الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوجه الرابع: أن القرآن الكريم ذو شَرَفٍ ويُشَرِّفُ مَنْ نُسِب إليه
قال الله -عزوجل-: {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1] .
وقال الله سبحانه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ} [الزخرف: 44] .
وقال جلت قدرته: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] .
لو تصورنا الأمة العربية تسير عبر العصور، وكر الدهور على ما كانت عليه قبل نزول القرآن الكريم، لرأيناها أمة قابعة في زاوية النسيان من تاريخ الإنسانية فضلاً عن مسير الحضارات، منزوية في جزيرتها التي تغطيها الرمال، تعيش عالة على غيرها من الأمم المجاورة، يظهر فيها أهل الذكاء والفطنة والكياسة والفهم، فيذوب ذكاؤهم وتنطفئ فطنتهم، وتضيع كياستهم، ويطيش فهمهم في العصبية الجاهلية، والصراعات القومية، والعقائد الوثنية، دون أن يكون لهؤلاء أثر يُذْكر، اللهم إلا في نصيحة يبديها أحدهم بترك قومه ما هم عليه من الصراع الدامي، ولأم الصدع، وتجميع الكلمة، ودفع دية القتلى، والإصلاح بين الجهات المتناحرة، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه، فلما جاء القرآن العظيم جعل أمة العرب أمة تقود الأمم، وتأخذ بأيديها إلى ما فيه صلاحها في الدنيا والآخرة، وأصبح الرجل الفطن في الأمة العربية رجل العالم يعرفه كل الناس، ويتحدثون عنه، ويتناقلون حديثه عبراً في تاريخ الإنسانية قاطبة، وأصبح مثالاً لما برز فيه من المجالات، كل ذلك لأنه
فهم القرآن المجيد، وتأدب بأدبه، وفطن إلى ما فيه من دقائق العلم والمعارف.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"(1) .
ففهمهم للإسلام وما فيه هو الشرط الذي يجعلهم خيار الناس في هذه الحياة الدنيا، فالقرآن الكريم ذو الشرف والمكانة الرفيعة في هذه الدنيا الذي يعظمه الملايين، ويحسب له أعداء الإسلام حساباً في حربهم للإسلام والمسلمين حتى يمسك أحد ساستهم نسخة من القرآن ويقول: ما دام هذا الكتاب بيد المسلمين فلن تغلبوهم.
فهذا القرآن الذي يعظمه المسلمون في أقصى الأرض وأدناها، بلغ من المجد والرفعة والمكانة العظيمة ما لم يبلغه كتاب آخر في الدنيا، وقد خُدِم هذا الكتاب بكتب لا مثيل لها في الدنيا كلها تفسيراً وبياناً، وتوضيحاً لآياته، وفقه ما فيه من الحكم والأحكام، وبياناً لآدابه، وأخلاقه، ودلالة على مواطن موضوعاته بل حتى عدد حروفه وكلماته وجمله
…
كل هذا مما يدل على مكانة القرآن في نفوس المسلمين، بل إننا نجد أن أعداء الإسلام قد ألفوا حول هذا القرآن الكتب الكثيرة دراسة وتمحيصاً، أو نقداً وتهجماً
…
والرسول محمد صلى الله عليه وسلم شرفه الله تعالى بالقرآن الكريم، فأصبح أشرف خلق
(1) رواه البخاري في المناقب ضمن حديث آخر (3493) 6/525/ وأطرافه (3497و3588و3336و3353و3374و3383و4689) ورواه مسلم في فضائل الصحابة (2526) 4/1846-1847، كما رواه أبو داود وأحمد، والبغوي في شرح السنة، والطيالسي وأبو نعيم، وابن حبان والدارمي، والخطيب في الفقيه، وابن عبد البر في الجامع.
الله تعالى، وأعلاهم مكانة، وأرفعهم منزلة، وأسماهم ذكراً وشرفاً ومجداً.
وكذا أصبح قومه العرب رغم ضعفهم في هذه الأعصر، وذلتهم، وهوانهم، فإن أكثر ما يخيف العالم أن يستيقظ هؤلاء العرب، ويتمسكوا بكتاب ربهم، ويقودوا العالم مرة ثانية.
والعرب لهم شرف ورفعة لأن القرآن الكريم عربي، بل امض في التاريخ سائلاً عما ألف في اللغة العربية وآدابها لتجد الجم الغفير، والذي صنف، وألف، وبحث فيها له صلة بكتاب الله العظيم، فصار للعرب بفضل القرآن الكريم الشرف العظيم، والذكر الحسن، والمكانة العالية، والصيت الذائع ما لم يكن لهم ولا لغيرهم من الأمم في التاريخ كله، وكذا للغتهم، وأسلوبهم في التخاطب والحديث.
وكذا كل من يحمل هذا القرآن، وينشره، ويذيعه، وكل من يخدمه بنوع خدمة يشرف في المجتمع، ويكرم قدره، ويذيع صيته، ويظهر اسمه، ويرفع شأنه، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال نبيكم صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع آخرين"(1) .
(1) رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (817) وابن ماجه في المقدمة باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (218) وأحمد في المسند 1/35،كما رواه عبد الرزاق في المصنف والدارمي وابن حبان والطحاوي والبغوي والبيهقي في الشعب والسنن وأبو عبيد في فضائل القرآن، وسبب رواية عمر رضي الله عنه للحديث أنه لقي عامله على مكة فقال له: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله-عز وجل-وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم قال....