المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ أعظم سبيل لمعرفة الحديث المعلول بالعلة الخفية هو جمع الطرق - إدامة النظر في تحرير نخبة الفكر

[عبد العزيز الريس]

الفصل: ‌ أعظم سبيل لمعرفة الحديث المعلول بالعلة الخفية هو جمع الطرق

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:

فَالْأَوَّلُ: الْمَوْضُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَتْرُوكُ، وَالثَّالِثُ: الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ، وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ.

ثُمَّ الْوَهْمُ: إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالْمُعَلَّلُ.

ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ، أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ، أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالْمَقْلُوبُ، أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ.

وَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا، أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالْمُصَحَّفُ وَالْمُحَرَّفُ.

وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي.

فَإِنْ خَفِيَ الْمَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ، وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ.

ثُمَّ الْجَهَالَةُ: وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ.

قوله: (فَالْأَوَّلُ: الْمَوْضُوعُ) الموضوع رواية الكذاب، وقوله:(وَالثَّانِي: الْمَتْرُوكُ) المراد به المتهم بالكذب، وقوله:(وَالثَّالِثُ: الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ) والمراد بالمنكر من فحُش غلطه، وهذا فيه نظر كما تقدم، فإن المنكر عند الأولين يُطلق بمعنى المُخالفة والتفرد، فمجرد التفرد الذي لا يُقبل يسمى منكرًا.

قوله: (

وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ) وعلى كلٍ هذا التقسيم بهذا التدقيق فيه نظر على ما تقدم بيانه.

قوله: (ثُمَّ الْوَهْمُ: إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالْمُعَلَّلُ) يشير إلى أن الحديث المُعل هو الذي تبيَّن بجمع الطرق أنه خطأ، وهذا صحيح، إلا أن لفظ "العلة" وإن اشتهر إطلاقه على ما خفي إلا أنها تُطلق على ما خفي وظهر كما تقدم بيانه، لكن‌

‌ أعظم سبيل لمعرفة الحديث المعلول بالعلة الخفية هو جمع الطرق

، كما قاله يحيى بن معين، وعلي بن المديني، والإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.

ص: 53

قوله: (ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ، أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ، أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالْمَقْلُوبُ، أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ) ذكر المخالفة ثم جعل تحت المخالفة أقسامًا:

• القسم الأول: مدرج الإسناد، بتغيير السياق، ومدرج الإسناد له صور منها: أن يروي راوٍ الجزء الأول من الحديث، ويروي آخر الجزء الثاني من الحديث، ثم يأتي من بعدهم ويروي الحديث كاملًا عن الاثنين، أوهم أن الاثنين روياه كاملًا، هذا يسمى مدرج الإسناد، له صور وهذا من صوره.

• القسم الثاني: مُدرج المتن، وذلك أن يُدخل في المتن كلامًا ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يكون في أول المتن أو في آخره أو في أثنائه، ومنها ما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر وعائشة:«إن بلالًا يُؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم، وكان رجلًا أعمى لا يُنادي حتى يُقال له: أصبحت أصبحت» . هذا رواه البخاري وهو مُدرج في آخر الحديث وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أُلف في ذلك مصنفات.

فالمقصود ما أُدخل في المتن وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم يسمى مدرجًا من جهة المتن، أو يُسمى إدراجًا في المتن، وقد يكون في أول المتن أو في وسطه أو آخر.

تنبيهات:

التنبيه الأول: الأصل عدم الإدراج ولا يقال به إلا إذا دل على ذلك دليل كما يقرر ذلك العلماء في الفقه وكتب شروح الأحاديث مثل الصنعاني في السبل، ومن الأحاديث التي لا يسلم بالإدراج فيها كحديث "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل" والصواب أنه ليس مدرجا كما هو صنيع مسلم ولم يذكره الخطيب في كتابه في الإدراج ولا دليل صحيح يدل على أنه مدرج خلافًا للمنذري ومن تبعه.

التنبيه الثاني: ليس المدرج حجة كالحديث لأنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون من قول الصحابي فيكون حجة بشروط وقد بكون من قول من تحته.

التنبيه الثالث: يعرف الإدراج بأمور منها:

1/ بورود رواية مفصلة للقدر المدرج مما أدرج فيه.

ص: 54

2/بالتنصيص على ذلك من الراوي.

3/ بتنصيص بعض الأئمة المطلعين.

4/ باستحالة كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك.

أفاده ابن حجر في النزهة

• القسم الثالث: بتقديم أو تأخير فالمقلوب، والتقديم والتأخير قد يكون في الاسم، فيقلب اسم الراوي، وقد يكون في المتن كما جاءت في رواية:«حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه» فهذا إقلاب في المتن. لأن صوابه «حتى لا تعلم يمينه ما تُنفق شماله»

• القسم الرابع: المزيد في متصل الأسانيد، فإذا تأملت المزيد في متصل الأسانيد تجد أن الحافظ ابن حجر في (النكت) أورده على أنه مردود، إذن هي زيادة مردودة عند الحافظ لا زيادة مقبولة، وصورة المزيد في المتصل الأسانيد: هو أن يُروى حديث بإسناد، ثم يأتي بإسناد آخر فيه زيادة راوٍ، وهذه الزيادة في الإسناد الآخر مردودة، فتسمى المزيد في متصل الأسانيد.

وذكر الحافظ في الشرح: حتى يتضح أن هذه الزيادة مردودة لابد من أمرين:

o الأمر الأول: الإسناد الأول الذي ليس فيه الزيادة يصرح التلميذ بالسماع من شيخه.

o الأمر الثاني: أن يكون الذي لم يزدها أوثق ممن زادها حتى تُرد رواية من زاد.

إذن الحافظ أورد المزيد في متصل الأسانيد على وجه الرد، وقد سبقه إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته، أما صنيع الخطيب البغدادي -وهو أول من ذكر المزيد في متصل الأسانيد وأفرد فيه مصنفًا- أنه جعل منها ما هو مردود ومنها ما هو مقبول، كما ذكره ابن رجب في شرح (العلل) لأن مؤلف الخطيب البغدادي لم يصل إلينا، لكن ذكر هذا عنه ابن رجب في شرح (العلل) ووافقه.

فلذا على الصحيح المزيد في متصل الأسانيد قسمان، قسم مردود وقسم مقبول، ما دلت القرائن على رده فيُرد، وما دلت القرائن على قبوله فيُقبل، ولا يُجعل من قسم المردود كما فعل ابن الصلاح ثم ابن حجر، والمحدثون الأوائل لا يُعبرون بقولهم:

ص: 55

المزيد في متصل الأسانيد، وإنما يُعبرون بقولهم: ذكرُ فلان خطأ. أو يقولون: ذكره صحيح والخطأ في عدم ذكره. بما يدل على هذا من المرادفات.

إذن عند المحدثين الأولين قد تُقبل وقد تُرد، وقد يصح الوجهان، وتصح ذكر الواسطة وقد لا تصح؛ وذلك إذا كان الراوي واسع الرواية كالزهري وأبي إسحاق السبيعي وأمثالهم، فيُحتمل منه أن يرويه بأكثر من طريق، بزيادة ودون زيادة.

إذن المزيد في متصل الأسانيد على أقسام ثلاثة، تارة تُرد الزيادة، وتارة تُقبل، وتارة يقبل الوجهان الزيادة وعدم الزيادة.

قوله: (أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ) هذا هو القسم الخامس، أحيانًا يحصل اضطراب في الرواة، فيروي هذا على وجه، وهذا على وجه ولا مُرجح، فيُقال: هذا مضطرب، ولا نستطيع أن نُرجح؛ لأنه مضطرب، والاضطراب يكون في المتن والإسناد، كما بيَّنه ابن الصلاح وذكره ابن حجر في شرحه.

وبحث الاضطراب فيه مسائل، لكن أهم ما ينبغي معرفته أن الحافظ يُقرر أنه يكون في المتن والسند كما بيَّنه في الشرح، وأنه يكون في حال عدم وجود مُرجح، أما إذا وُجد المُرجح فلا يسمى اضطرابًا.

والصواب -والله أعلم- والذي عليه صنيع علماء أهل الحديث أن الاضطراب يُذكر سواء وُجد مرجح أو لم يوجد مرجح، فمتى ما وُجد الاختلاف فيُسمى اضطرابًا، وقد يوجد مرجح فيُعمل بأحد الأوجه، وقد لا يوجد مرجح فيُترك الجميع، هكذا صنيعهم ولا يخصونه بعدم وجود مرجح.

وينكشف الاضطراب بجمع الطرق، فيُتعامل معه معاملة زيادة الثقة التي تقدم بحثها، فتارة تُقبل وتارة تُرد، ولابد أن يُدقق في الاضطراب في المتن هل ينبني عليه حكم شرعي أم لا، ولابد أن يكون المخرج واحدًا، وهو قريب من مبحث زيادة الثقة وفيه توافق معه.

قوله: (وَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا) قد يتعرض الراوي لامتحان غيره فيُبدل في الإسناد.

قوله: (أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالْمُصَحَّفُ وَالْمُحَرَّفُ) هذا هو النوع السادس، وجعل تحته أقسامًا، وهو المصحف والمحرف، والذي قرره الحافظ ابن حجر أن المصحَّف

ص: 56

والمُحرف هو أن يكون شكل الكلمة واحدًا، لكن الاختلاف يكون في الحركات أو في النقط، بهذا فرَّق الحافظ -رحمه الله تعالى- بينهما، فجعل المصحف والمحرف شكل الكلمة واحدًا، لكن ما بيّن أن يكون هناك اختلاف في النقط أو اختلاف في الحركات، فضبط التصحيف والتحريف على هذا.

أما صنيع العلماء قبلُ فهم لا يُفرقون بين المصحف والمحرف، وأكثر ما يطلقون التصحيف، لذا قد يُطلقونه على تغيير الاسم تمامًا، وعلى تغيير حتى رسم الكلمة، كما وُجد في كلام الشافعي وغيره، فإذن أكثر ما يُطلق العلماء الأولون التصحيف، وقد يُطلقون التحريف لكن الغالب هو التصحيف.

ثم لا يجعلون التصحيف خاصًا بالنقط، والمحرف خاصًا بالشكل كما يُقرره الحافظ في شرحه على (النخبة)، وإنما يجعلون المصحف عامًا للنقط وللشكل، بل ولرسم الكلمة، وقد بيَّن هذا أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- في حاشيته على (ألفية السيوطي) وأن الأولين لا يُغايرون بينهما، والأمر في هذا سهل.

قوله: (وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي) حصل خلاف بين العلماء في رواية الحديث بالمعنى، وتحرير محل النزاع: ما يُتعبد فيه بألفاظه كالأذكار ونحوها لا يصح روايتها بالمعنى، ذكره السيوطي والسخاوي، بل وذكر السيوطي أن ما كان من جوامع الكلم لا يصح أن يُروى بالمعنى، أما ما يُتعبَّد بلفظه كالأذكار فهذا واضح، كما في حديث البراء قال:«ولا رسولك الذي أرسلت» قال: «ولا نبيك الذي أرسلت» فبيَّن خطأه لأنه مُتعبد بلفظه.

أما جوامع الكلم الذي ذكره السيوطي فمحتمل أن يكون كذلك، بحسب الرواية بالمعنى.

• تنبيه: ينبغي أن يُعلم أن الراوي إذا روى حديثًا بالمعنى فأخطأ، لابد أن المحدثين وأئمة هذا الفن وحراس الشريعة يُبيِّنون خطأه، وقد حصل كثيرًا، فإن الله حافظٌ لدينه، وقد ذكر ابن رجب أمثلة على ذلك، وذكر غيره أن بعض الرواة أخطأ في أحاديث لأنه رواها بالمعنى فأخطأ في روايته بالمعنى.

وبعد هذا: أصح قولي أهل العلم وهو قول جماهير أهل العلم: أنه يصح رواية الحديث بالمعنى، وهو قول الحسن وغيره، وأقوى دليل على ذلك -والله أعلم- أن الله ذكر لنا

ص: 57

القصة التي حصلت للأنبياء السابقين، وذكرها لنا بالمعنى مع أنها كانت بلغاتهم وبغير لغة العرب، وذكرها لنا باللغة العربية، فصحت الرواية بالمعنى.

تنبيهات:

• التنبيه الأول: قال المعلمي -رحمه الله تعالى-: وإنما يُخشى في الرواية بالمعنى في الأحاديث القولية لا الفعلية. ذكر هذا في طليعة (التنكيل)، وصدق -رحمه الله تعالى- لأن الحديث الفعلي يحكيه الراوي، ويُفسره الراوي، بخلاف الحديث القولي الذي هو مبني على السماع.

• التنبيه الثاني: ذكر ابن حجر في (النزهة) وذكر غيره: أن أقوى ما استُدل به في جواز الرواية بالمعنى جواز ترجمة معاني القرآن.

يُقال هذا الدليل فيه نظر؛ وذلك لأن ترجمة معاني القرآن ليست رواية للقرآن بالمعنى، وإنما ترجمة المعنى من لغة إلى لغة، وفرق بين ترجمة المعنى من لغة إلى لغة وبين رواية اللفظ بمعنى آخر، لذلك فيه نظر -والله أعلم- وإنما الدليل ما تقدم ذكره.

قوله: (فَإِنْ خَفِيَ الْمَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ، وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ) هذا أيضًا لا علاقة له بعلم المصطلح، لأن هذا يتعلق بالدراية، وبحثنا في الرواية.

قوله: (ثُمَّ الْجَهَالَةُ: وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ. وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ، أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا، وَفِيهِ المُبْهَمَاتُ، وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ) ذكر -رحمه الله تعالى- أن من أسباب رد الحديث والطعن في الراوي أن يكون مجهولًا، وجعل الجهالة سببًا للطعن في الراوي، وهذا صحيح، لأن المجهول لا يُعلم حاله، وقبول الأحاديث مبني على الاحتياط، ولا يُقبل إلا خبر الثقة، فلذلك لا تُقبل رواية المجهول.

وذكر أسباب الجهالة، وقال إن الراوي قد تكثر أوصافه فيُذكر بغير ما اشتُهر به، وصنفوا فيه -والله أعلم- المُوضِّح -بالتشديد- يعني: ما يُوضح من كثرت نعوته، وقد أفرد فيه الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- مصنفًا.

والسبب الثاني للجهالة قوله: (وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ) أي من لم يرو عنه إلا واحد، وقوله:(أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا) هذا السبب الثالث للجهالة

ص: 58

قوله: (وَفِيهِ المُبْهَمَاتُ) ينبغي أن يُعرف أن هناك فرقًا بين المُبهم والمُهمل، فالمهمل يُسمى الرجل ولا يُذكر ما يُميز هذا الرجل، فيُقال: حدثنا محمد. فلا يسمى أباه ولا أحدًا، فلا يُعرف محمد ويسمى مهملًا.

أما المبهم فيقال: حدثني رجل. هكذا، لا يُدرى من هذا الرجل، أو يقول: حدثني الثقة. هذا مبهم، لأنه لم يسم هذا الرجل.

إذن هناك فرق بين المبهم والمهمل، ثم استطرد -رحمه الله تعالى- في ذكر المبهم فقوله:(وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ) فذكر أن هذا المبهم لا يُقبل ولو قال عنه رجل: حدثي الثقة، لأنه لا يُدرى من هذا الرجل فقد يكون ثقة عنده ولا يكون ثقة عند غيره، فلا يُقبل منه هذا التوثيق المبهم، وهذا على الصحيح.

قوله: (فَإِنْ سُمِّيَ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ عَنْهُ: فمَجْهُولُ الْعَيْنِ، أَوِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَلَمْ يُوَثَّقْ: فَمَجْهُولُ الحَالِ، وَهُوَ الْمَسْتُورُ) جعل الحافظ المجهولين قسمين:

• القسم الأول: مجهول العين.

• القسم الثاني: مجهول الحال.

وقال في مجهول العين: من لم يرو عنه إلا واحد. أي ولم يُوثق هذا الرجل، فيسمى مجهول العين، أما إذا روى عنه اثنان فأكثر ولم يُوثق فيسمى مجهول الحال، فإذن اجتمع مجهول العين ومجهول الحال في أنهما لم يُوثقا، إلا أن مجهول العين روى عنه واحد ومجهول الحال روى عنه اثنان فأكثر، وهذا ما قرره الحافظ.

إلا أن ابن عبد البر والخطيب البغدادي ذكروا أمرًا زائدًا على هذا فقالوا: إذا اشتهر الرجل بالزهد أو الكرم

إلخ، ولو لم يرو عنه إلا واحد فيُقال مجهول الحال، فارتفع من مجهول العين إلى جهالة الحال.

وفي كلام الخطيب ما يدل على أن أهل الحديث على ذلك.

إذن من لم يرو عنه إلا واحد لكن اشتهر إما بالزهد أو بالكرم أو الشجاعة فيُقال عنه مجهول الحال، وهذا صحيح وهو أقرب إلى معنى مجهول الحال.

ومجهول العين ومجهول الحال ضعيفان ولا يصحان، وأنبه إلى مسائل تتعلق بالمجهول، وقد يأتي ما ينبغي أن يُذكر فيه، لكن أذكره وأُحيل عليه فيما بعد:

ص: 59

- المسألة الأولى: المجهول مردود لما تقدم ذكره من أنه مجهول ولا يُعرف حاله، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مبنية على الاحتياط فلابد من التثبت فيها، إلا أن من العلماء من يُطلق الجهالة ويريد بها أنه ليس مشهورًا بالرواية، كما أطلق الإمام أحمد على عبد الرحمن بن وعلة الجهالة، وهو من رواة مسلم وقد وُثق، وأراد بذلك أنه ليس مشهورًا بالرواية.

وينبغي أن يُعلم أن للعلماء إطلاقات ويُعرف بالنظر في كتب التراجم، وبمقارنة كلامهم بكلام غيرهم، إلى غير ذلك، فإذن قد تطلق الجهالة ويُراد بها عدم الاشتهار.

• المسألة الثانية: من العلماء من لا يُعتد بتوثيقه لأنه متساهل في التوثيق، كمجرد ذكر ابن حبان للرجل في كتابه الثقات، فإنه لا يدل على ثقته، بل ذكر مرة رجلًا وقال: لا أعرفه ولا أعرف أباه. ومع ذلك عده في الثقات، وذلك على أصله وهو أن الأصل في المسلمين عنده العدالة، ومثل هذا لا يُقبل، ومثل ذلك العجلي، فقد ذكر المعلمي في كتابه (التنكيل) وفي كتابه (الأنوار الكاشفة) أن العجلي متساهل لاسيما في التابعين، فإذا وقفت على راوٍ في التابعين لم يذكره في الثقات إلا ابن حبان ولم يُوثقه إلا العجلي في كتابه (الثقات) فلا يُقبل؛ لأنهما معروفان بالتساهل، ولاسيما العجلي في التابعين، ومن أمثلة ذلك -والله أعلم-: أن يقول العالم: فلان من ثقات أهل اليمامة، ومن ثقات كذا

فمثل هذا أيضًا يُراد بالتوثيق العدالة، لأن التوثيق من حيث الإجمال أي العدالة العامة، ككتاب (مشاهير علماء الأمصار) لابن حبان فيستعمل هذا كثيرًا، وكغيره، فإذا قيل: من ثقات كذا. فالمراد به العدالة لا الثقة التي هي الضبط، ومثل هذا مما ينبغي أن يُضبط.

• المسألة الثالثة: من العلماء من لا يروي إلا عن ثقة، فمثل هذا لا يُقبل حديثه مطلقًا، كالإمام أحمد والإمام مالك، وغيرهما، فإنهما لا يرويان إلا عن ثقة، قال أبو حاتم: ما لم يتبيَّن أنه ضعيف -أي أنه في الغالب ما لم يتبين أنه ضعيف- فالأصل أنهم لا يروون إلا عن ثقة، لكن إذا تبيَّن ضعفه فلا يُقبل التوثيق العام بمجرد أنهم لا يروون إلا عن ثقة.

تنبيه: إذا وقفت على حديث في الأحكام ولم تجد لراويه ترجمة، لكن قد روى عنه أحمد أو مالك أو أمثالهما ممن لا يروي إلا عن ثقة، فلا يُصحح هذا الحديث في

ص: 60

الأحكام، فقد قال الذهبي: والجمهور على أن الراوي الذي يروي عنه جمع من الثقات ولم يأت بما يُستنكر فإنه يُقبل حديثه.

قوله: ولم يأت بما يُستنكر. المراد به -والله أعلم-: لم ينفرد بحكم، فإنه إذا نفرد بحكم فقد أتى بما يُستنكر، لذا يقول الذهبي في (الموقظة): والصدوق -وهو دون الثقة- إذا تفرد بحكم أحيانًا يُقبل وأحيانًا يُرد. هذا وقد وُثق، فكيف بمن لم يُوثق عينًا؟

وهذا مبحث مهم ينبغي أن يُضبط، فإذا قالوا: فلان لا يروي إلا عن ثقة، فالمراد ما لم يتبيَّن ضعفه، أي في الغالب، ثم إذا انفرد هذا الثقة بحكم فلا يُعتد بهذا الحديث.

• المسألة الرابعة: إذا روى جمع من الثقات عن راوٍ ولم يأت بما لا يُستنكر، ذكر الذهبي وابن القطان الفاسي أن الجمهور على قبوله، وهذا صحيح كما تقدم، لكن لابد أن يُفهم معنى قوله: لم يأت بما يُستنكر. أي لم ينفرد بحكم جديد، فإذا انفرد بحكم جديد فلا يُقبل من الصدوق فكيف بمن لم يُوثق وإنما بمجرد أنه قد روى عنه الثقات؟

• المسألة الخامسة: إذا قيل في راوٍ قد روى عنه أهل حي كذا، أو روى عنه تلاميذه، وتلاميذه لا يُعرفون إلا بأنهم ثقات فيُقبل حديثه على أصح أقوال أهل العلم، كما فعل البخاري -رحمه الله تعالى- في رواية حديث البارقي، فقد قبل برواة أهل حيه، وكذلك فعل ابن القيم وغيره في رواية أصحاب معاذ عن معاذ، قال: لأن أصحاب معاذ ثقات، قال: فإذا روى أصحابه عنه وأصحابه لا يُعرفون إلا أنهم ثقات، فهذا يُعدّ صحيحًا على أصح أقوال أهل العلم.

إلى غير ذلك من المباحث التي تتعلق بالمجهول.

قوله: (ثُمَّ الْبِدْعَةُ: إِمَّا بِمُكَفِّرٍ، أَوْ بِمُفَسِّقٍ فَالْأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الْأَصَّحِ، إلَّا أنْ يَرْوِيَ مَا يُقوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجَوْزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيِّ) إذا كان المبتدع كافرًا فلا تُقبل روايته إجماعًا كما حكاه النووي -رحمه الله تعالى-.

إلا أنه ينبغي أن يُعلم أنه قد يقع الراوي في مكفر ولا يكفر عينًا، فلا تلازم بين وقوع الرجل في الكفر وأن يكون كافرًا، قال ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى): وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، لكن المقصود أن من ثبت كفره لم تُقبل روايته،

ص: 61

أما من لم يثبت كفره بأن كان مبتدعًا فقد فصَّل فيه الحافظ ولكنه قال قبل هذا: (أَوْ بِمُفَسِّقٍ) وتقدم أن التفسيق ليس مانعًا.

وقوله: (فَالْأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ) أي بمكفر، فيقال: إن أُريد أنه كفر فبالإجماع كما حكاه النووي، وإن أُريد أنه لم يكفر، فإذا لم يكفر فإنه يكون مبتدعًا، فسيأتي أنه كالإجماع بين المحدثين على قبول رواية المبتدع.

قوله: (وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الْأَصَّحِ، إلَّا أنْ يَرْوِيَ مَا يُقوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجَوْزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيِّ) أي الذي وقع في بدعة مفسقة (يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً

) ينبغي أن يُعلم أن تقسيم البدع إلى مكفرة وغير مكفرة عليه الإجماع، حكاه الشيخ حافظ الحكمي في (معارج القبول) وقرر أن هناك بدعًا مكفرة وغير مكفرة كثير من أهل العلم.

فإن قيل: كيف تُعرف البدعة المكفرة وغير المكفرة؟

يُقال: بالنظر إلى حكم الفعل في نفسه بعيدًا عن وصف الابتداع، كدعاء الأولياء، هذا كفر دون النظر إلى وصف الابتداع، أما الذكر الجماعي فهذا ليس كفرًا دون النظر إلى وصف الابتداع، فإذا نُظر إلى وصف الابتداع يكون بدعة -أي الدعاء الجماعي- ودعاء الأولياء إذا تعبد بذلك تكون بدعة مكفرة، لأن حكم الفعل دون وصف الابتداع كفر.

والأظهر -والله أعلم- أن رواية المبتدع مقبولة وهو كالإجماع بين أهل العلم كما حكاه الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية) وقال: هذا قول علي بن المديني

وعدَّ جماعة كبيرة من أهل العلم، وهو صنيع صاحبي الصحيح الإمام البخاري ومسلم، فقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله

».

فآل فلان أي: آل أبي طالب، وقيس بن أبي حازم وإن كان ثقة لكنه رُمي بالنصب، وهذا الحديث يُقوي بدعته، ومع ذلك قبل الحديث البخاري ومسلم.

مثالٌ ثانٍ: أخرج الإمام مسلم حديث علي بن أبي طالب وفيه عدي بن ثابت، وهو أن عليًا قال:"عهد إليَّ النبي الأمي ألا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق" فهذا الحديث في ظاهره يُقوي بدعة التشيع، وعدي بن ثابت كان إمام الشيعة وقاصهم، ومع ذلك روى

ص: 62

مسلم ما يُقوي بدعته في الظاهر، لأن قيس بن أبي حازم وعدي بن ثابت ثقتان معروفان بالصدق ولا يكذبان، ولو كذبا لكشفهما أهل الحديث.

فلأنهم صدوقان قبل أهل العلم هذين الحديثين، بل رواه البخاري ومسلم، فروى البخاري ومسلم الحديث الأول، وروى مسلم الحديث الثاني، مع أنه يُقوي بدعتهما، وهذا هو الظاهر -والله أعلم- فإن المعول على الضبط والصدق.

قوله: (ثُمَّ سُوءُ الْحِفْظِ: إِنْ كَانَ لَازِمًا فَهُوَ الشَّاذُّ عَلَى رَأْيٍ، أَوْ طَارِئًا فَالْمُخْتَلِطُ) تقدم أن هذه التفصيلات بهذه الدقة ليست صحيحة، لكن قوله:(إِنْ كَانَ لَازِمًا فَهُوَ الشَّاذُّ عَلَى رَأْيٍ) تقدم أن معنى الشاذ هو مطلق التفرد، قد يكون من الثقة وقد يكون من الضعيف. وقوله:(أَوْ طَارِئًا فَالْمُخْتَلِطُ) الراوي المختلط، ينبغي أن يُنتبه لمبحث مهم وهو أن الاختلاط والتغير نوعان:

• النوع الأول: الاختلاط غير الضار.

• النوع الثاني: الاختلاط الضار.

والاختلاط غير الضار هو أن يتغير حفظ الراوي تغيرًا لا يجعله يُغير في الأحاديث وأسانيدها، أو يكون تغير تغيرًا يُغير في الأحاديث وأسانيدها لكنه لم يُحدث حال اختلاطه الاختلاط الضار، فمنعه أبناؤه وطلابه

إلى غير ذلك.

أما الاختلاط الضار فهو الذي تغير تغيرًا ضارًا وحدَّث في حال تغيره.

والضابط في التفريق بينهما: أن العلماء إذا قالوا: إن كان حدَّث قديمًا فطلابه القدماء ضبطوا، بخلاف طلابه الذين بعد ذلك فلم يضبطوا، أو غايروا بين السنين، فقالوا: من روى عنه قبل سنة كذا ضبط وبعد سنة كذا لم يضبط

فإذا ذكروا ما يدل على تحديد زمن ضبطه وعدم ضبطه وعلى قبول روايته وعدم قبول روايته بالنظر إلى حاله وزمانه ونفسه؛ فهذا تغير ضار ويسمى اختلاطًا. هذا ملخص ما قرره المعلمي في كتابه (التنكيل) وهو بحث نفيس يُكتب بماء الذهب، فكثير من الحفاظ يحصل له تغير، وليس كل تغير يُرد به الحديث، فقد يكون تغيرًا لا يضر، لكن لم يكن حفظه مثل قبل، وقد يكون تغير تغيرًا يضر وهو الاختلاط، ثم الذي تغير تغيرًا يضر قد يكون لم يُحدث حال تغيره، فهذا لا يضر تغيره، لأنه لم يحدث حال تغيره، والذي يضر هو من تغير تغيرًا ضارًا فحدَّث.

ص: 63

وهذا المبحث الذي ذكره المعلمي نفيس للغاية؛ لأن به يُميز عمليًا بين الرواة الذين رُموا بالاختلاط والتغير، فليس كل من رُمي بالاختلاط يُرد، وليس كل من رُمي بالتغير يُرد، فلابد أن يُضبط بما تقدم ذكره.

قوله: (وَمَتَى تُوبِعَ سَيْئُّ الْحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، وَكَذَا الْمَسْتُورُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُدلَّسُ: صَارَ حَدِيثُهُمْ حَسَنًا لَا لِذَاتِهِ، بَلْ بِالْمَجْمُوعِ) وقد تقدم البحث في هذا، فإن مثل هؤلاء إذا تُوبعوا دل على أنهم قد ضبطوا؛ لأن المستور مجهول الحال لا يوجد ما يدل على أن حديثه خطأ أو وهم فتُرك احتياطًا، لكن إذا تُوبع زال هذا الشك، ومثله المُرسِل، تُرك خشية أن يكون الواسطة ضعيفًا، لكن إذا تُوبع تبيَّن خلاف ذلكن وكذا المدلس مثله مثل المُرسِل.

ص: 64

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:

ثُمَّ الْإِسْنَادُ: إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبيِّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسِلَّمَ-، تَصْرِيحًا، أَوْ حُكْمًا: مِنْ قَوْلِهِ، أَوْ فِعْلِهِ، أَوْ تَقْرِيرِهِ.

أَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ كَذَلِكَ وَهُوَ: مَنْ لَقِيَ النَّبيَّ -صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- مُؤْمِنًا بِهِ، وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوْ تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ.

أَوْ إِلَى التَّاَّبِعِيِّ: وَهُوَ مَنْ لَقِيَ الصَّحَابِيَّ كَذَلِكَ.

فَالْأَوَّلُ: الْمَرْفُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَوْقُوفُ، وَالثَّالِثُ: الْمَقْطُوعُ، وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ فِيهِ مِثْلُهُ، وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الْأَثَرُ.

وَالْمُسْنَدُ: مَرْفُوعُ صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الْاتِّصَالُ.

فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ: فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-، أَوْ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ كَشُعْبَةَ. فَالْأَوَّلُ: الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ. وَالثَّانِي: النِّسْبِيُّ.

وَفِيهِ الْمُوَافَقَةُ: وَهِيَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ أَحَدِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ.

وَفِيهِ الْبَدَلُ: وَهُوَ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَلِكَ.

وَفِيهِ الْمُسَاوَاةُ: وَهِيَ اسْتِوَاءُ عَدَدِ الْإِسْنَادِ مِنَ الرَّاوِي إِلَى آَخِرِهِ، مَعَ إِسْنَادِ أَحَدِ الْمُصنِّفِينَ.

وَفِيهِ الْمُصَافَحَةُ: وَهِيَ الْاسْتِوَاءُ مَعَ تِلْمِيذِ ذَلِكَ الْمُصنِّفِ، وَيُقَابِلُ الْعُلُوَّ بَأَقسامِهِ: النُّزُولُ.

فَإِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي السِّنِّ وَاللُّقِيِّ فَهُوَ الْأَقْرَانُ. وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآَخَرِ: فَالْمُدْبَجُ.

وَإِنْ رَوَى عَمَّنْ دُونَهُ: فَالْأَكَابِرُ عَنِ الْأَصَاغِرِ، وَمِنْهُ الْآَبَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ، وَفِي عَكْسِهِ كَثْرَةٌ، وَمِنْهُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.

وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ عَنْ شَيْخٍ، وَتَقدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ: السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ.

وَإِنْ رَوَى عَنْ اثْنَيْنِ مُتَّفِقَي الْاسْمِ، وَلَمْ يَتَمَيْزَا، فَبِاخْتِصَاصِهِ بِأَحَدِهِمَا يَتَبَيْنُ الْمُهْمَلُ.

ص: 65

وَإِنْ جَحَدَ الشَّيْخُ مَرْوِيَّهُ جَزْمًا: رُدَّ، أَوْ احْتَمَالًا: قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ. وَفِيهِ: "مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ".

وَإِنِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ، أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْحَالَاتِ، فَهُوَ الْمُسَلْسَلُ.

قوله: (

الْأَوَّلُ: الْمَرْفُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَوْقُوفُ، وَالثَّالِثُ: الْمَقْطُوعُ، وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ فِيهِ مِثْلُهُ، وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الْأَثَرُ) خلاصة ما تقدم: ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع، وما رُوي عن الصحابي فهو موقوف، وما رُوي عن التابعي فهو المقطوع.

ثم جعل المرفوع قسمين، إما مرفوعًا صريحًا أو مرفوعًا حكمًا، ثم هذا المرفوع صريحًا والمرفوع حكمًا قد يكون من قوله أو من فعله أو تقريره، والمرفوع صريحًا من قوله كأن يُقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الاعمال بالنيات» أو فعله: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد لم يفرش ذراعيه

إلخ الأحاديث في ذكر فعله صلى الله عليه وسلم.

أو تقريره بأن يرى-صلى الله عليه وسلم الشيء فيُقرهم على ذلك فهذا الصريح، والحكمي: هو ما يدل على ذلك لكن ليس صريحًا، كأن يقول الصحابي: من السنة كذا. أو أُحل لنا ميتتان ودمان. وهذا مرفوع حكمي من قوله صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك إذا قال الصحابي: من السنة فعل كذا، فهذا أيضًا مرفوع حكمًا.

وتقريره أن يُفعل شيء في زمنه ولم يطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم، كقول جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل. هذا من تقريره الحكمي، فإذن المرفوع قد يكون حكميًا وقد يكون صريحًا، وقد يكون قوليًا وقد يكون فعليًا وقد يكون من تقريره.

أما الموقوف فلا يُقسم إلى صريح وحكمي، وإنما الموقوف هو قول الصحابي أو فعل الصحابي أو تقرير الصحابي، ومثل ذلك المقطوع، ثم المقطوع يكون لمن دون التابعي، فهو قول وفعل وتقرير التابعي، وقد يكون لمن دونه كتابع التابعي، فيُقال فيما من دون التابعي كما يُقال عن التابعي.

وينبغي أن يُعلم أن من العلماء الأولين من عبَّر بالمقطوع عن المنقطع، كما فعل ذلك البرديجي، ومنهم من عبَّر عن المنقطع وأراد به المقطوع، كما فعل ذلك الإمام الشافعي،

ص: 66

فهذا يُنظر لصنيع العلماء واصطلاحاتهم وأفعالهم، لذلك ينبغي لطالب العلم أن يكون واسع الاطلاع وكثير القراءة حتى يعرف اصطلاحات أهل العلم العارضة، إما بالنظر في كتب المصطلح أو في شراح الأحاديث، إلى غير ذلك مما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى-.

قوله: (وَيُقَالُ لِلأَخِيرَيْنِ: الْأَثَرُ) الأخيران: أي الموقوف والمقطوع، ذكر النووي -رحمه الله تعالى- أن المحدثين لا يُفرقون بين الحديث والأثر، قال: أما الخرسانيون فإنهم يُفرقون بينهما فيجعلون قول النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا وقول من دونه أثرًا، وتقدم هذا في أول الشرح، والصواب أن الجميع يسمى أثرًا، واشتُهر إطلاق الحديث على ما رُفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله: (وَالْمُسْنَدُ: مَرْفُوعُ صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الْاتِّصَالُ) فتقول: هذا حديث مسند قوله: (بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الْاتِّصَالُ) أي قد يكون الحديث مُدلسًا أو مُرسلًا إرسالًا خفيًا، وبنحو من هذا عرفه أبو عبد الله الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث)، والأصح -والله أعلم- أن العلماء يذكرون في المسانيد حتى الأحاديث المرسلة إرسالًا ظاهرًا وجليًا، كما يتضح هذا بالنظر في مسند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، فالأمر في هذا سهل -إن شاء الله تعالى-.

والمراد بالمسند: أي ما يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى ولو كان مرسلًا، والأمرفي هذا سهل والحمد لله.

قوله: (فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ: فَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-، أَوْ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ كَشُعْبَةَ. فَالْأَوَّلُ: الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ. وَالثَّانِي: النِّسْبِيُّ) ينبغي أن يُعلم أن هناك ما يُسمى علوًا ونزولًا، إذا قلَّ الرواة بين المصنف والنبي صلى الله عليه وسلم يُقال حديثٌ عالٍ، وإذا كثُر الرواة يُقال حديث نازل، ففي البخاري ثلاثيات، فهذا يُعتبر حديثًا عاليًا.

والمحدثون يُحبون الإسناد العالي، حتى لما قيل لابن معين: ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي إسنادًا عليًا وبيتًا خاليًا. ذكره ابن الصلاح في مقدمته، وفائدة الإسناد العالي أنه لما قلَّ عدد الرواة صار أسهل في الوصول إلى النتيجة في صحة الحديث أو ضعفه بخلاف إذا كان الإسناد نازلًا فإنه يحتاج إلى جهد أكبر، ويحتمل أن يكون هناك خطأ لم يُنتبه إليه

إلخ.

ص: 67