الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإيضاح
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ) أي ما من شىء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده والإنعام به متى أردنا دون أن يكون تأخير ولا إبطاء، فخزائن ملكنا مليئة بما تحبون من النفائس، غير محجوبة عن الباحث الساعي إلى كسبها من وجوهها بحسب السنن التي وضعناها، والنظم التي قدرناها، ولا يمنعها مانع، ولا يستطيع دفعها دافع، فهى تحت قبضة الطالب لها إذا أحسن المسعى.
وأحكم الطلب كما قال: «فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» .
(وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) أي وما نعطى ذلك ألا بقسط محدود نعلم أن فيه الكفاية لدى الحاجة، وفيه الرحمة بالعباد كما قال:«كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» .
وقد جرت سنة القران بأن يسمى ما يصل إلى العباد بفضل الله وجوده إنزالا كما قال: «وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ» وقال «وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ» .
ثم فصل بعض ما فى خزائنه من النعم فقال:
(وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) أي إن من فضله على عباده وإحسانه إليهم أن أرسل إليهم الرياح لواقح، ويكون ذلك على ضروب.
(1)
أن يرسلها حاملات للسحاب، فتلقّح بها الأشجار بما تنزل عليها من الأمطار فتغيرها من حال إلى حال، فتعطيها حياة جديدة إذ تزدهر أزهارها، وتثمر أغصانها، بعد أن كانت قد ذبلت وصوّحت، وأصبحت فى مرأى العين كأنها ميتة لا حياة فيها كما قال تعالى:«وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ» .
(2)
أن يرسلها ناقلة لقاح الأزهار الذكور إلى الأزهار الإناث لتخرج الثمر والفواكه للناس.
(3)
أن يرسلها لتزيل عن الأشجار ما علق بها من الغبار، لينفذ الغذاء إلى مسامّها فيكون ذلك رياضة للشجر والزرع كرياضة الحيوان.
(فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ) أي فأنزلنا من السحاب مطرا فأسقيناكم ذلك المطر لشرب زرعكم ومواشيكم، وفى ذلك استقامة أمور معايشكم، وتدبير شئون حياتكم إلى حين كما قال:«وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» .
(وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ) أي ولستم بخازنى الماء الذي أنزلناه، فتمنعوه من أن أسقيه من أشاء، لأن ذلك بيدي وهو خاضع لسلطانى، إن شئت حفظته على سطح الأرض، وإن شئت غار فى باطنها وتخلل طبقاتها، فلا أبقى منه شيئا ينفع الناس والحيوان، ويسقى الزرع الذي عليه عماد حياتكم.
والخلاصة- نحن القادرون على إيجاده وخزنه فى السحاب وإنزاله، وما أنتم على ذلك بقادرين.
وبعد أن ذكر نظم المعيشة فى هذه الحياة ذكر إحياء الإنسان وإماتته فقال:
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ) أي وإنا لنحيى من كان ميتا إذا أردنا، ونميت من كان حيا إذا شئنا، ونحن نرث الأرض ومن عليها، فنميتهم جميعا ولا يبقى حىّ سوانا، ثم نبعثهم كلهم ليوم الحساب، فيلاقى كل امرئ جزاء ما عمل إن خيرا وإن شرا.
ثم أقام الدليل على إمكان ذلك وأثبت قدرته عليه فقال:
(وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) أي ولقد علمنا من مضى منكم وأحصيناهم وما كانوا يعملون، ومن هو حى ومن سيأتى بعدكم، فلا تخفى علينا أحوالكم ولا أعمالكم، فليس بالعسير علينا جمعكم يوم التناد للحساب والجزاء يوم ينفخ فى الصور كما قال: