المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الاتجاهات النقدية في القرن الرابع - تاريخ النقد الأدبي عند العرب

[إحسان عباس]

الفصل: ‌الاتجاهات النقدية في القرن الرابع

‌الاتجاهات النقدية في القرن الرابع

ص: 125

الاتجاهات النقدية في القرن الرابع

أبو تمام - المتنبي - أرسطو، وأثرهم في نقد القرن الرابع

لولا ثلاثة أشخاص كانوا قوى دافعة في توجيه النظرية الشعرية في نقد القرن الرابع، لقدرنا أن يكون حظ ذلك النقد في الاتساع أقل مما أتيح له، ولكن أولئك الأشخاص الثلاثة جعلوا للنقد محوراً ومجالاً، سواء أكان ذلك في الحدود النظرية أو التطبيقية، واضطروا النقاد إلى أن يتعمقوا سبر غور العلاقة بين النظر والتطبيق فيحققوا للنقد شخصية متميزة بعض التميز. أما تلك القوى التي نشير إليها فهي أبو تمام وأرسطو والمتنبي. ولذلك يمكن أن يدرس معظم النقد في القرن الرابع في ثلاثة فصول هي: الصراع النقدي حول أبي تمام، والنقد في علاقته بالثقافة اليونانية، ومعركة النقد التي دارت حول المتنبي.

وقد استعمل النقد في هذه المجالات جميع الوسائل التي ورثها من العصر السابق، ومما قبله من عصور، ولم يطرح منها إلا ما كانت تفرضه مناسبة دون أخرى، ومن الطبيعي أن نجد أبا تمام يشغل النصف الأول من القرن الرابع وأن يقابله المتنبي في النصف الثاني، وأن يظل التمرس بالثقافة اليونانية مستمراً طوال القرن، بل أن يتعداه إلى ما بعده.

ص: 127

محاولات أخرى، وكتب نقدية لم تصلنا

غير أن هذه الصور النقدية الثلاث - وهي أوسع مجالات النقد في القرن الرابع - يجب إلا تحجب عن أنظارنا الجهود النقدية الأخرى: فهناك محاولة أبن طباطبا في " عيار الشعر "، وأكبرها عمقاً، ولكنها تكاد تعتمد اعتماداً كلياً على صفاء الذوق الفني؛ كذلك فإن المبادئ النقدية استخدمت في دراسة الإعجاز القرآني على يد جماعة من غير النقاد فيهم الخطابي والرماني والباقلاني، وذلك مجال آخر حقيق بالدرس والنظر، وكل صورة من هذه الصور النقدية وغيرها تضيق أو تتسع بحسب ما وصلنا من مصادر؛ ولذا فإن البحث في نقد القرن الرابع قد يحظى بمزيد من الخصب حين تستكشف كتب ألفت في الشعر، ولا نعرف عنها شيئاً سوى الأسماء: ذلك من كتاب " المدخل إلى علم الشعر " لمحمد بن الحسن بن يعقوب العطار (- 355) وكتاب " الترجمان في الشعر " للمفجع البصري (- 327)(1) و " كتاب الشعر " لمحمد بن الحسين بن محمد الفارسي أبن أخت أبي علي الفارسي (- 421) وكتاب " خضارة " في نعت الشعر لأبي الحسين أبن فارس (- 295) .

النقد في كتاب الصاحبي

أما ما أورده أبن فارس في كتاب الصاحبي عن الشعر فإنه كرر فيه تعريف قدامة بن جعفر للشعر بأنه " كلام موزون مقفى دال على معنى " ثم زاد على ذلك قوله " ويكون أكثر من بيت " حتى ينفي من الشعر ما جاء موزوناً اتفاقاً؛ ثم ذكر الأسباب التي جعلت النبي منزهاً عن الشعر وفي جملتها أن الشعر يقوم على الكذب، تلك النظرية التي دافع عنها قدامة بقوة. وتحدث

(1) ياقوت 17: 194، ويبدو أن هذا الكتاب يتناول الموضوعات، فقد جاء على حدود وهي: حد الأعراب، حد المديح، حد البخل، حد الحلم والرأي، حد الغزل، حد المال، حد الاغتراب، حد المطايا، حد الخطوب، حد النبات، حد الحيوان، حد الهجاء، حد اللغز وهو آخر الكتاب.

ص: 128

عن ركوب الشعراء للضرورات والجوازات، ومن ملاحظاته التي تستحق التنويه قوله في تفاوت الشعراء " وقد يكون شاعر أشعر وشعر أحلى وأظرف فأما أن تتفاوت الأشعار القديمة حتى يتباعد ما بينها في الجودة فلا "(1) ، وهو يرى أن الاختيار الذي يزاوله الناس إنما هو شهوات، كل يستحسن شيئاً حسب شهوته (2) ؛ والتعبير عن اختلاف الأذواق بالشهوات أمر طريف حقاً، قد يومئ إلى أن أبن فارس - وهو اللغوي الذي يهمه الشعر للاستشهاد - لم يكن يرى أن هناك أشياء تجمع عليها الأذواق المتباينة.

النقد في اختيار الخالدين المسمى الأشباه والنظائر

وقد ذهبت بعض الجهود النقدية في اتجاه عملي، يمثل النقد فيه ناحية ضمنية أو شبه ضمنية وخاصة في كتب الاختيار؛ ومن أهم المختارات العامة حماسة الخالديين التي تسمى " الأشباه والنظائر "، ويمثل هذا الكتاب عودة إلى إبراز روائع الشعر الجاهلي وشعر المخضرمين حين وجد المؤلفان أن إقبال الناس على المحدثين قد طغى على كل ما عداه، وقد رسما لهما منهجاً هو العدول عن شعر المشاهير لكثرتها في أيدي الناس، على أنهما لم يخليا كتابهما من بعض الشعر المحدث، وكان من أهم الشئون النقدية التي وقفا عندها التنبيه إلى المعاني المخترعة والمتبعة، وذكر النظائر والأشباه وتبيان المعنى المسروق (3) ؛ وتعليقات الخالديين تتفاوت بين شرح للمعنى أو التنويه بحسن التشبيه أو حسن التقسيم أو جودة المعنى وأشباه ذلك؛ وهما لا ينتقصان الشعر المحدث، بل يريان أن أشعار المحدثين وتدقيقهم في المعاني أضعاف ما للمتقدمين إلا أن المتقدمين لهم الاختراع وللمحدثين

(1) الصاحبي 275.

(2)

المصدر نفسه.

(3)

الأشباه والنظائر 3: 3.

ص: 129

الاتباع " (1) ويوردان قطعة لمسلم بن الوليد يصف فيها مشي امرأة ثم يعلقان على ذلك بقولهما " لولا أن شرطنا ألا نقدم في هذا الكتاب إلا أشعار المتقدمين ثم نأتي بعد ذلك بالنظائر للمحدثين والمتقدمين لكان سبيلنا أن نجعل هذه الأبيات الأمام في هذا المعنى لجودة ألفاظها وصحة معانيها وإنها واسطة القلادة في هذا المعنى " (2) . ومع إن " الأشباه والنظائر " تشبه " المفضليات " من حيث اعتمادها شعر غير المشاهير، فإنها تختلف عنها وعن حماسة أبي تمام وعن كثير من كتب الاختيارات بوضوح كثير من الأسس النقدية فيها من خلال المفاضلة والمقارنة وإرسال الأحكام والتعليقات، هذا إلى إنها حافلة بتوضيح الجو العام في كثير من القصائد وذلك بإيراد المناسبة التي استدعتها؛ ونظرية السرقات فيها تمثل ما شاع حول هذه النظرية في نقد القرن الرابع وهي أن من أخذ المعنى وزاد فيه وحسن في لفظه كان أحق به من السابق إليه (3) .

النقد في تشبيهات أبن أبي عون

وهناك اختيارات اعتمدت قاعدة صورية لا موضوعية أو جمعت بين الاثنتين جاعلة الأولى هي الأساس المقدم، واعني بذلك كتب التشبيهات وفي طليعتها كتاب أبن أبي عون في هذا الموضوع. ومن الطريف أن أبن أبي عون يرى الشعر قائماً على ثلاثة أنحاء: المثل السائر والاستعارة الغريبة والتشبيه الواقع النادر (4) وإنما خرج عن هذه الأقسام الثلاثة فكلام وسط أو دون طائل فيه ولا فائدة معه، وإن أجل هذه الأنحاء وأصعبها على صانعها التشبيه وذلك أنه لا يقع إلا لمن طال تأمله ولطف حسنه وميز بين

(1) الأشباه والنظائر 1: 171.

(2)

نفسه 1: 206.

(3)

أنظر ج 2: 282.

(4)

التشبيهات: ص 1 - 2.

ص: 130

الأشياء بلطيف فكره (1) ؛ وقد وعد أبن أبي عون أن يتبع كتابه في التشبيهات بكتاب في الاستعارة وكتاب في الأمثال؛ وهذه قسمة للشعر عجيبة، كما أن قول أبن أبي عون أن التشبيه أصعب من الاستعارة أو من المثل السائر، ربما لم يقره الذين يمارسون صنعة الشعر. وقد كثرت العناية بالتشبيه في القرن الرابع وأفردت فيه مؤلفات، منها كتاب لحمزة بن الحسن، وكتاب " روائع التوجيهات في بدائع التشبيهات " لنصر بن يعقوب، الذي ألف أيضاً كتاب " ثمار الأنس في تشبيهات الفرس "(2) ؛ وإن التوفر على التشبيهات في المشرق والمغرب، يدل على أن الاهتمام بالصورة الأدبية، هو الذي أخذ يسيطر على الذوق العام، إلى أن تتضاءل القصيدة في نظر النقاد بحيث تصبح عدداً من الصور المختارة لروعتها.

السرقات في نقد القرن الرابع

وقد شغل النقد في القرن الرابع كثيراً بالكشف عن السرقات؛ وسوف يتضح هذا في النقد الذي دار حول أبي تمام والبحتري والمتنبي؛ غير أن هناك شعراء آخرين ألفت كتب في الحديث عن سرقاتها، ومما وصلنا في هذا الموضوع " سرقات أبي نواس " لمهلهل بن يموت بن المزرع (- 334) ؛ وتذكر المصادر كتاباً عاماً في السرقات لجعفر بن محمد أبن حمدان الموصلي (- 323) ، يقول أبن النديم؛ ولم يتمه، ولو أتمه لاستغنى الناس عن كل كتاب في معناه (3) . ولعل التأليف في السرقات يربو على المؤلفات في أي موضوع آخر.

وسنتحدث في الصفحات التالية عن أهم الظواهر النقدية في القرن الرابع،

(1) التشبيهات: 2.

(2)

اليتيمة 4: 389 - 390.

(3)

الفهرست.

ص: 131

مع ملاحظة الناحية الزمنية في كل مبحث على حدة، بقدر المستطاع، على أن نذكر أن النقد المتأثر بالثقافة اليونانية كان من أقل التيارات ظهوراً في مجال التطبيق لأمور تتبين أثناء العرض المسهب لذلك الاتجاه، في موضوعه من هذه الدراسة.

ص: 132

اعتماد الذوق الفني في إنشاء نظرية شعرية

(عيار الشعر لابن طباطبا - 322)

لمحة عن ابن طباطبا

عاش الشاعر أبو الحسن محمد بن احمد بن طباطبا (1) بأصبهان وتوفي فيها، وله كتب ألفها في الأشعار والآداب أشهرها " عيار الشعر "، وهو من الكتب التي لفتت إليها التوحيدي فأكثر من النقل عنه في البصائر وفي " المنتزع "، كما تأثر به آخرون من بعد، وفي الرد عليه ألف الآمدي:" نقض عيار الشعر "(2) ، وقد نعده في تاريخ النقد الأدبي حلقة متممة لما جاء به ابن قتيبة. إذ يبدو انه أطلع على مقدمة " الشعر والشعراء " وأفاد من الأحكام والنظرات التي وردت فيها، وكانت لديه أثارة من ثقافة فلسفية أو اعتزالية أفادته في تعميق نظرته عامة وإن لم تلهمه أحكاماً بعينها، كما أنها لم تمنح كتابه أتساقاً في التبويب والتأليف، ولذلك جاء مقالة استطرادية في النقد معتمدة على صفاء الذوق الفني دون سواه.

(1) انظر ترجمته في ياقوت 17: 143 والوافي 2: 79 ومعجم الشعراء للمرزباني: 427 والفهرست: 136.

(2)

أشار محققا الكتاب إلى تأثره بابن قتيبة (انظر المقدمة: ط) .

ص: 133

تعريف الشعر عند أبن طباطبا

يعرف ابن طباطبا الشعر بأنه " كلام منظوم " وإن الفرق بينه وبين النثر إنما يكمن في النظم، وإن نظمه معلوم محدود، ويجب أن نقر بأن هذا التعرف على قصوره لم يتعرض لذكر التقفية التي سيتعرض لها قدامة بقوة، ولكنه يشارك تعريف قدامة في النص على أن الشاعر مستغن عن العروض، إذا كان صحيح الطبع والذوق.

ثم يتناول - كما تناول ابن قتيبة قبله - ثقافة الشاعر فينص على ضرورة " التوسع في علم اللغة والبراعة في فهم الأعراب والرواية لفنون الآداب والمعرفة بأيام الناس وأنسابهم ومناقبهم ومثالبهم والوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر والتصرف في معانيه، في كل فن قالته العرب فيه؟ الخ "(1) .

اتباع السنة العربية في الشعر

اتباع " السنة " أو الموروث هو معتمد ابن طباطبا في النقد، وهو على تضييقه في هذه الاتباعية ينفذ إلى أغوار عميقة توضح انه لا يرى الشعر شيئاً منفصلاً عن البيئة والمثل الأخلاقية وإن لم يستطع أن يطبق على معاصريه قانون " تغير البيئات والأزمنة ". فللعرب طريقة في التشبيه مستمدة من بيئتهم لان " صحونهم البوادي وسقوفهم السماء، فليست تعدو على أوصافهم ما رواه منها وفيها. وفي كل واحدة منها في فصول الزمان على اختلافها من شتاء وربيع وصيف وخريف؛ من ماء وهواء ونار وجبل ونبات وحيوان وجماد وناطق وصامت ومتحرك وساكن. وكل متولد من وقت نشوئه وفي حال نموه إلى حال انتهاءه "(2) . وقبل أن يسرع الشاعر إلى رد بعض تشبيهاتهم، عليه ان يتفحصها مفتشاً عن معناها " فأنهم أدق طبعاً من أن

(1) عيار الشعر: 4.

(2)

نفسه: 10.

ص: 134

يلفظوا بكلام لا معنى تحته " فإذا استبان ذلك لطف موقعه لديه (1) . وللعرب مثل عليا هي متكأهم في المدح والهجاء " منها في الحلق: الجمال والبسطة، ومنها في الخلق: السخاء والشجاعة والحلم والحزم والعزم والوفاء والعفاف والبر والعقل والأمانة؟.. " (2) فهذه مما يمدح به كما إن أضدادها تصبح موضوعاً للهجاء. على ان هناك حالات تؤكد هذه المثل، فالجود في حال العسر أهم من مجرد الجود، والبخل من الواجد القانع أشنع، وهكذا تتخذ هذه المثل نفسها مراتب متفاوتة تتشعب منها فنون من القول وصنوف من التشبيهات، وما من شك في أننا هنا نقترب اقتراباً شديداً من نظرية قدامة في هذا الصدد. كما سنبين ذلك في موضعه، ولكن يبدو أن كلاً من الناقدين كان يعمل على حدة دون أن يتأثر أحدهما برأي الآخر أو يسمع به.

للعرب إذن طريقة خاصة في التشبيه من وحي بيئتهم ولهم مقاييس يعتمدونها في المدح والذم؛ ولهم أيضاً سنن من معتقدات لا تفهم معانيها إلا بالتحصيل، وهي أشبه بالمنجم الأسطوري الذي لا بد للشاعر أن يغترف منه عند الحاجة، كسقيهم العاشق للماء على خرزة تسمى السلوان، وكضربهم الثور إذا امتنعت البقر عن الماء، وكحذف الصبي منهم سنه إذا سقطت في عين الشمس، وغير ذلك (3) ، وكل ذلك يمثل " السنة " الكبرى التي يجدر بالشاعر ان يثقفها ليجيء شعره كأشعارهم.

(1) عيار الشعر: 11.

(2)

نفسه: 12.

(3)

انظر عيار الشعر 32 - 40.

ص: 135

الشعر نتاج الوعي المطلق

غير أن هذا الالتزام بالسنة - لدى ابن طباطبا - لا يعدو مرحلة الاستعداد والتثقيف والدرس والتحصيل، لأنه لا يلبث عند الخوض في طريقة بناء الشعر أن يقضي قضاء مبرماً على ما سماه النقاد بشعر الطبع عند العرب، وان يعتمد صنعة جديدة المضمون والطريقة في النظم، وتعد نظرته هذه ابتعادا صارخاً عن مفهوم " الغريزة " إذ يصبح الشعر لديه " جيشان فكر " - قائماً على الوعي التام المطلق، خاضعاً للتفقد في اللفظة بعد اللفظة والشطر بعد الشطر والبيت أثر البيت، فهو لا يعترف بطاقة تنظم السياق أو انفعال يبعث تدافع القول، وإنما القصيدة لديه كالرسالة تقوم على معنى في الفكر، فإذا أراد الشاعر نظماً وضع المعنى في فكره نثراً ثم أخذ في صياغته بألفاظ مطابقة، وقد تأتيه أبيات غير متناسقة فيأخذ في تنسيها حتى تطرد وتنتظم، فإذا وجد موضعاً يحتاج بيتاً لاستكمال السياق نظمه وأدرجه في موضعه، فإذا انتهت القصيدة عاد عليها يحاكم ألفاظها فاستغنى عن كل لفظة مستكرهة ووضع بدلها لفظة سهلة نقية، " وغن اتفقت له قافية قد شغلها في معنى من المعاني واتفق له معنى آخر مضاد للمعنى الأول وكانت تلك القافية أوقع في المعنى الثاني منها في المعنى الأول، نقلها إلى المعنى المختار الذي هو احسن، وأبطل ذلك البيت أو نقض بعضه وطلب لمعناه قافية تشاكله "(1)، ويقول أيضاً في موضع آخر من كتابه:" وينبغي للشاعر أن يتأمل شعره وتنسيق أبياته ويقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينها لتنتظم معانيها له ويتصل كلامه فيها ولا يجعل ما قد ابتدأ وصفه أو بين تمامه فصلاً من حشو ليس من جنس ما هو فيه؟ كما انه يحترز من ذلك في كل بيت. فلا يباعد كلمة عن أختها ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها. ويتفقد كل مصراع. هل يشاكل ما قبله؟ "(2) .

(1) عيار الشعر: 5.

(2)

عيار الشعر: 124.

ص: 136

تضاؤل المسافة بين القصيدة والرسالة

لقد كان من الممكن لدى بعض النقاد السابقين أن تتخذ بعض قواعد البلاغة الخطابية مقاييس للشعر، أما ابن طباطبا فمحا الفروق بين القصيدة والرسالة النثرية في البناء والتدرج واتصال " الأفكار ":" إن للشعر فصولاً فصول الرسائل فيحتاج الشاعر إلى ان يصل كلامه على تصرفه في فنونه صلة لطيفة فيتخلص من الغزل إلى المديح، ومن المديح إلى الشكوى، ومن الشكوى إلى الاستماحة؟ بلا انفصال للمعنى الثاني عما قبله "(1) . وقطع القول الفصل ان: " الشعر رسائل معقودة والرسائل شعر محلول "(2)، ولكن يظل هناك فرق بين القصيدة والرسالة: فقد يجوز في الرسالة ان يبنى فيها كل فصل قائماً بنفسه، أما القصيدة فلا يجوز فيها ذلك بل يجب أن تكون كلها " ككلمة واحدة، في انتباه أولها بآخرها نسجاً وحسناً وفصاحة وجزالة ألفاظ ودقة معان وصواب تأليف "(3) . غير أن هذا ليس فرقاً بين كل قصيدة وكل رسالة وغنما هو فرق بين القصيدة ونوع معين من الرسائل لا تعتمد فيه وحدة البناء. ومن ثم يضع ابن طباطبا معياراً للشعر المحكم المتقن وذلك انه إذا نقض بناؤه وجعل نثراً لم تبطل فيه جودة المعنى ولم تفقد جزالة اللفظ (4) .

(1) عيار الشعر: 6.

(2)

نفسه: 78.

(3)

نفسه: 126.

(4)

نفسه: 7.

ص: 137

الوحدة في القصيدة وحدة بناء

ومن هذا يتضح ان القصيدة قد تتعدد موضوعاتها، وان الوحدة فيها قد تكون وحدة بناء وحسب، فتلك هي الغاية الكبرى من هذا التدقيق في التوالي والتدرج وإقامة العلاقات بين الاجزاء. والصورة الصناعية لا تفارق خيال ابن طباطبا في عمل الشعر، فالشاعر تارة كالنساج الحاذق (1) ، وتارة كالنقاش الرقيق الذي " يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان " وتارة هو كناظم الجوهر يؤلف بين النفيس الرائق ولا يشين عقوده برص الجواهر المتفاوتة نظماً وتنسيقاً (2) . ومن ثم تصور ابن طباطبا الوحدة في العمل الفني كالسبيكة المفرغة من جميع أصناف المعادن (3) ، حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغاً؟ لا تناقض في معانيها ولا وهي في مبانيها ولا تكلف في نسجها (4) - صنعة خالصة لا تنبعث فيها حركة من نمو ولا تمازجها حياة عضوية، تلك هي صورة " الوحدة " عند هذا الناقد الذي لا يعرف إلا التأني العقلي الواعي في التقدير والرصف.

مأزق الشعر المحدث، هو السر في اختيار هذه الطريق

هل كان هذا وليد طريقة ذاتية في الشعر؟ هل كان فهماً خاصاً لما أثر عن " عبيد الشعر " امثال زهير والخطيئة من تفضيل الحولي المحكك؟ أكبر الظن انه كان تعبيراً عن أزمة الشاعر المحدث، الذي كان في رأي ابن طباطبا في محنة: " والمحنة على شعراء زماننا في أشعارهم أشد منها على من كان قبلهم لأنهم قد سبقوا إلى كل معنى بديع ولفظ فصيح وحيلة لطيفة وخلابة ساحرة، فإن أتوا بما قصر عن معاني

(1) عيار الشعر: 5.

(2)

نفسه: 5 - 6.

(3)

نفسه: 10.

(4)

نفسه: 126 - 127.

ص: 138

أولئك ولا يربي عليها لم يتلق بالقبول وكان كالمطروح المملول " (1) ، فإذا شاء هذا الشاعر المحدث أن يأتي بما يحظى بالقبول كان لابد له من التدقيق في الصنعة أضعاف ما كان يمارسه منها الشاعر القديم.

قلة المعاني لدى الشاعر المحدث وطريقته في تحصيلها

ومن ىمن بان مجال المعاني قد ضاق على الشاعر المحدث فلا بد له من قانون للأخذ والسرقة، وقانون ابن طباطبا شبيه بما ذكرنا عن غيره من النقاد في القرن الثالث:" وإذا تناول الشاعر المعاني التي قد سبق إليها فأبرزها في أحسن من الكسوة التي عليها لم يعب بل وجب له فضل لطفه وإحسانه فيه "(2) . كيف يمكن للشاعر أن يأخذ المعنى من غيره بحيث يخفى أخذه على النقاد؟ إن من يعلم الشاعر كيف يصنع قصيدته بيتاً بيتاً بل كلمة كلمة لابد له من ان يعلمه طريقة من السرقة لا يناله فيها الحد: على الشاعر ان يستعمل " المعاني المأخوذة في غير الجنس الذي تناولها منه، فإذا وجد معنى لطيفاً في تشبيب أو غزل استعمله في المديح، وغن وجده في المديح استعمله في الهجاء، وغن وجده في وصف ناقة او فرس استعمله في وصف الإنسان، وغن وجده في وصف الإنسان استعمله في وصف بهيمة، فإن عكس المعاني على اختلاف وجوهها غير متعذر على من احسن عكسها واستعمالها في الأبواب التي لا يحتاج إليها، وإن وجد المعنى اللطيف في المنثور من الكلام أو في الخطب والرسائل فتناوله وجعله شعراً كان أخفى واحسن "(3) . وتعود صورة الجوهري الصائغ إلى ذهن ابن طباطبا فيشبه هذا الأخذ بعمل الصائغ الذي يذيب الحجر الكريم ويعيد صياغته بأحسن مما كان عليه " فإذا أبرز الصائغ ما صاغه في غير الهيئة

(1) عيار الشعر: 9.

(2)

نفسه: 76.

(3)

نفسه: 77 - 78.

ص: 139

التي عهد عليها واظهر الصباغ ما صبغه على غير الذي عهد قبل، التبس الأمر في المصوغ وفي المصبوغ.. " (1) .

صورة العلاقة بين اللفظ والمعنى

وقد يقف النقد المعاصر موقف المخالفة الصريحة والمباينة التامة لرأي ابن طباطبا هذا، ولكنه لابد ان يكبر فيه - من هذه الناحية - شيئين: أولهما هذا التصور الذي لا يختل أبداً لصورة القصيدة في نفسه، وثانيهما هذا الإلحاح الشديد على نوع من الوحدة لا نجده كثيراً عند غيره من النقاد. وحين قلنا إنها وحدة لا تنبعث فيها حركة من نمو كنا نشير إلى هذا المجاز " المعدني " أو " الصباغي " الذي قد استولى على خياله، حتى اضعف لديه صورة مجاز آخر قائم على الحياة النابضة. وذلك هو تصوره للعلاقة بين المعنى واللفظ في القصيدة على نحو العلاقة بين الروح والجسد، وهو ينسب هذا الرأي لبعض الحكماء:" والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روح فيه كما قال بعض الحكماء: الكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه "(2) وذلك تصور يجعل الصلة بين اللفظ والمعنى عند ابن طباطبا أوضح مما رسمه ابن قتيبة، على أنه ربما لم يقتصر في العلاقة بينهما على الوجوه الأربعة التي عدها القتبي، لأنه لا يريد ان يلتزم بقسمة منطقية. فهناك أشعار مستوفاة المعاني سلسلة الألفاظ، وأشعار غثة الألفاظ باردة المعنى، وأشعار حسنة الألفاظ واهية تحصيلاً ومعنى، وأشعار صحيحة المعنى رثة الصياغة، وأشعار بارعة المعنى قد أبرزت في أحسن معرض وأبهى كسوة وارق لفظ، وأشعار مستكرهة الألفاظ قلقة القوافي رديئة النسج (دون إشارة ما تتضمنه من المعاني) ، مما يشير إلى أن ابن طباطبا يصدر في حديثه عن مستويات مختلفة، وعن تذوق خالص لا علاقة له بالتقسيم المنطقي.

(1) عيار الشعر: 78.

(2)

نفسه: 11، 121.

ص: 140

تأثير الشعر - كنظمه - عميل عقلي خالص عن طريق جمال " الاعتدال "

ولما كان ينظم الشعر في رأي ابن طباطبا عملاً عقلياً خالصاً، كان تأثير الشعر عقلياً كذلك، لأنه مقصود بمخاطبة الفهم، ووسيلته إلى هذه المخاطبة هي " الجمال " أو الحسن، والسر في كل جمال الاعتدال كما أن علة القبح هي الاضطراب، ولذلك لا يتحقق جمال الشعر إلا بالاعتدال - أي الانسجام - القائم بين صحة الوزن وصحة المعنى وعذوبة اللفظ، فإذا تم له ذلك كان قبول الفهم له كاملاً، فإذا نقص من اعتداله شيء أنكر الفهم منه بقدر ذلك النقصان، والفهم هو القوة التي تجد في الشعر " لذة "، مثلما ان كل حاسة تلتذ بما يليها وتتقبل ما يتصل بها:" فالعين تالف المرأى الحسن وتقذى بالمرأى القبيح الكريه، والأنف يقبل المشم الطيب ويتأذى بالمنتن الخبيث، والفم يلتذ بالمذاق الحلو ويمج البشع المر؟ الخ "(1) ؛ ها هنا موقف لابد من ان يستوقفنا في تاريخ النقل العربي، وهو الإلحاح على فكرة المتعة المترتبة على الجمال في الشعر، وتعريف العلة الجمالية بأنها " الاعتدال " دون أي عامل آخر، حتى لقد نعد ابن طباطبا واحداً من النقاد الجماليين في هذا الموقف، ولكن سرعان ما تصبح هذه المتعة نفسها وسيلة أخلاقية لان الحالة اللذية التي يقع فيها المتلقي تتجاوز فادتها حد الاستمتاع بالجمال، إذ تصبح في نفاذها إلى " الفهم " كقوة السحر، ويكون اثر الشعر الجميل عندئذ أن يسل السخائم ويحلل العقد ويسخي الشحيح ويشجع الجبان (2) ، ومع ان الناقد يربط بين الغايتين اللذية والأخلاقية فانه اكثر جنوحاً إلى تأكيد المتعة الجمالية الخالصة، لأنها هي التي تتحقق في " الفهم " أولاً (3) .

(1) عيار الشعر:14 وانظر أيضاً الصفحة التالية.

(2)

عيار الشعر: 16.

(3)

قد يقال أن " الفهم " مصطلح يتحمل التوجيه بحسب رأي الأقدمين لأنه قوة من قوى " النفس " ولكن ابن طباطبا واضح في هذا الموقف، إذ يشبه حال الفهم أمام الشعر بحال من يستمع إلى الغناء، فالمستمع الذي يفهم المعنى واللف مع اللحن طرباً من الذي يقتصر على طيب اللحن وحده (عيار الشعر: 15) .

ص: 141

الصدق - يسبب الاتجاه العقلي - أساس الشعر

وما دام الفهم هو منبع الشعر ومصبه، فلا غرابة أن يجعل ابن طباطبا عنصر " الصدق " أهم عناصر الشعر وأكبر مزاياه؛ لان هذا الصدق صنو للاعتدال الجمالي في حرم الفهم:" والفهم يأنس من الكلام بالعدل الصواب الحق؟. ويستوحش من الكلام الجائر الخطأ الباطل "(1) ، فالجمال والحق (أو الصدق) مترادفان هنا في الدلالة، فهذا الصدق يعني السلامة التامة من " الخطأ " في اللفظ و " الجور " في التركيب و " البطلان " في المعنى، أي هو أن يتمتع الشعر بالاعتدال بين هذه العناصر جميعاً، فإذا هو بسبب هذا الصدق شيء جميل، لان " ميزان الصواب " قبل ما فيه من لفظ ومعنى وتركيب.

ضروب الصدق ومواطنه في الشعر وأزمة الشاعر المحدث بالنسبة للصدق

ذلك هو الصدق في محمله العام، ولكنه لابد من أن يتحقق أيضاً في الفنان نفسه وفي بعض عناصر العمل الفني، ولهذا كانت لفظة الصدق متفاوتة الدلالة عند ابن طباطبا:

(1)

فهناك الصدق عن ذات النفس بكشف المعاني المختلجة فيها والتصريح بما يكتم منها والاعتراف بالحق في جميعها (2) ، وهذا يشبه ما نسميه " الصدق الفني " أو " إخلاص " الفنان في التعبير عن تجربته الذاتية.

(2)

وهناك صدق التجربة الإنسانية عامة وهذا يتمثل في قبول الفهم للحكمة " لصدق القول فيها وما أتت به التجارب منها "(3)

(1) عيار الشعر: 14.

(2)

عيار الشعر: 15 - 16.

(3)

نفسه: 120.

ص: 142

(3)

وهناك الصدق التاريخي، وذلك يتمثل عند " اقتصاص خبر أو حكاية كلام "، وهنا يجيز ابن طباطبا للشاعر إذا اضطر ان يزيد أو ينقص على شرط أن تكون " الزيادة والنقصان يسيرين غير مخدجين لما يستعان بهما وتكون الألفاظ المزيدة غير خارجة من جنس ما يقتضيه، بل تكون مؤيدة له وزائدة في رونقه وحسنه "(1) .

(4)

ونوع رابع من الصدق قد ندعوه " الصدق الأخلاقي " وهو ما لا مدخل فيه للكذب بنسبة الكرم إلى البخيل او نسبة الجبن إلى الشجاع، وإنما هو نقل للحقيقة الأخلاقية على حالها، وهذا يتبين في المدح والهجاء كما يتبين في غيرهما من الفنون، وهو موقف يذكرنا بثناء عمر (رض) على زهير وانه كان يمدح الرجل بما فيه، ولكن من المدهش أن نجد سذاجة ابن طباطبا او مثاليته ترى في كل الشعر قبل عصر المحدثين ما رآه عمر في زهير: " ومع هذا فان من كان قبلنا في الجاهلية الجهلاء وفي صدر الإسلام من الشعراء كانوا يؤسسون أشعارهم في المعاني التي ركبوها على القصد للصدق فيها مديحاً وهجاء وافتخاراً ووصفاً وترغيباً وترهيباً إلا ما قد احتمل الكذب فيه في حكم الشعر من الإغراق في الوصف والإفراط في التشبيه وكان مجرى ما يوردونه مجرى القصص الحق والمخاطبات بالصدق

" (2) . أما المحدثون فلم يعودوا يستطيعون هذا النوع من الصدق، ولذلك أصبح تقدير شعرهم إنما ينصرف إلى معانيهم المبتكرة وألفاظهم المنتظمة ونوادرهم المضحكة. والأناقة العامة التي تمازج أشعارهم " دون حقائق ما يشتمل عليه المديح والهجاء وسائر الفنون التي يصرفون القول فيها " (3) . ومثل

(1) عيار الشعر: 43.

(2)

عيار الشعر: 9.

(3)

المصدر نفسه.

ص: 143

هذا التصور يفسر لنا لم كانت " السنة " العربية في الشعر تملك لب ابن طباطبا، ذلك لأنه لم يكن يرى المثل الأعلى الفني في تلك السنة وحسب، بل لأنها كانت في تصوره مثالاً أخلاقياً كذلك.

(5)

أما النوع الخامس من الصدق فهو الصدق التصويري أو ما يسميه ابن طباطبا " صدق التشبيه " وهو ينص عليه في غير موطن من كتابه؛ على الشاعر أن " يتعمد الصدق والوفق في تشبيهاته "(1) ، وأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقض بل يكون كل شبه بصاحبه مثل صاحبه ويكون صاحبه مثله مشتبهاً به صورة ومعنى (2)، وللتشابه أنحاء: منها الصورة والهيئة والمعنى والحركة واللون والصوت، فكلما زاد عدد هذه الأنحاء في التشبيه " قوي التشبيه وتأكد الصدق فيه " (3) ومن التشبيهات التي أجمعت فيها الصورة واللون والحركة والهيئة قول ذي الرمة:

ما بال عينك منها الدمع ينسكب

كأنه من كلى مفرية سرب

وفراء غرفية أثاى خوارزها

مشلشل ضيعته بينها الكتب فما كان من التشبيه صادقاً قلت في وصفه " كأنه " أو قلت " ككذا " وما قارب الصدق قلت فيه: تراه أو تخاله أو يكاد (4) ، فإذا خرج الشاعر عن الصدق انتقل إلى الغلو والإفراط، وذلك عيب. ومتى تضمن الشعر صفات صادقة وتشبيهات موافقة وأمثالاً مطابقة تصاب حقائقها ارتاحت غليه النفس وقبله الفهم (5) . فإذا توفرت للشعر

(1) عيار الشعر: 6.

(2)

نفسه: 7.

(3)

نفسه: 17.

(4)

نفسه: 23.

(5)

نفسه: 120 - 121.

ص: 144

أنواع الصدق، وتوفر للشاعر صدق التجربة جاء شعراً جميلاً معتدلاً مؤثراً، هكذا يجب ان " ينسق الكلام صدقاً لا كذب فيه وحقيقة لا مجاز معها فلسفياً "(1) .

جور مذهب ابن طباطبا على قوة الخيال والتشخيص في الشعر

ولا يتضح لنا كم كان التزام ابن طباطبا بالحقيقة شديد الجناية على النقد إلا إذا نحن قرأنا بعض الشواهد التطبيقية لديه. فهو يعيب قول المثقب العبدي على لسان ناقته:

تقول وقد درأت لها وضيني

أهذا دينه أبداً وديني

أكل الدهر حل وارتحال

أما يبقي علي ولا يقيني لأن الحكاية عن ناقته من المجاز المباعد للحقيقة. ثم يعد من الإيماء المشكل قول الشاعر:

أومت بكفيها من الهودج

لولاك هذا العام لم أحجج

أنت إلى مكة أخرجتني

حباً ولولا أنت لم اخرج فهذا إفراط لان " الإيماء " لا يتحمل كل هذه المعاني التي قالتها.

تلخيص عام لموقفه النقدي

ولكن ذلك هو ابن طباطبا في نقده، يرى اتباع السنة حيث أمكن ذلك أمراً لازماً. وينفي الفرق بين القصيدة والرسالة إلا في النظم ويتصور الوحدة في القصيدة وحدة مبنى قائم على تسلسل المعاني والموضوعات. بحيث تكون " العملية " الشعرية عملاً عقلياً واعياً تمام الوعي. ويعتبر التأثير الآتي من قبل الجمال - وهو الاعتدال - تأثيراً في الفهم على شكل

(1) عيار الشعر: 128.

ص: 145

لذة كاللذة التي تجدها الحواس المختلفة في مدركاتها، وإذا كان الاعتدال ميزة للجمال في الكيان الكلي، فان الصدق - على اختلاف مفهوماته - هو الذي يهيئ الفهم لقبول المحتوى والتجربة؛ ذلك موقف نقدي فيه شذوذ حتى على بعض مفهومات النقد المعاصرة حينئذ. إلا أنه موقف متكامل، وفي تكامله سر انفراده، بين سائر المحاولات النقدية.

ص: 146

2 -

الصراع النقدي حول أبي تمام

أبو تمام لدى نقاد القرن السابق

كانت الظاهرة التي يمثلها أبو تمام في الشعر قد شغلت النقاد والمتذوقين في القرن الثالث، ثم ورثها نقاد القرن الرابع وأمعنوا فيها، وقد مر بنا كيف ألف فيه أبن المعتز (- 296) رسالة مستقلة، ويتضح مما جاء فيها انقسام الناس إزاءه - في دور مبكر - في فريقين، حتى جعل أبن المعتز أسباب التحامل عليه لجاجاً في الخصومة التي اضطلع بها من ينفرون من طريقته، لأفراط الذين يقدمونه ويتعصبون له (1) . ومن قبله كشف أحمد بن أبي طاهر (- 280) بعض المعاني التي سرقها أبو تمام من غيره (2) ؛ هذا في باب التأليف، أما الخصومة الشفوية حوله فقد كانت واسعة النطاق، ولم تسكن نائرتها في القرن الرابع، بل لعلها ازدادت في النصف الأول منه حدة، كما أن حركة التأليف في الانتصار له أو في تبيان عيوبه قد اتسعت؛ وكان الجانب الأكبر من جهد نقاد القرن الثالث في مجالسهم وفي ما كتبوه عنه يميل إلى إبراز عيوبه؛ وقد تحددت تلك العيوب في سرقته لبعض المعاني

(1) الموشح: 470.

(2)

راجع الموازنة 1: 110 - 129.

ص: 147

وفي تعسفه للاستعارة وبعض وجوه البديع الأخرى وفي الابتداءات البشعة وفي استعماله لألفاظ وحشية غريبة وفي استغلاق بعض معانيه، وهذه هي أهم المظاهر التي تناولها بالتفصيل أيضاً نقاد القرن الرابع.

رسالة أبن عمار القطريلي في أخطاء أبي تمام

فكتب أحمد بن عبيد الله بن عمار القطريلي (- 319)(1) رسالة يبين فيها أخطاءه في الألفاظ والمعاني، وأبن عمار هو صديق أبن الرومي، وكان هذا الشاعر يلقبه " العزير " لكثرة تسخطه على ما تجيء به الأقدار، إذ كان محارفاً في الرزق، ويقول أبن النديم أنه توكل للقاسم بن عبيد الله ولوالده وصحب أبا عبد الله محمد بن الجراح؛ وله عدة مؤلفات منها مما يتصل بالنقد كتاب في تفضيل أبن الرومي وكتاب في مثالب أبي نواس، وأنفرد الآمدي بذكر مؤلفه في أبي تمام (2) ، ووصفه بالتحامل على أبي تمام وأنه طعن فيما لا يطعن عليه، وأحتج بما لا تقوم به حجة؛ ويؤخذ من بعض الأمثلة التي أوردها الآمدي أن أبن عمار كان يورد البيت من شعر أبي تمام دون أن يدل على وجه العيب فيه، فقد أورد قوله:

رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه

بكفيك ما مريت في أنه برد ثم اكتفى بأن علق على البيت بقوله: هذا الذي أضحك الناس منذ سمعوه إلى هذا الوقت (3) ؛ وإذا كان الآمدي قد وصف أبن عمار بالإسراف

(1) أنظر ترجمته في الفهرست: 148 وتاريخ بغداد 4: 252 ومعجم الأدباء 3: 232 والوافي ج 7 الورقة: 83 وقد اختلف في وفاته فذكر الخطيب وياقوت أنه توفي سنة 314، ونقل عن معجم المرزباني أنه توفي سنة 310، وأثبتنا ما أورده صاحب الفهرست.

(2)

الموازنة 1: 135.

(3)

الموازنة: 1: 138.

ص: 148

فحسبنا هذا، لأن الآمدي نفسه لم يكن ممن يقدمون أبا تمام أو يتعصبون له، وموقف أبن عمار هذا مرده إلى الاحتكام للهوى، فقد كان على صداقته لأبن الرومي يعيب شعره ويحمل عليه بشدة، فلما مات أبن الرومي ألف كتاباً في تفضيله وبيان محاسن شعره؛ ومثل هذا الناقد لا يصاب في رأيه من قبل المقدرة على الحكم المصيب وإنما يصاب من قبل العناد والذهاب مع حب المخالفة، وإلا فإن الآراء النقدية التي وصلتنا لأبن عمار - في غير أبي تمام - تدل على قوة النفس ونفاذ في البصر ووضع للحسنة إلى جانب السيئة كقوله في بشار:" بشار أستاذ المحدثين الذي عنه أخذوا ومن بحره اغترفوا وأثره اقتفوا، يأتي من الخطأ والإحالة بما يفوت الإحصاء مع براعته في الشعر والخطب؟ "(1) ؛ وقوله في أبي العتاهية: " كان أبو العتاهية من سوقة الناس وعامتهم، وكان طبعه وقريحته أكثر من أضعاف ما أكتسبه من أدبه واقتناه من علمه، إذ كان في شبيبته بألف أهل التواضع حتى عوتب في ذلك، وقيل أنه كان يحتمل زاملة المخنثين، فقيل له: مثلك يضع نفسه هذا الموضع؟ فقال: أريد أن أتعلم كيادهم وأتحفظ كلامهم، وذلك بين في شعره سيما في النسيب؟ "(2) ، فإن من يضع حسنات بشار إلى جانب سيئاته ومن يلمح أثر الطبقة الاجتماعية في شعر أحد الناس، لا يعد ناقداً سطحياً، يذهب مع التأثر الأول والانطباع السريع.

انتصار الصولي لأبي تمام

وكان موقف بي بكر محمد بن يحيى الصولي (- 335) رداً على أمثال أبن عمار ممن حاولوا أن يغمطوا أبا تمام حسناته، فكتب أخبار أبي تمام، وصدره برسالة إلى مزاحم بن فاتك بين الأسباب التي دعته إلى ذلك، وهو يشكو في رسالته تسور المثقفين من أبناء عصره على ما لا يحسنون، بأدنى طلب وقل حظ من ثقافة، ويعتذر عن العلماء الذين يستشهد أحياناً

(1) الموشح: 390.

(2)

الموشح: 403.

ص: 149

بصدوفهم عن الشعر المحدث بقوله إن هذا الشعر لم يذلله النقد والرواية، أما الصنف الآخر الذي يعيب أبا تمام فإنهم يفعلون ذلك طلباً للشهرة، أتباعاً لقول من قال:" خالف تذكر "(1) ، وقدم أمثلة مما يعيبونه عليه، ومن ذلك قوله في قصيدة فتح عمورية:

تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت

أعمارهم قبل نضج التين والعنب وهو مما عابه أيضاً أبن المعتز من قبل فقال: " وقد سبق الناس إلى عيب هذا البيت قبلي وهو خسيس الكلام "(2) ، فدافع عن هذا البيت بأنه إن كان ذكر التين والعنب مما لا يرد في الشعر فقد ورد في شعر أبن قيس الرقيات وغيره، وإن لهذا البيت صلة بما قاله الروم:" أن هؤلاء (يعني جيش المعتصم) إن أقاموا إلى زمان التين والعنب لا يفلت منهم أحد "(3)، ثم عقب على ذلك بقوله:" ولو وهم أبو تمام في بعض شعره أو قصر في شيء لما كان ذلك مستحقاً أن يبطل إحسانه، كما أنه قد عاب العلماء على امرئ القيس ومن دونه من الشعراء القدماء والمحدثين أشياء كثيرة أخطأوا الوصف فيها؟ فما سقطت بذلك مراتبهم، فكيف خص أبو تمام وحده بذلك لولا شدة التعصب وغلبة الجهل؟ "(4) .

الصولي يستنكر إبراز العيوب وإغفال الحسنات

ومجمل رأي الصولي أن النقد لا يكون بإبراز بعض العيوب والتشهير بالشاعر من أجلها وإغفال ما له من حسنات كثيرة إزاءها؛ فكيف إذا كانت تلك العيوب مجتبلة، ونسبة التقصير إلى الشاعر مفتعلة؛ أبو تمام - في رأي الصولي - مؤسس مذهب سلكه كل محسن بعده فعائبه يكشف عن جهله وحقارة منزله: " وقد كان الشعراء قبل أبي تمام يبدعون في البيت

(1) أخبار أبي تمام: 28.

(2)

الموشح: 472، هذا وأبن المعتز ممن يروي عنهم الصولي شيئاً من أخبار أبي تمام.

(3)

أخبار أبي تمام: 30 - 31.

(4)

المصدر نفسه: 32.

ص: 150

والبيتين من القصيدة فيعتد بذلك لهم من أجل الإحسان، وأبو تمام أخذ نفسه وسام طبعه أن يبدع في أكثر شعره، فلعمري لقد فعل وأحسن، ولو قصر في قليل - وما قصر - لغرق ذلك في بحور إحسانه، ومن الكامل في شيء حتى لا يجوز عليه خطأ فيه، إلا ما يتوهمه من لا عقل له؟؟ " (1) .

موقف الصولي من العلاقة بين الشعر والدين

وقد نبه الصولي إلى ناحية لم يشر إليها أحد قبله - فيما أقدر - وهي ناحية كان بعض الناقدين يتخذ منها منفذاً للطعن في أبي تمام، وتلك هي المعتقد الديني، فقد أتهم أبو تمام بأنه كان يخل بفروضه، ونسب إليه بعضهم قوله وقد دخل عليه وبين يديه شعر أبي نواس ومسلم حين سأله الداخل عنهما: هما اللات والعزى وأنا أعبدهما من دون الله مذ ثلاثون سنة، وقد دافع الصولي عن هذه الناحية من زاوية صحة الخبر ومن زاوية النقد الأدبي فقال مصوراً موقفه النقدي:" وقد أدعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سبباً للطعن على شعره وتقبيح حسنه، وما ظننت أن كفراً ينقص من شعر ولا أن إيماناً يزيد فيه " ثم حاول أن ينفي عنه التهمة جملة بقوله: " فكيف يصح الكفر عند هؤلاء على رجل، شعره كله يشهد بضد ما اتهموه به؟ "(2) ؛ وهذه قضية خطيرة في النقد، ومن استقلال النظرة النقدية في تاريخ النقد العربي أن نجد هذا الفصل التام فيها عند الصولي ثم عند الجرجاني - كما سنرى من بعد.

الحق أن كتاب الصولي - رغم موقفه الدفاعي - يعد في كتب السيرة أكثر مما يعد في كتب النقد، ولذلك أعرضنا عما فيه من شهادات

(1) أخبار أبي تمام: 38.

(2)

أخبار أبي تمام: 172، 173.

ص: 151

العلماء التي أوردها المؤلف ليؤيد بها رأيه في الشاعر المفضل لديه، واكتفينا بما فيه من عناصر نقدية؛ غير أن كل من تعرض لأبي تمام كان في الغالب مضطراً للوقوف عند البحتري لأن الذين كانوا يغضون من شأن الأول كانوا؟ في الأكثر - يكبرون من الثاني. ولذلك لم يكتف الصولي بشهادة البحتري لأبي تمام بل وقف عند بعض المعاني التي أخذها البحتري إما أخذاً جزئياً وإما نقلاً للمعاني والألفاظ، واعتذر عن عدم الإكثار من ذكر الأمثلة بان بعض أهل الأدب ألف في أخذ البحتري من أبي تمام كتاباً، وانه من ثم يكره إعادة ما ألف (1) .

بشر بن يحيى النصيبي وجهوده في الكشف عن سرقات البحتري

ترى هل يشير الصولي بذلك إلى أبي الضياء بشر بن يحيى النصيبي؟ لقد ترجم ابن النديم للنصيبي هذا ترجمة موجزة (2) . نقلها ياقوت في معجم الأدباء (3) . وقد جاء فيها أنه كان شاعراً قليل الشعر، وذكر له مما يتصل بالنقد كتابه في سرقات البحتري من أبي تمام، وكتاباً آخر سماه " كتاب السرقات الكبير " إلا أنه لم يتممه. ولكنا لا نعرف متى توفي أبو الضياء وغنما يغلب على الظن انه يعد من نقاد القرن الرابع، فإذا كانت إشارة الصولي تتوجه إليه فمعنى ذلك ان كتابه كان - ولابد - معروفاً قبل عام 335.

وقد وطأ أبو الضياء لبحث السرقات بقوله: " ينبغي لمن ينظر في هذا الكتاب أن لا يعجل بان يقول: هذا مأخوذ من هذا حتى يتأمل المعنى دون اللفظ ويعمل الفكر فيما خفي، وغنما المسروق في الشعر ما نقل معناه دون

(1) أخبار أبي تمام: 79.

(2)

الفهرست: 149.

(3)

معجم الأدباء 7: 75.

ص: 152

لفظه، وأبعد آخذه في أخذه " (1) ، وقد عد الآمدي مما أورده أبو الضياء أربعة وستين بيتاً واقر ان البحتري قد أخذ معناها من أبي تمام، من مثل:

وإذا أراد الله نشر فضيلة

طويت أتاح لها لسان حسود أخذه البحتري فقال:

ولن تستبين الدهر موضع نعمة

(2) إذا أنت تدلل عليها بحاسد ثم قسم الآمدي بعد ذلك ما أورده أبو الضياء في ثلاثة أنواع:

(1)

معان جارية في عادات الناس معروفة لديهم يهتدي غليها البحتري مثلما يهتدي أبو تمام، ولا يقال فيها إن شاعراً سرقها من الآخر. فالناس يقولون:" العير إذا رأى السبع اقبل إليه من شدة خوفه منه " ومن هنا استطاع أبو تمام ان يقول: " قد يقدم العبر من ذعر على الأسد " وتمكن البحتري من ان يستغل هذا المعنى المتعارف فقال:

فجاء مجيء العبر قادته حيرة

إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره (2) معان قال أبو الضياء إنها مسروقة إلا انه اخطأ لأنه ليس بين كل معنيين منها أي تناسب، وذلك مثل قول أبى تمام:

واقسم اللحظ بيننا إن في اللحظ لعنوان ما يجن الضمير

وقول البحتري:

سلام وإن كان السلام تحية

فوجهك دون الرد يكفي المسلما

(1) الموازنة 1: 325.

(2)

انظر الموازنة 1: 304 - 324.

ص: 153

وليس بين المعنيين أدنى صلة.

(3)

معان زعم أبو الضياء أنها مسروقة، ولكن الاتفاق فيها في الألفاظ وهذا غير محضور على الشاعر، كقول أبي تمام:

لا يدهمنك من دهمائهم عدد

فان أكثرهم أو كلهم بقر وقول البحتري:

علي نحت القوافي من معادنها

(1) وما علي إذا لم يفهم البقر ومجموع هذه الأبيات في الأنواع الثلاثة واحد وأربعون بيتاً، فيكون مقدار ما عرفناه من كتاب أبي الضياء يشمل مائة بيت وخمسة أبيات. وقد أخبرنا الآمدي أنه بتكثير الشواهد قد " بلغ غرضه في توفير الورق وتعظيم حجم الكتاب "(2) ؛ وهو تهكم من الآمدي، ولكن يبدو ان أبا الضياء قد اعتمد الاستقصاء، ولذلك وقع في بعض المآخذ التي تعقبه فيها الآمدي بحق، فكتابه في النقد لا يتناول إلا موضوعاً واحداً هو الحديث عن السرقات الشعرية.

الآمدي ومؤلفاته في النقد

فإذا بلغنا أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي (- 370)(3) ، نكون قد وصلنا إلى أول ناقد متخصص، جعل النقد أهم ميدان لجهوده، وفيه كتب اكثر مؤلفاته، فمن ذلك: كتاب معاني الشعر للبحتري، كتاب الرد على ابن عمار فيما خطا فيه أبا تمام (ولعله دخل في كتاب الموازنة) ، كتاب في ان الشاعرين لا تتفق خواطرهما، كتاب في إصلاح ما في عيار

(1) الموازنة1: 326 - 350.

(2)

الموازنة 1: 326.

(3)

أنظر ترجمته في الفهرست: 155 ومعجم الأدباء 8: 75.

ص: 154

الشعر لابن طباطبا، كتاب في تبيين غلط قدامة في نقد الشعر، كتاب في تفضيل شعر امرئ القيس على الجاهليين، كتاب في (نثر) ما بين الخاص والمشترك في المعاني:" تكلم فيه على الفرق بين الألفاظ والمعاني التي تشترك فيها العرب ولا ينسب مستعملها إلى السرقة، وإن كان قد سبق إليها، وبين الخاص الذي ابتدعه الشعراء وتفردوا به ومن اتبعهم؟ "(1) ؛ فالآمدي سيطر على التراث النقدي حتى عصره. وتصدى بالتعقب لأهم اثرين نقديين ظهرا في أوائل القرن الرابع وهما عيار الشعر، ونقد الشعر؛ ولم يعتمد طرقة المناقشة لأخطاء من سبقوه وحسب، بل كان ناقداً بناء، وكان منهجه واضحاً في اكبر اثر نقدي وصل إلينا من آثاره وذلك هو " كتاب الموازنة بين الطائيين ". ان الصورة الكاملة للآمدي الناقد لا يمكن ان يتحقق اكتمالها دون اطلاعنا على مجموع آثاره النقدية، ولكن لا سبيل لنا في هذا الصدد، غلا الاعتماد على " الموازنة " ما دامت المؤلفات الأخرى ما تزال محجوبة.

الآمدي يحس أنه الناقد الحق الذي صوره ابن سلام

وقد كان الآمدي صورة ذلك الإحساس الذي عبر عن ابن سلام بإيجاز حين ميز دور الناقد، وعبر عنه الجاحظ بالثورة على النوع الموجود من النقد والنقاد في عصره الأول؛ فكأن الآمدي كان يحس أنه الناقد الذي اجتمعت له الآلات الضرورية للنقد، وانه قد آن الأوان لتصبح لهذا الناقد شخصيته المميزة، وحكمه الذي يؤخذ بالتسليم؛ أن النقد " علم " يعرف به الشعر، وليست تكفي فيه الوسائل الثقافية مهما تنوعت، لأن حفظ الأشعار أو دراسة المنطق أو معرفة الجدل أو الاطلاع على اللغة أو الفقه ليست هي الطريق التي تكفل لصاحبها إحراز " علم الشعر "؛ يقول الآمدي: " وبعد فلما لا تصدق نفسك أيها المدعي وتعرفنا من أين طرأ

(1) معجم الأدباء 8: 89.

ص: 155

لك الشعر؟ أمن اجل أن عندك خزانة كتب تشتمل على عدة من دواوين الشعراء وانك ربما قلبت ذلك وتصفحته أو حفظت القصيدة والخمسين منه؟ فان كان ذلك هو الذي قوى ظنك، ومكن ثقتك بمعرفتك فلما لا تدعي المعرفة بثياب بدنك ورحل بيتك ونفقتك، فإنك دائماً تستعمل ذلك وتستمتع به، ولا تخلو من ملابسته كما تخلو في كثير من الأوقات من ملابسة الشعر ودراسته وإنشاده؟. ثم أني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررت بان شارفت شيئاً من تقسيمات المنطق أو جمل من الكلام والجدل، أو علمت أبواباً من الحلال والحرام، أو حفظت صدراً من اللغة، أو أطلعت على بعض مقاييس العربية، وإنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع بمعانات ومزاولة ومتصل عناية فتوجهت فيه وسهرت. ظننت ان كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى؟. " (1) ولذلك يشكو الآمدي - كما شكا الصولي - من كثرة المدعين للمعرفة بعلم الشعر؛ وان الناس في العادة يرجعون في شئون الخيل والنقد والسلاح وما أشبه إلى العالمين بهذه الأمور، إلا في الشعر فانهم يبادرون إلى القول فيه وهم لا يحسنون، مع أن التمييز بين بيت وبيت - وكلاهما جميل الموقع - يحتاج إلى عالم بالصناعة، مثلما يحتاج من يميز بين فرسين فيهما علامات العتق والنجابة أو بين جاريتين متقاربتين في الوصف سليمتين من كل عيب. وإذا كان الناس يسلمون الحكم في كل صناعة لأهلها فمن الواجب ألا ينازعوا الناقد في حكم أصدره. ذلك لأنه مهيأ لذلك بالطبيعة أولاً وبكثرة النظر في الشعر والأرتياض له وطول الملابسة فيه. ولكن كيف يعرف المرء أنه قد اصبح ناقداً يحق له إصدار أحكام نقدية؟ هنا يحدد الآمدي هذا اللون من الامتحان: " وبعد فأني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بهذه الصناعة او الجهل بها، وهو ان تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض، فان عرفت علة

(1) الموازنة: 395 - 396.

ص: 156

ذلك فقد علمت، وان لم تعرفها فقد جهلت، وذلك بان تتأمل شعر أوس ابن حجر والنابغة الجعدي فتنظر من أين فضلوا أوساً. وتنظر في شعري بشر بن أبي خازم وتميم بن أبي بن مقبل فتنظر من أين فضلوا بشراً؟. فإن علمت من ذلك ما علموه ولاح لك الطريق التي بها قدموا من قدموا وأخروا من أخروه. فثق حينئذ بنفسك واحكم يسمع حكمك؟ فأن قلت: انه قد انتهى بك التأمل إلى علم ما علموه لم يقبل ذلك منك حتى تذكر العلل والأسباب؟ " (1) .

طريق الناقد الحق هي الموازنة المعللة

الموازنة المعللة هي الطريقة التي يثبت بها المرء انه قد أصبح ناقداً، فليكن الآمدي ذلك الناقد، وليقم الموازنة المعللة، لا بين اثنين حكم في أمرهما قدامى العلماء، بل بين اثنين من المحدثين، هما أبو تمام والبحتري، فالموازنة - أي الكتاب - ثمرة هذا التحدي. ليثبت الآمدي أن ناقداً من طرازه يقف في مستوى العلماء القدامى، عن لم يكن بقدرته على التعليل والتحليل أوضح مقاما.

منزلة كتاب الموازنة في تاريخ النقد، ومنهج المؤلف فيه

فكتاب " الموازنة " وثبة في تاريخ النقد العربي، بما اجتمع له من خصائص لا بما حققه من نتائج. ذلك لانه ارتفع عن سذاجة النقد القائم على المفاضلة بوحي من " الطبيعة " وحدها دون تعليل واضح، فكان موازنة مدروسة مؤيدة بالتفصيلات التي تلم بالمعاني والألفاظ والموضوعات الشعرية بفروعها المختلفة، وكان تعبيراً عن المعانات التي لا تعرف الكلل في استقصاء موضوع الدراسة من جميع أطرافه، ولهذا جاء بحثاً في النقد واضح المنهج، ليس فيه إلا اليسير من الاستطرادات الجزئية، وقد

(1) الموازنة1: 394 - 396.

ص: 157

بين المؤلف منهجه بقوله: " وأنا أبتدئ بذكر مساوئ هذين الشاعرين لأختم محاسنهما، وأذكر طرفاً من سرقات أبي تمام وغير ذلك من غلطه في بعض معانيه، ثم أوازن من شعريهما بين قصيدة وقصيدة إذا اتفقنا في الوزن والقافية وإعراب القافية ثم بين معنى ومعنى فإن محاسنهما تظهر في تضاعيف ذلك وتنكشف، ثم أذكر ما أنفرد به كل واحد منهما فجوده من معنى سلكه ولم يسلكه صاحبه، وأفرد باباً لما وقع في شعريهما من التشبيه وباباً للأمثال أختم بهما الرسالة، ثم أتبع ذلك بالاختيار المجرد من شعريهما وأجعله مؤلفاً على حروف المعجم ليقرب تناوله ويسهل حفظه وتقع الإحاطة به إن شاء الله تعالى "(1) ، ونحن إذا استثنينا التلاحم المنهجي الذي قام عليه " نقد الشعر " لقدامة لا نجد بعده ما يقاربه في انتحال صفة " الرسالة " العلمية مثل كتاب الموازنة، أضف إلى ذلك أن كتاب الآمدي قد استغل جميع وسائل النقد التي عرفت في عصره: من تبيان للمعاني المسروقة ومن سلوك سبيل القراءة الدقيقة والفحص الشديد، ومن الاحتكام إلى الذوق الفردي حيناً وإلى الثقافة حيناً آخر، مما سنقف عنده في سياق هذا البحث. واحتفل الآمدي كما يحتفل كاتب الدراسة العلمية، بكل ما كتب في الموضوع نفسه، وناقش مؤلفات من تقدموه برأ] هـ وذكائه وإنصافه.

لم الموازنة؟

ولكن لم الموازنة لو كانت لتفضيل أحد الشاعرين - تصريحاً - على الأخر، لكانت محدودة الهدف واضحة الغرض، ولكن الآمدي يصرح بأنه لن يطلق القول في أيهما أشعر " لتباين الناس في العلم واختلاف مذاهبهم في الشعر، ولا أرى لأحد أن يفعل ذلك فيستهدف لذم أحد الفريقين، لان الناس لم يتفقوا على أي الأربعة اشعر في امرئ القيس والنابغة وزهير

(1) الموازنة 1: 54.

ص: 158

والأعشى ولا في جرير والفرزدق والأخطل ولا في بشار ومروان والسيد ولا في أبي نواس وأبي العتاهية ومسلم والعباس بن الأحنف لاختلاف آراء الناس في الشعر وتباين مذاهبهم فيه " (1) . وإذا لم يكن التفضيل ممكناً فهل التسوية بينهما ممكنة؟ الآمدي لا يرى ذلك، مخالفاً لكثير من الناس عدوا الطائيين طبقة ذهبوا إلى المساواة بينهما، فهما في رأيه مختلفان: " لأن البحتري أعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام، فهو بأن يقاس بأشجع السلمي ومنصور النمري وأبي يعقوب الخريمي المكفوف وأمثالهم من المطبوعين أولى، ولأن أبا تمام شديد التكلف صاحب صنعة ويستكره الألفاظ والمعاني وشعره لا يشبه شعر الأوائل ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم أبن الوليد ومن حذا حذوه أحق وأشبه، وعلى أني لا أجد من أقرنه به لأنه ينحط عن درجة مسلم، لسلامة شعر مسلم وحسن سبكه وصحة معانيه، ويرتفع عن سائر من ذهب هذا المذهب وسلك هذا الأسلوب لكثرة محاسنه وبدائعه واختراعاته " (2) . وأحب أن تقف عند قوله " وما فارق عمود الشعر المعروف " فإن هذا التعبير يواجهنا هنا لأول مرة، وأن تتأمل قوله في أبي تمام " وعلى أني لا أجد من قرنه به " وتتساءل: إذا كان أبو تمام لا يقترن بأحد من أبناء مذهبه وطبقته فهل من الممكن أجراء الموازنة بين شاعرين متباعدين في الطريقة؟ أليست هذه الموازنة كوضع حديد في كفة ميزان ووضع نحاس في كفة أخرى، ولا يكون الحكم بعد ذلك إلا حول أيهما يرجح بالآخر من حيث الكم لا من حيث النوع؟ وعلى هذا يظل السؤال الأول " لم الموازنة؟ " وارداً دون جواب.

(1) الموازنة 1: 6 - 7.

(2)

الموازنة 1: 6.

ص: 159

الموازنة ذات مظهر علمي موهم باستغلال الإحصاء

اكبر الظن أن الموازنة كانت في حينها تلبية " علمية المظهر " والمنهج لحاجة ذلك الصراع الدائر بين المتطرفين من الفريقين؛ وكان هذا التطرف يرى الحسنات عند واحد ويقرن غليها السيئات عند آخر، ثم يعمى كل منهما عن سيئات صاحبه. فمن حق الموازنة ان تكون قائمة على الحساب: هذه حسنة يقابلها حسنة وهذه خمس سيئات يقابلها أربع، فإن شئت بعد ذلك أن تقوم بعملية جمع وطرح، استطعت ان تصل إلى نوع من الحكم قائم على الدقة الإحصائية، وهو على أية حال أسلم من الحكم المرسل، الذي يأخذ الأمور بالجملة دون التفصيل. ومن السذاجة أن تقول إن هذا أشعر من ذاك، وإن شئت قلت غير حافل بتهمة السذاجة، ولكنك عندئذ تعلن عن انتمائك إلى فريق من النقاد والمتذوقين بأكثر مما تدين الشاعر الذي لا تحب شعره.

الموازنة نظرياً نقطة التقاء المنصفين وعملياً توقع الآمدي في التناقض

وتلك غاية أخرى تكفل الموازنة تحقيقها وهي ان تكون نقطة الالتقاء بين المنصفين من كلا الفريقين: وبها ينكشف الغطاء عن مذهبين متوازيين عاشا جنباً إلى جنب في تاريخ الشعر العربي وتاريخ الذوق العربي. وأنا لنعجب من الآمدي كيف يزعم أن هناك ما يسمى " عمود الشعر القديم " وهو أدق الناس إحساساً بتعايش هذين المذهبين: الأول مذهب الشعراء المبتكرين للمعاني ويصح أن نسميه مذهب امرئ القيس كان خارجاً على " عمود الشعر القديم "؟ أستمع إلى الآمدي يصور المنصفين من أصحاب البحتري: " ووجدت أهل النصفة من أصحاب البحتري ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه لا يدفعون أبا تمام عن لطيف المعاني ودقيقها والإبداع والإغراب فيها؟. وإذا كان هذا هكذا مسلكه فقد سلموا له الشيء الذي هو

ص: 160

ضالة الشعراء وطلبتهم وهو لطيف المعاني. وبهذه الحالة دون ما سواها فضل امرؤ القيس، لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة فوق ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والإسلام، حتى أهن لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أن تشتمل من ذلك على نوع أو أنواع، ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره. ولكن كسائر الشعراء من أهل زمانه. إذ ليست له فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم " (1) . ثم أستمع إليه يصور موقف المنصفين من أصحاب أبي تمام:" ووجدت أكثر أصحاب أبي تمام لا يدفعون البحتري عن حلو اللفظ وجودة الرصف وحسن الديباجة وكثرة الماء وإنه أقرب مأخذاً وأسلم طريقاً من أبي تمام ويحكمون مع هذا بأن أبا تمام أشعر منه؟ وهذا مذهب من جل ما يراعيه من أمر الشعر دقيق المعاني "(2) ، أيحق للآمدي بعد ذلك أن يقول - كأنه يردد رأي الجاحظ - " ودقيق المعاني موجود في كل أمة وفي كل لفة، وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه "(3) وهل " أهل العلم بالشعر " على من يفضلون قرب المأخذ واختيار الألفاظ وقرب الاستعارات؟ الخ؟ إنك ترى التناقض واضحاً هنا في تصور الآمدي لتياري النقد، بسبب من ميله الذاتي إلى الفريق الثاني، وأكبر الظن أنه انقاد لهذا الميل الذاتي نفسه، وأنه استوحى هذا الميل حين هجن طريقة أبي تمام وفسرها على غير وجهها بقوله: " وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة وكانت عبارته مقصرة

(1) الموازنة 1: 397 - 398.

(2)

الموازنة 1: 400.

(3)

الموازنة 1: 400.

ص: 161

عنها ولسانه غير مدرك لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن أتفق في تضاعيف ذلك شيء من صحيح الوصف وسليم النظر - قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعان لطيفة حسنة فإن شئت دعوناك حكيماً أو سميناك فيلسوفاً، ولكن لا نسميك شاعراً ولا ندعوك بليغاً، لأن طريقتك ليست على طريقة العرب ولا على مذهبهم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء ولا المحسنين الفصحاء؟ " (1) ؛ فهذا التصوير لا ينطبق على شعر أبي تمام، والمتعسف منه في اللفظ والمعنى لا يشمل إلا أبياتاً معدودة بشهادة الآمدي نفسه، ولو صح أن أبا تمام كان فيلسوفاً أو حكيماً لما جازت الموازنة بينه وبين البحتري، ولكانت محاولة الآمدي من أساسها منقوضة لأنها مبنية على الموازنة بين شاعر وفيلسوف.

عمود الشعر نظرية خدمة للبحتري وأنصاره فأبعدت الموازنة عن الإنصاف

وليس من شك في أن الآمدي كان يؤثر طريقة البحتري ويميل إليها. ومن اجل ذلك جعلها " عمود الشعر " ونسبها إلى الأوائل وصرح بأنه من هذا الفريق دون مواربة: " والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني والإغراق في الوصف، وغنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني واخذ العفو منها كما كانت الأوائل تفعل مع جودة السبك وقرب الماتى، والقول في هذا قولهم وإليه أذهب "(2)، وهذا يستتبع أن نسأل: هل يستطيع الموازنة المنصفة من كان لديه مثل هذا الميل ابتداءً؟ لقد أتهم الآمدي في القديم بأنه تحامل على أبي تمام، قال أبو الفرج منصور بن بشر النصراني الكاتب: " كان الآمدي النحوي صاحب كتاب الموازنة يدعي (هذه) المبالغات على أبي تمام

(1) الموازنة 1: 401 - 402.

(2)

الموازنة 1: 496.

ص: 162

ويجعلها استطراداً لعيبه إذا ضاق عليه المجال في ذمه " (1) ، وقال ياقوت في تقييم الموازنة: " وهو كتاب حسن وإن كان قد عيب عليه في مواضع منه. ونسب إلى الميل مع البحتري فيما أورده والتعصب على أبي تمام فيما ذكره، والناس بعده فريقين: فرقة قالت برأيه حسب رأيهم في البحتري وغلبة حبهم لشعره، وطائفة أسرفت في التقبيح لتعصبه، فإنه جد وأجتهد في طمس محاسن أبي تمام وتزيين مرذول البحتري. ولعمري أن الأمر كذلك. وحسبك أنه بلغ في كتابه إلى قول أبي تمام " أصم بك الناعي وإن كان أسمعا " وشرع في إقامة البراهين على تزييف هذا الجوهر الثمين فتارة يقول: هو مسروق، وتارة يقول هو مرذول، ولا يحتاج المتعصب إلى أكثر من ذلك، إلى غير ذلك من تعصباته، ولو أنصف وقال في كل واحد بقدر فضائله لكان في محاسن البحتري كفاية عن التعصب بالوضع من أبي تمام " (2) . وتعقب الشريف المرتضى بعض تعسفه في التخريج فمن ذلك:" ورأيت الآمدي يطعن على قوله - عمرت مجلسي من العواد - ويقول: لا حقيقة لذلك ولا معنى لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من المشيب ولا أن أحداً أمرضه الشيب ولا عزاه المعزون عن الشباب، وهذا من الآمدي قلة نقد للشعر وضعف بصيرة بدقيق معانيه التي يغوص عليها حذاق الشعراء ولم يرد أبو تمام بقوله - عمرت مجلسي من العواد - العيادة الحقيقية التي يغشى فيها العواد مجالس المرضى وذوي الأوجاع، وإنما هذه استعارة وتشبيه وإشارة إلى الغرض خفية، فكأنه أراد أن شخص المشيب لما زارني كثر المتوجعون لي والمتأسفون على شبابي والمتوحشون من مفارقته، فكأنهم في مجلس عواد لي، لأن من شأن العائد للمريض أن يتوجع ويتفجع "(3) .

(1) معجم الأدباء 8: 84.

(2)

معجم الأدباء 8: 87 - 88.

(3)

أمالي المرتضى 1: 613 وأنظر تعقبه له ووصفه بالتهافت في الخطأ 1: 626 وعن ظلمه للبحتري 2: 91.

ص: 163

وليس يخلو الذين اتهموه بالتعصب على أبي تمام من أن يكونوا بعض الفريق الذي يحب أبي تمام ويستقل ما يقال في مدحه ويستثقل كل شيء يعاب به. أو أن يكون الآمدي قد ظلم أبا تمام فعلاً. فأما تعقب المرتضى له فليس هو اتهاماً له بالتعصب، وغنما هو اتهام بالجهل وعدم الإدراك للنقد الصحيح. ونحن نقول أن من كان يميل إلى طريقة البحتري ثم يتكلف الموازنة بينها وبين طريقة أبي تمام فإنه قادر على أن يظلم أبا تمام ويتعصب عليه. ولا ريب في أن الآمدي حاول أن يكون منصفاً، وظهر بمظهر المنصف في مواطن عديدة، ولكن ميله كثيراً ما كان يوجهه رغماً عنه، كما كان يحدد مجال الرؤية عنده بالنسبة لأبي تمام، ويوسع من حدودها بالنسبة للبحتري. فقد عرض لسرقات أبي تمام من جميع الشعراء على نحو تفصيلي. فلما وصل إلى البحتري، اكتفى بكر ما سرقه البحتري من أبي تمام وحسب، زاعماً أنه إنما يفعل لك " لان أصحاب البحتري ما ادعوا ما ادعاه أصحاب أبي تمام لأبي تمام " (1) . ثم يقول بعد لك:" فأما مساوئ البحتري من غير السرقات - فقد حرصت واجتهدت أن اظفر له بشيء يكون بازاء ما أخرجته من مساوئ أبي تمام في سائر الأنواع التي ذكرتها، فلم أجد في شعره - لشدة تحرزه وجودة طبعه وتهذيب ألفاظه - من ذلك إلا أبياتاً يسيرة؟ "(2) ؛ وقد يكون الآمدي مخلصاً فيما قال - بحسب مدى الرؤية - ولكن وجود الميل الكمين يجعلنا نظن أن هناك قوة توجهه لكي لا يرى ما يمكن ان يعده آخرون من عيوب البحتري. وليس في الإنصاف أن يقال: ما دام أصحاب أبي تمام يدعون له ابتكار المعاني فلا بد من إبراز ما أخذه من معاني غيره، ذلك أن الآمدي يعترف بان أبا تمام شاعر يحسن الغوص على المعاني، ومع ذلك فإنه لم يفرد في كتابه فصلاً لبيان بدائعه، واكتفى بالمقارنة في الموضوعات بينه وبين البحتري. كذلك فإن التعليقات الجارحة

(1) الموازنة 1: 292.

(2)

المصدر نفسه.

ص: 164

التي يصدرها أحياناً في التعقيب على شعر ابي تمام تشير إلى ان ميله كان يستبد به ويخرجه إلى تسجيل تأثراته الانفعالية في نزق وضيق. كقوله: " وقوله (ان من عق والديه لملعون - البيت) من أحمق المعاني وأسخفها وأقبحها، وقد زاد في الحمق بهذا المعنى على معنى البيت الذي قبله. وطم عليه وعلى كل جهالاته في معانيه؟ وما المستحق والله للعن غيره إذ رضي لنفسه بمثل هذا السخف "(1) . ومثل هذا الانفعال يرد في مواطن أخرى من كتابه كقوله في التعليق على أحد الأبيات: " فيا معشر الشعراء والبلغاء ويا أهل اللغة العربية. خبرونا كيف يجاري البين وصلها وكيف تماشي هي مطلها. ألا تسمعون ألا تضحكون "؟ (2) . المهم أن اطمئنان القارئ في عدالة الآمدي لا يستبعد أن يهتز ويضطرب. وان تثور في نفسه أسئلة موشحة بالتشكك: أترى الآمدي لا يتعسف هنا في التأويل؟ أتراه لم يبالغ هناك في الاعتماد على ذوقه الخاص؟ الست تراه يدافع عن موقف واضح الضعف عند البحتري؟ ألا تعتقد انه لا يمكن - بقوة ميله - أن يضع على لسان أصحاب أبي تمام حججاً أقوى مما يضعه على لسان صاحب البحتري في تلك المقدمة التي نسجها على مثال المناظرات الكلامية بين الفريقين بحيث يذكرنا بما صنعه الجاحظ من إجراء المناظرة بين صاحب الكلب وصاحب الديك (3) ؟ أليس هو الذي يدين أبا تمام بأشد تهم يوجهها إليه أعداؤه محيلاً أحياناً على غيره. ناسباً الرأي

(1) الموازنة 1: 517.

(2)

الموازنة 1: 264 والبيت المشار إليه هو:

جارى إليه البين وصل خريدة

ماشت إليه المطل مشي الأكبد وانظر 2: 49 حيث علق على استعارة لأبي تمام بقوله: " وما أظن أحداً انتهى في اللكنة وضيق الحيلة في الاستعارة إلى أن جعل لصروف النوى قدن وأفئدة مصروعة غير أبي تمام ".

(3)

انظر الموازنة1: 8 - 53، وفيها يورد بعض آراء الصولي في أبي تمام، فكأنه يتخذه نموذجاً لأصحاب هذا الشاعر، كما انه أحياناً يجعلنا نحس بأنه يتحدث بالنيابة عن أصحاب البحتري.

ص: 165

لسواه مع أنه قد يكون هو صاحب ذلك الرأي في مثل قوله: " وأنا اذكر في هذا الجزء الرذل من ألفاظه والساقط من معانيه والقبيح من استعاراته والمستكره المتعقد من نسجه ونظمه على ما رأيت المتذاكرين بأشعار المتأخرين يتذاكرونه وينعونه عليه ويعيبونه به؟ فأن الشاعر قد يعاب اشد العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره وبالإبداع جميع فنونه، فان مجاهدة الطبع ومغالبة القريحة مخرجة سهل التأليف إلى سوء التكلف وشدة التعمل، كما عيب صالح بن عبد القدوس وغيره ممن سلك هذه السبيل حتى سقط شعره، لان لكل شيء حداً إذا تجاوزه المتجاوز سمي مفرطاً، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه وإحالة إلى الفساد صحته وإلى القبح حسنه وبهائه، فكيف إذا تتبع الشاعر ما لا طائلة تحته من لفظة مستغثة لمتقدم أو معنى وحشي، فجعله إماماً واستكثر من أشباهه ووشح بنظائره. أن هذا لعين الخطأ وغاية في سوء الاختيار "(1) . وأصحاب البحتري لا يقولون في أبي تمام أسوأ من هذا التعليق.

عمود الذوق (أو سنة العرب) مرتكز آخر إلى جانب عمود الشعر

ويأوي الآمدي في نقده إلى ركن شديد، يجعله أساساً لنظرته النقدية وهو الرجوع في كل أمر يختلف فيه المتذوقون والنقاد إلى ما تعارفته العرب وأقرته وأثر عنها، فكما ان على الشاعر ان يلتزم عمود الشعر، فغن على الناقد ان يلتزم (عمود الذوق " وغلا فلا معنى للدربة والتمرس وطول النظر في آثار السابقين، فمن هذه الدربة يتكون ذوق الناقد، ومنها يستدل على ما جرت به العادة، فيتمكن من الحكم على إحسان الشاعر أو إساءته بالنظر إلى ما جرت عليه العرب في طريقها؛ ولا يقف هذا الأمر عند حدود اللفظ وما يجوز في الاستعمال وما لا يجوز بل يتجاوزه إلى دقائق المعاني والصور والاخيلة، فغذا قال أبو تمام:

(1) الموازنة1: 243 - 244.

ص: 166

أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها

بالدمع ان تزداد طول وقود قيل له: " هذا خلاف ما عليه العرب وضد ما يعرف من معانيها لان المعلوم من شان الدمع ان يطفئ الغليل ويبرد حرارة الحزن ويزيل شدة الوجد ويعقب الراحة، وهو في أشعارهم كثير موجود ينحى به هذا النحو من المعنى "(1) ولسنا نريد أن نقول إن هذا القانون يقتل الإبداع ويهمل اعتبار الطبيعة الإنسانية التي تؤمن بتغير الأذواق وتبدلها، فذلك تحكيم لقواعدنا فيما كان يظنه النقاد القدماء منهجاً صائباً في عصرهم. ولكنا نقول ان هذا القانون متعسف لأنه يفترض اللجوء إلى قاعدة لا يمكن تحديدها. فمن هو الذي يستطيع أن يزعم لنفسه وللناس أنه قد أحاط بما يسمى " طريقة العرب " في الاستعمالات اللغوية والتصويرية. ولماذا يعمد الآمدي نفسه كلما رأى أثراً قديماً مشبهاً بطريقة أبي تمام إلى الاعتذار عنه وعده من النادر أو الشاذ؟ أليس هذا النادر صادراً عن عربي، تقبله ذوقه واقره خياله - وهو خيال عربي - ولم نسمع أنه طواه استهجاناً أو قابله الناس حينئذ بالاستغراب.

قانون " عمود الذوق " يقتل الاستعارة

وإذا كان الآمدي - خدمة لقانونه هذا - قد تناول القواعد القديمة من اعتماد كل أصول اللياقة وعلى قانون منتهى الجودة وعلى ما أشبه هذين من أصول نقدية قديمة وجعلها مقياساً كبيراً يكثر اللجوء إليه عندما يجد الناس مخالفين له في ذوقه، فإنه قد تجاوز حدود تلك القواعد التي كانت تقف عند المواصفات الشكلية إلى صميم العملية الشعرية. وبيان ذلك أن الشعر لا يتأثر كثيراً إذا أخطأ الشاعر فجعل ذيل فرسه طويلاً،

(1) الموازنة 1: 199 ثم يقول الآمدي (1: 200) فلو كان اقتصر على هذا المعنى الذي جرت العادة به في وصف الدمع لكان المذهب الصحيح المستقيم ولكنه استعمل الإغراب فخرج إلى ما لا يعرف في كلام العرب ولا مذاهب سائر الأمم.

ص: 167

أو استعمل السوط في حثه على الجري. أو خيل إليه أن الفستق من البقول، أو ظن أن صاحب الفيل لابد أن يكون قوياً كالفيل؛ ومن السهل أن تحاكم المبالغة لديه إلى مقياسك الفني إذا قال:

فلولا الريح أسمع من بحجر

صليل البيض تقرع بالذكور أو قال:

وأخفت أهل الشرك حتى إنه

لتخافك النطف التي لم تخلق كل هذه أخطاء جزئية؛ ولكن الشعر يصاب في الصميم إذا قلنا للشاعر: إنك لا تستطيع ان تقول: " وضربت الشتاء في أخدعيه " لان العرب لا تستعمل مثل هذه الاستعارة. فإذا قيل لنا، ولكن أحد شعراء عبد القيس يقول:

ولما رأيت الدهر وعراً سبيله

وأبدى لنا ظهراً أجب مسلعا

ومعرفة حصاء غير مفاضلة

عليه ولوناً ذا عثانين أجدعا

وجبهة قرد كالشراك ضئيلة

وصعر خديه وأنفاً مجدعا فإنه لا يغني عنا كثيراً أن نقول له: " هذا الإعرابي إنما تملح بهذه الاستعارات في هجائه للدهر وجاء بها هازلاً؟ "(1) .

حملة الآمدي على استعارات أبي تمام

بعبارة أخرى: إن اخطر ما في هذا الاحتكام إلى طريقة العرب هو ما يصيب الاستعارة، لان تعقب الاستعارة يعني التدخل في التشخيص والقدرة الخيالية لدى الشاعر. ولذلك تجد الآمدي قد عد بعض استعارات أبي تمام ثم قال معلقاً عليها: " فجعل كما ترى - مع غثاثة هذه الألفاظ - للدهر اخدعاً ويداً تقطع من الزند، وكأنه يصرع، وجعله يشرق بالكرام ويفكر ويبتسم وان

(1) الموازنة 1: 258 - 259.

ص: 168

الأيام بنون له، والزمان ابلق، وجعل للمدح يداً ولقصائده مزامر إلا أنها لا تنفخ ولا تزمر، وجعل المعروف مسلماً تارة ومرتداً أخرى والحادث وغداً؟ وظن ان الغيث كان دهراً حائكاً وجعل للأيام ظهراً يركب، والليالي كأنها عوارك والزمان كأنه صب عليه ماء، والفرس كأنه ابن الصباح الأبلق، وهذه استعارات في غاية القباحة والهجانة والغثاثة والبعد من الصواب " (1) .

ثم أراد أن يفهمنا بان هذه الاستعارات خارجة عما نهجه العرب: " وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس هو له إذا كان يقاربه أو يناسبه أو يشبهه في بعض أحواله أو كان سبباً من أسبابه "، ودافع عن صورة الليل في قول امرئ القيس:

فقلت له لما تمطى بصلبه

وأردف إعجازاً وناء بكلكل وعن قول زهير:

وعري أفراس الصبا ورواحله

وقد يتحدث الآمدي لفريق من أبناء عصره بهذا فيدركون أن استعارة امرئ القيس صحيحة النسبة للخيال العربي (وإن كان قد عاب امرأ القيس بهذا البيت من لم يعرف موضوعات المعاني والاستعارات في رأي الآمدي) وان استعارة زهير كذلك مقبولة سائغة، ولكن من الصعب علينا اليوم ان نميز ذلك تمييزه، بعد أن اختلطت علينا استعاراتنا بالاستعارات المستمدة من الخيال الأجنبي حتى ألفنا هذا الخليط العجيب، وربما لم يكن من الجفاء أن أصرح باني لم أقف مرة عند قول زهير " وعري أفراس الصبا " إلا وجدت فيه من الغرابة ما يعمي علي وجه تصوره، وان لا أجد فرقاً بين تصوير

(1) الموازنة 1: 249 - 250.

ص: 169

الشتاء " مشخصاً " ذا أخدعين وبين قول ذي الرمة " تيممن يافوخ الدجى فصد عنه ". ولست بسبيل الدفاع عن استعارات أبي تمام ولكني أقول إن تعقب الآمدي لهذه الاستعارات، قد أصاب الطريقة الشعرية نفسها؛ وإذا كان النقد ذا أثر في تربية الذوق، فإن نقد الآمدي وأشباهه قد حال دون تكثير الطبقة التي تتذوق الجدة في الاستعارة، وتقبل على ما يكمن في طبيعة الخيال الخلاق من إبراز الحياة في صور جديدة. وغني لأحس أن وراء بعض أحكام الآمدي أثراً دينياً، فاكثر استعارات أبي تمام التي يجدها الآمدي غثة إنما تتعلق بالدهر والزمان وربما ارتبط هذا - ارتباطاً شعورياً أو لا شعورياً - بما يروى في الأثر " لا تسبوا الدهر؟ ".

الصلة بين ابن طباطبا والآمدي في الاتباعية

وهذا الذي ذهب إليه الآمدي من الاحتكام إلى طريقة العرب، يذكرنا أيضاً بالمنهج الذي اختاره ابن طباطبا في " عيار الشعر "، حين حدد طريقة العرب في التشبيه، إلا أن الآمدي أربى عليه وكمل عمله، حين اهتم بالاستعارة، وبذلك التقت جهود ناقدين كبيرين على ضرورة مقاربة الحقيقة أو ما سماه ابن طباطبا الصدق في التشبيه، ولهذا نفسه اتفق الناقدان على رفض قول من قال:" أعذب الشعر أكذبه " فقال الآمدي معلقاً على أبيات للبحتري: وقد كان قوم من الرواة يقولون أجود الشعر أكذبه، ولا والله ما أجوده إلا اصدقه إذا كان له من يخلصه هذا التخليص ويورده هذا الإيراد على حقيقة الباب " (1) .

(1) الموازنة 2: 58.

ص: 170

خضوع الآمدي الذي يحتكم إلى طريقة العرب لمؤثرات أجنبية دون أن يفهمها

ومن غريب أمر الآمدي الذي يبني أكثر نقده على الاحتكام إلى طريقة العرب يستأنس أحياناً بثقافة فلسفية في الحديث عن صناعة الشعر، وهو إنما يعتمد ذلك ليسند مذهبه في إيثار حسن التأليف، قال:" وأنا أجمع لك معاني هذا الباب في كلمات سمعتها من شيوخ أهل العلم بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء وهي: جودة الآلة وإصابة الغرض المقصود وصحة التأليف، والانتهاء إلى تمام الصنعة من غير نقص فيها ولا زيادة عليها، وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها بل هي موجودة في جميع الحيوان والنبات "(1) ؛ ثم يذكر أن كل محدث مصنوع يحتاج إلى أربع علل: علة هيولانية وعلة صورية وعلة فاعلة وعلة تمامية، فإذا طبقنا هذا على الشعر: كانت العلة الهيولانية هي الآلة أو المادة (أي الألفاظ) ثم تكون إصابة الغرض هي العلة الصورية، ثم تكون صحة التأليف مقابلة للعلة الفاعلة، فإذا انتهى الصانع إلى تمام صحته من غير نقص منها ولا زيادة عليها فتلك علة تمامية، وعلى هذا " فصحة التأليف في الشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه (بعد صحة المعنى) ، فكل من كان أصح تأليفاً كان أقوم بتلك الصناعة ممن أضطرب تأليفه "(2) ، وغير خاف أننا لا نستطيع مناقشة الآمدي في هذا التشبيه الذي استمده من الفلسفة، لأنه لم يفهمه، فالعلتان الأولى والثانية (الهيولانية والصورية) تقابلان في الشعر ما أطلق عليه نقاد العرب أسمي (اللفظ والمعنى) أما العلة الفاعلة فهي " قوة الخلق " التي تجعل من الاتصال بين الهيولي والصورة تفرداً يميز بين قوام وقوام، وأما العلة التمامية، فهي إن صدقنا الآمدي في استعمال المصطلح تساوي العلة الغائية.

(1) الموازنة 1: 402.

(2)

الموازنة 1: 405.

ص: 171

فكيف توصل الآمدي إلى القول بأن صحة التأليف هي أقوى الدعائم بعد صحة المعنى؟ ومم يكون التأليف إذا لم يكن المعنى (الصورة) أحد ركنيه الكبيرين؟ وقد أدرك الآمدي أن العلة الفاعلة هي " تأليف الباري جل جلاله لتلك الصورة " ثم نسي أن هذا التأليف هو الخلق - أو الصنع - حين تحدث عن الشاعر، ولو كان أدرك أبعاد هذا التمثيل لما تمسك بقوله إن ما خرج عن طريقة العرب فإنه غير مقبول، ذلك لأن " الخلق " أو " الصنع " يحتاج حرية لم يدركها الآمدي، وما نلومه لأنه لم يدركها. والحق أن الآمدي لو تعمق الثقافة الفلسفية لتنازل عن أشياء كثير من قواعده، ولكنه كان فيما قد يدل عليه كتابه سطحياً في هذه الناحية.

الذوق الخاص والأحكام التأثرية، ومعاداة العمق في المعنى

ولا نستبعد أن يكون الآمدي قد درس علم الكلام، غير أنه لم يتأثر به في النقد إلا تأثراً شكلياً. كما رأينا في صياغته للمقدمة على شكل حوار كلامي جدلي بين صاحب أبي تمام وصاحب البحتري، وكما نرى في سائر كتابه من قوة عارضته في الجدل، وقدرته على المماحكة. وقد كان ذا قدرة على التأويل والتخريج، اتضحت في معالجته لقراءة الشعر واستنباط الوجوه المحتملة فيه، ولكنه إذا تعدى هذه القراءة الدقيقة نبا ذوقه عن ضروب العمق، وخاصة إذا كان عمقاً معنوياً، وسمى ما يجيء به أبو تمام أحياناً " فلسفة " هرباً من تسميته بالشعر، وهو مخلص في هذا لذوقه، يكاد لا يحيد عنه، ولذلك يمكن أن نقول إن نقده يحمل سمات " أهل الظاهر "، فهو لا يستطيع أن يتقبل ذوقياً إلا المعنى القريب الذي يسلم للقارئ نفسه في صياغة جميلة إسلاماً مباشراً، دون إعمال خيال أو إجهاد فكر، ولا يجد لذة في التعمية والإنبهام وما يمكن أن يجيء في شكل أحجية.

ص: 172

الشعر لديه عالم مستقل من النغمة العذبة واللفظة المألوفة والمعنى المألوف، لا دخل له بالأفكار المتفردة والصياغة المتعملة والإشارات البعيدة، وهو في هذا شبيه بابن طباطبا، إلا أنه لا يهتم اهتمام أبن طباطبا بكيفية الصياغة، ولا يعرف كثيراً عن العلاقة الصناعية بين القصيدة والرسالة، وإنما يتذوق الصياغة الجميلة إذ رآها دون أن يبحث كثيراً عما يمنحها صفة الجمال، ولذلك تجده في أحكامه يسرع إلى القول بأن هذا " ما لا غاية وراءه في الحسن والصحة والبراعة " أو " حسبك بهذا حسناً وحلاوة " إلى عشرات من هذه الوقفات الذوقية الخالصة التي لا تعتمد شيئاً مما قرره في نظريته من تعليل. وتتملكه صيحات الإعجاب. كأن يقول بعد رواية أبيات للبحتري:" هذا والله هو الشعر لا تعليلات أبي تمام بطباقه وتجنيسه وفرط تقعره وكثرة إحالاته "(1)، أو يقول:" وهذا والله الكلام العربي والمذهب الذي يبعد على غيره أن يأتي بمثله "(2)، أو يقول:" وهذا إحسان البحتري الذي لا يفي ببراعة معناه شيء "(3)، أو يقول:" وهذا هو الذي يأخذ بمجامع القلب ويستولي على النفس "(4)، وقد ينال أبو تمام إعجابه فيقول:" وهذا ما لا مدفع لجودته وحسنه، وكأنه صفوة خاطر أبي تمام "(5)، أو يقول:" وقال أبو تمام في النائل النزر القليل ما هو فوق كل حسن وحلاوة "(6)

(1) الموازنة 2: 118.

(2)

نفسه: 177.

(3)

نفسه: 232.

(4)

نفسه: 199.

(5)

نفسه: 118.

(6)

نفسه: 132.

ص: 173

نشأة الآمدي التأثرية وأثرها في نقده

وليس السبب في هذا صعوبة التعليل واعتماد الآمدي على حكم " الطبيعة " الذي يبيح للناقد أن يبدي رأيه فيما لا يمكن تعليله، ولا هو وليد ضحالة بسبب ضعف الثقافة الفلسفية، وإنما هو نتيجة النشأة التأثرية، فيما أقدر، فقد بدأ الآمدي منذ سنة 317 يحاول اختيار الجيد من شعر الطائيين، وكان ذوقه قد حدد وجهته في أخذ ما يأخذه وطرح ما لا يستسيغه، وفي هذه المرحلة يكون الإعجاب شيئاً لا يعلل، ويظل هذا الإعجاب هو المحرك الكبير دون أن يهتدي الناقد إلى إدراك الأسس الجمالية في الشيء الجميل، وقد عاشت هذه التأثرية مع الآمدي، حين شاء أن يكون ناقداً موضوعياً، وظلت تلاحقه بآثارها القديمة، ولذلك كان كثيراً ما يضيق ذرعاً بالموضوعية المتزمتة ويثور ذوقه عليها، ويستسلم إلى تعليقات تأثرية فيها الكثير من الإسراف في الحمل على المشاهد وفيها التجني وفيها إلى ذلك طرافة ساخرة، وإليك أمثلة منها:

1 -

قال أبو تمام: " مهاة النقا لولا الشوى والمآبض "، فقال الآمدي: يقول: أنت مهاة النقا لولا قوائمها فإنها ليست كقوائمك وكذلك المآبض. وفي البقر أشياء أخر ليست في الناس منها القرون والأذناب وسائر خلقها؟ الخ (1) .

2 -

وقال أبو تمام في الغزل: " ملطومة بالورد " يريد حمرة خدها: فلم لم يقل مصفوعة بالقار ويريد سواد شعرها، ومخبوطة بالشحم يريد امتلاء جسمها، ومضروبة بالقطن يريد بياضها؛ إن هذا لأحمق ما يكون من اللفظ وأسخفه وأوسخه (2) .

(1) الموازنة 2: 10.

(2)

الموازنة 2: 94.

ص: 174

3 -

وقال أبو تمام:

يقول أناس في حبيناء عاينوا

عمارة رحلي من طريف وتالد

أأظهرت كنزاً أم صبحت بغارة

ذوي غرة حاميهم غير شاهد

فقلت لهم لا ذا ولا ذاك ديدني

ولكني أقبلت من عند خالد وهذا من معاني العوام أن يقولوا لمن رأوا حاله قد حسنت: على من أغرت أو أي كنز وجدت؟ وما ظننت مثل هذا ينظم في شعره. وقوله: " أقبلت من عند خالد " كلام فارغ. وإنما كان ينبغي لمن ابتلاه الله بهذا المعنى أن يقول في جوابهم: نعم كنز خالد. وأغار على ندى خالد، ولكنه لعمري بين المعنى في البيت الثاني وعرفهم عمارة رحله بأن قال:

جذبت نداه غدوة السبت جذبة

فخر صريعاً بين أيدي القصائد وهذا وأبيه معنى متناه في برده وغثاثته وركاكته، ولشتيمة الممدوح عندي بالزنا أحسن وأجمل من جذب نداه حتى يخر صريعاً؟ ولو لم يعلمنا أن ذلك كان غدوة السبت كيف كان يتم برد المعنى (1) !!

4 -

وقال أبو تمام:

شكوت إلى الزمان نحول جسمي

فأرشدني إلى عبد الحميد لو كان عبد الحميد طبيباً كان يمون معنى البيت مستقيماً لأن الرجل المعتر الطالب الجدوى لا يشكو نحول جسمه إلى ممدوحه الذي يلتمس الفضل منه، وإنما يشكو إليه اختلال الحال وقصور اليد، فأما أن يشكو إليه نحول الجسم فإن ذلك غاية الخناعة والنذالة والانحطاط في المسألة، إنه يخبره بشدة جوعه وأن ذلك هو أذاب لحمه، وهذا لا يقوله شاعر على هذا الوجه (2) .

(1) الموازنة 2: 325.

(2)

الموازنة 2: 327.

ص: 175

5 -

وقال أبو تمام:

فلاذت بحقويه الخلافة والتقت

على خدرها أرماحه ومناصله

أتته معداً قد أتاها كأنها

ولا شك كانت قبل ذاك تراسله فالبيت الأول جيد بالغ، والبيت الثاني في غاية السخف والرداءة لأنه جعل الخلافة قد أتته وجعله قد أتاها، وكان ينبغي أن يقتصر على إتيانه إياها أو إتيانها إياه وهو أجود، فأما أن يجمع بين الحالين فما وجهه؟ وكان ينبغي أن يعلمنا لما توجه كل واحد إلى صاحبه: أين التقيا؟ أفي منتصف الطريق؟ وقصد هذا الرجل الأغراب في الألفاظ والمعاني، ومن هاهنا فسد أكثر شعره (1) .

وشبيه بهذه التأثرية في الذوق، نوع من العناد في الرأي، فإذا استثنيت أشخاصاً يحترم الآمدي آراءهم كأبن الجراح وأبن المعتز وبعض العلماء الآخرين، تجد الآمدي لا يطيق رأياً سابقاً، بل يثيره هذا الرأي إلى المخالفة والمعارضة. ومن حسن حظ أبي تمام أن يكون قد عاب معنى من معانيه ناقد سابق، ليجيء الآمدي فيدافع عما عابه غيره، إلا أن هذا ليس كثيراً في الكتاب.

الأركان النقدية في كتاب الموازنة

بعد ذلك كله يمكن أن نقول إن كتاب الموازنة يعتمد على ثلاثة أركان نقدية كبرى وهي:

1 -

الكشف عن السرقات: فقد عد لأبي تمام 120 بيتاً أخذ معانيها عن الشعراء، ثم ناقش أبن أبي طاهر في ما عده من سرقات أبي تمام فصحح له 31 بيتاً أيده في أنها مسروقة، ورد مما عده أبن أبي طاهر خمسة عشر بيتاً فكأن كل ما

(1) الموازنة 2: 332.

ص: 176

أخذه أبو تمام من غيره 151 معنى، على حسب هذا الإحصاء، ثم عد للبحتري ثمانية وعشرين بيتاً أخذها من غير أبي تمام وأربعة وستين موضعاً أخذ معانيها من أبي تمام. وناقش أبا الضياء فيما خرجه من سرقات البحتري ورد عليه ودافع عن البحتري. هذا مع تصريح الآمدي بأنه لم يستقص سرقات البحتري كما استقصى سرقات أبي تمام. ولو فعل لكانت المعاني التي أخذها البحتري أكثر. إذ كان ما أخذه من شاعر واحد قد بلغ أربعة وستين معنى. وللآمدي موقف خاص من قضية السرقة، فهو على تتبعه لها، يحس أنها ليست من العيوب الكبيرة بقوله " وكان ينبغي آلا أذكر السرقات فيما أخرجه من مساوئ هذين الشاعرين لأنني قدمت القول في أن من أدركته من أهل العلم بالشعر لم يكونوا يرون سرقات المعاني من كبير مساوئ الشعراء، وخاصة المتأخرين إذ كان هذا باباً ما تعرى منه متقدم ولا متأخر "(1) . ترى من هم هؤلاء العلماء الذين يعتمد الآمدي حكمهم في هذا المجال، ونحن قد رأينا أن الكشف عن السرقة قد أصبح في القرن الثالث غاية كبيرة من غايات النقد وانه ظل كذلك فيما تلا من عصور. أتراه يعتذر بهذا عن صاحبه البحتري، لأنه لا يريد أن يعني نفسه باستقصاء سرقاته؟ مهما يكن من أمر فغن لدى الآمدي مقياساً للسرقة وهو أن ما جرى على الألسن وشاع من المعاني أو اصبح كالمثل السائر بين الناس فإنه لا يعد سرقة إذا اشترك فيه الشاعران (2) ، كذلك فغن ما كان اتفاقاً بين ألفاظ معينة لا يعد سرقاً (3) . وبهذا دافع عن البحتري في أكثر ما اتهم به من سرقة، وهذا مقياس جيد ولكن الصعوبة فيه إنما تكون في تحديد مدى الشيوع والسيرورة والجريان على الألسنة، ومن شاء مال بهذا المقياس في حال الدفاع أو الهجوم، ولكنه رغم ذلك، مقياس لا باس به، ولو

(1) الموازنة 1: 291.

(2)

انظر الموازنة 120 - 123، 329، 331.

(3)

الموازنة 1: 326، 343.

ص: 177

أخذ به النقاد بعد الآمدي لوفروا على أنفسهم كثيراً من الجهد الذي بذلوه في تتبع السرقات.

2 -

القراءة الدقيقة: والغاية منها الكشف عن الخطأ في استعمال الألفاظ، وفي المعاني، فمن ذلك تخطئته لأبي تمام في قوله:

حلت محل البكر من معطى وقد

زفت من المعطي زفاف الايم إذ قال إن استعمال أبي تمام للأيم بمعنى الثيب خطا (في مقابل البكر) ، قال " وقد غلط في الايم بعض كبار الفقهاء فجعلها مكان الثيب، وذلك لحديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (1) وهو خطا قد وقع البحتري في مثله (2) . ومن ذلك استعمال أبي تمام للفظة " العنس " بمعنى " العانس " ولم ترد في اللغة إذ العنس من أسماء الناقة. ومن أخطائه قوله:

الود للقربى ولكن عرفه

للأبعد الأوطان دون الأقرب فقد أخرج الأقارب من " العرف " مع انهم من أولى الناس به.

وقد سار الآمدي في هذا التدقيق إلى أبعد الحدود، وكان يعلم أن القراءة الدقيقة لابد لها من الوقوف على الرواية الأصلية، ولذلك اعتمد الرجوع إلى الأصول من ديوان أبي تمام؛ فعندما قرأ بيت أبي تمام:

دار أجل الهوى ان لم ألم بها

في الركب ألا وحيي من منائحها

(1) الفقيه المشار إليه هو الشافعي، والحديث " الايم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها " وما دامت الأيم غير البكر فالثيب داخلة في معناها (الموازنة 1: 161 والتعليق رقم: 8) .

(2)

الموازنة 1: 355 - 356.

ص: 178

فأنكر استعمال " إلا " ورأى إن وجه الكلام أن يقول الشاعر: " دار أجل الهوى عن أن ألم بها وليس عيني من منائحها "، ومن اجل أن يتأكد إن الرواية صحيحة عاد إلى أصل معتمد، قال:" وقد كنت أظن إن أبا تمام على هذا نظم الشعر، وإن غلطاً وقع في نقل البيت، حتى رجعت إلى النسخة العتيقة التي لم تقع في يد الصولي وأضرابه فوجدت البيت في غير نسخة مثبتاً على هذا الخطأ "(1) . ومثل هذا التحري من أهم واجبات الناقد الذي يتعقب الشعر بالقراءة، ولكنه في ثنايا ذلك يفصح عن قلة ثقته بالصولي (وأضرابه) ممن صنعوا ديوان أبي تمام، وينسب إليهم بعض ما وقع في رواياته من خطا، وقد اعتمد الآمدي من ديوان أبي تمام على عدة نسخ منها نسخة أبي سعيد السكري وأبي العلاء محمد بن العلاء (2) .

على إن الآمدي لا يخلو في تدقيقه من التحكم، فلفظة " الأيم " التي مرت مثلاً قد تقبل دون ذلك الجدل الطويل الذي وضعه الىمدي، والماخذ الكبير على الذاهبين مذهب الدقة هذا انهم يتقيدون بوجهة نظر واحدة ولا يصححون ما عداها، فإذا روى أحد علماء اللغة تفسيراً للفظة لا يوافق المشهور لم يقبلوه، وليس كذلك موقف الشاعر، ثم أن الألفاظ تنزلق أحياناً انزلاقاً يسيراً عما وضعت له، بمرور الزمن، وهذا مبدأ لا يحترم أمثال الآمدي القائلون بالتدقيق، كذلك فان للكلام وجوهاً من التأويل يحتمل معها تخريجه على غير ما رآه الآمدي؛ فكيف إذا صدقنا ابن المستوفي بان الآمدي كان يغير رواية الشعر عمداً ليحدث ثغرة في شعر أبي تمام (3) ؟ أن هذه تهمة تعصف بالدقة التي يدعيها حين يزعم انه يرجع إلى أمهات النسخ. وثمة أمر تنبه له أبو العلاء المعري، وخلاصة رأيه إننا يجب ألا نسرع

(1) الموازنة 1: 205.

(2)

الموازنة 2: 257، وانظر ص: 46 أيضاً.

(3)

مقدمة ديوان أبي تمام 1: 26.

ص: 179

إلى تخطئة شاعر مثل أبي تمام كان كثير الإطلاع على الشعر، وكل ما نظن خطا عنده فلابد ان يكون سمعه في شعر قديم لتبحره في الرواية (1) . على ان هذا المنحى في النقد قد فتح باب الاجتهاد في تفسير أشعار أبي تمام، وجعل كل شارح من بعد يحاول توجيه المعنى؛ وفي بعض أبياته من الغموض ما يسمح بتطوير هذا اللون من النقد، كما يسمح بتعقب الآمدي والرد عليه في مواطن أساء تأويلها غفلة أو تعسفاً. وذلك شيء سيكون جانباً من مادة الحديث في نقد القرن التالي.

3 -

الموازنة: وهي أهم الأركان وأكبرها ومن أجلها في المقام الأول ألف الكتاب. وقد وضح الآمدي منهجه في هذه الناحية بقوله: " وأنا أذكر بإذن الله الآن في هذا الجزء أنواع المعاني التي يتفق فيها الطائيان وأوزان بين معنى ومعنى: وأقول أيهما أشعر في ذلك المعنى بعينه، فلا تطلبني أن أتعدى هذا إلى أن افصح لك بأيهما اشعر عندي على الإطلاق فأني غير فاعل ذلك؟.. فأني أوقع الكلام؟ على سائر أغراضهما ومعانيهما في الأشعار التي أرتبها في الأبواب، وأنص على الجيد وأفضله، وعلى الرديء وأرذله، وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه التخليص وتحيط به العبارة. ويبقى ما لا يمكن إخراجه إلى البيان ولا إظهاره إلى الاحتجاج وهو علة ما لا يعرف إلا بالدربة ودائم التجربة وطول الملابسة، وبهذا يفضل أهل الحداقة بكل علم وصناعة من سواهم ممن نقصت قريحته وقلة دربته "(2) فالموازنة في رأي الآمدي تتم على هذا النحو:

1 -

اخذ معنيين في موضعين متشابهين.

2 -

تبيان الجيد والرديء مع إيراد العلة.

(1) المصدر السابق: 29.

(2)

الموازنة 1: 388 - 389.

ص: 180

3 -

تبيان الجيد والرديء دون إيراد علة لان بعض الجودة والرداءة لا يعلل.

4 -

إصدار الحكم بان هذا اشعر من ذاك في هذا المعنى، دون إطلاق الحكم النهائي العام وهو " أيهما اشعر على الإطلاق ". وكان الآمدي يؤثر لو استطاع أن يوازن بين البيتين أو القطعتين إذا اتفقتا في الوزن والقافية وحركة الروي، ولكن ليس كل شعرين اتفقا هذا الاتفاق يدوران حول معنى واحد، فالاتفاق في المعنى هو المنطقة الصحيحة للموازنة.

وحين تقدم إلى الموازنة التطبيقية قسم الشعر في موضوعات: كالوقوف على الديار، والغزل والمواعظ والآداب والمدح والوصف والفخر والعتاب والرثاء. واليأس والنجدة؟ الخ؛ وتحت كل باب كبير من هذه تندرج أقسام كثيرة، فتحت باب الرثاء مثلاً يجيء: عموم الفجيعة وجلال الرزء. البكاء على الفقيد، زوال الصبر على المفجوع، ذم الدهر والأيام لإخترامها الفقيد، تولي العيش وذهابه وتغير الأشياء لفقده، تخطي المنايا إلى الأشرف فالأشرف والأفضل فالأفضل؟ الخ. وتحت باب البأس والنجدة تقع فصول كثيرة مثل: وصف الجيش وكثافته. الرأي والتدبير في الحرب. وصف الحرب، وصف رجال الحرب، تشبيه الأبطال بالسباع. وصف الدروع. وصف القوانس والبيض، وصف الرايات، وصف الخيل في الحرب؟. الخ؛ ولكل موضوع إبتداءات، لذا فأن الآمدي يعمد إلى الموازنة أولاً بين تلك الإبتداءات. فلو أخذنا الابتداء بذكر الوقوف على الديار لوجدناه قد أورد فيه لأبي تمام خمسة وللبحتري سبعة ثم ختم ذلك بحكم قال فيه. " فهذا ما أبتدأ به من ذكر الوقوف. واجعلهما فيه متكافئين من أجل براعة بيتي البحتري الأولين. وانهما أجود من سائر أبيات أبي تمام، ولان للبحتري في الباب التقصير الذي ذكرته وليس لأبي

ص: 181

تمام مثله " (1) ، وفي البكاء على الديار كان حكمه أن البحتري أشعر (2) ، ثم تكون الموازنة في غير أبيات الابتداء، وهكذا في كل الكتاب باباً بعد باب. ومن الملاحظ أن الأحكام أن الأحكام التي لا تعتمد على تعليل كثيرة جداً في هذه الموازنة؛ كما أن الآمدي أحياناً لا يصدر حكماً نهائياً، ويخرج أحياناً عن الحديث في شعر الطائيين - في موضوع ما - إلى الاستشهاد بما جاء في الموضوع لشعراء آخرين؛ وتتخلل أحكامه توجيهات للمعاني، ونقدات لاذعة لأبي تمام كالتي تعرضنا لها من قبل. وموطن الضعف في هذه الموازنة أنها تقوم على تجزئة القصائد، وهي بالعملية الاحصائية أشبه، كما أنها تتحدد بما لمحه الآمدي من مهان وردت في الشعر، وقد تجيء هناك معان لا شركة فيها، وقد يشترك اثنان في موضوع واحد. ثم يكون تناولها له على وجهين شديدي التباعد، فهي عمل لا ينتهي إلى غاية واضحة، كما أنه - حسبما ألمحنا من قبل - مفتعل باجراء موازنة بين شاعرين متباعدين في تصورهما لطبيعة الشعر، ولذلك تبدو أحياناً من قبيل العناء الباطل، فلو فرضنا - وهذا الفرض مستمد من إحصاءات الآمدي - أن للبحتري ابتداءات في ذم الزمان وليس لأبي تمام ابتداء في هذا الموضوع أبداً فما حصيلة ذلك؟ ماذا يمكن أن نقول وراء هذا التقرير؟ وإذا عرفنا أن الموضوعات التي تكافأ فيها الشاعران خمسون، وأن الموضوعات التي رجح فيها ميزان البحتري مائة، فهل معنى ذلك أن البحتري أشعر من أبي تمام؟ إن قضية الموازنة قد اقتضت من الآمدي جهداً في غير طائل، وردته إلى سذاجة المفاضلة مرة أخرى على الرغم من تذرعه بالعلل، ومن احتفاله بالتبويب والتقسيمز إنها إخضاع شيء لا يخضع للإحصاء، ظاهرها منطقي، وأصولها غير معتمدة على منطق، ومن الخير أنها لم تظل كذلك في تاريخ النقد العربي.

(1) الموازنة 1: 416.

(2)

المصدر نفسه: 428.

ص: 182

موقف الحاتمي من ابي تمام

وقد كان الآمدي يصلح أن يكون ختاماً لهذا النقد الذي ايستثارته الخصومة حول أبي تمام والبحتري، في القرن الرابع، ولكنا نلتقي بناقد آخر يعد فيما يبدو من أنصار أبي تمام ذلك هو الحاتمي الذي سنقف عند وقفة طويلة حين نتحدث عن المعركة الدائرة حول المتنبي؛ وقد كانت فكرة " الصراع " حول أحد الشعراء خير ما يوجه الطاقة النقدية لدى الحاتمي، ومع أن كتابه " حلية المحاضرة " يمثل إرساء للقواعد النقدية القديمة مع استكثار من الأمثلة، فإنه تعرض فيه لأبي تمام، ذهاباً مع ميله إلى مقارعة الآخرين حول ما يحملونه من آراء.

قال الحاتمي: " وجمعني ورجلاً من مشايخ البصرة، ومن يومى إلى مجلسه بالشعر بعض الرؤساء، وكان خبر ذلك الشيخ سبق إلي في عصبيته للبحتري، وتفضيله إياه على أبي تمام، ووجدت صاحب المجلس يؤثر استماع كلامنا في هذا المعنى، فأنشدت قولاً أنحيت فيه على البحتري إنحاء أسرفت فيه واقتدحت زناد الشيخ به، فتكلم وتكلمت، وخضنا في أفانين من التفضيل والمماثلة، فعلوته في جميعها علواً شهده من حضر المجلس، وكانوا جلة

وأعيان أهل الأدب بالبصرة، فاضطر إلى أن قال: ما يحسن أبو تمام يبتدئ ولا يخرج ولا يختم، فلو لم يكن للبحتري من الفضل عليه إلا حسن ابتدائه ولطف خروجه وبراعة انتهائه لوجب أن يقع التسليم له، فكيف بأوابده التي تزداد على التكرار حلاوة وجدة، ثم أقبل علي وقال: أين يذهب عنك حسن ابتدائه

" (1) وأورد هذا الشيخ للبحتري مثلاً على حسن ابتدائه وخروجه وانتهائه؛ " قال ابو علي: وكنت ساكناً إلى أن استتم كلامه، فكأن جماعة أعجبهم ذلك عصبية على أبي تمام، فإني كنت كالشجا معترضاً في لهواتهم، وأسر كل واحد منهم إلى صاحبه

(1) حلية المحاضرة: الورقة: 22 من المخطوطة رقم: 4334.

ص: 183

سراً يومئ إليه باستيلاء الرجل علي. فلما استتم كلامه وبرقت له بارقة طمع..؟.؟ ابتدأت فقلت: لست ممن يقعقع له بالحصى ولا تقرع له العصا. لا إله إلا الله، استنت الفصال حتى القرعى؛ يا سبحان الله! هل هذه المعاني إلا عون مفترعة قد تقدم أبو تمام إلى سبك نظارها، وأفتضاض ابكارها. وجرى البحتري على وتيرته في انتزاع أقفالها واتباعها؟.. " ثم رد الحاتمي معاني البحتري إلى أبي تمام؟ " قال أبو علي: فقلت له هذه حال صاحبك. فيما عددته من محاسنه التي هتكت بها ستر عواره، ونشرت مطاوي أسراره، حتى استوضحت الجماعة إن إحسانه فيها عارية مرتجعة ووديعة منتزعة. فاسمع ما قال أبو تمام في نحو أبياتك التي أوجبت الفضل في أساليبها لصاحبك. حين قال مبتدئاً:

لا أنت أنت ولا الديار ديار

خف الهوى وتولت الاوطار؟ وهل يستطيع أحد أن يبتدئ بمثل ابتدائه:

طلل الجميع لقد عفوت حميدا

(1) . . . . . . . " ثم أورد أمثلة أخرى من إبتداءاته الجيدة ومن حسن تخلصه وغير ذلك من محاسنه.

وإذا تجاوزنا عن غرور الحاتمي. وعن ميله الدائم إلى كسب الفلج في كل مناظرة. وعن طريقته التمثيلية في تصوير الحوار، وجدنا ان هذا الذي أورده يشبه لمحة صغيرة من جهد الآمدي. في الموازنة في الإبتداءات وحسن التخلص والخروج. ولا نستبعد أن يكون خصم الحاتمي في هذه المناظرة بالبصرة هو الآمدي نفسه. أن الحاتمي لم يأت بجديد في هذا الموقف،

(1) المصدر السابق: 22 - 23.

ص: 184

ولكن هذا الفصل من كتابه يؤكد طبيعة المعركة التي أثارت كل ذلك النقد (1) .

(1) أورد الخفاجي في ريحانة الألباء صورة مقامة تدور حول أبي تمام وتذمره من سرقة الآخرين لشعره ونسبها لمن يدعى الخالدي، ومن المستبعد أن تكون لأحد الخالديين صاحبي الأشباه والنظائر الذي تقدم الكلام عنه (كما ظن محقق الكتاب) وان حط فيها الكاتب على من سماه الواعظ الموصلي، الذي يمكن أن يلتبس في هذا المقام بالسري الرفاء، عدو الخالديين. إذ نحو نعلم أن المقامات في القرن الرابع - الذي عاش فيه الخالديان) لم تصدر إلا عن بديع الزمان، ولم تكن فناً يحتذى حينئذ. كذلك فأن فيها شواهد داخلية متعددة تنفي نسبتها إلى أحد الخالديين منها ذكر شعراء عاشوا بعد عصرهما هما الشريف الرضي ومهيار.

ص: 185

النقد والأثر اليوناني

مقدمة في حركة الترجمة وكتاب الشعر

كانت حركة الترجمة في القرنين الثاني والثالث، قد قربت بين الثقافات المختلفة من هندية وفارسية ويونانية وعربية، وفتحت عيون المثقفين على مصادر علمية وفكرية جديدة، ولكنا إذا استثنينا الجاحظ في القرن الثالث، وجدنا ان هذه الثقافات المختلفة لم تترك آثاراً عميقة في البلاغة والنقد، حتى الجاحظ نفسه لم يمس الشعر من الزاوية الفلسفية إلا مساً رفيقاً؛ وكان من أسباب ذلك، الفصل الحاسم الذي أقامه النقاد والشعراء بين الشعر والمنطق، والموقف الدفاعي الذي اتخذوه من الشعر حين جعلوه موازياً أحياناً للعلوم المترجمة وبديلاً لها في أحيان أخرى. هذا على ان في المترجمات أموراً تتصل بالخطابة والشعر اتصالاً وثيقاً، كالصحيفة الهندية التي أشرنا إليها من قبل، وككتاب الخطابة وكتاب الشعر للأرسططاليس، فالأول كما حدثنا ابن النديم (1) يصاب بنقل قديم، إذ نقله إبراهيم بن عبد الله، وقيل أن إسحاق بن حنين نقله، ورآه ابن النديم نفسه بخط احمد بن الطيب السرخسي بنقل قديم، وكل هذا يشير إلى ان كتاب الخطابة كان موجوداً مترجماً في القرن الثالث؛ وأما الثاني فيبدو انه ترجم أيضاً في دور مبكر،

(1) الفهرست: 250.

ص: 186

إذ اختصره الكندي (1)(المتوفى حوالي252) ، وليس بثابت أن الكندي كان يعرف اليونانية، وإذا نفينا عنه معرفتها قدرنا انه اطلع على ترجمة قديمة؛ هذا ويذكر ابن النديم أيضاً للكندي " رسالة في صناعة الشعر "(2) . فإذا كانت هي شيئاً آخر غير مختصر للبويطيقيا، فمن المرجح ان تحمل آثار ثقافته اليونانية.

ترجمة أبي بشر متي بن يونس لكتاب الشعر

وعادت جهود المترجمين تتناول كتاب الشعر من جديد في القرن الرابع، إذ يبدو ان الترجمة الأولى كانت غير موفقة، فترجمه أبو بشر متي بن يونس القنائي (- 328) من السرياني إلى العربي، ثم أفاد منه الفارابي، ثم عاد تلميذه يحيى بن عدي (- 364) فنقله نقلاً جديداً إلى العربية (3) .

تقييم لترجمة متي

وقد وصلتنا ترجمة أبي بشر (4) ، ولدى المطالعة الأولى يستطيع القارئ أن يحكم بأنها ترجمة رديئة، تدل على ان بين المترجم والنص حجاباً من عدم الفهم، لان النماذج الشعرية عند العرب لا تسعف عليه، ولان المصطلح من ثم قاصر عن أداء الأصل. ومع ذلك فان في هذه الترجمة نفسها مستويات متفاوتة: فبعضها مغلق لا يفهم ابداً، لقصور التعبير عن أداء الفكرة قصوراً تاماً، سواء أكان هذا من اضطراب الترجمة أم من تصحيف النساخ؛ وبعضها ذو دلالة واضحة في المعنى ولكنه عسير على التطبيق، ففكرة المحاكاة واضحة في قول المترجم " وكما ان الناس قد يشبهون بألوان

(1) الفهرست: 250.

(2)

الفهرست: 257.

(3)

الفهرست: 250.

(4)

انظر فن الشعر ص: 85 - 145، ونشره الدكتور شكري عياد أيضاً (القاهرة: 1967) .

ص: 187

وأشكال كثيرة أو يحاكون، وذلك من حيث أن بعضهم يشبه بالصناعات ويحاكيها، وبعضهم بالعادات، وقوم آخر منهم بالأصوات - كذلك الصناعات التي وصفنا (يعني الشعر والديثرامب؟ الخ) جميعها تأتي بالتشبيه والحكاية باللحن والقول والنظم " (1) . غير أن هذا الوضوح لا يعني ان تطبيق فكرة المحاكاة على الشعر العربي كان أمراً في حيز التصور أو الإمكان. وقل مثل ذلك في التعبير عن فكرة التطهير (كآثارسيس) " وتعد الانفعالات والتأثيرات بالرحمة والخوف. وتنقي وتنظف الذين ينفعلون " (2) ، ولكن أصولها التي يتأتى عنها التطهير غامضة مغلقة لا يفهمها المترجم للكتاب أو قارئه أو المزاول للنقد، ولهذا فأنها تظل فكرة غير ذات جذور. ومن هذه الفكر الواضحة أيضاً الفرق بين الشاعر والمؤرخ: " ولذلك صارت صناعة الشعر هي أكثر فلسفية واكثر في باب ماهية حريصة (3) من أسطوريا (الأمور) ، من قبل أن صناعة الشعر هي كلية أكثر، فأما أيسطوريا فإنما تقول وتخبر بالجزئيات " (4) .

وبعض مستويات هذه الترجمة واضح في الدلالة ميسر في التطبيق إلا انه معتمد على خطا في التصور والفهم، وذلك كترجمة التراجيديا بالمدح والكوميديا بالهجاء، فان التطبيق المترتب على هذا الفهم سهل. ولكن الأسس خاطئة، ويمكننا أن نقول إن الخطأ في هذين المصطلحين لم يجر فحسب إلى تطبيقات خاطئة من بعد، بل جعل سائر الكتاب غير واضح للقارئ العربي، لان أكثر كتاب الشعر يدور على مفهومين المأساة والملهاة (وتمثل الملحمة جزءاً صغيراً منه) ، وحسبك أن تقرا قول أرسطو في العقد

(1) فن الشعر: 86.

(2)

نفسه: 96.

(3)

يريد في منحاها من الدقة.

(4)

المصدر السابق: 103.

ص: 188

والحل في المأساة على النحو الآتي: " وكل مديح فشيء منها حل وشيء منها رباط؟ فالرباطات التي من الابتداء إلى هذا الجزء؟ ومنها يكون العبور إما إلى النجاح والفلاح وإما لا نجاح ولا فلاح؛ وإما الانحلال (الحل) فهو ما كان من أول العبور إلى آخره "(1) حتى تعجب كيف يمكن لأي ناقد أن يتناول هذا المبدأ فيطبقه على شعر المديح.

ولكن هذه الترجمة على سوءها. أو شيئاً شبيهاً بها. كان ذا أثر في النقد الأدبي. سيأتي بيانه في موضعه؛ وقبل ذلك يجب أن نتنبه إلى أننا حين نتحدث هنا عن الأثر اليوناني فلسنا نقصره على كتاب الشعر (أو كتاب الخطابة) . وإنما نعني به أثر الثقافة اليونانية جملة.

قدامة بن جعفر ونقد الشعر

علاقة قدامة بالثقافة اليونانية

لا ريب في أن الثقافة اليونانية كانت من ابرز المؤثرات في قدامة بن جعفر. فقد كان ممن يشار إليه في علم المنطق وعد من الفلاسفة الفضلاء (2) . وله تفسير بعض المقالة الأولى من السماع الطبيعي (سمع الكيان) لأرسطو (3) وله كتاب في صناعة الجدل (4) ، ويدل كتابه في الخراج على ثقافة حسابية دقيقة مثلما يدل - بشهادة أبي حيان التوحيدي - على أنه تناهى فيه

(1) فن الشعر: 112 وهذه العبارة تقابل قوله: " كل مأساة تتكون من جزئين: العقد والحل، ويتكون العقد من أحداث تقع قبل المنظر الأول ومن بعض الأحداث التي تتخلل الرواية، وما يبقى فهو الحل، وأنا اسمي عقداً كلما كان من مدخل القصة إلى حيث يبدأ تغير الحظ في حياة البطل، وأسمي حلا كلما كان بين بداية هذا التغير والخاتمة:(كتاب الشعر: 71) .

(2)

الفهرست: 130 وياقوت 17: 12.

(3)

الفهرست: 250.

(4)

الفهرست: 130 وياقوت 17: 13.

ص: 189

بوصف النثر في المنزلة الثالثة من الكتاب (1)، روى أبو حيان عن علي بن عيسى الوزير أنه قال:" عرض على قدامة كتابه سنة عشرين وثلاثمائة، واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن وتفرد في وصف فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللفظ والمعنى، مما يدل على المختار المجتبى والمعيب المجتنب، ولقد شاكه فيه الخليل بن أحمد في وضع العروض، ولكني وجدته هجين اللفظ ركيك البلاغة في وصف البلاغة حتى كأن ما يصفه ليس ما يعرفه، وكأن ما يدل به غير ما يدل عليه "(2)

وهذه الثقافة نفسها هي التي جعلته يشارك في النقد الأدبي، إذ لا تكاد تشك في أن المنزلة الثالثة من كتاب الخراج إنما كتاب صدىً لكتاب أرسطو في الخطابة، وإن استكماله لمراحل المنطق الأرسططاليسي (وكتاب الشعر مرحلة أخيرة فيه) هو الذي جعله يقوم بتأليف كتابه " نقد الشعر "، وأنه بحكم هذه الثقافة نفسها كان منحازاً إلى تقدير " المعنى "، ولذا ألف كتابه " الرد على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام "(3) ؛ ولكن يجب ألا ننسى أن صلته بثعلب وأمثاله من علماء القرن الثالث، هي التي وضعت في يديه المادة الأدبية الصالحة لسند آرائه النظرية.

عدم إطلاع قدامة على نقد القرن الثالث

ويبدو أن قدامة لم يعرف شيئاً عن كتاب " نقد الشعر " للناشئ، ولم يطلع على كتاب " عيار الشعر " لأبن طباطبا، لأنه يصرح بأنه لم يجد " أحداً وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتاباً " (4) ثم يقول: " فأما علم جيد الشعر من رديئه فإن الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلم، فقليلاً ما يصيبون؛ ولما وجدت الأمر على ذلك وتبينت أن الكلام في هذا

(1) الإمتاع 2: 145.

(2)

المصدر نفسه.

(3)

ياقوت 17: 13.

(4)

نقد الشعر: الصفحة الأولى.

ص: 190

الأمر أخص بالشعر من سائر الأسباب الأخر، وأن الناس قد قصروا في وضع متاب فيه، رأيت أن أتكلم في ذلك بما يبلغه الوسع " (1) ؛ فالنقد لدى قدامة " علم " ومجاله تخليص الجيد من الرديء في الشعر، أما سائر ما يتعلق بالشعر من علوم العروض والوزن والقوافي والغريب واللغة والمعاني، فليس مما يدخل في باب النقد إلا على نحو عارض، وقد أكثر الناس في التأليف في تلك العلوم وقصروا في علم النقد.

حد الشعر عند قدامة

ومنذ البداية يبدو قدامة متأثراً بالمنطق الأرسططاليسي، متجاوزاً المفهوم اليوناني للشعر، في آن معاً. فهو في حده للشعر، وفي حرصه على أن يكون ذلك الحد مكوناً من جنس وفصل يدل على أنه يترسم ثقافته المنطقية، " الشعر قول موزون مقفى يدل على معنى " فكلمة قول: بمنزلة الجنس، وموزون فصل له عما ليس بموزون، ومقفى فصل عما هو موزون ولا قوافي له، ودال على معنى فصل له عما يكون موزوناً مقفى ولا يدل على معنى. غير أن وضعه " المقفى " صفة فاصلة للشعر تدل على أنه يؤثر أن يستقل بحديثه عن الشعر العربي، وأنه لا يحتاط كما أحتاط الفارابي من بعد بقوله " إن للعرب من العناية بنهايات الأدبيات التي في الشعر أكثر مما لكثير من الأمم التي عرفنا أشعارهم "(2)، ولا يحتاط شأن أبن سينا حين قال:" الشعر هو كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة "(3) . وقد كان هذا التعريف مورطاً لقدامة على الصعيد المنطقي، لأن القافية لا تعدو أن تكون لفظة فهي جزء من " القول " أو ركن " اللفظ " أي هي داخلة في " اللفظ " وفي " المعنى " وفي " الوزن "، فإفرادها خروج

(1) نقد الشعر ص: 2.

(2)

مجلة شعر عدد 12 (1959) : 91.

(3)

فن الشعر: 161.

ص: 191

على المنطق. ولذا فإن قدامة وقع حيرة من أمرها. حين أراد أن يستكشف ائتلافها مع هذه العناصر. لأنها ليست وحدة قائمة بذاتها، ثم وجد - على سبيل التسامح - إنها يمكن أن تقع مؤتلفة مع المعنى. ومن ثم يتجه الحديث في الشعر إلى عناصره البسيطة (اللفظ - المعنى - الوزن - القافية) - ثم ينجه إلى المركبات (اللفظ والمعنى - اللفظ والوزن - المعنى والوزن - المعنى والقافية) فهذه ثماني وحدات: قسمة منطقية (أسعف فيها شيء من التساهل في أمر القافية) إلا أنها يجب أن تعتمد أساساً ثنائياً، لأن كلاً من العناصر البسيطة والمركبة قد يكون جيداً وقد يكون رديئاً، ولهذا كانت هذه الوحدات في حالتي الإيجاب والسلب ست عشرة.

صورة موجزة لكتاب نقد الشعر

ويظل الحديث عن عناصر: اللفظ، والوزن، والقافية، وعن ائتلاف اللفظ والوزن وائتلاف المعنى والقافية (وهو مفتعل) أمراً سهلاً ليس فيه تعقيد في حلي الوجوب والسلب أو الجودة والرداءة.

1 -

فاللفظ يجب أن يكون سمحاً سهل مخارج الحروف من مواضعها. عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة (1) وعيوبه أن يكون ملحوناً وجارياً على غير سبيل الإعراب واللغة وحشياً قائماً على المعاظلة.

2 -

والوزن يكون سهل العروض. فيه ترصيع. وعيوبه الخروج عن العروض والتخليع.

3 -

والقافية تكون عذبة الحرف سلسة المخرج فيها ترصيع، وعيوبها هي العيوب القديمة من إقواء وتخميع وإبطاء وسناد.

4 -

وائتلاف اللفظ والوزن أن تكون الأسماء والأفعال في الشعر

(1) نقد الشعر: 10.

ص: 192

تامة مستقيمة كما بنيت، لم يضطر الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها، وهذا يرجع إلى صناعتي المنطق والنحو، وعيب ائتلاف اللفظ والوزن: الحشو والتثليم والتذنيب والتغيير والتفصيل.

5 -

وائتلاف القافية مع المعنى أن تكون متعلقة بما تقدمها تعلق ملاءمة ونظم، بالتوشيح أو الإيغال، وعيبها في هذا الصدد أن تكون مستدعاة متكلفة يتعمد فيها السجع دون فائدة للمعنى.

ولكن الصعوبة تجيء من المعنى؛ وهذا هو الباب الذي يشغل الجزء الأكبر من كتاب قدامة، إذ ما دام المنطق هو الأساس المعتمد فلابد من حصر المعاني (على قدر الإمكان) ثم حصر الصفات الموجبة والسالبة التي قد تلحقها. ولهذا يحدد قدامة المعاني بستة أنواع - كل منها ذو حدين: جيد ورديء، ولها سبع صفات: كل صفة موجبة ونقيضتها، وأنواع المعاني تقع في الأغراب الآتية: المديح - الهجاء - المراثي - التشبيه - الوصف - النسيب، ولكل غرض حسنات في المعاني وعيوب، ويكفي أن يقال إن العيوب نقض للحسنات. وتتوفر في المعاني الجيدة الصفات الآتية: صحة التقسيم - صحة المقابلات - صحة التفسير - التتميم - المبالغة - التكافؤ - الالتفات، وأضدادها المعيبة هي: فساد التقسيم - فساد المقابلات - فساد التفسير - الاستحالة والتناقض - إيقاع الممتنع - مخالفة العرف - نسبة الشيء إلى ما ليس له.

هذه حال المعاني في وضعها البسيط، فإذا تركبت مع اللفظ كان ائتلافها يقتضي أن تتوفر المساواة والإشارة والإرداف والتمثيل والمطابقة والمجانسة ويقابل هذه الحسنات عيبان: الإخلال (النقص الذي يفسد المعنى) والزيادة التي تفسد المعنى، فإذا ائتلفت المعاني مع الوزن توفر: التمام والاستيفاء والصحة، وإذا أختل ذلك الائتلاف نتج عن ذلك القلب والبتر.

ص: 193

مصطلح قدامة

تلك هي الصورة الخارجية لكتاب " نقد الشعر " أردنا وضعها على هذا النحو لتدل على أن الكتاب قد رسم حسب خطة دقيقة، لا تختل، لأن فكرة المؤلف واضحة تمام الوضوح في ذهنه، فهو مقتصد في الكلام، لا يخرج عن حدود موضوعه، ثم إن هذه الصورة تدلنا على أن قدامة قد حشد مصطلحاً كبيراً أصبح مادة، هامة في نقد الشعر وفي البلاغة على السواء، ودارسو المصطلح البلاغي يجدر بهم أن يعالجوا هذا الذي جاء به قدامة، فيردوه إلى أصوله: عربية كانت أو منطقية أو بلاغية يونانية، ويتتبعوا دورانه في الكتب البلاغية من بعد، واعتراض المعترضين عليه، واستبدال غيره به أو إقراره أو تحويره، ذلك ما لا أحاوله بإسهاب في هذا المقام لأنه هامشي في الجهد النقدي. غير أن هذا المصطلح نفسه يدل على انشغال قدامة بالتحديد والتقعيد، كان الرجل يحس بما انتشر في مجال النقد من فوضى ذوقية، وكان حريصاً على أن يعلم النقد، مثلما كان حريصاً على أن يكون علمه قائماً على منطق لا يختل، ولذلك حول النقد - مخلصاً في محاولته - إلى منطقية ذهنية وقواعد مدرسية ووضع له مصطلحاً، وليس بمستغرب أن يرى فيه معاصروه " أفرس الناس ببيت شعر " وأن يسألوه تحديد المصطلح البلاغي النقدي إذا أشكل عليهم منه شيء، فقد سأله عيسى أبن عبد العزيز الطاهري مرة عن الإشارة فقال:" هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة باللمحة الدالة " فلما سأله مثلاً عليها قال: مثل قول زهير:

فإني لو لقيتك واتجهنا

لكان لكل منكرة كفاء (1) وهذا وارد أيضاً في " نقد الشعر "(2) ؛ وكذلك نجد أبا الفرج الأصفهاني

(1) حلية المحاضرة، الورقة: 9 (مخطوطة رقم: 590) .

(2)

نقد الشعر: 85 - 86.

ص: 194

يسأله عن المقابلة فيورد عليه تعريفها والمثل عليها كما هو في كتابه دون إخلال (1) ، مما يدل على أن الكتاب أصبح جزءاً من محفوظه حاضراً لديه، وقد أثار هذا المصطلح بعض الاعتراضات، وتعرض للتغييرات، ولنأخذ مثلاً على ذلك " المطابق " فإن قدامة مثل عليه بقول الشاعر:

ونبئتهم يستنصرون بكاهل

وللؤم فيهم كاهل وسنام فكاهل أسم القبيلة، وكاهل عضو، فاعترض الأخفش علي بن الحسن وقال: إن هذا يسمى التجنيس لا المطابقة، وزعم أن قدامة خالف في هذا الخليل والأصمعي (2) ؛ وكذلك جرى الآمدي وغيره على تعقب قدامة في هذا المصطلح وهو أمر يطول تتبعه.

ثم إن هذه الصورة الخارجية السريعة التي رسمناها لكتابة تنبئ عما كلفته المعاني في حالتها البسيطة والمركبة من جهد، وتدل على ان عنايته بها (وذلك أمر طبيعي) فاقت كل شيء آخر، وفي سبيل رسم الحدود لها، كان لابد أن ينطلق من تصور نظري محدد، تصور قائم على وحدة تشبه ساق الشجرة، ثم يكون كل من بعده تفرعات تالية.

رأى قدامة أن أغراض الشعر إما أن يكون موضوعها الإنسان (الممدوح - المهجو - المرثي - المتغزل فيه - الموصوف)(3) وإما يكون موضوعها الشيء (الموصوف) ، وقد يجيء موضوع سادس يجمع بين هذين بالرابطة الصورية (التشبيه) ، وفكر قدامة أننا إذا استثنينا الوصف، وهو موضوع مشترك بين الناس والأشياء فإن الأربعة الأولى ليست إلا منحاً للصفات أو سلباً لها،

(1) حلية المحاضرة، الورقة: 7 (رقم 4334) .

(2)

حلية المحاضرة، الورقة: 9، وأنظر نقد الشعر: 92 - 93.

(3)

هو موضوع واحد كما ترى، غذ يقول قدامة: 28 " غرض الشعراء في الأكثر إنما هو مدحهم للرجال " وهذا يعني المدح والرثاء وبعض الوصف، فأما الهجاء فإنه سلب للصفات (وهو مدح معكوس) .

ص: 195

فالمدح يتطلب صفات إيجابية تسلب في الهجاء. وتحول إلى المضي في حال الرثاء. وتحور عن قاعدتها الأصلية في الحديث عن النساء. فما هي هذه الصفات الإيجابية؟

تحديد الصفات الإيجابية حسب نظرية الفضيلة الأفلاطونية

هنا لجأ إلى ثقافته الفلسفية، فوجد أن أفلاطون يجعل الفضائل الكبرى أربعاً: العقل والشجاعة والعدل والعفة. وبما أن مدح الرجال معناه ذكر فضائلهم. فمن أتى في مدحه بهذه الأربع كان مصيباً ومن مدح بغيرها كان مخطئاً (1) ؛ وهذه الفضائل أمهات ذات فروع، ولا باس ان يمدح الشاعر بكل ما يتفرع عن كل فضيلة منها: ففضيلة العقل تتفرع إلى ثقابة المعرفة والحياء والبيان والسياسة والكفاية والصدع بالحجة والعلم والحلم عن سفاهة الجهلة وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، ومن أقسام العفة: القناعة وقلة الشره وطهارة الإزار وغير ذلك مما يجري مجراه، ومن أقسام الشجاعة: الحماية والدفاع والأخذ بالثار والنكاية في العدو والمهابة وقتل الأقران والسير في المهامه الموحشة وما أشبه ذلك، ومن أقسام العدل السماحة والإنظلام والتبرع بالنائل وإجابة السائل وقراء الأضياف وما جانس ذلك (2) . وليست هذه الفضائل دائماً بسيطة بل يتركب منها فضائل أخرى تبلغ ستاً، فمن العقل مع الشجاعة يتولد الصبر على الملمات ونوازل الخطوب والوفاء بالأبعاد؟. (3) ؛ وليس الهجاء إلا سلب هذه الفضائل عن المهجو، كما ان الرثاء (والصواب التأبين) ليس إلا تحويل الفعل إلى صيغة الماضي. ومن هذا يتبين ان شعر الإنساني في نظر قدامة يقوم (إذا

(1) نقد الشعر: 29.

(2)

نفسه: 30.

(3)

نفسه: 31.

ص: 196

نحن استثنينا الغزل) على قاعدة أخلاقية ركينة. فلما كان الهجاء إنكاراً لإنسانية المهجو صح حينئذ أن نعيره بفقدان هذه القاعدة. لكي نحقره إلى نفسه فيتعظ بحاله غيره.

تتبع العلاقة بين قدامة وكتاب الشعر لارسطو

وفي هذا الصدد يثور أمامنا سؤالان كبيران: أولهما كيف اهتدى قدامة إلى هذا التفسير؟ والثاني كيف نوفق بين هذه القاعدة الأخلاقية وبين إقرار قدامة بالغلو لدى الشاعر والفحش والتناقض؟ ففي الإجابة عن هذين السؤالين يتضح جانب كبير من جهد قدامة الناقد.

والسؤال الأول من هذين وهو: كيف اهتدى قدامة إلى هذا التفسير، يردنا إلى كتاب الشعر لأرسطو، لقد ذكر الأستاذ بونيبكر في مقدمته على كتاب قدامة (1) أنه لم يجد صلة بين هذا الكتاب وبين بويطيقا أرسطاطاليس، ولكن التدقيق في ترجمة متي - التي اطلع قدامة على ترجمة شبيهة بها فيما يبدو - قد يشير إلى رأي مخالف.

لقد قدمنا القول بأن الترجمة العربية بكتاب الشعر قد سمت التراجيديا والكوميديا باسم المديح والهجاء. ويبدو أن هذه التسمية الخاطئة قد رسخت في ذهن قدامة أن العرب واليونان يشتركون في هذين الفنين. وان اليونان قد سهلوا له الطريق حين وضعوا لهما قواعد نقدية، وبحسب ما تستطيع أن تؤديه الترجمة العربية يدور المديح على أعمال الأفاضل والهجاء على أعمال الأراذل:" فقد يجب أن يكون هؤلاء إما افاضل، وإما أراذل، وذلك ان عاداتهم واخلاقهم بأجمعهم إنما الخلاف بينها بالرذيلة والفضيلة؟ وبهذا الفصل بعينه الخلاف الذي للمديح عن الهجاء "(2) ؛ وما دام المديح

(1) انظر المقدمة الإنجليزية: 41.

(2)

فن الشعر: 88، 89.

ص: 197

يدور حول الفضائل، وما دامت الفضائل الكبرى أربعاً، فلماذا لا يوفق قدامة بين النظريتين، لاسيما وأنه يقرأ في الترجمة المشوهة:" وأنواع المدائح أربعة أنواع (1) ؛ ثم يقرا في موضع آخر: (وقد يجد ضرورة أن تكون جميع أجزاء صناعة المديح ستة أجزاء بحسب أي شيء كانت هذه الصناعات "، وتختلط هذه الأمور في ذهنه فيحاول ان يحلها، ويسعفه عقله المنطقي على الاهتداء إلى حل. هي أربع بالنسبة للفضائل الكبرى، وهي ست بما تركب عنها. ثم لا يستطيع أن يفهم من التقسيمات الأصلية شيئاً لأنها تتصل في حقيقتها بالمأساة لا بالمديح، ولكنه يحس انه خرج من المأزق منتصراً. وقد كان الأمر كذلك لان بوادي الأمور الخاطئة قد تكونت لديه في صورة نظرية جديدة. وهو غير متردد في أن ما خرج به من استنتاج موافق لرأي المعلم الأول، لان المعلم الأول يقول أيضاً:" والتشبيه والمحاكاة هي مدائح الأشياء التي هي في غاية الفضيلة "(2) .

كيف تم التلاءم بين القاعدة الأخلاقية والغلو في الشعر

و" غاية الفضيلة " تمثل جانباً من الجواب على السؤال الثاني، فقد قال أرسططاليس ان الفضيلة وسط بين طرفين، فهل يجوز للشاعر أن يصف قوماً بالإفراط في هذه الفضائل؟ وجواب قدامة على ذلك بالإيجاب لان هذا من باب الغلو في الشعر وليس يراد منه غلا المبالغة والتمثيل لا حقيقة الشيء (3) ؛ لقد اختلف الناس في النظر إلى الشعر وانقسموا في مذهبين: ناس يرون الغلو في المعنى، وناس يرون الاقتصار وانقسموا على الحد الأوسط، بل إن بعضهم يستجيد الغلو في شعر وينكره في آخر، ويقول قدامة معلقاً على ذلك: " عن الغلو عندي أجود المذهبين وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء قديماً. وقد بلغني عن بعضهم أنه قال: أحسن الشعر

(1) فن الشعر: 132.

(2)

نفسه: 117.

(3)

نقد الشعر: 31.

ص: 198

أكذبه، وكذا يرى فلاسفة اليونانيين في الشعر على مذهب لغتهم " (1) . وفي هذا يقف قدامة مناقضاً لمبدأ الصدق الذي دافع عنه ابن طباطبا والآمدي، معتمداً في رأيه على نقاد قدماء من العرب وعلى فلاسفة يونان، وإن كنا لا ندري يقيناً إلى أي الفلاسفة يشير.

ويستمر قدامة في تأييده للغلو حتى ولو أفرط فيه الشاعر وجاء بما يخرج عن الموجود (2)، ولكن من الطبيعي أن نسأل: أليس لهذا الغلو حد يقف عنده، أو بعبارة أخرى هل يبلغ الغلو مرحلة لا يكون فيها مقبولاً؟ لقد تنبه قدامة لهذه المسالة عند حديثه عن عيب من عيوب المعاني سماه " إيقاع الممتنع فيها في حال ما يجوز وقوعه "، وتحديد الممتنع أنه " لا يكون، ويجوز أن يتصور في الوهم " وهو في هذا يختلف عن المتناقض، لان المتناقض لا يكون أبداً. ومن أمثلة هذا الممتنع الذي وضع فيما يجوز وقوعه قول أبي نواس:

يا أمين الله عش أبداً

دم على الأيام والزمن " فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله: عش أبداً أو دعا له وكلا الأمرين مما لا يجوز، مستقبح "(3) ؛ أقول تنبه قدامة إلى أن حكمه هذا قد يوهم التعارض مع ما سمح به من قبل إفراط في الغلو، فقال: " ونحن نقول إن هذا وما أشبهه ليس غلواً ولا إفراطاً بل خروجاً عن حد الغلو الذي يجوز أن يقع، إلى حد الممتنع الذي لا يجوز أن يقع، لان الغلو إنما هو تجاوز في نعت ما، للشيء أن يكون عليه وليس خارجاً عن طباعه إلى ما لا يجوز أن يقع له، لان الذي كنا كما قلنا إنه جائز مثل قول النمر بن تولب:

(1) نقد الشعر: 26.

(2)

نفسه: 28.

(3)

نقد الشعر: 132.

ص: 199

تظل تحفر عنه عن ضربت به

بعد الذراعين والساقين والهادي فليس خارجاً عن طباع السيف أن يقطع الذراعين والساقين والهادي وان يؤثر بعد ذلك ويغوص في الارض، ولكنه مما لا يكاد أن يكون؟ وليس في طباع الإنسان أن يعيش أبداً؛ وأيضاً فأنا كنا قد قدمنا أن مخارج الغلو إنما هو على " يكاد " وليس في قول أبي نواس: عش أبداً موضع يحسن فيه، لأنه لا يحسن على مذهب الدعاء أن يقال: يا أمين الله تكاد تعيش أبداً (1) .

وهذه قضية تتطلب توضيحاً، فقد أقرا قدامة أن الغلو يخرج " عن باب الموجود ويدخل في باب المعدوم " وأجاز ذلك على سبيل المثل وبلوغ النهاية (2) ، إلا أنه وإن كان معدوماً، فإن وقوعه أمر ممكن، أما الممتنع فإن وقوعه أمر غير ممكن، ولامتحان الفرق بين هذين نضع كلمة " يكاد " فحيث صلحت فذلك غلو جائز الوقوع، وحيث لم تصلح فذلك " ممتنع " لا يكون أبداً (وإن جاز أن يتصور في الوهم) . وهذا يجعل الغلو واسع المدى بحيث لو سمعنا قول الشاعر:

ولو قلم ألقيت في شق رأسه

خفيت وما غيرت من خط كاتب لقلنا على مذهب قدامة " أكاد أخفى؟ " وإذن يكون هذا من الغلو الذي لا يمنعه قدامة، وأمثال ذلك كثيرة، وواضح ان الوقوف عند حد " الممتنع " الذي لا يكون أبداً غير دقيق في التمييز بين أنواع الغلو.

وقد كان قدامة في هذا الموقف يستوحي أيضاً فكرة وردت عند ارسططاليس وهي: " أما فيما يتصل بالصدق الشعري فإن المستحيل المحتمل

(1) نفسه: 132 - 133.

(2)

نفسه: 27.

ص: 200

مفضل على شيء غير محتمل إلا انه ممكن " (1) ؟.؛ وإذا أخذنا بقانون " الاحتمال " الأرسططاليسي وجدنا ان بعض أنواع الغلو غير محتملة لكنها ممكنة وهي ما يؤثر ارسطو أن يبعده من حيز الشعر، وأن بعض ما سماه قدامة " الممتنع " يقع تحت " المستحيل المحتمل " وأن ارسطو يفضله على النوع السابق؛ هل نقول هنا إن قدامة لم يستطع أن يفهم ما عناه الفيلسوف؟ عن المثل الذي أورده قدامة لأبي نواس " يا أمين الله عش أبداً " يدخل في غير المعقول (لا في الممتنع) وهو شيء أنكره ارسططاليس في الشعر لأنه يحطم منطق الأشياء وقانون السبية، فالمثل صحيح، ولكن القاعدة العامة التي وضعها قدامة لا تتقيد برأي ارسطو.

ذلك هو الموقف فيما يتصل بالغلو، فلنأخذ في الحديث عن إقرار قدامة بجواز الفحش والرفث في الشعر، فنقول:

هل يجوز الفحش والرفث في الشعر مع قيامه على اساس افلاطوني

إذا كان الشعر يعتمد على أساس أخلاقي كهذا الذي وصفه قدامة فكيف يجيز للشاعر أن يتحدث في شئون متصلة بالرفث والضعة وما أشبه من المعاني الذميمة؟ وجواب قدامة على هذا أن المعاني كلها معروضة للشاعر يتكلم منها فيما أحب دون أن يحظر عليه معنى من المعاني، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصورة، وعليه إذا شرع في معنى أن يتوخى البلوغ إلى النهاية المطلوبة من التجويد (2) . إذ الأساس الأخلاقي إنما يتناول تصوير الجوانب الموجبة، وليس هناك من يستطيع أن يحظر عليه تصوير الجوانب السالبة، وإلا لم يكن الهجاء فناً من فنون الشعر على هذا الاعتبار.

(1) اعتمدنا ترجمة بتشر: 99 وفي ترجمتنا " إن المستحيل المقنع اقرب إلى غاية الشعر من الممكن غير المقنع "(ص: 105) .

(2)

نقد الشعر: 4.

ص: 201

هل يبقى الشاعر على مستوى نفسي واحد؟ وهل يقبل منه التضاد

وما دامت هذه الحرية مكفولة للشاعر، فليس ينتظر منه ان يظل على مستوى نفسي واحد، ولهذا يرد قدامة على من عاب أمرا القيس لأنه صور نفسه " ساعياً لمجد مؤثل " مرة وقانعاً " بالشبع والري " مرة أخرى - في موقف أشرنا إليه فيما سبق - وكان رده ذا وجهين، الأول: أن امرأ القيس لم يناقض نفسه، فإنه أكد في الأولى انه لو شاء لقنع ولكنه لا يريد، وفي الثانية انه قانع، وليس في هذا تناقض وإنما في الموقف الأول زيادة على الثاني، والشعران يحتويان على اكتفاء الإنسان باليسير، والرد الثاني: أنه لو كان امرؤ القيس متناقضاً لم يكن في نظر قدامة مخطئاً، إذ أن الشاعر لا يوصف بان يكون صادقاً، غنما يراد منه إذا أخذ في معنى من المعاني - أياً كان ذلك المعنى - أن يجيده في وقته الحاضر وحسب (1) .

التناقض في موقفين ليس عيباً على الشاعر، ولكنه عيب كبير حين يكون في المعنى الواحد، وهنا يلجا قدامة أيضاً إلى أرسططاليس، غلا انه يعتمد كتاباً آخر هو المقولات (2) ليفسر معنى التقابل ومنش التناقض. يقول أرسطو ويتابعه قدامة: إن الأشياء تتقابل على أربع جهات (3) .

1 -

جهة أل إضافة: كالأب والابن، والعبد والمولى.

2 -

جهة التضاد: كالخير والشرير والحار والبارد.

(1) انظر نقد الشعر: 5 - 6.

(2)

المقولات (ترجمة إسحاق بن حنين: 94) على هامش تلخيص كتاب المقولات لابن رشد (تحقيق بويجيه)، وقد أشار الأستاذ بونيبكر إلى هذا الأخذ عن أرسطو في مقدمته ص:41.

(3)

انظر نقد الشعر: 124 - 125.

ص: 202

3 -

جهة العدم والقنية كالعمى والبصر.

4 -

جهة النفي والإثبات: مثل زيد جالس، زيد غير جالس.

فمن أمثلة التناقض من جهة التضاد قول أبي نواس يصف الخمر:

كان بقايا ما عفا من حبالها

تفاريق شيب في سواد عذار

تردت به ثم انفري عن أديمها

تفري ليل عن بياض نهار فالحباب في البيت الأول ابيض، يشبه الشيب، وهو في الثاني أسود ينجاب عن سطح الكأس انجياب الليل.

ومن التناقض من جهة الإضافة قول عبد الرحمن القس:

فغني إذا ما الموت حيل بنفسها

يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر فقد شرط أن يحل الموت بها حتى يموت هو، قم قال " قبل " - وقدمه على " بعد " ولا يكون ذلك في المعقول. هذان نموذجان للتناقض الذي ينكره قدامة، وهو متصل بالامعقولية؛ موافق لما أنكره ارسطو من أمر غير المعقول في الشعر.

بهذا يكون قدامة قد أجاب على السؤال الثاني في عناصره الثلاثة (الغلو - الفحش - التناقض) ، ومع أن أمثلته معظمها إنما هي مما عالجه نقاد العرب من قبل - كقصة امرئ القيس في موقفين، ومبالغات أشار إليها النقاد مثل مبالغة مهلهل والنمر بن تولب، وقصة حسان مع النابغة حول الجفنات الغر اللواتي يلمعن بالضحى، واعتراض عبد الملك على كثير لوصفه إياه بلبس الدرع في الحرب) فإن تفسيره لهذه الأمثلة متصلاُ بالأصول النظرية التي وضعها، يدل على إحسانه الجمع بين الأصول اليونانية والنماذج العربية، وقدرته الفائقة على التطبيق، وحضور الشواهد الضرورية في

ص: 203

ذهنه. غير انك تجده حين يتحدث عن شئون الغلو والفضيلة وأخلاقية المنبع الشعري، ولا أخلاقية بعض النماذج الشعرية، غنما همه ان يوافق بين ما حشده من روافد مختلفة تأدت إليه من ثقافته اليونانية، وسواء أكان فهمه للآراء دقيقاً أو خاطئاً، وسواء أكانت أجوبته على المشكلات موفقة أو غير موفقة، فغن هذا الموقف يصور ما كان يشغل باله من شئون المزاوجة بين الشعر والفكر، وابتداع " علم " نقدي. وليس من الضروري أن نتتبع دينه إلى يونان في جزئيات الأمور (1) ، وإنما يكفي أن نقول من قدامة ليضع ما يمكن أن نسميه " منطق الشعر ". وليس هذا واضحاً وحسب في بناء الكتاب وتقسيماته، وحدوده، واقتباس بعض الآراء اليونانية فيه، بل هو واضح على أشده في الحديث عن خصائص المعاني وعيوبها كذلك.

منطق الشعر

فإن " منطق الشعر " يقتضي صحة التقسيم وصحة المقابلات وصحة التفسير والتكافؤ، وهو أيضاً ينر فساد التقسيم وفساد التقابل وفساد التفسير والتناقض؛ غير أن الفضائل المذكورة تمثل طبيعة الفكر الإنساني السليم، كما أن العيوب تمثل ما ينكره هذا الفكر، فتلك فضائل لا يستقل بها الشعر، وهذه عيوب تنطبق على كل شئون القول؛ ولبيان هذا الموقف بمزيد من الوضوح أقول: إننا حقاً قد نستبين العيب من جهة فساد التقسيم أو فساد التقابل أو التناقض في الشعر، وننفر منه من أجل واحد أو غير واحد من هذه العيوب، فالمقياس السالب هنا، أدق في تفسير عدم التأثير الذي نرجوه في الشعر، ولكن المقاييس الإيجابية لا تصنع شعراً،

(1) قد أشار الأستاذ بونيبكر إلى بعض الأمثلة، وصرح بأنه يأخذ جملة من كتاب أخلاق النفس لجالينوس (ص:45) .

ص: 204

فقد يتم للبيت من الشعر صحة التقسيم، أو صحة المقابلات أو صحة التفسير، ثم لا تميزه إحدى هذه الخصائص عن مستوى الكلام العادي الذي نتطلب فيه أيضاً مثل هذه الفضائل دون تسمح فيها. ولهذا يمكن أن نقول أن الصفات الإيجابية التي وضعها قدامة للمعاني لا تميز الشعر بشيء، وبقي هذا الشعر بحاجة إلى استنباط خصائص أخرى، وإلى بناء " منطق شعري " غير المنطق العام الذي بناه قدامة. وليس من المعاياة ان نفترض بان شعراً قد يخلو من كل هذه الخصائص الإيجابية يظل مع ذلك في نظرنا شعراً جميلاً مؤثراً، أما العيوب المنطقية فغنها إن وجدت فيما نسميه شعراً جميلاً مؤثراً شانت صفحته، وجعلتنا ننفر منه مما خرج على حد المعقولية؛ وليس معنى ذلك أن " صحة التقسيم " مثلاً لا تكون سبباً من أسباب جمال الشعر، وإنما الذي أقوله هنا: أن صحة التقسيم حقيقة مفترضة ضرورة، لا ينكشف أثرها، إلا إذا كانت غاية في ذاتها، كان تكون العامل المشترك في المبنى الكلي أو أشبه ذلك، لنقل إذن إن الشعر يجب أن يخلو من العيوب التي يحد بعضها بكذا وكيت، فأما أن نحصر الخصائص الإيجابية فيه فذلك شيء ليس في طوق أحد على النحو الجزئي الذي أراده قدامة، ولعل هذا هو أكبر عيب في محاولته، وخلاصة هذا العيب انه أنه أراد ان يحكم الخصائص المنطقية في مجال لا منطقي، فلم يفرد الشعر عن غيره بشيء، وبهذا ورط البلاغيين العرب من بعده حين تصوروا أن صحة المقابلة والإيغال والتتميم وما أشبه قد تكون سمات لتمييز القول البليغ من غيره.

إحساس قدامة بان " منطق الشعر " لا يمكن أن يكون كلياً

ولست أظن أن قدامة كان غافلاً تماماً عن قصور هذه المحاولة، فغن إحساسه أحياناً بان الشعر لا ينضبط بالقاعد الصارمة موجود في كتابه. ها أنت تراه بعد ان يضع قاعدته الكبرى في المدح وهي جمع الفضائل الأربع أو ما يترتب منها، قد عاد يقول " وقد أومأ أبو السمط مروان بن أبي حفصة في مدحه شراحيل بن معن بن زائدة إيماء موجزاً ظريفاً أتى على كثير

ص: 205

من المدح اختصار وإشارة بديعة حيث قال:

رأيت ابن معن انطق الناس جوده

فكلف قول الشعر من كان مفحما

وارخص بالعدل السلاح بأرضنا

(1) فما يبلغ السيف المهند درهما " فالتفاته إلى هذا الإيجاز أو الإيماء في أغراض الشعر إشارة إلى انه يدرك ان هناك أموراً ربما لم تندرج بسهولة تحت القاعدة العامة. وأزيد بان ما خرج عن القاعدة العامة اكثر بكثير مما انضوى تحتها، واحسبنا لو دمنا لقدامة ضروباً من أمثلة الشعر تتجاوز النماذج التي جاء بها كمية وأنواعاً (كالفرار في الحرب، والهجاء القائم على السخرية، والرثاء الوجداني الخالص دون تعداد للمناقب، والتحسر على الشباب و؟ إلى عشرات من أمثالها) لوسع من حدود النظرية والمصطلح، أو لاضطر ان يقيم الاستثناءات مقام القاعدة.

الفرق بين منطق قدامة وعقلانية ابن طباطبا

ولست أقول إن نقد قدامة - لذلك - كله عقلي محض، فإن النقد العقلي (أو الذهني) قد يستكشف العلاقات الجمالية كما هو عند ابن طباطبا، وغنما نقد قدامة لا يستطيع أن يتناول إلا " الواقع " الشعري دون غيره من المستويات، ومثل هذا النقد يستطيع ان يتمرس بالحقائق التي يقبلها العقل في الشعر ويؤثر التقرير والوضوح والحسم الفاصل والصحة المتميزة. والفرق بين قدامة وابن طباطبا أن الأول يريد أن يضع للشعر مخططاً منطقياً بقطع النظر عن السعة والشمول وحكم الذوق، والثاني يحاول ان يحد من طغيان الذوق بشيء من القواعد والأسس. ولكن بينهما من الشركة ما يتضح في

(1) نقد الشعر: 37 - 38.

ص: 206

موقف كل منهما من التشبيه. فقد اشترط ابن طباطبا أن يقوم التشبيه على " الصدق " - لأنه المبدأ الكبير في نظرته النقدية. وما كنا ننتظر من قدامة وهو المؤمن بمبدأ الكذب في الشعر فيه أن يحدد التشبيه بقوله: " فاحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد "(1) ويورد على ذلك أمثلة مواقفة لهذه القاعدة كتشبيه صوت جرع اللبن بصوت المطر الواقع على خباء الادم، وتشبيه شخب العنز عند الحلب بصوت الكير إذا نفخ؛ وسر ذلك ان قدامة غنما يتسامح في الغو إذا كان في المعاني لا في الصور، وحين يأخذ التشبيه في الإفراط، فقد يتحول إلى استعارة، وهي - على أنها سر الشعر - يضيق بها قدامة ذرعاً، ولا يستطيع أن يتقلبها إلا إذا حملها محمل التشبيه، فقول امرئ القيس:

فقلت له لما تمطى بصلبه

وأردف أعجازاً وناء بكلكل معناه أن هذا الليل في تطاوله " كالذي يتمطى بصلبه لا أن له صلباً " وهذا في حقيقته إنكار لطبيعة الاستعارة، وقيمة ما فيها من تشخيص، ولذلك يتخلص منها قدامة تخلص المستثقل البرم بأمرها حين يقول:" فما جرى هذا المجرى مما له مجاز كان أخف واسهل مما فحش ولم يعرف له مجاز، وكان منافراً للعادة بعيداً عما يستعمل الناس مثله "(2) .

(1) نقد الشعر: 55.

(2)

نقد الشعر: 105.

ص: 207

لماذا يهون قدامة من شان الاستعارة كما استبعد الآمدي الاستعارات البعيدة؟

وهذا التهوين الضمني من شان الاستعارة يشير إلى شيئين: أولهما أن المنهج العقلي لا يستلطف مثل هذا التصور الجامح الذي لا يخضع لتحديدات منطقية، فالاستعارة تحطم كثيراً مما بناه قدامة بصبر وتؤدة، والثاني ان قدامة لو لم يخضع لمنطقه الصارم لقدرنا أيضاً أن يقف مثل هذا الموقف نفسه في بيئة كانت ثائرة على ما يسميه قدامة " ما فحش ولم يعرف له مجاز " من أمثال استعارات أبي تمام التي انصب عليه من أجلها اشد هجوم. ولهذا رأينا قدامة هنا يحتكم للعادة، أي الذوق العام، في قبول الاستعارة. وليس احتكامه إلى العادة قاصراً على هذا الجانب من الشعر، بل أنه يتناول شئوناً أخرى في المعاني، حتى ليعد مخالفة العرف عيباً فيقول: " ومن عيوب المعاني مخالفة العرف والإتيان بما ليس في العادة والطبع مثل قول المرار:

وخال على خديك يبدو كأنه

سنا البدر في دعجاء باد دجونها فالمتعارف المعلوم أن الخيلان سود أو ما قاربها في اللون، والخدود الحسان غنما هي البيض وبذلك تنعت، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى " (1) .

انعدام الاهتمام بالحالة النفسية في نقد قدامة

ثم أن الاهتمام بالاستعارة يعني من بعض جوانبه الاهتمام بقوة الخلق عند الشاعر، ولن تجد ناقداً مثل قدامة، قصر حديثه كله على الشعر نفسه دون أن يلتفت للشاعر أو للمتلقي. فليس يدخل في نقد قدامة أي حديث عن الحالات النفسية بالمعنى الدقيق ولا عن الطبع وما أشبه من هذه الأمور التي تعرض لها ابن قتيبة، وليس يهتم كثيراً بالسامعين وحالتهم النفسية عند تلقي الشعر.

(1) نفسه: 132 - 134.

ص: 208

لم لم يهتم بالسرقات رغم احتفاله بالمعنى

وهذا التركيز الشديد جعله يصدر حكماً على السرقات الشعرية دون أن يسميها، وبذلك أهمل موضوعاً كبيراً أستأثر باهتمام غيره من النقاد، فبذلوا فيه جهوداً مضنية قليلة الثمرات. وكان الذي أثاره إلى هذا الموضوع حديثه عن الاستغراب والطرافة. وهو أن يكون المعنى مما لم يسبق إليه. غير أن وصف المعنى بأنه غريب وطريف لا علاقة له بكونه جيداً أو غير جيد، فقد يكون الجيد غير طريف أو غريب. وقد يكون الغريب الطريف غير جيد. والسبق إلى المعنى ليس صفة للمعنى نفسه بل هو صفة للشاعر إذ انه هو السابق في الاهتداء إليه. أما المعنى فإنه عن كان قبيحاً في ذاته لم يحسنه هذا السبق، والعكس كذلك:" واحسب انه اختلط على كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر فلم يكادوا يفرقون بينهما، وإذا تأملوا هذا الأمر نعماً علموا أن الشاعر موصوف بالسبق إلى المعاني واستخراج ما لم يتقدمه أحد إلى استخراجه لا الشعر "(1) . أرأيت إلى هذا الفصل الدقيق بين الشعر والشاعر؟ كان قدامة يقول: أنا في حديثي عن الشعر لا اهتم إلا بصفاته الذاتية وحدها، فأما ما كان متعلقاً بالشاعر نفسه فلا شان لي به. ولكن اين الحديث عن السرقات في هذا الذي عرضنا له؟ هو حديث يشبه الإيماء إذ ان قدامة يتقد أن الشعراء لو تعاوروا مثلاً تشبيه الدروع بحباب الماء الذي تسوقه الرياح، ظل التشبيه في ذاته جميلاً، ولم تخلق جدته بسبب تداول الشعراء له: ومن ثم فليس لنا أن نبحث من هو أول من سبق إلى هذا التشبيه أو ذاك المعنى، وليس لنا ان نقف عند ننظر إلى حسن الأداء وحده دون أي شيء آخر. وكأن قدامة يومئ من طرف خفي غى ان المعاني شركة للجميع، مطروحة في الطريق، فإن لم تكن كذلك واهتدى شاعر إلى معنى غريب طريف، فحقه ان يوصف هو بالسبق، أما معناه

(1) نقد الشعر: 83.

ص: 209

فإن غرابته أو طرافته لا تميزه بشيء في ميزان النقد. وقد امتلأت الدنيا بالغريب الطريف البارد في آن معاً " مثل أشعار قوم من المحدثين سبقوا إلى البرد فيها "(1) . ومن حق قدامة علينا أن نقدر له هذا الموقف من تداول المعاني، ولكننا نخشى أن يكون قد فاته التنبيه إلى ما في التكرار من أثر في النفس عكسي، مثلما فاته ان الطرافة والغرابة تعبير عن تأثر القارئ، فقول القارئ إن هذا المعنى طريف يمثل هزة خاصة وجدها في نفسه نحو الجدة النسبية، وهذا شيء طبيعي يكسب المعنى صفة جمالية، إذ ليست كل صفة في المعنى يجب أن تكون قائمة فيه. فأنت ترى أن قدامة لا يعبر الحالة النفسية أدنى اهتمام، فالتكرار الذي يبلغ حد الابتذال لا يقلل من جودة التشبيه ما دام جيداً في ذاته، والطرافة لا تزيد شيئاً إلى المعنى لأنها ليست من خصائصه. وإذا تقدمنا خطوة اخرى لمحنا ان قدامة الذي لا يعرف التأثر الانفعالي في حكمه قد خرج على خطته فاتهم المحدثين بسبقهم إلى إشعار باردة، وهذا يومئ إلى ذوق متمكن في القديم، أو إن شئت الدقة فقل إن قدامة كان ضيق النفس بكل ما خرج على أصول الكلاسيكية اليونانية والعربية في آن معاً.

لم تحفظ قدامة في حال النسيب وما أشبهه؟

ولهذا لا يستطيع في بروده المنطقي واقتصاده الذهني ان ينقل إلينا تأثره بموضوع قائم على الانفعال القوي مثل النسيب، (أو الرثاء الوجداني) فأما إذا كان الحديث في المدح والهجاء فذلك أمر سهل ميسور، لان المقاييس تستطيع أن تتسع هنالك لما تتسع له في أمر النسيب، استمع إلى لون من تذوقه لشعر غزلي:

" وأما قول الشاعر:

يود بان يمسي سقيماً لعلها

إذا سمعت عنه بشكوى تراسله

(1) نقد الشعر: 83.

ص: 210

ويهتز للمعروف في طلب العلا

لتحمد يوماً عند ليلى شمائله فهو من احسن القول في الغزل، وذلك ان هذا الشاعر قد أبان في البيت الأول عن اعظم وجد وجده محب، حيث جعل السقم ايسر مما يجد من الشوق، فإنه اختاره ليكون سبيلاً إلى أن يشفى بالمراسلة. فهو ايسر ما يتعلق به الوامق وأدنى فوائد العاشق. وأبان في البيت الثاني عن إعظام منه شديد لهذه المرأة حيث لم يرض نفسه لها عن سجيته الأولى حتى احتاج إلى أن يتكلف سجايا مكتسبة يتزين بها عندها، وهذه غاية المحبة " (1) . وما أظن أن القارئ الحديث لو طلب إليه أن يختار من محاسن الغزل، يختار هذين البيتين، إلا أن قدامة يرى أن الشعر قد أدى معنى " غاية المحبة " وهذا يكفي، ثم لا يسال الشاعر بعد ذلك، لا عن صدق التجربة، ولا عن قوة الانفعال، ولا عن النقل التصويري؟ لا يسأل عن شيء من ذلك: " إذ كان الشعر إنما هو قول فإذا أجاد فيه القائل لم يطالب بالاعتقاد لأنه قد يجوز أن يكون المحبون معتقدين لاضعاف ما في هذا الشاعر من الوجد، فحيث لم يذكروه وإنما اعتقدوه فقط لم يدخلوا في باب من يوصف بالشعر " (2) وليس الأمر هنا تفاوتاً بين حال من يعبر عن وجد، وحال من يبقى الوجد كامناً في نفسه لا يحسن التعبير عنه، كما يقول قدامة. وإنما الفرق بين قدرتين على التعبير لا يحسن التعبير عنه، كما يقول قدامة. وإنما الفرق بين قدرتين على التعبير عن حالة واحدة من الوجد، وهذا ما ينفر قدامة من الوقوف عنده. الست تراه يجمع في نطاق واحد بين قول الشاعر المتقدم وبين قول أبي الصخر الهذلي:

أما والذي أبكى واضحك والذي

أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها

بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر

(1) نقد الشعر 68 - 69.

(2)

نفسه: 69.

ص: 211

فما هو إلا أن أراها فجاءه

فأبهت لا عرف لدي ولا نكر؟ الخ الأبيات. ثم لا يستطيع - أو لعله لا يرى - أن يدل على الفرق الواضح بين الشعرين في طبيعة الانفعال، وما يتصل به من عناصر شعرية. وأن المسالة ليست مطالبة الشاعر بالاعتقاد - اي بصدق الحادث من الزاوية التاريخية - وإنما بمقدار ما هنالك من الصدق في نقل التجربة، وإن كانت متخيلة، وإلا فما معنى قول قدامة في النسيب:" ومما اختم به القول أن المحسن من الشعراء فيه هو الذي يصف من أحوال ما يجده ما يعلم به كل ذي وجد حاضر أو داثر انه يجد أو قد وجد مثله "(1) ؟ - مرة أخرى يقف قدامة عند المشاركة الشعورية، ثم يتهرب من التفضيل، ليلجا إلى محض الأداء المستوي لمعنى من المعاني، إن النسيب من حيث وجوده قد يمثل مشكلة بالنسبة لقدامة، لأنه ليس كالمدح أو الهجاء أو الرثاء وليد قاعدة أخلاقية، ولكنه يحاول أن يتجاهل هذا الوضع ويجعل له صلة بالأخلاق فيقول في تعريفه:" إن النسيب ذكر الشاعر خلق النساء وأخلاقهم وتصرف أحوال الهوى به معهن "(2) ؛ ولكن وصف الخلقة ليس ذا صلة بالأخلاق، ووصف المواجد الذاتية (أحوال الهوى وتصرفها) ليس أيضاً من باب الأخلاق. كذلك فغن ذكر الشاعر " أخلاق " النساء لا يتصل بالفضائل الأربع ولا بما تركب عنها، ومن هنا صح أن نعد النسيب مشكلة فلسفية بالنسبة لقدامة - مشكلة محيزة يريدها ان تخضع للكيان الأخلاقي العام ويتحيل لها من كل وجه، فيرى أن الذي يميل النساء إلى الرجل " الشمائل الحلوة " من ضمن السمات الأخرى (كالمعاطف الظريفة والحركات اللطيفة والكلام المستعذب؟) وتحس ان قدامة مغلوب على أمره، فحيثما أراد مسحة أخلاقية للغزل وجد الصفات الأخرى اغلب وأقوى، ولعله لم يخف عليك الأساس الأخلاقي

(1) نقد الشعر: 67.

(2)

نفسه: 65.

ص: 212

في إعجابه بالبيتين المتقدمين اللذين عدهما من احسن الغزل، وذلك قول الشاعر:

ويهتز للمعروف في طلب العلا

لتحمد يوماً عند ليلى شمائله فإن في البيت ما يرضي إحساس قدامة العميق بالربط بين الحب " والمعروف " وان " ليلى " امرأة تحب (الشمائل الحلوة " التي تدفع صاحبها إلى طلب العلا - إلى مستوى أخلاقي رفع. ثم إن مما يزيد حال النسيب إشكالاً عند قدامة ان أستاذه أرسططاليس لا يذكر شيئاً عنه عند الحديث عن الشعر، وغنما يكتفي بذكر المدح والهجاء (أو هكذا فهم قدامة) فأما الرثاء فمن السهل قياسه على المدح وان لم يتحدث ارسططاليس عنه.

مقياس الجودة

من كل ذلك يتبين لنا ان قدامة لا يملك مقياساً في النقد إلا الجودة (ويقابلها الرداءة) وفي الطرف الأعلى منتهى الجودة (وفي الادنى منتهى الرداءة) وبين المرحلتين مواقف هي وسائط بين المدح والذم " تشتمل على صفات محمودة وصفات مذمومة. فما كان فيه من النعوت اكثر كان إلى الجودة أميل، وما كان فيه من العيوب أكثر كان إلى الرداءة أرب، وما تكأفات فيه النعوت والعيوب كان وسطاً بين المدح والذم "(1) ؛ فالحكم يتحقق بان تعود إلى ما حدده قدامة من نعوت للبسائط والمركبات، وخاصة نعوت المعاني وعيوبها، في حالتي الأفراد والتركيب، وتعد ما في القصيدة من فضائل، وما فيها من عيوب، وتقرر إلى أي الطرفين تميل، ليكون حكمك نقدياً، ولتكون أنت ممن يعلم النقد، أي تخليص الجيد من الرديء.

(1) نقد الشعر: 9.

ص: 213

نظرة إجمالية

ذلك هو قدامة في النقد، يقف موقف العالم، يصنف كل شيء بمنتهى الدقة والوضوح، ويسيء الظن بالقارئ، فيضع له الأنموذج ليقيس عليه، ولا ريب في أنه بنى أسساً نقدية متكاملة. وغاص بذكائه الفذ على أمور دقيقة في المعاني، وآمن بان النقد يقوم على نظرية محددة؛ وقدامة في كل ذلك نسيج وحده. وغن خالفناه في اكثر ما يريده من الشعر والنقد؛ لقد أراد أن يكون " معلم " النقد في تاريخ الأدب العربي، كما كان أرسططاليس في تاريخ " المنطق " وفي " كتاب الشعر "، ولكن حيث كان كتاب الشعر عاملاً حافزاً. كان كتاب قدامة كالمعلم المتزمت، أو سرير بروكست، من كان طويلاً فلا بد أن يقص جزء منه كي يستطيع ان ينام فيه. وإذا كان كتابه قد لقي من المهاجمين أكثر مما لقي من المؤيدين - كما سنوضح في هذا السياق التاريخي - فإنه يمثل اجتهاداً ذاتياً مدهشاً. وقد كان موضع الرضى لدى أولئك الذين آمنوا بقيمة الفكر والثقافة الفلسفية.

أبو نصر الفارابي (- 339)

سبب اهتمام الفارابي بالخطابة والشعر

كان اهتمام الفارابي بالخطابة والشعر جزءاً من منهجه الفلسفي العام، ولذا فإنه فسر ريطوريقا (كتاب الخطابة) ، ولعل هذا التفسير هو الذي قال فيه ابن أبي أصبعية " كتاب في الخطابة كبير، عشرون مجلداً "(1) ؛ وذكر له القفطي أيضاً " صدر كتاب الخطابة " وكتاباً " في صناعة الكتابة "(2) ؛ أما في الشعر فإن ابن أبي أصبيعة لم يذكر له سوى " كلام له في الشعر والقوافي "، ولا ندري إن كان هذا الكتاب هو إحدى الرسالتين اللتين

(1) عيون الأنباء 2ك 139.

(2)

تاريخ الحكماء: 279 وانظر ابن أبي أصيبعة: 138.

ص: 214

وصلتا له في الشعر وهما: " رسالة في قوانين صناعة الشعراء "(1) ثم " كتاب الشعر " وهو " رسالة صغيرة (2) ، ويضاف إلى هذين الأثرين ما جاء عن الشعر في كتاب " إحصاء العلوم ".

رسالة في صناعة

ويبدو أن " رسالة في قوانين صناعة الشعراء " تلخيص لجزئيات من كتاب الشعر مع الإفادة من شرح لثامسطيوس على ذلك الكتاب، إذ أن الفارابي يقول بعد ان يعد أصناف الشعر اليوناني:" فهذه هي أصناف أشعار اليونانيين ومعانيها على ما تناهي إلينا من العارفين بأشعارهم وعلى ما وجدناه في الأقاويل المنسوبة إلى الحكيم ارسطو في صناعة الشعر وغلى ثامسطيوس وغيرهما من القدماء والمفسرين لكتبهم "(3) . والرسالة - كما لاحظ الدكتور بدوي - " لم تتناول كتاب ارسطو في الشعر إلا لماماً ولم تمسه إلا مساً خفيفاً جداً "(4) . وفي فاتحتها اعتذار عن استيفاء الموضوع لان " الحكيم " نفسه لم يكمل القول في صناعة الشعر " ولو رمنا إتمام الصناعة التي لم يرم الحكيم إتمامها - مع فضلة وبراعته - لكان ذلك مما لا يليق بنا، فالأولى بنا أن نومئ إلى ما يحضرنا في هذا الوقت من القوانين والأمثلة والأقاويل التي ينتفع بها في هذه الصناعة "(5) ؛ وحين يخبرنا الفارابي أن الحكيم لم يكمل القول في صناعة الشعر أتراه بعني النقص الذي لا يزال إلى اليوم شاهداً على ضياع قسم من الكتاب أم ترى الفارابي كان يتوقع من الحكيم إشباع القول في

(1) نشرها الأستاذ آربري أول مرة في RSO مجلد 17 (ص 267 - 272) وأعاد نشرها الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتاب " فن الشعر " ص 149 - 158.

(2)

وجدت في المخطوط رقم: 812 في المكتبة الحميدية باستانبول، ونشرها الدكتور محسن مهدي بمجلة شعر (عدد 12/ 1959) ص 91 - 95.

(3)

فن الشعر: 155.

(4)

مقدمة فن الشعر: 53.

(5)

فن الشعر: 150.

ص: 215

جوانب أخرى من الشعر، كالشعر الغنائي وفنونه المختلفة؟ أياً كان الامر، ومهما تكن الصلة بين رسالة الفارابي وكتاب ارسطو خفيفة فإن الفارابي - في مجموع ما وصلنا من حديث له عن الشعر - كان على معروفة بكتاب ارسطو، ولكنه لم يفد منه الإفادة المستوفاة لأسباب عديدة: منها انغلاق بعض أجزاء الكتاب دونه، ومنها أنه غير منصرف - على الحقيقة - للشعر والنقد، أو كما اعتذر في آخر القوانين بقوله:" إلا أن الاستقصاء في مثل هذه الصناعة يذهب بالإنسان في نوع واحد من الصناعة وفي وجهة واحدة، ويشغله عن الأنواع والجهات الأخرى "(1)، وأنت إذا قرأت قوله في وصف الكتاب الثامن " أي كتاب الشعر " من الكتب المنطقية:" والثامن فيه القوانين التي تسير بها الأشعار وأصناف الأقاويل الشعرية المعمولة والتي تعمل في فن من الامور، ويحصي أيضاً جميع الأمور التي تلتئم بها صناعة الشعر، وكم أصنافها وأصناف الأشعار والأقاويل الشعرية، وكيف صنعة كل منها، ومن أي الأشياء يعمل وبأي الأشياء يلتئم ويصير أجود وأفخم وأبهى وألذ، وبأي أحوال ينبغي ان يكون حتى يصير أبلغ وأنفذ "(2) ، ذكرت ما جاء في العبارة الأولى من كتاب الشعر (3) ، وغن انتحى الفارابي منحى البسط والإسهاب. كذلك فإن حديث الفارابي عن المحاكاة في مواضع مختلفة يشير إلى أنه استطاع استيعاب هذه النظرية على وجه مقبول. وهو لا يسمى المأساة والملهاة ما سماها متى مدحاً وهجاء بل يحتفظ باسميهما اليونانيين " طراغوذيا وقوموذيا " وإن كان في تعريفه لهما بعيداً عن إدراك

(1) نفسه: 158.

(2)

إحصاء العلوم: 72.

(3)

جاء فيها: " لما كان موضوعنا هو الشعر فإني لا انوي أن أتحدث في الفن الشعري عامة فحسب، ولكني سأبحث في فنونه المختلفة وأتلمس التأثير الصحيح لكل منها وأتعرف البناء أو النهج الذي يعد أساسياً في القصيدة الجيدة وعدد الأجزاء التي يتكون منها كل فن وطبيعة كل جزء فيها وما أشبه ذلك مما يجري هذا المجرى ويتسق مع وجهة البحث (كتاب الشعر: 18) .

ص: 216

مهمة كل منهما وطبيعتها.

ولابد لدراسة ما جاء به الفارابي حول الشعر من ترتيبه على نحو ما، على أن نذكر ان جانباً من رسالته الصغيرة (التي نشرها الدكتور مهدي) يرد في كتاب إحصاء العلوم ويكاد يكون الشبه بينهما حرفياً.

أنواع العلوم التي تتناول الشعر

تنقسم العلوم التي تتناول الشعر في أقسام فبعضها لإحصاء الأوزان والأسباب والأوتاد (أي المقاطع والأرجل) باليونانية) وبعضها يتناول نهايات الابيات، وبعضها للفحص عما يصلح ان يستعمل في الشعر من ألفاظ، ولكن هناك علماً اسمه " علم الأقاويل الشعرية " وهو الذي يحدد طبيعة الأقاويل وغايتها على النحو الذي أورده ارسططاليس في كتاب الشعر (1) . وهذه البداية تذكرنا بما قاله قدامة في مقدمة كتابه " نقد الشعر ".

موضع الأقاويل الشعرية بين سائر الأقاويل

وليست الأقاويل الشعرية إلا ضرباً واحداً من ضروب الأقاويل: فهناك الأقاويل البرهانية والجدلية والخطابية والسوفسطائية والشعرية، وتتفاوت هذه في حظوظها من الجزم والقياس، فبعضها جازم مطلقاً كالأقاويل البرهانية، وبعضها غير جازم، ومن ثم تتفاوت في حظوظها من الصدق والكذب: فالأقاويل البرهانية صادقة بالكل لا محالة، والجدلية صادقة بالبعض على الأكثر، أما الأقاويل الشعرية فإنها كاذبة بالكل لا محالة (2) ، لأنها قائمة على التخييل، ومن هنا نفهم من ابن سند قدامة القول العربي " أعذب الشعر أكذبه " بسند من الفلسفة اليونانية؛ على ان لفظة " الكذب " موهمة هنا، فهي ليست غضاً من قيمة الشعر، وإنما هي لتمييز الأقاويل الشعرية عما

(1) انظر إحصاء العلوم: 51 - 52، 72.

(2)

فن الشعر: 150، 151.

ص: 217

يعتمد إطلاقاً على البرهان ويكون صدقاً كله، ومع ذلك فغن الأقاويل الشعرية ترجع إلى نوع من أنواع السولوجسموس (القياس) أو ما يتبعه من استقراء ومثال وفراسة (1) . ولهذا كان للتخييل في الشعر قيمة العلم في البرهان، والظن في الجدل، والإقناع في الخطابة، لأنه ذو قيمة - سنتبين طبيعتها - في الفعل الإنساني (2) ، لهذا يكون من الخطأ الفادح أن نجعل كلمة " كذب " تهويناً من شأن الشعر.

عنصر المحاكاة أو التخييل

وهذا التخييل هو الذي يسمى المحاكاة " والأقاويل الشعرية هي التي شانها أن تؤلف من أشياء محاكية للأمر الذي فيه القول؛ فإن محاكاة الأمور قد تكون بفعل، وقد تكون بقول، فالذي يفعل ضربان: أحدهما أن يحاكي الإنسان به إنساناً بعينه أو شيئاً غير ذلك - أو يفعل فعلاً يحاكي به إنساناً ما أو غير ذلك. والمحاكاة بقول هو: أن يؤلف القول الذي يضعه أو يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيه القول، وهو أن يجعل القول دالاً على أمور تحاكي ذلك الشيء، ويلتمس بالقول المؤلف مما يحاكي الشيء تخييل ذلك الشيء: أما تخييله في نفسه وإما تخييله في شيء آخر، فيكون القول المحاكي ضربين: ضرب يخيل الشيء نفسه، وضرب يخيل وجود الشيء في شيء آخر "(3) .

(1) نفسه: 151.

(2)

مجلة شعر: 93 - 94.

(3)

مجلة شعر: 93.

ص: 218

بين الشعر والرسم في المحاكاة

إذن فالشعر (القول الشعري) يقوم على المحاكاة، وهو في ذلك يشبه الرسم (صناعة التزويق) وليس من اختلاف بينهما إلا في مادة الصناعة. ولكنهما متفقان في صورتها وافعالها وأغراضها، " وذلك أن موضع هذه الصناعة الأقاويل، وموضع تلك الصناعة الأصباغ؟ إلا ان فعليهما جميعاً التشبيه (التمثيل) وغرضيهما إيقاع المحاكيات في أوهام الناس وحواسهم "(1) .

أهمية المحاكاة في الشعر

وما دام الشعر يعتمد على المحاكاة فغن المحاكاة والأشياء التي تتم بها تعد أهم عنصر في الشعر، ولو طلبنا تعريف الشعر عند القدماء لكان كما يلي:" وان يكون قولاً مؤلفاً مما يحاكي الأمر وان يكون مقسوماً بأجزاء ينطق بها في أزمنة متساوية "، ففيه أذن عنصران كبيران: المحاكاة ومادتها، والوزن، والثاني اصغر العنصرين، وكل ما قد يضاف من عناصر إلى الشعر بعد ذلك فإنه تحسين فيه يجعله افضل، ولكن تلك العناصر الإضافية لا تعد من صميم ما يتطلبه الشعر (2) .

قيمة الوزن في الشعر

غير أن الشعر إذا خلا من الوزن بطل ان يكون شعراً والأصح أن يسمى عند ذلك " قولاً شعرياً "(3) ؛ على انه قد شاع بين الناس تقديم الوزن، حتى لم يعد بعض الشعراء يبالون ان يكون الشعر مؤلفاً مما يحاكي الشيء (4) ، وكان الفارابي هنا يومئ إلى فقدان فكرة " المحاكاة " عند شعراء العرب وجماهير المثقفين منهم، ويزيد بان العرب اهتموا بنهايات الأبيات أكثر من اهتمام الأمم

(1) فن الشعر: 157 - 158.

(2)

مجلة شعر: 92

(3)

نفسه.

(4)

نفسه.

ص: 219

الأخرى التي عرفت اشعارها، وهم يرون أن الشعر يصير أكمل وأفضل بألفاظ محددة تقع في النهايات (1) . ولكن هذا الشرط غير موجود عند " القدماء ".

أقسام الشعر على أساس الوزن والموضوع

وعلى أساس الوزن ينقسم الشعر في أنواع، مثلما ينقسم على أساس المعاني، وقد اختار العرب القسمة الموضوعية حين ميزوا الاهاجي والمدائح والمفاخرات والألغاز والمضحكات والزليات والوصفيات (2) . ولم يجعلوا لكل موضوع وزناً خاصاً به، وكذلك فعلت أكثر الأمم ما عدا اليونانيين فإنهم جعلوا لكل نوع من أنواع الشعر نوعاً من الوزن، فأوزان المدائح عندهم غير أوزان الاهاجي وهذه غير أوزان المضحكات. ولهذا كان لكل من الطراغوذيا والقوموذيا والديثرامبي وسائر الأنواع الشعرية (3) موضوع خاص ووزن خاص: " أما طراغوديا فهو نوع من الشعر له وزن معلوم يلتذ به كل من سمعه من الناس أو تلاه، يذكر فيه الخير والأمور المحمودة المحروص عليها ويمدح بها مدبرو المدن، وكان الموسيقاريون يغنون بها بين يدي الملوك، فإذا مات الملك زادوا في أجزائها نغمات أخرى وناحوا بها على أولئك الملوك.. وأما ديثرمبي فهو نوع من الشعر له وزن ضعف وزن طراغوذيا يذكر فيه الخير والأخلاق الكلية المحمودة والفضائل الإنسانية ولا يقصد به مدح ملك معلوم ولا إنسان معلوم، لكن تذكر فيه الخيرات الكلية. وأما قوموذيا فهو نوع من الشعر له وزن معلوم تذكر فيه الشرور وأهاجي الناس وأخلاقهم المذمومة وسيرهم الغير المرضية، وربما زادوا في أجزائه نغمات وذكروا فيها الأخلاق المذمومة التي يشترك فيها الناس والبهائم والصور المشتركة

(1) نفسه: 91.

(2)

لاحظ أن هذه القسمة تتجاوز الأنواع التي عدها قدامة.

(3)

عد منها الفارابي ثلاثة عشر نوعاً وقال عن الحكيم عددها في أقاويله عن صناعة الشعر (ص 152 من فن الشعر) .

ص: 220

القبيحة أيضاً " (1) .

الخلاف بين الشعر العربي وغيره في العلاقة بين الشعر واللحن

وقد نشأت عند بعض الأمم علاقة وثيقة بين اللحن والوزن، إذ يجعلون النغم التي يلحنون بها الشعر أجزاء للشعر، فإذا نطقوا الشعر دون لحن بطل وزنه، وليس كذلك العرب، فإنهم يجعلون " القول بحروفه وحدها "، فإذا حن الشعر العربي فقد ينشا تباين بين إيقاع اللحن وإيقاع القول (2) .

غاية المحاكاة

أما المحاكاة - وهي أهم العنصرين - فإن من شانها أن تخيل الأمر على حال افضل أو احسن " وذلك إما جمالاً أو قبحاً أو جلالة أو هواناً أو غير ذلك مما يشاكل هذه "(3) . وبما أن أفعال الإنسان كثيراً ما تتبع تخيلاته (مثلما أنها كثيراً ما تتبع ظنه وعلمه) صارت الأقاويل الشعرية تستعمل: " وفي مخاطبة إنسان يستنهض لفعل شيء باستفزازه إليه واستدراجه نحوه، وذلك إما بان يكون الإنسان المستدرج لا روية له ترشده، فينهض نحو الفعل الذي يلتمس منه بالتخييل، فيقوم له التخييل مقام الروية، وغما ان يكون إنساناً له روية في الذي يلتمس منه، ولا يؤمن إذا روى فيه أن يمتنع، فيعاجل بالأقاويل الشعرية لتسبق بالتخييل رويته حتى يبادر إلى ذلك الفعل؟ الخ "(4) فغاية المحاكاة أو التخييل هي الإثارة والحفز والاستفزاز إلى الفعل " سواء صدق ما يخيل إليه من ذلك أم لا، كان الأمر في الحقيقة على ما خيل أو لم يكن "(5) .

(1) فن الشعر 151، 152 - 153.

(2)

مجلة شعر: 91 - 92.

(3)

إحصاء العلوم: 67.

(4)

إحصاء العلوم: 68 - 69.

(5)

مجلة شعر: 94.

ص: 221

السبب في قدرة المحاكاة على التأثير

والسبب في قوة المحاكاة ان ما يعرض لنا لدى التخييل شبيه بما يعرض لنا عند النظر إلى الشيء نفسه، فلو كان هناك شيء نعافه ولكنه ليس يخيل إلينا انه مما يعاف فتنفر أنفسنا منه فنتجنبه، وإن انه ليس في الحقيقة كما خيل لنا " (1) .

محاكاة المحاكاة

وقد تنتقل المحاكاة خطوة أخرى فتصبح محاكاة المحاكاة كالذي يضع تمثالاً لزيد، ثم يضع مرآة يرى فيها التمثال، فصورة التمثال في المرآة محاكاة لمحاكاة وهذا بعد عن حقيقة زيد برتبتين؛ وكذلك الشعر فإنه قد يحاكي الأشياء التي تحاكي الأمر نفسه، وقد تكثر المتوسطات، " وكثير من الناس يجعلون محاكاة الشيء بالأمر الأبعد أتم وافضل من محاكاته بالأمر الاقرب، ويجعلون الصانع للأقاويل التي بهذه الحال أحق بالمحاكاة وادخل في الصناعة وأجرى على مذهبها "(2) . وليس واضحاً كيف تكون محاكاة المحاكاة " في الشعر، إذ لا نظن ان الفارابي يعني هنا محاكاة نماذج شعرية معتمدة، ولعله إنما يعني الرمز والإيماء والكتابة.

تلبس الشعر بالخطابة والخطابة بالشعر

هذه المحاكاة قوام الشعر - كما تقدم القول - ولكنها ليست عنصراً في الخطابة (وهذا فرق أساسي بين الفنين من القول) إلا في أمر يسير منها إذ يختلف الضربان أيضاً في الغاية " فالأقاويل الخطبية هي التي شانها أن تلتمس بها إقناع الإنسان في أي رأي كان، وان يميل ذهنه إلى أن يسكن إلى ما يقال له ويصدق به تصديقاً ما "(3) والأقاويل الخطابية صادقة بالمساواة

(1) إحصاء العلوم: 67 ومجلة شعر: 94.

(2)

مجلة شعر: 95.

(3)

إحصاء العلوم: 66.

ص: 222

(يعني أن حظها من الصدق مساو لحظها من الكذب) بينا الأقاويل الشعرية تخييل والتخييل كذب كله. ولكن كثيراً من الخطباء يغلطون إذ يكونون ذوي قدرة على الأقاويل الشعرية فيستعملون من المحاكاة في الخطابة أزيد مما تستلزمه، فيقول الناس: هذه خطبة بليغة وحقيقة الأمر أنها قول شعري، وكذلك فإن كثيراً من الشعراء ذوي القدرة الإقناعية يضعون في شعرهم الأقاويل المقنعة ويجعلونها موزونة ويسمونها شعراً، وحقيقة الحال أن ذلك قول خطبي عدل به عن منهاج الخطابة، وكثير من الخطباء يجمعون بين الضربين كما يفعل كثير من الشعراء " وعلى هذا يوجد أكثر الشعر "(1) . وهذا من أدق ما نقرؤه في نقد الشعر، ولكنه - فيما يبدو - لم يترك أثراً ما، إذ كانت المقاييس البلاغية قد مزجت الصناعتين وسوت بينهما - على وجه التقريب - ولم يتنبه كثير من الشعراء إلى الأساس الذي ينبني عليه الفرق بين الخطابة والشعر.

ويتفاوت الشعراء في قدرتهم على المحاكاة، وهم بذلك ينقسمون في ثلاث طبقات:

طبقات الشعراء بالنسبة للقدرة على المحاكاة

1 -

طبقة تسعفهم حيلتهم وطبيعتهم المهيأة للمحاكاة والتمثيل، إما لنوع واحد من أنواع الشعر وأما لأكثر أنواعه.

2 -

طبقة يعرفون الصناعة حق المعرفة حتى لا يند عنهم شيء من خواصها وقوانينها فإذا أخذوا في أي نوع من أنواع الشعر جودوا المحاكاة.

3 -

طبقة تقلد هاتين الطبقتين، وتحتذي حذوهما في المحاكاة دون طبع شعري ودون دربة ناعية، وهم اكثر الفئات خطأ وزللاً.

(1) مجلة شعر 92 - 93.

ص: 223

ولكل شاعر من هذه الفئات الثلاث وجهة يتميز فيها بحيث يصدر فيها عن طبع، فمن جبل على المدح صدر منه ذلك عن طبع ولكن ربما اضطر في بعض الأحوال إلى قول الهجاء، فيكون قوله له عن قهر، والاحمد أن يكون صدور الشعر عن طبع (1) .

العوائق النفسية تحول دون قول الشعر

وقد تعترض الشاعر عوائق عن قول الشعر: يرجع بعضها إلى " الكيفيات النفسية " وترددها بين القوة والفتور، كما ان بعض العوائق تكون في الشيء المحكي أي الأمر نفسه، لان علاقة المحاكاة قد تكون خافية. وكثيراً ما يجيء المتخلف في الصناعة بشيء فائق يعسر على العالم بالصناعة الإتيان بمثله وذلك أمر يحدث اتفاقاً (2) .

الأخطار ببال السامع وفائدته في الشعر

وتتفاوت جودة التشبيه، فقد تكون بين أمرين قريبين، وربما أوحد الحاذق المشابهة بين شيئين متباينين، فإذا كان إليه قريباً بين أوب وقريباً أيضاً بين ب وج فغن الحاذق يستطيع ان يخطر ببال السامع أن هناك شبهاً بين أوج (3) . والأخطار ببال السامع ذو فائدة عظيمة في صناعة الشعر (لأنه من قبيل تهيئة النفس)" مثلما يفعله بعض الشعراء في زماننا من انهم إذا أرادوا ان يضعوا كلمة في قافية البيت ذكروا لازماً من لوازمها أو وصفاً من أوصافها في أول البيت فيكون لذلك رونق عجيب "(4) .

تلك هي الآراء التي جاء بها الفارابي مقتبساً أو مفسراً أو مجتهداً، وهو لم يحاول - فيما نعرف - أن يبذل جهوداً تطبيقية في

(1) فن الشعر: 155 - 156.

(2)

فن الشعر: 156 - 157.

(3)

نفسه: 157.

(4)

نفسه: 157.

ص: 224

دراسة الشعر. واكتفى بهذا الموقف النظري، وقد جاء بنظرات تصلح أسساً للفهم العميق، كالتفرقة الارسططاليسية بين الشعر والخطابة، والمفاضلة بين المحاكاة والوزن في الشعر.

تعريف الطراغوذيا والقوموذيا

أما تعريفه لطراغوذيا وقوموذيا ففيه شيء يسير من حديث أرسططاليس وأكثره يدل على اختلاط المفهومات في ذهن الفارابي. فقوله في الطراغوذيا إنه نوع من الشعر له وزن معلوم. كلام صحيح؛ وقوله: " يلتذ به كل من سمعه من الناس أو تلاه " فإنه ينظر إلى قول ارسطو في المأساة " وإذ ليس لنا أن نتطلب في المأساة كل نوع من اللذة ولكن لنا أن نتطلب فيها كل لذة واقعة في نطاق الفن التراجيدي "(1) وأما إشارته إلى اللذة عن طريق التلاوة فقد ذكره ارسطو في قوله: " وبان المأساة قادرة على أن تبلغ غايتها دون حركة أو تمثيل؟. فنحن نستطيع أن نحكم على الرواية ونتبين خصائصها بالقراءة "(2) وقوله: " يذكر فيه الخير والأمور المحمودة " فإنه ترجمة لفكرة ارسططاليس عن أن الشخصية يجب ان تكون خيرة (3) . وأما قوله " يمدح بها مدبرو المدن " فهو ينظر إلى نشأة المأساة على شكل مدائح وترانيم إلهية. وأما غناء الموسيقاريين بها بين يدي الملوك فلعله يشير إلى هذه النشأة أو لعله إشارة إلى الجوق. ومن هذا يتضح لنا أن الفارابي لم يخطئ الفهم ولكن قصر به التصور عن الطبيعة الدقيقة للمأساة.

(1) كتاب الشعر: 56.

(2)

نفسه: 109.

(3)

نفسه: 61.

ص: 225

مواطن الأخذ من أرسطو والخطأ في ذلك

وفي حديثه عن المحاكاة وأهميتها طرف غير قليل من آراء ارسطو، ولكن بعضه خاطئ أو محرف.. فقوله " ويعرض لنا عند استماعنا الأقاويل الشعرية عن التخييل الذي يقع عنها في أنفسنا شبيه بما يعرض عند نظرنا إلى الشيء الذي يشبه ما نعاف فإنه من ساعتنا يخيل علينا في ذلك الشيء انه مما يعاف، فتنفر أنفسنا منه فنتجنبه "(1) وهو تحريف لقول أرسطو: " والناس يجدون لذة في المحاكاة، وتؤيد التجربة صدق هذه المسألة، فقد تقع أعيننا على أشياء يؤلمنا أن نراها كجثث الموتى وأشكال أحط الحيوانات وأشدها إثارة للتقزز، ومع ذلك فنحن نسر حين نراها محكية حكاية صادقة في الفن وتزداد متعتنا بها حين تتوفر الإصابة في المحاكاة "(2)

وأما تباين الشعراء في قدرتهم على المحاكاة، فإنه مأخوذ من قول ارسطو:" وعلى ذلك انقسم هذا الشعر قسمين مختلفين لتباين شخصيات أصحابه الشعراء، فمن كانت نفوسهم وقورة شامخة اختاروا للمحاكاة أعمال الشخصيات السامية ومغامراتها، بينا صور الشعراء الفكهون شخصيات الأراذل والمحتقرين، ونظم هؤلاء في البدء شعراً هجائياً ساخراً، كما نظم الأولون المدائح والترانيم الإلهية "(3) ولكن ليس في كتاب الشعر أي قسمة للشعراء كالتي جاء بها الفارابي، وليس فيه حديث عن الموانع التي تعوق عمل الشعر، مما تصدى ابن قتيبة لشيء منه في مقدمته على " الشعر والشعراء " وكلمة " طبع " مضطربة الدلالة عند الفارابي، ولكن التفرقة بين جبل على المدح ومن جبل على الهجاء تشير إى اختلاف " شخصيات الشعراء " في العبارة السابقة آنفاً.

(1) إحصاء العلوم: 67.

(2)

كتاب الشعر: 26.

(3)

كتاب الشعر 27 - 28.

ص: 226

اكتفاء الفارابي بالنظر دون التطبيق

ومن الغريب أن الفارابي (وهو يعيش في عصر النهضة الشعرية) لم يلابس الشعر العربي كثيراً، ولا ألف فيه كما ألف في صنعة الكتابة؛ إلا أن تكون رسالته في الشعر والقوافي، ذات صلة بالشعر العربي؛ وكم كنا أسعد حظاً لو أن شخصاً عميقاً حاد الذكاء مثل الفارابي لم يمنعه إجلاله لأرسطو من إتمام القول في الصناعة الشعرية. إذ كانت المقارنة بين أدبين - أو على الأقل بين التقاليد العامة والمقاييس المعتمدة في كل منهما - كفيلة بأن توفر له من المجال ما لم يتوفر لأرسططاليس نفسه، إذ كان الحكيم يستمد أحكامه من تصور مقصور على الأدب اليوناني دون غيره. وقد رأينا كيف كانت هذه المقارنة جليلة الفائدة لدى الفارابي في الأمور العامة؛ فهي التي جعلته يتنبه إلى ما غفل عنه قدامه من أمر القافية، وأنها شيء يجد اهتماماً خاصاً من العرب دون كثر الأمم الأخرى، وهي التي حمته من أن يتورط تورط الجاحظ الذي كان يظن أن " الوزن " هو السر المعجز في الشعر العربي؛ وهي التي جعلته يدرك كيف خلط الخطباء والشعراء في الأدب العربي بين الشعر والخطابة أحياناً، ويرى الفرق بين الشعر العربي على التلحين، وعدم دخول اللحن في الإيقاع الشعري - نظرات أصيلة مفيدة إذا أضفتها إلى ما اقتبسه من المعلم الأول، كانت حقيقة بتوسيع آفاق النقد، لو كانت لدى الفارابي شجاعة قدامه في وضع منهج نقدي متكامل.

ص: 227

أبو حيان التوحيدي وأصحابه من مفكري القرن الرابع

ذوق أبي حيان وثقافته وصلتهما بالنقد الأدبي

كان أبو حيان يجمع إلى ذوقه الدقيق في إدراك الجمال في النثر والشعر اطلاعاً على ما كتب في النقد الأدبي، فقد قرأ نقد الشعر للناشئ وعيار الشعر لابن طباطبا ونقد الشعر والكلام الخالص بالنثر في كتاب الخراج لقدامه، وعرف الكتب التي تتصل بعض مادتها بالنقد الأدبي ككتب الجاحظ والمرد وابن قتيبة وابن المعتز، وكان مهيأ بحكم ذلك الذوق النافذ والإطلاع الواسع ليكون في طليعة النقاد، ولكنه، لأمر ما، كان يتهيب النقد أو كما يسميه علم " الكلام على الكلام " ويحس بصعوبته: لان " الكلام على الكلام؟ يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعض، ولهذا شق النحو وما أشبه النحو من المنطق، وكذلك النثر والشعر "(1) ؛ وهو يحكم إمعانه في النثر كان يحب الشعر محبة المتذوق له. ولذلك فإنه أعتذر عن نقد الشعراء المعاصرين حين سأله الوزير أبن سعدان أن يصف له ما تميز به كل واحد منهم فقال: " لست من الشعر والشعراء في شيء، وأكره أن أخطو على دحض وأحتسي غير محض "(2) ، إلا أنه من خلال هذا التواضع لم يكن يهدف إلا إلى تقديم العذر وحده، فأما معرفته بالشعر والشعراء فقد تجاوزت حدود ذلك التواضع بكثير، وهو رغم صعوبة الكلام على الكلام أيضاً كان يزمع أن يكتب رسالة مستقلة في هذا الموضوع (3) ، ولكنا لا ندري هل وفى بوعده أو لم يف.

(1) الإمتاع 2: 131.

(2)

الإمتاع 1: 134.

(3)

المقابسات: 246.

ص: 228

مجالات جهود أبي حيان في النقد

وإذا استثنينا هذه الرسالة وجدنا جهد التوحيدي في النقد، رغم انه جهد عارض، قد تناول ثلاثة مظاهر:

(أ) إرسال أحكام الموجزة حول الشعراء والكتاب المعاصرين.

(ب) تقرير أصول البلاغة نظرياً وتطبيقها عملياً.

(ج) استثارة المعاصرين إلى الإجابة عما يتعلق بالمشكلات النقدية.

(أ) إرسال الأحكام الموجزة حول الشعراء والكتاب المعاصرين:

تناولت أحكام التوحيدي عدداً من أدباء عصره، فمن الشعراء: السلامي والحاتمي وابن جلبات والخالع ومسكويه وابن نباتة وابن حجاج. وإنما خص هؤلاء لأن المقام كان يستدعي الحديث عن شعراء بغداد دون غيرهم، وكانت ملاحظاته مجملة، تنبني عما كونه من رأي في كل واحد منهم بعد أن عرف شعره، ومن ذلك قوله:" أما السلامي فهو حلو الكلام متسق النظام كأنما يبسم عن ثغر الغمام، خفي السرقة لطيف الأخذ واسع المذهب لطيف المغارس، جميل الملابس، لكلامه ليطة بالقلب وعبث بالروح وبرد على الكبد، وأما الحاتمي فغليظ اللفظ كثير العقد، يحب أن يكون يدوياً قحاً وهو لم يتم حضرياً، غزير المحفوظ، جامع بين النظم والنثر، على تشابه بينهما في الجفوة وقلة السلامة، والبعد عن المسلوك، بادي العورة فيما يقول: لكأنما يبرز ما يخفي ويكدر ما يصفي، له سكرة في القول إذا أفاق منها خمر وإذا خمر سدر، يتطاول شاخصاً فيتضاءل متقاعساً، إذا صدق فهو مهين، وإذا كذب فهو مشين "(1) ؛ وقد يبدو هذا الكلام مرسلاً لأنه غير مؤيد بالشواهد، مثلما يتحمل الخلط بين تقدير أبي حيان

(1) الإمتاع 1: 134 - 135.

ص: 229

للشاعر وتقديره للشعر في آن معاً، وإذا كانت المعاصرة تتحمل الوجه الثاني، فإن التدقيق في هذه العبارات قد ينفي القول بأن كلام أبي حيان تعميمي، لأن كل حكم يرسله يدل على تعمق في الدراسة، مع انتحاء الناحية التصويرية أحياناً في هذه الأحكام. وحسبك أن تقرأ قوله مثلاً " وأما أبن جلبات فمجنون الشعر " حتى تحس أن جملة مثل هذه تستوعب كثيراً مما لو أخذ بالتحليل لأفردت له دراسة كاملة، ولكن هل كانت هذه الأحكام تنطبق على هؤلاء الشعراء تماماً؟ ذلك أمر يعز اليوم القطع به، وحسبنا أن أبا حيان فذ في هذه " الطريقة التصويرية " في النقد؛ تلك الطريقة التي استخدمها أيضاً في الحديث عن الناثرين فقال في الصابي مثلاً:" لا يثب ولا يرسب، ولا يكل ولا يكهم، ولا يلتفت وهو متوجه، ولا يتوجه وهو ملتفت "(1) . وقد حاول من كتبوا " المقامات النقدية " من بعد - كما سنوضح ذلك في موضعه - أن يحتذوا هذه الطريقة، فلم يكن لهم ذكاء أبي حيان ولا جمال تصوره وتصويره.

(ب) تقرير أصول البلاغة وتطبيقها عملياً:

تقرير مفهوم البلاغة

أورد أبو حيان قول إبراهيم الإمام " يكفي من خط البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع " ثم علق عليه بقوله: " وهذا الحكم من إبراهيم مبتور لان الإفهام قد يقع من الناطق ولا يكون بما أفهم بليغاً، والفهم قد يقع للسامع ممن ليس ببليغ ولا يكون بليغاً، وليس اشتراكهما في التفاهم بلاغة "(2) . وذهب التوحيدي يحدد البلاغة بأنها تعتمد على الطبع أو على الصناعة أو على الاثنين معاً، وعلى هذا تجيء البلاغة في ثلاثة مستويات؛ بلاغة المطبوع ولا يخلو

(1) الإمتاع 1: 67.

(2)

البصائر 1: 362 - 363 وقول إبراهيم في البيان 1: 87.

ص: 230

من صناعة، وبلاغة المصنوع ولا يخلو من طبع، وفن ثالث مسلسل يبتدر في أثناء هذين المهذبين، والسر كله " أن تكون ملاطفاً لطبعك الجيد ومسترسلا في يد العقل البارع ومعتمداً على رقيق الألفاظ وشريف الأغراض مع جزولة في معرض سهولة، ورقة في حلاوة بيان، مع مجانبة المجتلب وكراهة المستكره "(1) ويقف التوحيدي في هذا الصدد، موقفاً خاصاً من السجع الذي أكثر منه كتاب القرن الرابع، فيرى ألا يشتط الكاتب في اعتماده، فأنه أن فعل لحق كلامه بكلام الكهان والنسأة أو كلام المستعربين من العجم؛ وليس للكاتب أيضاً أن يهجر السجع البتة، وإنما أن يكون في إنشاءه كالطراز من الثوب، والعلم من المطرف، والخال من الوجه " وقد يسلس السجع في مكان دون مكان، والاسترسال أدل على الطبع، والطبع أعفى، والتكلف مكروه والمتكلف معنى "(2) .

كيف يكون المرء كاتباً

ويجيب التوحيدي على السؤال العملي: " كيف يكون المرء كاتباً " فينص في ذلك على الإخلاص والاستهانة بالجهد وعدم الانقياد لسحر اللفظ قبل الوثوق من حدود المعنى، وعلى العناية بالجمال في التأليف، وعلى التوفيق بين الشكل والمحتوى توفيقاً متلاحماً لا انفصال فيه، ومما جاء في وصيته هذه: " فمن أوائل تلك العناية جمع بدد الكلام، ثم الصبر على دراسة محاسنه، ثم الرياضة بتأليف ما شاكله كثيراً أو وقع قريباً إليه، وتنزيل ذلك على شرح الحال: ان لا يقتصر على معرفة التأليف دون معرفة حسن التأليف، ثم لا يقف مع اللفظ وأن كان نازعاً شيقاً حتى يفلي المعنى فلياً، ويتصفح المغزى صفحاً، ويقضي من حقه ما يلزم في حكم العقل، ليبرأ من عارض سقم، ويسلم من ظاهر استحالة، ويعمد حقيقته أولاً ثم يؤسسه ثانياً، ليترقرق

(1) البصائر 1: 365.

(2)

البصائر 1: 366.

ص: 231

عليه ماء الصدق ويدنو من لآلاء الحقيقة " (1) ؛ وقد نقول أن أبا حيان يتحدث هنا عن تجربته الذاتية، ولكن قد يكون أيضاً متأثراً بما قاله ابن طباطبا في كيفية نظم الشعر، فالكلامان في طبيعة المعاناة متشابهان.

(ج) استثارة المعاصرين إلى الإجابة عما يتعلق بالمشكلات النقدية:

المفاضلة بين النظم والنثر

ويتميز أبو حيان بذلك الظمأ العقلي الذي كان يحفزه إلى التساؤل الذاتي وإلى إلقاء الأسئلة عما يعتلج في ذهنه ونفسه من مشكلات، ومن أهم المشكلات التي كانت تجول في ذهنه واذهان المفكرين من حوله مشكلة العلاقة بين النظم والنثر. ثم إمكان المفاضلة بينهما، ومنشأ هذه المشكلة فلسفي الطابع، فقد عرف هؤلاء المفكرون ما حام حوله الفكر الفلسفي من أمر التفاوت بين الخطابة والشعر في حظهما من الصدق والكذب وان الخطابة - وهي اقناعية - متساوية الصدق والكذب، أو صادقة بالمساواة - كما قال الفارابي (2) - وان القول الشعري كاذب بالكل (3) ؛ وعلى هذا الأساس فيما أتصور - كتب أبو زيد البلخي كتابه " أقسام العلوم " وجعل العلوم مراتب يفضل بعضها بعضاً (4) ، ونقدر أن في هذا الكتاب حديثاً عن علم الشعر، يلحق بهذا الباب الذي نتحدث فيه؛ وكتب أبو إسحاق الصابي رسالة في تفضيل النثر والنظم (5) ، ولكن الأمر تعدى هذا الحد الفلسفي (الذي قد يساء فيه فهم معنى الصدق والكذب) إلى المناظرات الجدلية، وذهب كل فريق من المتجادلين يستعين في تفضيل الشعر أو النثر بأمور

(1) البصائر 3: 7 وما بعدها (وانظر: ابو حيان التوحيدي: 136) .

(2)

فن الشعر: 151.

(3)

المصدر نفسه.

(4)

المقابسات: 148.

(5)

المقابسات: 261.

ص: 232

خارجة عن طبيعتهما أحياناً، فكان أبو سليمان المنطقي وأبو عابد الكرخي صالح بن علي وعيسى الوزير وابن طراراة الجريري وابن هندو الكاتب ممن يفضلون النثر، وتتفاوت حججهم بين السطحية والعمق: فمن حجج أبي عابد الكرخي أن النثر أصل الكلام والنظم فرعه والأصل اشرف من الفرع وبالنثر نزلت الكتب السماوية والوحدة فيه أظهر، وهو طبيعي في البدأة لان الناس يتكلمون فيه ابتداءً، وهو غير محتاج إلى الضرورات كالشعر (1)، وكرر أبو سليمان المنطقي أمر ظهور الوحدة في النثر:" النثر اشرف جوهراً والنظم اشرف عرضاً؟ لأن الوحدة في النثر أكثر، والنثر إلى الوحدة اقرب، فمرتبة النظم دون مرتبة النثر، ولان الواحد أول والتابع له ثان "(2) . وذهب عيسى الوزير إلى أن النثر من قبل العقل، والنظم من قبل الحس (3) ، وكأنه يكرر بهذا ما قيل حول حظ الشعر من التخييل وحظ الخطابة من الإقناع؛ ونضرب صفحاً عن حجج الآخرين الذين يفضلون النثر، لأنها قليلة القيمة في ميدان الجدل.

أما الذين يفضلون الشعر فهم في الغالب من طبقة الشعراء: وهم يرون ان الشعر صناعة قائمة بذاتها، بينما النثر (أي الكلام) يستطيعه كل إنسان، وكذلك ذهب هؤلاء إلى ذكر أمور عارضة تبين فضل الشعر كاحتوائه الحكم والشواهد، ونيل الشعراء الجوائز من الممدوحين؟ الخ (4) . وواضح ان هذه الخصومة ما كانت لتصل إلى هذا المستوى لولا تعصب كل فريق لما يحسنه، ومع ذلك فان أبا حيان كان يرى أن الأكثرية يقدمون النظم على النثر، دون ان يحتجوا فيه بظاهر القول، وان الاقلين قدموا النثر

(1) الإمتاع 2: 132 - 134.

(2)

المقابسات: 261.

(3)

الإمتاع 2: 134.

(4)

الإمتاع 2: 138 - 139.

ص: 233

وحاولوا الحجاج فيه، ولذلك سال صيقه مسكويه عن مرتبة كل منهما فكان مجمل جوابه: أن النظم يزيد على النثر بالوزن فهو أفضل من هذه الجهة، أما إذا اعتبرت المعاني فأنها مشتركة بينهما " وليس من هذه الجهة تميز أحدهما من الآخر، بل يكون كل واحد منهما صدقاً مرة وكذباً مرة وصحيحاً مرة وسقيماً أخرى "(1) .

أيهما أشد تأثيراً في النفس الشعر أم النثر وسبب تفاوتهما في الإطراب

ثم حدد أبو حيان هذا السؤال على نحو ادق، فبدلاً من أن يسال عن أفضلية أحدهما على الآخر ألقى على أستاذه أبي سليمان سؤالاً حول أشدهما تأثيراً في النفس، فكان جواب أبي سليمان شبيهاً بما قاله عيسى الوزير، حين قال:" النظم أدل على الطبيعة لان النظم من حيز التركيب، والنثر أدل على العقل لان النثر من حيز البساطة وإنما تقلبنا المنظوم بأكثر مما تقبلنا المنثور لانا للطبيعة أكثر منا بالعقل، والوزن معشوق للطبيعة والحس، ولذلك يفتقر له عندما يعرض استكراه في اللفظ، والعقل يطلب المعنى، فلذلك لاحظ للفظ عنده وإن كان متشوقاً معشوقاً "(2) . وكان مفهوم التركيب والبساطة، أو التكثر والوحدة مفزع أبي سليمان المنطقي كلما سئل عن تصوره لأثر الشعر والنثر، ولذلك نجده يلجأ إلى هذا المفهوم عندما أعاد عليه التوحيدي السؤال في صيغة أخرى وقال:" لم لا يطرب النثر كما يطرب النظم؟ " فقال في الجواب " لأننا منتظمون (أي ذوو تركيب) فما لاءمنا أطربنا، وصورة الواحد (أي الوحدة) فينا ضعيفة ونسبتنا إليه بعيدة "(3) ، وخلص المنطقي من هذا إلى تعليل الأعجاز في القرآن بان صاحب الرسالة " غلبت عليه الوحدة فلم ينظم من

(1) الهوامل والشوامل: 309.

(2)

المقابسات: 245.

(3)

المقابسات: 261.

ص: 234

تلقاء نفسه، ولم يقتطعه، ولا ألقى إلى الناس عن القوة الإلهية شيئاً على ذلك النهج المعروف، بل ترفع عن كل ذلك، وخص في عرض ما كانوا يعتادونه ويألفونه بأسلوب حير كل سامع؟ " (1) .

أثر اختلاف الألفاظ واتفاق المعاني في النفس

واشتق التوحيدي من صلة جرس اللفظ بالحس وصلة المعنى بالعقل سؤالاً جديداً، فسال ابا بكر القومسي - أحد تلامذة يحيى بن عدي، وكان أبو بكر هذا كبير الطبقة في الفلسفة - " ما معنى قول بعض الحكماء: الألفاظ تقع في السمع فكلما اختلفت كانت أحلى، والمعاني تقع في النفس فكلما اتفقت كانت أحلى " فكان جواب القومسي يدور على مفهوم التبدد (التكثر) والتوحد، فالحس من صفاته التبدد وهو تابع للطبيعة، فاختلاف الألفاظ يوافق خاصة التكثر في الحس؛ والنفس متقبلة للعقل، فكلما ائتلفت حقائق المعاني عند ورودها على العقل وافقت نزعة التوحد، وكانت انصع وأبهر (2) .

جواب أبي سليمان عن ماهية البلاغة

ويبدو ان أبا حيان لم يقرأ كتاب الخطابة لارسططاليس وإن كان يعلم انه أحد كتاب الفيلسوف، وأراه حين سال أستاذه أبا سليمان عن ماهية البلاغة كان يعتقد ان أبا سليمان سيجيبه مستمداً من اطلاعه على ما قاله اليونان إذ " بحثوا عن مراتب اللفظ واللفظ وطبائع الكلمة والكلمة موصلة ومفصلة وخواتيم (هي) أحق ما اعتمد " ولكن أبا سليمان اكتفى بقوله " هي الصدق في المعاني مع ائتلاف الأسماء والأفعال والحروف وإصابة اللغة، وتحري الملاحة والمشاكلة، برفض الاستكراه ومجانبة التعسف "(3) . ولو

(1) نفسه: 262.

(2)

المقابسات: 144 - 145.

(3)

المقابسات: 293.

ص: 235

كان أبو حيان يعرف كتاب الخطابة، لاحس أن أستاذه ذا المقام الكبير في نفسه قد خيب ظنه، في هذا المقام. ويسال أبو زكريا الصميري وهو حاضر ذلك المجلس:" وقد يكذب البليغ قد البس لباس الصدق وأعير عليه حل الحق، فالصدق حاكم، وغنما رجع معناه إلى الكذب الذي هو مخالف لصورة العقل الناظم للحقائق ".

هل بلاغته أحسن من بلاغة العرب؟

وعند هذا الكلام يندفع أبو حيان بقوة حبه للغة العربية إلى أن يسال: " هل بلاغة احسن من بلاغة العرب؟ فيجيبه أستاذه، وهو في هذا الموقف علمي الدقة: " هذا لا يبين لنا إلا بان نتكلم بجميع اللغات على مهارة وحذق، ثم نضع القسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها واقصاها، ثم نحكم حكماً بريئاً من الهوى والتقليد والعصبية والمين، وهذا ما لا يطمع فيه إلا ذو عاهة " (1) . غير أن أبا سليمان يهون الأمر على تلميذه، أو يهونه أبو حيان نفسه على نفسه بان ما عرف من اللغات يدل على ان اللغة العربية " أوسع مناهج وألطف مخارج وأعلى مدارج وحروفها أتم وأسماؤها اعظم ومعانيها أوغل ومعارفها أشمل؟ ".

صنوف من مستويات البلاغة

ولم يكتف أبو حيان بتحديد ماهية البلاغة تحديداً كلياً، بل كان يسال أحياناً بعض النقاد رأيهم في بلاغة هذا الكاتب أو ذاك؟ ولم يكن الباعث لسؤاله عن كتابة خصمه اللدود الصاحب بن عباد ومنزلتها من البلاغة، هو محض الرغبة في الفهم، بل كان أبو حيان يحاول كما يعبها هو، فقد سال ابن عبيد الكاتب النصراني (وكان سهل البلاغة حلو اللفظ حسن الاقتضاب غريب

(1) المقابسات: 293 - 294.

ص: 236

الإشارة مليح الوصل والفصل) : كيف ترى كتابة ابن عباد؟ فكان جواب ابن عبيد مطابقاً لما ذكره أبو حيان نفسه في مستويات البلاغة إذ عابه ابن عبيد باللهج في السجع وقال إن " السجع يجب أن يكون كالطراز في الثوب؟ والخال في الوجه " ثم ذكر ما يسمى " المسلسل " الذي توجد منه أمثلة في كلام الجاحظ ثم قال: " والذي ينبغي أن يهجر رأساً ويرغب عنه جملة التكلف والإغلاق واستعمال الغريب والعويص وما يستهلك المعنى أو يفسده أو يحيله، ويجب ان يكون الغرض الأول في صحة المعنى، والغرض الثاني في تخير اللفظ، والغرض الثالث في تسهيل النظم وحلاوة التأليف واحتلاب الرونق "؟ ثم قال: " فخير الكلام - على هذا التصفح والتحصيل - ما أيده العقل بالحقيقة، وساعده اللفظ بالرقة، وكان له سهولة في السمع، ووقع في النفس، وعذوبة في القلب، وروح في الصدر؟ يجمع لك بين الصحة والبهجة والتمام؛ فأما صحته فمن جهة شهادة العقل بالصواب، وأما بهجته فمن جهة جوهر اللفظ واعتدال القسمة، وأما تمامه فمن جهة النظر الذي يستعير من النفس شغفها ويستثير من الروح كلفها "(1) ، فهذا كله يعبر عن رأي التوحيدي نفسه، على وجه يكاد يكون طابقاً. ويجب ألا ننخدع بثناء أبي حيان على ابن عبيد هنا، فإنه إنما مدحه ليجعل لرأيه مكانه مقبولة وإلا فإنه قد أنحى عليه في موضع آخر بقوله جاعلاً هذا القول على لسان ابن سعدان:" وأما ابن عبيد فكلفه بالخطابة والبلاغة والرسائل والفصاحة قد طرحه في عمق لج لا مطمع في انتقاده منه. ولا طريق إلى صرفه عنه، هذا مع حركات غير متناسبة وشمائل غير دمثة "(2) ؛ غير أن هذا الكلف بقواعد الخطابة والبلاغة يجعل سؤاله إياه عن رأيه في بلاغة أحد الكتاب أمراً طبيعياً.

(1) أخلاق الوزيرين 133 - 136.

(2)

الصداقة والصديق: 65 - 66.

ص: 237

لم يكون شعر العروضي رديئاً

وكذلك كان أبو حيان مشغول الخاطر بأمور مستمدة من التجربة العميقة تتصل بالشعر، فمن ذلك ما لاحظه من أن " العروضي " يكون شعره في الغالب ردئياً، مع أن العروض ميزان؛ وكأني بابي حيان أيضاً ينظر هنا إلى رأي الفلاسفة من حوله بأن " علم " المنطق ميزان الفكر، فمن عري منه لم يبن له وجه الخطأ في أقيسته وفكره. ولذلك يتوجه إلى مسكويه بهذا السؤال:" لم صار العروضي رديء الشعر قليل الماء والمطبوع على خلافه؟ ألم تبن العروض على الطبع؟ أليست هي ميزان الطبع؟ فما بالها تخون؟ قد رأينا بعض من يتذوق وله طبع يخطئ ويخرج من وزن إلى وزن، وما رأينا عروضياً له ذلك، فلم كان هذا - مع هذا الفضل - انقض ممن هو افضل منه "(1) ؟ وخلاصة رد مسكويه أن العروض صناعة، وصاحب الصناعة لا يجري ذي الطبع الجيد الفائق. أما المطبوع من المولدين فإنه أحياناً يكسر العروض لأنه لا يعرف الزحافات، فيخلق بها المنكسر، ويتحقق للشاعر المولد أن يلزم وزناً لا يحيد عنه، فيتجنب بذلك الخروج على قواعد العروض. وقد نفد مسكويه من هذا إلى الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر المولد، فزعم أن بعض الأوزان الجاهلية لم تعد تقبلها الأذواق، مع إنها كانت موزونة عند أصحابها، إلا أن طباع المولدين نفرت منها، كقصيدة المرقش:

لابنة عجلان بالطف رسوم

لم يتعفين والعهد قديم ويعلل ذلك بان الشعر الجاهلي كان مصحوباً بالنغمات، فكانت الألحان تجبر ما فيه من زخارف، غير أن الشعر المولد أصبح يقرأ ولذا فلا بد ان يكون خالياً من الحافات حتى تستسيغه الأذواق (2) .

(1) الهوامل والشوامل: 282.

(2)

الهوامل والشوامل: 282 - 284.

ص: 238

تعريف العامري الفيلسوف للشعر، وتحديد المنطقي لأنواع البلاغة

ولهؤلاء المفكرين الذين اتصل بهم التوحيدي، حدود وآراء في بعض ما يتصل بالنقد، كتعريف أبي الحسن العامري للشعر بأنه " كلام مركب من حروف ساكنة ومتحركة. بقواف متواترة، ومعاني معادة، ومقاطع موزونة، ومتون معروفة "(1) وهو تعريف لايزيد شيئاً على ما تقدم من تعرفيات ولأبي سليمان المنطقي تحديد لأنواع البلاغة يجعلها سبعة أضرب وهي: بلاغة الشعر وبلاغة الخطابة وبلاغة النثر وبلاغة المثل وبلاغة العقل وبلاغة البديهة وبلاغة التأويل:

" فأما بلاغة الشعر فأن يكون نحوه مقبولاً، والمعنى من كل ناحية مكشوفاً، واللفظ من الغريب بريئاً. والكناية لطيفة، والتصريح احتجاجاً، والمؤاخاة موجودة، والمواءمة ظاهرة؛ وأما بلاغة الخطابة فأن يكون اللفظ قريباً والإشارة فيها غالبة، والسجع عليها مستوياً، والوهم في أضغافها سابحاً، وتكون فقرها قصاراً، ويكون ركابها شوارد ابل؛ وأما بلاغة النثر فأن يكون اللفظ متناولاً والمعنى مشهوراً والتهذيب مستعملاً والتأليف سهلاً والمراد سليماً والرونق عالياً والحواشي رقيقة والصفائح مصقولة والأمثلة خفيفة المأخذ والهوادي متصلة والإعجاز مفصلة؛ وأما بلاغة المثل فان يكون اللفظ مقتضباً والحذف محتملاً والصورة محفوظة والمرمى لطيفاً، والتلويح كافياً والإشارة مغنية والعبارة سائرة؛ وأما بلاغة العقل فأن يكون نصيب المفهوم من الكلام أسبق إلى النفس من مسموعه إلى الأذن، وتكون الفائدة من طريق المعنى أبلغ من ترضيع اللفظ وتقفية الحروف، وتكون البساطة فيه اغلب من التركيب، ويكون المقصود ملحوظاً في عرض السنن، والمرمى يتلقى بالوهم لحسن التركيب؛ وأما بلاغة البديهة فان يكون انحياش اللفظ للفظ في وزن انحياش المعنى للمعنى، وهناك يقع التعجب للسامع، لأنه يهجم بفهمه على ما

(1) المقابسات: 310.

ص: 239

لا يظن أنه يظفر به كمن يعثر بمألوفه على غفلة من تأميله، والبديهة قدرة روحانية في جبلة بشرية. كما أن الروية صورة بشرية في جبلة روحانية؛ وأما بلاغة التأويل فهي التي تحوج لغموضها إلى التدبر والتصفح وهذان يفيدان من المسموع وجوهاً مختلفة كثيرة نافعة. وبهذه البلاغة يتسع في أسرار معاني الدين والدنيا وهي التي تأولها العلماء بالاستنباط من كلام الله عز وجل وكلام رسوله؟ ولقد فقدت هذه البلاغة لفقد الروح كله، وبطل الاستنباط أوله وآخره، وجولان النفس واعتصار الفكر إنما يكونان بهذا النمط في أعماق هذا الفن، وها هنا تنثال الفوائد وتكثر العجائب. وتتلاقح الخواطر، وتتلاحق الهمم، ومن أجلها يستعان بقوى البلاغات المتقدمة بالصفات الممثلة حتى تكون معينة ورافدة في إثارة المعنى المدفون وإنارة المراد المخزون " (1) .

نقد لرأي أبي سليمان

وواضح أن أبا سليمان المنطقي غير منطقي في هذه القسمة، لأنه ينظر من زوايا مختلفة، فحيناً ينظر إلى النوع فيقسم الكلام إلى شعر ونثر. ثم ينظر إلى النثر نفسه بحسب اختلاف وجوهه فيقسمه إلى خطابة ونثر ومثل. ثم يتحدث عن المحتوى المعنوي ويسميه بلاغة العقل، ثم ينظر إلى طبيعة الإبداع نفسه فيعد شيئاً يسميه " بلاغة البديهة "، ثم يقف وقفة طويلة عند نوع من النثر يتحمل أوجههاً من التأويل، ويفرده بالأهمية. ويرى ان سائر فنون البلاغة إنما تكون في خدمته. وتكاد بلاغة الشعر والخطابة والنثر تتفق في اللفظ عنده. ثم تختلف في بعض الجزئيات، فالوضوح في المبنى الشعري يقابله الإشارة واللمح في الخطابة والإيجاز الشديد في المثل، والسهولة في المبنى النثري. فأما الحديث عن بلاغة العقل والبديهة والتأويل، فليس حديثاً عن الشكل وإنما هو حديث عن المضمون، والمضمون شركة بين فنون القول؛ ولكن من تدبر ما قاله المنطقي وجده يحوم حول تفضيل المعنى، الذي يتطلب

(1) الإمتاع 2: 140 - 143.

ص: 240

من الفكر غوصاً. حتى البديهة تعجب بالعمق نفسه لان عنصر الاجتذاب فيها يقوم على المفاجأة التي لم يكن القارئ يتصور إمكانها. ومهما يكن من شيء فتلك أحكام نظرية متداخلة، لم يحاول المنطقي أن يجعلها موضعاً للتطبيق والتأييد بالشواهد، معتذراً عن ذلك بان مثلتها موجودة في الكتب وهو لا يحب التكرار، وبان الناس قد زهدوا في هذه الأمور لان طلب القوت قد شغلهم عنها، ويأسف على العهود الذهبية أيام عز الخلافة ورونق الديانة وشيوع الخير ونفاق سوق الأدب والعلم.

تقارب النثر والنظم في الإيقاع

وعلى الرغم من أن المشكلة الكبرى التي شغلت أذهان هؤلاء المفكرين هي التمييز بين الشعر أو التفضيل بينهما، فإن أبا حيان يخلص إلى القول بان خير الكلام " ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر ونثر كأنه نظم، يطمع مشهوده بالسمع، ويمتنع مقصوده على الطبع "(1) ؛ ولم يكن هذا التقارب بين الفنين جيداً، فقد رأيناه عند ابن طباطبا، ولكن أبا حيان يلمح إلى شيء من التقارب في الايقاع؛ وهو شيء كفله نثر القرن الرابع، فإن النغمة الموسيقية فيه ارتفعت حتى قاربت نغمة الشعر، وغلبت قوة المحاكاة على الخطابة واختلط الفنان، كما قال الفارابي، ولكن أبا حيان لم يكن يعني الاقتراب بينهما في التصوير؛ غير أنه وجد في القرن الرابع، من يعيب الجاحظ بقلة التشبيهات والاستعارات، بل من يعيبه بأنه بعيد عن " معتاص الكلام " وغريبه (2) ؛ مع أن أبا حيان وأصحابه قد شددوا كثيراً على خلو الشعر والنثر من الغريب وما أشبهه، ولكن نثر القرن الرابع لم يحفل كثيراً بهذا المقياس.

(1) الإمتاع 2: 145.

(2)

انظر المقامة الجاحظية من مقامات بديع الزمان.

ص: 241

مسكويه وأثر أفلاطون

إن انشغال هؤلاء المفكرين بالإجابة عن أسئلة تتعلق بمستوى البلاغة - نظرياً وعملياً - وبالعلاقة والفروق بين النظم والنثر قد أبعدهم من التساؤل عن صلة الشعر بالأخلاق، ذلك لأنهم في أكثر تصوراتهم كانوا يفيئون إلى أرسطو أو إلى القياس على آرائه؛ وينفرد مسكويه من بينهم بأنه وقع - إلى جانب تأثره بأرسطو - تحت تأثير أفلاطون، فإذا هو يتبنى رأيه في ما يجره الشعر من ضرر في تربية الناشئين، وخاصة ذلك اللون من الشعر الفاحش المليء بالأكاذيب المشجع على اللذات كبعض شعر امرئ القيس والنابغة وأشباههما، يقول مسكويه بعد أن يثني على من أتفق له أن يرد على أدب الشريعة وكتب الأخلاق والحساب والهندسة ويتدرج إلى صدق القرن وصحة البرهان " ومن لم يتفق له ذلك في مبدأ نشوئه ثم أبتلي بأنه يربيه والدال على رواية الشعر الفاحش وقبول أكاذيبه واستحسان ما يوجد فيه من ذكر القبائح ونيل اللذات كما يوجد في شعر امرئ القيس والنابغة وأشباههما، ثم صار بعد ذلك إلى رؤساء يقربونه على روايتها وقول مثلها ويجزلون له العطية؟ واشتغل بها عن السعادة التي أهل لها فليعد جميع ذلك إلى شقاء لا نعيماً، وخسراناً لا ربحاً "(1) . ولكن مسكويه لا ينفي الشعر جملة وإنما يستبقي منه في منهاجه التربوي ما يتلاءم والصحة النفسية والجسمانية: " ثم يطالب بحفظ محاسن الأخبار والأشعار التي تجري مجرى ما تعوده بالأدب، حتى يتأكد عنده بروايتها وحفظها والمذاكرة بها جميع ما قدمناه، ويحذر النظر في الأشعار السخيفة وما فيها من ذكر العشق وأهله وما يوهمه أصحابها أنه ضرب من الظرف ورقة الطبع، فإن هذا الباب مفسدة للأحداث جداً "(2) وسنصادف هذه النظرة إلى الشعر أو ما يشبهها كلما جرى الحديث عن العلاقة بينه وبين التربية.

(1) تهذيب الأخلاق: 49 - 50.

(2)

تهذيب الأخلاق: 57.

ص: 242

وقد رأينا فيما عرضناه من آراء هؤلاء المفكرين أن الناحية التطبيقية ضعيفة لديهم باستثناء قدامه بن جعفر؛ وقد كان أبو حيان أصلح بحكم موقفه ليؤدي دوراً في الربط بين الثقافتين، ولكن نظرته إلى الشعر كانت تركيبية، أي كان يدرس ثم يجمل دراسته في كلمات يسيرة.

الحاتمي والعلاقة بين الفلسفة والشعر

وقد حاول الحاتمي - وهو أيضاً ممن عرفهم أبو حيان - أن يقيم صلة بين الشعر والفلسفة لا بين الفلسفة وطرائق النقد، فدل بذلك على نوع جديد من ثقافة الناقد الأدبي في عصره، وإنما أشير في هذا الموطن مثلما تصلح أن تدرس بين الجهود النقدية التي دارت حول المتنبي، وأول ما يثور في النفس إزاء هذه الرسالة نسبتها إلى الحاتمي، لأمرين أولهما: إثبات صلة الحاتمي بالثقافة الفلسفية نفسها، والثاني روح الإنصاف التي تتجلى فيها بالنسبة لما قاله عن المتنبي في غيرها، فأما عن الأمر الأول فنحن نعلم أنه كانت للحاتمي صلة بأبي حيان التوحيدي وببعض المتفلسفين الذين كان يضمهم مجلس الوزير أبن سعدان، ولكن هذه الصلة مهجنة بالأنحاء على الحاتمي ووصفه بثقل الروح والمغالاة بالنفس " وكأنه لا علم إلا عنده ولا فائدة إلا هي معه "(1) ، وكأنه يقول كلما جاء بفائدة لغوية " تنح فقد جاء الأسد وغلب الطوفان وخرج الدجال وطلعت الشمس من المغرب ". وأبو حيان يعلل هذه الخيلاء فيه بغلبة حفظ اللفظ والتصريف عليه، وأنه بعد عن المعاني ومن بعد عنها قل نصيبه من العقل (2) ، ولكن هذا الموقف لا ينفي صلته بالفكر الفلسفي حينئذ، وهاهو في رسالة غير الرسالة موضوع البحث، يقول للمتنبي: أن الناجم إنما نظم أحد المعاني من قول أرسططاليس

(1) الإمتاع 3: 126.

(2)

نفسه: 127.

ص: 243

" وقد تكلمت بكلام لو مدحت به الدهر لما دارت صروفه "(1) ، كذلك يشير إلى أرسطو في كتاب حلية المحاضرة في باب " نظم المنثور " وانه ندب الاسكندر عند موته، ونظم معناه صالح بن عبد القدوس " (2) وذكر إن أرسططاليس يذهب إلى أن " من البلاغة حسن الاستعارة " (3) ، ومن الغريب أن الحاتمي ظن إن حسن الاستعارة تعني هنا إجازة اخذ الشاعر معاني من تقدمه. وهذا فهم في غاية الغرابة. فمن الممكن أن يكون هذا الملمح المبكر هو الذي هداه إلى أن يتتبع التشابه بين معاني المتنبي ومعاني أرسطو.

وأما الإنصاف فإنه يتجلى في قوله في مقدمة رسالته: " والذي بعثني على تصنيف هذه الألفاظ المنطقية والآراء الفلسفية التي أخذها أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي منافرة خصومي فيه، لما رأيت من نفور عقولهم عنه وتصغيرهم لقدره؟. ووجدنا أبو الطيب؟ قد أتى في شعره بأغراض فلسفية ومعان منطقية، فإن كان ذلك منه عن فحص ونظر وبحث فقد أغرق في درس العلوم، وإن يك ذلك منه على سبيل الاتفاق فقد زاد على الفلاسفة بالإيجاز والبلاغة والألفاظ الغريبة، وهو في الحالتين على غاية من الفضل وسبيل نهاية من النبل. وقد أوردت من ذلك ما يستدل على فضله في نفسه وفضل علمه وأدبه وإغراقه في طلب الحكمة؟ "(4) ، ومن عرف هجوم الحاتمي على المتنبي في مواقف أخرى استكثر منه هذا الإنصاف. حتى ليشك في نسبة هذه الرسالة إليه، ولكنا يجب أن نتذكر أن الحاتمي كان مدفوعاً إلى التهجم على المتنبي في بعض الفترات بدوافع ذاتية وأخرى خارجية، وإنه ربما هدأت ثائرته، فأحب

(1) معجم الأدباء 18: 168.

(2)

حلية المحاضرة، الورقة: 99: (مخطوط رقم 4334) .

(3)

نفسه: الورقة81.

(4)

الخاتمية: 22 - 23.

ص: 244

أن يظهر جانباً من تميز المتنبي. كذلك فإن كل من تأمل الرسالة الموضحة وهي أشد هجوم وجهه الحاتمي إلى المتنبي سيرى أن ذلك الناقد لم يكن غافلاً عن حسنات أبي الطيب. وإن كان مغيظاً منه، أضف إلى ذلك أن الحاتمي عرف بالثلب والشتم (1) . كما عرف به أبو حيان، ولكن ساعات الرضى كانت توجهه وجهة الإنصاف؛ على أنه ليس بمستبعد أن يساء الظن حتى في انتحال الحاتمي للإنصاف؛ فيقرأ الباحث في رسالته خبثاً كميناً. كان يدفعه لفضح المتنبي. في نطاق الحكمة نفسها، وهي ميزته التي كفلت له التفوق على الشعراء.

ونحن إن لم نستطع أن نجد جواباً حاسماً في نسبة هذه الرسالة، لا نستكثر أن تكون للحاتمي، لأنها لا تتطلب من منشئها ثقافة فلسفية واسعة. إذ كل ما تتضمنه أقوالاً حكمية لأرسطو. كانت أمثالها معروفة بين الدارسين في القرن الرابع، ولا تحتوي نظرات فلسفية دقيقة ومثلها منثور في كتب أبي حيان والعامري. وجاويدان خرد لمسكويه، والكلم الروحانية في الحكم اليونانية لأبي الفرج ابن هندو (- 420) ثم تمثلت على نحو أتم في القرن الخامس في كتاب " مختار الحكم ومحاسن الكلم " للمبشر بن فاتك.

على أن إثبات نسبة هذه الأقوال لأرسطو ليس بأسهل من إثبات الرسالة للحاتمي، لا نستثني من ذلك الرسائل المنحولة لأرسطو، إذ مدار الأمر هنا أن نثبت اعتقاد الحاتمي بان ما كان يورده من أقوال إنما كان متصلاً بالمعلم الأول في نظر المثقفين في القرن الرابع. وقد حاولت جاهداً أن أرد هذه الأقوال إلى مظانها فوجدت هذا القول: " روم نقل الطباع عن ذوي

(1) أخلاق الوزيرين: 20 - 21.

ص: 245

الأطماع شديد الامتناع " (1) يشبه قول أرسطو: " وكل شيء يستطاع نقله إلا الطباع " (2) والقول: " من لم يقدر على فعل الفضائل فلتكن فضائله ترك الرذائل " (3) يشبه قول أرسطو: " من لم يقدر على فعل فضيلة فليكن همه ترك رذيلة " (4) ؛ فالتشابه في هذين الموضعين يكاد يكون كاملاً. أما قول أرسطو فيما نقله أفلاطون: " إن من التوقي ترك الإفراط في التوقي " (5) ؛ وأورد الحاتمي لأرسطو أيضاً: " الفرق بين الحلم والعجز أن الحلم لا يكون إلا عن قدرة، والعجز لا يكون إلا عن ضعف؟ " (6) ، وهذا لا يشابه قول أفلاطون: " الحلم لا ينسب إلا من قدر على السطوة، والزهد لا ينسب إلا من ترك بعد القدرة " (7) .

ومن أقوال أفلاطون: " ليس الحكيم التام من فرح بشيء من هذا العالم أو جزع بشيء من مصيباته واغتم له "(8) وقريب من هذا ما نسبه الحاتمي لأرسطو وهو: " من علم الكون والفساد يتعاقبان الأشياء لم يحزن لورود الفجائع لعلمه أنه من كونها؟ "(9) . ومما أورده الحاتمي لأرسطو وهو أشبه بنظرات ذيوجانس الكلبي: " قال الحكيم وقد نظر إلى غلام حسن الوجه فاستلطفه فلم يجد عنده علماً: نعم الدار لو كان فيها ساكن "(10)

(1) الخاتمية وبديع أسامة: 264.

(2)

المبشر بن فاتك: 200.

(3)

الخاتمية وبديع أسامة: 281.

(4)

المبشر: 198.

(5)

المبشر: 174.

(6)

الحاتمية: 49.

(7)

المبشر: 165، 157.

(8)

المبشر: 141.

(9)

الخاتمية وبديع أسامة: 265.

(10)

الخاتمية: 36 وبديع أسامة: 268.

ص: 246

فمن أقوال ذيوجانس بذلك قوله حين رأى رجلاً شريراً حسن الوجه: " نعم البيت وبئس الساكن "(1) .

إذن فإن نسبة الأقوال إلى أرسطو تعتمد على نوع من التجوز، وهو شيء لا نعد الحاتمي مسئولاً عنه، لأن أقوال أولئك الحكماء اختلطت إذ كان المقصود منها محتواها، لا مدى الصحة في نسبتها؛ بل إن بعض الأقوال التي أوردها الحاتمي لا يمكن أن يصدر عن أرسطو مثل " الظلم من طبع النفوس " أو " ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك: ولدك وزوجك ومملوكك، فسبب صلاحهم التعدي عليهم ".

ولكن الرسالة على وجه الإجمال تضعنا في جو حكمي فلسفي إذ إنها تتناول شئون الطباع والنفس والشهوة والعقل والزمان والأخلاق، من جبن وغلبة وظلم وحلم وعجز وفضل وحكمة ومحبة وعشق وحرص على المال. وبعضها واضح الصلة بالفلسفية الأفلاطونية مثل:" إذا تجوهرت النفوس الفلسفية لحقت بالعالم العلوي " ومثل: " موت النفوس حياتها وعدمها وجودها لأنها تلحق بعالمها العلوي " كما ان بعضها قد يصوغه المرء المجرب اعتماداً على خبرته في الحياة، دون حاجة إلى أن يعتمد فيه على أفلاطون أو أرسطو، مثل:" إذ كان البناء على غير قواعد كان الفساد أقرب إليه من الصلاح ". ومثل: " إذا لم ترفع عن قدر الجاهل، رفع الجاهل قدره عليك " ولولا أن الحاتمي كان مشغولاً بالاستكثار من التشابه بين شعر المتنبي والفلسفة لأرجع كثيراً من تلك الأقوال - وهو امرؤ كثير المحفوظ - إلى ما عرفه من حكمة العرب. وهذا الاستكثار جعل الحاتمي يفرق الأقوال المتصلة بموضوع واحد، على تقاربها أحياناً، وحسبك أن تقرأ ما أورده حول الفناء وفعل الزمان لتجد هذا التقارب والتشابه في مثل: تعاقب أيام الزمان مفسد لحال الحيوان - الزمان ينشئ ويلاشي -

(1) المبشر: 760.

ص: 247

الكون والفساد يتعاقبان الأشياء - ترداد حركات الفلك يحل الكائنات؛ وكذلك قل في حديثه عن الشهوة وعلاقتها بأنواع النفوس.

والرسالة - في باب النقد - قد تقع في نطاق السرقات، وتجيء تتمة لذلك الموضوع الذي شغف به الحاتمي، ولكنه خفف هنا من وقع السرقة في المقدمة حين قدر ان يكون المتنبي قد اهتدى غليها من خلال نظراته الخاصة وتجربته. ثم هي تشير إلى العلاقة بين المعاني التي ترد في النثر ويستطيع ان يجعلها الشاعر منظومة، وتخص من تلك المعاني المتنبي، كما جعلتها ثقافة منشئها صورة من صور اللقاء بين الفكرة والشعر. ولما حملت الأفكار فيها اسم أرسطو كانت صورة للقاء بين الفكر اليوناني والشعر العربي، ومن هذا استمدت قيمتها فوق المباحث في باب الأخذ والسرقة.

وقد يكون التوافق بين الحكمة النثرية وبيت الشعر توافقاً واضحاً تاماً فمن ذلك: " إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغها ".

وإذا كانت النفوس كباراً

تعبت في مرادها الأجسام ومن ذلك أيضاً: روم نقل الطباع؟ شديد الامتناع:

يراد من القلب نسيانكم

وتأبى الطباع على الناقل (1) وأحياناً يجيء التشابه تعسف من الناقد، فقول ارسطو:" الذي لا تعلم علته لا يوصل إلى برئه " لا يشبهه قول المتنبي:

ومن جاهل بي وهو يجهل جهله

(2) ويجهل علمي انه بي جاهل

(1) الحاتمية: 24.

(2)

الحاتمية: 58.

ص: 248

وقوله: " من كان همه الأكل والشرب والنكاح فهو بطبع البهائم؟ الخ " لا صلة تربطه بقول المتنبي:

أرى أناساً ومحصولي على غنم

وذكر جود ومحصولي على الكلم (1) وقد بلغت الأقوال التي أوردها الحاتمي مائة، وهي على تفاوتها وتكرار بعضها تفيد شيئاً واحداً يعد تحصيل حاصل في حقيقة الأمر. اعني أن أبا العلمية أو من ثقافته؛ ومن شاء أن يزيد عدد تلك الأقوال فعل: ففي قول أفلاطون: " الفقير إذا تشبه بالغني في الهيئة كان مثل الوارم الذي يوهم الناس أنه سمين؟ "(2) قد يوحي للقارئ أن يقرنه بقول المتنبي:

أعيذها نظرات منك صادقة

أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم وتعريف أرسطو للصديق: " الصديق هو أنت إلا أنه بالشخص غيرك " يشير إلى ان المتنبي تلاعب بالتعريف في يأسه من الأصدقاء حين قال:

صديقك أنت: (لا من قلت خلي

وإن كثر التجمل والكلام) والمصطلح الفلسفي الشائع في القرن الرابع كان معروفاً تماماً للمتنبي، فحديث المفكرين عن اللذة والأذى بهذا الشكل (دون أن يقال: اللذة والألم) هو الذي يوحي بهذه المطابقة: (تلذ له المروءة وهي تؤذي) ؛ وكذلك قل في أشعاره ذات الصلة الواضحة بنزعات فلسفية مما عده القدماء في مؤلفاتهم. وقد كان أثر هذه الفلسفة في شعره يتطلب ناقداً ذا ثقافة فلسفية، وسنجد

(1) الحاتمية: 59.

(2)

المبشر: 175.

ص: 249

عند الحديث عن النقد الذي دار حوله، ان هذا الجانب لم ينل عناية كبيرة من النقاد، وان أثره لم يدرس إلا في مواضع قليلة، منها رسالة الحاتمي التي وقفنا عندها في هذا الفصل.

الحاتمي والمفاضلة بين النظم والنثر

وقد شارك الحاتمي أيضاً في الإجابة عن تلك المسالة التي دار الجدل كثيراً حولها في حلقات أولئك المفكرين واعني بها قضية المفاضلة بين النظم والنثر، فكان من القائلين بتفضيل الأول على الثاني، إذ نسمعه يقول:" وأولى هذين بالمزية والقدم المتقدمة، المنظوم، فإنه أبدع مطالع وأنصع مقاطع وأطول عناناً، وأفصح لساناً، وأنور انجماً، وانفذ أسهماً، وأشرد مثلاً، وأسير لفظاً ومعنى "(1) . ويتحدث الحاتمي أيضاً عن المنظوم فيميزه برشاقة في الانسجام وبالخلود وبأنه اجمع للبديع، وانه أبلغ أثراً في النفس من المنثور؛ غير أن النثر خير منه إذا جاء الشعر " غير معتدل النظم ولا متناسب القسمة ولا مقبول العبارة وكانت معانيه بعيدة وألفاظه شريدة "(2) بل أن المنثور " مطلق من عقال القوافي فإذا صفا جوهره، وطاب عنصره، ولطفت استعارته ورشقت عبارته كاد يساوي المنظوم "(3) .

الحاتمي وقضية الصدق والكذب في الشعر

ولم يكن الحاتمي موقف حاسم من قضية " أعذب الشعر أكذبه " تلك القضية التي رأينا صلتها بالفكر الفلسفي، فحين تحدث عن الإغراق (وبعضهم يسميه الغلو) قرر ان العلماء في هذا مختلفون، فبعضهم يرون أبيات الغلو من إبداع الشعر الذي يوجب له الفضيلة اعتماداً على ما قيل " أحسن الشعر أكذبه "، وهذا الفريق يقول: إذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج به

(1) حلية المحاضرة: 3 (مخطوطة رقم 590) .

(2)

نفسه، الورقة:4.

(3)

نفسه، الورقة:50.

ص: 250

عن الموجود ويدخل في باب المعدوم، فإنما يراد به المثل وبلوغ الغاية " وهذا نص كلام قدامة نفسه؛ وفريق آخر يعيب هذا المذهب لمنافاته الحقيقة. أما الحاتمي فلا يرى باساً من إيراد نماذج من الغلو في كتابه يسمى كل بيت منها " أبدع بيت قيل في الإغراق " (1) ، دون أن يكون منتمياً إلى أحد الفريقين بجرأة ووضوح.

(1) حلية المحاضرة، الورقة: 16 (مخطوط رقم 4334) .

ص: 251

- 4 -

المعركة النقدية حول المتنبي

المتنبي في طريقته وشخصه يمثل مشكلة كبرى للنقاد

حوالي منتصف القرن الرابع. ركدت ريح الخصومة حول أبي تمام أو المحدث. ويقبل أبا تمام مثلما يتقبل البحتري، ولكن الظاهرة الجديدة، اعني ظهور المتنبي، كانت مصدر حيرة كبيرة للذوق والنقد معاً. فها هو شاعر يجمع بين القديم والحديث، يجيء بالجزالة والقوة والبيان على خير ما كان يجيء به القدماء، ويغوص على معاني الحياة الإنسانية غوصاً بعيداً، ويضمن شعره فلسفة حياة وثقافة. تنتمي إلى القرن الرابع؛ كذبت المقاييس: أين ما كان يتحدث به الناد عن الصراع بين القديم والمحدث؟ بل أين ما كانوا يتحدثون به من ميل إلى أبي تمام أو نزوع إلى طريقة البحتري؟ إنهم أمام طريقة جديدة قديمة لا ينفع فيها ما اعتمدوه من مقاييس " عمود الشعر ".

وصدم المتنبي الذوق مرتين: مرة بشخصه المتعالي المتعاظم، ومرة بجرأته في الشعر: جرأته التي تركب المبالغة حتى تمس العقيدة الدينية، وتنتحل آراء فلسفية غريبة، وتستخف بأصول اللياقة والعرف في مخاطبة الممدوحين ورثاء النساء. وتتصرف باللغة تصرف المالك المستبد،؟ الخ، ونشبت المعركة بين الأنصار والخصوم، ولكن حصادها كان قليل الغناء، لأن

ص: 252

الخصوم أرادوا تحطيم شعر المتنبي انتقاماً من شخصه وتعاظمه وتعاليه، ولذلك كان اكثر همهم منصرفاً إلى التأكيد على أن شعره " مرقعة " مصنوعة من معاني الآخرين؛ ولم تكن الوسائل النقدية عند الأنصار قد تطورت بما يناسب الجدة التي طلع بها المتنبي على الناس، فاكتفوا إما بتصوير الإعجاب المشدوه أو تفسير المعاني أو الدوران حول حسن الابتداء وحسن التخلص وما أشبه من الأمور الشكلية؛ ولكن الأنصار والخصوم كانوا متفقين على أن المتنبي ليس شاعراً صغيراً. ولذلك يمكن أن يقال إن النقد الذي دار حول المتنبي كان في أكثره هجوماً على المتنبي الإنسان من خلال الشعر؛ وحين شاء هذا النقد أن يحتكم إلى الإنصاف استعار الوسائل القديمة لدراسة ظاهرة جديدة. ولكن لا مجال للإنكار بان النقد في القرن الرابع وما بعده لم ينشغل بشيء انشغاله بالمتنبي وشعره. ولولا إحساس النقاد بكبر الظاهرة. لما وجدت في نفوسهم ذلك الصدى البعيد. فلنتقدم لدراسة هذا النقد في القرن الرابع، في هذا المقام، على أن نولي ما ظهر بهد هذا القرن ما يستحقه من العناية اللازمة حين يرد في موضعه من هذا السياق التاريخي.

محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي (- 388)

نظرة عامة إلى جهد الحاتمي في النقد

كان النقد ميدانه الاكبر، ومعقد جهده الأعظم، فلم يكن جهده فيه قاصراً على المتنبي، ولكن ظهور المتنبي في العراق بعد مغادرته مصر، أثار لديه نحيزته الهجومية، إذ كان طبعه النقدي ينقدح الاحتكاك والصراع، ولذلك جاءت آثاره في النقد متفاوتة تتراوح بين تقرير القواعد ووضع الأصول وبين الحدة الثائرة في تعقب السقطات؛ وفي كلا الطرفين يبدو الحاتمي متفرداً بين النقاد بكثرة الحفظ وتوفر الشواهد، على نحو لا يجاريه فيه معاصروه أو من بعدهم، ولذا كانت نظراته أساساً صالحاً يتعلم منه

ص: 253

الدارسون؛ ومن مؤلفاته التي تتصل بالنقد (1) :

1 -

كتاب المعيار والموازنة (لم يتممه) .

2 -

كتاب المجاز في الشعر.

3 -

كتاب الهلباجة في صنعة الشعر، كتبه للوزير ابن سعدان في رجل ذمه بمجلس وسمى الرجل الهلباجة من غير ان يصرح باسمه.

4 -

كتاب سر الصناعة في الشعر أيضاً.

5 -

كتاب الحالي العاطل في صنعة الشعر: ويستفاد من إشاراته إليه في كتبه الأخرى أنه عرض فيه لأصناف البديع كالتجنيس والتطبيق والاستعارة والإشارة والوحي والتشبيه والتبليغ والتصدير والتسهيم والتقسيم والتقريب والرتصيع والتوشيح والموازنة والمقابلة والاستطراد والمماثلة والمكافأة والمبالغة والالتفات والمساواة؟ الخ (2) مع قسط من التفصيل والإطناب.

6 -

كتاب حلية المحاضرة: وقد عاد فيه إلى الموضوعات التي عرضها في الكتاب السابق، مع مراعاة الإيجاز، ليكون كتاباً صالحاً للمحاضرة والمذاكرة لدى من يطالعه، فهو يقول في فاتحة هذا الكتاب: " وقد رأيت أن اخترع كتاباً أشرع فيه لمحاسن الشعر شريعة ترد الفرائح قراح مائها، وترود منها قطر اندائها، وتشيم بروق أنوائها، وتستهدي بنجوم سمائها، وأقصره على فقره النادرة، وغرر معانيه السافرة، ولمعه البارعة، وكواكبه الصادعة، وأقسامه المختارة وهي ثلاثة؛ مثل شرود وتشبيه رائع واستعارة واقعة، وأودعه من ذلك ما وقع إجماع نقاد الكلام والعلماء بسرائر الشعر

(1) انظر معجم الأدباء 18: 156.

(2)

حلية المحاضرة: الورقة 3 (المخطوطة 590) .

ص: 254

على أنه أشعر ما قيل في معناه من كل نوع تتناوله المحاضرة وتتهادى جواهره المذاكرة؟ " (1) . ويبدو أنه كتب هذا الكتاب قبل منتصف القرن إذ لا تعثر فيه على أية إشارة للمتنبي، وإنما هو محاولة لإرساء القواعد والمصطلحات السابقة في الشعر بأمثلة كثيرة، ولدى الاطلاع على ما وصلنا من هذا الكتاب تجد المؤلف قد أثبت فيه بعد المقدمة، مادة غزيرة تتناول الأمور الآتية:

(أ) فصول في المصطلح الشعري البلاغي مثل الاستعارة والتقسيم والمجانسة والمقابلة والتتميم والاستطراد والتشبيه والحشو والإغراق والابتداء والتخلص، وفيها يتضح أن الحاتمي أطلع على مصطلح قدامة وأفاد منه وأورد أمثلته ولكنه زاد عليه في المصطلح والأمثلة معاً.

(ب) فصول في الأبيات التي تمثل الحكمة والأمثال الشاردة واحسن بيت وأصدق بيت وأكذب بيت وانصف بيت وأهجى بيت؟ وهلم جرا، ثم أشعر بيت في السودد، والاستحقار؟. وأوجز شعر تضمن قصصاً، وأوجز ما ورد في التعريض، وما جرى هذا المجرى في استقصاء لشتى الموضوعات الشعرية. وكما كانت الفصول الأولى ذات سمة شكلية كانت هذه الفصول متصلة بالموضوع.

(ج) باب في مجاز الشعر ومعرض الكلام على أنواع السرقات ومراتبها مما تتناوله المحاضرة وتتعلق به المذاكرة، وهنا يتحدث المؤلف عن الاستعارة المستكرهة والكناية والانتحال والإغارة وألوان من السرقة ودرجاتها المتفاوتة.

(د) أبيات المعاني في موضوعات شتى، وهو يعتمد فيها على مثل كتاب المعاني الكبير لابن قتيبة.

(1) حلية المحاضرة: الورقة 6 - 7.

ص: 255

(هـ) عود إلى أحسن ما قيل في موضوعات مختلفة.

(و) فصل يسميه المؤلف " الفصل التاسع في السابق والمصلي " وهو عود إلى قضية تداول المعاني وبيان ما سبق إليه الشعراء، واخذ اللاحق عن السابق.

ومن هذا يتبين أن حلية المحاضرة قد جمع جهود قدامة وابن المعتز في المصطلح، وجهود ثعلب والنقاد السابقين في تبيان أشعر بيت واغزل بيت؟ الخ، وجهود ابن قتيبة في حصر أبيات المعاني، ثم أضاف الحاتمي باباً كان شديد الشغف به وهو الحديث عن السرقات، ذلك الموضوع الذي عالجه كثيرون من قبله، إلا أنه ميز حدوده بمصطلح جديد.

7 -

الرسالة الموضحة في ذكر سرقات المتنبي وساقط شعره.

8 -

رسالة فيما وافق ارسطو من شعر المتنبي، وقد عرضنا لها في الفصل السابق.

موقفه النقدي قائم على العموميات

ومن الطبيعي أن نكرر القول هنا بان صورة الحاتمي الناقد لا يكتمل قبل العثور على سائر آثاره النقدية، فأما ما وصلنا من كتبه فإنه لا يومئ إلى موقف نقدي متفرد كالذي رأيناه عند ابن طباطبا أو قدامة، أو حتى الآمدي نفسه؛ وإذا نحن طالعنا تصوره لطبيعة الإجادة في فن القول وجدنا ما يلتزمه هنالك غير خارج عما قاله النقاد السابقون، وذلك حيث يقول: " فإذا كان اللفظ فصيحاً والمعنى صريحاً، واللسان بالبيان مطرداً، والصواب مجيداً، والآلة مسعدة، والبديهة مسعفة، والألفاظ لائحة غير مفتقرة إلى تاويل، والمعاني متعاقبة غير مضطرة إلى دليل، والحجج عند الحاجة ماثلة والأسماع قابلة، والقلوب نحو الكلام منعطفة، والإفهام للمخاطب على قدر فهمه واقعاً، والذهن مجتمعاً، والبصيرة قادحة، والقائل موجزاً في موضع الإيجاز مطيلاً إذا

ص: 256

صحت الإطالة. واقفاً عند الكفاية. وكان اللبس ماموناً، وشمائل القول حلوة. والقدرة على التصرف عاضدة، والطبع الذي هو دعامة المنطق شريفاً، والفصول ملتحمة. والفضول محذوفة والفصول مقسومة، وموارد الكلام عذبة ومصادره؟ خارجة عن الشركة، نقية من تكلف الصنعة، فتلك هي البلاغة وهنالك انتظام شمل الإبانة " (1) .

مبدأ التناسب في الشعر وصورة الجسد

وهو يتابع ابن طباطبا في أن القصيدة يجب أن تكون في تناسب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة. غير أنه لا يفيض إفاضته في هذا الربط بين القصيدة والرسالة. إلا أنه بنفذ من ذلك إلى تصور عجيب لا نجده من سبقه من النقاد، وهو أول تصور من نوعه لوحدة قد تعد عضوية:" فإن القصيدة مثلها خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر أو باينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تتحيف (2) محاسنه وتعفي معالم جلاله "(3) ، إلا أنها وحدة عضوية لا تؤدي معنى النمو، وإنما تؤدي معنى التكامل والاعتدال والانسجام، ومن الطريف أن الحاتمي إنما يهتدي إلى هذه الصورة لينادي بوحدة المختلفة لا إلى اشتراكها في طبيعة واحدة، وهو يميز المحدثين بهذه الميزة لأنهم يحسنون الربط الصناعي بين أجزاء القصيدة، ومرة أخرى تتعثر فكرة الوحدة عند النقاد القدماء، وتقتصر على التناسب الخارجي.

(1) حلية المحاضرة، الورقة 2 - 3.

(2)

في الأصل: تتحرق، ووضع الناسخ فوقها لفظة " كذا ".

(3)

حلية المحاضرة، الورقة: 20 (مخطوطة رقم 2334) .

ص: 257

جهد الحاتمي منصرف إلى الاستكثار الأمثلة وتبيان السرقات

ولا نجد لدى الحاتمي مقاييس كبرى في مجال نقده التطبيقي. أو لنقل إن مقاييسه في الأغلب ضمنية أو تعميمية، فإذا تجاوز وضع المصطلحات وإيراد الأمثلة، والقطع الحاسم - دون تعليل - بما هو جيد وما هو رديء. لم يكن شغله الشاغل إلا الحديث في الأخذ والسرقة وما يتصل بهذا الموضوع من شئون، والحق أن الحاتمي رتب أصول هذا الباب وميز مصطلحه، وكان هو يحس بذلك، فلذا نسمعه يقول:" وفرقت بين أصناف ذلك فروقاً لم أسبق إليها ولا علمت أن أحداً من علماء الشعر سبقني في جمعها "(1) ، وقبل أن نمضي في تبيان ما حققه الحاتمي في هذا الموضوع علينا أن نتذكر أنه أستعمل هذا المصطلح نفسه في صدر كتابه بالمعنى البياني المتعارف الذي جرى عليه أبن المعتز وغيره، وهو ينكر على قوم ذهبوا إلى أنه ليس في الشعر " اجتلاب أو استعارة ".

أبواب السرقة

وهذه هي الأبواب التي وضعها الحاتمي في تعداد أنواع الأخذ:

1 -

باب الانتحال؛ وهو أن يأخذ الشاعر أبياتاً لشاعر آخر كما فعل جرير حين أخذ قول المعلوط:

إن الذين غدوا بلبك غادروا

وشلاً بعينك ما يزال معينا

غيضن من عبراتهن وقلن لي

ماذا لقيت من الهوى ولقينا 2 - باب الأنحال: وهو أن يقول شاعر أو رواية قصيدة ثم ينحلها شاعراً آخر، وقد أعاد الحاتمي هنا حديث أبن سلام عما كان يفعله حماد الراوية؛ وتحدث عن خلف الأحمر وعن نحله الشعر لتأبط شراً والشنقري

(1) حلية المحاضرة، الورقة:80.

ص: 258

3 -

باب الإغارة: وهو أن يسمع الشاعر المفلق والفحل المتقدم الأبيات الرائعة بدرت من شاعر في عصره وباينت مذاهبه في أمثالها من شعره، وتكون الأبيات بالشاعر المغير وطريقته أليق، فيستنزل قائلها عنها، ومن أمثلتها ما فعله الفرزدق مع ذي الرمة حين سمعه ينشد:

أحين أعاذت بي تميم نساءها

وجردت تجريد الحسام من الغمد 4 - باب المعاني العقم: وهي الأبكار المبتدعة، ومن أمثالها قول امرئ القيس:

إذا ما استحمت كان فضل حميمها

على متنتيها كالجمان على الحالي 5 - باب المواردة: وهو التقاء الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ ولم يلق واحد منهما صاحبه ولا سمع بشعره.

6 -

باب المرافدة: وهو أن يتنازل الشاعر عن بعض أبيات له يرفد بها شاعراً آخر ليغلب خصماً له في الهجاء.

7 -

باب الاجتلاب والاستلحاق: وهو أن يجتذب الشعر بيتاً لشاعر آخر لا على طريق السرق، بل على طريق التمثل به.

8 -

باب الاصطراف: وهو أن يصرف الشاعر بيتاً أو أبياتاً إلى إحدى قصائده من شاعر آخر لحسن موقع ذلك البيت أو تلك الأبيات في سياق تلك القصيدة.

9 -

باب الأهتدام - بوزن افتعال من الهدم - وهو أن يأخذ شاعر بيتاً لآخر فيغير فيه تغييراً جزئياً، فقول الشاعر:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

تعرض ليلى بكل سبيل

ص: 259

مهتدم من قول جميل:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

تعرض لي ليلى على كل مرقب 10 - باب الاشتراك في اللفظ: وهو أن يشترك الشاعران في شطر بيت، ويتخالفا في الشطر الثاني، فيقول الشاعر مثلاً:

وخيل قد دلفت لها بخيل

عليها الأسد تهتصر اهتصارا فيجيء آخر ويقول:

وخيل قد دلفت لها بخيل

ترى فرسانها مثل الأسود 11 - باب إحسان الأخذ: وهنا يذكر الحاتمي عن العلماء بالشعر أن الشاعرين إذا تعاورا معنى أو لفظاً أو جمعاهما. وكان الآخذ منهما قد أحسن العبارة عنه وأختار الوزن الرشيق حتى يكون في النفوس ألطف مسلكاً، كان أحق به وخاصة إذا أخفى الأخذ ونقله من موضوع إلى آخر.

12 -

باب تكافؤ المتبع والمبتدع في إحسانهما: ومن أمثلته قول امرئ القيس:

فلو أنها نفس تموت احتسبتها

ولكنها نفس تساقط أنفسا يكافئه في الإحسان قول عبدة بن الطيب:

وما كان قيس هلكه هلك واحد

ولكنه بنيان قوم تهدما 13 - باب تقصير المتبع عن إحسان المبتدع: ومنه قول امرئ القيس:

كأن قلوب الطير رطباً ويابساً

لدى وكرها العناب والحشف البالي

ص: 260

أخذه الشاعر الهذلي، فقصر عنه حين قال:

كأن قلوب الطير عند مبيتها

نوى القسب باق يلقى بعض المآدب 14 - باب نقل المعنى إلى غيره: وهو أن ينقل المعنى عن وجهه الذي وجه له واللفظ عن طريقته التي سلك فيها إلى غيره وذلك صنعة راضة الكلام وصاغة المعاني وحذاق السراق، إخفاء للسرق والاحتذاء وتورية عن الاتباع والاقتفاء؟ وأكثر ما يطوع النقل في المعاني خاصة للمحدثين لأنهم فتحوا من نوار الكلام ما كان هاجداً: وأيقظوا من عيونه ما كان راقداً.

15 -

باب تكافؤ السابق والسارق في الإساءة والتقصير، كقول الفرزدق:

فيا ليتنا كنا بعيرين لا نرى

على منهل إلا نشل ونقذف وهو سيئ أخذه كثير عزة، فجاء به كذلك:

ألا ليتنا يا عز كنا لذي غنى

بعيرين نرعى في الفلاة ونعزب 16 - باب من لطيف النظر في إخفاء السرقة: قال أوس بن حجر:

ألم تكسف الشمس والبدر

والكواكب للقمر الواجب فنظر إلى هذا المعنى وأخفاه كل إخفاء النابغة الذبياني فقال:

يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم

وكيف يحصن والجبال جنوح 17 - باب كشف المعنى وإبرازه بزيادة، ومنه قول امرئ القيس:

كبكر المقاناة البياض بصفرة

غذاه نمير الماء غير المحلل أخذه ذو الرمة فقال:

ص: 261

كحلاء في برج صفراء في نعج

كأنها فضة قد مسها ذهب 18 - باب الالتقاط والتلفيق: وهو ترقيع الألفاظ وتلفيقها واجتذاب الكلام من أبيات لنظم بيت واحد فمن ذلك قول أبن هرمة:

كأنك لم تسر بجنوب خلص

ولم تلمم على الطفل المحيل التقطه من بيتين أحدهما لجرير:

كأنك لم تسر ببلاد نعم

ولم تنظر بناظرة الجميل والثاني للكميت:

ألم تلمم على الطلل المحيل

يفيد وما بكاؤك بالطلول 19 - باب في منظوم المنثور: وهو نقل المعنى من النثر إلى الشعر؛ قال مؤبن الاسكندر: " حركنا سكونه " فقال أبو العتاهية:

قد لعمري حكيت لي غصص الموت وحركت كل من سكنا

هذه تسعة عشر باباً، كان يمكن للحاتمي أن يختزلها فيما هو أقل من ذلك، ولكنه شاء التفريع الكثير لإظهار اهتمامه بالموضوع وسبقه إلى تمييز أصنافه، ولا ريب في أن العشرة الأولى من تلك الأبواب تصلح أن تكون أمثلة تاريخية، وأن ما يتعلق بسرق الشعراء على الوجه الذي يعنيه النقاد إنما يشمل الأبواب (10 - 19) ، وقد يمكن اعتبار بعض الأبواب السابقة كالأهتدام مثلاً مما قد يطل موجوداً متداولاً، ولكن النقاد في عصر الحاتمي وبعده قد كفوا عن عد الانتحال والنحل والإغارة والمرافدة وتوارد الخواطر أنواعاً تندرج تحت باب الأخذ والسرقة، وتصلح رسالته في المقارنة بين بعض معاني أرسطو وبعض أبيات المتنبي مثالاً تطبيقياً كاملاً على الباب التاسع عشر

ص: 262

في نطاق الأفكار الفلسفية، كما تصلح الرسالة " الموضحة " أن تكون تطبيقاً على سائر ضروب السرقة والأخذ، التي تورط فيها المتنبي.

الرسالة الموضحة وسبب تأليفها

والرسالة الموضحة أو " جبهة الأدب " أو " الحاتمية " تعتبر أول رسالة وافية صنفت في نقد شعر أبي الطيب (1) . وهي وليدة لقاء حدث بين الحاتمي والمتنبي تعمده الحاتمي، إثر عودة المتنبي من مصر إلى العراق. وكان الحاتمي حينئذ دون الثلاثين، فهو يذكر في الرسالة أن سن الصبا كان من محاسنه (2) ، وهو يصرح بان الوزير المهلبي هو الذي حرضه على مهاجمة المتنبي " سامي هتك حريمه وتمزيق أديمه ووكلني بتتبع عواره وتصفح أشعاره وإحواجه إلى مفارقة العراق "(3) . فالرسالة - أو المجالس التي كانت صورتها الشفوية - لم تكن خالصة لوجه النقد. وإنما اجتمع فيها غرور الشباب وإرضاء صاحب الدولة. ولم تكن الجولة الأولى التي أرضت المهلبي إلا مجلساً واحداً امتد من " رأد الضحى؟ (حتى) نفضت الشمس صبغها وطفلت على الظلام بطفلها "؛ وهذا هو الشكل الأول الذي وقعت فيه المفاوضة وتضمنته الرسالة، كما جاء بها ياقوت - وهي التي وسمها باسم " جبهة الأدب "، فقد حمل ما قيده الكتبة في اللقاء الأول وعاد به إلى البيت وظل ثلاث ليال لا يطعم فيها الكرى حتى صاغ تلك الرسالة، أي (جبهة الأدب) ونالت رضى الوزير المهلبي (4) . غير أن الحاتمي يزعم انه نازع المتنبي في مجالس أخرى، ثم وقف بالمطالعة على مواضع من اجتلاباته وسرقاته وسقطات أسقطها في شعره، فضم كل ذلك وألف منه رسالة

(1) مقدمة الدكتور محمد نجم على رسالة الموضحة، الصفحة (و) .

(2)

الموضحة: 2.

(3)

الموضحة: 3.

(4)

الموضحة: 96.

ص: 263

كبيرة قدمها إلى الوزير ابي الفرج محمد بن العباس الشيرازي (- 370) ووسمها باسم " الموضحة ". فقد كتبت الموضحة في شكلها الكامل بعد وفاة المتنبي، لان الحاتمي يتحدث في آخرها عن انتجاع المتنبي حمى عضد الدولة وابن العميد وعن عودته إلى العراق " فاخترم دون ذلك وكان آخر العهد به "(1) وقد وعد بان يؤلف رسالة أخرى تتبع فيها عواره وسرقاته وسقط لفظه وسخيف معانيه مع محاسن شعره وعيون مدائحه - منصفاً ومنتصفاًً - ولكنا لا ندري من أمر هذه الرسالة شيئاً.

اعتماد الموضحة على أربعة مجالس درامية

فالموضحة في شكلها النهائي تتألف من أربعة مجالس: كان أولها في منزل المتنبي، وكان الحاتمي زائراً متعمداً للمماحكة، غاضباً لان المتنبي أهمله ولم يحتفل بمقدمه. مع أنه جاءه في موكب من غلمانه وفي هيئة لافتة وزي معجب وشارة واضحة وعطر فائح؛ وكان شهود هذه الجلسة جماعة من الغلمان الذين يدرسون على المتنبي، وليس لهم باع في الأدب " وإنما غاية أحدهم مطالعة شعر أبي تمام. وتعاطي الكلام على نبذ من معانيه وعلى ما يعلقه الرواة مما تجوز فيه " (2) ؛ وكان المجلس الثاني في حضرة الوزير المهلبي وقد حضره جماعة من أهل العلم منهم أبو علي الحسين ابن محمد الأنباري وهو ممن يقف في صف المتنبي؛ وقد خرج الحاتمي فيه منتصراً وانتهى المجلس بتطيب المهلبي لخاطر المتنبي إذ يقول له:" ومكانك يا أبا الطيب غير مجهول "(3) ؛ وقد حرص أبو علي الأنباري على عقد المجلس الثالث لأنه ذهب مغيظاً من الثاني، مزمعاً أن ينتصر لصاحبه وان ينتصف من الحاتمي الذي لم يكن يسيغ ابن الأنباري ريقه؛ ولذلك ذهب ابن

(1) الموضحة: 196.

(2)

نفسه: 8.

(3)

نفسه: 119.

ص: 264

الأنباري فجمع أبياتاً اختارها من شعر أبي الطيب واقترح عقد جلسة ثالثة، حضرها - فيما زعم الحاتمي - السيرافي والرماني وأبو الفتح المراغي وأبو الحسن الأنصاري المتكلم وغيرهم من أعلام أهل العلم والأدب، وكان علي بن هارون فيهم من أنصار الحاتمي. ثم كان المجلس الرابع باقتراح المهلبي نفسه ليتم التفاوض بين الحاتمي وأبي الطيب في شعر الطائيين.

التفاوت بين المجالس الأربعة

ومع أن الكشف عن السرقات هو الظاهرة المشتركة بين جميع المجالس، فإن هناك تفاوتاً واضحاً فيما بينها، يدل على تصميم مدروس تقتضيه طبيعة التأليف، وتبعد عن الواقعية التاريخية؛ حتى الجلسة العفوية الأولى لم تظل كذلك، بل عاد عليها الحاتمي بالترتيب والتنسيق، والتقديم والتأخير، وحشد الآراء في تضاعيف الهجوم، ومما يدل على هذا، ذلك الاختلاف بين نص الموضحة في شكلها الأخير وبين النص الذي أورده ياقوت، وهو قد نقله كما وجده.

ويتميز المجلس الأول بوضع القواعد النقدية وشرحها وإيراد الأمثلة عليها ومدى مباينة أبي الطيب في بعض شعره لها. هنالك يضع الحاتمي حد الشعر: " حدود الشعر أربعة وهي اللفظ والمعنى والوزن والتقفيه. ويجب أن يكون ألفاظه عذبة مصطحبة ومعانيه لطيفة واستعاراته واقعة وتشبيهاته سليمة وأن يكون سهل العروض رشيق الوزير متخير القافية، رائع الابتداء بديع الانتهاء "(1) . ويوضح الحاتمي ان التفاوت بين الأبيات عيب كبير يشبه ما عابه النقاد القدامى من انعدام القران؛ فهو يقر لأبي الطيب بأنه يحسن في الصياغة والمعاني إحساناً لا يجهله نقاد الكلام وأرباب البيان " إيجازاً في عبارته وإبداعاً في نظمه وصواباً في معناه وسلامة في لفظه " ولكنه يشفع ذلك بأبيات

(1) الموضحة: 25.

ص: 265

يسرق معانيها فتاتي القصيدة على غير شاكلة ولا اتساق ولا اقتران (1) ؛ ويعلمه كيف تكون عناية الشاعر بالقافية: " وسبيل الشاعر أن يعنى بتهذيب القافية فإنها مركز البيت حمداً كان ذلك الشعر أو ذماً وتشبيهاً كان أو نسيباً. ووصفاً كان أو تشبيهاً؟ "(2) ، ويوضح له مصطلح العيوب الشعرية كالاخلاف والإخلاء والأعذار والهلهلة والبيت الأجوف والبيت المعتل (أي الفاسد الحشو وما اعتل طرفاه)(3) ، ويشرح له الاستعارة حين يحتج المتنبي بأنه يجري في استعارته على طريقة العرب فينبئه ان " الاستعارة إذا لم يكن موقعها في البيان موقع الحقيقة لم تكن استعارة لطيفة، وحقيقة الاستعارة أنه نقل كلمة من شيء قد جعلت له إلى شيء لم تجعل له "(4)، ويدله على أنواعها؛ ويفهمه أن قوله " فغن ظنوني في معاليك تظلع " استعارة قبيحة. من أجل أنه ليس للظن فعل حقيقي يستعار الظلع موضعه وانه لو قال: ظن عازب أو كاذب أو المعي أو مصيب لكان ذلك استعارة واقعة " ولم يسمع من شاعر فصيح ولا عربي صريح ظن ظالع، واستعارة الظلع للريح وإن كانت بعيدة أولى واقرب من اجل انه يقال ريح حسرى وريح مريضة؟ "(5) . وافاض الحاتمي في الحديث عن الاستعارة ومواضع جمالها المقبول، وسمى نوعاً منها الأرداف وهو " أن يريد الشاعر الدلالة على معنى من المعاني، فلا يأتي اللفظ الذي يدل على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع له "(6)، ومن ذلك قول امرئ القيس:

وقد اغتدي والطير في وكناتها

بمنجرد قيد الأوابد هيكل

(1) الموضحة: 21 - 22.

(2)

نفسه: 42.

(3)

نفسه: 25.

(4)

نفسه: 69.

(5)

نفسه: 72.

(6)

نفسه: 92.

ص: 266

(والشاهد في قيد الأوابد) .

ومن اللافت للنظر أن الحاتمي يحاول دائماً أن يكسب رسالته ثوب الواقعية، لا يذكر الأشخاص المعروفين وحسب. بل بأنه يسمح للمتنبي أن يرد عليه وأن يطيل الرد أحياناً. ففي المجلس الأول يورد المتنبي أمثلة من عيوب كبار الشعراء ثم يعتذر عن خطأه بقوله:" فهؤلاء المبرزين في حلبات الشعر السابقون إلى حلو القول ومره والذين وقع الإجماع على تقدمهم في ضروبه وفتحهم ما استغلق من أبوابه ليس منهم غلا من قد طعن في شعره ومن قد أخل بالإحسان مع تناصر إحسانه، والكلام كله لا يجري على سنن واحد ولا يأتي متناصفاً ولا متكافئاً، ولابد من سقطة يهفو بها خاطر وعثرة يزل بها لسان، ومن هذا الذي تناسب كلامه أو سلم من التتبع شعره؟ وما أنا ببدع منهم، وإذا أنصفت من نفسك ألفيتها محجوجة "(1) ، وفي مثل هذا القول من الأنصاف ما يثير الحاتمي إلى الإمعان في تبيان العيوب، لأنه لا يرى من حق المتنبي أن يضع نفسه في مصاف من تقبل منه الهفوة بعد الهفوة لكثرة حسناته، ولأنه يريد أن يلقن المتنبي دروساً، فكلما وضع على لسانه حجة، جعل فيها وهناً لينفذ منه؛ وقد اتهمه المتنبي بأنه يحب الإغراق والمبالغة في الشعر وينكر ما عداه، فاتخذ هذا ذريعة لإفهامه أن الإغراق شيء والمبالغة شيء آخر، ويورد عليه المثال الذي أورده ابن طباطبا من قبل، فمن المبالغة قول عنترة:

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى

ولكان لو علم الكلام مكلمي أما الغلو البعيد عن الحقيقة فهو قول المثقب:

تقول إذا درأت لها وضيني

أهذا دينه أبداً وديني

(1) الموضحة: 84 - 85.

ص: 267

أكل الدهر حل وارتحال

أما يبقي علي ولا يقيني (1) أما المجلس الثاني - وهو قصير نسبياً - فقد تضمن إلى جانب الحديث في السرقة حديثاً عن الخطأ في المعاني، ومن المضحك أن يقول الحاتمي على لسان أبي الطيب:" من أبو تمام والبحتري؟ ما اعلم أني سمعت بذكرهما إلا من هذه الحاضرة " فيكون المجلس الرابع محاولة لإثبات مدى اعتماده في السرقات على شعر هذين الشاعرين. أما الثالث فيثبت قدرة الحاتمي على تزييف ما يعده أصحاب المتنبي من أبكار معانيه وعلى رده إلى المصادر التي سرق منها؛ وهنا يبلغ الحذق في تبيان السرقة ذروته، ولذا اقتضى المقام شرح نظرية الحاتمي في السرقات ومن ثم جعل المتنبي يحتج عليه بان " كلام العرب آخذ بعضه برقاب بعض. وآخذ بعضه من بعض والمعاني تعتلج في الصدور وتخطر للمتقدم تارة وللمتأخر تارة أخرى. والألفاظ مشتركة مباحة. وهذا أبو عمرو ابن العلاء سئل عن الشاعرين يتفقان في اللفظ والمعنى مع تباين ما بينهما وتقاذف المسافة بين بلادهما فقال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها، وبعد فمن هذا الذي تعرى من الاتباع، وتفرد بالاختراع والابتداع " (2) فيرد عليه الحاتمي بقوله: " أما قولك عن المعنى يعتلج في الصدر فيخطر للمتقدم تارة وللمتأخر أخرى وان الألفاظ مشتركة فليس الأمر كما تخيلته ولا الكلام كله مشترك، ولا أن الأول ليس بأولى به من الآخر، ولو كان كذلك لسقطت فضيلة السابق ولبطلت مهلة المتقدم ولما قدمت شعراء الجاهلية على شعراء الإسلام، وقدم الصدر الأول من الإسلاميين على الصدر الأول من المحدثين؛ وإنما حكم لهم بالفضل وسلم إليهم خصله من اجل ما ابتدعوه من المعاني وسبقوا إليه من الاستعارات وابتكروه من التشبيهات الواقعة والأمثال الشاردة. وذللوه من طرق الشعر

(1) الموضحة 94 - 95.

(2)

نفسه: 143.

ص: 268

الحزنة؟ وأما قولك من هذا الذي تعرى من الاتباع والاحتذاء وسلوك الطريق التي تقدم إليها غيره من الشعراء فلعمري إن الأمر على ما ذكرته. إلا أنه لا يحمد من الكلام ما كان غاباً ولا من المعاني ما كان مردداً مكرراً. فلا يتسمح الشاعر بان يكون جمهور شعره عند التصفح مسترقاً ملصقاً ومجموعاً ملفقاً، ولا أن يكثر الاعتماد في شعره ويتناصر السرق في كلامه " (1) العيب إذن ليس في السرقة وإنما في طغيانها أولاً، وفي تقصير السارق عن مرتبة المسروق.

ومع أن المتنبي حسبما زعم الحاتمي أنكر أن تكون له معرفة بابي تمام والبحتري، نراه في المجلس الخامس، يورد نماذج من استعمارات أبي تمام وينحي عليها بالذم ويتهمه بالإحالة، وكأنه يردد أقوال خصوم أبي تمام، فيرد عليه الحاتمي بان يورد عيون شعر حبيب، ويدافع عن بعض استعاراته، ويتهم المتنبي بأنه تأثر حتى بالمعيب من أشعار أبي تمام واحتذاها، ثم يضع على لسان المتنبي السؤال الآتي:" هل تجد لأبي تمامكم هذا لو بحتريكم معنى اخترعاه "(2) لتكون الإجابة على ذلك إيراد المعاني التي اخترعاها، وكأن هذا المجلس لم يقصد به المتنبي، وإنما قصد به إظهار تفوق الطائيين على كل شاعر، وتفوق أبي تمام على الجميع، وهذا داخل في ما رأيناه قبلاً من تحمس الحاتمي للدفاع عن أبي تمام.

نظرة إجمالية في الموضحة

تلك هي الموضحة: وضحت موقف الحاتمي من قضايا النقد الأدبي، فأظهرت رأيه في حدود الشعر، وفي الاستعارة وفي عيوب المبنى الشعري وفي السرقة، وفي المفاضلة (أو الموازنة) بين المعاني المبتكرة لدى المتنبي من ناحية والطائيين من ناحية أخرى، ودلت على مدى اطلاع الحاتمي وعلى احتفاله الشديد بإبراز قدرته على الحفظ للأشعار واللغة، واستغلال هذه

(1) الموضحة: 149 - 150، 151.

(2)

نفسه: 186.

ص: 269

القدرة في دراسة السرقات؛ ولكنها رسالة موسومة بالانفعال في أكثر مراحلها، ودواعي التحامل فيها مفضوحة، غير إنها كانت الأساس الأول الذي وضع أبيات المتنبي المعيبة أمام أنظار النقاد الآخرين، فكان كثير مما استخرجوه من الأبيات المستهجنة لدى المتنبي هو ما استخرجه الحاتمي. عن هذا لا يدل على وحدة في الذوق العام لدى نقاد القرن الرابع بمقدار ما يدل على وحدة في ذوق الناقمين على المتنبي. وستكون حجج المؤيدين له منتزعة من الحجج التي وضعها الحاتمي على لسانه، كما ان شواهد خصومه هي الشواهد التي استخرجها الحاتمي من شعره، هذا رغم إحساس الفريقين؟ كما أحس الحاتمي نفسه - أن أفنان المتنبي في الشعر " كانت رطبة ومجانيه عذبة "(1) .

أبو العباس النامي (- 371 أو 399) والصاحب بن عباد (- 385)

رسالة للنامي في عيوب المتنبي

قبل أن يفد المتنبي على بلاط سيف الدولة كان أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي المصيصي المعروف بالنامي هو شاعره المقدم (2) ، فلما استأثر المتنبي بالمقام الأول اغتاظ النامي حتى قيل إنه عاتب سيف الدولة في ذلك، ولذا فليس بغريب أن يكتب في المتنبي رسالة يتعقب فيها أخطاءه، وهي رسالة لم تشر إليها المصادر، ولولا ابن وكيع لما عرفنا خبرها، فإنه يشير إليها وينقل عنها في مواضع من كتابه " المنصف " وهذه النقول هي التي جعلتنا نتصور أنها في تبيان مساوئ المتنبي، فهو يقف مثلاً عند قول المتنبي:

إني على شغفي بما في خمرها

لاعف عما في سراويلاتها

(1) الموضحة: 7.

(2)

انظر الصبح المنبي: 80 وترجمة النامي في ابن خلكان 1: 125 واليتيمة 1: 124.

ص: 270

فيعد استعماله لفظة " سراويلاتها " في عيوبه، لان اشتهاءه هذه اللفظة يدل على اشتهائه ما تضمه مع تصريحه بعكس ذلك (1)، وهو ملمح نفسي جيد. كذلك وقف عند قوله:

ريان لو قذف الذي أسقيته

لجرى من المهجات بحر مزبد وذكر انه مسروق من قول البحتري:

صديان من ظمأ الحقود لو انه

(2) يسقى جميع دمائهم لم ينقع وربما كانت هذه الرسالة مما كتبه النامي في حياة أبي الطيب لانا نراه يوجه إليه الكلام فيها توجيه مخاطبة: " فأين ذهبت، وفي أي ضلالة همت، ومن أي قليب جهالة اغترفت، هذا النوع الذي أكثرت العجب به هو الذي أكثر التعجب منك "(3)، يورد هذا كله في التعليق على قول المتنبي:

أني يكون أبا البرية آدم

وأبوك والثقلان أنت محمد وهذا النقد لم يعجب ابن وكيع فقال: " فلم يزد على سب أبي الطيب سباً من غير إيضاح العيب من قوله ". فإذا صح أن مخاطبة النامي في هذه الفقرة ليست نوعاً من الالتفات، فإن رسالته تعد من اقدم ما كتب في الكشف عما كان يعد خطأ في شعر المتنبي - من حيث سوء اللفظ أو تعمد السرقة أو الغموض في التعبير.

(1) انظر المنصف، الورقة:149.

(2)

المنصف: الورقة: 59 ب.

(3)

المنصف، الورقة 60/ أ.

ص: 271

رسالة الصاحب في الكشف عن مساوئ المتنبي

أما ما بين المتنبي والصاحب فيمثل مشكلة من نوع آخر، إذ يقال إن الصاحب كان يتمنى أن يزوره المتنبي باصفهان، عند توجهه إلى فارس، ولكن المتنبي أعرض عنه:" فصيره الصاحب غرضاً يرشقه بسهام الوقيعة، يتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته.. "(1) وإذا كان الصاحب كما وصفه بعض معاصريه بأن " حسده لغيره على فصل حسن ولفظ حر بقدر إعجابه بما يقوله ويكتبه "(2) . فمن السهل أن نفهم لم كتب رسالته " الكشف عن مساوئ المتنبي "(3) ؛ من الطريف أن الصاحب يفتتحها بذم الهوى والحمية، لأن تغليب الهوى يطمس أعين الآراء، والميل معه ببهم سبيل الصدق (4) ، ويجعل سبب إنشائه الرسالة لجاج واحد من المعجبين بالمتنبي في الدفاع عن صاحبه (سيصبح هذا الجدل وسيلة تقليدية للتأليف في عيوب المتنبي)، وينعى على العصر كثرة المتسورين على حمى النقد الأدبي:" وقد بلينا بزمن زمن يكاد المنسم فيه يعلو الغارب، ومنينا بأغبياء أغمار قد اغتروا بممادح الجهال لا يضرعون لمن حلب الأدب أشطره، ولا سيما علم الشعر، فهو فوق الثريا، وهم تحت الثرى، وهم يوهمون أنهم يعرفون، فإذا تكلموا رأيت بهائم مرسنة وأنعاماً مجفلة "(5) .

(1) الصبح المنبي: 145 - 146.

(2)

أخلاق الوزيرين: 219.

(3)

طبعت بالمطبعة السلفية سنة 1349، وهي مجزأة في الصبح المنبي، ثم نشرها الأستاذ البساطي مع الإبانة (دار المعارف 1961) في كتاب 1.

(4)

الكشف (في طبعة الإبانة) : 222.

(5)

الكشف: 222.

ص: 272

ثناء الصاحب على مقدرة ابن العميد في النقد

ولا ندري ما الذي حدا بالصاحب إلى أن يستطرد في مقدمة رسالته متملقاً ابن العميد بالثناء على مقدرته في النقد، فكل ما أورده هنالك لا يدل على مقدرة نقدية البتة، فابن العميد ينص على سلامة الحروف من الثقل ويكره السناد، ويستطيع أن يدرك في الشعر الكسر واللحن والإحالة (ولو كان لشاعر يعجبه كالبحتري) ويغير اللفظة في بيت يرويه لأنها لا تعجبه، ويرى أن يطابق الشاعر بين غرضه وما يصلح له من وزن وقافية، ويؤمن بحسن المطالع والمقاطع؟ وكل هذا لا يصنع ناقداً. وإذا كانت هذه هي المقاييس التي تعلمها الصاحب فقد كان جديراً أيضاً بالتخلي عن النقد لأربابه. وأحسب أن الصاحب أستطرد للثناء على أبن العميد كأنه يطلب إلى بن العميد إقراره على ما سيقوله في المتنبي، وكأنما يومئ إلى أنه لا يتعمد أن يعيب الشاعر الذي مدحه سيده، إلا لأن ذلك السيد نفسه لا ترضيه طريقته، فأبن العميد مم يكلف بالبحتري، ولا يقدم عليه أحداً من الشعراء؛ والصاحب أيضاً مسرور من نباهة الجاحظ لأنه لم يجد النقد إلا " عند أدباء الكتاب "، والصاحب كاتب أديب، فكأن الجاحظ سلمه راية النقد أيضاً:" فلله أبو عثمان فقد غاص على سر الشعر فاستخرج ما هو أدق من الشعر "(1) .

مساوئ المتنبي كما ذكرها الصاحب

ونريد أن نحمل رسالة الصاحب على محمل جاد - إذا استطعنا ذلك - لنتبين فيها المساوئ التي عدها على المتنبي، فمنها:

1 -

استعمال الألفاظ الحوشية والنابية مثل " التوراب " و " مسبطر ".

2 -

الإبهام على طريقة الصوفية في كلام كأنه رقية العقرب (استعمل أبن وكيع أيضاً هذا الوصف " مثل: " سبوح لها منها عليها شواهد ".

(1) الكشف: 224.

ص: 273

3 -

رداءة المطالع، مثل:

أراع كذا كل الأنام همام

وسح له رسل الملوك غمام 4 - المبالغ المسرفة مثل:

يا من يقتل من أراد بسيفه

أصبحت من قتلاك بالإحسان 5 - قلة الذوق في عدم مراعاة المناسبة، كقوله في رثاء أم سيف الدولة:

ولا من في جنازتها تجار

يكون وداعهم خفق النعال 6 - هجنت الاستعارة في مثل:

في الخد إن عزم الخليط رحيلا

مطر تزيد به الخدود محولا 7 - الخطأ في العروض، مثل:

تفكره علم ومنطقه حكم

وباطنه دين وظاهره ظرف 8 - رداءة التشبيه، مثل:

وشوق كالتوقد في فؤاد

كجمر في جوانح كالمحاش 9 - ركوب القوافي الصعبة مثل:

كفرندي فرند سيفي الجراز

لذت العين عدة للبراز طريقته التهكمية

هذا مجمل ما جاء به، ولكن الأمر في الرسالة ليس في عدد العيوب، وإنما في طريقة إبرازها؛ لقد أفتتح الصاحب رسالته بما يوهم سعة الصدر وانفساح الأفق متذرعاً بمقاييس أبن العميد أستاذه في النقد، فلما حاول النقد لم يعد واسع الصدر، ولم يتقيد حتى بمقاييس أستاذه على قصورها ومحدودية أفقها، وإنما ذهب في التهكم كل مذهب، واستعمل السباب الجارح، وكد

ص: 274

قريحته ليتفنن في التعليق الساخر، فكان نسيج وحده في هذا المضمار لم يبلغ مبلغه الحاتمي في حدة الانفعال، ولا شأى شأوه العميدي في التعليقات التهكمية؛ فمن أمثلة ذلك:" وهذا التحاذق منه كتغزل الشيوخ قبحاً ودلال العجائز السماجة "(1) وفي استعمال لفظة " جبرين " يقول: " وقلب هذه اللام إلى النون أبغض من وجه المنون، ولا أحسب جبريل عليه السلام يرضى منه بهذه المجازاة "(2) وقوله في لفظة " المتديريها ": " لو وقعت في بحر صاف لكدرته، أو ألقي ثقلها على جبل سام لهدته، وليس للمقت غاية ولا للبرد نهاية " إلى غير ذلك من التعليقات.

نقد وتعقيب لرسالة الصاحب

وقد تكون أكثر ما عابه صحيحاً، ولكن يجب أن ننتبه إلى أمور: أولها أن هذا القسم المعيب ليس مما استكشفه الصاحب يبالغ حذقه، وإنما هو ما كان يدور على الألسنة من مستغرب ما جاء به المتنبي؛ والثاني أنه كان باستطاعته الكشف عنه دون لجوء إلى ما يشعر بالتحامل فكأنه ليس له في الرسالة إلا هذه التعليقات اللاذعة؛ والثالث أن هذه العيوب جميعاً لا تسقط شاعراً، ورابعها أن النقد ليس محض تعداد للسيئات؛ وخامسها: أن رسالته نفسها معيبة للاضطراب القائم بين طبيعة مقدمتها ومتنها، ثم لعدم بنائها على أصول واضحة، فهي بالخواطر المرسلة أشبه.

(1) الكشف: 238.

(2)

الكشف: 241.

ص: 275

رأي الصاحب في السرقات الشعرية

يتخلص الصاحب من التعريج على سرقات المتنبي بتصريح كبير يقول فيه أن السرقة ليست عيباً، ويردد هنا ما شاع كذباً عن المتنبي من أنه كان ينكر معرفة أبي تمام:" وبلغني أنه كان إذا أنشد شعر أبي تمام قال: هذا نسج مهلهل وشعر مولد ولا أعرف طائيكم هذا، وهو دائب يسرق منه ويأخذ عنه ثم يخرج ما يسرقه في أقبح معرض كخريدة ألبست عباءة، وعروس جليت في مسوح، لو آتي على أفراد سرقاته لأطلت في هذا الباب، لكنه عارض في هذا المكان "(1) .

هل الأمانة متوفرة في الرواية

وتثير رسالة الصاحب مشكلة خطيرة تتصلب الأمانة في الرواية، فقد قال في نقد لفظة " سراويلاتها ": كانت الشعراء تصف المآزر تنزيهاً لألفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح، وكثير من العهر أحسن من هذا العفاف؛ قال الواحدي: وسمعت أبا الفضل العروضي يقول: سمعت أبا بكر الشعراني يقول: هذا مما غير عليه الصاحب، وكان المتنبي قد قال: لأعف عما في سرابيلاتها، جمع سربال وهو القميص، وكذا رواه الخوارزمي (2) .

وأبو بكر الشعراني المذكور كان خادماً للمتنبي ثم قرأ عليه أبو الفضل العروضي شعر أبي الطيب، ويقول الشعراني في موضع آخر - رواه الصاحب - " رواق العز فوقك مسبطر " منكراً لفظة " مسبطر ": قرأنا على أبي الطيب: " رواق العز فوقك مستظل " قال العروضي: وإنما غيره عليه الصاحب ثم عابه به؛ أترانا نصدق هذا، اعني أن الصاحب تعمد تغيير بعض الألفاظ ليتوصل إلى عيبها والتنقص من المتنبي بسببها؟ أم أن هذه

(1) الكشف: 243.

(2)

شرح الواحدي: 278.

ص: 276

الروايات تشير إلى محاولة بذلها بعض أصدقاء المتنبي والمعجبين به ليخففوا من تيار النقد المتوجه ضده؟ لا نستطيع أن نقطع بذلك ولكنا نميل إلى القول بان رواية الصاحب لو كانت هي المغيرة، لكانت أضعف الروايتين، ولما أثبتت في نسخ الديوان إلا على سبيل الاستعانة. وهذا ابن جني قد جاء بعدة روايات لم يأخذ بها شراح الديوان من بعد، مما قد يشير إلى أن رواية ديوان المتنبي تتطلب دراسة مقارنة مستقلة.

وقد أثارت رسالة الصاحب حنق أنصار المتنبي وهجومهم عليها، فلا نستبعد أن تكون من الأسباب التي حفزت إلى تأليف كتاب الوساطة كما كانت محطاً لهجوم ابن فورجة من بعد، وهذا ما سنعرض له في موضعه.

شرح ابن جني (- 392) وما أناره من ردود

أين هم المتعصبون للمتنبي؟

اشتد خصوم المتنبي في الحملة عليه، دون أن تكون دوافعهم خفية أو مأخوذة بشيء من الامداراة، وقد كانوا دائماً يحاولون أن يسوغوا مواقفهم بما يجدونه لدى أنصاره من مغالاة في التعصب له. ومن غريب الأمر أن لا نسمع أصوات أولئك الأنصار ولا نتعرف إلى أشخاصهم ولا نجد لهم آثاراً مكتوبة في الدفاع عن صاحبهم، أثناء القرن الرابع؛ ثم أن نجد المؤلفات تتلاحق في العراق وفارس ومصر للرد على أولئك الأنصار الذين اكتفوا بالموقف الشفوي؛ وليس في الحالين تكافؤ: فأنصار المتنبي يضيعون جهودهم في أحاديث المجالس والحلقات، بينا يخلد خصومه مذمته في الكتب والرسائل. وإذا تحدثنا عن الأنصار هنا فإنما يعني أولئك الذين كانوا - كما زعم الخصوم - يرون في المتنبي شاعراً فاق كل من قبله من الشعراء، وأنه لم يأخذ شيئاً من معاني غيره وإنما كان مبتكراً

ص: 277

مبتدعاً في كل ما قال، فإذا سلموا ببعض الأخذ قالوا: ولكنه زاد فيما أخذ واحسن الأداء؛ فذلك هو الفريق الذي لم نسمع له صوتاً ولم نجد له مؤلفاً. فأما الأنصار المعتدلون الذين يضعون الحسنة إلى جانب السيئة، ويتوسلون بأسباب الموضوعية في النقد، فإن موقفهم واضح بعض الوضوح من خلال ما وصلنا من آثارهم أو ما ذكر منها دون أن يصلنا.

لم ألف ابن جني شرحه للديوان

وفي طليعة هذه الجهود الإيجابية ما قام به أبو الفتح عثمان بن جني فقد كان يرى ان كثيراً من الذين يحملون على المتنبي غنما يفعلون ذلك انه يدق عليهم إدراك معانيه ومراميه، ولذلك اضطلع بشرح ديوانه في ما ينيف على ألف ورقة (1) ، ثم يستخرج أبيات المعاني منه وأفرادها في كتاب " ليقرب تناولها "(2) وكتب كتاباً ثالثاً في النقض على ابن وكيع في شعر المتنبي وتخطئته (3) .

أثر صلته بالمتنبي

وقد كان ابن جني صديقاً لأبي الطيب وثيق الصلة به معجباً بشعره أو إن شئت فقل: معجباً بسمته الشعري لأنه جاد في ما يعانيه، يلزم طريق أهل العلم في ما يقوله ويحكيه، ويحمله إعجابه على تجاوز الاعتدال في الأنحاء على الخصوم حتى لنسمعه يقول: " وما لهذا الرجل الفاضل من عيب عند هؤلاء السقطة الجهال وذوي النذالة والسفال إلا انه متأخر محدث، وهل هذا

(1) ورد اسم هذا الشرح في المصادر على صور مختلفة فهو " الصبر " في أنباء الرواة 2: 337 ومطبوعة ابن خلكان (2: 411 بعناية الشيخ محيي الدين عبد الحميد) وقد رجعت إلى بعض النسخ الخطية من الوفيات فإذا الاسم في نسخة كوبرللي (رقم 1192) هو " الفسر " وفي الظاهرية (رقم 5418) ومطبوعة وستنفليد هو " القشر " ولم يعين الاسم في مخطوطة احمد الثالث (رقم: 2919) أو في الإجازة التي كتبها ابن جني ونقلها ياقوت (12: 110) حيث قال: " وكتابي في تفسير ديوان المتنبي الكبير وهو ألف ورقة ونيف ".

(2)

الواضح في مشكلات شعر المتنبي (الورقة الأولى ب) وياقوت 12: 113.

(3)

معجم الأدباء 12: 113.

ص: 278

لو عقلوا إلا فضيلة له ومنبهة عليه، لأنه جاد في زمان يعقم الخواطر ويصدئ الاذهان، فلم يزل فيه وحده بلا مضاه يساميه ولا نظير يعاليه، فكان كالقارح الجواد يتمطر في المهامه الشداد، لا يواضح نفسه إلا نفسه ولا يتوجس إلا جرسه " (1) . ولكن هذا الإعجاب لم يكن ليحجب عن عيني ابن جني أن في شعر المتنبي صعوبتين: إحداهما تعسف في بعض ألفاظه خرج بها عن القصد في صناعة الأعراب، إذ جاء بالشاذ وحمل على النادر، والثانية عمق في معانيه يتطلب إعمال الفكر وطول البحث وتكرار التأمل لأنه شاعر يخترع المعاني ويتغلغل فيها ويستوفيها.

وهاتان الصعوبتان لا يذل لهما إلا شرح الديوان، لان المتنبي لم يتورط فيهما عن جهالة أو غفلة، بل كان عالماً عارفاً بما يصنع، وابن جني نفسه خير من يفي بمتطلبات هذا العمل لا لانه، وحسب، دقيق المعرفة بالنحو واللغة، بل لأن ملازمته لأبي الطيب وقراءته لشعره وسؤاله له عن بعض الدقائق فيه والمحاورة الطويلة بينهما حول كل ما يعرض من شئون في ذلك الشعر، كل ذلك جعله مهيأ لإنجاز تلك المهمة على نحو لم يتح لسواه، يقول ابن جني في توضيح هذا الموقف:" لأننا لم نكن نتجاوز شيئاً من شعره وفيه نظر إلا ويطول القول فيه جداً حتى ينقطع فيه الريب؛ ولقد كان يستدعي تنكيتي عليه ويبعثني على البحث لما كان ينتج بيننا ولما كنت أورده عليه مما لم يكن عنده ان مثله يسأل عنه لينظر فيه ويتأمله قبل أن يضطر إلى الجواب عنه في وقت ضيق أو محفل كبير فلا يكون قدم الروية والنظر فيه فيلحقه خجل وانقطاع لكثرة خصومه وتوفر حساده "(2) .

(1) الشرح ج 1، الورقة:1.

(2)

الشرح ج 2 الورقة 21 - 22 (نسخة قونية)، ومن الغريب بعد ذلك أن نسمع أبا الحسن الطرائفي يقول " كان أبو الفتح عثمان بن جني في حلب يحضر عند المتنبي الكثير ويناظره في شيء من النحو من غير أن يقرا عليه ديوان شعره إكباراً لنفسه عن ذلك ". (ياقوت 12: 101 - 102) ، مع أن ابن جني يصرح في غير موطن بقوله:" سالت المتنبي وقت القراءة ".

ص: 279

ماذا حقق ابن جني في شرحه

ود استطاع ابن جني أن يحقق كثيراً مما رسمه لنفسه في هذا الشرح فجلا غوامض المعاني، ووجه النواحي اللغوية والنحوية التي أخذت على المتنبي، وزود شرحه بشواهد كثيرة ليدل على الشبه بين طريقة المتنبي وطريقة الأقدمين في التعبير، واستجاز الاستشهاد بشعر المحدثين لأنه يستشهد به في المعاني مثلما يستشهد بشعر الأقدمين في الألفاظ، وكانت جوانب من شرحه وثيقة هامة لأنه أثبت فيه ما دار بينه وبين الشاعر من اخذ ورد حول بعض الأمور؛ من ذلك مثلاً: " سألته يوماً عن قوله:

وقد عادت الأجفان قرحاً من البكا

وعاد بهاراً في الخدود الشقائق فقلت له: أقرحاً منون جمع قرحة أم قرحى - ممال - فقال: قرحاً منون؛ ثم قال: ألا ترى بعده وعاد بهاراً في الخدود الشقائق - يقول - فكما أن بهاراً جمع بهارة. وإنما بينهما الهاء، فكذلك قرحاً جمع قرحة ". ثم يعلق ابن جني على ذلك قائلاً:" فليت شعري هل يصدر هذا عن فكر مدخول أو روية مشتركة! "(1) .

اعتذار ابن جني عن الضعف في بعض الأمور اللغوية

غير أن هذه المفاوضات بين الرجلين تنبئ عن أن موقف المتنبي في بعض الأمور اللغوية لم يكن دائماً موقف القوي، وأن خصومه كانوا يستندون إلى أسباب قوية في نقده من تلك الناحية، ولهذا يبدو ابن جني هنا متشبثاً بالعذر - وهو اضعف الموقفين. من ذلك وقفته عند قول المتنبي " ومصبوحة لبن السائل " فقد قال: " سألت أبا الطيب وقت القراءة عليه فقلت له عن الشائل لا لبن لها، وإنما التي لها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة، فقال:

(1) الشرح، الورقة الأولى (نسخة قونية، وكذلك 2: 149) والورقة الثانية (نسخة دار الكتب) .

ص: 280

أردت الهاء وحذفتها "؛ ويتعذر عنه ابن جني بان مثل هذا يجوز للشاعر فقد قال كثير عزة: " وأخلت بخيمات العذيب ظلالها " أراد " اليبة " فحذف الهاء (1) . ومن ذلك أيضاً: " وكلمته في (يتزيا) فقلت: هل تعرفه في شعر قديم أو كتاب من كتب اللغة؟ فقال: لا، فقلت له: كيف استعملته وأقدمت عليه؟ قال: لأنه جرت به عادة الاستعمال، فقلت له: أترضي بشيء تورده باستعمال العامة ومن لا حجة في قوله؟ فقال: فما عندك فيه؟ فقلت: قياسه يتزوى، فقال: من أين لك؟ فقلت: لأنه من الزي، والزي ينبغي ان تكون عينه واواً وأصله زوي؟ ثم قال: لم يرد الاستعمال إلا بتزيا، فقلت له: عن العامة ليست ألفاظها حججاً؟ " (2) ومع أن ابن جني شديد الاعتراض صلب الموقف إلا انه في نهاية هذا الحوار لجأ إلى الاعتذار فقال: " على انه قد ذكر هذا الحرف صاحب العين، فقال: تزيا فلان بزي حسن "، وكان ابن جني يقول في هذا الموقف: أن " يتزيا " خطأ وهي لفظة عامية، ولكن عن شاء الخصوم أن يلجوا في النقد والهجوم فما عليك إلا أن تستشهد بما ورد في " العين ".

إثارة ابن جني لموضوع الهجاء المبطن في مدائح كافور

ويعد ابن جني أول من فتح باب القول في أن مدائح المتنبي في كافور مبطنة بالهجاء، وأن الازدواج فيها كان مقصوراً، وقد استمد ذلك من قراءته لقول المتنبي:

وشعر مدحت به الكركدن

بين القريض وبين الرقى كما استمده من إقرار المتنبي عندما قرأ عليه قوله:

وما طربي لما رأيتك بدعة

لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب

(1) نسخة قونية 2: 195 أ.

(2)

المصدر السابق 3: 106 ب.

ص: 281

فإن ابن جني قال له: أجعلت الرجل أبا زنة (أي قرداً) فضحك المتنبي، وفهم ابن جني من هذا الضحك أن الشاعر كان يريمي إلى ما وراء المدح من معنى، ولهذا خرج بهذا الاستنتاج:" وهذا مذهبه في أكثر شعره لأنه يطوي المديح على هجاء حذقاً منه بصنعة الشعر وتداهياً في القول "(1) .

اهتداء ابن جني إلى الجرأة النفسية لدى المتنبي

كذلك تنبه ابن جني إلى ظاهرة نفسية هامة تفسر شيئاً كثيراً مما أنكره خصوم المتنبي، ولو درس شعر المتنبي على مستواها لكشف الدرس عن مظاهر متميزة فيه، فقد وقف عند قوله:

يعلمن حين تحيا حسن مبسمها

وليس يعلم إلا الله بالشنب فقال معلقاً: " وكان المتنبي يتجاسر في ألفاظه جداً؛ ألا تراه يقول لفاتك يمدحه:

وقد يلقبه المجنون حاسده

إذا اختلطن وبعض العقل عقال أفلا ترى كيف ذكر لقبه على قبحه، وتلقاه وسلم أحسن سلامة، ولولا جودة طبعه وصحة صنعته لما تعرض لمثل هذا؛ وكذلك ذكره مبسمها وحسنه وشنبه، ومفرقها في البيت الذي يتلوه. ومن ذا الذي كان يجسر على تلقي سيف الدولة بذكر مثل هذا من أخته؛ وآل حمدان أهل الأنفة والإباء وذوو الحمية والامتعاض؛ وأكثر شعره يجري هذا المجرى من إقدامه وتعاطيه، فإذا تفطنت له وجدته على ما ذكرت لك " (2) ؛ فهذا ملمح

(1) نسخة قونية 1: 107، 183، وقد اكتملت هذه النظرية عند شيخ الإسلام؟ عبد الرحمن الرومي بن حسام الدين مفتي الدولة العثمانية فإنه ألف كتاباً رد فيه مدائح المتنبي في كافور إلى هجاء، وهو كتاب طريف قام بتحقيقه الصديق الدكتور محمد نجم، وسيظهر قريباً (وانظر ترجمة المؤلف في المحبي 1:351.

(2)

الشرح، الورقة: 39 (دار الكتب) ؛ ومثل ذلك إلحاح المتنبي على ذكر السواد حين يمدح كافوراً وهو الذي قال لابن جني " كان موته أن يذكر له إنسان السواد ". (الشرح، الورقة 29 من الجزء الأول، نسخة قونية) .

ص: 282

يعز نظيره، وهو أحرى أن يتخذ مفتاحاً لنقد جانب من شعر المتنبي لا ما علل النقاد به أنفسهم من بحث عن الأخطاء والسرقات.

موقفه من العلاقة بين الدين والشعر ومن التفاوت في الأحوال النفسية

وكان ابن جني يحور إلى بعض القواعد العامة المتوارثة في مواقفه النقدية كقوله أن الآراء والاعتقادات في الدين لا تقدح في جودة الشعر (1) وإيمانه أن شعر الشاعر يجب أن لا يتناقض بحسب اختلاف الأحوال النفسية، ولهذا ذهب يوفق بين قول المتنبي:

إن كنت ظاعنة فإن مدامعي

تكفي مزادكم وتروي العيسا وقوله:

ولا سقيت الثرى والمزن مخلفه

(2) دمعاً ينشفه من لوعة نفسي ولكنه يتجاوز هذا الموقف إلى الإعجاب بالمبالغة في موضعها وإلى التسامح في طبيعة الألفاظ التي يستعملها الشاعر، فهو يمتدح المتنبي لأنه أدخل في شعره بعض ألفاظه المتصوفة، ويقول:" وقد افتن في ألفاظه كما فاتن في معانيه "(3) .

اعتزازه بتحبيب شعر المتنبي إلى أستاذه الفارسي

ولكن ربما كان أهم ما حققه ابن جني في نظر نفسه هو انه استطاع أن يحبب شعر المتنبي إلى أستاذه أبي علي الفارسي لما كان لهذا الأستاذ من مكانة في نفسه، قال:" ولقد ذاكرت شيخنا أبا علي الحسن بن أحمد الفارسي بمدينة السلام ليلاً وقد أخلينا، فاخذ يقرظه ويفضله، وأنشدته من حفظي " وأحر قلباه؟ " فجعل يستحسنها، فلما وصلت إلى قوله:

(1) الشرح، قونية 1:69.

(2)

الشرح، قونية 2:65.

(3)

الشرح، قونية 3:51.

ص: 283

وشر ما قنصته راحتي قنص

شهب البزاة سواء فيه والرخم لم يزل يستعيده مني إلى أن حفظه وقال: ما رأيت رجلاً في معناه مثله، فلو لم يكن له من الفضيلة إلا قول أبي علي هذا فيه لكفاه، لان أبا علي مع جلالة قدره في العلم ونباهة محله وإقتدائه سنة ذوي الفضل من قبله لم يكن ليطلق هذا القول عليه إلا وهو مستحق له عنده، فماذا يتعلق من غض أهل النقص من فضله وهذا حاله في نظر فرد الزمان في علمه والمجتمع على أصالة حكمه " (1) . وهو يستأنس برأي أستاذه في ما يجيء به الشاعر المحدث من ضرورات قياساً على الضرورات التي كان يركبها القدماء فيقول له:

" نعم لان هذا شعر كما أن ذلك شعر، وكما يجوز أن يؤتى في النثر بما أتوا به فكذلك يجوز في النظم أيضاً "(2) .

الردود على ابن جني في التفسير

وقد أصبح شرح ابن جني أساساً لكثير من الشروح والدراسات التي ظهرت حول المتنبي من بعد (3) ، ولكن أكثر الذين تناولوه من بعد وقفوا عند النقاط الضعيفة فيه أو في الكتاب الصغير الذي اشتمل على أبيات المعاني، وهذه النقاط تنقسم في قسمين: فيعضها تفسيري وبعضها نقدي، فأما العيب في الجانب التفسيري، فهو يشمل لجوء أبن جني إلى الاعتذار عن صاحبه في بعض المآخذ، كما يشمل هجوم خاطره على أشياء تنأى به عن المعنى المقصود في السياق وذلك ناشئ من حبه للدقيق والنادر (4) ، ولذلك كثرت الردود على شرحه من الزاوية التفسيرية، بحيث تكون هذه الردود مجتمعة محاولات

(1) الشرح، الورقة 3 (دار الكتب ونسخة قونية) مع اختلاف يسير في بعض العبارة.

(2)

الشرح 2: 166 (قونية) .

(3)

بلاشير: 18.

(4)

بلاشير: 19.

ص: 284

لقراءة شعر المتنبي، من زوايا مختلفة، على مر الزمن (1) . وأكتفي هنا بإيراد مثلين على ذلك: يقول أبن جني في شرح البيت الثاني من هذين البيتين:

(فحب الجبان النفس أورده التقى

وحب الشجاع النفس أورده الحربا)

ويختلف الرزقان والفعل واحد

إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا " إن الرجلين ليفعلان فعلاً واحداً فيرزق أحدهما ويحرم الآخر، فكأن الإحسان الذي رزق به هذا هو الذنب الذي حرم به هذا؟ "(2) فيتعقبه أبو العباس أحمد بن علي الأزدي المهلبي بقوله: " وأقول: إنه لم يفهم معنى البيتين، ولا ترتيب الآخر منهما على الأول، ومعنى البيت الأول أن الجبان يحب نفسه فيحجم طلباً للبقاء، والشجاع يحب نفسه فيقدم طلباً للثناء، والبيت الثاني مفسر للأول يقول: فالجبان يرزق بحبه نفسه الذم لإحجاءه، والشجاع يرزق بحبه نفسه المدح لإقدامه، فكلاهما محسن إلى نفسه بحبه لها، فاتفقا في الفعل الذي هو حب النفس واختلفا في الرزقين اللذين هما الذم والمدح، حتى إن الشجاع لو أحسن إلى نفسه بترك الإقدام كفعل الجبان لعد ذلك له ذنباً، فهذا هو المعنى، وهذا في غاية الإحكام، بل في غاية الإعجاز، لا ما فسره "(3) ، ومن تأمل الشرحين وجد حقاً أن أبن جني لم يدرك ما أراده أبو الطيب.

(1) رد عليه الربعي تلميذ المتنبي في شيراز بكتابه " التنبيه على خطأ ابن جني " ويقال أن للتوحيدي كتاباً بعنوان " الرد على ابن جني في شعر المتنبي " ولأبن فورجة كتابان " التجني على ابن جني " و " الفتح على أبي الفتح "، ولأبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني " الموضح في مشكلات شعر المتنبي " تسميه المصادر: الإيضاح) وهو رد على ابن جني في شرحه لأبيات المعاني؛ ويرد الواحدي على ابن جني أثناء شرحه للديوان، ولأحمد بن علي الأزدي كتاب " المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب " والفصل الأول فيه رد على ابن جني، (وأنظر الصبح المنبي: 269 وبلاشير: 19 وما بعدها) .

(2)

شرح ابن جني (الورقة: 30) نسخة دار الكتب.

(3)

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب (الورقة 8 - 9) نسخة فيض الله رقم 1748.

ص: 285

وقال ابن جني في شرح البيت:

وترى الفضيلة لا ترد فضيلة

الشمس تشرق والسحاب كنهورا " أي إذا رأتك هذه المرأة رأت منك الفضيلة مقبولة غير مردودة، كالشمس إذا كانت مشرقة والسحاب إذا كان كنهورا، وهي القطع من السحاب العظام، يرد وضوح أمره وسعة جوده "(1) .

ويرد عليه أبو القاسم الأصفهاني صاحب كتاب " الواضح في مشكلات شعر المتنبي " بقوله: " وأية أبي الفتح بضم التاء ولا يصح للبيت معنى على هذا، وإنما الرواية الصحيحة التي قالها المتنبي " لا ترد " - بفتح التاء - ومعنى البيت: أن فضيلتك في علوم العرب لا ترد فضلك في علوم العجم لتناسب الفضائل كما أن الشمس تشرق في أفق من السماء والسحاب في أفق آخر؟ "(2) ، وهو تفسير أنسب للسياق من تفسير أبن جني، وكما أخذ الشراح على أبن جني انصرافه عن إدراك بعض المعاني أخذوا عليه أيضاً إسرافه أحياناً في إيراده مسائل نحوية يستهلك فيها جهده ويغفل عن شرح اللفظ والمعنى، وكذلك شكوا في قوله عند بعض المسائل المحيرة " بهذا أجابني المتنبي عند الاجتماع (به) "(3) .

(1) لم يرد هذا الشرح كذلك في الفسر الموجز وإنما فيه " وترى فضائل مثل الشمس والسحاب أي نيرة مشرقة بارزة؟ الخ " وإنما النقل هنا عن شرح ابن جني لأبيات المعاني.

(2)

الواضح في مشكلات شعر المتنبي، الورقة: 16؛ (ص: 53) وخلاصة رأي أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني في المتنبي انه " سريع الهجوم على المعاني، ونعت الخيل والحرب من خصائصه، وما كان يراد طبعه في شيء مما يسمح به، يقبل الساقط الرد كما يقبل النادر البدع، وفي متن شعره وهي وفي ألفاظه تعقيد وتعويص (ص: 27 - 28) وهو يقيم نظرته إلى الشعر عامة على إيمانه بان (المعاني مطروحة نصب العين وتجاه الخاطر يعرفها نازلة الوبر وساكنة المدر " مردداً فكرة الجاحظ.

(3)

الواضح، الورقة: 11 (ص: 36 - 37) وأنظر أيضاً ص: 78.

ص: 286

رد الوحيد على ابن جني في المنهج النقدي

وأما العيب في الجانب النقدي فإن إبرازه أمر سهل لان ابن جني لم يكتف بالشرح بل تجاوزه في كثير من المواضع إلى التقييم؛ وعلى الرغم من الاجتهادات الطبية التي توصل إليها أحياناً فإنه على وجه العموم لم يكن ناقداً، ولهذا تورط في أحكام كان من السهل تزييفها أو رفضها، ولعل وقفة الوحيد في معارضة تلك الأحكام تكفي لتصور ذلك الصراع النقدي بين أحد أنصار المتنبي وأحد خصومه.

تعريف بالوحيد

والوحيد هو أبو طالب سعد بن محمد الازدي البغدادي، ويقول فيه ياقوت أنه " كان عالماً بالنحو واللغة والعروض بارعاً في الأدب "(1) ويذكر أن له مؤلفاً في شرح ديوان المتنبي، ولا نعرف شيئاً عن هذا الشرح، وإنما نعتمد على تعليقات الوحيد المضمنة في شرح ابن جني مميزة عن الأصل بالحرف (ح)(2) . ويؤخذ من هذه التعليقات أن الوحيد لم يكن معاصراً للمتنبي وحسبن بل أنه كان بمصر حين كان فيها أبو الطيب (346 - 350) ، وانه كانت له علاقة بابن حنزانة أحد خصوم المتنبي، وانه كان مطلعاً على ما يحاك حول المتنبي بمصر، قال:" فوقفت من أمره على شفا الهلاك، ودعتني نفسي - لحب أهل الأدب - إلى استحثاثه على الخروج فخشيت على نفسي أن ينهى ذلك عني "(3) ، بل هو قد شهد المتنبي " ورجل يقرأ عليه شعره فيسأله عن أشياء قريبة، فما كان جوابه إياه جواب متقن، وصاحب

(1) معجم الأدباء 11: 197 - 198.

(2)

موجودة في نسخة قونية لا في نسخة دار الكتب.

(3)

الشرح 1: 31 (قونية) .

ص: 287

الكتاب نحوي متقن " (1) ، وحيناً نراه بحلب في مجلس سيف الدولة (2) ، وربما كان ذلك بعد فراق المتنبي لحضرته، كما عرف أبا فراس بمنبج وخاض معه في حديث حول المتنبي (3) ، وهو قد لقي ناساً ممن عرف المتنبي في مراحل مختلفة من حياته، وسمع أخباره منهم وعارض ببعضها ما عده خطا عند ابن جني (4) .

كلمة في منهجه عامة تجاه المتنبي

وقبل أن نأخذ في توضيح ردود الوحيد على ابن جني علينا أن نذكر أن موقفه من الشاعر والشارح كليهما ينطوي على تنقيص، وان الغضب كثيراً ما يخرجه عن طوره فيكون منهجاً فاقداً لكل أناة الناقد الموضوعي، مع انه يحاول في البداية أن يرتفع إلى مستوى العدالة في الحكم: فابن جني عالم بالصناعة ذو محل منها، فالطعن عليه في محله من الصناعة ظلم، وإنما الذي ساقه إلى هذا الموقف عناد الخصوم، والمتنبي شاعر ذو فضائل وعيوب، فأما فضائله فهي طول النفس وجزالة الكلام والمبالغة في المعاني، وأما عيوبه فعدم التنقيح للكلام واستعمال الرذل من اللغة والغريب الحوشي وتكرار المعاني وإغماضها إغماضاً يحوج إلى الشرح الطويل ونقل معاني الناس والخطأ في اللغة واللحن في الأعراب، بل هو يذهب إلى ابن جني قد ظلم المتنبي وأنه سيحاول أن ينصفه (5) . ولكن الإنصاف بعيد عنه - أن لم يكن محالاً - لأنه غير راض عن أعراض المتنبي عن ابن حنزابة وتركه مدحه مع انه من " بيت شريف أهل وزارة ورياسة، ورجل من العلم والأدب بموضع جليل "(6)

(1) الشرح 2: 22 (قونية) .

(2)

الشرح: 2: 169.

(3)

الشرح 3: 124.

(4)

يذكر ياقوت انه توفي سنة 385 وانظر بغية الوعاة: 253 وبلاشير: 18 والحاشية: 2.

(5)

الشرح، الورقة الثانية.

(6)

الشرح 1: 31.

ص: 288

وهو يرى أن المتنبي كان " رجلاً زراقاً شديد الحيلة للمعيشة وكان يصنع الأحاديث لنفسه ويعمل لها الأشعار ليري الناس أن فيه همة تسمو لذلك "(1) وأنه أيضاً كان " نفاخاً بذاخاً يري مخاطبه انه يحسن أضعاف ما يظنه به "(2) وفي الجملة لا يرضى طريقة المتنبي في عدم المجاملة للرؤساء ومن يجالسهم ولذلك يقول في تعليقه على قصيدة " وأحر قلباه ": " تعتب وتظلم وكان هو الظالم لنفسه؛ كان المتنبي في طبعه استدعاء عداوات الناس لأنه كان عريضاً كثير التعريض والتصريح لندماء سيف الدولة، شديد الزهو والافتخار عليهم، فإذا جاء بمثل هذه المواضع عارضوه وخاضوا فيها؟ وكانوا عصبة، وآل الأمر إلى أن غلبوه وأزعجوه عن حضرة سيف الدولة وأخرجوه من نعمته "(3) ؛ ثم يقول في موضع آخر: " لو كان موفقاً للزم سيف الدولة، فإنه كان واحد الزمان، ولكن سوء الرأي شبه له وأطعمه في خلف منه، وقد كان كافور كريماً، ولا قياس على سيف الدولة، ولكنه أفسده على نفسه من حيث ظن انه يصلحه "(4) .

هجومه الشديد على ابن جني

فأما ابن جني فإنه في رأي الوحيد قد تصدى لشيء لا يحسنه، حتى ليقول له في بعض المواطن:" لو كان لنقد الشعر والحكم فيه محتسب لمنعك أيها الشيخ من ذلك لأنه ليس من عملك "(5)، وينصحه بعنف وزجر أن يظل معلماً للصبيان:" عليك أيها الشيخ بنفض اللحية وتبريق العينين للصبيان ورفع السير عليهم؟ ولا يحل لك التعرض للشعر "(6) ، وينسى انه يريد

(1) الشرح 1: 164.

(2)

الشرح 2: 22.

(3)

الشرح 3: 121.

(4)

نفسه 3: 194.

(5)

نفسه 2: 174.

(6)

نفسه 2: 67.

ص: 289

أن ينصف المتنبي من ابن جني فإذا هو يحط عليهما معاً قائلاً: " وما قرأت ديوان شاعر من المحدثين فيه من العيوب ما في شعره، فهلا اقتصدت في هواك وتجملت ولم تودع كتابك من ألفاظك ما يشينك ولا يزينك؟! "(1) وكل هذا يدل على أن المنطلق النقدي لدى الوحيد سواء في رده على ابن جنى أو في محاكمته لشعر المتنبي لم يكن سليماً من الهوى والعصبية؛ ويمكن أن يقال إن الوحيد في منحاه العام ينتمي إلى صف ابن وكيع، حتى لنلمح لديه قضية يشارك فيها ابن وكيع نفسه، فقد اخذ هذا الناقد على المتنبي كراهته للخمر لأنها تذهب باللب " وذو اللب يكره أنفاقه " وإلى هذا ذهب الوحيد أيضاً حين قال:" فإنما العقلاء احتالوا في إنفاق العقل وقتاً ما ليزول عن النفس صقله، فإنه كالحافظ والرقيب يعترض على متبع الهوى، فيثقل على النفس، فاحتالوا في الراحة منه وقتاً ما تخفيفاً عن النفس "(2) .

بعض الإصابة فيما تعقب به ابن جني

ولكن الوحيد قد يحسن شيئاً من الرؤية الصحيحة من خلال هذا الضباب الكثيف، يعينه على ذلك بعض المواضع الواهنة في نقد ابن جني، فعندما امتدح ابن جني خلق المتنبي عارضه الوحيد بقوله:" ليس لذكر الأخلاق ها هنا معنى "(3) ولما ذهب ابن جني يشيد بثناء أستاذه أبي علي الفارسي على المتنبي قال له الوحيد: " النقد لا يحتاج إلى تقليد ولا تساوي الحكايات عند النقد شروري قبيل، فأربع على ظلعك، وأبق إن شئت على نفسك "(4) وعندما حاول ابن جني التوفيق بين بيتين للمتنبي ظنهما متناقضين رد عليه الوحيد بقوله: " هذا يدل على اعتقاده صاحب الكتاب أن على الشاعر أن يساوي

(1) الشرح 3: 218.

(2)

الشرح 2: 154.

(3)

الشرح، الورقة الأولى من الجزء الأول، وانظر عن ابن وكيع ما يلي:294.

(4)

الشرح 1: 3.

ص: 290

بين معانيه في جميع قصائده، وهذا باطل، فإن الشاعر قد يحمد الشيء ويصفه بالحسن بكلام حسن مقبول ثم يذمه في قصيدة أخرى؟ ولا سمعت عن أحد من نقاد الشعر أخذ على شاعر مثل هذا، وإنما يؤخذ عليه تناقض كلامه في حال واحدة في بيت واحد، فأما في شعر آخر قد رمى فيه إلى غرض سوى الأول فلا؟ " (1) . وفي هذا الموقف نجد الوحيد يردد ما قال به قدامة بن جعفر من قبل.

المبادئ النقدية العامة التي يعتمدها

وأما المبادئ النقدية العامة التي يحتكم إليها الوحيد فيمكن أن نجملها فيما يلي:

1 -

أن الشعر ليس هو الغلو في المعاني، ولو كان الأمر كذلك لكان المحدثون أشعر من الاوئل، وكلما غالى الشاعر في المعاني وعمق بعد من القلوب، ولهذا كان ابن جني مخطئاً حين تناول نقد الشعر من زاوية المعاني وحدها. وهنا يعود الوحيد إلى نظرية الجاحظ القديمة فيقول:" والمعاني يقدر عليها الزنج والترك والنبط فيعبرونها كل بلغته "(2) ، ولذا كان عيباً على الشعراء المحدثين إيراد ما يتطلب تفسيراً، بل إن تصدي الشارح لتفسير شعر محدث هو في حقيقته طعن على صاحب ذلك الشعر " (3) .

2 -

أخطأ ابن جني في الثناء على المبالغة المفرطة عند المتنبي إذ المبالغة المفرطة ليست من أفخر الكلام، لأنها لا تقع موقع القبول كما يقع الاقتصاد وما قاربه؛ والتشكك بين الشبهين كقول الشاعر:

أيا ظبية الوعساء بين جلاجل

وبين النقا آأنت أم أم سالم

(1) الشرح 2: 65.

(2)

الشرح 1: 25، 2:174.

(3)

الشرح 1: 6.

ص: 291

خير من المبالغة، ولو قال الشاعر " أنت أم سالم " لما حل قوله من القلوب محل التشكك (1) .

3 -

إيراد ألفاظ الصوفية وألفاظ الطب والفلسفة والكلام يشين الشعر ويعيبه في رأي نقاد الشعر، وإنما دخل هذا العيب إلى شعر المتنبي من انه صحب الصوفية بالشام، وأغلاهم طائفة يقال لهم أهل عين الجمع وهم يرون أن الحركات على اختلافها في الحواس حركة واحدة، وإنما تختلف على قدر الآلة التي تظهر منها الحركة، والفيل عندهم والنملة حركتهما واحدة من الأصل ثم يرمون مرمى لا تجوز حكايته، وكان المتنبي اغرق في قولهم فصحبته ألفاظهم بعد فراقهم، وهو عيب في صناعة الشعر (2) .

4 -

فرض مواد البادية على عالم حضري غير مستساغ، كالحديث عن الجفان (وعندهم الجفان مكللات) ، فقد ترك شعراء المحدثين هذه الأمور لان ذلك يدل على الجفاء، وكذلك ذكر الطعام، ولكن المتنبي كان يحاول أن يكون بدوياً بين أهل الحاضرة حتى في زيه، وقد عرفه بعض أهل الشام يوم كان في قباء كرابيس وعمامة زرقاء خشنة وزربولين في رجليه متنكباً قوساً عربية وكان يكثر ذكر هذا، ويستعمل التصغير والألفاظ البدوية، وذلك وضع للشيء في غير موضعه (3) .

5 -

لا يجوز لشاعر يعرف أقدار الناس أن يمدح الملوك بمدح السوق والسوق بمدح الملوك ويحيل في المعاني ويخطئ في اللغة، ويستبيح لنفسه سرقة معاني الآخرين " حتى لا تكاد تسمع له بيتاً إلا وهو مأخوذ من موضع مشهور "(4) ؛ أما ما عده ابن جني جسارة في ذكر جنون فاتك أو سواد

(1) الشرح 2: 158.

(2)

الشرح 3: 51، 217.

(3)

الشرح 2: 94، 3:168.

(4)

الشرح 3: 218 - 219.

ص: 292

كافور فلا يراه الوحيد إلا جفاء بلغ به حد الاستخفاف، فإذا قرا قوله في ذكر الله سبحانه وتعالى:

وعرف أنك من همه

وانك في نصره ترفل قال: أحسب ان المتنبي كان محتاجاً إلى أن يدرس شيئاً في التوحيد فينقبض عن مثل هذه الألفاظ ويعلم ما يجب أن يذكر الله سبحانه وتعالى به (1) .

6 -

مجمل القول أن الشعر ثلاثة أقسام: مطرب وهو قليل في شعر المتنبي، ومعجب وله فيه كثير، ومضحك؛ وعند المتنبي قسم يخرج عن هذه جميعاً فلا هو مضحك ولا معجب ولا مطرب مثل قوله:

ولمثل وصلك أن يكون ممنعاً

ولمثل نيلك أن يكون خسيسا ومن تدبر هذه الأحكام عرف أن الوحيد لم يأت فيها بجديد وغنما كان منساقاً مع المقاييس النقدية " الحضرية " في رفض التعمق في المعنى والألفاظ البدوية والألفاظ التي قد تجيء من مصطلحات العلوم والمذاهب، والتعلق بأصول اللياقة الاجتماعية، واعتبار الشعر موسيقى جميلة، وكأنه في كل ذلك يحتذي مذهب ابن وكيع.

(1) الشرح 2: 215 وانظر من أمثلة الجفاء عنده 2: 185.

ص: 293

أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع التنيسي (- 393)(1)

تعريف موجز بابن وكيع

شاعر ولد بمصر ونشأ فيها، غير أن الأخبار التي وصلتنا عن حياته لا تكاد تعرف بشيء من أحواله؛ وهو صاحب كتاب " المنصف للسارق والمسروق في إظهار سرقات أبي الطيب المتنبي "، وفيه يخبرنا أن أبا الحسن المهلبي كان أحد شيوخه وأبو الحسن هذا هو الحسين بن احمد المهلبي صاحب، كتاب في المسالك والمماليك، شهر باسم " العزيزي " لأنه ألفه للعزيز بالله الفاطمي (2) ، وهو ممن اجتمع بالمتنبي أثناء إقامته بمصر، وتوفي سنة 380؛ كذلك كانت له صلة بأبي القاسم علي بن حمزة البصري رواية المتنبي، ومضيفه في بغداد، ولعله لقيه بمصر، إذ أن علي بن حمزة رحل من بغداد وتوفي بصقلية (375)(3) ؛ فابن وكيع قد اتصل بمن عرفوا المتنبي، ولكنا لا نعلم له صلة مباشرة به؛ وهو - فيما يبدو - قد كتب المنصف بعد عام 380 لأنه يترحم فيه على شيخه المهلبي.

لم ألف المنصف؟

ويذهب بلاشير إلى أنه ألف ذلك الكتاب انتصاراً لابن حنزابة الذي كان مستاء من المتنبي لترفعه عن مدحه (4) ؛ وقد عاش ابن حنزابة حتى حدود سنة 390، ومعاصرته لابن وكيع قد تبيح شيئاً من هذا التقدير، غير انه ليس فيما وصلنا من كتابه ما يلمح إلى ذلك، وأقوى من هذا أن يقال إن الكتاب كان رد شاعر مغيظ على طبقة من المتعصبين لأبي الطيب، إذ كانت

(1) ترجمته في وفيات الأعيان 2: 104 واليتيمة 1: 372.

(2)

انظر كشف الظنون: 1665 وينقل ياقوت عنه كثيراً في معجم البلدان.

(3)

معجم الأدباء 13: 208 - 211.

(4)

ديوان المتنبي في العالم العربي وعند المستشرقين: 31.

ص: 294

إقامة المتنبي في مصر قد أوجدت حوله عدداً من الأنصار والمعجبين، وكان لهؤلاء أنفسهم تلامذة يدرسون شعر أبي الطيب، ويذهبون في الإعجاب به مذهباً بعيداً، حتى فضلوه على ما تقدم من الشعراء، وحتى قالوا " ليس له معنى نادر ولا مثل سائر إلا هو من نتائج فكره وأبو عذره، وكان بجميع ذلك مبتدعاً ولم يكن متبعاً، ولا كان لشيء من معانيه سارقاً، ل كان إلى جميعها سابقاً "(1) ، وليس من الضروري أن يقول المعجبون هذا كله، وغنما هم خلقوا من حول ابن وكيع جواً لا يستريح غليه، ولا يلائم ما يرجوه لنسفه من شهرة في الشعر.

موقف المعجبين بابي الطيب ذو شقين

وتنقسم القضية التي أثارها المعجبون حول أبي الطيب في شقين: أولهما أنه افضل من كل من تقدمه؛ والثاني أن معانيه مخترعة؛ ومع ان ابن وكيع لا يسلم بالشق الأول، فانه يرى أن الرد على الثاني أولى:" فكيف بالإغضاء عن نفيهم عنه ما لا يسلم منه بدوي أو حضري، جاهلي أو إسلامي من استعارة الألفاظ النادرة، أو الأمثال السائرة؟ وهذه دعوى لابد من كشف أسرارها وإظهارها، وهي بالعناية أولى من الأولى " إذ لو سلم بها ابن وكيع، لكانت معجزة أو شبيهة بها، وكان من حق أبي الطيب، لو تيقن صدقها، إن يتخذها آية تصحح ما ادعاه من النبوة (2) ؛ وكأنما كان ابن وكيع يعتقد أن إثبات كثرة المسروق في شعر المتنبي هو رد ضمني على الشق الأول من القضية، لان إثبات الاتكاء الكثير على معاني الآخرين سيفقد أنصاره حماستهم لتقديمه على كل شاعر سابق.

(1) المنصف، الورقة 2 أ.

(2)

نفسه، 2أ - 2 ب.

ص: 295

أقسام السرقات

وقبل أن يأخذ ابن وكيع في الكشف عن سرقات المتنبي، يوطئ لذلك بمقدمتين: أولاهما تتناول البحث في السرقات الشعرية عامة، والثانية تتناول فنون البديع.

وهو يقسم السرقات في عشرة أنواع، ثم يجعل لهذه العشرة أضداداً تساويها، فيكون التصنيف شاملاً لعشرين نوعاً، وهذه هي الأنواع العشرة الحسنة:

1 -

استفاء اللفظ الطويل في الموجز القليل.

2 -

نقل اللفظ الرذل إلى الرصين الجزل.

3 -

نقل ما قبح دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه.

4 -

عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد أن كان هجاء (1) .

5 -

استخراج معنى من معنى احتذي عليه وان فارق ما قصد به إليه.

6 -

توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات.

7 -

مساواة الآخذ من المأخوذ منه في الكلام، حتى لا يزيد نظام على نظام، وإن كان الأول أحق به لأنه ابتدع والثاني اتبع.

8 -

مماثلة السارق المسروق منه في كلامه، بزيادة في المعنى ما هو من تمامه.

9 -

رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظه على لفظ من اخذ عنه.

وما عليك في تبين الأضداد إلا أن تعكس فتقول في النوع الثالث مثلاً " نقل ما حسن مبناه ومعناه إلى ما قبح مبناه ومعناه " وتقول في النوع العاشر:

(1) وقع خطأ هنا في الاصل، ولكن المقارنة مع النوع الرابع من الأنواع المضادة يبين أن ما أثبتناه هو الصواب.

ص: 296

" اخذ اللفظ المدعى ومعناه معاً ". ويقول ابن وكيع: إن هذا القسم الأخير هو أقبح أقسام السرقات، كقول امرئ القيس:

وقوفاً بها صحبي علي مطيهم

يقولون لا تهلك أسى وتجمل أخذه طرفة فقال:

وقوفاً بها صحبي علي مطيهم

يقولون لا تهلك أسى وتجلد " وقد زعم قوم أن هذا من اتفاق الخواطر وتساوي الضمائر، وبازاء هذه الدعوى ان يقال بل سمع فاتبع، والأمران سائغان، والأولى أن يكون ذلك مسروقاً "(1) . وخلاصة هذه المقدمة أن في السرقة ما يوصف بالجودة وما يوصف بالرداءة، وأنها شيء عام في الشعر قديماً وحديثاً يكاد لا يعرى منها شاعر، وأن تلك هي حال المتنبي حين يجيء دوره للحديث عن سرقاته. ومصادر أبن وكيع في هذا القسم مصادر عامة، أعني أنه ينقل مما تردد في كتب الأدب والنقد السابقة من أمثلة السرقات، غير أنه مطلع بوجه خاص على أبن قتيبة والصولي، وكتاب السرقات لأبن أبي طاهر.

فنون البديع ومتابعة قدامة والحاتمي

وأما المقدمة الثانية التي تتناول فنون البديع، فهي إقرار صريح بان الناقد الأدبي محتاج إلى أن يعرف هذه الفنون كي يحكم على جمال الاستعارة وصحة المقابلة ويميز الإشارة وغير ذلك؛ وهذه سنة أوجدها قدامة، وسار عليها الحاتمي في الحلية وفي الحالي العاطل وفي الموضحة، وتعلق بها النقاد تعلقاً ضيق الشقة الفاصلة بين النقد وعلم البلاغة، ولكن حاجة ابن وكيع إليها أثناء التطبيق كانت ضئيلة. وقد صرح ابن وكيع عن غايته من الحديث في أنواع البديع بقوله: " وقد قدمت لك من هذه الأقسام ما تقوى به معرفتك بنقد

(1) المنصف، الورقة: 8 ب.

ص: 297

الشعر، فائقه ومقصره، وأطلعتك على سرائر رذله ومتخيره، لتفاضل بين الشعر الأصيل وتنطق بعدل " (1) . ومن الطريف أن نجد أبن وكيع يتعلق هنا بتحديد أبن أبي عون لأقسام الشعر " أما أقسام الشعر فهي أما مثل سائر أو تشبيه باهر أو استعارة لفظها فاخر " (2) ، فإذا تجاوزنا هذه اللفتة وجدنا فصله عن البديع مستمداً من ثلاثة مصادر: كتاب البديع لأبن المعتز وكتاب نقد الشعر لقدامة، فهو يورد أولاً مصطلحات أبن المعتز ثم يشفعها بما جاء به قدامة ويخلط ذلك بنقل عن مصدر ثالث لا يسميه وإنما يقول " ذكر ذلك بعض المحدثين " - والمعني هنا هو الحاتمي وكتابه " حلية المحاضرة " إذ ينقل في هذا الموطن قصة الأخفش حول مصطلح المطابقة، وهي ما أشرنا إليه فيما سبق؛ ولا يعجبه المصطلح أحياناً فيحاول أن يبتكر مرادفاً له، فلفظ التسهيم في نظره غير دال، ولذا فهو يسميه " المطمع " (3) وينتقد " التتبيع " ويقول أنه أدخل في باب الإشارة، ويورد الاستثناء ثم يعلق على ذلك بأن أبن المعتز سماه تأكيد المدح بما يشبه الذم (4) .

صلته بالحاتمي رغم تجاهله له وموقفه من قضية الكذب في الشعر

ولا ندري لم لا يصرح بذكر الحاتمي في كتابه، فإن صورة الحاتمي واضحة في " المنصف "؛ فقد ضلله الحاتمي بمفهوم " الاستعارة " عند ارسطو حين جعلها تعني " الأخذ "(5) لا الفن التصويري، كما أن كثيراً من تعريفاته للفنون البديعية منقول عنه، وكشفه عن المعاني المسروقة في شعر أبي الطيب يلتقي فيه، في كثير من الأمثلة، مع الحاتمي. بل أن تقسيماته لضروب السرقة ينظر إلى ما صنعه الحاتمي، مما

(1) المنصف، الورقة: 18ب.

(2)

المنصف، الورقة: 11 وأنظر التشبيهات لأبن أبي عون ص 1 - 2.

(3)

نفسه: 15ب.

(4)

نفسه: 15 - 16.

(5)

نفسه: 3أ.

ص: 298

أوردناه قبلاً. غير أنه يخالف الحاتمي في قضية " عذب الشعر أكذبه " فلا يتردد إزاءها، وإنما يقف منها بصراحة موقف قدامة، إذ يقول في الغلو أو الإغراق:" وطائفة من الأدباء يستحسنونه ويقولون أحسن الشعر أكذبه، والغلو يراد به المبالغة؟ بما يدخل في المعدوم ويخرج عن الموجود (وهذا قول قدامة) . وقد أبت طائفة من العلماء استحسان هذا الجنس لما كان خلاف الحقائق وخروجه عن اللفظ الصادق، قال أبو محمد: ما أتوا بشيء لأن الشعراء لا يلتمس من الخيار الصالحين وشهود المسلمين "(1) ؛ وقد كان في مقدوره اعتماداً على هذه القاعدة أن يقبل كثيراً من مبالغات أبي الطيب، وهي كثيرة حقاً في شعره، ولكنه وجد نفسه إزاءها مضطراً إلى إيجاد مقياس جديد:" وللشعراء مبالغتان: ممكنة ومستحيلة، والممكن أحسن عند كثير من الأدباء من المستحيل "(2) مع أنه قبل رأي قدامة قبلاً في أن الغلو خروج عن الموجود إلى المعدوم.

الجهد المضني في البحث عن سرقات المتنبي

وما الحديث عن السرقات عامة وعن فنون البديع إلا توطئة، فأما غاية " المنصف " الأولى فهي إبراز سرقات المتنبي، وتلك غاية يريد ابن وكيع أن يلتزم بتحقيقها التزاماً دقيقاً لولا انه يخشى إذا هو تغاضى عن عيوب أخرى في شعر المتنبي كالغثاثة واللحن والإحالة أن يقال إنه غفل عنها لقلة تمييزه ولذلك فإنه سينبه إلى تلك العيوب، لئلا تلحق به تلك التهمة؛ ويرسم لنسفه منهجاً في الكشف عن السرقات:

1 -

فهو لا يقف عند الأبيات الفارغات والمعاني المكررات المرددات إلا قليلاً لكي لا تظن به الغفلة عنها.

(1) نفسه، الورقة 17أ.

(2)

نفسه؛ 19ب.

ص: 299

2 -

لا يذكر المعاني التي أكثرت الشعراء استعمالها كتشبيه الوجه بالبدر والريق بالخمر.

3 -

سيحكم عند كل سرقة ان كان المتنبي قصر في الأخذ أو ساوى فيها المأخوذ عنه او استحق المعنى المسروق دون قائله الاول، منبهاً على علة التقصير أو المساواة أو الزيادة.

وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية اتبع لدى التطبيق خطة منظمة، لا تشبه خطة الحاتمي القائمة على التذكر وتداعي الخواطر، وإنما تناول ديوان أبي الطيب قصيدة إثر قصيدة حسب الترتيب التاريخي لنسخة ديوانه المروية؛ وفي هذه الناحية لا يمثل " المنصف " كتاباً نقدياً وحسب، بل هو يفيدنا فائدة جليلة في تحقيق الترتيب الذي رآه للديوان، وهو مختلف عن الصورة التي نشرها الدكتور عبد الوهاب عزام في مواضع؛ يقول ابن وكيع: " أول شعر قاله أبو الطيب:

بأبي من وددته فافترقنا

وقضى الله بعد ذاك اجتماعا

وافترقنا حولاً فلما التقينا

كان تسليمه علي وداعا " وبعد ان ينقد البيتين، يقولك " يتلو هذين البيتين ثلاثة أبيات وهي:

أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني

(1) . . . . . (الأبيات) وهكذا يستمر في إيراد القصائد على تواليها في النسخة التي كانت بين يديه؛ ولكن النسخة التي وصلتنا من المنصف مضطربة الأوراق، ومع أن إعادة ترتيبها ممكنة فإنها لا تزال تشكو نقصاً آخر، إذ إنها لا تمثل إلا شعر المتنبي حتى جزء من مرحلة السيفيات؛ فكأن هذه النسخة ليست إلا قسماً صغيراً من الكتاب؛ وعلى الورقة 147 ب إشارة إلى أن الجزء الأول قد كمل وبدا

(1) المنصف، الورقة 19أ.

ص: 300

الجزء الثاني، ولا ندري أهذه تجزئة أصيلة أم إنها من عمل النساخ، ولم يبق مما يمثل هذا الجزء الثاني إلا ورقات قليلة، كذلك نلاحظ أن ابن وكيع بعد بلوغه السيفيات، لم يعد يقف عند كل قصيدة على حدة بل أخذ يستخرج من كل واحدة أبياتاً وينقدها بسرعة، دون أن يشير إلى نقلته لقصيدة تالية.

وعلى الرغم من ذلك كله فإن ما تبقى من الكتاب يستطيع أن يقنعنا بان ابن وكيع قام بجهد مضن وعمل منظم، واستطاع أن يعرض علينا مبلغ محفوظه من الشعر، وهو كثير، ومبلغ اهتدائه إلى المعاني المتشابهة على نحو يفوق به الحاتمي، وكل من تمرسوا بدراسة السرقات الشعرية على نحو يفوق به الحاتيم، وكل من تمرسوا بدراسة السرقات الشعرية حتى عصره، ولكن بعد هذا الجهد المضني يصل القارئ إلى نتيجة محزنة: وهي أن شعر المتنبي (وربما كل شاعر في الكون) نوعان: شعر فارغ لا يوقف عنده، وشعر غير فارغ وهو يمثل المعاني المشتركة بينه وبين غيره من الشعراء، وأن هذا الاشتراك هو الذي يسمى سرقه، وهي ذات مستويات متفاوتة، فبعضها قائم على التقصير وبعضها على المساواة وبعضها على التفوق.

قصور المنهج القائم على تبيان السرقات عن خدمة النقد

ولسنا نقول إلى ابن وكيع وإضرابه قد أسرفوا في الميل إلى إظهار محصولهم من الحفظ لدى الكشف عن الشرقات، ولا أنهم تعسفوا في نسبة السرقة إلى الشعراء، إذ لو قلنا هذا القول لكنا نقر هذا المنهج النقدي، ونقتصر في تعقبه على بعض نتائجه؛ ولكنا نقول أن انتحاء هذا المنهج كان ضلالاً بعيداً في تاريخ النقد الادبي، واستهلاكاً لجهود كان من الممكن أن تثمر فيما هو أجدى واجدر. ذلك أن الانهماك في تبيان السرقة قد حجب عن أعين النقاد أموراً هامة؛ كيف يستطيع ابن وكيع أن يرى

ص: 301

مثلاً قيمة السخرية في قول أبي الطيب يصف رجلين قتلا جرذاً (1) ، وهو يفتش عن المعاني المسروقة فإذا لم يجدها قال " وبعد ذلك أبيات في جرذ قتله رجلان لو كان طرحها من ديوانه لاستغنى عنها، ولا يلتمس لمثلها استخراج سرقة لفراغها "(2)، وهل من الممكن أن نبحث من أين جاء المتنبي بقوله:

لا افتخار إلا لمن لا يضام

مدرك أو محارب لا ينام ونحن نرى أن هذا تعبير عن مذهب في الحياة، مستقر في نفسه شاغل للبه فهو يملك عليه وجدانه، ذلك إننا إذا ذهبنا نبحث عن مصدر هذا المعنى فكأننا نقول أن نفس الشاعر لا تصلح أن تكون منبعه الطبيعي، وكأننا نحرم تجربته من أن تتجسد طواعية واختياراً في لون من ألوان التعبير دون إلمام بما قاله الآخرون؛ وإذا سلمنا بان اتساع دائرة المشاركة في المعاني قد جعل معاني الشعر الحقيقة بالنظر - كما يزعم ابن وكيع - هي التي تداولها الشعراء فيما بينهم في ألوان من الصياغة، فإن انصراف الجهد إلى تعقبها هو قصر النقد على البيت والبيتين، أي على جزئيات بأعيانها، وهو نزع للمعنى من سياق القصيدة، وصرف النظر عن قيمته في ذلك السياق، وإبعاد للنقد عن كل ما من شانه ان يقربه من تصور أي وحدة في الأثر الشعري الكامل، وليس عمل الناقد في هذا المقام إلا كعمل من يتناول أوراق الزهرة فيأخذ ينزعها واحدة إثر واحدة قائلاً على سبيل التفاؤل " نعم - لا، نعم لا " - أو (فارغ - مسروق، فارغ - مسروق) ، ولكنه لا يستطيع أن يدرك شيئاً من جمال الزهرة حال تناسق أوراقها، ولا تقع جريرة هذا

(1) المنصف، 19 ب.

(2)

يقول ابن وكيع إن المتنبي أخذه من قول ابن دريد:

ولا فخر إلا من فخر من لم يكن له

أمير عليه في الأمور مقدم

كريم حمته نعمة السيف أن يرى

يمن عليه بالصنيعة ضيغم ولكن أبا الطيب جمع اللفظ الطويل في الموجز القليل (المنصف 36/أ) .

ص: 302

الاتجاه على ابن وكيع، غير أن النقاد قبله كانوا يجمعون عدداً من أبيات الشاعر، أما هو فإنه وقف عند كل قصيدة، فكأنه لم يحكم على معان متناثرة عند الشاعر، بل حكم على القصيدة بمقياس واحد لا غير هو السرقة، وجعل القارئ يظن أن هذا المقياس هو مدخله الوحيد لنقد أي عمل فني.

قبول أبي تمام والبحتري معاً لرفض المتنبي

وحين تناول ابن وكيع شعر المتنبي بالنقد، كان النقد الأدبي قد نقل دائرة اهتمامه الكبرى، وكانت هذه النقلة في أكثرها على يد الحاتمي؛ وبيان ذلك أن نقول: ان الصراع في النقد قبل الحاتمي كان قائماً حول المفاضلة بين أبي تمام والبحتري يتعصب لهذا فريق ولذاك فريق، فلما جاء الحاتمي، ووجد شخصية أدبية كشخصية المتنبي تستحق الهجوم في الأقل (مع التسليم بأنه شاعر كبير) ، قبل أبا تمام والبحتري قبول توفيق، وعدهما شاعرين كبيرين يلتقي تقديره عندهما دون تفرقة كبيرة بينهما، ووضع المتنبي إزاءهما ليقول إنه عالة عليهما فيما أحسن فيه، ولم يكن الناقد يحس حينئذ: لا بغرابة الجمع بين أبي تمام والبحتري ولا بمدى الزيف في موقعه من المتنبي لو ظهر على أثر المتنبي شاعر رابع كبير يستقل بطرقة لم يألفها ذوقه كثيراً من قبل، وإذن لكان - قياساً على ما سبق - يضم المتنبي إلى صف أبي تمام والبحتري ليتفرغ لمنازعة الشاعر الرابع المفترض، وهكذا يظل النقد يعبر عن ضيق صدره بكل مظهر جديد يرى فيه أي تزحزح عن مستوى الذوق المألوف مثلما ضاق صدر الآمدي بابي تمام عندما كان النقد يدور حول اثنين لا اكثر. ولقد علل ابن وكيع مغالاة المعجبين بابي الطيب في تفضيله بقوله:" والنفوس مولعة بالاستبدال والنقل، لهجة بالاستطراف والملل، ولكل جديد لذة، فلما كان شعره أجد فيهم عهداً، كانوا له أشد وداً "(1) ، ونسي أن هذا التعليل ذو حدين، وان النفرة من المذهب الجدي

(1) المنصف، الورقة 2 ب.

ص: 303

أيضاً تعني الخوف من توسيع دائرة الذوق أو الإحجام عنه تمسكاً بالمألوف المعروف، وذلك لا يكلف صاحبه شيئاً، لأنه لا يضطره إلى جهد جديد.

غير أن ابن وكيع رضي أن يقع في أسر الحاتمي، أو في ذلك المجال الذي تحول فيه الذوق إلى أخذ أبي تمام والبحتري معاً، جملة لا تفصيلاً، ليقول أنهما أشعر من المتنبي:(لكنه بعد هذا لا يستحق التقديم على من هو أقدم منه عصراً وأحسن شعراً كابي تمام والبحتري واشباهما " هذا مع الإقرار - كما أقر الحاتمي - بأنه شاعر كبير: " عن القوم لم يصفوا من أبي الطيب إلا فاضلاً، ولم يشهروا بالتقريظ منه خاملا، بل فضلوا شاعراً مجيداً، وبليغاً سديداً ليس شعره بالصعب المتكلف ولا اللين المستضعف، بل هو بين الرقة والجزالة، وفوق التقصير ودون الإطالة، كثير الفصول، قليل الفضول " (1) ؛ وفي سبيل أن يثبت تدني منزلة المتنبي عن الطائيين أكثر - مثلما أكثر الحاتمي في المجلس الرابع من الرسالة الموضحة - من تبيان المعاني التي رسقها منهما بخاصة، وإذا كان البحتري وهو غزير الشعر لم يتجاوز ما سرقه من أبي تمام أربعمائة بيت حسب إحصاء ابن أبي طاهر، فإن المتنبي أربى على هذا العدد أو ساواه فيما أخذه من معاني أبي تمام وحده، فما ظنك بما أخذه من البحتري ومن غيره، هذا المتنبي ليس من المكثرين إكثار البحتري.

بيان إسفاف المتنبي بسرقة معاني المغمورين

ويمعن ابن وكيع خطوة أخرى وراء ما صنعه الحاتمي حين شاء عامداً أن يورد سرقات لأبي الطيب من شعراء مغمورين لا يدانون أبا تمام (والبحتري) أبداً، ليدل على ان هذا الشاعر كان يتخذ حطبه من أية غابة صادفها في طريقه، فليسمع أصحاب المتنبي الذين يجلون قدر صاحبهم عن السرقة من أبي تمام كيف أنه سرق معاني نصر الخبز أرزي " وأنا اعلم أن الإنكار يقع بي في سرقته من نصر لأنهم إذا كانوا يرغبون به عن السرقة ممن تقدم عصره

(1) المصدر نفسه.

ص: 304

وعظم في النفوس قدره، كانوا ممن قارب عصره ولم يتناقل الأدباء شعره ارغب؛ وهذه الطائفة السامية بقدره، المفرطة في تعظيم أمره، عرفته بعد حظوته وارتفاع صيته ورتبته، ولم تعرفه وهو دقيق الخمول، وهو بمنزلة المجهول، وقد كان زمانه في هذه الحال أطول مسافة من زمانه في ارتفاع الحال ووجود المال الذي شهر اسمه، وأبان لهم فضله وعلمه " (1) .

محاولة الربط تاريخياً بين المتنبي والخبزرزي

ويخشى ابن وكيع أن يتهم هنا بالافتئات، فيسند إلى علي بن حمزة البصري رواية تدل على أن المتنبي كان في الدور الأول عالة على معاني الخبزرزي، وانه كان يحاكي قصائده، فيقول: " وأنا أورد عليك من خبره ما خبرني به أبو القاسم علي بن حمزة البصري - وكان من المجردين في صحبته والمغرقين في صنعته - ذكر انه حضر عند أبي الطيب وقت وصوله من مصر إلى الكوفة، وشيخ بحضرته فيه دعابة لا تقتضيها منزلة أبي الطيب في ذلك، قال: فرأيت أبا الطيب محتملاً لما سمعه، فقال له فيما قال: يا أبا الطيب، خرجت من عندنا ولك ثلاثمائة قصيدة، وعدت بعد ثلاثين سنة ولك مائة قصيدة ونيف من القصائد، أفكنت تفرقها على المنقطعتين من أبناء السبيل؟ فقال له: ألا تدع هزلك؟ قال: فأخبرني عن قصيدتك الشاطرية التي خرجت من أجلها إلى البصرة، حتى أظهرت فيها معارضتك الخبزرزي لم أسقطتها؟ فقال: تلك هفوات الصبا؛ قال: فسألت الشيخ: أتحفظ منها شيئاً؟ قال: فأنشدني أبياتاً عدة، قال أبو القاسم: فأمهلت أبا الطيب مدة حسن معها السؤال وخفي المقصد، فقلت له: أدخلت البصرة قط؟ قال: نعم، قلت: فأين كنت تسكن؟ فخبرني عن منزل أعرفه، كان الخبزرزي منه على أدوار يسيرة، أربع أو

(1) المنصف، 29 ب.

ص: 305

خمس، فعلمت بان الشيخ قد صدق " (1) . ولا يضر المتنبي ان نتقبل هذه الرواية كاملة دون تشكيك في شيء منها، فإن دلالتها الهامة في نظرنا هي أن المتنبي ربما مشى في صغره وراء أضواء كاذبة، ولكنه لما نضج وعرف معنى الشعر الصحيح الحقيق بالخلود لم يتورع عن أن يسقط من شعره أكثره. غير أن الأرقام العددية فيها، لو شئنا أن نعدها صحيحة لا يقصد منها المبالغة لما أسعفنا على ذلك حقيقة القصائد الثابتة في ديوان المتنبي، فنحن نجد من شعره منذ ارتحل إلى ديار الشام حتى عودته من مصر إلى العراق ما يبلغ 260 قصيدة ومقطعة، أو شيئاً قريباً من ذلك، فإذا كان قد قال ثلاثمائة قصيدة قبل أن يرتحل إلى الشام فمعنى ذلك أن ما قاله بعد رحلته مقارب لما قاله إقامته في الشام ومصر - وكلها سنوات مهيأة لقول الشعر - امتدت قرابة ثلاثين سنة، بينا لا تتجاوز سنوات الشعر في العراق قبل رحيله خمس سنوات، فهل يعقل أن يكون ما طرأ على المتنبي من تغير مفترض جعله يقول في ثلاثين سنة قدر ما قاله في خمس سنوات؟ ذلك أمر مستبعد.

متابعة الحاتمي في إثبات ضعف المتنبي في اللغة

ويقع ابن وكيع في مجال الحاتمي حين يحاول ان يقتفي خطواته في إثبات ضعف المتنبي في اللغة؛ فيعلق على قول المتنبي " أذهب للغيظ " بان افعل التفضيل لا يجوز من " أذهب " وإنما يجوز " اشد إذهاباً للغيظ " ويدلل على ضعفه في العربية برواية يسندها إلى شيخه أبي الحسن المهلبي، قال المهلبي: " حضرته في مجلس لبعض الرؤساء، وجرت مسألة في المذكر والمؤنث فقلت: قد يؤنث المذكر إذا نسبت لمؤنث (مثل: كما سرقت صدر القناة من الدم) فقال: من قال هذا؟ قلت: سيبويه؟. فقال: لا اعرف هذا ولعله مذهب البصريين ولا اعمل على قولهم، قال: فقلت: هذا في كتاب

(1) المصدر نفسه.

ص: 306

ابن السكيت في المذكر والمؤنث، فقال: ليس ذلك فيه، فأخرجته من خزانة الرئيس الذي كنا عنده، فلما قرأه قال: ليس هذا بخط جيد، أنا اكتب خيراً منه، فقلت: ما جلسنا للتخاير بالخطوط، فانقطع في يدي " (1) . ويريد ابن وكيع ان يسوغ انصرافه إلى الكشف عن أخطائه في اللغة مع انه ليس أمراً داخلاً في منهجه العام، ولهذا يحدثنا أن موقفه ذلك كان أيضاً رداً على المتعصبين الذين ينكرون الخطأ اللغوي على المتنبي، يقول: " وأنا اعرف رجلاً تزيد محبته أبا الطيب على محبته أمه وأباه وقد ذكره فقال: أما اللغة فكان إماماً لم تضرب العرب بعصاً إلا وعنده منها خبر، وأما الشعر فإنه لسان الزمان لا ينطق أو يستأذنه، وأما النحو فهو فيه على مذهبه في النحو نحوي؟ " (2) .

إيهامه بالموضوعية واختلافه في ذلك عن الحاتمي

غير انه يخالف الحاتمي في انه اقل منه اندفاعاً وانفعالاً، يتناول الأمور في هدوء يوهم بالموضوعية ويحاول أن يقصر حديثه على السرقة، ولذا تجده حين يروي قول المتنبي " وإن ظنوني في معاليك تظلع " يكتفي بأن يشير إلى موضع الأخذ من بيت لأبي تمام (3) ، ولكنه لا يوضح موقفه من هذه الاستعارة، كما وضحها الحاتمي.

(1) أورد ابن وكيع هذه القصة في الورقة 32 - 33، ثم باختلاف يسير في الورقة 160 - 161 وفي الموضع الثاني يذكر أن المجلس كان عند الروذباري، ويزيد تفصيلا يبين أن في الرواية حذفاً يشوه موقف المتنبي، ذلك لأنه يقول في الموضع الثاني:" فأحضرنا الكتاب بخط بعض العلماء المعروفين وسمينا له كاتباً " فكأن المتنبي حين قال: " ليس هذا بخط جيد " كان ينكر أن يكون للكاتب الذي سموه، وأما قوله " أنا لا أكتب خبراً منه " فكلمة يبدو عليها الوضع لمجرد الإضحاك، من سوء الإحراج الذي زعموا تورطه فيه.

(2)

المنصف، الورقة 160 ب - 161/ أ.

(3)

المنصف، الورقة: 43/ أ.

ص: 307

تشدده في فهم بعض الشعر

ثم هو يتشدد اكثر من الحاتمي في التضييق من حدود الفهم للمعنى، ومن أبرز الأمثلة على ذلك تعليقه على قول المتنبي:

ورد إذا ورد البحتري شارباً

بلغ الفرات زئيره والنيلا يقول: " وتعظيم زئيره جيد، وليس لصوت زئيره في الماء إلا ما له في البر مع عدم الماء، فكيف اقتصر على ذكر البحيرة والفرات والنيل، أتراه لا يسمع إلا في ماء "(1) ، وهذا تضييق في الفهم، فإن وحدة الصورة المائية على جمالها في البيت لا تعني أن زئير الأسد لا يسمع إلا في الماء، ولكنه إذا زأر عند بحيرة طبرية وصل صوت زئيره - في البر - حد الفرات شمالاً والنيل جنوباً.

ضيقه بالمغالاة التي تمس الناحية الدينية

وهذا الضيق يتملك ابن وكيع أيضاً إزاء الأبيات التي يلمح فيها شيئاً من المغالاة يمس الناحية الدينية مثل قول المتنبي:

يا أيها الملك المصفى جوهراً

من ذات ذي الملكوت أسمى من سما

نور تظاهر فيك لاهويته

فتكاد تعلم علم ما لن يعلمنا يقول في التعليق عليه " هذا مدح متجاوز، وفيه قلة ورع وترك للتحفظ لأنه جعله ذات الباري وذكر انه قد حل فيه نور إلهي " ولكن ابن وكيع نفذ إلى نقد دقيق للبيتين، فإن الألوهية التي حلت في الممدوح تجعل قوله " فتكاد لهم " - باستعمال لفظ المقاربة - قد ضيعت قيمة البيت الاول، والشعراء يبلغون بممدوحيهم عن طريق نسبة الحدس اللطيف إليهم أكثر مما بلغه المتنبي عن طريق إحلال الألوهية في ممدوحه (2) . ويقف وقفة مشابهة

(1) الورقة 27/ أ.

(2)

انظر الورقة 26/ ب.

ص: 308

عند قول المتنبي:

أي محل ارتقي

أي عظيم اتقي وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق

محتقر في همتي

كشعرة في مفرقي فيقول: " هذه أبيات فيها قلة ورع؛ احتقر ما خلق الله عز وجل وقد خلق الأنبياء والملائكة والصالحين، وخلق الجن والملوك والجبارين، وهذا يجاوز في العجب الغاية، ويزيد على النهاية؛ وقد تهاون بما خلق الله وما لم يخلق فكأنه لا يستعظم شيئاً مما خلق الله، وهو من خلق الله عز وجل الذي جميعه عنده كشعرة في مفرقة، وهذا مما لا احب إثباته في ديوانه لخروجه عن وجه الكبر إلى حد الكفر "(1) .

نقده للمتنبي لأنه عاب الخمر، ونقضه لروح التدين التي اصطنعها قبلا

ومن الطريف أن نجد هذا الناقد المتحرج يهاجم المتنبي دفاعاً عن الخمر، فالمتنبي أكره على الشرب ذات مرة، ثم لما عاد إلى بدر بن عمار في الصباح أراده على الصبوح فاعتذر وقال (2) :

وجدت المدامة غلابة

تهيج للقلب أشواقه

تسيء من المرء تأديبه

ولكن تحسن أخلاقه

وانفس مال الفتى لبه

وذو اللب يكره إنفاقه

وقد مت أمس بها موته

وما يشتهي الموت من ذاقه فهو يعبر عن مذهب خاص في نظرته إلى الشراب، ولكن ابن وكيع، وكان مولعاً بالخمر، لا يعجبه هذا الموقف، فهو يعلق على البيت الثالث بقوله:

(1) الورقة 48/ ب.

(2)

ديوانه: 145 (نشر الدكتور عزام) .

ص: 309

" ولا اعرف شيئاً دعا الناس إلى محبة الشراب إلا ما نعلمه من إنفاق العقل الذي إذا ذهب الليلة عاد غداً، وقد أوجد ربحاً من السرور تنتهز فرصته وتحلو لذته، فقد كره أبو الطيب ما احبه الناس، هذا مع فضائل يكثر عددها، وتتواتر مددها، منها ما يفعله الفرح في الجسم من زيادة اللحم والدم؟. وربما بلغ السكر بالشارب العاقل إلى غاية لا ترضى لصغار الغلمان وخساس العبدان، ولكن لها ساعة تقل هذه البلايا في جنبها، وتحمل على معاودة شربها، وهي الحان التي كرهها أبو الطيب "(1) . وحسبك أن يبلغ النقد الأدبي حد التدخل في هذه الشئون، التي ينكر الناقد فيها على الشاعر تجربته الذاتية، ويحاول أن يضع هو تجربته الخاصة موضعها لتكون مقياساً للآخرين.

الشاعر مطرب ولا يعيبه عدم معرفة اللحن

ومن كانت هذه حاله لا نستكثر عليه أن يضيق أيضاً غاية الشعر جملة فيقول: " وأيضاً فإن أشعار المحدثين لا يراد منها استفادة علم، وغنما تروي لعذوبة ألفاظها ورقتها وحلاوة معانيها وقرب مأخذها؟ وغنما تكتب أشعارهم لقربها من الإفهام، وأن الخواص في معرفتها كالعوام، فقد صار صاحبها بمنزلة صاحب الصوت المطرب يستميل أمة من الناس لاستماعه، وان جهل اللالحان وكسر للأوزان، وقائل الشعر الحوشي بمنزلة المغنى الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت، يعرض عنه إلا من عرف فضله، على انه إذا وقف على فضل صنعته لم يصلح لمجالس اللذات إنما يجعل معلماً للمطربات من الفتيات يقومهن بحذقه؟ "(2) ؛ وهذا حكم يدل على نزول الشاعر على روح العصر، فما دام الناس لا يمكن أن يفقهوا الغوص على المعاني، والأساليب التي تنتحل جزالة البداوة (وينتقصها ابن وكيع بتسميتها الشعر الحوشي) فليقدم لهم الشاعر شيئاً سهلاً بسيطاً فيه عذوبة

(1) الورقة 134 - 135.

(2)

الورقة: 39/ ب.

ص: 310

في اللفظ ورقة وحلاوة وقرب مأخذ؛ ومن الغريب أن يكون صاحب هذا الموقف ممن يقدمون أبا تمام. على أن التشبيه الذي استغله ابن وكيع هنا ذو دلالة قيمة: فالشاعر الذي يريده جمهور النصف الثاني من القرن الرابع المطرب الذي لا يعرف قواعد الألحان، ولكن صوته جميل، والشاعر الآخر كالملحن الذي لا يجمع مع معرفته بالألحان صوتاً جميلاً، وقد قلت حاجة الجمهور إلى الملحن وأصبحت مستغنية بالمطرب، " ولا سيما مع زهد الناس في الأدب في هذا العصر "(1) ، ولأول مرة نجد النقد يتطلب من الشاعر ان يلبي الذوق العام، لا ما أقره العرب - كما فعل الآمدي - ولا ما تريده الطبقة المثقفة - كما نلمح عند قدامة وابن طباطبا والحاتمي.

ما ابعد " المنصف " من الإنصاف

ذلك هو ابن وكيع في مجمل مذهبه النقدي، ونحن إذا استثنينا سلطان الحاتمي على تصوره للسرقات وجدنا مصادره في هذا القسم من كتابه تضم روايته عن ابيه، وما قراه في رسالة ابي العباس النامي، ومروياته عن شيخه المهلبي، وبعض قراءاته لشروح ديوان المتنبي، ومن بينها شرح يرى في تفسيرات صاحبه عقلية نحوية (2)، ولعله يشير هنا إلى ابن جني. أما فيما عدا ذلك فإن أكثر نقده دراسة مستأنية لكل قصيدة في نسخة خاصة من ديوان أبي الطيب. ولكل ما سبق لسنا نستغرب ان يقول ابن رشيق في المنصف:" ما أبعد الإنصاف منه "(3) وان نجد ابن جني يؤلف " النقض على ابن وكيع في شعر المتنبي وتخطئته "(4) ؛ وأن يصفه ابن القارح بأنه " حاف على المتنبي "(5) .

(1) الورقة 40/ أ.

(2)

انظر مثلا الورقة 113/ ب.

(3)

العمدة 2: 216.

(4)

معجم الأدباء 12: 113.

(5)

الصبح المنبي: 265.

ص: 311

ولسنا نقول إن ابن وكيع لم يدفع بالنقد الأدبي إلى الامام، ولكنا نقول إنه كان محكوماً في نقده بمماحكات المعجبين والأنصار، مقيداً بكونه شاعراً ذا مذهب في الشعر والحياة مخالف لمذهب أبي الطيب، مغيظاً بسبب عدم التوازي في الشهرة، ولذلك أقام مقاييسه على نظرة متفاوتة، فهو مثلاً يعذر أبا نواس إذا اخطأ؟ لأنه مطبوع لا يطيل في شعره تكرير نظره ولا يكد فكره، إلا انه لا يعذر من لا تظهر له قصيدة إلا في الزمان الطويل (1) ؛ ولكن من ذا الذي منع ابا نواس من أن يكرر النظر ويصلح الخطأ؟ وكيف يكون موقف ناقد يبذر التسامح هنا ويحرمه هناك، والخطأ موجود في الحالين؟ ان ابن وكيع بحاجة إلى من يسامحه في انتحائه هذا المذهب النقدي.

القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (- 392)

اشتداد المعركة حول المتنبي

لم تهدا العاصفة النقدية حول المتنبي، فقد رأينا ما أثاره شرح ابن جني من نقد وردود، ثم ما أثاره " المنصف " لابن وكيع من معاودة ابن جني للكتابة في الموضوع نفسه، ومضى النقاد في ذلك شوطاً آخر فكتب أبو الحسن احمد بن محمد الأفريقي المعروف بالمتيم (2) كتابه " الانتصار المنبي على فضل المتنبي " وبقية الانتصار وكتاباً ثالثاً سماه " التنبيه على رذائل المتنبي "(3) وهذا الموقف ربما أشار إلى محاولة في التوسط والإنصاف. وكتب حمزة بن محمد الاصفهاني رسالة في " كشف عيون (4) المتنبي ". وهذه الكتب المذكورة

(1) انظر المنصف الورقة 27/ أ.

(2)

لم تذكر المصادر سنة وفاته، رآه الثعالبي ببخاري (انظر معجم الأدباء 4: 244 والفوات 1: 133 والوافي 8 الورقة: 70) .

(3)

الصبح المنبي: 269.

(4)

كذا وإذا قرئت " عيوب " كان اسم الكتاب ذا دلالة عكسية.

ص: 312

لا تزال في صدر الغيب وغنما نذكرها استكمالاً للصورة العامة، دون أن نستطيع الحكم على ما فيها (1) .

ظهور الوساطة في المعركة وعلاقتها بما ألف حول المتنبي

وقد توحي هذه المؤلفات بان الجو كان صالحاً لظهور كتاب " الوساطة " ليكون بمثابة التوفيق بين الطريفين، والاصطلاح بين الخصمين، ولكنا لسنا على يقين من أن هذه المؤلفات جميعاً سبقت " الوساطة " في الظهور؛ كل ما يمكن ان نرجحه أن رسالة النامي وجبهة الأدب للحاتمي ثم الموضحة، ظهرت قبل كتاب القاضي الجرجاني، وقد نضيف إلى هذه الرسائل رسالة الصاحب بن عباد، لان الجرجاني حين اخذ يعد ما أورده خصوم المتنبي من عيوب ادرج جميع ما أورده الصاحب على نحو يوحي بأنه أطلع على تلك الرسالة؛ كذلك نستطيع ان نرجح بان الجرجاني اطلع على شرح ابن جني لديوان المتنبي، فهو يستشهد بما قاله أبو الطيب حول استعماله " سداس "، وهذا مما كان ابن جني يسأل المتنبي عنه؛ كذلك فإنه حين يقف عند لفظة " مخشلب " يعتذر عنها باعتذار يشبه ما جاء به ابن جني (2) ؛ وإذا صحت نسبة " رسالة في كشف العيون " لحمزة الأصفهاني المؤرخ المعروف فلابد من ان تكون قد ألفت قبل الوساطة لان حمزة توفي سنة 360؛ أما كتب المغربي فلا ندري متى كتبت، وأما رد أبي القاسم الاصفهاني على ابن جني فمن الواضح أن الجرجاني لم يطلع عليه، وأنه مما ألف بعد الوساطة. وأما

(1) لعل من أواخر الكتب التي تحمل اسم " الانتصار " كتاب لابن عبد الغفور الكلاعي الأندلسي من أدباء القرن السابع (انظر إحكام صنعة الكلام: 50 وغيرها) .

(2)

يقول ابن جني: والمخشلب (والمخشلب) هو الخرز المعروف وليست عربية ولا فصيحة فاستعملها على ما جرت عادة الاستعمال (شرح ابن جني، الورقة: 46) ؛ ويقول القاضي: " غير أني أرى استعمالها وأمثالها غير محظور، لأني أجد العرب تستعمل كثيراً من ألفاظ العجم إذا احتاجت غليه لإقامة الوزن وإتمام القافية، وقد تتجاوز ذلك إلى استعماله مع الاستغناء عنه (الوساطة: 461) .

ص: 313

كتاب المنصف لابن وكيع فقد رجحنا أن يكون مما ألف بعد سنة 380 وإذا كان الجرجاني قد أطلع عليه، فيكون تاريخ الوساطة مما تأخر تأليفه، وهنا قد يجوز لنا أن نفترض أنه ألف بعد وفاة الصاحب، ولدينا في المنصف نص يكاد يتكرر في الوساطة، ففي المنصف عند قول المتنبي:

جللاً كما بي فليك التبريح

أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح " هذا بيت فيه عيوب منها: حذف النون من يكن لأنها قوية بالحركة اللازمة لالتقاء الساكنين، وعيب آخر أنه حذفها مع الإدغام وهذا غير معروف، لأنه قيل في بني الحارث بلحارث ولم يقل في بني النجار بلنجار، وها هو قد قال: فليك التبريح فحذف مع الإدغام، ولم يكن علمه بالعربية طائلاً؟ وفي البيت عيب ثالث: وهو تباعد نصفه من نصفه حتى لا جوار بينهما فضلاً عن المناسبة ولا تعلق لهما بشيء غير المقارنة "(1) وقال الجرجاني: " فمما أنكره عليه أهل العلم واستضعفوه قوله (جللاً كما بي؟ البيت) فقال أهل الإعراب: حذف النون من تكن إذا استقبلها اللام خطأ؟ وأنكر أصحاب المعاني قطع المصراع الثاني عن الأول في اللفظ والمعنى؟ "(2) فإذا لم يكن هذا محصولاً عاماً للنقد الذي دار حول المتنبي في دور مبكر ثم أخذه الجرجاني وأبن وكيع، كل على حدة، فإن أحد الرجلين قد أخذ من الآخر، وليس القول بأسبقية المنصف أحق بالقبول من القول بأسبقية الوساطة في الزمن.

(1) المنصف: 160/ب - 161 كى أ.

(2)

الوساطة: 441.

ص: 314

الحاجة ملحة إلى الناقد المعتدل

غير أن الكتب التي ألفت قبل الوساطة، إذا لم تستطع أن توحي بأن الجو كان مهيأً للتوفيق والمصالحة، فإنها لا تنفي أن الجو العام - وعلى الأخص جو المجادلات الشفوية - كان خير تربة صالحة لنمو الناقد المعتدل؛ ونحن نستأنس هنا بشهادة القاضي الجرجاني نفسه، فهو رجل مصدق لأنه يحب أن يأخذ بأسباب النزاهة؛ فالجرجاني يحدثنا أنه منذ أن خالط أهل الأدب وجد الناس في المتنبي فريقين، يكاد التوفيق بينهما يعد صيحة في واد:" من مطنب في تقريضه منقطع إليه بجملته منحط في هواه بلسانه وقلبه يلتقي مناقبه إذا ذكرت بالتعظيم، ويشيع محاسنه إذا حكيت بالتفخيم، ويعجب ويعيد ويكرر ويميل على من عابه بالزراية والتقصير، ويتناول من ينقصه بالإستحقار والتجهيل؟ وعائب يروم إزالته عن رتبته فلم يسلم له فضله، ويحاول حطه عن منزلة بوأه إياها أدبه، فهو يجتهد في إخفاء فضائله وإظهار معايبه وتتبع سقطاته وإذاعة غفلاته "(1) .

أهل الاعتذار

كلا الفريقين كان يحمل للمتنبي اتهاماً، فأهل الانتصار يرفعون المتنبي إلى منصة العصمة، ويخرجونه من نطاق الإنسان الذي يجوز عليه الخطأ، وأهل الإستحقار ينفونه من نطاق الأديب الذي يجوز له الفضل؛ فالموقف يتطلب فريقاً ثالثاً يسمى " أهل الاعتذار "، يردون الشاعر إلى القطيع الإنساني ويعودون به إلى الحظيرة. وقد كان ذلك سهلاً على الناقد إذا كان قاضياً عادلاً، وسهلاً على القاضي إذا كان ناقداً ضليعاً. وكان التوفيق عودة إلى ظلال الهدوء، وإيماناً بالوسط الذهبي في الفضيلة، وإحقاقاً للطبيعة الإنسانية في أرتفاق المحاسن والمساوئ، وعودة إلى مبدأ " ي الرجال المهذب؟ ". ولكن التوفيق يبدأ بالقول:" أي الشعراء لم يغلظ " ويتدرج منه إلى التسليم

(1) الوساطة: 3.

ص: 315

بكل الأخطاء التي يوردها الخصوم؛ وبما هو أكثر منها، في سبيل أن يعود هذا الفريق - في حالة من مراجعة الضمير - إلى تقبل ما يسميه فريق الأصدقاء فضائل، دون محاولة إحصائية كالتي حاولها الآمدي، وإنما لإقرار الحق، تكافؤاً كانت النتيجة أو رجحاناً للحسنات أو رجحاناً للسيئات؛ لا فرق، ما دمنا قد وصلنا إلى أن نعترف بكفتي الميزان قائمتين على نحو من التقارب دون انتفاء إحداهما.

لماذا نجح الجرجاني في التوسط حيث أخفق الآمدي

وقد كان المتنبي نفسه - كما صوره الحاتمي - هو الذي فتح هذا الباب ليدخل منه القاضي الجرجاني، فهو يقول للحاتمي:" فهؤلاء المبرزون في حلبات الشعر السابقون إلى حلو القول ومره والذين وقع الإجماع على تقدمهم في ضروبه وفتحهم ما استغلق من أبوابه ليس منهم إلا من قد طعن على شعره ومن قد أخل بالإحسان مع تناصر إحسانه؟ الخ "(1) ؛ ويقول له في موضع آخر: " من هذا الذي تعرى من الاتباع والاحتذاء "(2) ، ولو لم يكن الحاتمي مأخوذاً بحدة الانفعال لتنبه إلى هذا الذي تنبه له القاضي الجرجاني، وهو موقف نساني ليس من الصعب أن يتنبه المرء له، ولكن ربما كان من الصعب تطبيقه. ولهذا نستطيع أن نقول إن الجرجاني أبدى قدرة فائقة في الموقف النقدي، فكان بذلك جديداً في تاريخ النقد، وبيان ذلك أننا حيث وجدنا النزاع النقدي قائماً حول أديب واحد، أو دائراً في نطاق المفاضلة بين أديبين، فقد طالعنا دائماً العجز عن التوسط بسبب الميل المتأصل في طبيعة الذوق، وقد حاول الآمدي أن يكون منصفاً في الحكومة بين البحتري وأبي تمام فعجز عن ذلك رغماً عنه، وما كان الآمدي إلا معلماً للجرجاني، فنجح الآمدي نظرياً فقط بينا نجح تلميذه في منهجه نظرياً

(1) الموضحة: 84.

(2)

الموضحة: 143.

ص: 316

وعملياً. أما في الآراء والنظرات النقدية فإن الجرجاني لم يأت بشيء جديد، وإنما التقت عنده أكثر الآراء والنظرات السابقة فأحسن استغلالها في التطبيق والعرض.

المقايسة هي المنهج المفضل لا الموازنة

ومثلما كانت " الموازنة " هي مهمة الناقد الكبرى عند الآمدي، كانت " المقايسة " هي المبدأ الكبير في نقد الجرجاني؛ فالناقد الذي يتحرى الإنصاف قبل أن يفرد عيوب شاعر أو حسناته بالتمييز عليه أن يقيسه على ما كان في تاريخ الشعر والشعراء، فلا يستهجن خطأه في اللفظ لأنه قلما تجد شاعراً سلم من هذا الخطأ، ولا يستنكر خطأه في المعنى فكم عدد العلماء من صنوف هذا الخطأ في شعر الأقدمين (1) ، ولا يسقطه بسبب التفاوت في شعره، ولينظر إلى أكابر الشعراء مثل أبي نواس وأبي تمام، وليحكم هل خلا شعرهم من تفاوت (2) .

موقف الجرجاني من العلاقة بين الدين والشعر

وعلى الناقد أن لا يعيبه بسبب العقيدة الدينية " فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر لوجب أن يمحي اسم أبي نواس من الدواوين ويحذف ذكره إذا عدت الطبقات، ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وأبن الزبعري وأظرابهما ممن تناول الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجاء وعاب من أصحابه بكماً خرساً وبكاء مفجمين، ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر "(3) ، وهذا الفصل بين الدين والشعر موجود من عهد بعيد في تاريخ النقد العربي، ولكن الجرجاني قد وضعه بشكل واضح لا يتحمل لبساً.

(1) الوساطة: 4 - 15.

(2)

الوساطة: 55 - 81.

(3)

الوساطة: 64.

ص: 317

موقف الناقد من الإفراط

كذلك ليس للناقد أن يعيب إقبال المحدثين على الإفراط، لا لأن له وحسب رسوماً إذا لم يتجاوزها الشاعر جمع بين القصد والاستيفاء بل لأن المحدثين يقاسون على ما فعله الأقدمون، فقد رويت عنهم أشعار فيها الإفراط والغلو لو تصدى أحد لجمعها لوصفت بالكثرة ثم " وجد من بعدهم سبيلاً مسلوكاً وطريقاً موطأ فقصدوا وجاروا واقتصدوا وأسرفوا، وطلب المتأخر الزيادة واشتاق إلى الفضل فتجاوز غاية الأول؟ "(1) . ولا يغيبن عن البال أن هذه المقايسة لا تعني قبول الخطأ، وإنما يراد منها التوصل إلى الإقرار بان ذلك الخطأ ظاهرة مشتركة موجودة في كل العصور وعند كل الشعراء:" ولسنا نذهب بما نذكره في هذا الباب مذهب الاحتجاج والتحسين، ولا نقصد به قصد العذر والتسويغ، وإنما نقول إنه عيب مشترك وذنب مقتسم فإن احتمل فللكل وإن رد فعلي الجميع؛ وإنما حظ أبي الطيب فيه حظ واحد من عرض الشعراء، وموقعه منه موقع رجل من المحدثين "(2) .

مزالق المقايسة وأخطارها

وقد تكون المقايسة ذات غناء كبير في الوصول إلى الحق وإنصاف شاعر مظلوم، اعني أنها قد تنفع في استنزال المتطرفين عن تطرفهم، ولكنها تنطوي على مزالق وأخطار، منها التعميم: فإن امرأ القيس إذا قال " فاليوم اشرب " - بتسكين الباء - لم يكن قوله في زمنه ليعد خطأ، وإنما هو خطا بنسبة ما اقتضاه وضع قواعد النحو بحسب الأغلب من بعد، وكذلك قل في جميع الأمثلة التي أوردها الجرجاني في باب الخطأ اللفظي؛ أما المتنبي فإنه يتعلم اللغة التي حددتها القواعد بعد هذه المرحلة التاريخية، فخطوه

(1) الوساطة: 433 وانظر ص 420 - 428.

(2)

الوساطة: 428.

ص: 318

ليس من جنس ما عد كذلك في حال امرئ القيس أو ذي الخرق الطهوي أو الفرزدق. وعد " اشرب " وأمثالها يدل على ان القاضي الجرجاني لم تكن لديه أية فكرة عن اختلاف اللهجات وتطور الاستعمال اللغوي. كذلك فإن كثيراً من الأخطاء المعنوية تشير إلى مرحلة حضارية خاصة: مثل " لو يقوم الفيل أو فياله " فنسبة القوة إلى الفيال توهم خالص ممن لم ير فيالاً أو فيلاً؛ ومثل " ولم تذق من البقول الفستقا "، قول لا يصدر إلا عمن سمع بشيء اسمه الفستق ولم يره، وهذا كثير، لا يقاس عليه حال الشاعر الذي اتسعت لديه مجالات الحضارة. ومن أخطار القياس أيضاً الإيهام المنطقي: كقياس حال العقيدة وعلاقتها بالشعر، فلو أن ناقداً قال للجرجاني من موقف مخالف له: أنا لا أطالب الجاهلين بمقاييس دينية إسلامية وهم قد عاشوا قبل الإسلام ولكني أنكر على المتنبي مثلما أنكر على أبي نواس أن يصدمني أحدهما أو كلاهما في شعوري الديني، لكان موقفه طبيعياً منسجماً تمام الانسجام مع مشاعره، ولما صح للجرجاني قياس المتنبي على الجاهليين. كذلك فإن قياسه على أبي نواس غير مقنع، لان ما يصدم المشاعر الدينية أو الوطنية أو العقائدية إجمالاً ليس من قبيل الخطأ في الاستعارة أو الإفراط في الشعر، إذ الأول يتطلب من الناقد جهداً بالغاً للفصل بين مجالين والثاني يتطلب منه لباقة في التوجيه والتفسير. وقل في الناس من يستطيع أن يتجرد من علاقاته المبدأية ليباشر الحكم على الشعر من زاوية فنية خالصة. فالصدمة في هذا المجال لا تعالج بالمقايسة.

انتهاء المقايسة عند الباب المسدود

وقد تنتهي المقايسة كما انتهت الموازنة عند الحاجز الذي يفصل بين الواقع والغيب، أو بين ما يعلل وما لا يعلل، بل لقد انتهت كلتاهما إلى ذلك حقاً، فوقف الجرجاني، كما وقف الآمدي من قبل - بعد أن أقر يالعيوب في شعر المتنبي وعدد أنواعها من غلط ولحن واختلال وإحالة وتعسف وغثاثة وركاكة وإفراط في الاستعارة وإكثار لذا الإشارية وتعقيد في التركيب؟ الخ؛

ص: 319

وقف وتساءل: كيف يمكن الاتفاق على الجيد من شعر المتنبي؟ أليس في مقدور الخصم أن يلحق بعض ما أعده جيداً بالرديء؟ هذا باب " يضيق مجال الحجة فيه، ويصعب وصول البرهان إليه، وإنما مداره على استشهاد القرائح الصافية والطبائع السليمة التي طالت مارستها للشعر فحذفت نقده وأثبتت عياره وقويت على تميزه وعرفت خلاصه "(1) وهذا عين ما قاله الآمدي أيضاً حين وجد أن بعض الجيد يدق دون تعليل ما فيه من جودة، وقال بأن الناقد هو الذي يرضى قوله في مثل هذا دون أخذ ورد. ولكن الجرجاني اكثر تواضعاً من الآمدي، رجاء البلوغ إلى غايته الكبرى وهي اكتساب ثقة الخصم، ولذلك تراه يعقب على هذه اللفتة الآمدية بقوله:" وما أنكر أن يكون كثير مما عددته من هذه الأبيات ساقطة عن الاختيار غير لاحقة بالإحسان، وان منها ما غلب عليه الضعف، ومنها ما اثر فيه التعسف، ومنها ما خانه السبك فساء ترتيبه وأخل نظمه؟ ولكن الذي أطالبك به وألزمك إياه ألا تستعجل بالسيئة قبل الحسنة، ولا تقدم السخط على الرحمة، وغن فعلت فلا تهمل الإنصاف جملة وتخرج عن العدل صفرا "(2) ؛ ومن هذا يتضح لنا أن مبدأ " المقايسة " يصلح إلى حد لا يتجاوزه، فإذا جاء الدور الإيجابي في فحص الشعر رجاء استكشاف خواصه ومميزاته الفارقة بطلت المقايسة واضمحلت، وهذا ما كان الجرجاني على وعي تام به حين قال:" والشعر لا يحبب إلى النفوس بالنظر والمحاجة، ولا يحلى في الصدور بالجدال والمقايسة، وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة ويقربه منها الرونق والحلاوة؛ وقد يكون الشيء متقناً محكماً ولا يكون حلواً مقبولاً، ويكون وثيقاً وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً "(3) ؛ وقد كرر الجرجاني هذا بعبارة أخرى فقال: " وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن وتستوفي أوصاف الكمال وتذهب في الأنفس

(1) الوساطة 99 - 100.

(2)

الوساطة: 100.

(3)

المصدر نفسه.

ص: 320

كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن والتئام الخلقة وتناصف الأجزاء وتقابل الأقسام وهي أحظى بالحلاوة وأدنى إلى القبول واعلق بالنفس وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم - وان قايست واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً ولما خصت به مقتضياً (1) ".

الناقد البصير هو الذي تحدث عنه الآمدي

ليس الجمال في الاعتدال الذي نص عليه ابن طباطبا، وإنما هو شيء وراء متطلب التعليل، لا يدركه إلا الناقد البصير، وليس من الحق أن نسأله إيراد العلة في كل شيء، وهذا هو الناقد الذي أرادنا الآمدي أن نطمئن إلى حكمه، كما نطمئن في كل صناعة إلى حكم أهلها. ويحتاج هذا الناقد عند الجرجاني - كما احتاج عند الآمدي - إلى الرواية (الثقافة) والدراية (المران والدربة) والفطنة ولطف الفكر (الموهبة) ، أو يحتاج بإيجاز إلى " صحة الطبع وإدمان الرياضة "(2) . وبهذا يرتفع الناقد على مستوى الرجل العادي الذي يسهل عليه أن يدرك الوزن والأعراب واللغة، والجناس والمطابقة والبديع والمعنى الغامض؟ الخ، ويكون قميناً بالفصل في شيئين (1) العيب الخفي (2) والجمال الخفي؛ فيهتم " باختلاف الترتيب واضطراب النظم وسوء التأليف وهلهلة النسج " ويقابل بين الألفاظ والمعاني ويسبر النسبة فيها (3) ؛ ولكنه لن يستطيع ذلك إذا استنام إلى دواعي العصبية، فهي تحجب عن بصيرته مجال الرؤية الصحيحة وتحسن له الميل مع الهوى.

فالناقد عند الجرجاني هو الناقد نفسه عند الآمدي، ومنطقة ما لا يعلل ويتحاكم فيه إلى الطبع النقدي مشتركة عند كليهما، إلا إنها أوسع لدى الجرجاني مما هي لدى الآمدي، وسبب ذلك هو الفرق بين المقايسة والموازنة،

(1) الوساطة: 412.

(2)

الوساطة: 413.

(3)

نفسه.

ص: 321

فالمقايسة تمهيد للحكم أما الموازنة فإنها تدخل في طبيعة الحكم نفسه، أو كذلك شاء لها الآمدي. وليس للاختلاف في الطريقة اختلفت النتائج، وإنما لاختلاف طبيعة الرجلين، واختلاف طبيعة الموقفين، فإن حذر الجرجاني وتوفيه ومحاولته التسامح الكثير ونفوره من التعليق الساخر، ومن الاعتداد بالميل الذاتي، هو الذي جعل " الوساطة " تفترق عن " الموازنة ". كذلك فإن طبيعة الوساطة نفسها - رغم احتوائها على عناصر المفاضلة - ليست كالموازنة الخالصة في طبيعتها. لان الموازنة هي قسمة النظر بالتساوي بين شاعرين، أما الوساطة فلا تتطلب ذلك دائماً لان خصوم المتنبي ليسوا دائماً شعراء.

الجرجاني يحدد عناصر عمود الشعر

ومع ذلك فإن دين الجرجاني للآمدي كبير، لأنه قد تمثل آراءه بحذق وذكاء، دون أن يذكر الآمدي مرة واحدة: فقد رأينا كيف حام الآمدي حول ما أسماه " عمود الشعر " وحدده في الأغلب بالصفات السلبية، اعني انه ما جانب كثيراً مما تورط فيه أبو تمام: كالتعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام واستنكراه المعاني والأبعاد في الاستعارة، مما لو عكسته لأصبح صفات للبحتري، فتناول الجرجاني هذا كله ووضعه في صورة إيجابية فإذا عمود الشعر ذو أركان محددة، وهي:

1 -

شرف المعنى وصحته.

2 -

جزالة اللفظ واستقامته.

3 -

إصابة الوصف.

4 -

المقاربة في التشبيه.

5 -

الغزارة في البديهة.

6 -

كثرة الأمثال السائرة والأبيات الشاردة.

ص: 322

قال: " ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض "(1) ؛ وقد كان الآمدي صريحاً في موقفه حين وجد أبا تمام قد خرج في محاولته على عمود الشعر، أما الجرجاني فلم يصرح عن رأيه في صلة المتنبي بعمود الشعر، غير انك تلمح من طرف خفي أن الشروط الستة التي وضعها تنطبق على المتنبي تماماً، فإذا طالعته بمعنى مستكره أو وصف غير مصيب أو استعارة مفرطة، دعاك إلى أن لا تحكم ببيت على أبيات، وبشاذ مفرد على مستو غالب. على أن الآمدي رفض اعتبار توليد المعاني أساساً في الشعر (2) ، ولو أخذنا رأيه ذاك على علاته، لوجدنا أبا الطيب أربى على أبي تمام وعلى كل شاعر آخر في هذا الباب، ومع ذلك فإن الجرجاني خرج من هذا المأزق بقوله:" شرف المعنى وصحته "، فلم يعد من فرق بين أبي تمام والمتنبي إلا في التزام الأول منهما - في إسراف - كثرة التجنيس والمطابقة والاستعارة المفرطة، وعلى هذا فغن الجرجاني كان يتصور أن الصنعة البديعية هي الفارق الوحيد بين ما يسمى " عمود الشعر " وما هو خارج عنه، أما عند الآمدي فقد كان الفرق بينهما أكبر من ذلك بكثير، إذ لو سلمنا بحكم الآمدي، لكان المتنبي في هذا الموقف كأبي تمام.

اعتماد الجرجاني على الآمدي في قضية السرقات

كذلك اعتمد الجرجاني آراء الآمدي في مشكلة السرقات ولكنه طورها وأمعن في التدقيق والتحليل. وفي سبيل أن نتذكر ما قاله صاحب الموازنة نعيد مجمل رأيه في هذه القضية: فهو قد ذهب إلى أن المعاني المشتركة التي شاعت بين الناس لا يعد تداولها سرقاً، وأن التشابه في الألفاظ ليس من الشرقة في شيء، على أساس هذين المبدأين رد الآمدي كثيراً من السرقات التي

(1) الوساطة: 34.

(2)

قد بينا شيئاً من تناقض الآمدي في هذا حين جعل ميزة امرئ القيس الكبرى في المعاني المبتكرة (انظر ص: 161) .

ص: 323

حشدها ابن عمار وابن أبي طاهر وغيرهما. وقد صنع الجرجاني صنيعه فتعقب ما أخرجه أحمد بن أبي طاهر وابن عمار من سرقات أبي تمام وما تتبعه بشر بن يحيى على البحتري ومهلهل بن يموت على أبي نواس، واستخرج من دعاواهم أشياء مضحكة حقاً، لان الشبه فيها عارض أو لفظي أو لأنه لا شبه بين السارق والمسروق إطلاقا (1) ، وقرر ما قرره الآمدي نفسه وما قرره غير الآمدي من أن " السرق - أيدل الله - داء قديم وعيب عتيق وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ويستمد من قريحته ويعتمد على معناه ولفظه، وكان أكثره ظاهراً كالتوارد الذي صدرنا بذكره الكلام وإن تجاوز ذلك قليلاً في الغموض لم يكن فيه غير اختلاف الألفاظ، ثم تسبب المحدثون إلى إخفائه بالنقل والقلب وتغيير المنهاج والترتيب؟ "(2) ويميل الجرجاني إلى الاعتذار عن المتأخرين لأن المتقدمين استغرقوا المعاني: " ومتى أجهد أحدنا نفسه وأعمل فكره وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنه غريباً مبتدعاً ونظم بيت يحسبه فرداً مخترعاً ثم تصفح عنه الدواوين لم يخطئه ان يجده بعينه أو يجد له مثالاً يغض من حسنه. ولهذا السبب اخطر على نفسي ولا أرى لغيري بت الحكم على الشاعر بالسرقة "(3) . وقد تعرض الجرجاني لهذه القضية في موضع آخر وهو يدافع عن الشاعر المحدث: " فإن وافق بعض ما قيل أو أجتاز منه بأبعد طرف قيل: سرق بيت فلان، وأغار على قول فلان، ولعل ذلك البيت لم يقرع قط سمعه، ولا مر بخلده، كأن التوارد عندهم ممتنع، واتفاق الهواجس غير ممكن! "(4) . لقد أوحى الآمدي بأنه يكره الحديث في السرقة لأنه لا يراها - وكذلك من قبله من العلماء - عيباً كبيراً على الشاعر؛ وها هو الجرجاني يرقى إلى القول

(1) الوساطة 209 - 215.

(2)

الوساطة: 214.

(3)

الوساطة: 215.

(4)

الوساطة: 52.

ص: 324

بأنه لا يسمح لنفسه ولا لغيره البت في الحكم بالسرقة، فربما قيل إن هذا الشاعر أخذ هذا المعنى من فلان، ولم يكن سمع بفلان هذا ولا معناه؛ وكان حقيقاً بهذين الناقدين الكبيرين ان يطرحا هذا الموضوع من أبواب النقد، ولكنهما انساقا وراء العرف الجاري، وما كانا يدركان أن السرقة ستصبح على يد ابن وكيع والعميدي وأضرابهما هي المحك الأكبر الذي يرتفع به الشاعر أو يسقط.

ولهذا الانسياق وراء العرف وجدنا القاضي الجرجاني يجعل الاهتداء إلى السرقة وتمييز صنوفها من عمل جهابذة الكلام ونقاد الشعر الذين يستطيعون (أن يميزوا بين السرق والغصب والإغارة والاختلاس والإلمام والملاحظة، والمشترك الذي لا يجوز ادعاء السرق فيه، والمبتذل الذي ليس أحد أولى به، وبين المختص الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه، فصار المعتدي مختلساً سارقاً والمشارك له محتذياً تابعاً؟ " (1) .

فأما المعاني المشتركة التي لا تجوز نسبة السرق إلى صاحبها فمثل التشبيهات المتداولة المبتذلة كتشبيه الجواد بالغيث والبحر والبليد البطيء بالحجر والحمار، ومثل ما كثر تداول من تشبيهات القدماء كتشبيه الطلل المحيل بالخط الدارس. والظعن المتحملة بالنخل، وعلى هذا فالمشترك نوعان:(1) نوع عام يعرفه كل إنسان معرفة بديهة (2) ونوع عم بعد تخصيص، سبق إليه شاعر قديم (كتشبيه آثار الدار بالخط الدارس) ثم كثر تداوله نفسه بلفظ أعذب من لفظ، وترتيب احسن من ترتيب، وزيادة اهتدى إليها واحد دون الآخر، فيقع التفاضل حتى في هذه المعاني.

وقد يكون السرق باجتماع اللفظ والمعنى ونقل البيت أو المصراع وهذا

(1) الوساطة: 183.

ص: 325

قد يسمى غصباً، وليس البحث عنه مما يميز الناقد، كما انه لا يميزه اقتصاره على رؤية السرقة الواضحة مثل قول لبيد:

وما المال والأهلون إلا ودائع

ولا بد يوماً أن ترد الودائع وقول الافوه:

إنما نعمة قوم متعة

وحياة المرء ثوب مستعار وإنما يحتاج الناقد إلى الفطنة إذا تفنن الشاعر في السرقة فنقل معنى من النسيب إلى الفخر وعدل عن الوزن والقافية إلى وزن آخر وقافية أخرى، كقول بشار:

خلقت على ما في غير مخير

هواي ولو خيرت كنت المهذبا وقول أبي تمام:

فلو صورت نفسك لم تردها

على ما فيك من كرم الطباع والناقد البصير هو الذي يردك حيلة الشاعر في قلب المعنى ونقضه " هذا باب يحتاج إلى إنعام الفكر وشدة البحث وحسن النظر والتحرز من الإقدام قبل التبين والحكم غلا بعد الثقة، وقد يذهب منه الواضح الجلي على من لم يكن مرتاضاً بالصناعة متدرباً بالنقد "(1) ؛ فإذا كان الكشف عن السرق الخفي جزءاً هاماً من عمل الناقد البصير فلم حظر الجرجاني على نفسه وغيره البت في امره؟ ليس في موقفه تناقض، ولكنه يستبشع نسبة السرقة إلى شخص - من الناحية الأخلاقية - فهو قاض متحرج لا يستطيع أن يصدر الحكم إلا إذا تواترت الأدلة وترادفت؛ ولذلك يرى أن يكتفي بالقول: " قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، فأغتنم به فضيلة الصدق

(1) الوساطة: 208؛ وانظر البحث في السرقة 183 - 208.

ص: 326

أوسلم من اقتحام التهور "، فبهذا يدل الناقد على تنبهه دون ان يتهم الشاعر اتهاماً لا دليل عليه سوى المشابهة؛ ولا ريب في أن هذا المبدأ لم يأخذ به من جاء بعد الجرجاني، وأكثر ما يشكك القارئ الحديث فيما يوردونه تعسفهم في سوق السرقة، حتى ليعود المرء دائماً إلى قول الجرجاني السابق: " سرق بيت فلان؟ ولعل ذلك البيت لم يقرع سمعه قط ". وقد أحسن الجرجاني صنعاً حين وضح مدى اتساع باب المعاني المشتركة وحين وضحه توضيحاً دقيقاً مؤيداً بالأمثلة، وكان في مقدور النقد العربي من بعده ان يزيد في معنى المشاركة بسبب اتساع كل من التجربة الواقعية والثقافة. ولكن النقاد قلما أفادوا من هذا الذي وضع أسسه القاضي الجرجاني.

ترتيب الجرجاني لأفكار النقاد السابين واستخدامها

وقد دلنا ما تقدم من قول على أن الجرجاني اعتمد بعض الآراء التي وضعت قبل زمنه وحاول ترسيخها بالتوضيح والشرح والتوسعة والتدقيق في التفصيلات فرأينا كيف اخذ موقف الآمدي من الناقد ومن المنطقة التي يقف فيها النقد عاجزاً عن التعليل (وهي سر وجود الناقد نفسه) ومن عمود الشعر ومن مشكلة السرقات؛ ورأينا كيف استمد من الصولي وغيره موقفه من قضية الفصل بين الدين والشعر. ولم يكن اعتماده على الآمدي والصولي بأقل من اعتماده على غيرهما، فقد عاد إلى قضية القديم والمحدث، تلك التي استنفدت جهود أهل التسوية في القرن الثالث من أمثال الجاحظ والمبرد وابن قتيبة وابن المعتز؛؟ صيحة بعيدة في الزمان كدنا ننساها. لولا أن عاد القاضي الجرجاني إلى إحيائها للدفاع عن أبي الطيب، فقد كاد يذهب بها انقسام النقاد حول المحدثين أنفسهم ونسيانهم للصراع بين قديم ومحدث، ولكن يبدو إنها عادت إلى الحياة في النصف الثاني من القرن الرابع إذ اصبح بعض المحدث ذا قدم نسبي (كالبحتري وأبي تمام) وأصبح أمثال المتنبي من متأخري المحدثين؛ فهي قضية لا ينفرد الجرجاني بالإحساس بها، إذ

ص: 327

نجدها لدى ابن جني في مقدمته على شرح الديوان: " وما لهذا الرجل الفاضل من عيب عند هؤلاء السقط الجهال؟. إلا أنه متأخر محدث " ولذلك ذهب ابن جني يعرض في المقدمة نماذج من عصبية العلماء السابقين ضد كل جديد متأخر الزمن، كما فعل القاضي الجرجاني.

عود إلى مشكلة المطبوع والمتكلف

وعاد الجرجاني إلى ذلك الموضوع القديم الذي وضحه ابن قتيبة حين تحدث عن الطبع والتكلف في الشعر، والمطبوع والمتكلف من الشعراء:" الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل واحد من أسبابه "(1) وهو يعني بالطبع هنا ما يسمى " الموهبة الشعرية "، فالموهبة وحدها لا تجدي إلا إذا انضافت غليها الرواية؛ وحاجة المحدث إلى الرواية أشد من حاجة غيره " فإذا استكشفت هذه الحالة وجدت سببها والعلة فيها أن المطبوع الذكي لا يمكنه تناول ألفاظ العرب إلا رواية ولا طريق للرواية إلا السمع، وملاك الرواية الحفظ "(2) ؛ على أن الرواية وحدها لا تفعل شيئاً فكم من راوية لشاعر جاهلي أو إسلامي لم يقل بيتاً. ويعزز الجرجاني تفاوت الشعر إلى اختلاف الطبائع (ويعني بها هنا الأمزجة)" فإن سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة، وأنت تجد ذلك ظاهراً في أهل عصرك وأبناء زمانك، وترى الجافي الجلف منهم كز الألفاظ معقد الكلام، وعر الخطاب، حتى أنك ربما وجدت ألفاظه في صوته ونغمته، وجرسه ولهجته "(3) فالطبع (بمعنى الموهبة) هو الذي يجعل هذا شاعراً وأخاه لا صلة له بالشعر. ويقيم التفاوت بين شاعر وشاعر في القبيلة الواحدة. والطبع (بمعنى المزاج

(1) الوساطة:15.

(2)

الوساطة: 16.

(3)

الوساطة: 18.

ص: 328

أو تركيب الخلقة) هو سر التفاوت في الأسلوب والأداء؛ ثم يستعير الجرجاني من ثلاثية الجاحظ (البيئة - العرق - الغريزة) وحدة البيئة ويجعلها مسئولية أيضاً عن التفاوت في الشاعر، والبيئة إما بدوية وإما حضرية ولذلك كان عدي بن زيد وهو ابن الحاضرة، على جاهلية، أرق من الفرزدق، ابن البادية، وهو في الإسلام (1) ؛ ولكنه ينكر أن تكون الغريزة (أو الطبع) سبباً للفصل بين قديم ومحدث وجاهلي ومخضرم وأعرابي ومولد، مخالفاً الجاحظ في ذلك، لان الجاحظ عد الأعرابي في أي زمان ومكان اشعر من المولد في أي زمان ومكان (2) . ويرى الجرجاني أن الجزالة كانت اغلب على القدماء لعاملين هما " العادة والطبيعة " وأضيف إليهما التعمل والصنعة، وقد توجد الجزالة عند المحدثين في أفراد قلائل (3) . فلما تحضر العرب طرحوا الألفاظ الخشنة واقتصروا على الألفاظ السلسة " وأعانهم على ذلك لين الحضارة وسهولة طباع الأخلاق فانتقلت العادة وتغير الرسم " فرقعوا أشعارهم، فصار ما فيها من اللبن يظن ضعفاً، فإذا رام أحدهم العودة إلى المذهب القديم ظهر على شعره التكلف (4) . فمقياس تغير الشعر عند الجرجاني هو حدوث التغير في الطبيعة والعادة، ولكن هذا لا يفسر إلا الانتقال من خشونة البداوة إلى رقة الحضارة، فكيف يمكن أن يعلل لتطور الشعر المحدث نفسه في ظل الحياة الحضرية؟ ويتخذ القاضي الجرجاني من أبي تمام مثالاً للحضري الذي عاد يحتذي طريقة أهل البداوة " فحصل منه على توعير اللفظ فقبح في غير موضع من شعره؟. فتعسف ما أمكن وتغلغل في التصعب كيف قدر، قم لم يرض بذلك حتى أضاف إليه طلب البديع فتمحله من كل وجه، وتوصل إليه بكل سبب، ولم يرض بهاتين الخلتين حتى اجتلب المعاني

(1) الوساطة: 18.

(2)

مع بعض الاستثناء.

(3)

الوساطة: 17.

(4)

الوساطة 18 - 19.

ص: 329

الغامضة وقصد الأغراض الخفية فاحتمل فيها كل غث ثقيل؟ " (1) . وهذا لا يصيب شعر أبي تمام كله ولا يسقطه جملة، ولذلك يعتذر الجرجاني فوراً إثر هذا الكلام مخافة أن يساء الظن بنده فيقول: " ولست أقول هذا غضاً من أبي تمام ولا تهجيناً لشعره ولا عصبية عليه لغيره، وكيف وأنا أدين بتفضيله وتقديمه وانتحل موالاته وتعظيمه وأراه قبلة أصحاب المعاني وقدرة أهل البديع " (2) .

سبب التفاوت في أبيات القصيدة، وفي القصيدة

وهذا المذهب من أبي تمام وأمثاله هو الذي جعل أبيات القصيدة الواحدة لديهم متفاوتة، فالشاعر منهم إذا جرى على الطبع الحضري في تضاعيف قصيدة مسبوكة على الطريقة البدوية رق شعره حتى بدا خنثاً بنسبة ما يجاوره من أبيات، فإذا انساق مع طبعه الحضري إلى غاية جاء بأحسن نظام، حتى إذا أدركه الميل إلى البداوة تسنم اوعر طريق فطمس ما قدمه من محاسن ومحا طلاوتها (3) . وليست السهولة هي الضعيف والركاكة وغنما هي النمط الأوسط المرتفع عن السوقي، النازل عن البدوي الوحشي (4) .

على أن التفاوت لدى الشاعر الواحد يقتضيه اختلاف الموضوعات، فليس أسلوب الغزل - في ألفاظه وتراكيبه - كأسلوب الفخر، ولا المدح كالوعيد، ولا الهزل كالجد، بل لابد أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني في الشعر والنثر على السواء (5) . وهذا التفاوت لا يقضي على الاستواء المستمر في الموضوع الواحد فذلك يتحقق " برفض التعمل والاسترسال للطبع وتجنب الحمل عليه والعنف به، ولست اعني بهذا كل طبع، بل المهذب الذي قد

(1) الوساطة: 19.

(2)

الوساطة 19 - 20.

(3)

الوساطة: 22.

(4)

الوساطة: 24.

(5)

نفسه.

ص: 330

صقله الأدب وشحذته الرواية وجلته الفطنة وألهم الفصل بين الرديء والجيد وتصور أمثلة الحسن والقبح " (1) وأبرز الأمثلة على ذلك تجدها في شعر البحتري وجرير والغزلين من شعراء الأعراب وشعراء الحجاز. وقد نحس هنا ان الجرجاني أصبح كالآمدي شديد الارتياح إلى هذا الشعر الذي يأتي عفو الخاطر مسمحاً منقاداً، وقد استخفه الطرب له، لسهولة مأخذه وقرب متناوله، مؤثراً للبساطة العفوية في مثل:

أقول لصاحبي والعيس تهوي

بنا بين المنيفة فالضمار على مثل قول أبي تمام:

دعني وشرب الهوى يا شارب الكأس

فإنني للذي حسيته حساس (وهي قصيدة لم يخل بيت منها من معنى بديع وصنعة لطيفة وقد أتيح لها الأحكام والمتانة والقوة)(2) ؛ ولكنه واسع الصدر سمح النفس لا يأخذ شيئاً بديلاً عن شيء، فلكل ذلك في نفسه قبول على تفاوت الشعرين في موقعهما من نفسه، لان لكل منهما جمالاً خاصاً به.

تقدير القاضي لازمة الشاعر المحدث دون حمله على القديم

ولولا شدة تحرز القاضي وتوقيه، لظن قارئ " الوساطة " أنها تحمل راية الدفاع عن الشعر المحدث بل تتضمن شيئاً من الميل غليه وإيثاره على الشعر القديم؛ وخلاصة قول الجرجاني ان الشعر المحدث أقرب إلى طباع أهل العصر " والنفس تألف ما جانسها وتقبل الأقرب فالأقرب إليها "(3) ، والشاعر المحدث مظلوم إذ ضاق عليه مجال اللفظ (بقدر ما أسقطته الحضارة من

(1) الوساطة: 25.

(2)

الوساطة: 32 - 33.

(3)

الوساطة: 29.

ص: 331

ألفاظ) كما ضاق عليه مجال بعد أن سبقه المتقدمون إليها، فغن هو حاول التجديد عن طريق البديع والاستعارة اتهم بالتكلف، وإن استسلم إلى عفو الخاطر قيل: ان شعره فارغ غسيل " ولو أنصف أصحابنا هؤلاء لوجد يسيرهم أحق بالاستكثار وصغيرهم أولى بالإكبار "(1) ؛ والشاعر المحدث يتهم بالسرقة ولكن الإنصاف يقتضي أن نعذره في ذلك: " ومتى أنصفت علمت أن هل عصرنا، ثم العصر بعدنا أقرب فيه إلى المعذرة وابعد من المذمة "(2) لأن المعاني قد استغرقها المتقدمون. وهو مبغض إلى بعض الناس أحياناً لشدة طلبه المعنى ولكن كيف غاب عن هؤلاء أن أبيات المعاني التي للأقدمين - وهي غامضة تشبه الألغاز - تؤلف فيها الكتب، ويشتغل بحلها من فرغوا لذلك (3) ؛ وكذلك يقال في المحدث إنه مفرط ذاهب في الغلو، ولكن الغلو كثير في شعر الأوائل. صحيح عن المحدث قد زاد في ذلك على الاقمدين ولكن من أي وجه يطلب الجدة، إذا لم يطلبها بمزيد من القياس على ما فعله الأسلاف (4) ؟ وقد كان الجرجاني يحس أن موقفه هذا قد يساء تأويله ولذلك بادر إلى إزالة هذه الشبهة بقوله:" وليس يجب إذا رأيتني امدح محدثاً أو اذكر محاسن حضري أن تظن بي الانحراف عن متقدم أو تنسبني إلى الغض من بدوي، بل أن تنظر مغزاي فيه وان تكشف عن مقصدي منه ثم تحكم علي حكم المنصف المتثبت، وتقضي قضاء المقسط المتوقف "(5) .

(1) الوساطة: 52.

(2)

الوساطة: 214.

(3)

الوساطة: 417.

(4)

الوساطة 420 - 428.

(5)

الوساطة: 15.

ص: 332

التعاطف مع المحدث تمهيد لإنصاف المتنبي

وهذا حق، فليس في إمكان أحد أن يتهم الجرجاني في حرصه على العدالة ولكن هذا الذي يبدو وكأنه دفاع عن الشعر المحدث والشعراء المحدثين إنما هو تمهيد لإنصاف أبي الطيب. إذ ليست المسألة أن تحاول إقناع من يعم بالنقص كل محدث ولا يرى الشعر إلا القديم الجاهلي، فذلك امرؤ لا يؤمن بأبي الطيب مثلما أنه لا يؤمن بابي نواس وأبي تمام والبحتري؛ وإنما الخصم الذي لا بد من إقناعه هو الذي يقدم أبا تمام ومسلم بن الوليد والبحتري وابن الرومي " حتى إذا ذكرت أبا الطيب ببعض فضائله وأسميته في عداد من يقصر عن رتبته امتعض امتعاض الموتور، ونفر نفار المضيم، فغض طرفه، وثنى عطفه، وصعر خده، وأخذته العزة بالإثم وكأنما زوى بين عينيه عليك المحاجم) (1) ؛ ومثل هذا الراوي أو الناقد لا يمكن إقناعه إلا أن رضي أن يرى أبا الطيب واحداً من المحدثين، فإذا استطاع أن يحتل مركزه بينهم فلا باس من أن نستجلب عاطفة الناقد النافر عنه، بان نسلم له كل ما يورده من عيوب في شعر المتنبي (مقيسة إلى عيوب غيره) لنخرج في النهاية متفقين على أن المتنبي محدث يصيب ويخطئ وفي شعره ما يستحق الإعجاب. فإذا تجاوز الجرجاني هذه المرحلة للدفاع عن أبي الطيب لم يكد يفارق طريقته: كذلك وقف من إفراطه ومن غلوه في استعارته، ثم ناقش من يعيبونه في بعض الأخطاء النحوية وأخطاء المعاني مناقشة هادئة.

القاضي الجرجاني ونظرته إلى الاستعارة

ويستحق موقفه من الاستعارة بعض بيان، فهو يرى أن الشعراء كانت مقتصدة فيها حتى جاء أبو تمام فخرج إلى التجاوز وقلده أكثر المحدثين؛ وقد تجارى الجرجاني مع صديق له الحديث حول بعض استعارات أبي الطيب ومنها:

(1) الوساطة، 53.

ص: 333

مسرة في قلوب الطيب مفرقها

وحسرة في قلوب البيض واليلب فعابه صديق الجرجاني بأنه جعل للطيب والبيض واليلب قلوباً، وهذه استعارة لم تجر على شبه قريب أو بعيد، فاستشهد الجرجاني بابن أحمر وقد جعل للريح لباً، وبتصوير الكميت للدهر متمعكاً متقلباً وأورد أبيات شاتم الدهر؛ وأخيراً مال إلى رأي صديقه لأن استعارة المتنبي ليس فيها أدنى علاقة بين الطيب والقلب، وعد أبيات شاتم الدهر - كما عدها الآمدي - نوعاً من الهزل. ولكنه غير يائس من تأويل كلام المتنبي بحيث يصبح المعنى: أن مباشرة مفرقها شرف، ومجاورته زين، والتحاسد يقع فيه فلو كان الطيب ذا قلب لسر به (1) ؛ وكأن موقفه من الاستعارة هنا شبيه بموقف قدامة.

دفاعه عما في معاني أبي الطيب

ومن أمثلة دفاعه عنه في عيوب المعنى تعليقه على البيت الذي عابه الصاحب، وهو:

بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها

وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه فقد قال فيه الصاحب " هذا كلام من أرذل ما يقع لصبيان الشعراء وولدان الأدباء، واعجب من هذا هجومه على باب قد تداولته الألسنة وتناولته القرائح واعتورته الطباع بإساءة لا إساءة بعدها، سقوط لفظ وتهافت معنى، فليت شعري ما الذي أعجبه من هذا النظم وراقه من هذا السبك لولا اضطراب في النقد وإعجاب بالنفس "(2) .

أما القاضي فقد حكى قول المنتقدين: " قالوا أراد التناهي في إطالة الوقوف فبالغ في تقصيره، وكم عسى هذا الشحيح بالغاً ما بلغ من الشح،

(1) انظر الوساطة 429 - 432.

(2)

انظر الوساطة 429 - 432.

ص: 334

وواقعاً حيث وقع من البخل، أن يقف على طلب خاتمه، والخاتم أيضاً ليس مما يخفى في الترب إذا طلب ولا يعسر وجوده إذا فتش " ثم قال:" وقد ذهب المحتجون عنه في الاعتذار له مذاهب لا أرضى أكثرها، وأقرب ما يقال في الإنصاف ما أقوله عن شاء الله تعالى: أقول عن التشبيه والتمثيل قد يقع تارة بالصورة وتارة بالصفة وأخرى بالحال والطريقة، فإذا قال الشاعر - وهو يريد إطالة وقوفه - إني اقف وقوف شحيح ضاع خاتمه لم يرد التسوية بين الوقوفين في القدر والزمان والصورة، وإنما يريد لأقفن وقوفاً زائداً على القدر المعتاد خارجاً عن حد الاعتدال، كما ان وقوف الشحيح يزيد على ما يعرف من أمثاله، وعلى ما جرت به العادة في إضرابه "(1) .

كتاب الوساطة يرمز إلى اكتمال القضايا النقدية

ذلك هو " الوساطة " مثل فذ على نزاهة الحكم، وقد أصبح لاعتداله مصدراً جامعاً لعيوب المتنبي ومحاسنه؛ ويبدو من حشد المؤلف لأهم الآراء النقدية السابقة أن القضايا النقدية الكبرى قد استدارت واكتملت؛ صحيح عن الجرجاني لم يتعرض لبعض القضايا الهامة مثل العلاقة بين اللفظ والمعنى، ولا استطاع أن يضع مقاييس إيجابية للجودة كالتي وضعها ابن طباطبا وقدامة، ولكن وقفته أمام القضايا التي عرض لها تدل على أن النقد العربي أصبح بحاجة إلى منافذ جديدة، فغن لم يستطع الاهتداء إليها أخذ يدور على نفسه.

لماذا لم يحل كتاب الوساطة المشكلات حول المتنبي

ومع أن الموازنة استطاعت - على نحو تقريبي - أن يختم الصراع حول أبي تمام والبحتري، فإن الوساطة عجزت عن أن تكون الجواب الشافي في موقف الخصوم والأنصار من المتنبي، وليس السر في الكتابين وإنما هو في الظروف، فبعد ظهور كتاب الآمدي ظهر المتنبي فشغل الناس عن المعركة الأولى وحول أنظار النقاد إلى معركة جديدة، ولكن لم يظهر بعد

(1) الوساطة: 471.

ص: 335

المتنبي من ينقل رحى المعركة إلى ميدان آخر. وأكبر الظن ان وساطة الجرجاني نالت احترام النقاد، ولكنها لم تقنعهم كثيراً، فأما الأنصار فكانوا يؤثرون للمتنبي أن يظل خارج القطيع، لتكون هذه " الغربة " تفسيراً لتفرده، إذ لم يزد الجرجاني على أن طلب من الخصوم أن يكفوا من غلوئهم فيحسبوه واحداً من المحدثين، وينصفوه كما انصفوا غيره، ولكن الأنصار لم يكن يرضيهم هذا النوع من الإنصاف. فأما الخصوم فكانوا أيضاً عاجزين عن أن يربوا لأنفسهم هذا الذوق الرحب الذي واجههم به الجرجاني، الذوق الذي يحتضن البحتري وجريراً بنفس الحماسة التي يلاقي بها أبا تمام والمتنبي ومسلم بن الوليد.

وسيكثر انشغال الناس بالمتنبي بعد عصر الجرجاني، وكأنهم ما سمعوا حديثه عن السرقات ولا قرأوا كتابه، وسيتصدون من جديد للحط منه بالكشف عن سرقاته، وسيكمل آخرون عمل ابن جني في العكوف على ديوانه، متخذين إبراز معانيه وسيلة من وسائل تقريبه إلى الناس، وذلك حتماً من كتابة نقد أدبي يتناول شعره، وكيف يفعلون وهم قد رأوا ناقداً كبيراً مثل الجرجاني يحجم عن تفسير أية ظاهرة من ظواهر تفوقه وامتيازه على الشعراء. وبين الحين والحين سنجد أناساً أجراً من الجرجاني على التعليل، وإن كانوا أقل قدرة منه على تمثل المبادئ النقدية ونزاهة الموقف النقدي.

ص: 336

- 5 -

النقد وفكرة الإعجاز

لماذا وجد الباحثون في الأعجاز متكأهم لدى الجاحظ والآمدي

لم يكن النقد في مساقه العام موجهاً - كما أصبحت البلاغة موجهة - إلى خدمة فكرة الاعجاز، على نحو عامد، ولكن عدم انفصاله عن البلاغة كان من الطبيعي أن يقف به عند تلك الفكرة ذات يوم، أو يجعل وسائله صالحة للوقوف عندها. فقد أثار قدامة - دون أن يشير إلى القرآن - مسألة " نهاية الجودة " على نحو نظري، دون أن يستطيع الخوض في مراحل الجودة لدى التطبيق. ووضع ابن طباطبا نظرية " الصدق الذي يحقق الجمل " مستغلاً مختلف مدلولات الصدق في بناء نظريته، ولكنه لم يتنبه إلى " منتهى الصدق " المؤدي إلى " غاية الجمل "، لان تفكيره كان عالقاً بمصير الشعر المحدث، وكان من الممكن أن يتطور النقد حتى كان عالقاً بمصير الشعر المحدث. وكان من الممكن أن يتطور النقد حتى يتمرس بمشكلة الإعجاز، من هاتين الطريقين، فلم يفعل، لان الجاحظ كان قد سبق جميع النقاد إلى اعتبار النظم سر الإعجاز. ولهذا كانت أقرب النظريات النقدية التي يمكن أن تخدم البحث في الإعجاز هي نظرية الآمدي، ذلك أن هذا الناقد حين احتكم إلى ما سماه طريقة العرب، كان يهتدي بذوقه إلى أن حسن التأليف في شعر البحتري هو التزام بهذه الطريقة، فكأنه التقى مع الجاحظ في جعل جمال النظم مقياساً للشعر الجميل. وصادف أن كان في اتجاه الآمدي ثورة صريحة وخفية على الاتجاه إلى الفكر اليوناني في استنباط مقاييس نقدية تعرف بها مستويات الجودة، وكان الحزام العلمي

ص: 337

الضيق الذي شد قدامة به النقد (لا نستثني إلا جهده في ابتكار مصطلح جديد) مما باعد الأذواق عن طريقته، فأبعد تلك الأذواق بالتالي عن الاطمئنان إلى النظريات المستمدة من الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني، ولم يكن في مقدور نظرية المحاكاة التي شرحها الفارابي - حتى لو فهمت على وجهها الصحيح - أن تخدم فكرة الاعجاز؛ وقد كان أبو سليمان المنطقي وهو يتحدث عن نوع من البلاغة سماه " بلاغة التأويل " يشير إلى القرآن، ولكن أبا سليمان وزمرة الفلاسفة من حوله لم يكونوا ذوي " شعبية " كبيرة في أوساط المثقفين، وكانت " بلاغة التأويل " تتجه نحو طبقات المعانين فانهزمت أمام " صفحة التأليف " التي نادى بها الآمدي.

الآمدي أوصل النقد إلى منطقة " اللا تعليل "

وكانت نظرية الآمدي النقدية تعتمد على ركنين كبيرين: أولهما إمكان الموازنة بين أثرين أدبيين متفقين في الموضوع - مهما تتباعد الطريقتان فيهما - وإبراز دور الناقد الكفؤ الذي يجب أن يصغي الآخرون إلى حكمه سواء استطاع التعليل أو لم يستطع. وهذا ما جر إلى القول بان في الشعر مجالاً يدركه الناقد بالطبيعة التي وهبها دون غيره، وبهذه الطبيعة يحكم على ما لا يستطيع أن يورد فيه علة واضحة، وذلك يعني أن هناك دائرة في الشعر يحس فيها الجمال ولا يستطاع التعبير عنها بلم وكيف؛ وهي وقفة أمام اثر " يعجز " الناقد وغيره في كلام البشر، فلم لا تكون تلك الوقفة أمام القرآن؛ وقد رأينا كيف ألح القاضي الجرجاني على هذه الفكرة غير مرة في كتاب الوساطة، فكأن نظرية الآمدي رسخت في النصف الثاني من القرن الرابع وتمكنت عناصرها المختلفة في النفوس، ولهذا نجد لدى بلاغيي القرن التالي ونقاد نظرة إكبار للآمدي لأن ذوقه وطريقته انتصرا في السياق البلاغي والنقدي في تاريخ الأدب العربي.

ص: 338

الوقفة المعهودة أمام الرائع في أدب المخلوقين يمكن أن تتكرر أمام المعجز

وإذا كانت منطقة " اللاتعليل " هي التي تقبل فيها شهادة الناقد العدل فمن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى نتيجتين: أولاً أن يقال لكل من يتصدى لإنكار الجمال في أثر ما - بعد ورود شهادة الناقد - إنه جاهل لا يطمئن أحد إلى ذوقه وحكمه على المستوى النقدي؛ وثانياً أن يلح النقد إلحاحاً كلياً على التأثير الذي يتلقاه القارئ أو السامع من الأثر الفني، ويوضح فعل القول الجميل في النفوس. وهذا شيء طبيعي في كل محاولة لتعليل جمال ما يكسب الخلود في الأدب، وهي الوقفة التي وقفها لونجينوس مما سماه " الرائع " Sublime فإنه تحدث عن الهزة ekstasis التي يولدها هذا الأدب في النفوس، وذهب إلى أن الروعة إنما هي صدى روح عظيمة، وقد حاول لونجينوس - رغم ذلك - أن يضع للروعة مصادر خمسة هي:(1) القدرة على تكوين فكر عظيمة (2) العاطفة الجياشة (3) استخدام ضروب المجاز (4) استخدام الألفاظ الرفيعة (5) التأليف السامي الجليل (1) .

وواضح من هذه العناصر الخمسة أن الاثنين الأولين منها يتصلان اتصلاً وثيقاً بنفسية الشاعر بينا تتعلق الثلاثة الأخرى بالأثر الأدبي نفسه؛ فإذا نقلنا فكرة " الرائع " خطوة ابعد وسميناه " المعجز " - وخصصنا به القرآن - سقط العنصران الاولان، ولم يبق في مجال البحث إلا الثلاثة الأخرى؛ فإذا كشفنا عن مواطن الإعجاز فيها بي أن نتحدث عما يحدثه اجتماعها معاً في نفس القارئ أو السامع، فننتقل من مرحلة التعليل إلى مرحلة يتساوى فيها الناس في عجزهم عن التعليل. وعلى هذا المنهج - في خطوتيه المتعاقبتين - تمرس النقد الأدبي بفكرة الإعجاز.

(1) 1 - A. H. Gilbert، Lilerary Critieism، Plato to Dryden pp. 146 - 198 (1940) .

ص: 339

الرماني والإعجاز

ويبدو ان الرماني (- 386) الذي كان شديد التأثر بالمنطق اليوناني (1) - اطلاعاً عليه أو تشبهاً بطريقة المناطقة - قد عرق شيئاً من قسمة بعض الباحثين اليونانيين للأسلوب في ثلاثة أنواع: رفيع ومتوسط وعادي، فنقل هذه القسمة إلى البلاغة فقال:" فأما البلاغة فهي على ثلاث طبقات: منها ما هو في أعلى طبقة ومنها ما هو في أدنى طبقة، ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة، فما كان في أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن، وما كان منها دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس "(2) ثم يعرف البلاغة بأنها " إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ "(3) فمنذ الخطوة الأولى نجد الرماني قد لمح الأثر النفسي للبلاغة لكي يجعل المعجز منها اشدها تأثيراً. ثم قسم البلاغة في عشرة أقسام هي: الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان (4) ، وأفرد لكل نوع فصلاً على حدة. ومن الواضح ان هذه القسمة لأنواع البلاغة تنتمي إلى مصادر مختلفة فبعضها في الصورة وبعضها في النظم وبعضها في المعنى، ومنها ما يتصل باللفظة الواحدة (كالفواصل)، ولاختلاف مصادرها كانت قسمة متداخلة غير منطقية؛ ويكثر الرماني من الحدود والتعريفات الجزئية معتمداً أيضاً أسساً مختلفة في التقسيم: فالإيجار عنده على وجهين: حذف وقصر؛ والإيجاز على وجهين: أحدهما إظهار النكتة بعد الفهم لشرح الجملة، والثاني إحصار المعنى بأقل

(1) عرف الرماني ب " صاحب الحدود " وكان الشاعر البديهي يتحامل عليه فيما يبدو إذ قال انه راجع العلماء في أمره فقال المتكلمون: ليس فنه من الكلام فننا، وقال النحويون: ليس شانه في النحو شأننا؛ وقال المنطقيون: ليس ما يزعم أنه منطق منطقاً عندنا. (البصائر 1: 170) .

(2)

ثلاث رسائل: 69.

(3)

نفسه.

(4)

نفسه: 70.

ص: 340

ما يمكن من العبارة؛ والإيجاز أيضاً على ثلاثة أوجه: إيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد وإيجاز باعتماد الغرض دون ما تشعب، وإيجاز بإظهار الفائدة بما يستحسن دون ما يستقبح؟ فهذه قسمة أولى وثانية وثالثة للإيجاز مع تغيير زاوية النظر في كل مرة.

ويتفاوت شرح الرماني لهذه الأرقام العشرة، كما تتفاوت قدرته في تطبيقها على القرآن، فبينا نجده على خير أحواله عند الحديث عن الإيجاز والتشبيه والاستعارة. واثقاً من نفسه مكثراً من الامثلة، نجد حديثه في التلاؤم عاماً لا تطبيق فيه، وكذلك هو حديثه في التضمين والتصريف. أما حديثه عن المبالغة فإنه يدل على انه جعل ضمنها التشكيك والتهويل. ولم يأت بما يدل على المبالغة حسب المفهوم المتعارف للبلاغيين.

وفي غير موطن من كتاب النكت نجد الرماني يقف عند الأثر النفسي للكلام البليغ، فإيجاز الحذف مثلاً جميل بليغ " لان النفس تذهب فيه كل مذهب " - أو كما نقول اليوم إنه يفسح المجال لخيال المتلقي. كذلك يدرك ما في التشبيه من مؤثرات نفسية كالتخويف والتشويق وما إلى ذلك، أما التلاؤم فغايته " تقبل المعنى في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة "(1) .

غير أن للرماني آراء يخالف بها المفهومات العامة في سبيل الوصول إلى فكرته، منها: إسقاطه الإطناب من أنواع البلاغة، فإذا سئل عن ذلك قال:" إذا كان الإطناب لا منزلة غلا ويحسن اكثر منها فالإطناب حينئذ إيجاز "(2) . ومن ذلك إطلاقه الحكم على أن السجع غيب، وقصره الاستشهاد عليه بسجع الكهان إمعاناً في تقرير عيبه، وذلك ليثبت أن الفواصل هي

(1) ثلاث رسائل: 88.

(2)

نفسه: 74.

ص: 341

البلاغة، لأنها تابعة للمعاني، أما الأسجاع فالمعاني تابعة لها " (1) .

ولا ينكر الرماني أن بعض العبارات - من غير القرآن - تبلغ حداً بعيداً من البلاغة، ولكن حكم الإعجاز لا يجري عليها غلا حتى ينتظم الكلام بحيث يكون كأقصر سورة او أطول آية، وعند ذلك يظهر حكم الإعجاز (2) .

وإذا كان الرماني قد استطاع إجراء المقارنة بين بعض صور الإيجاز في كل من القرآن وكلام البلغاء وبين فضل الإيجاز في القرآن على غيره فإنه لم يفعل ذلك عندما درس بقية الأقسام البلاغية، فلم يبين مثلاً لماذا كانت هذه الاستعارة القرآنية خيراً من تلك في كلام شاعر أو خطيب، ولم يتحدث عن فضل التشبيه القرآني على غيره. واكثر التشبيهات التي أوردها تمثيلات. وإنما اكتفى بشرح كل استعارة أو تشبيه وبيان بلاغته درجة أو درجات فوق التعبير الحقيق. ولجأ إلى التعليل العام في قوله:" وظهور الإعجاز في الوجوه التي نبينها يكون باجتماع أمور يظهر بها للنفس أن الكلام من البلاغة في أعلى طبقة "(3) ، وكأنه فاء إلى القول بان ليس هناك من تعليل واضح المعالم والسمات.

إن محاولة الرماني لم تتعد الاستعانة بالمصطلح البلاغي شيئاً كثيراً إلا في جانب التأثير النفسي ولذلك وقف عند الباب المغلق بقوله: " فأما دلالة التأليف فليس لها نهاية ولهذا صح التحدي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة، ولو قال قائل: قد انتهى تأليف الشعر حتى لا يمكن أحداً أن يأتي بقصيدة إلا وقد قيلت فيما قيل، لكان ذلك باطلاً، لأن دلالة التأليف ليس لها نهاية "(4) ، وهذا أمر منوط بالتصور، وهو خطا كما يرى، إذ لابد من

(1) نفسه: 89.

(2)

نفسه: 73.

(3)

ص 72.

(4)

ص 99.

ص: 342

نهاية منطقية ليكون المعجز نفسه هو " نهاية الحسن ".

وقد اختلف تقبل الناس لكتاب النكت، فاعترض كثيرون على الحدود فيه، وتأثر بعض البلاغيين به ونقلوا آراءه وأمثلته، ووقف الباقلاني من تعليله لإعجاز القرآن عن طريق أنواع البديع موقف الحذر، ورفض ابن سنان الخفاجي أن يقبل حكمه على السجع ورد على قوله " أن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا وغيره في الطبقة الوسطى " فقال: ليس الأمر على ذلك، ولا فرق بين القرآن وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضية، ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد أن في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه، ولعل أبا الحسن يتخيل أن الإعجاز في القرآن لا يتم إلا بمثل هذه الدعوى الفاسدة، والأمر بحمد الله أظهر من أن بعضه بمثل هذه الدعوى الفاسدة، والأمر بحمد الله أظهر من أن يعضده بمثل هذا القول الذي ينفر عنه كل من علق من الأدب بشيء أو عرف من نقد الكلام طرفاً " (1) .

الخطابي والإعجاز

وهب أبو سليمان الخطابي (- 388) في " بيان أعجاز القرآن " مذهب الرماني في قسمة أجناس الكلام في ثلاث مراتب: فمنها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الحائز المطلق الرسل؟ فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه والثاني أوسطه وأقصده والثالث أدناه وأقربه (2) . غير أن الخطابي لم يقل كما قال الرماني أن بلاغة القرآن تقتصر على النوع الأول وحده، بل ذهب إلى أنها أخذت حصة من كل نوع من الأنواع الثلاثة، فكان من امتزاج تلك الأنماط نمط جديد بين صفتي الفخامة والعذوبة - الفخامة تنتج عن الجزالة والعذوبة تنتج عن السهولة، وهما صفتان كالمتضادتين، فالتوفيق بينهما على نحو لا يحدث نبوة لا يتيسر إلا في القرآن.

(1) سر الفصاحة: 91.

(2)

ثلاث رسائل: 23.

ص: 343

كذلك فإن الكلام يقوم بثلاثة أشياء: لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم، وقد حاز القرآن في هذه الثلاثة معاً غاية الشرف والفضيلة: ففيه أفصح الألفاظ وأعذبها وأجزلها، واحسن التأليف وخير المعاني. " وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير؟ "(1) وبعد أن يبين الخطابي كيف تفنن القرآن في تنويع المعاني مدرجة في أحسن نظوم التأليف وقف عند الألفاظ وقفة دل بها على أن كلاً من التأليف والمعنى يعتمد على اللفظ، أو بعبارة أدق على وضع كل نوع من الألفاظ موضعه الأخص الأشكل به (2) ؛ ولهذا عرج على بعض الألفاظ المتشابهة في المعنى (مثل الشح والبخل.. الخ) ودل على أن اللفظة الواحدة تصلح في موضع لا تصلح فيه الأخرى، فإذا تغيرت أو انتقلت عن موضعها اختل التأليف وتفاوت المعنى.

واعتمد الخطابي على تفاوت الشاعرين إذا هما تنازعا معنى واحداً، وعلى تميز كل شاعر في ناحية كالأعشى والاخطل في وصف الخمر وذي الرمة في صفة الأطلال والدمن؛ إلا انه استغل هذه المسألة لدحض المعارضة للقرآن وبيان قصورها، ولم يستغلها على طريقة الباقلاني، كما سنرى من بعد.

ولجأ الخطابي كما لجأ الرماني من قبله إلى الأثر النفسي فقال: " في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه غلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فانك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً إذا قرع السمع خلص له القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى، ما يخلص منه إليه،

(1) ثلاث رسائل: 24.

(2)

نفسه: 26.

ص: 344

تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق وتغشاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها؟ " (1) ؛ إلا ان الخطابي يلمح تنوع هذا الأثر وتردده بين إثارة البهجة وإثارة الخوف والفزع عن طريق الائتلاف بين الثلاثة: المعنى واللفظ والرباط الناظم، وليس هو تأثيراً مستمداً من التشبيه أو الاستعارة أو ما أشبه من نكت بلاغية.

الباقلاني والإعجاز

وتعد جهود الرماني والخطابي على هامش النقد الأدبي إذا هي قيست بجهد الباقلاني (- 403) لأنه الوحيد الذي استطاع أن يفيد إفادة تفصيلية من جهود النقاد السابقين، وأن يطور أثناء بحثه لقضية الإعجاز بعض النواحي النقدية.

فبعد أن أطلع على الجاحظ وابن قتيبة وابن المعتز وقدامة والآمدي اتضح لديه أن فكرة الإعجاز لدى نقاد الأدب قد سارت في طريقين (وتعددت تعليلات الإعجاز من طرق أخرى غير الطريقة الأدبية) : إحداهما الطريق التي سار فيها ابن المعتز وقدامة وتبعهما فيها الرماني وهي تعليل الإعجاز عن طريق البديع، أو دراسة الصور البيانية في القرآن، وكان ابن قتيبة قد ألم بأطراف هذه الطريقة في كتابه " مشكل القرآن "، وأما الطريقة النقدية الثانية فهي مذهب القائلين بالنظم والتأليف وهي طريقة الجاحظ والآمدي وفيها سار الخطابي عندما تحدث عن الإعجاز، وكان الجاحظ قد ألف في فكرة الإعجاز كتاباً سماه " نظم القرآن ".

(1) ثلاث رسائل: 64.

ص: 345

ليس الإعجاز من جهة البديع

وتساءل الباقلاني: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تصمنه من البديع (1) ؛ وبعد أن سرد أنواع البديع - كما أوردها ابن المعتز وقدامة وربما ما عداه الحاتمي أيضاً - قال: " وقد قدر مقدرون انه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه، وليس كذلك عندنا، لان هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له وأمكنه نظمه؛ والوجوه التي نقول عن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال "(2) . فالباقلاني لا يرى هذا الفن طريقاً لإثبات الإعجاز لأنه ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العرف بل انه شيء يمكن أن يحذقه المرء بالتعلم. ولكن ربما قيل أن أنواع البديع تمثل نوعاً من البراعة، وبهذا المعنى قد توجد في القرآن (3) .

رد على الرماني

وكان أهم من استغل هذه الطريقة لابراز مدى الإعجاز في بلاغة القرآن هو الرماني، ولذلك عاد إليها الباقلاني قائلاً:" ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام: الإيجاز والتشبيه والاستعارة؟ الخ "(4) ولخص كتاب النكت؛ ثم رجع إلى رأيه الذي لا يحيد عنه وهو ان الإعجاز لا يثبت من هذه الطريق: " وإنما ننكر أن يقول قائل إن بعض هذه الوجوه بانفرادها قد حصل فيه الإعجاز من غير أن يقارنه ما يتصل به من الكلام ويفضي إليه مثل ما يقول: عن ما أقسم به وحده بنفسه معجز

(1) إعجاز القرآن: 101.

(2)

نفسه: 161 - 162.

(3)

نفسه: 168، 170.

(4)

نفسه: 396.

ص: 346

وإن التشبيه معجز، وإن التجنيس معجز والمطابقة بنفسها معجزة؛ فأما الآية التي فيها ذكر التشبيه فإن ادعى إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها فإني لا أدفع ذلك وأصححه ولكن لا ادعي إعجازها لموضع التشبيه، وصاحب المقالة التي حكيناها (يعني الرماني) أضاف ذلك إلى موضع التشبيه وما قرن به من الوجوه؟ " (1) .

تقصير الجاحظ في استقلال فكرة النظم، وإيثار موقف ابن قتيبة والآمدي

وأما الطريقة النقدية الثانية التي تتحدث عن حسن التأليف فقد رأى الباقلاني أن الجاحظ قصر في استغلالها: " وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتاباً لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى "(2) ، ولذلك فغن الباقلاني وجد الوسائل التي تسعفه على إثبات فكرة الإعجاز لدى ابن قتيبة والآمدي، وربما لدى الخطابي نفسه.

الانتقال من التفاوت في الشعر إلى القول بعدم التفاوت في القرآن

فإما ابن قتيبة فإنه كان قد شرح فكرة التفاوت بين قصائد الشاعر الواحد، كما شرح التفاوت بين الشعراء، فكانت هذه الفكرة مدخل الباقلاني إلى القول بان عدم التفاوت في نظم القرآن يرتفع به عن مستوى أي شعر أو نثر، لأنه لا بد من أن يخضع هذان عند البشر للتفاوت. " إن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام؟ ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور: فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين؟.

(1) إعجاز القرآن: 418.

(2)

نفسه: 7.

ص: 347

ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه؟ ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلاً ومنهم من ينظم القصيد؟ ولا ينظم الرجز؟ الخ " (1) . وأعجبت الباقلاني فكرة التفاوت هذه فشقق منها ضروباً جديدة إذ رأى أيضاً إن كلام الفصحاء يتفاوت في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد، وقد يحسن الشاعر النظم ويقصر في الخروج من معنى إلى غيره أو يختلف انتقاله أحياناً إذا اختلف الموضوع (2) .

ناقد الآمدي والتفاوت

وهذا التفاوت نفسه منحك الناقد البارع لأنه لا يخفى عليه شيء من أمره، فهو يميز طرائق الشعراء بحيث لا تخفى عليه صنعة أبي نواس من سبك مسلم ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري، بل يستطيع ان يميز طرائق الكتاب، غلا حيث يغمض ذلك جداً في حال الشعر والنثر، وهذا الناقد هو الذي تقبل كلمته ولا يرد حكمه في النقد، - هو الناقد الذي وصفه الآمدي - وسبيل ذلك في إعجاز القرآن كالحال في الشعر والنثر، فإذا اشتبهت على الناشئ أو المتشاعر بلاغة القرآن فليس هو ممن يصار إلى رأيه فالبليغ يعرف علو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه، ولا غنى لمن قصر في هذا عن التسليم للناقد العارف كذلك (3) .

(1) إعجاز القرآن: 54 - 55.

(2)

نفسه.

(3)

أنظر إعجاز القرآن: 182 - 192.

ص: 348

الإعجاز في النظم بعد إدراك عدم التفاوت

النظم إذن هو الطريق التي اختارها الباقلاني لإثبات الإعجاز، وليس انعدام التفاوت هو المظهر الوحيد الدال على إعجاز ذلك النظم، بل هناك عنصران آخران: أحدهما الطول الذي استوعبه ذلك النظم دون تفاوت، مع إن المعروف في حال الشعر والنثر إن الشاعر لا يجيد إلا في أبيات أو قصائد وأن الحكيم ليست له إلا كلمات معدودة (1) ؛ وثانيهما أن هذا النظم قد ورد على غير المعهود من نظم الكلام جميعه عند العرب، وذلك أن كلام العرب يقع تحت النماذج الآتية:

1 -

أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه.

2 -

أنواع الكلام الموزون غير المقفى.

3 -

أصناف الكلام المعدل المسجع.

4 -

أصناف الكلام المعدل الموزون غير المسجع.

5 -

أنواع الكلام المرسل (2) .

فإذا تدبرنا نظم القرآن وجدنا أنه لا يسير على واحد من هذه النماذج، ولذلك ذهب الباقلاني ينفي أن يكون فيه شعر أو سجع، دونما حاجة إلى نفي الإرسال لأن ذلك واضح في أسلوبه لا يتطلب نفياً.

(1) أنظر الإعجاز ص 53، وص 169.

(2)

أنظر ص: 52.

ص: 349

عرض نماذج من نثر البلغاء وشعر الشعراء لأدراك التفاوت

ولإثبات ذلك - اعني تميز نظم القرآن - عرض الباقلاني نماذج من النثر فيها خطب للنبي والصحابة وغيرهم من مشهوري الخطباء دون أن يستثير أحكاماً على تلك الخطب وإنما اقتصر على أن يطلب إلى القارئ أن " يحس " مدى التفاوت بين ما يعد بليغاً من كلام البشر وبين نظم القرآن؛ وكان هذا العمل يقتضيه أن يتقدم خطوة أخرى فيعرض نماذج من الشعر ويبين ما فيها من عيوب ليدل على أن ما استأثر بتفضيل النقاد في الشعر لا يبلغ شيئاً بجانب بلاغة القرآن. وقد وقع اختياره على معلقة امرئ القيس وعلى قصيدة للبحتري، وأدته هذه اللفتة إلى القيام بدراسة كل من القصيدتين فكان من أول من تنبهوا إلى إجراء نقد تطبيقي على قصيدة كاملة، اعتماداً على التحليل المتدرج لأبياتها، وإزاء ذلك وقف عند سورة من سور القرآن فيبين ما فيها من وجوه البراعة المعجزة.

تفاوت قصيدة امرئ القيس نتيجة مفروضة ابتداء

وقد اتعب القاضي نفسه في تحليل القصيدتين ليصل إلى نتيجة كان قد فرضها ابتداء وهي تفاوت أبيات القصيدة الواحدة ولذلك انتهى في قصيدة امرئ القيس إلى وله: " اعلم أن هذه القصيدة قد ترددت بين أبيات سوقية مبتذلة وأبيات متوسطة وأبيات ضعيفة مرذولة وأبيات وحشية غامضة مستكرهة وأبيات معدودة بديعة؟ ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة ويذوب تارة ويتلون تلون الحرباء ويختلف اختلاف الأهواء ويكثر في تصرفه اضطرابه وتتقاذف به أسبابه، وبين قول يجري في سبكه على نظام وفي رصفه على منهاج، وفي وضعه على حد، وفي صفائه على باب، وفي بهجته ورونقه على طريق "(1) .

(1) الإعجاز: 273، 277.

ص: 350

طريقة الباقلاني في نقد قصيدة امرئ القيس

وفي سبيل الوصول إلى هذه النتيجة الواضحة منذ استغل الباقلاني طرائق نقدية من تحليل ومقارنة وغير ذلك، وتمحل تمحلاً كثيراً وركب ضروباً من التعسف، دون أن يضطره إلى ذلك شيء لإثبات بديهة من بدائه القدرة الإنسانية في فن الشعر. وإليك أمثلة من تعليقاته ونقده:

1 -

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

لما نسجتها من جنوب وشمأل أنت تعلم انه ليس في البيتين شيء قد سبق في ميدانه شاعراً، ولا تقدم به صانعاً، وفي لفظه ومعناه خلل، فأول ذلك: انه استوقف من يبكي لذكر الحبيب، وذكراه لا تقتضي بكاء الخلي وإنما يصح طلب الإسعاد في مثل هذا على أن يبكي لبكائه ويرق لصديقه في شدة برحائه فأما أن يبكي على حبيب صديقه وعشيق رفيقه فأمر محال؟ وفسد المعنى من وجه آخر: لأنه من السخف أن لا يغار على حبيبه وأن يدعو غيره إلى التغازل عليه والتواجد معه فيه. ثم في البيتين ما لا يفيد من ذكر هذه المواضع وتسمية هذه الأماكن؟. وقوله " لما نسجتها " كان ينبغي ان يقول: " لما نسجها " ولكنه تعسف فجعل (ما " في تأويل تأنيث؟ وقوله " لم يعف رسمها " كان الأولى أن يقول: " لم يعف رسمه " لأنه ذكر المنزل؟ ولو سلم من هذا كله ومما نكره ذكره كراهية التطويل، لم نشك في أن شعر أهل زماننا لا يقصر عن البيتين بل يزيد عليهما ويفضلهما.

2 -

كدأبك من أم الحويرث قبلها

وجارتها أم الرباب بمأسل

إذا قامتا تضوع المسك منهما

نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل أنت لا تشك بان البيت الأول قليل الفائدة ليس له مع ذلك بهجة، فقد يكون الكلام مصنوع اللفظ وإن كان منزوع المعنى، وأما البيت الثاني فوجه

ص: 351

التكلف فيه قوله " إذا قامتا تضوع المسك منهما " ولو أراد أن يجود أفاد ان بهما طيباً على كل حال، فأما في حال القيام فقط فذلك تقصير. ثم فيه خلل آخر لأنه بعد أن شبه عرفها بالمسك شبه ذلك بنسيم القرنفل، وذكر ذلك بعد ذكر المسك نقص.

3 -

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة

فقالت لك الويلات إنك مرجلي

تقول وقد مال الغبيط بنا معاً

عرت بعيري يا امرؤ القيس فأنزل قوله " دخلت الخدر خدر عنيزة " ذكره تكيرياً لإقامة الوزن لا فائدة فيه غيره ولا ملاحة له ولا رونق. وقوله " فقالت لك الويلات؟ " كلام مؤنث من كلام النساء، نقله من جهته إلى شعره وليس فيه غير هذا؟ وفي مصراع الثاني أيضاً تأنيث من كلامهن.

4 -

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

فألهيتها عن ذي تمائم محول

إذا ما بكى من خلفها انصرفت له

بشق وتحتي شقها لم يحول (الأول) فيه من الفحش والتفحش ما يستنكف الكريم من مثله ويأنف من ذكر (والثاني) غاية في الفحش ونهاية في السخف وأي فائدة لذكره لعشيقه كيف كان يركب هذه القبائح ويذهب هذه المذاهب ويرد هذه الموارد، عن هذه ليبغضه إلى كل من سمع كلامه ويوجب له المقت؛ وهو؟ لو صدق - لكان قبيحاً، فكيف ويجوز أن يكون كاذباً؟ ثم ليس في البيت لفظ بديع ولا معنى حسن " (1) .

وهكذا يظل الباقلاني متنقلاً في الكشف عن عيوب امرئ القيس، فبعض كلامه غير بديع وبعضه حشو؛ وفيه تناقض، وركاكة، وتأنث في التعبير ولكن أكثر ما يهيج غضبه خروج الشاعر عن الجادة الخلقي إلى ما يأنف منه الكريم.

(1) انظر الإعجاز 243 - 250 وقد اخترنا الأمثلة والتعليقات عليها.

ص: 352

خطورة المنهج منهج الباقلاني على فكرة الإعجاز

وهذا المنهج الذي سار فيه الباقلاني اعني تحليله للقصيدة الواحدة وبيان مبلغ التفاوت فيها غير سليم النتائج لأنه يوحي بالموازنة بين شيئين متباعدين رغم ان الباقلاني حاول جاهداً ان ينفي الموازنة بقوله: (عن الكلام في الشعر لا يجوز أن يوازن به القرآن " (1) ؛ وإنما تأتي خطورة هذا المنهج من محاولة بسط حديث إيجابي عن حقيقة الاعجاز؛ وقد قلنا في غير هذا الموطن أن تبين النواحي السلبية أمر سهل فأما تقرير الصفات الإيجابية فإنه شيء بالغ الصعوبة؛ ولهذا لا أرى الباقلاني جاء بشيء ذي بال وهو يحاول أن يبين خصائص الآيات القرآنية التي درسها.

هل كل تفاوت معيب؟

وهناك أمر لم يتنبه له الباقلاني حين عاب جميع أنواع التفاوت، وذلك إن بعض التفاوت في طبيعة النظم نفسه مما يقتضيه اختلاف الأحوال النفسية، بين موقف وموقف؛ وهذا هو الذي لم يمكن الباقلاني مثلاً من فهم " قيمة التأنث " فيما ينقله امرؤ القيس من حدي النساء، هذا إذا لم يكن ناقماً عليه من الزاوية الأخلاقية.

رجوع إلى منطقة اللاتعليل

إن طبيعة هذا النقد تصل دائماً إلى مجال " اللاتعليل " بسهولة ويسر، وذلك هو ما وقف إزاءه العقد عند الآمدي والجرجاني حتى أمام بعض الآثار الشعرية التي لا يمكن ان ينسب لها الإعجاز، ولذلك بقيت لدى الباقلاني خطوة أخرى هي التمييز بين " المعجز " من كلام الخالق، وبين " الرائع " من كلام المخلوق، إذ يبدو أن الإحالة فيهما على الناقد البارع والاطمئنان إلى حكمه لا يبين الفرق بينهما.

(1) ص 328.

ص: 353

ناقد الآمدي مرة أخرى واللجوء إلى حمى التأثير النفسي

وأخيراً فلابد لهذا النقد ان يلجا في النهاية إلى التأثير النفسي، مجملاً دون تفصيل أو توجيه، فيقول كما قال الباقلاني:" فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرفه وأبوابه من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته وحسن موقعه في السمع وسهولة اللسان ووقوعه في النفس موقع القبول؟. وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ما يذهل ويبهج ويقلق ويؤنس ويطمع ويؤيس ويضحك ويبكي ويحزن ويفرح ويسكن ويزعج ويشجي ويطرب؟. وله مسالك في النفوس لطيفة ومداخل إلى القلوب دقيقة "(1) ، وفي هذا تلتقي الطريقان، طريق أهل البديع وطريق أنصار التأليف والنظم ويكون الباقلاني قد ربط بين نتائج الرماني والخطابي، وجمع إلى ذلك كله صنوفاً من المواقف النقدية.

رعي الباقلاني بقضايا النقد على عصره

كان الباقلاني على وعي دقيق بقضايا النقد الأدبي حسبما بلغت في تصورها حتى عصره، وقد مس كثيراً من القضايا عابراً دون توقف، من ذلك مثلاً فكرة العلاقة بين التصوير والشعر، وكيف ان الشعر هو " تصوير ما في النفس للغير "(2) ؛ ومن ذلك لمحه أن " الشاعر المفلق إذا جاء إلى الزهد قصر "(3) . وأمثال هذا من لمحات؛ ولكنا لم نعرض لما ألمح إليه مسرعاً، كما لم نعرض للمشكلات الكلامية التي ناقشها حول فكرة الإعجاز وإنما قصرنا الحديث على المسائل النقدية الكبرى التي استخدمها في كتابه.

(1) الإعجاز: 419.

(2)

ص، 181.

(3)

ص: 305.

ص: 354

كتاب الصناعتين نموذج للكتاب المدرسي الذي لم يأتي بجديد إطلاقاً

ومع أن كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري (- 395) لم يؤلف لإثبات الإعجاز، فإن هذه الفكرة كانت من العوامل الكبيرة التي وجهت المؤلف إلى تصنيف ذلك الكتاب، فهو في نهاية المطاف بلاغي الطابع، وإن لم يفصل كثيراً بين البلاغة والنقد مثلما مزج شواهده وقواعده كي تكون صالحة لقياس الصناعتين معاً، أي الشعر والنثر؛ وفي المقدمة يتحدث المؤلف حديثاً عن العلاقة بين البلاغة والإعجاز حين يقول:" إن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالتحفظ - بعد المعرفة بالله جل ثناؤه - علم البلاغة ومعرفة الفصاحة الذي به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى؟ " وهو على مذهب القائلين بان الإعجاز إنما يكمن في حسن التأليف وبراعة التركيب، ولكنه ليس كالباقلاني في الفصل بين الحديث عن نظام التأليف وعن صور البديع، وإنما يرى أن الكشف عن وجوه البديع وصور البيان وسيلة لإدراك حسن النظم والتأليف، أي انه يريد ان يتعلم الناس البلاغة ليتكون لديهم الذوق والفهم المسعفان على إدراك الإعجاز " وقبيح لعمري بالفقيه المؤتم به والقارئ المهتدي بهديه والمتكلم المشار غليه في حسن مناظرته وتمام آلته في مجادلته، وشدة شكيمته في حجاجه، وبالعربي الصليب والقرشي الصريح ألا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي والنبطي أو من يستدل عليه بما استدل بها الجاهل الغبي "(1) .

وكتاب الصناعتين حسن التبويب حافل بالأمثلة، سهل المأخذ للدارس، ويحتل البديع فيه أكثر من ثلثه؛ ولكنه صورة عجيبة لعدم الاستقلال بأي رأي ذاتي؛ وليس لأبي هلال فيه إلا تنسيق المادة وترتيبها في فصول والاستكثار من الأمثلة؛ ولقد ينخدع القارئ بالكتاب لأول وهلة لأن المؤلف لم

(1) الصناعتين: 1 - 2.

ص: 355

يشر من مصادره في المقدمة إلا إلى البيان والتبيين للجاحظ، ولا يذكر في درج الفصول سوى قدامة؛ ولكن من يعرف مصادر النقد الأدبي معرفة وثيقة يستطيع أن يرد كل راي في هذا الكتاب إلى مصدر سابق. ولست أشير إلى ما نقله من البيان والتبيين ولكن حسبي أن أذكر أمثلة أخرى:

ص 98 - 104 نظرية قدامة في قيام المدح على الفضائل ونظريته في الهجاء، والأمثلة نفسها مستمدة من قدامة.

119 -

127 حديث عن عيوب أبي تمام في المعاني وأمثلة ذلك، وكله مستمد من الموازنة للآمدي

128 -

131 عودة إلى كتاب " نقد الشعر " لقدامة.

139 -

142 نقل من عيار الشعر لأبن طباطبا، وهناك نقول أخرى منه (مثلاً ص 57، 147، 245، 250) .

142 -

عودة إلى النقل من قدامة.

148 -

نقل من رسالة الصاحب في الكشف عن مساوئ المتنبي.

148 -

152 نقل عن ابن قتيبة.

163 -

164 شرح المعاظلة، ونقل رد الآمدي على قدامة في تحديدها.

196 -

سائر الحديث عن السرقات وأمثلتها مستمد من مصادر متعددة.

197 -

رأي قدامة في الاستطراف.

243 -

نقل عن " الوساطة " للجرجاني.

ص: 356

ص 303 الاستعارات الرديئة عند أبي تمام منقولة عن الموازنة.

وهذه أمثلة وحسب، ولو كنا نتصدى لتحقيق كتاب الصناعتين في هذا المقام لرددنا كل ما فيه إلى مصادره، ولهذا السبب لا نرى لهذا الكتاب في تاريخ النقد أية قيمة جديدة، لان صاحبه لم يضف إلى الآراء السابقة أي شيء من لدنه، وكتابه علامة على أن ترتيب الآراء وتنسيقها أصبح حاجة ملحة لدى طلاب النقد والبلاغة في أواخر القرن الرابع، وما أمتع أن تكون فائدته هي ترسيخ الآراء النقدية التي جاء بها نقاد القرنين الثالث والرابع في نفوس الدارسين على نحو واضح مبسوط مزود بكثير من الأمثلة.

ص: 357