاوز حازم في نظريته الشعرية مشكلة " النظم " التي أطال الجرحاني الوقوف عندها؛ فتحدث حازم عن النظم بمعناه العام ولم يقصره على صورة السياق التأليفي إلا حين تخطاه إلى مراحل أخرى؛ فهو قد أقر أن النظم يتناول سياق الألفاظ، ولكنه أوجد إلى جانبه الأسلوب ليتناول سياق المعنى، وفي توفر النظم والأسلوب والمنزع لدى حازم يتم تخطيه لنظرية الجرحاني.

الشعر وحركات النفس (لا العقل)

ومن طبيعة النظريتين - في تباينهما - إلى الشعر ذهب الجرحاني إلى التعلق بالدقة في المعاني ليكفل للتذوق مراناً عقلياً، أما حازم فإن قصره الشعر على حركات النفس جعله يطلب الوضوح ويتأتى له من شيء النواحي. ويبدو ان حازماً عرف الجرحاني ولكنه لم يستطع ان يأخذ منه نظرته إلى معنى المعنى، وربما لم يفهمها أو ربما وجد منهجه يضطره إلى التحول بها عن واقعها، فلذلك ذهب إلى القول بالمعاني الأوائل والمعاني الثانوية، وهو لا يعني مستويين متفاوتين في التعبير، وغنما يعني معاني متساندة يوضح تاليها سابقها. ولكن

ص: 570

هذين الناقدين يتقاربان في التقليل من شأن السرقات في المعاني، وذلك لان نظرية النظم عند عبد القاهر تبيح التفاوت المستمر، مهما اهتدى شاعر بضوء شاعر قبله، وموقف حازم من المعاني الجمهورية يعني أن المصدر الذي يرده الشعراء واحد، وإنما يتم التفاوت في المعاني المبتكرة.

اهتمامه بسبب تفلسفه بالوحدة في المنبع والغاية والتقاؤه بقدامة

وككل ناقد متفلسف سعى حازم دائماً إلى مبدأ " الوحدة " فرآها - كما ذكرت سابقاً - في منبع الشعر وفي أغراضه، ومن طلبه للوحدة كان لابد من أن يلتقي بقدامة وان يعجب بقدرته المنطقية، فحاول ان يحاكي طريقته في إيجاد محور للأغراض الشعرية؛ ولكن قدامة استطاع أن يضلله في غير موطن، فهو قد تابع قدامة في إخضاع الشعر للحدود العقلية التي يقبلها المنطق مثل حسن التقسيم والمقابلة وما أشبه، مع انه كان في مقدور حازم ان يتجاوز هذا كله لقوله بانبثاق الشعر من قوى " تسمى المائزة والحافظة والصانعة) فإذا وجد شيء من هذه الأمور في الشعر؛ فليست هي التي تكفل له درجة كبيرة من التأثير، وكان التأثير من أهم ما حام حوله حازم في نقده؛ وقد حاول حازم ان يخرج من هذا المأزق الذي أوقعه فيه قدامة حين ختم هذه الملاحظات بضرورة إعطاء الحكم للشعراء، أي عدم اتهامهم بأنهم خرجوا على صحة التقسيم والتقابل إلا إذا عجز التأويل عن ذلك: " وكلما أمكن حمل بعض كلام هذه الحلبة المجلية من الشعراء على الصحة كان ذلك أولى من حمله على الإحالة والاختلال، لأنهم ثبت ثقوب أذهانهم وذكاء أفكارهم واستبحارهم في علوم اللسان وبلوغهم من المعرفة الغاية القصوى " (1) وكأنما أحس حازم أن القاعدة هي الشاعر لا تقسيمات قدامة وتفريعاته حول صحة المعاني وسلامتها.

(1) المنهاج: 143.

ص: 571

صعوبة التخلص من تأثير قدامة

كذلك وجد حازم نفسه مضطراً إلى أن يوفق بين رأيه الخاص فيما يستحق المدح أو الذم من الأفعال وبين رأي قدامة، وخلاصة رأي حازم الذاتي في هذا الموضوع أن إيثار النفس على البدن، ثم إيثار الغير على الذات هما الموضع الطبيعي للمدح (1)، (وضدهما للذم) - وهذا الإيثار غاية ما تستطيع تحقيقه الإرادة الإنسانية؛ أما خلاصة رأي قدامة فهو أن المدح يتم بالفضائل الأربع الكبرى وهي: العقل والعفة والعدل والشجاعة؛ ومع أن التناقض هنا غير واضح بين رأيي الناقدين فإن الإيثار معلم ذاتي بينما الفضائل الأربع مقياس اجتماعي؛ نعم ان الإيثار قد يكون محطاً لإكبار المجتمع، ولكنه أصعب من ان يصبح مقياساً عاماً؛ والإيثار أليق بمنهج حازم لأنه - وان ذكر المدح في شعره تقليداً للنقاد السابين - جعل أهم موضوعات الشعر هي المشاعر والمناظر والمسموعات ومواطن السرور ثم الأحوال الشاجية كالفرقة بعد اللقاء وتشكي الزمان والأمور المفجعة التي تذكر بالفناء وفساد العالم ومصير الناس؛ نعم إنه لم ينف المدح من قواعده أو شواهده، ولكن المدح لا يقوم في نطاق نظرية حازم إلا ان يكون وليد أحد طرفي البواعث التي هي الإطراب والآمال، فالمدح (أي شعر المدح) واحد من الأمور التي قد يولدها الأمل، ولكنه لا يحتل في نظرية حازم مقاماً عالياً بالنسبة للموضوعات الأخرى التي هي أعلق بالنفوس الإنسانية.

(1) منهاج: 162.

ص: 572

أثر ابن سينا

والحقيقة أن حازماً أفاد في نقده كثيراً من ابن سينا، وفي شرحه التعميمي للمحاكاة ما قد يدل على انه كان فاهماً لهذه النظرية، ولكنه لم يستطع إلا أن يحصر أمثلته عليها في جانب التشبيه؛ كذلك قدم له ابن سينا مفهوماً واضحاً للفرق بين الشعر العربي واليوناني، ومهد له أن يقول إن أرسطو لو عرف الشعر العربي لزاد كثيراً في أحكامه، ومهما نتحفظ إزاء هذا القول فأنا لا نملك إلا أن نقول: لو أن هذا القدر من الشعر الغنائي كان معروفاً لأرسطو لعدل في نظرية المحاكاة أو لاضعاف إليها؛ وعن طريق التأثر بالفلسفة استطاع حازم أن يحل مشكلة الصدق والكذب في الشعر، بعد ان طال القول فيها لدى من سبقه من النقاد.

وخلاصة القول أن حازماً يمثل المزح بين التيار اليوناني والتيار العربي في النقد بعد أن ظلاً منفصلين مدة طويلة، وهو رغم اعتماده على هذين المصدرين استطاع ان يرسم منهجاً متكاملاً لموقف نقدي محدد المعالم.

بيان مصطلح حازم في كتابه

ولا أرى باساً في ختام هذا الفصل في أن أوضح المصطلح الذي استعمله حازم في فصول كتابه، وان يكن ذلك المصطلح غير داخل على وجه الدقة في مفرماته النقدية؛ سمى حازم كتابه " منهاج البلغاء وسراج الأدباء " وجعل عنوانات الفصول والفقرات هكذا على التوالي: منهج - معلم - إضاءة - تنوير - معرف - مام. وهي اصطلاحيات تعيد إلى الذهن محاولة صاحب الريحان والريعان. فالمنهج (أو المنهاج) هو الطريق الواسعة ولذلك كان كل فصل بهذا العنوان (في الإبانة عن ماهيته) ، وعلى طول هذا الطريق " معلم " أي إشارة تدل على (طريق العلم) و " معرف " أي إشارة تدل إلى شئون الذهن والقواعد المتصلة بالتفريعات المنطقية، وان المعرف يدل في

ص: 573

الغالب على التقديرات النفسية؛ أما " المام " فإنه يدل على مذهب يفضي إلى غاية أو قصد. وهذه المصطلحات الثلاثة متصلة من عنوان الكتاب بلفظة " منهاج البلغاء "؛ غير أن الساري على الطريق بحاجة إلى " سراج "(القسم الثاني من العنوان) وهذا السراج هو الذي يمنح الماشي على المنهاج " إضاءة " و " تنويراً " والفرق بينهما أن الإضاءة اقل سطوعاً من التنوير، فكل فقرة تحمل عنوان إضاءة هي بسط لفطرة فرعية، وكل تنوير فهو مزيد بسط لفكرة جزئية قد تجيء في الإضاءة نفسها.

ص: 574

النقد في مصر والشام والعراق

في القرنين السادس والسابع

الوحدة الأدبية في هذه الأقطار

ليس من السهل أن نفرد كل قطر من هذه الأقطار عند الحديث عن النقد الأدبي في القرنين السادس والسابع، لا لأن اثنين منهما وحسب - وهما مصر والشام - كانا تحت السيادة الأيوبية في معظم هذه الفترة، وإنما لأن الصلات الثقافية بين تلك الأقطار - من ناحية عامة - كانت قوية الحلقات، ثم لأن النقاد الذين نشأوا في هذه الأقطار، كانوا من حيث النشأة والثقافة يمثلون ذلك التمازج الثقافي؛ فعبد اللطيف البغدادي رحالة عرف مصر والشام معرفة مساكنة وتأثر، وابن الأثير الذي ينتمي إلى جزيرة ابني عمر، عاش في مصر والشام، والقاضي الفاضل وابن سناء الملك وابن ظافر وغيرهم، كانوا يعرفون الحدود الجغرافية بين تلك البلدان، دون أن تمنعهم تلك الحدود من أن يكونوا يوماً هنا ويوماً هنالك.

النفرة من المؤثرات اليونانية

وبينما كانت الأندلس تحاول منذ القرن الخامس أن تربط بين اتجاهين في النقد: عربي ويوناني، من خلال جهود ابن حزم وابن خفاجة وابن رشد وحازم القرطاجني، كان نقاد هذه الأقطار يتجافون - وكأنهم يعانون لا شعورياً نظرة عدائية تجاه ما أثارته الحروب الصليبية - عن كل اثر للثقافة اليونانية، ويتمسكون بما يعتقدونه " أصالة متفردة " للنظرة العربية في

ص: 575

مجال الشعر والنقد؛ فقد يتوقع المرء أن يجد لدى شخص مهتم بالثقافة الفلسفية مثل عبد اللطيف البغدادي أثراً ما لكتاب الشعر، ولكنه يفاجأ إذ يجد هذا الرجل في ميدان النقد مهتماً بتلخيص كتاب " العمدة " لابن رشيق. وربما توقف المرء طويلاً عند قول رجل حاد الذكاء قوي الاعتداد بالنفس مثل ابن الأثير وهو يقول في كتابه: المثل السائر: " إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة فماذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر وخطيب تحضروا وسكنوا البلاد ولم يروا البادية ولا خلقوا بها، وقد أجادوا في تأليف النظم والشر، وجاءوا بمعان كثيرة ما جاءت في شعر العرب ولا نطقوا منه، قلت لك في الجواب: هذا شيء لم يكن، ولا علم أبو نواس شيئاً منه ولا مسلم بن الوليد ولا أبو تمام ولا البحتري ولا أبو الطيب المتنبي ولا غيرهم، وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد وابن العميد والصابي وغيرهم؛ فإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان، قلت لك في الجواب: هذا باطل بي أنا، فإني لم أعلم شيئاً مما ذكره حكماء اليونان، ولا عرفته، ومع هذا فانظر إلى كلامي؟. وإذا وقفت على رسائلي ومكاتباتي - وهي عدة مجلدات - وعرفت اني لم اتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ ان صاحب هذا العلم من النظم والنثر، بنجوة من ذلك كله، وانه لا يحتاج غليه أبداً؟. ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي بابن سينا في الخطابة والشعر، وذكر ضرباً من ضروب الشعر اليوناني يسمى " اللاغوذيا " وقام فاحضر كتاب " الشفاء " لأبي علي ووقفني اليوناني يسمى " اللاغوذيا " وقام فأحضر كتاب " الشفاء " لأبي علي ووقفني على ما ذكره فلما وقفت عليه استجهلته فإنه طول فيه وعرض كأنه يخاطب بعض اليونان، وكل الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئاً "(1) .

(1) المثل السائر 2: 4 - 6.

ص: 576

ويفيد هذا النص الذي نقلناه عن ابن الأثير أموراً كثيرة، منها أنه كان في البيئة المشرقية من يؤمن بما قاله ابن سينا نقلاً عن اليونان، ولكن صوت مثل هذا المثقف، قد ضاع إزاء صوت ابن الأثير، وأن ابن الأثير كان يعتقد أنه لا حاجة بالنقد إلى كل ما قاله مفكرو اليونان - ما دام الشعر العربي هو مجال الحكم - وان الشعر العربي قد جرى في طريقه حتى عصر ابن الأثير، دون ان يكون للفكر اليوناني أثر في تكييفه واتجاهاته؛ وان ابن سينا - إذ يتحدث في النقد - يجهل الطبيعة العربية، ويتحدث إلى أهلها كأنه يتحدث إلى بعض الاعاجيم الغربيين عنها؛ ولا يستطيع أحد أن ينكر على ابن الأثير كثيراً مما قاله، لأنه كان يدرك إدراك الأديب المستقل في منحاه أن المقاييس اليونانية التي تمثلت في ترجمات كتاب الشعر وملخصاته لم تستطع أن تكون ذات تأثير في تيار الشعر العربي، ولكنه لم يسال نفسه: هل كان تيار النقد النابع من التصورات العربية الأصيلة قادراً على أن يؤثر في وجهة الشعر أيضاً؟ أعني: إلى أي حد استطاع النقد كله - ومن جملته نقد ابن الأثير - أن يكون ذا أثر موجه في حياة الشعر أو النثر؟

العودة إلى الينابيع العربية

ولذلك كانت العودة إلى الينابيع العربية في النقد من أشد ما يميز التيار النقدي في مصر والشام والعراق - في هذه الفترة - وأن تكون تلك العودة قائمة على الاختيار المحدد لمصادر معينة من تلك الينابيع. فابن الأثير لم يجد ما ينتفع به من جميع ما يمثل التيار العربي في النقد سوى كتاب " الموازنة " للآمدي، و " سر الفصاحة " للخفاجي - مع الإشارة إلى أن الموازنة " أجمع أصولاً وأجدى محصولاً "(1) . وأسامة بن منقذ لا يجد ما يمثل النقد سوى العودة إلى المصادر السابقة وتلخيص ما فيها وترتيبه، ونعني بالمصادر السابقة ما أعان على رسم صورة للمحسنات الشكلية مثل " البديع

(1) المثل السائر 1: 25 - 26.

ص: 577

لابن المعتز والحالي والعاطل وحلية المحاضرة والصناعتين للعسكري واللمع للعجمي والعمدة لابن رشيق " (1) - ستة مصادر مما يضع أسس المصطلح البلاغي، دون التمرس بالمشكلات النقدية الكبرى التي تصدت لها الموازنة والوساطة وأسرار البلاغة.

وقد اقتصر ابن الأثير على كتابين مشرقيين، لكن أسامة وعبد اللطيف البغدادي يشير إلى أثر مغربي في الاتجاه النقدي حين يتخذان من " العمدة " لابن رشيق مصدراً هاماً يتكئان عليه؛ وهكذا تكتمل الحلقة النقدية، فبعد أن كان المشرق هو المؤثر في خلق تيار نقدي في المغرب (ومن ضمنه الأندلس) نجد المغرب حينئذ يلعب دور المؤثر.

تأثير الأندلس في مصر وبلوغ الأثر الفارسي إليها

ولم يقتصر تأثير المغرب على النقد، بل تعدى ذلك إلى الفنون الأدبية نفسها، إلا أن مصر كانت أكثر تقبلاً للأثر المغربي من الشام والعراق، وخاصة في إقبالها السريع على فن الموشحات. ونتيجة لذلك تمايزت البيئات الثلاث في نوع الأثر الخارجي، فغلب على الشام والعراق الأثر الفارسي متمثلاً في فن الدوبيت الذي أقبلت عليه الأذواق واعتبرته فناً مستقلاً إلى جانب الشعر والمواليا (2) ؛ حقاً إن الأثر الفارسي وصل إلى مصر نفسها، إذ نجد ابن سناء الملك مثلاً يجعل خرجات بعض موشحاته فارسية، ولكن تأثير الموشح في مصر كان أبعد وأظهر، ولعل اهتمام الأدباء

(1) انظر البديع في نقد الشعر: 8؛ والواقع أن أسامة لم يقف عند هذه المصادر، فهو ينقل عن غيرها مثل البيان لابن جني (161) واللامع العزيزي للمعري (175) وعمدة الكتاب لابن قتيبة (162) والمنصف لابن وكيع (183) ونقد الشعر لقدامة (183) ؛ ولكنه رغم ذلك لم يهتم بالمشكلات النقدية.

(2)

يقول ابن خلكان (3: 501) في ترجمة الحاجري: وله ديوان شعر تغلب عليه الرقة وفيه معان جيدة، وهو مشتمل على الشعر والدوبيت والمواليا، ولقد أحسن في الكل مع انه قل من يجيد في مجموع هذه الثلاثة.

ص: 578

والنقاد في هذه الأقطار الثلاثة بالدوبيت والمواليا والموشح غنما كان مرحلة أولية في خطوة كبيرة لم يجرؤوا على القيام بها، وهي الاعتراف الأدبي بفنون زجلية مختلفة شاعت حينئذ في تلك البلاد، ونحن نعلم انه في القرنين السادس والسابع، على أقل تقدير، غلب " الكان وكان " على البيئة العراقية، وكان في مبدأ أمره مقصوراً على الحكايات والخرافات، ونظم فيه بعض الوعاظ الرقائق والزهديات، ثم اقتبسه الملاحون في دجلة فاصبح أناشيدهم الخاصة، وتولع به أهل البطائح بشكل خاص حتى أصبح يسمى البطائحي (1) ؛ وغلب على البيئة المصرية فن زجلي سمي " البليق " وشغف به الناس وعدوه مستقلاً بعض الاستقلال عن الزجل بمعناه العام (2) - ومع ذلك لا نجد ناقداً تصدى لتلك الفنون أو حاول التوقف عند قيمتها، أو لمح الانقسام الحادث بين الشعب والطبقات المثقفة في نوع الزاد الأدبي الذي يفيء إليه كل منهما، حتى ابن الأثير الناقد الذي ينصح كل من يتصدى للشعر والخطابة " أن يتتبع أقوال الناس في محاوراتهم "(3) ، والذي أفاد من قول امرأة سمعها تندب ابنها وتقول فيه " كيف لا أحزن لذهابه وهو أول درهم وقع في الكيس " فأعجب بعيارتها واستعارها في إحدى رسائله - هذا الناقد يتحدث عن بعض تلك الفنون الشعبية بطريق السماع، وكأنه لم يسمع بنفسه أحداً يتغنى بها أو ينشدها إلا حين نبه لذلك فيقول: " وبلغني ان قوماً ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على الحارات وينادون بالسحور، ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر، وإن لم يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب، وسمعت شيئاً منه فوجدت

(1) المقتطف من أزاهر الطرف، الورقة:39.

(2)

انظر صفحات متفرقة من الطالع السعيد، وقول الادفوي: 583 في ترجمة ابن دقيق العيد " وكان ينشد الشعر والموشح والزجل والبليق والمواليا "، وقد عرف البليق أيضاً في العراق، وكان نموذجه يختلف عن النموذج المصري (العاطل الحالي: 126) .

(3)

المثل السائر: 103.

ص: 579

فيه معاني حسنة مليحة ومعاني غريبة وغن لم تكن الألفاظ التي صيغت به فصيحة " (1) .

الموشح في البيئة المصرية

وقد تعرفت البيئة المصرية إلى فن الموشح في دور مبكر، نقله إليها المهاجرون الأندلسيون، وأقدم نماذجه التي وصلتنا ربما يرجع إلى النصف الثاني من القرن السادس (2) ، ولكنه عند أواخر هذا القرن كان قد شاع - فيما اقدر - شيوعاً كبيراً، وفي أواخر ذلك القرن وفي القرن الآلي كثر المهاجرون من أمثال: ابن اليسع الذي ألف لصلاح الدين " المعرب عن أخبار المغرب " وابن دحية وأخيه وابن سعيد ومحمد بن علي اليحصبي القرموني الزجال الذي يروي عنه ابن ظافر كثيراً من القصص الأندلسية في " بدائع البدائه "، وقد اقدر أن هذا الزجال عرف المصريين إلى فنون الزجل الأندلسي أيضاً كما قام المهاجرون الآخرون بإشاعة الموشح، ونحن نعلم أن الأندلسيين كانوا يرون في الموشحات مصدر فخر لهم كما قال ابن دحية في المطرب:" وهي زبدة الشعر وخلاصة جوهره وصفوته، وهي من الفنون التي اغرب بها أهل المغرب على أهل المشرق وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق "(3) ويستفاد مما ذكره ابن سناء الملك ان المصريين كانوا - ربما قبل عصره - يقلدون الموشحات الأندلسية ويستعيرون خرجاتها في موشحاتهم (4) .

(1) المثل السائر 1: 124 ويستفاد من العاطل الحالي: 171 أن القائمين بأناشيد السحور كانوا يغنون " القوما ".

(2)

انظر أخبار وتراجم أندلسية: 43.

(3)

المطرب: 204.

(4)

فصوص الفصول، الورقة 21 ب.

ص: 580

الشعر الأندلسي في مصر

ولم يقتصر تأثير الأندلس في البيئة المصرية على الموشحات. بل أقبل المصريون على الشعر الأندلسي نفسه، وعرفوا المصادر الأندلسية الهامة من مثل الذخيرة وقلائد العقبان، وأدرجوا الشعر الأندلسي الذخيرة وقلائد العقيان، وأدرجوا الشعر الأندلسي في مؤلفاتهم، وتصدوا لبعضه بالدراسة والنقد، وقد تفاعلت بعض المظاهر البيئية مع هذا الأثر الأندلسي الوافد، ومنحت الاتجاه النقدي صبغة مميزة، ويتضح لنا عند دراسة أشهر النقاد حينئذ المعالم التي تميز ما يمكن أن يسمى " المدرسة المصرية " في النقد.

ابن سناء الملك وأثر القاضي الفاضل فيه

وفي طليعة هؤلاء القاضي السعيد هبة الله بن جعفر بن سناء الملك (545 - 608) صاحب " دار الطراز "؛ ولا نستطيع أن نتحدث عنه - بل عن أكثر نقاد مصر في هذه الفترة - دون أن نذكر القاضي الفاضل، الذي كان يحتل دور المعلم والراعي للأدباء في مصر حينئذ، وتعد صلته بابن سناء الملك صلة توجيه ونقد وتشجيع؛ وهذه حقيقة تتضح حين نعلم انه كان في رسائله يلح دائماً على أن يكتب إليه ابن سناء الملك - حين كان القاضي الفاضل في الشام - بآخر ما نظمه، بل يطلب أن يرسل إليه مسودات شعره ليرى ما يجري فيها من تنقيح وتغيير. يقول ابن سناء الملك:" وكانت عادتي معه رحمه الله أن يطالبني بالوقوف على مستودات شعري ويرى ما ضربت عليه وما أثبته، فربما رأي ما ضربت عليه خيراً مما أثبته فيناقشني في الحساب ويطالبني بالجواب ويوضح لي وجه الخطأ والصواب، هذه عادتي معه من أول ما أدبني وعلمني وهذبني "(1) . ومعنى ذلك أن القاضي الفاضل كان يقوم بدور الناقد؛ وقد أورد ابن سناء الملك نماذج من نقد الفاضل لبعض قصائده وكلها يشير إلى أن الفاضل كان ينظم قصيدة نثرية

(1) فصوص الفصول، الورقة:29.

ص: 581

- إن صح التعبير - في نقده لشعر تلميذه، ولكنه بين الحين والحين كان ينبهه إلى بعض المآخذ، فقد انتقده مرة لأنه استعمل قافية التاء المضمومة:" فأما التائية المرفوعة فلا يقربها ولا يقر بها، فما أعجبني لا لأنها غير معجبة بل لأني اعلم أن الله لو حشر الأولين والآخرين ما قدروا ان يكملوا هذه القصيدة من ذلك الجنس، ولا أحاشي من ذلك الكرام الكاتبين، فضلاً عن الأندلس، وإذا كانت لا تدرك فلتترك..؟ "(1) ؛ وانتقده مرة أخرى لأنه أورد في قصيدة سينية كلمة " الكنس " في قوله:

صليني وهذا الحسن باق فربما

يعزل بيت الوجه منه ويكنس وقال له: " وبيت يعزل ويكنس أردت أن أكنسه من القصيدة لان لفظة الكنس غير لائقة بمكانها قبلاً "(2) ، فاعتذر ابن سناء الملك بأنه إنما اتبع في ذلك ابن المعتز، وان طريقته في الشعر هي طريقته، وأن طبعه لم يستطع أن يجاري البحتري لتفوقه الكبير، وانه نبا عن شعر أبي تمام إذ يكثر من مثل " سلم على الربع من سلمى بذي سلم "، فأجابه القاضي الفاضل بقوله:" ولا حجة للقاضي السعيد فيما أحتج به في الصواب فقط " وأحاله على كتاب العمدة لابن رشيق ليعرف المآخذ التي تورط فيها ابن المعتز، ولم تعجبه وقفته من الطائيين:" وقد تعصب القاضي السعيد على أبي تمام فنقصه وحطه، وللبحري فأعطاه أكثر من حقه، وما أنصفهما "(3) .

(1) المصدر نفسه: 28.

(2)

المصدر السابق: 24/ أ.

(3)

المصدر نفسه 27/ أ، وانظر دفاع ابن سناء الملك في الأوراق 24 - 27 والغيث 2: 245 - 246 وقد تعقب الصفدي بالنقد القاضي الفاضل، إذ انه وجده استعمل لفظة " الكنس " في إنشائه (الغيث: 246) ولعل القاضي كان يعني نبو اللفظة في الشعر أولا وفي القافية ثانياً.

ص: 582

وقد يوحي هذا الموقف النقدي بأن القاضي الفاضل كان محافظاً في ذوقه، ولكن سرعان ما ندرك سعة التذوق لديه حين نجده أحد المعجبين بهذا الفن الجدي - اعني الموشح - وان تلميذه كان يعرض عليه بعض موشحاته، ومن أمثلة ذلك قوله:" وقفت على موشح الجلنارة (1) ، وهو أحسن من الموشح الجلناري الذي كان زينة أعياد الخلفاء، واجدر منها بالنفاسة من القيمة والزيادة في البقاء، ومما ينفك يغايظنا بهذه الملح، ويومض إلينا بهذه اللمح، فإذا سألناه في إباحة معاقلها، وجلاء عقائلها تمنع وإنما يتمنع من يخاف التبذل بالبذل، وهذه المحاسن لا يخاف عليها الملال، ولا (2) يتطرق إليها الابتذال، ولا يختلط بزها ببز، ولا يوقع على مفصلها بحز "(3) .

توجيه ابن سناء الملك لاختيار شعر ابن الرومي

ومن ضروب المران الذي كان يأخذ به ذلك الأستاذ الناقد تلميذه، أن يطلب إليه اختيار شعر هذا الشاعر أو ذاك، فقد كلفه مرة باختيار شعر ابن الرومي، فاختار منه حرف الهمزة ثم توقف، فكتب إليه يذكره بذلك، فكان رد ابن سناء الملك: (فأما ما أمر به المولى في شعر ابن الرومي فما المملوك من أهل اختياره، ولا من الغواصين الذين يستخرجون الدر من بحاره، لأن بحاره زخارة، وأسوده زآرة، ومعدن تبره مردوم بالحجارة، وعلى كل عقيلة ألف نقاب بل ألف ستارة، يطمع ويؤيس، ويوحش ويؤنس، وينير ويظلم، ويصبح ويعتم، شذرة وبدرة، ودرة وآجرة، وقبلة بجانبها لبسة، وحرة بجوارها قحبة، ووردة قد حف بها الشوك، وبراعة قد غطى عليها النوك، لا يصل الاختيار إلى الرطبة حتى يتجرح بالسلا، ولا

(1) إشارة إلى موشحة لابن سناء الملك أولها: " صرف كاسي جلناره ".

(2)

في الخطوط: وهو.

(3)

فصوص الفصول، الورقة: 67/ أ.

ص: 583

يقول عاشقها هذا الملح قد أقبل حتى يقول قد تولى؟ " (1) . أن الالتفات إلى ابن الرومي استمرار لذلك الكشف الذي بدا في القرن الرابع، وبقي - بل أزداد بروزاً - لدى نقاد القرن الخامس وخاصة ابن رشيق، الذي عد ابن الرومي أحق الناس بلقب شاعر. ولكن ابن سناء الملك قد أقر بعجزه عن صنع مختار من شعره، وعلل ذلك بالتفاوت فيه. وتجاوز أسباب أخرى أو لم يدركها؛ وليس في الكتاب ما يدلنا ماذا كان رد الفعل لدى القاضي الفاضل إزاء هذا النقد.

توجيهه لاختيار شعر ابن رشيق

كذلك وجه القاضي الفاضل تلميذه لعمل اختيار من شعر ابن رشيق، وكان هذا مراناً أسهل من سابقه، إذ أنجز ما طلبه إليه، وأرسل الاختيار لأستاذه، وأفاده التمرس بهذا حين نبهه إلى ما يعانيه شعر ابن رشيق من اتكاء على شاعره المفضل - ابن المعتز - وعلى المتنبي، حتى قال:" ولو لم يكن يخلق الله ابن المعتز والمتنبي لما كان ابن رشيق يعرف الشعر فضلاً عن أن ينظمه، ولا أن يعلمه، وهو ينهب أشعار هذين الرجلين نهباً قبيحاً، ولا سيما ابن المعتز "(2) ثم أورد أمثلة من منهوبات ابن رشيق، وجرى بذلك في سياق النقاد الذين تحدثوا عن السرقات، وتوجه خاطره إلى التوقف عند المعاني المشتركة.

ابن سناء الملك يستخلص قواعد الموشح

إن المساجلات بين القاضي الفاضل وابن سناء الملك تدخل في صميم النشاط النقدي، ولكنها قاصرة على تدريب فرد من الناس ليجود شعره، ويوسع افقه في القدرة على تمييز الجيد من الرديء في الشعر؛ وهي وحدها لا تجعل من ابن سناء الملك ناقداً ذا مذهب نقدي واضح المعالم؛ غير أنه يستحق اسم الناقد لشيء آخر، وذلك في موقفه من الموشح، الفن الطارئ

(1) فصوص الفصول، الورقة:31.

(2)

المصدر نفسه، الورقة:80.

ص: 584

الجديد على المشارقة؛ فقد تفتح له ذوقه على نحو لم يتيسر لشخص آخر من معاصريه؛ صحيح عن وقفته أمام الموشح تمثل " شعوراً بالنقص " إزاء بدعة جديدة، ولكن ذلك الإقدام على تلك البدعة كان يتطلب جرأة في الذوق، وقد تمثلت هذه الجرأة لدى ابن سناء الملك في وجهتين: أولاهما محاولة التجديد في التقليد، فهو لا ينكر انه يحاكي الأندلسيين، ولكنه لا يريد أن يفعل كما فعل غيره من المصريين فيستعير الخرجات من موشحات المغاربة، يقول " فكنت إذا عملت موشحاً لا استعير خرجة غيري بل ابتكرها واخترعها ولا أرضى باستعارتها؟ واخترعت أوزاناً ما وقعوا عليها (أي المغاربة) ، ولم يبق شيء عملوه إلا عملته إلا الخرجات الأعجمية فأنها كانت بربرية (1) فلما اتفق لي أن تعلمت اللغة الفارسية عملت هذا الموشح وغيره وجعلت خرجته فارسية بدلاً من الخرجة البربرية "(2) .

أما الوجهة الثانية - وهنا تتميز روح الناقد - فهو لإقدامه على استخراج قواعد للموشح، وذلك أمر لم يقدم عليه الأندلسيون أنفسهم. ولست أشير هنا وحسب إلى القواعد التي رسمها لشكل الموشح؛ وتآلفه من أقفال واغصان، وعدد أجزاء كل بيت، إلى غير ذلك من شئون يدركها من يقارن نماذج مختلفة من الموشحات، فتلك دراسة علمية تجيء صائبة أو مخطئة بمقدار ما لدى الدارس من شواهد؛ ولكني أشير أيضاً إلى التفننات المختلفة في طبيعة الموشح، وما حديثه عن الخرجة إلا من هذا القبيل إذ يقول " وقد تكون الخرجة عجمية اللفظ بشرط ان يكون لفظها في العجمي سفسافاً نفطياً ورمادياً زطياً، والخرجة هي ابرز الموشح وملحه وسكره، ومسكه وعنبره، وهي العاقبة وينبغي أن تكون حميدة، والخاتمة بل السابقة وإن

(1) هذا لافت للنظر، فقوله إنها " بربرية " يشير إلى انه لم يدرك إنها كانت بعجمية الأندلس، على أنا لا نستبعد أن تكون هنالك خرجات بربرية أيضاً، ولكن ابن سناء الملك لا يذكر هذه اللفظة في " دار الطراز ".

(2)

فصوص الفصول، الورقة: 21ب.

ص: 585

كانت الأخيرة، وقولي السابقة لأنها التي ينبغي أن يسبق الخاطر إليها ويعملها من ينظم الموشح في الأول، وقبل أن يتقيد بوزن أو قافية " (1) ؛ على إننا يجب أن لا نقلل من قيمة القواعد التي استخرجها ابن سناء الملك، فإنها تدل على عقلية تنظيمية في النقد، وغن لم يعطنا فيها مقاييس واضحة، تعين على تذوق الموشح أو استكمال نواحي الجمال فيه، وحسب ابن سناء الملك انه لم يسبق إلى هذه الدراسة، وانه أيضاً لم يأت بعده من يكمل ما صنع.

ولا نعرف ناقداً آخر في مصر توقف عند الموشحات بالنقد، أو عني بوضع قواعد واحكام نقدية نظرية، وإنما انصرف النقاد في الأكثر إلى النقد التطبيقي، وفي هذا الباب تجاوزوا الانشغال بالمتنبي، حتى نكاد لا نجد لهم حكماً يتعلق به وبشعره، وانصرفوا إلى نقد شعراء آخرين، من المعاصرين وغيرهم.

ابن جبارة وكتابه نظم الدر في نقد الشعر

وإذا كان القاضي الفاضل قد رفع من شعر ابن سناء الملك بتلك التقريظات المغالية، التي لا تتوقف كثيراً عند التعمق والتحليل، فغن القاضي الرئيس ابن جبارة علي بن إسماعيل (554 - 632)(2) قد قصر جهده النقدي في كتابه " نظم الدر في نقد الشعر " على تبيان المآخذ والمساوئ في شعر ابن سناء الملك، ولا ندري هل كان مدفوعاً إلى ذلك بداعي المنافسة، أو بداعي ميله إلى نقض تقريظات القاضي الفاضل؛ وهذا الكتاب الذي يسميه الصفدي أيضاً " تعليقته التي أملاها على شعر ابن سناء الملك "(3) ، لم يصلنا ولكن الصفدي احتفظ بنماذج منه في شرحه على لامية العجم، من ذلك قوله معلقاً على هذين البيتين لابن سناء الملك:

(1) دار الطراز: 32.

(2)

انظر ترجمته في نكت الهميان: 208 وبغية الوعاة: 329.

(3)

الغيث 1: 128.

ص: 586

ومليحة بالحسن يسخر وجهها

بالبدر يهزا ريقها بالقرقف

لا أرتضي بالشمس تشبيهاً لها

والبدر بل أكتفي بالمكتفي " وهذا نوع من الجنون والاختلاط، وذلك أن هذا الشاعر كثيراً ما يسمع الشعر ويختلط فيه ذهنه، فيأتي به على غير ما يقتضيه، فإن ابن المعتز انشد البيت (1) وأراد كونها في الحسن كالشمس التي هي آية النهار أو كالبدر الذي هو آية الليل أو كالمكتفي الذي هو خليفة الأرض في عظم الشان وكبر السلطان، فنقله هذا الشاعر إلى الحسن، ومن أين للمكتفي صفة الحسن، والذي دلت عليه التواريخ أنه كان أسمر أعين قصيراً؟ "(2) .

ووقف عند قول ابن سناء الملك:

ألا فارفعي ذا الشعر عنا فإننا

نغار عليه من ملاعبة الحجل

عجبت له إذ يطمئن معانقاً

أما أذهل الخلخال خوف بني ذهل

بشوك القنا يحمون شهد رضابها

ولابد دون الشهد من إبر النحل فاتهمه بفساد المعنى ونقضه وانه أراد أن يمدحهم فهجاهم لأنه جعل طعن رماحهم كإبر النحل، وإبرة النحل لا أثر لها ولا ألم يحصل منها؟ " ولولا وقوع هذا الشاعر في شعره وقلة معرفته وقصور فكره لما قال: بشوك القنا يحمون شهد رضابها، وكيف يحمى الشهد بالشوك (3)

وقال ابن سناء الملك:

لها ناظر يا حيرة الظبي إذ رنا

به كحل ناداه يا خجلة الكحل

(1) بيت ابن المعتز:

والله لا كلمتها ولو أنها

كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي (2) الغيث 1: 128.

(3)

الغيث 1: 224.

ص: 587

وأثقلها الحسن الذي قد تكاثرت

ملاحته حتى تثنت من الثقل فقال ابن جبارة: " قوله لها ناظر: تحققنا ذلك، ثم قال: يا حيرة الظبي، ولم يحار مع وجود المقاربة وعدم المباينة؟ ثم جعل العلة في حيرته وجود الكحل، أن هذه قريحة قريحة، وفكرة غير صحيحة؟ وقوله: وأثقلها الحسن: هذا قلب المعنى الذي ليس بمعنى؟ وكان ينبغي ان يقول: أثقلتها الملاحة التي تكاثر حسنها؟ وهل ينثني الإنسان من الثقل؟ إنما يمشي قطعة واحدة في حال الثقل " ثم قال: " وكلت شرح هذا البيت لعجزي عن معناه إلى عريف الحمالين فعساه يعرف معناه "(1) . واتهمه في قصيدة له رائية مطلقة يمدح فيها القاضي الفاضل بأنه سرق بعض معانيه من ابن عمار وأبي الطيب، ولكل منهما قصيدة على هذا الوزن (2) .

ابن ظافر وتعقبه لابن شهيد

وما دام كتاب " نظم الدر " أو التعليقة غير موجود لدينا، فليس في مقدور الدارس أن يكون فكرة متكاملة عنه، غير أن هذه النماذج النقدية تري مبلغ تدقيق ابن جبارة في الجزئيات، وتهجمه بألفاظ هجائية على ابن سناء الملك، ووقفته من بعض أشعاره موقف المتهكم؛ إلا ان بعض الأشعار التي اختارها لنقده التطبيقي بينة التكلف، ولهذا يصدق على نقده ما قاله الصفدي في مؤاخذاته " أجاد في بعضها وتعنت تعنتاً زائداً في بعضها " (3) . ولدينا نموذج آخر من هذا النقد التطبيقي لدى علي ابن ظافر الأزدي (- 627) (4) في تعليقه على قصيدة لابن شهيد الأندلسي مطلعها (5) :

أما الرياح بجو عاصم

فحلبن أخلاف الغمائم

(1) الغيث 1: 243.

(2)

الغيث 1: 264.

(3)

نكت الهميان: 209.

(4)

ترجمته في معجم الأدباء 13: 264 وفيه أنه توفي سنة 613.

(5)

أورد الصفدي نموذجاً من هذه التعليقات في الوافي بالوفيات 7: 146 - 148.

ص: 588

وفي التفات الناقد إلى قصيدة أندلسية ما يؤكد ما تقدمت الإشارة إليه من احتفال النقاد في مصر بشعر الأندلس - إلى جانب الاهتمام بالموشحات؛ غير أن تعليق ابن ظافر على قصيدة ابن شهيد لا يتجاوز أمرين اثنين، أولهما: محاسبة الشاعر على اللفظة الموهمة مثل لفظة " لقيط " و " قاد " في قوله:

فكأنني فيهم لقيط قاد من آساد دارم

فكان تعليقه " غفل عن نفسه إذ شبهها بولد زنا قواد، وغن كان قصد لقيط ابن زرارة الدارمي وقواد الفرسان إلى الحروب " وهذا نقد أشبه بالنكتة، وهو يمثل ضيق الناقد بألفاظ أصبحت تحتمل معاني من السباب او نبو الموقع في الاستعمال الدارج، ومثل هذا أيضاً قد عابه ابن الأثير، كما سيتضح من بعد.

وأما الشيء الثاني فهو تبيان السرقة، وهو باب واسع دخل فيه كثير من النقاد، ومن ذلك قول ابن شهيد:

قمنا نصفق بالأكف لها ونرقص بالجماجم

فقد ذهب ابن ظافر إلى أنه أخذه من قول الناجم:

تشدو فنزمر بالكؤوس لها ونرقص بالرءوس

والحديث عن السرقة في حال ابن شهيد خاصة، لا يقدم كثيراً ولا يؤخر، فقد مر بنا أنه كان يؤمن بان الشاعر القدير هو الذي يستطيع ان يأخذ فيخفي الأخذ.

ص: 589

ابن ظافر واهتمامه بشعر البديهة

والحق أن جهود ابن ظافر النقدية، ليست مما يؤهله ليكون من مقدمي النقاد، فقد غلب عليه ميله إلى التاريخ وجمع الأخبار، ويدل كتابه " بدائع البدائه " على أنه كان مأخوذاً بالقدرة التي تستطيع أن ترسل الشعر عفو الخاطر، غير أنه لم يزد في هذا الكتاب على تعريف البديهة والارتجال والإجازة والتمليط؟ الخ، وحشد الحكايات المناسبة لكل نوع، دون نقد أو تحليل، إلا أن الكتاب نفسه قائم على فكرة نقدية خطرة وهي إحلال البديهة والارتجال محلاً عالياً في التقدير، وإظهار البراعة الذاتية فيها إلى جانب براعة الآخرين. ولنا على هذا الكتاب تعليقتان هامشيتان: أولاهما أن ابن ظافر يعد ابن الرومي " إمام الشعراء "(1) ، وهذا يؤكد ما ذكرناه عن منزلة ابن الرومي في البيئة المصرية، والثانية: مدى اهتمام ابن ظافر بأخبار الأندلس، بل محاولته تقليد الفتح بن خاقان نفسه في الحكايات المسجوعة.

اهتمامه بالتشبيه

وربما صح ان نعد كتاب " غرائب التشبيهات " لعلي بن ظافر جهداً ثالثاً في النقد، إلا أن ما قيل في بدائع البدائه يصدق على هذا الكتاب، فهو حشد للنماذج في أبواب معينة، مع اهتمام خاص بتشبيهات الأندلسيين. أن كتاب " غرائب التشبيهات " يقف في صف الكتب التي ألفت في هذا الموضوع من قبل، وهو جهد نقدي " بالقوة " إذ يحمل في ثناياه حقيقة العلاقة بين الذوق العام في العصر، وبين الصور التي تتمتع بالغرابة، وان كانت الغرابة دائماً نسبية.

(1) البدائع والبدائه: 9.

ص: 590

المصطلح البديعي وابن أبي الإصبع

وقد اهتم النقد في مصر بتقرير المصطلح البديعي في صورته الواسعة، وكان زكي الدين ابن أبي الإصبع (- 654) صاحب " تحرير التحبير " من فرسان هذا الميدان، ويشبه هذا الكتاب في طبيعة جهده العام كتاب أسامة بن منقذ " البديع في نقد الشعر "، إلا انه يتميز عن كتاب قدامة في أمرين هامين، أولهما: محاولته في التوسع الإحصائي لفنون البديع ابتداءً من ابن المعتز حتى عصر المؤلف، وثانيهما: اتساع مجال المصادر التي اعتمد عليها في تأليف هذا الكتاب، ولذلك يمن ان يكون تحرير التحبير صورة لتطور المصطلح البديعي وللمقارنة بين المصطلحات لدى النقاد على مر الزمن حتى عصر المؤلف، كما انه صورة لجهد المؤلف نفسه في ما استطاع ان يضيفه إلى هذا المصطلح؛ غير أن هذا كله جهد شكلي، كان يوجه النقد إلى مزيد من الوقوف عند الجزئيات، ويعمي طريقه بكثرة المصطلحات، دون ان يضيف إلى حقيقته شيئاً جوهرياً؛ بل أن أسامة بن منقذ كان اكثر وعياً منه بحقيقة النقد حين ختم كتابه بتخليص النصائح التي تنفع الشاعر والناثر؛ من مثل النهي عن التعقيد في المعاني والتقعر في الالفاظ، وترديد ما قاله ابن طباطبا حول نظم الأبيات متفرقة ثم محاولة الربط بينهما، والإلحاح على تهذيب القصيدة أسوة بالحطيئة وزهير، وتخير الأوزان والقوافي الحسنة، وحسن التأتي في الاخذ، ومجاراة قدامة في المدح بالأخلاق دون الصفات الجسمانية، وتفصيل المدح على قدر الممدوح، وإجراء الملاءمة بين المعاني والألفاظ، قال:" واعلم ان محاسن الشعر ثلاثة: التطبيق والتجنيس والمقابلة، ومحاسن المعاني ثلاثة: الاستعارة والتشبيه والمثل "(1) - أمورا ليست سوى تكرار لكثير من المواقف والآراء القديمة التي مررنا بها، ولكنها تشعرنا أن أسامة حين استعمل كلمة " نقد "، كان يدرك ان لهذا بعداً آخر غير المستوى البديعي. غير أن لابن أبي الإصبع كتاباً أشد صلة بالنقد من تحرير التحبير

(1) البديع في نقد الشعر: 298.

ص: 591

وهو " الميزان في الترجيح بين كلام قدامة وخصومه " ولكن هذا الكتاب لم يصلنا.

صورة النقد بمصر ومجالاته

تلك هي حال النقد بمصر في هذين لقرنين، ويمكن تلخيص دوره في تاريخ النقد العربي بالأمور الآتية:

(1)

وضع قواعد الموشح.

(2)

الاستمرار في إبراز دور ابن الرومي.

(3)

محاولة ساذجة في النقد التطبيقي.

(4)

العودة إلى النقد " بالقوة "، أي النقد المعتمد على اختيار الصور الغريبة.

(5)

التوسع بالمصطلح البديعي إلى أقصى حدوده.

ضياء الدين ابن الأثير وجرأته واعتداده بنفسه

ولم يكن ضياء الدين ابن الأثير (- 637) بعيد الشبه بسابقه أسامة، وبلاحقه ابن أبي الاصبع، في ما اختاره من تقرير حدود البديع العام، لولا عناصر في شخصيته تفرقه عنهما، فالحقيقة أن النواة الأولى في كتابيه " المثل السائر " و " الجامع الكبير " إنما هي شرح المصطلح البديعي، ولكن ما يحيط بتلك النواة، يحوي خطرات نقدية، تميز ابن الأثير عن صاحبيه، بل تميزه عن كثير من النقاد، حين تجعل أهم غاية لديه هي إبراز دور الناقد القدير في " تعليم البيان " - تلك المشكلة التي تمرس بها ابن شهيد في رسائله، وتوفر عليها ابن الأثير من خلال التطبيق الذي أجراه على نماذج من نثره أولاً، ثم على نماذج من نثر الآخرين او شعرهم؛ ولا ريب في أن الجرأة والاعتداد بالنفس اللذين يبلغان لديه حد الغرور قد كانا ستاراً يحجب بهما ضعف تحصيله الثقافي، وعدم تنوعه، فهو قد قرا كثيراً من الشعر واطلع على كثير مما ألف في النقد والبلاغة، ثم انهمك من خلال ذلك كله في شق طريقه في الترسل، محاولاً ان يتفوق على

ص: 592

القاضي الفاضل. ولما كانت طريقته النثرية تعتمد في أساسها كثيراً على حل المنظوم، فإنها تحولت بنقده في وجهتين، أولهما: تقريب المسافة بين الشعر والنثر، والثانية: ملاحقة المعاني ومحاولة تصنيفها وحصر أنواعها.

تقريب المسافة بين الشعر والنثر كما فعل ابن طباطبا

ففي الوجهة الأولى رفض رأي الصابي في التفرقة بين الكتابة والشعر، وكانت تلك التفرقة تقوم في جانب منها على أن الشعراء إنما يشغلون أنفسهم بالوصف والحنين والغزل والمدح والهجاء، وان المترسلين يكتبون في موضوعات أخرى مثل إصلاح فساد أو تحريض على جهاد (1) ، فهو يرد على هذا الرأي وينكره ويرى أن لا فرق بين الشعر والنثر في الموضوع (2) ؛ ولكن الشعر والنثر لا يتطابقان تمام التطابق، بل تبقى بينها مسافة صغيرة تعينها فروق صغيرة أيضاً منها ان المعاني في الشعر أغزر، والسر في ذلك ليس في قصور النثر عن ذلك، وإنما لان الشعر كان اغلب على العرب على مر الزمن، فأودعوه كل المعاني (3) ، ولهذا صح لمن يريد إجادة النثر أن يدرس الشعر أولاً لكي يهتدي إلى المعاني التي ينثرها ويحلها في رسائله وإنشاءه. كذلك فان الشعر قد يتقبل الغريب الحسن من الألفاظ، بينما تجيء تلك الألفاظ نفسها نابية في النثر (4)، وعلى هذا صاغ ابن الأثير قاعدة عامة للفروق بين ذينك الفنين بقوله:" فأعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور "(5) .

(1) المثل السائر 4: 7.

(2)

المصدر نفسه: 9؛ وقارن هذا بما مر من رأي ابن طباطبا، فهناك تنعدم المسافة بين الشعر والنثر في طريقة البناء.

(3)

المثل السائر 1: 137.

(4)

المصدر نفسه: 237.

(5)

المثل السائر 1: 239.

ص: 593

المعنى هو المقدم في تاريخ الشعر العربي؛ وحديثه عن السرقة

وأما في الوجهة الثانية فإن ابن الأثير سحب إيثاره للمعنى على تاريخ الأدب العربي كله، فتصور أن العرب كانت دائماً وأبداً تهتم بالمعاني، وان الاهتمام باللفظ إنما يدل على تقدير للمعنى، إذ هو محاولة لإبرازه في احسن صورة، يقول:" اعلم أن العرب كما كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأشرف قدراً في نفوسها، فأول ذلك عنايتها بألفاظها، لأنها لما كانت عنوان معانيها وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها وزينوها وبالغوا في تحسينها ليكون ذلك أوقع لها في النفس واذهب بها في الدلالة على القصد؟ فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها ورققوا حواشيها وصقلوها أطرافها فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني؟ "(1) وقد أدته عنايته بالمعاني إلى أن صنف رسالة في المعاني المبتدعة (2) وألف كتاباً آخر سماه " عمود المعاني "(3) ؛ وخلاصة رأيه في هذه الناحية أن المعنى الذي يتوارد عليه عدة شعراء يدعى " عموداً "؛ ويكون المعنى (أو العمود) ذا شعب، ففي تلك الشعب يتم الانفراد للشاعر الواحد دون سواه؛ فإذا كان المعنى مما استقل بنفسه بحيث لا يستطيع أحد ان يأخذه أو يفرع عليه (أي يقيم له شعبة جديدة) فمثل هذا المعنى لا يطلق عليه اسم العمود، لان صاحبه قد انتهى فيه إلى غايته، ولا تخرج المعاني عن هذين الصنفين (4) ؛ والصنف الأول هو الذي يمكن ان يتحدث فيه الناقد عن سرقة الشعراء بعضهم من بعض؛ وقد جعل ابن الأثير تداولهم للمعاني في ثلاث درجات (1) درجة النسخ ومنها وقوع الحافر أو أخذ المعنى مع أكثر

(1) المثل السائر 2: 65 - 66.

(2)

الاستدراك: 60.

(3)

الاستدراك: 11.

(4)

الاستدراك: 9 - 13.

ص: 594

اللفظ (2) ومنها السلخ وقسمه في 12 ضرباً (3) ومنها المسخ وهو قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة؛ ومجموع أنواع الأخذ على هذا الاعتبار ستة عشر نوعاً (1) ؛ وقد حصرها ابن الأثير في موضع آخر في خمسة أقسام: أخذ اللفظ والمعنى جميعاً (توارد الخواطر) ، واخذ المعنى دون اللفظ، واخذ المعنى مع بعض اللفظ وخلطه بألفاظ أخرى، واخذ بعض المعنى وبعض اللفظ، وأخذ بعض المعاني والإتيان بألفاظ جديدة؛ على أن القسم الثاني وهو أخذ المعنى دون اللفظ ينقسم عنده إلى عشرة أقسام، أغربها وأحسنها ابتكر له ابن الأثير اسماً من عنده حين دعاه " شبكة المعاني " لارتباط المعاني فيه بعضها ببعض على خفاء في الارتباط، ومن أمثلته قول أبي تمام:

رعته الفيافي بعدما كان حقبة

رعاها وماء الروض ينهل ساكبه وقول البحتري:

شيخان قد ثقل السلاح عليهما

وعداهما رأي السميع المبصر

ركبا القنا من بعد ما حمل القنا

في عسكر متحامل في عسكر فأبو تمام وصف الجمل بأنه بعد ان كان يرعى منابت الأرض رعته الأرض فهزل، من كثرة السير، والبحتري يريد انهما كانا يحملان الرمح فلما كبرا حملتهما العصا (2) ؛ ومدار الأمر في كل ذلك على الأخذ المتقن، ولا نستطيع ان نتوقع شيئاً غير ذلك من رجل يقيم نثره على التصرف بالمعاني الجيدة الواردة في التراث الشعري، ولهذا يرى أن السبق إلى معنى من المعاني لا يمثل إلا حقيقة التقدم في الزمن، ولو تقدم المتأخرون لسبقوا إلى المعاني كما سبق الأوائل (3) .

(1) أنظر المثل السائر 3: 225 - 294، 4: 3 - 4 وراجع بعض هذا المصطلح في السرقات عند المرزوقي، إلا ان ابن الأثير لا يشير إليه أبداً.

(2)

انظر الاستدراك 61 - 70، وبخاصة ص: 63 - 64.

(3)

الاستدراك: 6.

ص: 595

نتائج ولوع ابن الأثير بالمعاني

وقد ترتب على تولع ابن الأثير بالمعاني نتائج هامة في تقييمه للشعر والنثر؛ منها انه لم يعد يطيق قبول المعنى العادي وهو يغربل الشعر بحثاً عن المبتدع، وإذا مر بمعنى عادي حاول أن يسلط عليه تصوره وذكاؤه ليرفع من مستواه، وهذا هو شأنه حين قرا بيت المنخل:

ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير

فإنه لم يرض أن يكون المقصود " باليوم المطير " محض اقتران دخوله على صاحبته بيوم ماطر، وإنما يذهب خاطره إلى ما هو اعمق من ذلك، فان اليوم المطير يمنع الناس من السفر والنقلة، ولهذا أراد الشاعر ان يصور مدى جرأته بهذا القول وهو يومئ إلى انه دخل على تلك الفتاة وزوجها حاضر في البيت (1) ؛ أما إذا كان الشاعر يريد محض نزول المطر فقد " خاب وخسر ". ومن تلك النتائج أيضاً أن ذوقه اخذ ينبو عن الغزل الذي كان يجري بالشكوى العفوية والمعاني الإنسانية العامة، ويرى في توليدات المعاني الغزلية لدى كل من أبي الطيب وأبي تمام ارفع ما بلغه الشعر الغزلي (2) . كذلك فإنه حين وجد أن موضوعات الشعر لدى الإسلاميين ثم لدى المحدثين من بعدهم أكثر اتساعاً من موضوعات الجاهليين، وقدر ان المعاني لديهم أوفر واغزر سقط الجاهليون نسبياً في نظره، واستقر رأيه على أن اعظم شعراء العربية على الإطلاق هم أبو تمام والمتنبي والبحتري، الأولان بسبب المعاني، والثالث بسبب اللفظ، " وهم لات الشعر وعزاه ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء "(3) ؛

(1) الاستدراك: 22 - 23؛ ولو قيل لابن الأثير أنها لم تكن متزوجة، فربما قال: أبوها أو أخوها أو بعض أهلها.

(2)

الاستدراك: 31 - 37.

(3)

المثل السائر 3: 226 - 227.

ص: 596

ثم أرتفع أبو تمام بين هؤلاء الثلاثة وقصر عنه المتنبي إلا في الحكم والأمثال والإبداع في وصف مواقف القتال (1) ؛ كذلك يمكن أن ينسب إلى تولع ابن الأثير بالمعاني نفوره من الشئون الشكلية الخالصة مثل محاولات الحريري في التفنن بإيراد لفظة معجمة وأخرى غير معجمة. على نظام مستمر في بعض رسائله، ومثل محاولة شاعر مغربي أن يصنع من القصيدة شجرة يقرا كل بيت فيها على ضروب من الأساليب اتباعاً لشعب تلك الشجرة واغصانها وذلك " ضرب من الهذيان. والأولى به وبأمثاله ان يلحق بالشعبذة "(2) .

النقد الإحصائي والمفاضلة المطلقة

وهذه النزعة أسلمت ابن الأثير إلى نوع من النقد الإحصائي إذ أن عدد المعاني المبتكرة - في المقام الأول - هو الذي يقرر تفوق الشاعر أو الناثر. فلأبي تمام عشرون معنى مبتدعاً أحصاها ابن الأثير، فوجدها أهل صناعة البيان أمراً مستكثراً، ولكن ابن الأثير نفسه عد معانيه المبتكرة (أي معاني ابن الأثير) فوجدها أكثر من ذلك عدداً (3) ؛ وقد مضى ابن الأثير يحكم هذه الطريقة الإحصائية ليجعل منها أهم مقياس نقدي، وقرنها أولاً بالمفاضلة بين المعاني سواء اختلفت أو اتفقت، نعم أن المفاضلة بين المعاني المتفقة أمر سهل، غير أن المفاضلة بين المعاني المختلفة وإن أنكرها بعض النقاد فإنها ممكنة كذلك، ولكنها اعسر وأدق مطلباً (4) ؛ وإذا كانت المفاضلة بين معنيين في بيتين متباعدين أمراً عسيراً فإن الطريقة الإحصائية مسعفة في المفاضلة بين قصيدتين، وذلك بعد الجيد في هذه والجيد في هذه، وكذلك هي مسعفة في المفاضلة بين ديوانين فإذا كان ديوان أحد الشعراء يحتوي

(1) المثل السائر 3: 227 - 228.

(2)

المثل السائر 3: 211.

(3)

المثل السائر 3: 211.

(4)

الاستدراك: 57 - 58 والمثل السائر 3: 270.

ص: 597

على5 آلاف بيت منها أربعة آلاف جيدة، وديوان الشاعر الثاني يحتوي على ستة آلاف بيت منها أربعة آلاف جيدة، حكم بالتفوق للأول على الثاني (1) . وقد أجرى ابن الأثير دراسة تطبيقية للمفاضلة بين قصيدتين فاختار اثنتين تشتركان في موضوع واحد مثل قصيدة البحتري في وصف الذئب وقصيدة الشريف الرضي في الموضوع نفسه، فوجد - بطريق الإحصاء - أن البحتري لم يصف من الذئب سوى عظم قدّه وطول ذنبه وبريق أنيابه وانطوائه لشدة جوعه، أما الشريف فإنه لم يغادر شيئاً يتعلق بالذئب إلا ذكره، إذ وصف العلاقة النفسية بينه وبين الذئب، بينما أجاد البحتري في وصف هذه الناحية، فالبحتري من هذه الناحية أشعر، كما أن الشريف الرضي في وصف الذئب نفسه أشعر، وهما بذلك متكافئان (2) . ثم قارن بين قصيدتي البحتري والمتنبي في وصف الأسد، فوجد - من طريق الإحصاء أيضاً - أن معاني أبي الطيب أكثر عدداً إذ ذكر الأسد وصورته وهيئته وأحواله في انفراده ومشيته وبخله مع شجاعته، وأنفته وتوصل إلى وصف شجاعة الممدوح التي قصر البحتري همه على إبرازها، فالمتنبي أفضل من البحتري - في هذه القصيدة - في الغوص على المعاني، والبحتري افضل في حلاوة السبك (3) .

الإحصاء يميز مراتب المعاني

وإحصاء مراتب المعاني يفضي إلى التصنيف، وخير مثال على ذلك نظرة ابن الأثير إلى شعر المتنبي، فهو خمسة أقسام، " خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره، وخمس من الشعر الذي يساويه فيه غيره،

(1) الاستدراك: 60.

(2)

الاستدراك: 73.

(3)

المثل السائر 3: 287.

ص: 598

وخمس من متوسط الشعر، وخمس دون ذلك، وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها وعدمها خير من وجودها، ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها، فإنها هي التي ألبسته لباس الملام، وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام " (1) ؛ وهذا شغف بالقسمة لوجه القسمة، وإلا فلو انك جعلت شعر أبي الطيب في ثلاثة أصناف في عشرة، أو فيما بين ذلك. لوجدت المجال النسبي يفسح للقسمة صدره سواه قلت الأقسام أو كثرت.

الغالبية العظمى مقياس لبراعة الشعر ومكانته

ومن الطبيعي بعد ذلك أن تصبح الكثرة العددية هي المقياس في الحكم على تفوق الشاعر، فإذا شئت أن تعلم شاعر (أو كاتب) فانظر إلى رأي الناس فيه؛ عن الإجماع هنا، أو شبه الإجماع، هو الذي يقرر مكانته، ولكن لفظة " الناس " لدى ابن الأثير يجب ان تؤخذ في شيء من الحذر؛ لأنها تعني " طبقة المثقفين " في عصره - على الأرجح - او في أي عصر؛ ومهما يكن من شيء، فنحن نسمع فلأول مرة ناقداً يأنس إلى هذا اللون " الديقراطي " في تقييم الشعر، فيأخذ برأي الأكثرية، دون أن يتنبه إلى شعر أبي الطيب " وماذا يقال في رجب خمسة أسداس العالم مجمعون على فضله وتقدمه؟ وذاك أن جميع بلاد المشرق من أذربيجان إلى حدود الصين لا يتمارون في أنه أشعر الشعراء قاطبة، وهذه البلاد أكثر من نصف المعمور، وأما باقي البلاد من المغرب والجنوب والشمال فإن منهم من وافق المشارقة في تفضله على الشعراء قاطبة، ومنهم من يسوي بينه وبين المجيدين من الشعراء، ومنهم من يغض منه ويقع فيه، وعلى هذا فإن الأكثر له وجزء يسير ليس له "(2) ، ويبدو أن هذا الشغف بالإحصاء والتصنيف والاتكاء

(1) المثل السائر 3: 228 - 229.

(2)

الاستدراك: 3.

ص: 599

على فضيلة العدد غنما هو محاولة واضحة من ابن الأثير، للظهور بمظهر من يعرف المنطق والحساب، ويبدو ذا حظ من الثقافة الأجنبية - حينئذ - رغم عدم اطلاعه عليها.

الجمهور مرجع في الحكم ومصدر للمعاني

وما دام عمل الأديب والناقد هو الحركة الدائبة في البحث عن المعنى، فإن " الجمهور " ليس هو المرجع الأخير في الحكم وحسب، بل إن ذلك الجمهور من أهم مصادر المعاني، وفي سبيل المعاني نزل ابن الأثير المستكبر المتشامخ إلى طبقات الشعب وإلى الأسواق والدكاكين يبحث عنها، لان الأديب في نظره " يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء والماشطة عند جلوة العروس وإلى ما يقوله المنادي في السوق "(1) ، ومن أجل هذا نراه يقف على المعانيب الدائرة في العامة، كما يعبرون بها، غذ يقولون مثلاً " أقلع عينك بعينك "؟ من حديث النساء على المعازل - ومثل " إذا ظهر اسمك فالق منجلك " - وهو من أحاديث الحصادين (2) -، غير أن هذا الالتفات كان نظرياً في معظمه، إذ كان ابن الأثير شديد الحساسية ضد الابتذال والتكرار، أو ضد الألفة الحادثة عنهما في المعاني، ومثل هذه الألفة اغلب على ما يتناقله الناس في أحاديثهم اليومية.

المعنى المبتدع معيار الإجادة وهو أهم من الصورة الشعرية

" المعنى المبتدع " - هو المحور في كل هذه الحركة الدائبة، سواء حين يكون المرء أديباً أو ناقداً، ولذلك لا نستغرب أن يكون ابن الأثير الناقد شديد الانجذاب إلى المعاني الذهنية، وان يفضلها على " الصور " الشعرية؛ وها هو حين يدعو إلى المفاضلة بين المعاني المتباعدة يقابل بين صورة من شعر امرئ القيس:

(1) المثل السائر: 73.

(2)

الاستدراك: 8.

ص: 600

كأن قلوب الطير رطباً ويابساً

لدى وكرها العناب والحشف البالي وبين حكمة للنابغة:

ولست بمستبق أخاً لا تلمه

على شعث أي الرجال المهذب فيفضل بين النابغة - من جهة المعنى - " لأنه تضمن حكمة تعرب عن تجربة الأخوان فيتأدب بها الغر الجاهل، ويتنبه لها الفطن الاريب، والناس أحوج إلى معرفته من معرفة التشبيه الذي يتضمنه بيت امرئ القيس، وغاية ما فيه أنه رأيي صورة فحكاها في الممائلة بينها وبين صورة أخرى، وليس ثم سوى ذلك، وبيت النابغة حكمة مؤدبة تستخرج بالفكر الدقيق " هذا السياق كله: المفاضلة بين معنيين لا علاقة بينهما، كل منهما منتزع من مصدر، وينزعان إلى هدفين مختلفين، وإعلاء رفع نتاج " الفكر الدقيق " على الصورة - لم يكن خطراً على مهمة الشعر، بل كان خطراً على أهم الركائز الشعرية وهي " الصورة " التي لم يستطع ابن الأثير أن يرى فيها " وصفاً " مبتدعاً، لأنه لا يريد إلا " معنى " مبتدعاً، ولهذا فإنه أحس بشيء من النفور تجاه الشعر الذي يكثر أصحابه من استعمال الصور، واتهم الشعراء الذين يكثرون من التشبيه بأنهم تورطوا في كثير من الغثاثة، نعم إنه كان يؤمن بان التشبيه مذهب عسير، وانه مقتل من مقاتل البلاغة، لأن نقل " المعنى عن طريق التشبي أمر يعز فيه الصواب، بخلاف كفاية التشبيه لنقل صورة، ولهذا فإنه " قلما أكثر منه أحد إلا عشر، كما فعل ابن المعتز من أدباء العراق، وابن وكيع من أدباء مصر، فإنهما أكثرا من ذلك لاسيما في وصف الرياض والأشجار والأزهار والثمار، لا جرم انهما أتيا بالغث البارد الذي لا يثبت على محك الصواب " (1) .

(1) المثل السائر 2: 123 - 124.

ص: 601

غير أن ابن الأثير بدلاً من أن يحدد الأسباب التي تجعل التشبيه مخفقاً، اكتفى بقوله إن " المعنى الصائب " يعز نقله عن طريق التشبيه.

البحث في الشعر ينحصر في انتزاع المعاني المبتدعة

وتظهر خطورة هذا المذهب النقدي على الشعر العربي جملة لا حين ننكر ان تكون القصيدة مجموعة مترابطة متنامية من الصور وحسب، بل حين نريدها حافلة بالمعاني المبتدعة، وإذا كان أبو تمام - وهو رب المعاني - لم يأت في حياته الشعرية بأكثر من عشرين معنى من هذا النوع، فمعنى ذلك أننا نطلب إلى الشاعر ان يحقق ما يلحق بالأعجاز، وبحق أدراك ابن الأثير انه كلما طالت القصيدة في الشعر العربي (كان تبلغ مئتي بيت أو ثلاثمائة) كان " الرديء " فيها كثيراً، وكان الجيد - الذي يريده ابن الأثير - قليلاً أو نادراً؛ وهذا الحكم صحيح إذا كنا لا نلتفت إلا إلى المعاني، ثم إلى المتفرد منها؛ ومن باب خفي يشير ابن الأثير إلى أن هذا هو السر في أن العرب ليست لديهم ملحمة مثل كتاب الشاهنامه " وهو ستون ألف بيت من الشعر يشتمل على تاريخ الفس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع القوم وفصحاؤهم على انه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها "(1) وفي هذا تجاوز كبير، فلو ان ابن الأثير حاكم الشاهنامة إلى قاعدة " المعنى " لحكم بان الإطالة لا تعني ابتكار المعاني أيضاً، ولكنه استعمل هنا مقياسين متفاوتين.

غير أن التظاهر بالدقة الإحصائية والكلف بالمعنى، وهما ظاهرتان متلازمتان في نقد ابن الأثير، لم يحولا بينه وبين مبارحتهما حين كان يرخي العنان لطبيعته الحقيقية.

(1) المثل السائر 4: 12.

ص: 602

الطبيعة الإحصائية لا تتفق مع التعميمات الجارفة

لم تكن الدقة الإحصائية جزءاً أصيلاً في طبيعته، وإنما كانت ستاراً دون نقائص يحسها في ثقافته الفلسفية العلمية، ولهذا فإن هذا لناقد الذي كان يلبس ثوب العالم سرعان ما كان يخلع عنه هذا الرداء المستعار وينطلق نحو الأحكام الجارفة متكئاً على مثل قوله " قد غربلت الأشعار قديمها وحديثها "(1) ، ومثل " ولقد تصفحت الأشعار قديمها وحديثها "(2) ومثل " ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع وأنفذت شطراً منه في المحفوظ والمسموع "(3) - يمهد بمثل هذه الأقوال ليستولي على ثقة القارئ، ثم يطالعه بمثل هذه الحكم " ولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها على الشعراء "(4) أو يورد قطعة غزلية لأبي تمام ويشفعها بقوله " وهل لكثير من المتقدمين أو لابن الدمينة أرق من هذه الأبيات؟ "(5) أو يورد بيتاً للمتنبي ويعلق عليه بقوله " وهذا بمفرده يعدل دواوين كثيرة من الغزل، ولو لم يكن للمتنبي غيره لكفاه "(6)، ثم هو يطرب لهذه الأحكام الجارفة التي يوردها غيره ويقتبسها كأنها الحجة القاطعة في الفصل بين الآراء: يعجبه كثيراً قول رجل من أهل الشام (بيت واحد من قصيدة ابن الخياط يعدل ديوان ابن منير جميعه " فيقول " وهذا الرجل قد كان عارفاً الفصاحة والبلاغة فحكم حكم عارف لما يقول " (7) ، ويعجبه قول ينسبه إلى أبي العلاء " لو تمثلت بائيات لأبي تمام ودالياته أشخاصاً وخرجت خلف نعشه لضاق بها الفضاء "

(1) الاستدراك: 30، وانظر أيضاً:26.

(2)

المثل السائر 1: 98.

(3)

المثل السائر 3: 225، وانظر أيضاً ص:229.

(4)

المثل السائر 3: 276.

(5)

الاستدراك: 31.

(6)

الاستدراك: 36.

(7)

الاستدراك: 39.

ص: 603

ويعلق عليه بقوله " ولقد صدق في قوله هذا وما قال إلا حقاً "(1) .

التعلق بالمعنى لم يستطع إخفاء التعبد للفظ

ولم يكن احتفاله الكثير بالمعنى ليخفي حقيقة هامة، وهي أن مارته - من حيث هو أديب - تعتمد على شيء كبير من البراعة اللفظية، ولهذا فإن جميع ما عبر به عن إعجابه بالمعنى لا يبلغ مستوى تعبيره الذي صور به شغفه باللفظ حين قال:" وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوة كنشوة الخمر وطرباً كطرب الألحان "(2) . والعلاقة بين ابن الأثير الناقد والألفاظ تحتاج تحديداً ادق، فقد كانت الألفاظ تتمثل في نفسه مخلوقات وتماثيل " فالألفاظ الجزلة تتخيل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق ولطف مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم وتأهبوا لطراد، وترى الألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهن غلائل مصبغات وقد تحلين بأصناف الحلي "(3) : ومن الأنصاف أن نقول هنا، أن ابن الأثير لا ينفك - في هذا المقام - يرى المعنى مجسداً من خلال اللفظ، فيسبغ صورته على اللفظ، وإلا فإن الألفاظ لا يمكن أن تتصور كما وصفها، وإنما هذه صورة عامة مستمدة من التآلف بين المعنى واللفظ لدى أبي تمام والبحتري، صورة مستمدة من الموسيقى ومن الكيان الكلي للمنهج العام الذي يؤثره الشاعر في فنه. غير أن هذا لا ينفي ان أبن الأثير ذو حساسية تبلغ حد المرض نحو طبيعة اللفظة نفسها - كان حضري المزاج يكره " وحشي الألفاظ وشظف العبارات "(4) ، وكان " متنوفاً " في هذا الذوق، شديد الوسواس إذا

(1) الاستدراك: 57.

(2)

المثل السائر 1: 98.

(3)

المثل السائر 1: 252.

(4)

المثل السائر 1: 248.

ص: 604

أحس بان اللفظة ذات إيحاءات رديئة من ناحية الدلالة على العورات، أو بأنها مبتذلة بين العامة (1) ، ولا يخلو هذا الموقف من بعض الاضطراب، فإن الذي يفتش عن المعنى بهذا القدر من الجهد لابد من أن يتسامح قليلاً في ناحية اللفظ؛ ولكن مما يقلل من هذا الاضطراب لدى ابن الأثير، رده على الخفاجي في الألفاظ التي تستحق أن تدخل في المنظوم، فقد ساير الخفاجي النقاد القائلين باستبعاد ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين من الشعر، ولكن ابن الأثير يرى أن صناعة المنظوم (والمنثور) مستمدة من كل علم وكل صناعة، لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه " (2) ، ولهذا نجده يقبل في الشعر ألفاظاً ومصطلحات فقهية ومنطقية ونحوية يردها غيره، ممن هم أشد منه تعلقاً بطبيعة اللفظة المفردة (3) .

الطبيعة الهجومية في نقد ابن الأثير

ذلك هو الموقف النقدي الذي يعد ابن الأثير على أساسه ناقداً ذا شخصية وفكرة واضحتين، ولكنه في سياق توضيحه لهذا الرأي عرض لكثير من الآراء النقدية السابقة فأقرها أو هاجمها بحدة، من خلال هجومه على أشخاصها، حتى لا يكاد يترك ناقداً أو بلاغياً أو منشئاً دون أن يغمز رأياً من آرائه؛ وفي أثناء هذا العمل راجع كثيراً من الىراء، فتهكم بآراء علماء العربية حول النقد كما وردت في الأغاني، وبقول الأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما في بشار إنه أشعار الشعراء المحدثين، وعلق على ذلك بقوله: " وهم عندي معذورون لأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام ولا على معاني

(1) المصدر نفسه: 258.

(2)

المثل السائر 3: 213.

(3)

في هذا وضع معاكس لرأي حازم، الذي يرى مجال الشعر في المعاني الجمهورية وينفي ما يستمد من العلم، إلا القليل منه.

ص: 605

أبي الطيب ولا وقفوا على ديباجة البحتري " (1) وأنكر أن يكون الجاهليون: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى قمة في الشعر، لان كلاً منهم أجاد في معنى واحد اختص به، وهاجم النحويين واللغويين، وخص بهجومه ابن جني في شرحه لديوان المتنبي، مصرحاً بان النقد فن لا يؤخذ عن علماء العربية، وغن كان الناس جميعاً يتسورون عليه ويتكلمون فيه حتى أجلاف العامة؛ وهاجم المعري هجوماً عنيفاً لقوله: ليس في شعر أبي الطيب لفظة يمكن أن يوم عنها ما هو في معناها، وقال: " ولكن الهوى كما يقال اعمى، وكان أبو العلاء أعمى العين خلقة وأعماها عصبية، فاجتمع له العمى من جهتين " (2) . وتعقب ابن أفلح في " مقدمته " التي ألفها في أقسام علم الفصاحة والبلاغة ووصفها بأنها قشور لا لب تحتها، وخاصة لقوله " أما المعاني المبتدعة فليس للعرب منها شيء وان اختص بها المحدثون " (3) ، ورد عليه بأمثلة تبين خطاه في هذا الحكم.

حماسة أبي تمام إزاء تقييم إحصائي

ووقف وقفة هامة - وان لم تخل من التهجم - عند حماسة أبي تمام؛ فهاجم شراحها لأنهم لا يهتمون إلا بذكر الإعراب وتفسير الكلمات، والشعر ليس المراد منه ذلك. وأثنى على أبي تمام بأنه كان في اختياره " عارفاً بأسرار الألفاظ والمعاني " إلا انه وجد في الحماسة مواضع لا يرضاها وخاصة في باب الهجاء، ومثل استعمال ألفاظ (زبونات " و " تيحان " و " علي لحيتي " - فاللفظتان الأوليان لو وقعتا في الفرات لصار ملحاً أجاجاً، واللفظة الثالثة من الكلام السخيف؛ وأبو تمام ملوم في إيراد الأبيات التي تندرج فيها هذه الألفاظ وخاصة إذا جاءت في بيت يمكن حذفه

(1) المثل السائر 3: 272.

(2)

المثل السائر 1: 411.

(3)

المثل السائر 2: 59 - 60.

ص: 606

لأنه لا ضرورة له في السياق؛ وقد امتحن هذا الناقد قصيدة من اختيار أبي تمام ترك جانباً منها واثبت جانباً، فرأى ان المتروك يدل على سلامة الذوق لدى أبي تمام الناقد، لان ما أثبته من القصيدة يغني عما تركه، وهو الأجمل في القسمين؛ وتحكمت به ملكة الإحصاء أيضاً هنا، فعد في الحماسة أبياتاً تبلغ خمسمائة بيت، كان نفيها ضرورياً، وكان يريد ان يجمعها ويبين نزولها عن درجة الشعر الذي تضمنته الحماسة لولا انه خاف التطويل (1) .

ولو مضينا نتتبع هجمات ابن الأثير على أصحاب البيان والنقد لسردنا أمثلة عديدة أخرى؛ كان الرجل على قسط غير قللي من حدة الطبع في معالجته للشعر والنثر او في تعليقه على الأشخاص، ولكنه اكثر النقاد إلحاحاً على المعنى وربما كان أوضحهم استعمالاً للطريقة الإحصائية في النقد، وأشدهم جرأة في النقد التطبيقي، لا على البيت المفرد، بل على القصيدة كاملة، وتلك تفرد منهجه النقدي، وهو منهج يشتمل على كثير من المحاذير والأخطار (2) .

تفرد ابن الأثير بسبب ضآلة من حوله

لقد اقترن نقد ابن الأثير بقوة شخصيته فلهذا تميز عمن مارس النقد في هذه الفترة في مصر والشام والعراق، إذ كان أكثر النقاد سواه إما أن يقفوا عند حدود المحاولات الجزئية أو يكتفوا بجمع الشواهد للمصطلح البلاغي، فإن أراد أحدهم التفرد وسع من نطاق ذلك المصطلح. ولهذا يتضح مدى تفرد ابن الأثير بمقارنته بمن حوله؛ وتتميز شجاعته في إبداء

(1) الاستدراك: 18 - 24.

(2)

لعله قد اتضح للقارئ كثير من هذه المحاذير مثل: بخس الصورة حقها، وعدم الاهتمام بالروابط النفسية أو الفنية في القصيدة، وتحكيم الإحصاء فيه لا ينفع فيه الإحصاء وغير ذلك؟.

ص: 607

الرأي الذاتي على نحو ساطع إذا نحن درسناه جنباً إلى جنب مع جهد المظفر ابن الفضل بن يحيى العلوي الحسيني في كتابه " نضرة الاغريض ونصرة القريض ".

صاحب نضرة الاغريض

كان المظفر بن الفضل (- 656)(1) فيما يبدو عراقي النشاة، ذا صلة بالوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، ومن أساتذته مؤدبه الشيخ أبو محمد ابن أبي البركات ابن البقال المقرئ، وهو يروي عنه عام 602؛ وقد ذكر أنه ألف كتاباً آخر سماه " الرسالة العلوية " قصره على الحديث في الفصاحة حاذياً فيه حذو ابن سنان الخفاجي في كتاب " سر الفصاحة ".

سبب تألفيه الكتاب ومنهجه فيه

وكان الداعي إلى تأليفه كتاب " نضرة الاغريض " انه حضر ذات يوم مجلس ابن العلقمي وجرى فيه حديث الشعر، وتباينت الآراء حوله، فطلب إليه الوزير أن يضع كتاباً يبين فيه حدود الشعر وفضله، فامتثل لذلك، وانتهى من الكتاب في سلخ جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وستمائة (642)(2) ، وعنوان الكتاب يدل على أنه دفاع عن الشعر، وقد قسمه مؤلفه في خمسة فصول:

(1)

في وصف الشعر وأحكامه وبيان أحواله وأقسامه (2) فيما يجوز للشاعر استعماله وما لا يجوز (3) في فضل الشعر ومنافعه وتأثيره في القلوب ومواقعه (4) في كشف ما مدح به وذم بسببه وهل تعاطيه اصلح أم رفضه أوفر وارجح (5) فيما يجب أن يتوخاه الشاعر ويجتنبه، ويطرحه ويتطلبه.

(1) انظر الأعلام للزركلي 8: 165.

(2)

كشف الظنون 2: 1959.

ص: 608

ترتيب جديد لما جاء في المصادر السابقة يشبه عمل الرندي

وإذا استثنينا بعض الروايات التي أخذها المؤلف عن أبيه وعن مؤدبه ابن البقال لم نجد في الكتاب سوى ترتيب للروايات المتناقلة، فالمؤلف ينقل عن الرماني، وعن حلية المحاضرة للحاتمي - دون ان يسميه (1) - وعن الجاحظ وابن طباطبا (2) وعن رسالة الصاحب في ذم المتنبي، وعن العمدة لابن رشيق (3) ، ونجد فيه مجالاً لبعض الروايات الأندلسية؛ أما المادة الخارجة عن الآراء المنقولة من هذه المصادر وغيرها فإنها إعادة للقصص والحكايات المتوارثة من أقدم العصور كحكاية أم جندب، وحسان والنابغة في سوق عكاظ، وتلك القصص المتصلة بقيمة الشعر في رفعه لناس وخفضه لآخرين مثل قصة الحطيئة والزبرقان، وبني أنف الناقة وهجاء النجاشي لبني العجلان وغير ذلك مما حفلت به كتب تاريخ الأدب والكتب النقدية وخاصة العمدة النبي من الشعر، وناقش آراء بعض المفسرين في الآية " والشعراء يتبعهم الغاوون "، ولم يأت في مناقشته بشيء جديد.

تعريف الشعر والتفرقة بينه وبين النثر

وبعد أن حدد المؤلف ألفاظه شعر وشاعر، وقريض وقصيدة وقافية عرف الشعر بأنه " عبارة عن ألفاظ منظومة تدل على معان مفهومة وإن شئت قلت: الشعر عبارة عن ألفاظ منضودة تدل على معان مقصودة " وأورد للأصمعي قوله " الشعر ما قل لفظه وسهل ودق معناه ولطف، والذي إذا سمعته ظننت انك تناله فإذا حاولته وجدته بعيداً " وفرق بين النظم والشعر، مستشهداً بموقف أبي العلاء، حين كان يسمي بعض أنواع الشعر المتهافت

(1) ينقل الفصل الخاص بعبد الله بن المعتز وقوته على التشبيه وتبيان منازل التشبيهات (الورقة: 28) .

(2)

راجع الورقة: 90 حيث يتحدث عن كيفية نظم القصيدة.

(3)

ينقل عنه مثلا روايته عن ابتهاج القبيلة بالشاعر (الورقة: 67) .

ص: 609

نظماً. ثم اخذ في الحديث عن البلاغة والإشارة والكناية والتشبيه والتجنيس.. الخ ومما يلفت النظر أن أكثر الأمثلة التي أوردها هنا تنتمي إلى الشعر الجاهلي والإسلامي واقلها مستمد من شعر المحدثين، وليس السر هنا في موقف نقدي معين، وإنما تلك هي طبيعة المصادر التي ينقل عنها، أي أن المؤلف لم يحاول أن يتعب نفسه في استقصاء شواهد جديدة غير الشواهد التي وردت في المصادر القديمة. حتى إذا بلغ إلى الحديث عن السرقات أيد ابن السكيت في قوله إن التوارد ليس مما اتفقت عليه الخواطر وغنما هو سرقة أيضاً. وليس بسبيل عرض الكتاب بحسب فصوله، ولكن لا ريب في أن الكتاب " دفاع عن الشعر " إلا ان المؤلف استعمل في هذا الدفاع أسلحة غيره، وكانت هذه الأسلحة قديمة، حتى إذا تحدث عن العيوب التي يجب ان يتجنبها الشاعر لم نجد لديه أيضاً سوى الايطاء والإقواء؟ الخ، وسوى الامتناع عن الفواتح الرديئة وإيراد ما يتطير منه، والوقوع في التناقض.

افتقار المؤلف إلى التوازن في تأليفه وإلى الجرأة في الحكم

ومن الواضح أن المؤلف يفتقر إلى كثير من التوازن في الإدراك فهو يضع الحث على تجنب السرقة مع " عدم التهكم في الهجاء "، ويجعل التهكم في الهجاء مساوياً للاستبهار في الفواحش، وينهى عن " التشبيهات الكاذبة " إلى جانب نهيه عن " الوحشي المتكلف "(1) ، كما يفتقر إلى شيء ولو قليل من جرأة ابن الأثير، فهو يوهم بأنه يورد رأيا يدل على موقف نقدي، ثم لا يلبث ان يترك هذا الرأي دون توضيح كاف: كذلك فعل حين حدثنا أن قوماً قد خلطوا الصنعة بالنقد والنقد بالصنعة ولم يفرقوا بين المصنوع والصنعة (2) ، ثم أسرع في التخلص من الحديث حول هذه المشكلة؛ وكذلك هو حين تناول موضوع النقد وقرر انه " صناعة لا يعرفها حق معرفتها إلا من دفع إلى مضايق القريض وتجرع غصص اعتياصه

(1) نضرة الاغريض، الورقة 90 - 91.

(2)

نفسه: 7.

ص: 610

عليه وعرف كيف يتقحم مهاويه ويترامى إليه " (1) . ذاهباً بذلك إلى أن الناقد لا يحسن النقد إلا أن يكون ممن جرب الشعر، وهو رأي تردد كثيراً من قبل، ولكن المؤلف لم يزد على ذلك ولم يوضح هذا الموقف. أما مقارنته بين فناء السلطان الدنيوي وخلود الشعر في سياق دفاعه عنه. (امرؤ القيس ذهب هو وأبوه وملكه وأهلوه وغبر شعره وكلامه؛ زال سلطان الاكاسرة والتتابعة وبقي شعر النابغة.. الخ) (2) فإنه يمشي في سياق وما ردده النقاد القدامى عن منزلة الشعر، وانه يرفع ويضع، وانه يؤثر في الأخلاق " فيشجع الجبان ويسمح البخيل ". ومن الكثير أن نحاسب المؤلف هنا على انعدام أي موقف نقدي في كتابه وعلى تبني مواقف الآخرين، وكل ما يمكن ان يقال هنا إن " نضرة الاغريض " من الأسماء الخادعة في تاريخ النقد، وان العلقمي أخطأ حين عهد إلى المظفر العلوي بالتصدي للحديث عن الشعر - وربما لم تكن هذه أكبر غلطات ذلك الوزير - وإذا كان المظفر نموذج النقد في بغداد في القرن السابع، فذلك دليل على أن النقد فيها كان مضمحلاً.

(1) نضرة الاغريض: 49.

(2)

نضرة الاغريض (الفصل الثالث، 64 وما بعدها) .

ص: 611