الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الحافظ أبو يعلى فى كتاب معرفة الصحابة عن على بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال: «بلغ أكثم بن صيفى مخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه فأتى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا، لم تكن لتخفّ إليه، قال فليأته من يبلّغه عنى ويبلغنى عنه، فانتدب رجلان فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفى وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
أما من أنا؟ فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا؟ فأنا عبد الله ورسوله، قال ثم تلا عليهم:«إن الله يأمر بالعدل والإحسان» الآية. قالوا ردّد علينا القول فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا أبى أن يرفع نسبه، فوجدناه زاكى النسب وسطا فى مضر، وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا فى هذا الأمر رءوسا، ولا تكونوا فيه أذنابا، وكونوا فيه أوّلا، ولا تكونوا فيه آخرا» .
وقال سعيد بن جبير عن قتادة فى قوله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) الآية ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيىء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها.
الإيضاح
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) أي إن الله يأمر فى هذا الكتاب الذي أنزله إليك أيها الرسول بالعدل والإنصاف، ولا نصفة أجمل من الاعتراف بمن أنعم علينا بنعمه، والشكر له على إفضاله وحمده وهو أهل للحمد، ومنع ذلك عمن ليس له بأهل، فالأوثان والأصنام لا تستحق شيئا منه، فمن الجهل عبادتها وحمدها
وهى لا تنعم فتبشكر، ولا تنفع فتعبد، ومن ثم وجب أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده.
أخرج ابن أبى حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: دعانى عمر بن عبد العزيز فقال:
صف لى العدل، فقلت بخ سألت عن أمر جسيم، كن لصغير الناس أبا ولكبيرهم ابنا، وللمثل منهم أخا، وللنساء كذلك، وعاقب الناس على قدر ذنوبهم وعلى قدر أجسامهم، ولا تضربنّ لغضبك سوطا واحدا فتكون من العادين.
وأخرج البخاري فى تاريخه أن على بن أبى طالب مرّ بقوم يتحدثون، فقال: فيم أنتم؟
فقالوا نتذاكر المروءة فقال: أو ما كفاكم الله عز وجل ذاك فى كتابه إذ يقول:
«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» فالعدل الإنصاف، والإحسان: التفضل، فما بقي بعد هذا؟
وأعلى مراتب الإحسان الإحسان إلى المسيء، وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم،
وروى عن الشعبي أنه قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك.
وقد صح من
حديث ابن عمر فى الصحيحين «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .
(وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى) أي وإعطائهم ما تدعو إليه الحاجة، وفى الآية إرشاد إلى صلة الأقارب والأرحام وترغيب فى التصدق عليهم، وهذا وإن دخل فيما سلف من الإحسان- فقد خصص للاهتمام به والعناية بشأنه.
وبعد أن ذكر الثلاثة التي أمر بها أتبعها بالثلاثة التي نهى عنها فقال:
(وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ) وهى الغلو فى الميل إلى القوة الشهوانية كالزنا وشرب الخمر والسرقة والطمع فى مال الناس.
(وَالْمُنْكَرِ) وهو ما تنكره العقول من المساوى الناشئة من الغضب كالضرب والقتل والتطاول على الناس.
(وَالْبَغْيِ) وهو ظلم الناس والتعدي على حقوقهم.
وخلاصة ما سلف- إن الله يأمر بالعدل، وهو أداء القدر الواجب من الخير، وبالإحسان، وهو الزيادة فى الطاعة والتعظيم لأمر الله والشفقة على خلقه، ومن أشرف ذلك صلة الرحم.
وينهى عن التغالى فى تحصيل اللذات الشهوانية التي يأباها الشرع والعقل، وعن الإفراط فى اتباع دواعى الغضب بإيصال الشر إلى الناس وإيذائهم وتوجيه البلاء إليهم، وعن التكبر على الناس والترفع عليهم وتصعير الخدّ لهم.
(يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي أمركم بثلاث ونهاكم عن ثلاث، كى تتعظوا فتعملوا بما فيه رضاه سبحانه وتعالى، وما فيه صلاحكم فى دنياكم وآخرتكم.
وبعد أن ذكر المأمورات والمنهيات بطريق الإجمال فى الآية الأولى- ذكر بعضها على سبيل التخصيص فقال:
(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ) أي وأوفوا بميثاق الله إذا واثقتموه، وعقده إذا عاقدتموه، فأوجبتم به على أنفسكم حقا لمن عاقدتموه وواثقتموه عليه، ويدخل فى ذلك كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره، والوعد من العهد، ومن ثم قال ميمون بن مهران: من عاهدته وفّ بعهده، مسلما كان أو كافرا، فإنما العهد لله تعالى.
(وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) أي ولا تخالفوا ما عاقدتم فيه الأيمان وشدّدتم فيه على أنفسكم، فتحنثوا فيه وتكذبوا وتنقضوه بعد إبرامه، وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه راعيا يرعى الموفى منكم بالعهد والناقض له بالجزاء عليه.
ثم وعد وأوعد فقال:
(إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ) فى العهود التي تعاهدون الله الوفاء بها، والأيمان التي تؤكدونها على أنفسكم، أتبرّون فيها أم تنقضونها؟ وهو محص ذلك كله عليكم وسائلكم عنه وعما عملتم فيه، فاحذروا أن تلقوه وقد خالفتم أمره ونهيه، فتستوجبوا منه ما لا قبل لكم به من أليم عقابه.
أخرج ابن جرير عن مزيدة بن جابر أن الآية نزلت فى بيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم يبايع على الإسلام، فقال تعالى:(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها) فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان فى المسلمين قلة وفى المشركين كثرة.
ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض مع ضرب المثل فقال:
(وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً) أي ولا تكونوا أيها القوم فى نقضكم أيمانكم بعد توكيدها، وإعطائكم ربكم العهود والمواثيق كمن تنقض غزلها بعد إبرامه، وتنفشه بعد أن جعلته طاقات، حماقة منها وجهلا.
قال السّدّى: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت غزلا نقضته بعد إبرامه.
والخلاصة- إنه تعالى شبه حال الناقض للعهد بحال من تنقض غزلها بعد قتله وإبرامه، تحذيرا للمخاطبين، وتنبيها إلى أن هذا ليس من فعل العقلاء، وصاحبه فى زمرة الحمق من النساء.
(تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) أي تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتم- خديعة وغرورا ليطمئنوا إليكم، وأنتم مضمرون لهم الغدر وترك الوفاء بالعهد، والنّقلة إلى غيرهم من أجل أنهم أكثر منهم عددا وعددا وأعز نفرا، بل عليكم بالوفاء بالعهود والمحافظة عليها فى كل حال.
قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز نفرا فينقضون.
حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز نفرا فنهوا عن ذلك، وقيل هو تحذير للمؤمنين أن يغتروا بكثرة قريش وسعة أموالهم فينقضوا بيعة النبي صلى الله عليه وسلم.
(إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ) أي إنما يعاملكم الله معاملة المختبر، بأمره إياكم بالوفاء بعهده