الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرَّجُلِ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى بَيَّنَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْإِلْقَاءِ بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَيْعِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ، وَأَنَّ الْإِلْقَاءَ بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ تَرْكُ الْجِهَادِ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الدُّنْيَا وَعِمَارَتِهَا.
وَقَالَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (5:
105)
وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ " فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا فِي فَهْمِهِمْ مِنْهَا خِلَافَ مَا أُرِيدَ بِهَا.
وَأَشْكَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَمْرُ الْفِرْقَةِ السَّاكِتَةِ الَّتِي لَمْ تَرْتَكِبْ مَا نُهِيَتْ
عَنْهُ مِنَ الْيَهُودِ هَلْ عُذِّبُوا أَوْ نَجَوْا حَتَّى بَيَّنَ لَهُ مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ دُخُولَهُمْ فِي النَّاجِينَ دُونَ الْمُعَذَّبِينَ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ عَنِ السَّاكِتِينَ:(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا)(7: 164) فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا فِعْلَهُمْ وَغَضِبُوا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُوَاجِهُوهُمْ بِالنَّهْيِ فَقَدْ وَاجَهَهُمْ بِهِ مَنْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَنْهُمْ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَمَّا قَامَ بِهِ أُولَئِكَ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ فَلَمْ يَكُونُوا ظَالِمِينَ بِسُكُوتِهِمْ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا عَذَّبَ الَّذِينَ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ وَعَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ، وَهَذَا لَا يَتَنَاوَلُ السَّاكِتِينَ قَطْعًا، فَلَمَّا بَيَّنَ عِكْرِمَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الظَّالِمِينَ الْمُعَذَّبِينَ كَسَاهُ بُرْدَةً وَفَرِحَ بِهِ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلصَّحَابَةِ: " مَا تَقُولُونَ فِي (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ)(110: 1) السُّورَةَ قَالُوا: أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ إِذَا فَتَحَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا تَقُولُ أَنْتَ قَالَ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا غَيْرَ مَا تَعْلَمُ، وَهَذَا مِنْ أَدَقِّ الْفَهِمَ وَأَلْطَفِهِ وَلَا يُدْرِكُهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعَلِّقِ الِاسْتِغْفَارَ بِعِلْمِهِ، بَلْ عَلَّقَهُ بِمَا يُحْدِثُهُ هُوَ سُبْحَانَهُ مِنْ نِعْمَةِ فَتْحِهِ عَلَى رَسُولِهِ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلِاسْتِغْفَارِ، فَعَلِمَ أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِغْفَارِ غَيْرُهُ، وَهُوَ حُضُورُ الْأَجَلِ الَّذِي مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى عَبْدِهِ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَالِاسْتِغْفَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَلْقَى رَبَّهُ طَاهِرًا مُطَهَّرًا مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَيَقْدَمَ عَلَيْهِ مَسْرُورًا رَاضِيًا مَرْضِيًّا عَنْهُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ (أَيْضًا)(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) وَهُوَ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ دَائِمًا فَعُلِمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ بَعْدَ الْفَتْحِ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي الدِّينِ أَمْرٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيِ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَأَنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ عُبُودِيَّةِ التَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ الَّتِي
تُرَقِّيهِ إِلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ بَقِيَّةٌ فَأَمَرَهُ بِتَوْفِيَتِهَا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ شَرَعَ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ فِي خَوَاتِيمِ الْأَعْمَالِ فَشَرَعَهَا فِي خَاتِمَةِ الْحَجِّ وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَشَرَعَ لِلْمُتَوَضِّئِ بَعْدَ كَمَالِ وُضُوئِهِ أَنْ يَقُولَ: " اللهُمَّ اجْعَلْنِي
مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ " فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ عَقِيبَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَأَمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ عَقِيبَ تَوْفِيَتِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ حِينَ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِهِ أَفْوَاجًا، فَكَأَنَّ التَّبْلِيغَ عِبَادَةٌ قَدْ أَكْمَلَهَا وَأَدَّاهَا فَشَرَعَ لَهُ الِاسْتِغْفَارَ عَقِيبَهَا.
وَالْمَقْصُودُ تَفَاوَتُ النَّاسِ فِي مَرَاتِبِ الْفَهِمَ فِي النُّصُوصِ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ حُكْمًا أَوْ حُكْمَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْهَمُ مِنْهَا عَشْرَةَ أَحْكَامٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ فِي الْفَهْمِ عَلَى مُجَرَّدِ اللَّفْظِ دُونَ سِيَاقِهِ وَدُونَ إِيمَائِهِ وَإِشَارَتِهِ وَتَنْبِيهِهِ وَاعْتِبَارِهِ، وَأَخَصُّ مِنْ هَذَا وَأَلْطَفُ ضَمُّهُ إِلَى نَصٍّ آخَرَ مُتَعَلِّقٍ بِهِ فَيُفْهَمُ مِنَ اقْتِرَانِهِ بِهِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ بِمُفْرَدِهِ. وَهَذَا بَابٌ عَجِيبٌ مِنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ لَا يَتَنَبَّهُ لَهُ إِلَّا النَّادِرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الذِّهْنَ قَدْ لَا يَشْعُرُ بِارْتِبَاطِ هَذَا بِهَذَا وَتَعَلُّقِهِ بِهِ، وَهَذَا كَمَا فَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ:(وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) مَعَ قَوْلِهِ: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَمَا فَهِمَ الصِّدِّيقُ مِنْ آيَةِ الْفَرَائِضِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَآخِرِهَا أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، وَأَسْقَطَ الْإِخْوَةَ بِالْجَدِّ، وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عُمَرَ إِلَى هَذَا الْفَهْمِ حَيْثُ سَأَلَهُ عَنِ الْكَلَالَةِ وَرَاجَعَهُ السُّؤَالَ فِيهَا مِرَارًا فَقَالَ:" يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ " وَإِنَّمَا أَشْكَلَ عَلَى عُمَرَ قَوْلُهُ: (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ)(4: 176) الْآيَةَ فَدَلَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا بَيَّنَ لَهُ الْمُرَادَ مِنْهَا، وَهِيَ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي نَزَلَتْ فِي الصَّيْفِ، فَإِنَّهُ وَرِثَ فِيهَا وَلَدُ الْأُمِّ فِي الْكَلَالَةِ السُّدُسَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْكَلَالَةَ فِيهَا مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ وَإِنْ عَلَا " انْتَهَتِ الْمُقَدِّمَةُ.
أَقُولُ: ثُمَّ إِنَّهُ أَوْرَدَ بَعْدَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ عِدَّةَ مَسَائِلَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بَيَّنَتْهَا النُّصُوصُ، وَهِيَ سِتُّ مَسَائِلَ فِي أَحْكَامِ الْمَوَارِيثِ وَقَدْ وَضَّحَ فِيهَا إِغْنَاءَ النَّصِّ عَنِ الْقِيَاسِ أَتَمَّ الْإِيضَاحَ.
مِثَالُ النُّصُوصِ الْكُلِّيَّةِ الْمُغْنِيَةِ عَنِ الْقِيَاسِ:
ثُمَّ زَادَ عَلَى تِلْكَ الْمَسَائِلِ عِدَّةَ نُصُوصٍ كُلِّيَّةٍ يُغْنِي كُلٌّ مِنْهَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَدَامَ اللهُ النَّفْعَ بِعِلْمِهِ
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ: " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ " عَنْ إِثْبَاتِ التَّحْرِيمِ بِالْقِيَاسِ فِي الِاسْمِ أَوْ فِي الْحُكْمِ كَمَا فَعَلَهُ مَنْ لَمْ يُحْسِنِ الِاسْتِدْلَالَ بِالنَّصِّ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(5: 38) عَنْ إِثْبَاتِ قَطْعِ النَّبَّاشِ بِالْقِيَاسِ اسْمًا أَوْ حُكْمًا، إِذِ السَّارِقُ يَعُمُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَعُرْفِ الشَّارِعِ سَارِقَ ثِيَابِ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ: (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ)(66: 2) فِي تَنَاوُلِهِ لِكُلِّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ يَحْلِفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ إِلَّا بِنَصٍّ وَإِجْمَاعٍ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ:(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ)(5: 89) فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُلَّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ فَهَذَا كَفَّارَتُهَا، وَقَدْ أَدْخَلَتِ الصَّحَابَةُ فِي هَذَا النَّصِّ الْحَلِفَ بِالْتِزَامِ الْوَاجِبَاتِ وَالْحَلِفِ بِأَحَبِّ الْقُرُبَاتِ الْمَالِيَّةِ إِلَى اللهِ وَهُوَ الْعِتْقُ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ سِتَّةٍ مِنْهُمْ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَدْخَلَتْ فِيهِ الْحَلِفَ بِالْبَغِيضِ إِلَى اللهِ وَهُوَ الطَّلَاقُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ، فَالْوَاجِبُ تَحْكِيمُ هَذَا النَّصِّ الْعَامِّ وَالْعَمَلُ بِعُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ إِجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا عَلَى خِلَافِهِ، فَالْأُمَّةُ لَا تُجْمِعُ عَلَى خَطَأٍ أَلْبَتَّةَ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " فِي إِبْطَالِ كُلِّ عَقْدٍ نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ وَأَنَّهُ لَغْوٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ نِكَاحًا كَانَ أَوْ طَلَاقًا أَوْ غَيْرَهُمَا، إِلَّا أَنْ تُجْمِعَ الْأُمَّةُ إِجْمَاعًا مَعْلُومًا عَلَى أَنَّ بَعْضَ مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ مِنَ الْعُقُودِ صَحِيحٌ لَازِمٌ مُعْتَدٌّ بِهِ غَيْرُ مَرْدُودٍ، فَهِيَ لَا تُجْمِعُ عَلَى خَطَأٍ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
وَمِنْ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)(6: 119) مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم: وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ " فَكُلُّ مَا لَمْ يُبَيِّنِ اللهُ وَلَا رَسُولُهُ صلى الله عليه وآله وسلم تَحْرِيمَهُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيمُهَا، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ فَصَّلَ لَنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، فَمَا كَانَ مِنْ
هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَرَامًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ مُفَصَّلًا، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبَاحَةُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ مَا عَفَا عَنْهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ ".
لَا شَيْءَ فِي الشَّرْعِ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ:
ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي بَيَانِ كَوْنِ جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مُوَافِقَةً لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الْمُوَافِقِ لِلْعَدْلِ وَالْعَقْلِ فَقَالَ:
(الْفَصْلُ الثَّانِي) فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ شَيْءٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَأَنَّ مَا يُظَنُّ مُخَالَفَتُهُ لِلْقِيَاسِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ فِيهِ وَلَا بُدَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ فَاسِدًا أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحُكْمُ لَمْ يَثْبُتْ بِالنَّصِّ كَوْنُهُ مِنَ الشَّرْعِ. وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ عَمَّا يَقَعُ فِي كَلَامِ
كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ لِمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَوْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَرُبَّمَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: طَهَارَةُ الْمَاءِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ خِلَافُ الْقِيَاسِ، وَتَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالْوُضُوءُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَالْفِطْرُ بِالْحِجَامَةِ وَالسَّلَمُ وَالْإِجَارَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْكِتَابَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَصِحَّةُ صَوْمِ الْآكِلِ النَّاسِي وَالْمُضِيُّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَهَلْ ذَلِكَ صَوَابٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ. وَأَنَا أَذْكُرُ مَا حَصَّلْتُهُ مِنْ جَوَابِهِ بِخَطِّهِ وَلَفْظِهِ وَمَا فَتَحَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِي بِيُمْنِ إِرْشَادِهِ وَبَرَكَةِ تَعْلِيمِهِ وَحُسْنِ بَيَانِهِ وَتَفْهِيمِهِ.
" إِنَّ أَصْلَ هَذَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ. وَالصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الطَّرْدِ وَالثَّانِي قِيَاسُ الْعَكْسِ، وَهُوَ مِنَ الْعَدْلِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم. فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الَّتِي عُلِّقَ بِهَا الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَوْجُودَةً فِي الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ يَمْنَعُ حُكْمَهَا، وَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِهِ قَطُّ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، وَهُوَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَرْقٌّ مُؤَثِّرٌ فِي الشَّرْعِ، فَمِثْلُ هَذَا الْقِيَاسِ أَيْضًا لَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِهِ، وَحَيْثُ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِاخْتِصَاصِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ بِحُكْمٍ يُفَارِقُ بِهِ نَظَائِرَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ النَّوْعُ بِوَصْفٍ يُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ
بِالْحُكْمِ وَيَمْنَعُ مُسَاوَاتَهُ بِغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ ذَلِكَ النَّوْعَ قَدْ يَظْهَرُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَقَدْ لَا يَظْهَرُ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ أَنْ يَعْلَمَ صِحَّتَهُ كُلُّ أَحَدٍ. فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنَ الشَّرِيعَةِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَإِنَّمَا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الَّذِي انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ. لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَحَيْثُ عَلِمْنَا أَنَّ النَّصَّ بِخِلَافِ قِيَاسٍ عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، بِمَعْنَى أَنَّ صُورَةَ النَّصِّ امْتَازَتْ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ الَّتِي يَظُنُّ أَنَّهَا مِثْلُهَا بِوَصْفٍ أَوْجَبَ تَخْصِيصَ الشَّارِعِ لَهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ، فَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ قِيَاسًا صَحِيحًا، وَلَكِنْ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُ فَسَادَهُ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ " انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ.
(أَقُولُ) : ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ هَذَا بَيَّنَ خَطَأَ مَنْ قَالَ: إِنَّ تِلْكَ الْمَسَائِلَ جَاءَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بَيَانًا كَافِيًا شَافِيًا فِي عِدَّةِ فُصُولٍ ظَهَرَ بِهِ بُطْلَانُ كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِ فُقَهَاءِ الْقِيَاسِ وَأُصُولِهِمْ وَقَوَاعِدِهِمْ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ فَوَائِدَ نَفِيسَةً، مِنْهَا انْعِقَادُ الْعُقُودِ بِأَيِّ لَفْظٍ عَرَّفَ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ مَقْصُودَهُمَا، وَأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَحِدَّ لِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ حَدًّا، لَا النِّكَاحِ وَلَا غَيْرِهِ وَأَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ الْقَرِينَةِ كَالصَّرِيحِ، وَمِنْهَا بَيَانُ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَبُطْلَانُ كَثِيرٍ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا فُقَهَاءُ الْقِيَاسِ فِيهَا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ يُسْرُ الشَّرِيعَةِ وَسَعَتُهَا وَمُوَافَقَتُهَا لِلْعَدْلِ وَالْعَقْلِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ بَعْدَ هَذَا مَا اسْتَشْكَلَهُ نُفَاةُ الْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ وَالْقِيَاسِ مِنْ تَفْرِيقِ الشَّرِيعَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ وَجَمْعِهَا بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَهَا، كَفَرْضِ الْغُسْلِ مِنَ الْمَنِيِّ الطَّاهِرِ دُونَ الْبَوْلِ النَّجِسِ وَمَا فِي حُكْمِهِ، وَكَذَا إِبْطَالُ الصِّيَامِ بِالِاسْتِمْنَاءِ، وَنَضْحُ الثَّوْبِ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ وَغَسْلُهُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَقَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَإِيجَابُ إِعَادَةِ الصِّيَامِ عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمُ النَّظَرِ إِلَى الْحُرَّةِ وَلَوْ عَجُوزًا شَوْهَاءَ دُونَ الْأَمَةِ وَلَوْ شَابَّةً حَسْنَاءَ، وَقَطْعُ يَدِ سَارِقِ رُبْعِ دِينَارٍ دُونَ مُغْتَصِبِ أَلْفِ دِينَارٍ مَعَ جَعْلِ دِيَةِ الْيَدِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَفِي الْعُقُوبَاتِ، وَلَعَلَّهُ اسْتَوْفَى كُلَّ مَا بَلَغَهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ.
ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْإِسْهَابِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ هَذَا
الْكِتَابِ. وَفِي جَوَابِهِ أَوْ أَجْوِبَتِهِ هَذِهِ مِنْ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ وَأَسْرَارِهَا وَبَيَانِ مُوَافَقَتِهَا لِلْعَقْلِ وَمَصَالِحِ الْبَشَرِ وَمِنْ خَطَأِ غُلَاةِ الْقِيَاسِيِّينَ مَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ طُلَّابِ عِلْمِ الشَّرْعِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ.
نَذْكُرُ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً عَلَى سَبِيلِ النَّمُوذَجِ، وَهِيَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ: إِنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ بَيْعَ مُدِّ حِنْطَةٍ بِمُدٍّ وَحَفْنَةٍ، وَجَوَّزَ بَيْعَهُ بِقَفِيزٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَهَذَا تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالْعَقْلِ عِنْدَهُمْ. وَقَدْ أَطَالَ فِي رَدِّ هَذَا بِمَا بَيَّنَ بِهِ حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْحَدِيثُ. فَنُلَخِّصُ ذَلِكَ بِجُمَلٍ وَجِيزَةٍ.
(الرِّبَا: مَوْضُوعُهُ وَعِلَّتُهُ وَحِكْمَتُهُ) .
(1)
قَالَ: " الرِّبَا نَوْعَانِ: جَلِيٌّ، وَخَفِيٌّ. فَالْجَلِيُّ حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَالْخَفِيُّ حُرِّمَ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْجَلِيِّ، فَتَحْرِيمُ الْأَوَّلُ قَصْدًا وَتَحْرِيمُ الثَّانِي وَسِيلَةً. .
" فَأَمَّا الْجَلِيُّ فَرِبَا النَّسِيئَةِ وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِثْلَ أَنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْمَالِ، وَكُلَّمَا أَخَّرَهُ زَادَ فِي الْمَالِ حَتَّى تَصِيرَ الْمِائَةُ عِنْدَهُ آلَافًا مُؤَلَّفَةً، وَفِي الْغَالِبِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مُعْدِمٌ مُحْتَاجٌ، فَإِذَا رَأَى الْمُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطَالَبَتَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ يَبْذُلُهَا لَهُ، تَكَلَّفَ بَذْلَهَا لِيَفْتَدِيَ مِنْ أَسْرِ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ، وَيُدَافِعُ مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ وَتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، وَيَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ " إِلَخْ.
(أَقُولُ) : وَهَذَا الرِّبَا الْجَاهِلِيُّ هُوَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ التَّشْدِيدُ وَالْوَعِيدُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّهُ هُوَ الرِّبَا الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ وَعَنْ
غَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ الَّذِي رَوَى فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ أَوْ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ " كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُونَا يُحَرِّمَانِ رِبَا الْفَضْلِ، وَقِيلَ: رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ، وَجَزَمَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بِرُجُوعِ الثَّانِي وَالِاخْتِلَافُ فِي رُجُوعِ الْأَوَّلِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمَا بِالرِّبَا مَا نَزَلَ فِيهِ وَعِيدُ
الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِهِ فِي سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ. وَذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي هَذَا السِّيَاقِ إِلَى مَا اعْتَمَدَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حَصْرُ الْكَمَالِ، أَيْ أَنَّ الرِّبَا التَّامَّ الْكَامِلَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ (قَالَ) : فَإِنَّ رِبَا الْفَضْلِ إِنَّمَا سُمِّيَ رِبًا تَجَوُّزًا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَقْصِدِ عَلَى الْوَسِيلَةِ، وَهُوَ نَحْوٌ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْآتِي.
وَأَقُولُ: هُوَ مِنْ قَبِيلِ إِطْلَاقِ اسْمِ الزِّنَا عَلَى النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ بِشَهْوَةٍ. وَإِنَّمَا حَرَّمَ هَذَا النَّظَرَ وَالْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ كَرِبَا الْفَضْلِ.
(قَالَ) : وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَتَحْرِيمُهُ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ " وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا، فَمَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ لِمَا يَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، إِلَى آخَرِ مَا قَالَهُ فِي إِيضَاحِ ذَلِكَ وَهُوَ وَاضِحٌ.
(2)
بَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي سِتَّةِ أَعْيَانٍ وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ، ثُمَّ قَالَ: فَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهَا مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَيْ كَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْقَمْحِ بِالْقَمْحِ، بِخِلَافِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، وَالْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ مَثَلًا، فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوهُ وَتَنَازَعُوا فِيمَا عَدَاهَا، فَطَائِفَةٌ قَصَرَتِ التَّحْرِيمَ عَلَيْهَا، وَأَقْدَمُ مَنْ يَرْوِي هَذَا عَنْ قَتَادَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ (هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ) فِي آخِرِ مُصَنَّفَاتِهِ مَعَ قَوْلِهِ بِالْقِيَاسِ، قَالَ: لِأَنَّ عِلَلَ الْقِيَاسَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا ضَعِيفَةٌ، وَإِذَا لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عِلَّةٌ امْتَنَعَ الْقِيَاسُ.
(3)
بَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ الْقِيَاسِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْحَدِيثُ. فَأَمَّا الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عِلَّتَهُ كَوْنُهُ مَكِيلًا وَمَوْزُونًا فَيَجْرِي الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، وَذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ إِلَى أَنَّ عِلَّتَهُ كَوْنُهُ طَعَامًا، وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فَيَجْرِي عَلَى كُلِّ مَا يُطْعَمُ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ كَوْنُهَا قُوتَ النَّاسِ، وَعِبَارَةُ
ابْنُ الْقَيِّمِ: وَطَائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ أَرْجَحُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كَمَا سَتَرَاهُ. أَقُولُ: وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْقُوتِ
مَا يُدَّخَرُ. وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَالْعِلَّةُ فِيهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ الْوَزْنُ، فَيَجْرِي الرِّبَا عَلَى هَذَا فِي كُلِّ مَوْزُونٍ وَكُلِّ مَكِيلٍ مِنَ الْمَعَادِنِ كَغَيْرِهَا، وَهَذَا أَوْسَعُ الْأَقْوَالِ وَأَشَدُّهَا فِي الرِّبَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهَا الثَّمَنِيَّةُ؛ أَيْ كَوْنُهَا مِعْيَارَ الْأَثْمَانِ فِي الْمُعَامَلَاتِ كُلِّهَا. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ بَلِ الصَّوَابُ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَوَّلُهَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى إِسْلَامِهِمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ مِنَ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِمَا، فَلَوْ كَانَ النُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ رِبَوِيَّيْنِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمَا إِلَى أَجَلٍ بِدَرَاهِمَ نَقْدًا، فَإِنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا إِذَا اخْتَلَفَ جِنْسُهُ جَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِ دُونَ النَّسَاءِ، وَالْعِلَّةُ إِذَا انْتُقِضَتْ مِنْ دُونِ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا إِلَى آخَرِ مَا قَالَهُ.
(4)
بَنَى ابْنُ الْقَيِّمِ بَيَانَ حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا عَلَى الرَّاجِحِ الْمُخْتَارِ مِنْ تَعْلِيلٍ حَصَرَهُ فِي الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ، وَلَا تَظْهَرُ حِكْمَةُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي كُلِّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، بَلْ هَذَا التَّضْيِيقُ عَلَى الْعِبَادِ لَا يُعْقَلُ لَهُ حِكْمَةٌ، وَلَا هُوَ عِبَادَةٌ بِالنَّصِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا حِكْمَةَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي تَفْسِيرِ آيَاتِهِ مِنْ سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فَيُرَاجَعُ هُنَاكَ وَفِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ.
(5)
بَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ مَا حُرِّمَ لِذَاتِهِ لَا يُبَاحُ شَرْعًا إِلَّا لِلضَّرُورَةِ إِنْ كَانَ مِمَّا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ، وَمَا حُرِّمَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ جَوَازَ بَيْعِ الْحِلْيَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِنُقُودٍ مِنْهُمَا تَزِيدُ عَلَى وَزْنِهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا فِيهَا مِنَ الصَّنْعَةِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا الْجَوَازِ بِأَدِلَّةٍ مَنْقُولَةٍ وَمَعْقُولَةٍ أَيْضًا، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى جَوَازِ رِبَا الْفَضْلِ لِلْمُصْلِحَةِ الرَّاجِحَةِ بِإِبَاحَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَيْعَ الْعَرَايَا، وَذَكَرَ مِنْ نَظَائِرِهِ إِبَاحَةَ نَظَرِ الْخَاطِبِ وَالطَّبِيبِ وَالشَّاهِدِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ حَتَّى إِنَّ الطَّبِيبَ يَنْظُرُ كُلَّ عُضْوٍ تَتَوَقَّفُ
مُعَالَجَتُهُ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَكَذَا لَمْسُهُ وَإِبَاحَةُ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِمَنْعِ الْحَكَّةِ أَوِ الْقَمْلِ، وَالْأَمْثِلَةُ وَالشَّوَاهِدُ كَثِيرَةٌ.
وَالْغَرَضُ مِمَّا لَخَّصْنَاهُ هُنَا بَيَانُ فَضِيلَةِ الْمَذْهَبِ الْوَسَطِ بَيْنَ مَذْهَبَيْ نَفْيِ الْقِيَاسِ أَلْبَتَّةَ وَالتَّوَسُّعِ فِيهِ بِاسْتِنْبَاطِ الْعِلَلِ الْبَعِيدَةِ. فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ أَهْلَ قُطْرٍ لَا قُوتَ لَهُمْ
إِلَّا الرُّزُّ وَلَا نَقْدَ لَهُمْ مِنَ النُّحَاسِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُمُ الرِّبَا فِي نَقْدِهِمْ وَقُوتِهِمْ، وَهَذَا يُنَافِي حِكْمَةَ الشَّارِعِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَهُوَ غُلُوٌّ فِي الْإِبَاحَةِ. وَيُقَابِلُهُ الْغُلُوُّ فِي الْحَظْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَائِلِينَ بِجَرَيَانِ الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ. وَالْمَذْهَبُ الْوَسَطُ: أَنَّ الْأَجْنَاسَ السِّتَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ كَانَتْ وَلَا تَزَالُ مِعْيَارَ الْأَثْمَانِ وَأُصُولِ الْأَقْوَاتِ لِأَكْثَرِ الْبَشَرِ، فَكَانَ رِبَا النَّسِيئَةِ فِيهَا وَهُوَ الَّذِي يَتَضَاعَفُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً مُضِرًّا بِهِمْ ضَرَرًا بَلِيغًا، فَكَانَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْمُصْلِحَةِ تَحْرِيمُهُ أَشَدَّ التَّحْرِيمِ وَجَعْلُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَتَحْرِيمُ مَا كَانَ ذَرِيعَةً لَهُ تَحْرِيمَ الصَّغَائِرِ. فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ فِي نَقْدٍ آخَرَ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقُوتٍ آخَرَ غَيْرَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْبَلَحِ صَحَّ قِيَاسُهُمَا عَلَى الْأَجْنَاسِ السِّتَّةِ لِحُلُولِهِمَا مَحَلَّهَا، وَانْطِبَاقِ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ عَلَى ذَلِكَ.
(فِإِنْ قِيلَ) : إِنَّ الْمُعْتَدِلِينَ فِي الْقِيَاسِ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ لَا يَعْتَدُّونَ إِلَّا بِالْعِلَّةِ الثَّابِتَةِ عَنِ الشَّارِعِ بِالنَّصِّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ:(فَإِنَّهُ رِجْسٌ)(6: 145) أَيْ خَبِيثٌ مُسْتَقْذَرٌ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)(7: 157) وَلَا نَصَّ عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا (قُلْنَا) : إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالنَّصِّ هُنَا مَا ثَبَتَ بِالْمَنْطُوقِ أَوِ الْمَفْهُومِ أَوِ الْقَرِينَةِ الْوَاضِحَةِ، كَفَحْوَى الْخِطَابِ وَلَحْنِهِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَمِنْهُ مَا يَكُونُ مَعْلُومًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِالضَّرُورَةِ أَوِ الْبَدَاهَةِ، أَوْ بِضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ كَتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشْتَقِّ كَالزَّانِي وَالسَّارِقِ. وَالْأَجْنَاسُ السِّتَّةُ الَّتِي وَرَدَ الْحَدِيثُ بِجَرَيَانِ الرِّبَا فِيهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهَا بِالذِّكْرِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى فِيهَا اقْتَضَاهُ، وَإِلَّا كَانَ لَغْوًا أَوْ عَبَثًا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْعُقَلَاءُ، فَكَيْفَ يَصْدُرُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ؟ ! وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنًى تَمْتَازُ بِهِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْمَعَادِنِ وَالْأَطْعِمَةِ إِلَّا كَوْنَهَا تَقُودُ النَّاسَ الَّتِي هِيَ مِعْيَارُ مُعَامَلَاتِهِمْ وَمُبَادَلَاتِهِمْ، وَأَغْذِيَتِهِمِ الرَّئِيسِيَّةِ وَأُصُولِ أَقْوَاتِهِمْ، وَأَمَّا كَوْنُهَا تُوزَنُ أَوْ تُكَالُ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِهَا الْعَامَّةِ، كَكَوْنِهَا تُنْقَلُ وَتُحْمَلُ وَتُنْظَرُ وَتُلْمَسُ
وَتُبَاعُ وَتُشْتَرَى، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ مَقْصُودَةً لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَا عَبَّرَ عَنِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يُحْصَرُ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِعِلَّتِهِ، بَلْ كَانَ الْبَيَانُ الصَّحِيحُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يُفْهَمُ بِهِ الْمُرَادُ مِنَ التَّعْبِيرِ، كَأَنْ يَقُولَ: كُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَحُكْمُهُ كَذَا، وَمَا قَرَّرْنَاهُ وَاضِحٌ جِدًّا وَإِنْ خَفِيَ عَلَى بَعْضِ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ. فَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ أَكَابِرَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا أَوْسَعَ عِلْمًا وَفَهْمًا لِلنُّصُوصِ مِنْ أُولَئِكَ الْفُقَهَاءِ بِشَهَادَةِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ كُلِّهِمْ قَدْ خَفِيَ عَلَى بَعْضِهِمْ مَا هُوَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْوُضُوحِ أَوْ أَشَدُّ. وَالْبَشَرُ عُرْضَةٌ لِلْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ، وَإِنَّ مَنْ أَنْهَضَ الْحُجَجَ عَلَى بُطْلَانِ الْتِزَامِ تَقْلِيدِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا ظَهَرَ كَالشَّمْسِ مِنْ خَطَأِ أَكَابِرِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، إِمَّا بِمُخَالَفَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ، وَإِمَّا بِتَنَكُّبِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ.
وَلَمْ أَرَ مَثَلًا لِجَعْلِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ عِلَّةً لِلرِّبَا أَظْهَرَ مِنْ جَعْلِ " الدُّخُولِ فِي جَوْفٍ " عِلَّةً
لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى الصَّائِمِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الْعِلَّتَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا الشَّرْعُ وَلَا اللُّغَةُ وَلَا الْعَقْلُ الْمُدْرِكُ لِلْحُكْمِ وَالْمَصَالِحِ; وَلِذَلِكَ قَاسُوا عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِدْخَالَ الْمِسْبَارِ فِي جُرْحِ الْبَطْنِ أَوِ الرَّأْسِ. حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا خَرَجَتْ مَقْعَدَتُهُ عِنْدَ الْغَائِطِ فَأَدْخَلَهَا بِيَدِهِ أَيْ بَعْدِ الِاسْتِنْجَاءِ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ! .
وَبِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ زَادَتْ أَحْكَامُ الْعِبَادَاتِ وَأَنْوَاعُ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِي زَمَنِ إِكْمَالِ الدِّينِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَلَمْ يَبْقَ لَنَا شَيْءٌ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْنَا الشَّارِعُ مِنْ سُكُوتِهِ عَنْ أَشْيَاءَ عَفَا عَنْهَا رَحْمَةً بِنَا مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ يُرِيدُ بِنَا الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِنَا الْعُسْرَ، وَإِنَّهُ مَا جَعَلَ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يُعْنِتَنَا.
(ما حَقَّقَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقِياسِ) :
بَيِّنَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ فِي كِتَابِهِ (إِرْشَادِ الْفُحُولِ إِلَى تَحْقِيقِ الْحَقِّ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ) الْخِلَافَ فِي الْقِيَاسِ الْفِقْهِيِّ: هَلْ: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ عَقْلًا أَمْ لَا؟ وَاخْتِلَافَ الْقَائِلِينَ بِالْجَوَازِ، هَلْ وَقَعَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا؟ وَاخْتِلَافَ الْقَائِلِينَ بِالْوُقُوعِ فِي شُرُوطِهِ وَدَلَائِلُهُ، هَلْ هِيَ سَمْعِيَّةٌ أَوْ عَقْلِيَّةٌ؟ وَانْقِسَامَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ إِلَى
فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٌ يَقُولُ: لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَوَجَبَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، وَفَرِيقٌ يَسْتَدِلُّ عَلَى نَفْيِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَإِجْمَاعِ الْعِتْرَةِ وَبِالْعَقْلِ. ثُمَّ قَالَ:" وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْمَانِعُونَ مِنَ الْقِيَاسِ بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ وَنَقْلِيَّةٍ وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ; فَالْقِيَامُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ يَكْفِيهِمْ، وَإِيرَادُ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ، وَقَدْ جَاءُوا بِأَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ لَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ فَلَا نَطُولُ بِذِكْرِهَا، وَجَاءُوا بِأَدِلَّةٍ نَقْلِيَّةٍ فَقَالُوا: دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ".
ثُمَّ أَوْرَدَ مَا قَالُوهُ وَبَحَثَ فِيهِ الْإِمَامُ النِّحْرِيرُ مُلْتَزِمًا قَوَاعِدَ الْأُصُولِ وَآدَابَ الْمُنَاظَرَةِ، فَنُلَخِّصُ ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي مُبْتَدِئِينَ بِأَدِلَّتِهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ.
اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْقُرْآنِ عَلَى الْقِيَاسِ:
(الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)(59: 2) وَقَدْ نَقَلَ عَنِ الْمَحْصُولِ لِلْإِمَامِ الرَّازِيِّ رَدَّ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقِيَاسِ الْفِقْهِيِّ مِنْ وُجُوهٍ، وَبَحَثَ فِيمَا اخْتَارَهُ مِنْ كَوْنِ الِاعْتِبَارِ حَقِيقَةً فِي الْمُجَاوَزَةِ، وَوَافَقَهُ عَلَى كَوْنِ الْآيَةِ غَيْرَ حُجَّةٍ لِلْقِيَاسِيِّينِ فَقَالَ:" وَالْحَاصِلُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ لَا بِمُطَابَقَةٍ وَلَا تُضَمُّنٍ وَلَا الْتِزَامٍ، وَمَنْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فَقَدْ شَغَلَ الْحَيِّزَ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ".
(الدَّلِيلُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)(5: 95)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(2: 144) وَهَذَانِ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ غَايَةَ مَا فِي آيَةِ الْجَزَاءِ هِيَ الْمَجِيءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الصَّيْدِ وَكَوْنِهِ مَثَلًا لَهُ مَوْكُولٌ إِلَى الْعَدْلَيْنِ وَمُفَوَّضٌ إِلَى اجْتِهَادِهِمَا، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ. وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِيجَابُ تَحَرِّي الصَّوَابِ فِي أَمْرِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْقِيَاسِ فِي شَيْءٍ.
(الدَّلِيلُ الرَّابِعُ) : مَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(4: 83) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: قَالُوا:
أُولُو الْأَمْرِ هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَالِاسْتِنْبَاطُ هُوَ الْقِيَاسُ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الِاسْتِنْبَاطَ هُوَ اسْتِخْرَاجُ الدَّلِيلِ مِنَ الْمَدْلُولِ بِالنَّظَرِ فِيمَا يُفِيدُهُ مِنَ الْعُمُومِ أَوِ الْخُصُوصِ أَوِ الْإِطْلَاقِ أَوِ التَّقْيِيدِ أَوِ الْإِجْمَالِ أَوِ التَّبْيِينِ فِي نَفْسِ النُّصُوصِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ طَرِيقًا إِلَى اسْتِخْرَاجِ الدَّلِيلِ مِنْهُ. وَلَوْ سَلَّمْنَا انْدِرَاجَ الْقِيَاسِ تَحْتَ مُسَمَّى الِاسْتِنْبَاطِ لَكَانَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالْقِيَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَى عِلَّتِهِ وَقِيَاسِ الْفَحْوَى وَنَحْوَهُ، لَا بِمَا كَانَ مُلْحَقًا بِمَسْلَكٍ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ مَحْضُ رَأْيٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ مِنَ الشَّرْعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ الشَّرْعِ بِمَا أَذِنَ اللهُ بِهِ، بَلْ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ بِمَا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِهِ. اهـ.
أَقُولُ: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ أَنَّ أُولِي الْأَمْرِ لَيْسُوا هُمْ عُلَمَاءَ الْفِقْهِ الْمَعْرُوفِ وَأُصُولِهِ، بَلْ هُمْ أُولُو الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْأُمَّةِ. فَرَاجِعْهُ فِي مَحَلِّهِ.
(الدَّلِيلُ الْخَامِسُ) : مَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)(2: 26) قَالَ: لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَمَا جَازَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فَهُوَ مِمَّنْ لَا يَخْلُو مِنَ الْجَهَالَةِ وَالنَّقْصِ أَجْوَزُ. وَاعْتَمَدَ الشَّوْكَانِيُّ فِي رَدِّ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قَلْبَهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِبَيَانِ أَنَّ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَكُلُّ مَا يَضْرِبُهُ مِنْ مَثَلٍ وَمَا يُثْبِتُهُ مِنْ تَشْبِيهِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَأَمَّا مَنْ لَا يَخْلُو مِنَ النَّقْصِ وَالْجَهْلِ فَلَا نَقْطَعُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا نَظُنُّهُ لِمَا فِي فَاعِلِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ وَالنَّقْصِ.
وَأَقُولُ: إِنَّ تَقْرِيرَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ هَفْوَةٌ مِنْ أَكْبَرِ الْهَفَوَاتِ، بَلْ سَقْطَةٌ مَنْ أَقْبَحِ السَّقَطَاتِ، فَإِنَّهُ عَلَى كَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ عِبَارَةٌ عَنْ قِيَاسِ الْعَبْدِ عَلَى الرَّبِّ، وَجَعْلِهِ أَحَقَّ بِالتَّشْرِيعِ وَأَجْدَرَ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةِ أَمْثَالِ الْقُرْآنِ مِنْ سِيَاقِهِ الَّذِي اخْتَصَرْنَاهُ، فَيُرَاجَعُ فِي كِتَابِهِ.
(الدَّلِيلُ السَّادِسُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِحْيَاءَ الْعِظَامِ وَهِيَ رَمِيمٌ: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)(36: 79)
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ لَا بِمُطَابَقَةٍ وَلَا تَضَمُّنٍ وَلَا الْتِزَامٍ، وَغَايَةُ مَا فِيهَا الِاسْتِدْلَالُ
بِالْأَثَرِ السَّابِقِ عَلَى الْأَثَرِ اللَّاحِقِ وَكَونُ الْمُؤَثِّرِ فِيهِمَا وَاحِدًا، وَذَلِكَ غَيْرُ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ إِدْرَاجُ فَرْعٍ تَحْتَ أَصْلٍ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا.
(الدَّلِيلُ السَّابِعُ) : قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)(16: 90) وَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ (قَالَ) : وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ التَّسْوِيَةُ، وَالْقِيَاسَ هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَثَلَيْنِ فِي الْحُكْمِ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الْآيَةِ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ كَوْنِ الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لَكَانَ ذَلِكَ فِي الْأَقْيِسَةِ الَّتِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْفَارِقِ فِيهَا، لَا فِي الْأَقْيِسَةِ الَّتِي هِيَ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الرَّأْيِ، وَنَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّنُونِ الزَّائِفَةِ، وَخَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْخَيَالَاتِ الْمُخْتَلَّةِ اهـ.
أَقُولُ: أَخْطَأَ الشَّوْكَانِيُّ هَهُنَا وَأَصَابَ - أَصَابَ فِيمَا رَمَى إِلَيْهِ مَنْ كَوْنِ الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْقِيَاسِ الْفِقْهِيِّ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَجْعَلُ كُلَّ مَا يُوزَنُ فِي حُكْمِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكُلَّ مَا يُكَالُ فِي حُكْمِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ، وَيَجْعَلُ مُسْبِرَ الْجِرَاحِ مُفْطِرًا لِلصَّائِمِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَخْطَأَ مُرَادُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْقِيَاسِ وَالْعَدْلِ إِذْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَا كَتَبَهُ هُوَ ثُمَّ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ عَيْنُ مَا سَلَّمَ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَيْهِ، وَسَنَعُودُ إِلَى ذِكْرِ مَذْهَبِهِمَا فِيهِ.
الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ:
ثُمَّ أَوْرَدَ الشَّوْكَانِيُّ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى حُجَّةِ الْقِيَاسِ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ وَبَدَأَ الْكَلَامَ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ، إِذْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَوْلِهِ:" أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو " فِي الْقَضَاءِ بِمَا لَا يَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَضْعِيفُ ابْنِ حَزْمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ: إِنَّ الْكَلَامَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ يَطُولُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مِمَّا تُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ وَعَنْ سَائِرِ أَدِلَّتِهِمْ بَعْدَ تَلْخِيصِهَا بِمَا نَصَّهُ:
" وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِفْرَاغِ الْجُهْدِ فِي الطَّلَبِ لِلْحُكْمِ مِنَ النُّصُوصِ الْخَفِيَّةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: " أَجْتَهِدُ رَأْيِي " بَعْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الْخَفِيَّةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأُجِيبُ عَنْ هَذَا الرَّدِّ بِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَفْهُومٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلَا بُدَّ
مِنْ حَمْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الرَّأْيِ عَلَى مَا عَدَا
الْقِيَاسَ، فَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ حَجَّةً لِإِثْبَاتِهِ، وَاجْتِهَادُ الرَّأْيِ كَمَا يَكُونُ بِاسْتِخْرَاجِ الدَّلِيلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَكُونُ بِالتَّمَسُّكِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، أَوْ بِأَصَالَةِ الْإِبَاحَةِ فِي الْأَشْيَاءِ أَوِ الْحَظْرِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ، أَوِ التَّمَسُّكِ بِالْمَصَالِحِ أَوِ التَّمَسُّكِ بِالِاحْتِيَاطِ.
" وَعَلَى تَسْلِيمِ دُخُولِ الْقِيَاسِ فِي اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ قِيَاسٍ، بَلِ الْمُرَادُ الْقِيَاسَاتُ الَّتِي يَسُوغُ الْعَمَلُ بِهَا وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا، كَالْقِيَاسِ الَّذِي عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةٌ، وَالْقِيَاسُ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْأَخْذِ بِتِلْكَ الْقِيَاسَاتِ لَا الْقِيَاسَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الْمَسَالِكِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إِلَّا مُجَرَّدُ الْخَيَالَاتِ الْمُخْتَلَّةِ وَالشُّبَهِ الْبَاطِلَةِ. وَأَيْضًا فَعَلَى التَّسْلِيمِ لَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ إِلَّا عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي أَيَّامِ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ إِذْ ذَاكَ لَمْ تَكْمُلْ فَيُمْكِنُ عَدَمُ وِجْدَانِ الدَّلِيلِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا بَعْدَ أَيَّامِ النُّبُوَّةِ فَقَدْ كَمُلَ الشَّرْعُ لِقَوْلِهِ:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وَلَا مَعْنًى لِلْإِكْمَالِ إِلَّا وَفَاءُ النُّصُوصِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ الشَّرْعِ إِمَّا بِالنَّصِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ أَوْ بِانْدِرَاجِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الشَّامِلَةِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)(6: 38) وَقَوْلُهُ: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)(6: 59) .
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مِنَ الْقِيَاسَاتِ كَقَوْلِهِ: " أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى " وَقَوْلُهُ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ فَقَالَ: " أَيَقْضِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ كَانَ لَهُ أَجْرٌ " وَقَالَ لِمَنْ أَنْكَرَ وَلَدَهُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ أَسْوَدَ: " هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مَنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: لَعَلَّهُ نَزْعَةُ عِرْقٍ، قَالَ: وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزْعَةُ عِرْقٍ " وَقَالَ لِعُمَرَ وَقَدْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ: " أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ " وَقَالَ: " يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ " وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ فِي دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ صلى الله عليه وآله وسلم قِيَاسَاتٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى صَنَّفَ النَّاصِحُ الْحَنْبَلِيُّ جُزْءًا فِي أَقْيِسَتِهِ صلى الله عليه وسلم.
" وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَقْيِسَةَ صَادِرَةٌ عَنِ الشَّارِعِ الْمَعْصُومِ الَّذِي يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ فِيمَا جَاءَنَا بِهِ عَنْهُ: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(53: 4) وَيَقُولُ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ:
(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(59: 7) وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ إِنَّمَا هُوَ قِيَاسُ مَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْعِصْمَةُ وَلَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَلَا كَانَ كَلَامُهُ وَحْيًا بَلْ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ وَبِعَقْلِهِ الْمَغْلُوبِ بِالْخَطَأِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى قِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْقِيَاسَاتِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم.
(اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْإِجْمَاعِ) :
" وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْقِيَاسِ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ: وَقَدْ بَلَغَ التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ بِاسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ قَطْعِيٌّ. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِجَمَاهِيرِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي الْمَحْصُولِ: مَسْلَكُ الْإِجْمَاعِ هُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عِنْدِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ اشْتِهَارُ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ إِلَّا عِنْدَ شُذُوذِ مُتَأَخِّرِينَ. قَالَ: وَهَذَا أَقْوَى الْأَدِلَّةِ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَنْعِ ثُبُوتِ هَذَا الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِذَلِكَ إِنَّمَا جَاءُونَا بِرِوَايَاتٍ عَنْ أَفْرَادٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَحْصُورِينَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا لِجَمِيعِهِمْ مَعَ تَفَرُّقِهِمْ فِي الْأَقْطَارِ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَرَدِّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْكَارِ بَعْضِهِمْ لِمَا قَالَهُ الْبَعْضُ كَمَا ذَلِكَ مَعْرُوفٌ؟ .
" وَبَيَانُهُ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ عَلَى أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ زَوْجٍ وَأُمٍّ وَإِخْوَةٍ لِأُمٍّ وَإِخْوَةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ، وَهَكَذَا وَقَعَ الْإِنْكَارُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِالرَّأْيِ مِنْهُمْ، وَالْقِيَاسُ إِنْ كَانَ مِنْهُ فَظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فَقَدْ أَنْكَرَهُ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَلَوْ سَلَّمْنَا لَكَانَ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْقِيَاسَاتِ الَّتِي وَقَعَ النَّصُّ عَلَى عِلَّتِهَا وَالَّتِي قَطَعَ فِيهَا بِنَفْيِ الْفَارِقِ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ كَثِيرٌ
مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَأَثْبَتُوهُ بِمَسَالِكَ تَتَقَطَّعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ، وَتُسَافِرُ فِيهَا الْأَذْهَانُ حَتَّى تَبْلُغَ إِلَى مَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَتَتَغَلْغَلَ فِيهَا الْعُقُولُ حَتَّى تَأْتِيَ بِمَا لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ فِي وُرُودٍ وَلَا صَدْرٍ، وَلَا مِنَ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ فِي قُبَيْلٍ وَلَا دُبَيْرٍ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:" تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا " وَجَاءَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِمَا قَدَّمْنَا مِنْ إِكْمَالِ الدِّينِ، وَبِمَا يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى وَيُصَحِّحُ دَلَالَتَهُ وَيُؤَيِّدُ بَرَاهِينَهُ.
(الْقِياسُ الصَّحِيحُ) .
وَإِذَا عَرَفْتَ مَا حَرَّرْنَا، وَتَقَرَّرَ لَدَيْكَ جَمِيعُ مَا قَرَّرْنَا، فَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَأْخُوذَ بِهِ هُوَ مَا وَقَعَ النَّصُّ عَلَى عِلَّتِهِ وَمَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ فَحْوَى الْخِطَابِ أَوْ لَحْنِ الْخِطَابِ عَلَى اصْطِلَاحِ مَنْ يُسَمِّي ذَلِكَ قِيَاسًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ نُفَاةَ الْقِيَاسِ لَمْ يَقُولُوا بِإِهْدَارِ كُلِّ مَا يُسَمَّى قِيَاسًا وَإِنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَى عِلَّتِهِ أَوْ مَقْطُوعًا فِيهِ بِنَفِيِ الْفَارِقِ، بَلْ جَعَلُوا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْقِيَاسِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ مَشْمُولًا بِهِ مُنْدَرِجًا تَحْتَهُ، وَبِهَذَا يَهُونُ عَلَيْكَ الْخَطْبُ وَيَصْغُرُ عِنْدَكَ مَا اسْتَعْظَمُوهُ، وَيَقْرُبُ لَدَيْكَ مَا بَعَّدُوهُ; لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا النَّوْعِ الْخَاصِّ صَارَ لَفْظِيًّا، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَى الْأَخْذِ بِهِ وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ، وَاخْتِلَافُ طَرِيقَةِ الْعَمَلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلَافَ الْمَعْنَوِيَّ لَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا، وَقَدْ قَدَّمَنَا لَكَ أَنَّ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا تَسْتَحِقُّ تَطْوِيلَ ذُيُولِ الْبَحْثِ بِذِكْرِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ أَنْهَضَ مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ؛ فَإِنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ وَالْحَوَادِثُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إِخْبَارِهِ عز وجل لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ لَهَا دِينَهَا، وَبِمَا أَخْبَرَهَا رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَهَا عَلَى الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا.
ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ صَحِيحٍ وَفَهْمٍ صَالِحٍ أَنَّ فِي عُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُطْلَقَاتِهِمَا وَخُصُوصِ نُصُوصِهِمَا مَا يَفِي بِكُلِّ حَادِثَةٍ تَحْدُثُ، وَيَقُومُ بِبَيَانِ كُلِّ نَازِلَةٍ تَنْزِلُ، عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ عَرَفَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ اهـ.
ثُمَّ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى النَّصِّ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ مَا نَصُّهُ:
" وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْأَخْذِ بِالْعِلَّةِ إِذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلِ الْأَخْذُ بِهَا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ أَمْ مِنَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ؟ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْجُمْهُورُ، وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي النَّافُونَ لِلْقِيَاسِ، فَيَكُونُ الْخِلَافُ عَلَى هَذَا لَفْظِيًّا. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَهُونُ الْخَطْبُ وَيَصْغُرُ مَا اسْتَعْظَمَ مِنَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. فَإِنَّ لَفْظَ التَّعْلِيلِ إِذَا لَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ عَنْ كُلِّ مَا تَجْرِي الْعِلَّةُ فِيهِ كَانَ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ مُسْتَدِلًّا بِلَفْظٍ قَاضٍ بِالْعُمُومِ " اهـ.
أَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يَعُدُّ كُلَّ تَعْلِيلٍ فِي النُّصُوصِ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ، فَيَجْرِي كُلُّ مَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ مَجْرَى أَفْرَادِ الْعَامِّ فِي حُكْمِهِ، فَالْخِلَافُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الَّذِينَ يَنُوطُونَ الْأَحْكَامَ بِالْعِلَلِ الْمَنْصُوصَةِ حَقِيقِيٌّ لَا لَفْظِيٌّ، سَوَاءٌ كَانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ عَمَلًا بِالنَّصِّ أَوْ قِيَاسًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ
اللَّفْظِيُّ بَيْنَ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ الْمُتَّفِقَيْنِ عَلَى تَحْكِيمِ الْعِلَلِ الْمَنْصُوصَةِ. وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ إِنَّمَا يُوَافِقَانِ الْجُمْهُورَ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَرَيَانِ أَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ كَلِمَتَيِ الْعَدْلِ وَالْمِيزَانِ وَهَذَا حَقٌّ، وَمِنْ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ دُونَ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ، فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ قَدِ اسْتَوْفَتْهَا النُّصُوصُ وَبَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ، فَلَا وَجْهَ لِلزِّيَادَةِ فِيهَا أَوِ النَّقْصِ مِنْهَا، وَلَا لِإِيقَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ قَالَ حُذَيْفَةُ رضي الله عنه:" كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا تَعَبَّدُوهَا " وَالْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا زَادَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ بِالْقِيَاسِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَمْ يَرَ لِشَيْءٍ مِنْهُ حُجَّةً قَيِّمَةً وَلَا قِيَاسًا صَحِيحًا.
(بَحْثٌ فِي الْتِزَامِ النُّصُوصِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فِي الْمُعَامَلَاتِ) .
تَمْهِيدٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ:
كَانَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مِنْ أَشَدِّ عُلَمَاءِ السَّلَفِ تَشْدِيدًا فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَتَدْقِيقًا فِي إِنْكَارِ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ فِي الدِّينِ، حَتَّى إِنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
مَهْدِيٍّ - وَنَاهِيكَ بِعِلْمِهِ وَهَدْيِهِ - وَضْعَ رِدَائِهِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْحَرِّ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَأَنْكَرَ عَلَى مَنِ اسْتَشَارَهُ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِ قَبْرِهِ وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَمْرَهُ بِالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، فَلَمَّا أَلَحَّ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ:" لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ " فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا؟ إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا. قَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ قَدْ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(24: 63) وَمِنْ أَجَلِّ كَلَامِهِ رضي الله عنه: مَنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَانَ الدِّينَ وَفِي رِوَايَةٍ: الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا لَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا اهـ.
نَقَلَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ الِاعْتِصَامِ (ص: 167 ج1 و198 ج2) وَقَالَ فِي ص: 310 مِنَ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ: وَلِذَلِكَ الْتَزَمَ مَالِكٌ فِي الْعِبَادَاتِ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي وَإِنْ ظَهَرَتْ لِبَادِيَ الرَّأْيِ، وُقُوفًا مَعَ مَا فُهِمَ مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا مِنَ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ فِي إِزَالَةِ الْأَخْبَاثِ وَرَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُطْلَقِ النَّظَافَةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا غَيْرُهُ حَتَّى اشْتَرَطَ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ النِّيَّةَ، وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُ الْمَاءِ مَقَامَهُ عِنْدَهُ وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ حَتَّى يَكُونَ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ التَّكْبِيرِ
وَالتَّسْلِيمِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَقَامَهَا فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَالْإِجْزَاءِ وَمُنِعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَاقْتَصَرَ فِي الْكَفَّارَاتِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
" وَدَوَرَانُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ دُونَ مَا يَقْتَضِيهِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ أَنْ تَصَوَّرَ لِقِلَّةِ ذَلِكَ فِي التَّعَبُّدَاتِ وَنُدُوِرِهِ، بِخِلَافِ قِسْمِ الْعَادَاتِ الَّذِي هُوَ جَارٍ عَلَى الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ الظَّاهِرِ لِلْعُقُولِ. فَإِنَّهُ اسْتَرْسَلَ فِيهِ اسْتِرْسَالَ الْمُدِلِّ الْعَرِيقِ فِي فَهْمِ الْمَعَانِي الْمَصْلَحِيَّةِ، نَعَمْ مَعَ مُرَاعَاةِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ أَلَّا يَخْرُجَ عَنْهُ، وَلَا يُنَاقِضَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِهِ اهـ.
(أَقُولُ) : إِنَّ الْعَلَّامَةَ الشَّاطِبِيَّ قَدْ حَرَّرَ بَحْثَ الْبِدَعِ وَأَطَالَ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا وَالْحَثِّ عَلَى الْتِزَامِ السُّنَّةِ فِي كِتَابِهِ (الِاعْتِصَامِ) بِمَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَى مِثْلِهِ - بِحَسَبِ عِلْمِهِ وَعِلْمِنَا - سَابِقٌ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ فِيهِ عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُنَا لَاحِقٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْبِدَعِ وَبَيْنَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ تَفْرِقَةً وَاضِحَةً بَيِّنَةً، وَأَثْبَتَ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ بِهَا عَلَى تَشَدُّدِهِ فِي نَصْرِ السُّنَّةِ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي مُقَاوَمَةِ الْبِدَعِ، حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيهِ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُبْغِضُ مَالِكًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: إِذَا رَأَيْتَ الْحِجَازِيَّ يُحِبُّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ.
الْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ. وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ صَحِيحًا عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ جَعَلَ الْقَوْلَ بِهَا مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ لِلْقِيَاسِ، فَأَدْخَلُوهَا فِيمَا يُسَمُّونَهُ الْمُنَاسَبَةَ أَوِ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ. وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِدْلَالِ لَا مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ، فَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ بِهَا، وَلَكِنْ يَخْتَلِفُونَ فِي اسْمِهَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ لِمَالِكٍ تَرْجِيحًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَيَلِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَلَا يَكَادُ يَخْلُو غَيْرُهُمَا عَنِ اعْتِبَارِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ لِهَذَيْنِ تَرْجِيحًا فِي الِاسْتِعْمَالِ لَهَا عَلَى غَيْرِهِمَا، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ; لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ وَيَقْعُدُونَ بِالْمُنَاسَبَةِ، وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا نَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَّا ذَلِكَ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُعْظَمُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بِشَرْطِ الْمُلَاءَمَةِ لِلْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْأُصُولِ.
وَقَدْ قَسَّمَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ الْمُنَاسِبَ إِلَى مَا عُلِمَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ، وَمَا عُلِمَ إِلْغَاؤُهُ لَهُ، وَمَا لَا يُعْلَمُ اعْتِبَارُهُ وَلَا إِلْغَاؤُهُ لَهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ بِالِاعْتِبَارِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ الْعَامَّةِ، فَيُعَدُّ مِنْ وَسَائِلِهَا وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بِالْمَصَالِحِ
الْمُرْسَلَةِ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي إِرْشَادِ الْفُحُولِ، وَقَالَ: وَقَدِ اشْتُهِرَ انْفِرَادُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْقَوْلِ بِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ يَكْتَفُونَ بِمُطْلَقِ الْمُنَاسَبَةِ. وَلَا مَعْنَى لِلْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَّا ذَلِكَ اهـ.
مَا حَرَّرَهُ الطُّوفِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَصَالِحِ:
(أَقُولُ) : لَمْ أَرَ فِي كَلَامِ عُلَمَاءِ الْمَشَارِقَةِ مَنْ أَطْنَبَ فِي بَحْثِ الْمَصَالِحِ مِثْلَ الْإِمَامِ نَجْمِ الدِّينِ الطُّوفِيِّ الْحَنْبَلِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 716 وَلَا فِي كَلَامِ عُلَمَاءِ الْمَغَارِبَةِ مِثْلَ الْعَلَّامَةِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ الشَّاطِبِيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 790.
أَمَّا الطُّوفِيُّ فَإِنَّهُ وَفَّى الْمَوْضُوعَ حَقَّهُ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِنَ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ "(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا مُسْنَدًا وَمَالِكٌ مُرْسَلًا وَحَسَّنُوهُ) وَقَدْ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ يَقْتَضِي رِعَايَةَ الْمَصَالِحِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، وَالْمَفَاسِدِ نَفْيًا. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِعِدَّةِ أَدِلَّةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَفْصِيلِيَّةٍ وَإِجْمَالِيَّةٍ، وَبِإِجْمَاعٍ مَا عَدَا الْجَامِدِينَ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ، وَجَعَلَ مَدَارَ تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَدَعَّمَ ذَلِكَ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ الْعَقْلِيِّ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِهَذَا حَتَّى جَعَلَ رِعَايَةَ الْمَصْلَحَةِ مُقَدَّمَةً عَلَى النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَقَالَ: وَإِنْ خَالَفَهَا وَجَبَ تَقْدِيمُ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ عَلَيْهِمَا بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ وَالْبَيَانِ لَهُمَا، لَا بِطْرِيقِ الِافْتِئَاتِ عَلَيْهِمَا وَالتَّعْطِيلِ لَهُمَا.
وَهَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ الطُّوفِيُّ فِي رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ هُوَ أَدَقُّ وَأَوْسَعُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَأَدِلَّتُهُ أَقْوَى، وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ بِذَلِكَ فَقَالَ:
" وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا مُسْتَفِيدِينَ لَهَا مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لَيْسَتْ هِيَ الْقَوْلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ، بَلْ هِيَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ التَّعْوِيلُ عَلَى النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُقَدَّرَاتِ وَعَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَبَاقِي الْأَحْكَامِ " اهـ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ بَيَانِ ذَلِكَ:
" وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْمَصْلَحَةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا، دُونَ الْعِبَادَاتِ وَشَبَهِهَا; لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ حَقٌّ لِلشَّارِعِ خَاصٌّ بِهِ، وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ حَقِّهِ كَمًّا وَكَيْفًا وَزَمَانًا وَمَكَانًا إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَيَأْتِي بِهِ الْعَبْدُ عَلَى مَا رَسَمَ لَهُ، وَلِأَنَّ غُلَامَ أَحَدِنَا لَا يُعَدُّ مُطِيعًا خَادِمًا لَهُ إِلَّا إِذَا امْتَثَلَ مَا رَسَمَ سَيِّدُهُ وَفَعَلَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرْضِيهِ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا، وَلِهَذَا لَمَّا تَعَبَّدَتِ الْفَلَاسِفَةُ بِعُقُولِهِمْ وَرَفَضُوا
الشَّرَائِعَ أَسْخَطُوا اللهَ عز وجل وَضَلُّوا وَأَضَلُّوا. وَهَذَا
بِخِلَافِ حُقُوقِ الْمُكَلَّفِينَ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَهَا سِيَاسِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وُضِعَتْ لِمَصَالِحِهِمْ، وَكَانَتْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةَ وَعَلَى تَحْصِيلِهَا الْمُعَوَّلُ.
" وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الشَّرْعَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِهِمْ فَلْتُؤْخَذْ مِنْ أَدِلَّتِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَهِيَ أَقْوَاهَا وَأَخَصُّهَا فَلْنُقَدِّمْهَا فِي تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ.
" ثُمَّ إِنَّ هَذَا إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَخْفَى مَصَالِحُهَا عَنْ مَجَارِي الْعُقُولِ وَالْعَادَاتِ. وَأَمَّا مَصْلَحَةُ سِيَاسَةِ الْمُكَلَّفِينَ فِي حُقُوقِهِمْ فَهِيَ مَعْلُومَةٌ لَهُمْ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَالْعَقْلِ. فَإِذَا رَأَيْنَا الشَّرْعَ مُتَقَاعِدًا عَنْ إِفَادَتِهَا عَلِمْنَا أَنَّا أَحَلْنَا فِي تَحْصِيلِهَا عَلَى رِعَايَتِهَا " انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا. وَمَنْ أَرَادَ الِاطِّلَاعَ عَلَى سِيَاقِهِ بِرُمَّتِهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى الْمُجَلَّدِ التَّاسِعِ مِنَ الْمَنَارِ (ص 745 - 770) .
مَا حَرَّرَهُ الشَّاطِبِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَصَالِحِ:
وَأَمَّا الشَّاطِبِيُّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْبَابَ الثَّامِنَ مِنْ كِتَابِهِ الِاعْتِصَامِ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبِدَعِ وَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ؛ فَأَمَّا الِاسْتِحْسَانُ فَإِذَا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قِيَاسٍ صَحِيحٍ أَوْ إِلَى رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ فَقَدْ وَافَقَ الشَّاطِبِيُّ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى عَدِّهَا مِمَّا يُسَمُّونَهُ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ، وَوَضَّحَهَا بِعَشَرَةِ أَمْثِلَةٍ مِنْهَا:
(1)
اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى كِتَابَةِ الْقُرْآنِ فِي الصُّحُفِ الَّتِي سُمِّيَ مَجْمُوعُهَا الْمُصْحَفَ.
(2)
اتِّفَاقُهُمْ عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، كَذَا قَالَ.
(3)
قَضَاءُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي ذَلِكَ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إِلَّا ذَاكَ.
(4)
مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الضَّرْبِ فِي التُّهَمِ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنَ السِّجْنِ فِي التُّهَمِ، مَعَ أَنَّ السِّجْنَ نَوْعٌ مِنَ الْعَذَابِ.
(5)
مَا قَرَّرَهُ وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ جَوَازِ وَضْعِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ ضَرَائِبَ وَإِعَانَاتٍ مُؤَقَّتَةً عِنْدَ الضَّرُورَةِ ; لِتَكْثِيرِ الْجُنُودِ لِسَدِّ الثُّغُورِ وَحِمَايَةِ الْمَلِكِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَفِي بِذَلِكَ.
(6)
اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْعِقَابِ عَلَى بَعْضِ الْجِنَايَاتِ بِأَخْذِ الْمَالِ.
(7)
الزِّيَادَةُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ إِذَا تَوَالَتْ ضَرُورَةُ الْأَكْلِ مِنَ الْمُحَرَّمِ كَالْمَيْتَةِ فِي الْمَجَاعَاتِ، أَوْ عَمَّ الْحَرَامُ بَلَدًا أَوْ قُطْرًا فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ، فَحِينَئِذٍ لَا يُنْظَرُ إِلَى أَصْلِ الْمَالِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ حَلَالًا. هَذَا مُلَخَّصُ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ، وَعَزَى الْقَوْلَ بِهِ إِلَى ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَأَحَالَ فِي بَسْطِهِ عَلَى الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ; أَيْ فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنَ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْهُ.
(8)
قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، قَالَ: وَالْمُسْتَنَدُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ; إِذْ لَا نَصَّ عَلَى عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
(9)
إِقَامَةُ إِمَامٍ لِلْمُسْلِمِينَ (خَلِيفَةٍ) غَيْرِ مُجْتَهِدٍ فِي الشَّرْعِ إِذَا فُقِدَ الْمُجْتَهِدُ. قَالَ: " إِنَّ الْعُلَمَاءَ نَقَلُوا الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ الْكُبْرَى لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا لِمَنْ نَالَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى فِي عُلُومِ الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا أَيْضًا أَوْ كَادُوا يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِمَنْ رُقِّيَ فِي رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ. وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ إِذَا فُرِضَ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ يَظْهَرُ بَيْنَ النَّاسِ وَافْتَقَرُوا إِلَى إِمَامٍ يُقَدِّمُونَهُ; لِجَرَيَانِ الْأَحْكَامِ وَتَسْكِينِ ثَوْرَةِ الثَّائِرِينَ وَالْحِيَاطَةِ عَلَى دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْأَمْثَلِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَتَّجِهُ إِلَّا عَلَى فَرْضِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا بَحْثٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ هُوَ لَا يَتَّسِعُ لِتَحْقِيقِ مَسْأَلَةِ الْمِثَالِ الْمَفْرُوضَةِ أَيْضًا.
(10)
بَيْعَةُ مَنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ ابْتِدَاءً أَوِ اسْتَدَامَتُهَا بَعْدَ وُجُودِ الْكُفْءِ لَهَا كَالْقُرَشِيِّ الْمُجْتَهِدِ. . . إِلَخْ; خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ وَتَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ مُبَايَعَةَ ابْنِ عُمَرَ لِيَزِيدَ وَلِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى كَوْنِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، وَأَخْذَهُمَا الْمُلْكَ بِالسَّيْفِ لَا بِاخْتِيَارِ الْأُمَّةِ، وَنَهْيَ مَالِكٍ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَبْحَاثٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ; فَلَا تُؤْخَذُ عَلَى إِطْلَاقِهَا، وَقَدْ سَبَقَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْمُحَارِبِينَ (الْبُغَاةِ) قَوْلٌ وَجِيزٌ فِيهَا،
وَإِشَارَةٌ إِلَى بَعْضِ مَسَائِلِهَا; مِنْهُ أَنَّ تَحْرِيرَهَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِمُصَنَّفٍ خَاصٍّ، وَمِنْهُ أَنَّ الرَّأْيَ الْغَالِبَ عَلَى الْأُمَمِ فِي هَذَا الْعَصْرِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الْمُلُوكِ الْمُسْتَبِدِّينَ الْجَائِرِينَ ; كَمَا فَعَلَتِ الْأُمَّةُ الْعُثْمَانِيَّةُ إِذْ كَوَّنَتْ قُوَّةً خَرَجَتْ بِهَا عَلَى سُلْطَانِهَا عَبْدِ الْحَمِيدِ فَسَلَبَتِ السُّلْطَةَ مِنْهُ، وَخَلَعَتْهُ بِفَتْوَى مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِيهَا.
وَمَنْ دَقَّقَ النَّظَرَ فِي الْأَمْثِلَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الشَّاطِبِيُّ لِمَسْأَلَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ بَعْضَهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ أَوِ السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ، وَمِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ. فَمِنَ الْأَوَّلِ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ فِي مُصْحَفٍ يَجْمَعُهُ كُلَّهُ، فَإِنَّ تَسْمِيَةَ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ كِتَابًا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ كِتَابَتِهِ، وَاتِّخَاذُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْكُتَّابَ لَهُ يَكْتُبُونَ بِأَمْرِهِ كُلَّ مَا نَزَلَ فِي وَقْتِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَسَبَبُ عَدَمِ جَمْعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ فِي الْمُصْحَفِ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِطَالَةِ الْفِكْرَةِ، وَهُوَ احْتِمَالُ الْمَزِيدِ فِي كُلِّ سُورَةٍ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَوَّرَ أَحَدٌ وَلَا أَنْ يَجِدَ شُبْهَةً
عَلَى كَوْنِ كِتَابَتِهِ فِي صُحُفٍ مُتَفَرِّقَةٍ هُوَ مَطْلُوبَ الشَّارِعِ، وَإِنَّمَا تَلَبَّثَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فِي الْأَمْرِ أَوَّلًا عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الرَّوِيَّةِ فِي الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ، وَنَاهِيكَ بِأَوَائِلِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَعْرِضُ عَلَى أَصْحَابِ الْمَنَاصِبِ الْعُلْيَا فِي مَنَاصِبِهِمْ. وَمِنَ الثَّانِي حَدُّ السُّكْرِ، قِيلَ: إِنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى الْقَذْفِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَعْزِيرٌ لَا يَجِبُ الْتِزَامُ الْعَدَدِ فِيهِ.
وَالْحَقُّ الْجَلِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ مَسَائِلَ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي يُرْجَعُ فِيهَا إِلَى الْحُكَّامِ مِنْ قَضَائِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ وَحَرْبِيَّةٍ تَرْجِعُ كُلُّهَا إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَهُ حَدِيثُ: " لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ " بِالتَّبَعِ لِآيَاتِ رَفْعِ الْمَضَارَّةِ فِي الْإِرْثِ وَالزَّوْجِيَّةِ أَيْ رَفْعُ الضَّرَرِ الْفَرْدِيِّ وَالْمُشْتَرِكِ، وَمِنْهُ أُخِذَتْ قَاعِدَةُ دَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَحِفْظِ الْمَصَالِحِ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا عُلِمَ مِنْ نُصُوصِ الشَّارِعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَأَمْثِلَةُ هَذَا فِي أَعْمَالِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَالِيَّةِ وَالْإِدَارِيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، عَلَى أَنَّ جَمَاهِيرَ الْفُقَهَاءِ يُصَرِّحُونَ دَائِمًا بِإِرْجَاعِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إِلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، فَقَوَاعِدُ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ أَكْثَرُهَا يَدُورُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
إِنَّمَا فَرَّ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مِنْ تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ تَقْرِيرًا صَرِيحًا مَعَ اعْتِبَارِهِمْ كُلِّهِمْ لَهُ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ خَوْفًا مِنِ اتِّخَاذِ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ إِيَّاهُ حُجَّةً لِاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ وَإِرْضَاءِ اسْتِبْدَادِهِمْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَدِمَائِهِمْ، فَرَأَوْا أَنْ يَتَّقُوا ذَلِكَ بِإِرْجَاعِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ
إِلَى النُّصُوصِ وَلَوْ بِضَرْبٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ الْخَفِيَّةِ، فَجَعَلُوا مَسْأَلَةَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مِنْ أَدَقِّ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ وَلِمَ يَنُوطُوهَا بِاجْتِهَادِ الْأُمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ. وَهَذَا الْخَوْفُ فِي مَحَلِّهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَقِ الْأُمَّةَ مِنْ أَهْوَاءِ الْحُكَّامِ كَمَا يَنْبَغِي، إِذْ كَانَ يُوجَدُ فِي عَهْدِ كُلِّ ظَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ مَنْ يُمَهِّدُ لَهُ الطَّرِيقَ وَلَوْ لِبَعْضِ مَا يُرِيدُ مِنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى.
وَالطَّرِيقَةُ الْمُثْلَى لِحِفْظِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ مِيزَانِ الْعَدْلِ: هِيَ رَفْعُ قَوَاعِدِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَسَاسِ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(42: 38) وَقَوْلِهِ: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(4: 59) كَمَا فَصَّلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَا بِإِنْكَارِ أَصْلِ الْمَصَالِحِ وَلَا بِالتَّضْيِيقِ فِي تَفْرِيعِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا. فَإِذَا نِيطَ ذَلِكَ بِأُولِي الْأَمْرِ أَيْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ الَّذِينَ يُنَصِّبُونَ الْإِمَامَ (الْخَلِيفَةَ) وَيَكُونُونَ أَهْلَ الشُّورَى لَهُ وَيَكُونُ هُوَ مُقَيَّدًا بِمَا يُقَرِّرُونَهُ فَحِينَئِذٍ لَا يُخْشَى مِنْ جَعْلِ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ ذَرِيعَةً لِلْمَفَاسِدِ مَا يُخْشَى مِنْهُ فِي حَالِ إِقْرَارِ كُلِّ مُتَغَلِّبٍ عَلَى الْحُكْمِ مَعَ التَّضْيِيقِ فِي مَسَالِكِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ، الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ. وَإِنَّمَا مَثَارُ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا أَنْ يُوَسَّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ. وَأَنْ يُقَرَّ عَلَى الْمُلْكِ كُلُّ مُتَغَلِّبٍ، وَيَرْضَى بِتَقْلِيدِهِ كُلُّ جَائِرٍ جَاهِلٍ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَضَاعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ.
نَتِيجَةُ مَا تَقَدَّمَ.
عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَسَائِلَ الدِّينِيَّةَ الْمَحْضَةَ، وَهِيَ: الْعَقَائِدُ وَالْعِبَادَاتُ وَالْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ الدِّينِيَّانِ، تُؤْخَذُ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ، وَبَيَانُ السُّنَّةِ لَهَا بِالْقَوْلِ أَوِ الْعَمَلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي مُخَالَفَتِهِ. وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ يُنْظَرُ فِي دَلَائِلِهِ، وَيُرَجَّحُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَقْسَامِ أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ، وَلَا يُلْتَفَتُ فِيهِ إِلَى الشُّذُوذِ، وَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِحْدَاثُ عِبَادَةٍ جَدِيدَةٍ أَوِ الْإِتْيَانُ بِعِبَادَةٍ مَأْثُورَةٍ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ رضي الله عنه لَا بِقِيَاسٍ وَلَا بِدَعْوَى إِجْمَاعٍ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَا لِمَصْلَحَةٍ، وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِلَلِ وَالنَّظَرِيَّاتِ; لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَكْمَلَ الدِّينَ أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ بِكِتَابِهِ وَبَيَانِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَهَانَا عَنِ السُّؤَالِ الْمُقْتَضِي لِزِيَادَةِ
التَّكَالِيفِ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ مَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ مُرَاغِمًا لِنَصِّ الْقُرْآنِ أَوْ طَاعِنًا فِي بَيَانِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَوْ زَاعِمًا أَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُ عِلْمًا وَعَمَلًا بِالدِّينِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا الْأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ، مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَسِيَاسَةٍ وَقَضَاءٍ وَآدَابٍ فَهِيَ تَنْقَسِمُ بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: مَا فِيهِ نَصٌّ مُحْكَمٌ قَطْعِيُّ الرِّوَايَةِ وَالدَّلَالَةِ لُغَةً، وَارِدٌ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ الْعَامِّ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ مِنَ النُّصُوصِ الْخَاصَّةِ بِمَوْضُوعِهِ أَوِ الْعَامَّةِ كَنَفْيِ الْحَرَجِ وَنَفْيِ الضَّرَرِ وَالضِّرَارِ، وَكَوْنِ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى:(إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)(6: 119) وَكَوْنِهَا تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَتَزُولُ بِزَوَالِ مُقْتَضِيهَا.
الثَّانِي: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَصٌّ صَحِيحٌ بِعُمُومِهِ أَوْ تَعْلِيلِهِ أَوْ مَفْهُومِهِ دَلَالَةً وَاضِحَةً أَجْمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ أَوْ عَمِلَ بِهَا جُمْهُورُهُمْ، وَعُرِفَ شُذُوذُ مَنْ خَالَفَ مِنْهُمْ، فَالْوَاجِبُ فِي هَذَا عَيْنُ الْوَاجِبِ فِيمَا قَبْلَهُ بِشَرْطِهِ عِنْدَ مَنْ عَرَفَهُ.
الثَّالِثُ: مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ تَكْلِيفِيٌّ غَيْرُ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ، أَوْ حَدِيثٌ غَيْرُ وَاهٍ وَلَا صَحِيحٍ، فَاخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفِقْهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ رِوَايَتِهِ أَوْ صَرَاحَةِ دَلَالَتِهِ. فَمِثْلُ هَذَا يَعْمَلُ فِيهِ كُلُّ مُكَلَّفٍ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، وَيُعْذَرُ كُلُّ مَنْ خَالَفَهُ فِيمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ لَا يَعِيبُهُ وَلَا يَنْتَقِدُهُ، كَمَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَعِبْ أَحَدُهُمْ مُخَالِفَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَهُ لَا إِمَامًا وَلَا مُقْتَدِيًا، وَكَمَا فَهِمَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ آيَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْخَمْرِ تَحْرِيمَهَا وَبَعْضُهُمْ عَدَمَ تَحْرِيمِهَا، فَعَمِلَ كُلٌّ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَمِثْلُهُ مَا يَسْتَنْبِطُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ وَأَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى أَوْ سُنَّةَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم دَالَّةٌ عَلَيْهِ عَمِلَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّفُهُ تَقْلِيدًا لِمَنِ اسْتَنْبَطَهُ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَشْهَرِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَهُمْ وَأَنْ يَأْخُذَ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ إِلَّا إِذَا عَرَفَ مَأْخَذَهُ وَظَهَرَ لَهُ صِحَّةُ دَلِيلِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِمَا أَنْزَلَ اللهُ لَا لِآرَاءِ النَّاسِ، فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)(7: 3) .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْعَامَّةِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ كَالْأَحْكَامِ الْقَضَائِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ فَيَنْبَغِي
أَنْ يَنْظُرَ أُولُو الْأَمْرِ وَيَتَشَاوَرُوا فِيهِ مِنْ حَيْثُ تَصْحِيحُ النَّقْلِ، وَمِنْ حَيْثُ طَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُمْ مَا يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ بِأَحَدِ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ أَلْحَقُوهُ بِهِ فَكَانَ لَهُ حُكْمُهُ، وَإِلَّا كَانَ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ.
الرَّابِعُ: مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ غَيْرُ وَارِدٍ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ كَالْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَادَاتِ
مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطِّبِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ الْعَامِّ - وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ إِرْشَادًا لَا تَشْرِيعًا - وَكَذَا مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْفَتَاوَى الشَّخْصِيَّةِ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ الْجُمْهُورُ لِعَدَمِ الْأَمْرِ بِتَبْلِيغِهِ، فَالْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ مِنَ الشَّرْعِ أَوِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ; لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الِاتِّبَاعِ حَتَّى فِي الْعَادَاتِ مِمَّا يُقَوِّي الْأُمَّةَ، وَيُمَكِّنُ الرَّابِطَةَ وَالْوَحْدَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَنْبَغِي لِحُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُجْبِرُوا أَحَدًا عَلَى فِعْلِهِ وَلَا عَلَى تَرْكِهِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً صَالِحَةً فِي مِثْلِهِ.
الْخَامِسُ: مَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّارِعُ فَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِيهِ مَا يَقْتَضِي فِعْلًا وَلَا تَرْكًا فَهُوَ الَّذِي عَفَا اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رَحْمَةً مِنْهُ وَتَخْفِيفًا عَلَى عِبَادِهِ. فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُكَلِّفَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ تَعَالَى فِعْلَ شَيْءٍ أَوْ تَرْكَ شَيْءٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَإِنَّ مَا أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ طَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ مِنَّا خَاصٌّ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَمَصَالِحِهَا وَمَشْرُوطٌ فِيهِ أَلَّا يَكُونَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ:" لَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ " وَأَمَّا أَمْرُ الدِّينِ فَقَدْ تَمَّ وَكَمُلَ. وَهُوَ تَعَالَى شَارِعُ الدِّينِ كَمَا قَالَ: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)(42: 13) إِلَخْ. وَكَمَا قَالَ: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا)(45: 18) وَالرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم هُوَ مُبَلِّغُ الدِّينِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)(42: 48) وَمُبِيِّنُهُ كَمَا قَالَ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(16: 44) فَلَيْسَ لِأُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سُلْطَانٌ عَلَى أَحَدٍ فِي أَمْرِ الدِّينِ الْمَحْضِ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَدْلُولِ النُّصُوصِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهَا، وَمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ أَوِ ادُّعِيَ لَهُ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ أَوْ جُعِلَ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوِ اتَّخَذَ رَبًّا مِنْ دُونِهِ (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) (42: 21) .
وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ حَتَّى إِنَّ فِيمَا أَثْبَتْنَاهُ هُنَا
تَكْرَارًا وَإِعَادَةً لِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ " وَفِي الْإِعَادَةِ إِفَادَةٌ " كَمَا قِيلَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْأُسْلُوبُ وَتَنَوَّعَ التَّعْبِيرُ.
ثُمَّ قَالَ عز وجل:
مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) .
وَجْهُ اتِّصَالِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بِمَا قَبْلَهُمَا أَنَّهُ سبحانه وتعالى نَهَى فِي السِّيَاقِ الَّذِي قَبْلَهُمَا عَنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّهُ اللهُ وَعَنِ الِاعْتِدَاءِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ تَرْكًا لِمُبَاحٍ يَلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ أَوْ بِالْحَلِفِ بِاسْمِ اللهِ تَنَسُّكًا وَتَعَبُّدًا مَعَ اعْتِقَادِ إِبَاحَتِهِ فِي نَفْسِهِ، لَا شَرْعًا يُدْعَى إِلَيْهِ وَيُعْتَقَدُ وُجُوبُهُ وَبَيَّنَ فِيهِ كَفَّارَةَ الْأَيْمَانِ، وَحَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْأَنْصَابَ وَالْأَزْلَامَ، وَصَيْدَ الْبَرِّ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَبَعْدَ أَنْ نَهَى عَنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّهُ، نَهَى أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ اللهِ تَعَالَى شَيْئًا لَمْ يَكُنْ حَرَّمَهُ، أَوْ شَرْعِ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ شَرَعَهُ، بِأَنْ يَسْأَلَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ مِمَّا سَكَتَ اللهُ عَنْهُ عَفْوًا وَفَضْلًا، فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ أَوْرَدَ تَكْلِيفًا جَدِيدًا، فَنَاسَبَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُبَيِّنَ ضَلَالَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمَا شَرَعُوهُ لَهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْ رَبِّهِمْ، وَمَا قَلَّدَ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى جَهْلِهِمْ، مَعَ بَيَانِ بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ وَكَوْنِهِ يُنَافِي الْعِلْمَ وَالدِّينَ فَقَالَ:
(مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) هَذِهِ أَرْبَعَةُ نُعُوتٍ لِأَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْأَنْعَامِ الَّتِي حَرَّمَتْهَا الْجَاهِلِيَّةُ عَلَى أَنْفُسِهَا.
(فَالْبَحِيرَةُ) : فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي يُبْحِرُونَ أُذُنَهَا أَيْ يَشُقُّونَهَا شَقًّا وَاسِعًا، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ بِهَا ذَلِكَ إِذَا أُنْتِجَتْ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ وَكَانَ الْخَامِسُ أُنْثَى كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: إِذَا وَلَدَتْ عَشَرَةَ أَبْطُنٍ، يَفْعَلُونَهُ لِيَكُونَ عَلَامَةً عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا أَوْ
رُكُوبِهَا أَوِ الْحَمْلِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مَادَّةِ (بَحَرَ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ:" كُلُّ مَكَانٍ وَاسِعٍ جَامِعٍ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ " ثُمَّ اشْتَقُّوا مِنْهُ عِدَّةَ كَلِمَاتٍ فِيهَا مَعْنَى السَّعَةِ.
(وَالسَّائِبَةُ) : النَّاقَةُ الَّتِي تُسَيَّبُ بِنَذْرِهَا لِآلِهَتِهِمْ فَتَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَلَا يُجَزُّ صُوفُهَا وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهَا إِلَّا لِضَيْفٍ، فَهِيَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَابَ الْفَرَسُ
وَنَحْوُهُ: أَيْ ذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَسَابَ الْمَاءُ: جَرَى، فَهُوَ سَائِبٌ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: هِيَ النَّاقَةُ إِذَا وَلَدَتْ عَشْرَ إِنَاثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ مِنَ الْغَنَمِ مِثْلُ الْبَحِيرَةِ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَنْ أَبِي رَوْقٍ وَالسُّدِّيِّ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا قُضِيَتْ حَاجَتُهُ سَيَّبَ مِنْ مَالِهِ نَاقَةً أَوْ غَيْرَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ وَأَوْثَانِهِمْ.
(وَالْوَصِيلَةُ) : الشَّاةُ الَّتِي تَصِلُ أُنْثَى بِأُنْثَى فِي النِّتَاجِ وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي وَصَلَتْ أَخَاهَا. قَالَ الرَّاغِبُ: وَهُوَ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا وَلَدَتْ لَهُ شَاتُهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى قَالُوا: وَصَلَتْ أَخَاهَا فَلَا يَذْبَحُونَ أَخَاهَا مِنْ أَجْلِهَا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الشَّاةُ إِذَا نُتِجَتْ سَبْعَةَ أَبْطُنٍ فَإِنْ كَانَ السَّابِعُ أُنْثَى اسْتَحْيَوْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ اسْتَحْيَوْهُمَا، وَقَالُوا: وَصَلَتْهُ أُخْتُهُ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنَا.
(وَالْحَامِي) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْحِمَايَةِ، وَهُوَ فَحْلُ الضِّرَابِ أَيِ التَّلْقِيحِ، قِيلَ: إِذَا أَتَمَّ ضِرَابَ عَشَرَةِ أَبْطُنٍ قَالُوا: حَمَى ظَهْرَهُ، وَتَرَكُوهُ لَا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ رِيشَ الطَّوَاوِيسِ تَمْيِيزًا. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كَمَا تَرَى، وَأَقْوَاهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاةِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ:
الْبَحِيرَةُ: الَّتِي يُمْنَحُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلَا يَحْلِبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَالسَّائِبَةُ: كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ " قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: وَالْوَصِيلَةُ: النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ، وَالْحَامِي: فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ، فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَّعُوهُ (أَيْ تَرَكُوهُ) لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنَ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِي.
وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَحْثِ وَمَنِ ابْتَدَعَهُ لِلْعَرَبِ وَغَيَّرَ شَرِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، وَمَا ابْتَدَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِمَّا يُضَاهِي ذَلِكَ.
أَمَّا مَعْنَى الْجُمْلَةِ: فَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُشَرِّعْ لَهُمْ تَحْرِيمَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَأَخَوَاتِهِمَا أَيْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) بِزَعْمِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُحَرَّمَةٌ سَوَاءٌ أَسْنَدُوا تَحْرِيمَهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً أَوِ ادِّعَاءً عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ كَمَا حَكَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ)(6: 148) أَيْ وَلَكِنَّهُ شَاءَ ذَلِكَ مِنَّا فَفَعَلْنَاهُ فَهُوَ رَاضٍ بِهِ أَمْ لَمْ يُسْنِدُوهُ إِلَيْهِ. أَمَّا كَوْنُ إِسْنَادِ تَحْرِيمِهِ إِلَيْهِ بِالتَّصْرِيحِ
افْتِرَاءً عَلَيْهِ فَظَاهَرٌ بَيِّنٌ، وَأَمَّا إِسْنَادُهُ إِلَيْهِ ادِّعَاءً وَاسْتِدْلَالًا بِالْمَشِيئَةِ فَهُوَ افْتِرَاءٌ أَيْضًا لِأَنَّ دَلِيلَهُ بَاطِلٌ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعِ الْكُفَّارَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسَّاقَ مِنَ الْفِسْقِ وَلَا أَكْرَهَهُمْ عَلَيْهَا بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ، بَلْ جَعَلَ لَهُمُ اخْتِيَارَ التَّرْجِيحِ فِي أَعْمَالِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ مَجْبُورِينَ عَلَيْهَا، فَعَدَمُ إِجْبَارِهِمْ عَلَى التَّرْكِ أَوِ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَائِهِ تَعَالَى بِمَا اخْتَارُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ كُفْرٍ وَفِسْقٍ، وَأَمَّا كَوْنُهُ افْتِرَاءً عَلَيْهِ فِي حَالِ السُّكُوتِ عَنْ إِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، فَوَجْهُهُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ مِنْ شَأْنِ رَبِّ النَّاسِ وَإِلَهِهِمْ سُبْحَانَهُ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَالتَّبْلِيغِ عَنْهُ، فَمَنْ تَجَرَّأَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مُدَّعِيًا بِفِعْلِهِ هَذَا، إِمَّا الرُّبُوبِيَّةَ وَإِمَّا الْإِذْنَ مِنَ الرَّبِّ تَعَالَى، وَكِلَاهُمَا افْتِرَاءٌ، وَالْفِعْلُ فِيهِ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ (وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) أَنَّهُمْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْكُفْرِ بِهِ، بَلْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهِ وَلَوْ بِالْوَسَاطَةِ; لِأَنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي يُسَيِّبُونَ بِاسْمِهَا السَّوَائِبَ وَيَتْرُكُونَ لَهَا مَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لَيْسَتْ بِزَعْمِهِمْ إِلَّا وُسَطَاءَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى، تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَهُ، وَتُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى، وَهَكَذَا شَأْنُ كُلِّ مُبْتَدِعٍ فِي الدِّينِ بِتَحْرِيمِ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَسْيِيبِ عِجْلٍ لِلسَّيِّدِ الْبَدَوِيِّ أَوْ سِوَاهُ، وَسَنِّ وِرْدٍ أَوْ حِزْبٍ يُضَاهِي بِهِ الْمَشْرُوعَ مِنْ شَعَائِرِ دِينِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ تُؤْثَرْ عَنِ الشَّارِعِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ بِمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَنَالُ بِهِ رِضَاهُ عز وجل، وَالْحَقُّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُعْبَدُ إِلَّا بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا عِبَادَةَ وَلَا تَحْرِيمَ إِلَّا بِنَصٍّ عَامٍ أَوْ خَاصٍّ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عز وجل:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) أَيْ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُؤَيَّدَةِ بِالْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى قَوَاعِدِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَجَلْبِ الْمَصَالِحِ دُونَ الْعَبَثِ وَالْخُرَافَاتِ وَإِلَى الرَّسُولِ الْمُبَلِّغِ لَهَا وَالْمُبَيِّنِ لِمُجْمَلِهَا فَاتَّبِعُوهُ فِيهَا، قَالُوا: يَكْفِينَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا مِنْ عَقَائِدَ وَأَحْكَامٍ وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ. قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) أَيْ أَيَكْفِيهِمْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا إِلَى مَصَالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ؟ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ مَا يَكْفِي الْأَفْرَادَ وَالْأُمَمَ وَمَا لَا يَكْفِي بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالِاهْتِدَاءِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْفَضَائِلِ، وَأَيْنَ مِنْ هَذَا وَذَاكَ، أُولَئِكَ الْأُمِّيُّونَ الْجُهَلَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يَتَخَبَّطُونَ فِي وَثَنِيَّةٍ وَخُرَافَاتٍ، وَوَأْدِ بَنَاتٍ، وَعُدْوَانٍ مُسْتَمِرٍّ، وَقِتَالٍ مُسْتَمِرٍّ، وَعَدَاوَةٍ وَبَغْضَاءَ، وَظُلْمٍ لِلْيَتَامَى وَالنِّسَاءِ، عَلَى مَا أُوتُوا مِنْ فِطْنَةٍ وَذَكَاءٍ، وَعَزِيمَةٍ وَدَهَاءٍ، وَحَزْمٍ وَمُضَاءٍ، وَعِزَّةٍ وَإِبَاءٍ، وَاسْتِقْلَالِ أَفْكَارٍ وَآرَاءٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَزَايَا الَّتِي تُؤَهِّلُهُمْ لِأَنْ يَكُونُوا هُمُ الْأَئِمَّةَ الْوَارِثِينَ، وَالْخُلَفَاءَ
الْعَادِلِينَ، لَوْلَا تَقْلِيدُ الْآبَاءِ! وَكَذَلِكَ كَانَ بَعْدَ اتِّبَاعِهِمْ بِتَرْكِهِمْ مُقْتَضَى الْعِلْمِ وَهِدَايَةِ الْقُرْآنِ.
هَذِهِ الْآيَةُ وَالْآيَةُ الْمُشَابِهَةُ لَهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)(2: 170) هُمَا أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنَ الْآيَاتِ فِي بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ، فَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ التَّقْلِيدَ خِلَافُ مُقْتَضَى حُكْمِ الْعَقْلِ وَدَلَائِلِ الْعِلْمِ وَهِدَايَةِ الدِّينِ، وَلَكِنَّ خَلَفَنَا الطَّالِحَ رَجَعُوا إِلَيْهِ خِلَافًا لِسَلَفِهِمُ الصَّالِحِ، حَتَّى عَادُوا وَهُمْ فِي حِجْرِ الْإِسْلَامِ، شَرًّا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ فِي حِجْرِ الْأَصْنَامِ.
(فَصْلٌ فِي بَيَانِ بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ وَشُبُهَاتِ أَهْلِهِ) .
الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ فِي الدِّينِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ وَأَقْوَالُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، وَإِنَّمَا تَقَرَّرَتْ بِدْعَةُ التَّقْلِيدِ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعُ، أَيْ بَعْدِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي وَصَفَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهَا خَيْرُ الْقُرُونِ،
وَشَرُّ التَّقْلِيدِ مَا فَرَّقَ الْأُمَّةَ شِيَعًا وَجَعَلَ الِاخْتِلَافَ فِي الدِّينِ عِنْدَهَا دِينًا بِانْتِسَابِ كُلِّ شِيعَةٍ وَطَائِفَةٍ إِلَى رَجُلٍ يَلْتَزِمُونَ أَقْوَالَهُ أَوْ أَقْوَالَ مَنْ يَدَّعُونَ اتِّبَاعَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَإِنْ خَالَفَتْ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. هَذَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَمَّ الْمُتَفَرِّقِينَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الدِّينِ، وَبَرَّأَ رَسُولَهُ مِنْهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ الْعَظِيمِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَرُدَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لَا إِلَى أَقْوَالِ النَّاسِ غَيْرِ الْمَعْصُومِينَ، وَجَعَلَ وَظِيفَةَ الْكِتَابِ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهِ إِلَّا الْبَغْيَ وَالضَّلَالَ.
ثُمَّ إِنَّ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ الْعِلْمَ بِالدِّينِ وَطَالَبَ بِالدَّلِيلِ وَلَا سِيَّمَا فِي الْقَوْلِ عَلَى اللهِ عز وجل، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)(10: 68) السُّلْطَانُ: الْبُرْهَانُ. وَالتَّقْلِيدُ لَيْسَ بِعِلْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَ التَّقْلِيدِ وَتَنَاقُضَ أَهْلِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ التَّفْسِيرِ وَالْمَنَارِ، وَإِنَّنَا نَذْكُرُ هُنَا مَا حَرَّرَهُ الْإِمَامُ الشَّوْكَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ فِي مَبْحَثِ الْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابِهِ (إِرْشَادِ الْفُحُولِ إِلَى تَحْقِيقِ الْحَقِّ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ) قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) : اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ: هَلْ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ وَإِبْطَالُ التَّقْلِيدِ، وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ. قَالَ: وَنَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي، فَمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ فَاتْرُكُوهُ. وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: وَدِدْتُ أَنِّي ضُرِبْتُ بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ
تَكَلَّمْتُ فِيهَا بِرَأْيِي سَوْطًا عَلَى أَنَّهُ لَا صَبْرَ لِي عَلَى السِّيَاطِ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فَهُنَا مَالِكٌ يَنْهَى عَنِ التَّقْلِيدِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (وَأَحْمَدُ) وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ رَوَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَنْهَى عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُصَرِّحَةَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ فِي الرِّسَالَةِ الَّتِي سَمَّيْتُهَا (الْقُولَ الْمُفِيدَ فِي حُكْمِ التَّقْلِيدِ) فَلَا نُطَوِّلُ الْمَقَامَ بِذِكْرِ ذَلِكَ; وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّقْلِيدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا فَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ
الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ مِنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدِّ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْأَمْوَاتِ، وَكَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْمُجْتَهِدِ بِرَأْيِهِ إِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ. فَهَذَانِ الْإِجْمَاعَانِ يَجْتَثَّانِ التَّقْلِيدَ مِنْ أَصْلِهِ، فَالْعَجَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ حَيْثُ لَمْ يَحْكُوا هَذَا الْقَوْلَ إِلَا عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَابَلَ مَذْهَبَ الْقَائِلِينَ بَعْدَ الْجَوَازِ بَعْضُ الْحَشْوِيَّةِ، وَقَالَ: يَجِبُ مُطْلَقًا وَيَحْرُمُ النَّظَرُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَقْنَعُوا بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ حَتَّى أَوْجَبُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ فَإِنَّ التَّقْلِيدَ جَهْلٌ وَلَيْسَ بِعِلْمٍ.
(وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ) : التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ; وَبِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْخِلَافِ أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ وَهَؤُلَاءِ هُمْ مُقَلِّدُونَ، فَلَيْسُوا مِمَّنْ يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ، وَلَا سِيَّمَا وَأَئِمَّتُهُمُ الْأَرْبَعَةُ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ تَقْلِيدِهِمْ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ تَعَسَّفُوا فَحَمَلُوا كَلَامَ أَئِمَّتِهِمْ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ النَّاسِ لَا الْمُقَلِّدِينَ! فَيَاللهِ الْعَجَبُ.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْأُصُولِ نَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى الْأَكْثَرِ، وَجَعَلَ الْحُجَّةَ لَهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ! فَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ خَيْرِ الْقُرُونِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فَتِلْكَ دَعْوَى بَاطِلَةٌ، فَإِنَّهُ لَا تَقْلِيدَ فِيهِمُ أَلْبَتَّةَ وَلَا عَرَفُوا التَّقْلِيدَ وَلَا سَمِعُوا بِهِ، بَلْ كَانَ الْمُقَصِّرُ مِنْهُمْ يَسْأَلُ الْعَالِمَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ فَيُفْتِيهِ بِالنُّصُوصِ الَّتِي يَعْرِفُهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنَ التَّقْلِيدِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ طَلَبِ حُكْمِ اللهِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالسُّؤَالِ عَنِ الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ عَرَفْتَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ التَّقْلِيدَ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ بِالرَّأْيِ لَا بِالرِّوَايَةِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُوجِبُونَ لِلتَّقْلِيدِ وَالْمُجَوِّزُونَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) إِلَّا السُّؤَالَ عَنْ حُكْمِ اللهِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا عَنْ آرَاءِ الرِّجَالِ، هَذَا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي عُمُومِ السُّؤَالِ كَمَا زَعَمُوا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ وَارِدَةٌ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ.
وَهُوَ السُّؤَالُ عَنْ كَوْنِ أَنْبِيَاءِ اللهِ رِجَالًا، كَمَا يُفِيدُهُ أَوَّلُ الْآيَةِ وَآخِرُهَا حَيْثُ قَالَ:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ)(16: 43، 44) وَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمْ قَالُوا بِالْمَنْعِ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ مَنْ بَعْدَهُمْ
فَوُجُودُ الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ مُنْذُ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ مَعْلُومٌ لِكُلِّ مَنْ يَعْرِفُ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا نَقَلْنَاهُ سَابِقًا أَنَّ الْمَنْعَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِذَا لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا. وَإِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ الْمُقَلِّدِينَ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ خَاصَّةً فَقَدْ عَرَفْتَ مِمَّا قَدَّمْنَا فِي مَقْصِدِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِأَقْوَالِ الْمُقَلِّدِينَ فِي شَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِمْ إِجْمَاعٌ.
" وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مَنْ جَوَّزَ التَّقْلِيدَ فَضْلًا عَمَّنْ أَوْجَبَهُ بِحُجَّةٍ يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ بِجَوَابِهَا قَطُّ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِرَدِّ شَرَائِعِ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَى آرَاءِ الرِّجَالِ، بَلْ أُمِرْنَا بِمَا قَالَهُ سُبْحَانَهُ:(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)(4: 59) أَيْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. وَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ مَنْ يُرْسِلُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْحُكْمِ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ.
" وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ اسْتِبْعَادِ أَنْ يَفْهَمَ الْمُقَصِّرُونَ نُصُوصَ الشَّرْعِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِلتَّقْلِيدِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوهُ، فَهَهُنَا وَاسِطَةٌ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ، وَهِيَ سُؤَالُ الْجَاهِلِ لِلْعَالَمِ عَنِ الشَّرْعِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ، لَا عَنْ رَأْيِهِ الْبَحْتِ، وَاجْتِهَادِهِ الْمَحْضِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ عَمَلُ الْمُقَصِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ. وَمَنْ لَمْ يَسَعْهُ مَا وَسِعَ أَهْلَ هَذِهِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ ذَمَّ اللهُ تَعَالَى الْمُقَلِّدِينَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ)(43: 22، 23)، (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) (9: 31) ، (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ) (33: 67) وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَمَنْ أَرَادَ اسْتِيفَاءَ الْبَحْثِ عَلَى التَّمَامِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى الرِّسَالَةِ الَّتِي قَدَّمْتُ الْإِشَارَةَ إِلَيْهَا وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ " أَدَبَ الطَّلَبِ وَمُنْتَهَى الْأَرَبِ ".
" وَمَا أَحْسَنَ مَا حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ: هَلْ
لَكَ مِنْ حُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. أُبْطِلَ التَّقْلِيدُ; لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ
ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا التَّقْلِيدُ. وَإِنْ قَالَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْتَ الدِّمَاءَ وَأَبَحْتَ الْفُرُوجَ وَالْأَمْوَالَ وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي أَصَبْتُ وَإِنْ لَمْ أَعْرِفِ الْحُجَّةَ; لِأَنَّ مُعَلِّمِي مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ. قِيلَ لَهُ: تَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِكَ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِكَ; لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْ مُعَلِّمِكَ، كَمَا لَمْ يَقُلْ مُعَلِّمُكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْكَ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إِلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَالِمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ نُقِضَ قَوْلُهُ وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَغْزَرُ عِلْمًا؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ حَذَّرَ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ:" لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا إِنْ آمَنْ مَنَّ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشَّرِّ " انْتَهَى.
(قُلْتُ) : تَتْمِيمًا لِهَذَا الْكَلَامِ، وَعِنْدَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْعَالِمِ مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ: هَذَا الصَّحَابِيُّ أَخَذَ عِلْمَهُ مَنْ أَعْلَمِ الْبَشَرِ الْمُرْسَلِ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَى عِبَادِهِ الْمَعْصُومِ مِنَ الْخَطَأِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَتَقْلِيدُهُ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلَّا شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ عُلُومِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْعِصْمَةِ شَيْءٌ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ وَلَا فِعْلَهُ وَلَا اجْتِهَادَهُ حُجَّةً عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
(وَاعْلَمْ) : أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنْ رَأْيَ الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ إِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لَهُ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا عِنْدَ فَقْدِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ بِهَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ; وَلِهَذَا نَهَى كِبَارُ الْأَئِمَّةِ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ عَرَفْتَ حَالَ الْمُقَلِّدِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ بالرَّأْيِ لَا بِالرِّوَايَةِ، وَيَتَمَسَّكُ بِمَحْضِ الِاجْتِهَادِ عَنْ مُطَالِبٍ بِحُجَّةٍ فَمَنْ قَالَ: إِنَّ رَأْيَ الْمُجْتَهِدِ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ التَّمَسُّكُ بِهِ وَيَسُوغُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ فِيمَا كَلَّفَهُ اللهُ، فَقَدْ جَعَلَ هَذَا الْمُجْتَهِدَ صَاحِبَ شَرْعٍ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم. وَلَا يَتَمَكَّنُ كَامِلٌ وَلَا مُقَصِّرٌ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى هَذَا بِحُجَّةٍ قَطُّ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ الدَّعَاوَى وَالْمُجَازَفَاتِ فِي شَرْعِ اللهِ تَعَالَى فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَلَوْ جَازَتِ الْأُمُورُ الشَّرْعِيَّةُ بِمُجَرَّدِ الدَّعَاوَى لَادَّعَى مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، وَقَالَ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ اهـ.
هَذَا مَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَإِنَّنَا سَنَعُودُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى إِلَى هَذَا الْبَحْثِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى فَنَزِيدُهُ بَيَانًا وَتَفْصِيلًا.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى بُطْلَانَ التَّقْلِيدِ وَهُوَ أَنْ يَتْبَعَ الْمَرْءُ غَيْرَهُ مِنَ النَّاسِ فِي فَهْمِهِ لِلدِّينِ وَرَأْيِهِ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا حُجَّةٍ، أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِصِيغَةِ الْإِغْرَاءِ بِأَنْ يَهْتَمُّوا بِإِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُعَدُّ رُشْدًا وَهُدًى، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا أَصْلَحُوا أَنْفُسَهُمْ وَقَامُوا بِمَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمٍ وَتَعْلِيمٍ وَعَمَلٍ وَإِرْشَادٍ، فَلَا يَضُرُّهُمْ مَنْ ضَلَّ مِنَ النَّاسِ عَنْ مَحَجَّةِ الْعِلْمِ بِالْجَهْلِ وَالتَّقْلِيدِ، وَعَنْ صِرَاطِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِالْفِسْقِ وَالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) أَيِ الْزَمُوا إِصْلَاحَ أَنْفُسِكُمْ، وَتَزْكِيَتَهَا بِمَا شَرَّعَ اللهُ لَكُمْ، لَا يَضُرُّكُمْ ضَلَالُ غَيْرِكُمْ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، إِذْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. وَمِنْ أُصُولِ الْهِدَايَةِ: الدَّعْوَةُ إِلَى الْخَيْرِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذَنْ لَا تَكُونُونَ مُهْتَدِينَ إِلَّا إِذَا بَلَغْتُمْ دَعْوَةَ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ، وَعَلِمْتُمِ الْجَاهِلِينَ مَا أَعْطَاكُمُ اللهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَأَمَرْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَالْعِلْمَ كَمَا كَتَمَهُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَعَنَهُمُ اللهُ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِمْ وَلِسَانِ نَبِيِّكُمْ (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أَيْ إِلَيْهِ وَحْدَهُ رُجُوعُكُمْ وَرُجُوعُ مَنْ ضَلَّ عَمَّا اهْتَدَيْتُمْ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُكُمْ عِنْدَ الْحِسَابِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَجْزِيكُمْ بِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ يَعْنِي ابْنَ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ حَدَّثَنَا قَيْسٌ
قَالَ: " قَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ اللهُ عز وجل أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ قَالَ:
وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ " وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهِ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الصِّدِّيقِ. وَقَدْ رَجَّحَ رَفْعَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرْنَا طُرُقَهُ وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ مُطَوَّلًا فِي مُسْنَدِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه.
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَارِثَةَ اللَّخْمِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: " مَا تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) قَالَ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكِ وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّابِرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ كَعَمَلِكُمْ " قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَ غَيْرُ عُتْبَةَ قِيلَ: " يَا رَسُولَ اللهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ " ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْحَسَنِ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِزَمَانِهَا إِنَّهَا الْيَوْمَ مَقْبُولَةٌ وَلَكِنَّهُ قَدْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانُهَا تَأْمُرُونَ فَيَصْنَعُ بِكُمْ كَذَا وَكَذَا أَوْ قَالَ فَلَا يَقْبَلُ مِنْكُمْ، فَحِينَئِذٍ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ.
وَرَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) الْآيَةَ قَالَ: " كَانُوا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَكَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عَبْدِ اللهِ: أَلَا أَقُومُ فَآمُرُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمَا عَنِ الْمُنْكَرِ فَقَالَ آخَرُ إِلَى جَنْبِهِ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الْآيَةَ. قَالَ: فَسَمِعَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: مَهْ لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ بَعْدُ، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ حَيْثُ أُنْزِلَ وَمِنْهُ آيٌ قَدْ مَضَى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلْنَ وَمِنْهُ آيٌ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَمِنْهُ آيٌ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ
بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِيَسِيرٍ، وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ يَوْمَ الْحِسَابِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَمَا دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَاحِدَةً وَأَهْوَاؤُكُمْ وَاحِدَةً وَلَمْ تَلْبَسُوا شِيَعًا وَلَمْ يَذُقْ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَائْمُرُوا وَانْهَوْا، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَالْأَهْوَاءُ وَأَلْبَسْتُمْ شِيَعًا وَذَاقَ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَائْمُرْ نَفْسَكَ وَعِنْدَ ذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ " رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عِقَالٍ، قَالَ:" قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: لَوْ جَلَسْتَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَلَمْ تَأْمُرْ وَلَمْ تَنْهَ; فَإِنَّ اللهَ قَالَ: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي وَلَا لِأَصْحَابِي لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَكُنَّا نَحْنُ الشُّهُودَ وَأَنْتُمُ الْغُيَّبَ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لِأَقْوَامٍ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِنَا إِنْ قَالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ ".
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَبُو عَاصِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ سَوَّارِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ جَلِيدٌ فِي الْعَيْنِ شَدِيدُ اللِّسَانِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفَرٌ سِتَّةٌ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَسْرَعَ فِيهِ،
وَكُلُّهُمْ مُجْتَهِدٌ لَا يَأْلُو، وَكُلُّهُمْ بَغِيضٌ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ دَنَاءَةً إِلَّا الْخَيْرَ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَأَيُّ دَنَاءَةٍ تُرِيدُ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَسْتُ إِيَّاكَ أَسْأَلُ إِنَّمَا أَسْأَلُ الشَّيْخَ، فَأَعَادَ عَلَى عَبْدِ اللهِ الْحَدِيثَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَعَلَّكَ تَرَى لَا أَبَا لَكَ أَنِّي سَآمُرُكَ أَنْ تَذْهَبَ فَتَقْتُلَهُمْ! عِظْهُمْ وَانْهَهُمْ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ فَإِنَّ اللهَ عز وجل يَقُولُ:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الْآيَةَ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي مَازِنٍ قَالَ:" انْطَلَقْتُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِذَا قَوْمٌ جُلُوسٌ فَقَرَأَ أَحَدُهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْيَوْمَ ".
وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا ابْنُ فَضَالَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: " كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنِّي لَأَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَتَذَكَّرُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقُلْتُ أَنَا: أَلَيْسَ اللهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ؟ فَأَقْبَلُوا عَلَيَّ بِلِسَانٍ وَاحِدٍ، وَقَالُوا: تَنْزِعُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَا تَعْرِفُهَا وَلَا تَدْرِي مَا تَأْوِيلُهَا فَتَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَكَلَّمْتُ. وَأَقْبَلُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَلَمَّا حَضَرَ قِيَامُهُمْ قَالُوا: إِنَّكَ غُلَامٌ حَدِيثُ السِّنِّ، وَإِنَّكَ
نَزَعْتَ آيَةً وَلَا تَدْرِي مَا هِيَ، وَعَسَى أَنْ تُدْرِكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ: إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا. وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، لَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ ".
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: تَلَا الْحَسَنُ هَذِهِ الْآيَةَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) فَقَالَ الْحَسَنُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بِهَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَيْهَا، مَا كَانَ مُؤْمِنٌ فِيمَا مَضَى وَلَا مُؤْمِنٌ فِيمَا بَقِيَ إِلَّا وَإِلَى جَنْبِهِ مُنَافِقٌ يَكْرَهُ عَمَلَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا أَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ:(عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) قَالَ: إِذَا هُدِمَتْ كَنِيسَةُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجُعِلَتْ مَسْجِدًا وَظَهَرَ لُبْسُ الْعَصَبِ فَحِينَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ اهـ.
أَقُولُ: عُلِمَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ السَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ مُهْتَدِيًا بِمُجَرَّدِ إِصْلَاحِهِ لِنَفْسِهِ إِذَا لَمْ يَهْتَمَّ بِإِصْلَاحِ غَيْرِهِ وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا فَرْضٌ لَازِمٌ دَائِمٌ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ فَرِيضَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ تَسْقُطُ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ فَسَادًا لَا يُرْجَى مَعَهُ تَأْثِيرُ الْوَعْظِ وَالْإِرْشَادِ، أَوْ فَمَاذَا يَخْشَى أَنْ يُفْضِيَ إِلَى إِيذَاءِ الْوَاعِظِ الْمُرْشِدِ، وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِقُوَّةِ رِوَايَتِهِ، وَسَائِرِ أَدِلَّتِهِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا قَوِيًّا أَنَّهُ يَنَالُ أَذًى إِذَا أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ
حِينَئِذٍ فَضِيلَةً لَا فَرِيضَةً، وَهَذَا إِذَا رُجِّحَ أَنَّ
الْمُنْكَرَ يَزُولُ بِإِنْكَارِهِ، فَإِذَا رُجِّحَ أَنَّهُ يُؤْذَى وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى نُصْحِهِ فَائِدَةٌ، فَحِينَئِذٍ يُكْرَهُ لَهُ أَوْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنَ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَقَدْ فَصَّلَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ (الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) مِنَ الْإِحْيَاءِ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ شَاءَ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ تَصْرِيحُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم بِأَنَّ فِي الْقُرْآنِ أَحْكَامًا لَا يَظْهَرُ تَأْوِيلُهَا إِلَّا بَعْدَ عَصْرِ التَّنْزِيلِ، أَيْ أَنَّ آيَاتِ الْأَحْكَامِ فِي ذَلِكَ كَآيَاتِ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ، وَكَثِيرًا مَا نُبَيِّنُ فِي تَفْسِيرِنَا مَا يَظْهَرُ تَأْوِيلُهُ فِي عَصْرِنَا، كَمَا بَيَّنَ مَنْ قَبْلَنَا مَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِعُصُورِهِمْ، وَلَا غَرْوَ فَقَدْ وُصِفَ الْقُرْآنُ فِي الْآثَارِ بِأَنَّهُ لَا تَنْتَهِي عَجَائِبُهُ.
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.
جَاءَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَعْنَاهَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ مَا نَصُّهُ:
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ وَأَبُو الشَّيْخِ
وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ وَهُوَ الْكَلْبِيُّ عَنْ بَاذَانَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) قَالَ: " بَرِئَ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي وَغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ بِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ وَهُوَ أَعْظَمُ تِجَارَتِهِ، فَمَرِضَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ، قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ فَبِعْنَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا وَفَقَدُوا الْجَامَ فَسَأَلُونَا عَنْهُ فَقُلْنَا: مَا تَرَكَ غَيْرَ هَذَا وَمَا دَفَعَ إِلَيْنَا غَيْرَهُ. قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ وَأَدَّيْتُ إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يَعِظُمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ فَحَلَفَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) إِلَى قَوْلِهِ: (أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفَا فَنَزَعْتُ الْخَمْسَمِائَةٍ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ ".
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالنَّحَّاسُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدَ جَامًا مِنْ فِضَّةٍ بِالذَّهَبِ فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِاللهِ مَا كَتَمْتُمَاهَا وَلَا اطَّلَعْتُمَا، ثُمَّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ فَقِيلَ: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا بِاللهِ: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، وَأَخَذَ الْجَامَ، وَفِيهِ نَزَلَتْ:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) .
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: " كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ رَجُلَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ يَتَّجِرَانِ إِلَى مَكَّةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُطِيلَانِ الْإِقَامَةَ بِهَا، فَلَمَّا هَاجَرَ
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَوَّلَا مَتْجَرَهُمَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَارِيَةَ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ تَاجِرًا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَخَرَجُوا جَمِيعًا تُجَّارًا إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ اشْتَكَى بُدَيْلٌ فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ وَأَوْصَى إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا مَاتَ فَتَحَا مَتَاعَهُ فَأَخَذَا مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ حَجَرَاهُ كَمَا كَانَ وَقَدِمَا الْمَدِينَةَ عَلَى أَهْلِهِ فَدَفَعَا مَتَاعَهُ، فَفَتَحَ أَهْلُهُ مَتَاعَهُ فَوَجَدُوا كِتَابَهُ وَعَهْدَهُ وَمَا خَرَجَ بِهِ وَفَقَدُوا شَيْئًا فَسَأَلُوهُمَا عَنْهُ، فَقَالُوا: هَذَا الَّذِي قَبَضْنَا لَهُ وَدَفَعَ إِلَيْنَا. فَقَالُوا لَهُمَا: هَذَا كِتَابُهُ بِيَدِهِ. قَالُوا: مَا كَتَمْنَا لَهُ شَيْئًا فَتَرَافَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)
إِلَى قَوْلِهِ: (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُمَا فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا قَبَضْنَا لَهُ غَيْرَ هَذَا وَلَا كَتَمْنَا. فَمَكَثَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَا، ثُمَّ ظَهَرَ مَعَهُمَا عَلَى إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشٍ مُمَوَّهٍ بِذَهَبٍ. فَقَالَ أَهْلُهُ: هَذَا مِنْ مَتَاعِهِ. قَالَا: نَعَمْ وَلَكِنَّا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ وَنَسِينَا أَنْ نَذْكُرَهُ حِينَ حَلَفْنَا فَكَرِهْنَا أَنْ نُكَذِّبَ نُفُوسَنَا فَتَرَافَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُخْرَى: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَنْ يَحْلِفَا عَلَى مَا كَتَمَا وَغَيَّبَا وَيَسْتَحِقَّانِهِ، ثُمَّ إِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ أَسْلَمَ وَبَايَعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ يَقُولُ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَنَا أَخَذْتُ الْإِنَاءَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يُظْهِرُكَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهَا فَهَبْ لِي قَرْيَتَيْنِ مِنْ بَيْتِ لَحْمٍ وَهِيَ الْقَرْيَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا عِيسَى. فَكَتَبَ لَهُ بِهَا كِتَابًا، فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ أَتَاهُ تَمِيمٌ بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عُمَرُ:" أَنَا حَاضِرٌ ذَلِكَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ " وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ قَرَأَ (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) مُضَافًا بِرَفْعِ " شَهَادَةُ " بِغَيْرِ نُونٍ وَبِخَفْضِ " بَيْنِكُمْ " وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالنَّحَّاسُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) هَذَا لِمَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ الْمُسْلِمُونَ أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) فَهَذَا لِمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَمَرَهُ اللهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمَيْنِ، فَإِنِ ارْتِيبَ بِشَهَادَتِهِمَا اسْتَحْلَفَا بِاللهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَا اشْتَرَيْنَا بِشَهَادَتِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا، فَإِنِ اطَّلَعَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا فِي شَهَادَتِهِمَا قَامَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَحَلَفَا بِاللهِ أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرَيْنِ بَاطِلَةٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) يَقُولُ: إِنِ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا قَامَ الْأَوْلِيَاءُ فَحَلَفَا أَنَّهُمَا كَذَبَا (ذَلِكَ أَدْنَى) أَنْ يَأْتِيَ الْكَافِرَانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) فَتُتْرَكَ شَهَادَةُ الْكَافِرَيْنِ وَيُحْكَمَ بِشَهَادَةِ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَيْسَ عَلَى شُهُودِ الْمُسْلِمِينَ إِقْسَامٌ، إِنَّمَا الْإِقْسَامُ إِذَا كَانَا كَافِرَيْنِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) قَالَ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَفِي قَوْلِهِ: (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ) يَقُولُ: يَحْلِفَانِ بِاللهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَفِي قَوْلِهِ: (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا)
قَالَ: مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) يَقُولُ: فَيَحْلِفَانِ بِاللهِ مَا كَانَ صَاحِبُنَا لَيُوصِي بِهَذَا إِنَّهُمَا لَكَاذِبَانِ، وَفِي قَوْلِهِ:(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) يَعْنِي أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ، فَيَسْتَحِقُّونَ مَالَهُ بِأَيْمَانِهِمْ، ثُمَّ يُوضَعُ مِيرَاثُهُ كَمَا أَمَرَ اللهُ وَتَبْطُلُ شَهَادَةُ الْكَافِرِينَ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) : قَالَ: " مَا مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا قَدْ جَاءَ عَلَى شَيْءٍ جَاءَ عَلَى إِدْلَالِهِ غَيْرُ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَئِنْ أَنَا لَمْ أُخْبِرْكُمْ بِهَا لَأَنَا أَجْهَلُ مِنَ الَّذِي يَتْرُكُ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، هَذَا رَجُلٌ خَرَجَ مُسَافِرًا وَمَعَهُ مَالٌ فَأَدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإِنْ وَجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دَفَعَ إِلَيْهِمَا تَرِكَتَهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمَا عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ أَدَّى فَسَبِيلُ مَا أَدَّى، وَإِنْ هُوَ جَحَدَ اسْتُحْلِفَ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ دُبُرَ صَلَاةٍ: إِنَّ هَذَا الَّذِي وَقَعَ إِلَيَّ وَمَا غَيَّبْتُ شَيْئًا، فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ فَإِذَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبَا الْكِتَابِ فَشَهِدَا عَلَيْهِ ثُمَّ ادَّعَى الْقَوْمُ عَلَيْهِ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ
مَا لَهُمْ جُعِلَتْ أَيْمَانُ الْوَرَثَةِ مَعَ شَهَادَتِهِمْ ثُمَّ اقْتَطَعُوا حَقَّهُ فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ اللهُ: (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) انْتَهَى مِنَ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ وَفِيهِ غَلَطٌ وَتَحْرِيفٌ مِنَ الطَّبْعِ لَا سِيَّمَا أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
هَذَا مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَتَفْسِيرِ بَعْضِهَا مِنْ قَوِيٍّ وَضَعِيفٍ.
وَأَمَّا وَجْهُ اتِّصَالِهَا بِمَا قَبْلَهَا مُبَاشَرَةً فَقَدْ قَالَ الرَّازِيُّ فِيهِ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِحِفْظِ النَّفْسِ فِي قَوْلِهِ: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أَمَرَ بِحِفْظِ الْمَالِ فِي قَوْلِهِ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) انْتَهَى وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ لَا يَصِحُّ عَلَى الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِحِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَالِ إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ الْكَلَامَ عَلَى لَازِمِ مَعْنَاهُ. وَأَظْهَرُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَّرَنَا فِي آخِرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِأَنَّ مَرْجِعَنَا إِلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَنَّهُ يُحَاسِبُنَا وَيُجَازِينَا نَاسَبَ أَنْ يُرْشِدَنَا فِي أَثَرِ ذَلِكَ إِلَى الْوَصِيَّةِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَإِلَى الْعِنَايَةِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَضِيعَ.
وَأَمَّا مُفْرَدَاتُهَا الَّتِي يَحْسُنُ التَّذْكِيرَ بِمَعْنَاهُ قَبْلَ تَفْسِيرِ النَّظْمِ الْكَرِيمِ. فَمِنْهَا (الشَّهَادَةُ) وَهِيَ كَالشُّهُودِ: حُضُورُ الشَّيْءِ مَعَ مُشَاهَدَتِهِ بِالْبَصَرِ أَوِ الْبَصِيرَةِ أَوْ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ قَالَ: لَكِنَّ الشُّهُودَ بِالْحُضُورِ الْمُجَرَّدِ أَوْلَى، وَالشَّهَادَةَ مَعَ الشَّهَادَةِ أَوْلَى. . . وَالشَّهَادَةُ قَوْلٌ صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ حَصَلَ بِمُشَاهِدَةِ بَصِيرَةٍ أَوْ بَصَرٍ. وَ " شَهِدْتُ " يُقَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: جَارٍ مَجْرَى الْعِلْمِ وَبِلَفْظِهِ تُقَامُ الشَّهَادَةُ، وَيُقَالُ " أَشْهَدُ بِكَذَا " وَلَا يَرْضَى مِنَ الشَّاهِدِ أَنْ يَقُولَ " أَعْلَمُ " بَلْ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ " أَشْهَدُ "، وَالثَّانِي: يَجْرِي مَجْرَى الْقَسَمِ فَيَقُولُ " أَشْهَدُ بِاللهِ
أَنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ " فَيَكُونُ قَسَمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنْ قَالَ " أَشْهَدُ " وَلَمْ يَقُلْ " بِاللهِ " يَكُونُ قَسَمًا وَيُجْرَى " عَلِمْتُ " مَجْرَاهُ فِي الْقَسَمِ، فَيُجَابُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ؛ نَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَلِقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي.
انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى الْإِقْرَارِ بِالشَّيْءِ.
(وَالْبَيِّنُ) أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يُفِيدُ صِلَةَ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالْآخَرِ أَوِ الْأَشْيَاءِ مِنْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ حَالٍ أَوْ عَمَلٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَصْلِ وَالْفُرْقَةِ، وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُهُمْ:" ذَاتُ الْبَيْنِ " لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، قَالَ تَعَالَى:(وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)(8: 1) أَيْ مَا بَيْنَكُمْ مِنْ عَدَاوَةٍ أَوْ فَسَادٍ، وَهُوَ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ مُتَّصِلٌ بَيْنَ الْأَفْرَادِ.
وَمِنْهَا (ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أَيْ سَافَرْتُمْ وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَمِنْهَا (تَحْبِسُونَهُمَا)
وَهُوَ مِنَ الْحَبْسِ بِمَعْنَى إِمْسَاكِ الشَّيْءِ وَمَنْعِهِ مِنَ الِانْبِعَاثِ، وَالْحَبْسُ مَصْنَعُ الْمَاءِ الَّذِي يُمْنَعُ فِيهِ مِنَ الْجَرَيَانِ. وَمِنْهَا (عُثِرَ) وَهُوَ مِنَ الْعُثُورِ عَلَى الشَّيْءِ بِمَعْنَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ طَلَبٍ لَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ حُسْبَانٍ، وَأَعْثَرَهُ عَلَيْهِ أَوْقَفَهُ عَلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ ذَلِكَ، وَأَصْلُهُ مِنْ عَثَرَ (كَقَعَدَ) عِثَارًا وَعُثُورًا إِذَا سَقَطَ.
وَأَمَّا مَعْنَى الْآيَاتِ وَتَفْسِيرُ نَظْمِهَا فَنُبَيِّنُهُ بِمَا يَلِي:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) أَيْ حُكْمُ مَا يَقَعُ بَيْنَكُمْ مِنَ الشَّهَادَةِ أَوْ كَيْفِيَّتُهُ إِذَا نَزَلَتْ بِأَحَدِكُمْ أَسْبَابُ الْمَوَتِ وَمُقَدِّمَاتُهُ وَأَرَادَ حِينَئِذٍ أَنْ يُوصِيَ هُوَ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ. . . إِلَخْ. أَوِ الشَّهَادَةُ الْمَشْرُوعَةُ بَيْنَكُمْ فِي ذَلِكَ هِيَ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ذَوِي الْعَدْلِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُشْهِدَهُمَا الْمُوصِي عَلَى وَصِيَّتِهِ سَوَاءٌ ائْتَمَنَهُمَا عَلَى مَا يُوصِي بِهِ، كَمَا فِي وَاقِعَةِ سَبَبِ النُّزُولِ أَمْ لَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى إِشْهَادِهِ إِيَّاهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ، وَمِنْ إِيجَازِ الْآيَةِ أَنَّ عِبَارَتَهَا تَدُلُّ عَلَى الْإِشْهَادِ وَالشَّهَادَةِ جَمِيعًا. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ:(مِنْكُمْ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: مَنْ أَقَارِبِكُمْ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَأَخَذَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) أَيْ أَوْ شَهَادَةُ شَهِيدَيْنِ آخَرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنَ الْأَجَانِبِ إِنْ كُنْتُمْ مُسَافِرِينَ وَنَزَلَتْ بِكُمْ مُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ وَأَرَدْتُمُ الْإِيصَاءَ. وَفِي الْكَلَامِ تَأْكِيدٌ شَدِيدٌ لِلْوَصِيَّةِ وَلِلْإِشْهَادِ عَلَيْهَا (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ كَأَنَّ السَّامِعَ لِمَا تَقَدَّمَ يَقُولُ: وَكَيْفَ يَشْهَدَانِ؟ فَأُجِيبَ بِهَذَا الْجَوَابِ، أَيْ تُمْسِكُونَ الشَّهِيدَيْنِ اللَّذَيْنِ أُشْهِدَا عَلَى الْوَصِيَّةِ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ. قَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْمُرَادُ صَلَاةُ الْعَصْرِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَلَّفَ عَدِيًّا وَتَمِيمًا فِيهِ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ جَرَى عَلَيْهِ، فَكَانَ التَّحْلِيفُ فِيهِ هُوَ الْمُعْتَادَ الْمَعْرُوفَ وَلِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَقْعُدُ فِيهِ الْحُكَّامُ لِلْقَضَاءِ وَالْفَصْلِ فِي الْمَظَالِمِ، وَالدَّعَاوَى لِاعْتِدَالِهِ وَاجْتِمَاعِ
النَّاسِ فِيهِ، إِذْ يَكُونُونَ قَدْ فَرَغُوا مِنْ مُعْظَمِ أَعْمَالِ النَّهَارِ، أَوْ لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ وَقْتُ صَلَاةٍ عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، فَهُوَ وَقْتُ ذِكْرِ اللهِ الَّذِي يُرْجَى فِيهِ اتِّقَاءُ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ مِنْهُمْ أَيْضًا، أَوْ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ هِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى،
أَوْ لِأَنَّهَا تَحْضُرُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَيَتَحَرَّى الْمُؤْمِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا مُتَّصِفًا بِالْكَمَالِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ؛ لِأَنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِرِ فَيَكُونُ جَدِيرًا بِالصِّدْقِ مَنْ يَكُونُ قَرِيبَ عَهْدٍ بِهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْمُرَادُ الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ; لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُمَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الشَّهِيدَيْنِ إِذَا كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ فَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ صَلَاةُ أَهْلِ دِينِهِمَا أَيْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عِلَّةِ ذَلِكَ آنِفًا (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ) أَيْ فَيُقْسِمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْوَصِيَّةِ إِنْ شَكَكْتُمْ فِي صِدْقِهِمَا فِيمَا يُقِرَّانِ بِهِ، أَيْ وَتَسْتَقْسِمُونَهُمَا فَيُقْسِمَانِ، وَالْأَمِينُ يُصَدَّقُ بِالْيَمِينِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَاءُ لِلْجَزَاءِ أَيْ تَحْبِسُونَهُمَا فَيُقْدِمَانِ لِأَجْلِ ذَلِكَ عَلَى الْقَسَمِ. قِيلَ: هَذَا خَاصٌّ بِالشُّهُودِ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا اتُّهِمُوا، أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا. وَقِيلَ: عَامٌّ وَقَدْ نُسِخَ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا نَسْخَ فِي الْآيَاتِ: قَالَ الرَّازِيُّ: وَعَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّفُ الشَّاهِدَ وَالرَّاوِيَ عِنْدَ التُّهْمَةِ، وَيَجِبُ أَنْ يُصَرِّحَا فِي قَسَمِهِمَا بِقَوْلِهِمَا:(لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) أَيْ: لَا نَشْتَرِي بِيَمِينِ اللهِ ثَمَنًا، أَيْ لَا نَجْعَلُ يَمِينَ اللهِ كَالسِّلْعَةِ الَّتِي تُبْذَلُ لِأَجْلِ ثَمَنٍ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَوْ كَانَ الْمُقْسَمُ لَهُ مِنْ أَقَارِبِنَا، وَصَحَّ إِرْجَاعُ الضَّمِيرِ إِلَى الْمُقْسَمِ لِأَجْلِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ فَحْوَى الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)(6: 152) وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)(4: 135) وَالْمُرَادُ أَنْ يَقُولَ الْمُقْسِمُ: إِنَّهُ يُشْهِدُ اللهَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ ثَمَنٌ يَبْتَغِيهِ لِنَفْسِهِ، وَلَا مُرَاعَاةُ قَرِيبٍ لَهُ إِنْ فَرَضَ أَنَّ لَهُ نَفْعًا فِي إِقْرَارِهِ وَقَسَمِهِ، أَيْ وَلَوِ اجْتَمَعَتِ الْمَنْفَعَتَانِ كِلْتَاهُمَا (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ) وَيَقُولَانِ فِي قَسَمِهِمَا أَيْضًا: وَلَا نَكْتُمُ الشَّهَادَةَ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللهُ تَعَالَى وَأَمَرَ بِأَنْ تُقَامَ لَهُ أَوِ الْمُؤَكَّدَةَ بِالْحَلِفِ بِهِ (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)(65: 2) ، (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) أَيْ إِنَّا إِذَا اشْتَرَيْنَا بِالْقَسَمِ ثَمَنًا أَوْ رَاعَيْنَا بِهِ قَرِيبًا بِأَنْ كَذَبْنَا فِيهِ لِمَنْفَعَةِ أَنْفُسِنَا أَوْ مَنْفَعَةِ قَرَابَةٍ لَنَا، أَوْ كَتَمْنَا شَهَادَةَ اللهِ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا، بِأَنْ ذَكَرْنَا بَعْضَ الْحَقِّ وَكَتَمْنَا بَعْضًا لَمِنَ الْمُتَحَمِّلِينَ لِلْإِثْمِ الْمُتَمَكِّنِينَ فِيهِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِجَزَائِهِ. وَالْإِثْمُ فِي الْأَصْلِ: مَا يَقْعُدُ بِصَاحِبِهِ عَنْ عَمَلِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ مِنْ مَعْصِيَةٍ وَغَيْرِهِمَا. وَهَذَا التَّعْبِيرُ أَبْلَغُ مِنْ " إِنَّا إِذَا لَآثِمُونَ ".
(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ " اسْتُحِقَّ " بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْحِ التَّاءِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبَيٍّ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَخَلَفٌ
وَحَمْزَةُ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ (الْأَوَّلِينَ) جَمْعُ الْأَوَّلِ الَّذِي يُقَابِلُهُ الْآخِرُ، مَعَ قِرَاءَتِهِمُ " اسْتُحِقَّ " بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ (الْأَوْلَيَانِ) مُثَنَّى الْأَوَّلِ سَوَاءٌ مِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ " اسْتَحَقَّ " بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَمَنْ قَرَأَهُ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَرَسْمُ " الْأَوْلَيَانِ وَالْأَوَّلِينَ " فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ وَاحِدٌ وَهُوَ هَكَذَا (الْأَوَّلِينَ) .
وَالْمَعْنَى: فَإِنِ اتَّفَقَ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَنِ الشَّهِيدَيْنِ الْمُقْسِمَيْنِ اسْتَحَقَّا إِثْمًا بِالْكَذِبِ أَوِ الْكِتْمَانِ فِي الشَّهَادَةِ أَوْ بِالْخِيَانَةِ وَكِتْمَانِ شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ فِي حَالَةٍ ائْتَمَنَهُمَا عَلَيْهَا كَمَا ظَهَرَ فِي الْوَاقِعَةِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ النُّزُولِ فَالْوَاجِبُ أَوْ فَالَّذِي يُعْمَلُ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ هُوَ أَنْ تُرَدَّ الْيَمِينُ إِلَى الْوَرَثَةِ بِأَنْ يَقُومَ رَجُلَانِ آخَرَانِ مَقَامَهُمَا مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ الْوَارِثِينَ لَهُ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ ذَلِكَ الْإِثْمُ بِالْإِجْرَامِ عَلَيْهِمْ وَالْخِيَانَةِ لَهُمْ، وَهَذَانِ الرَّجُلَانِ الْوَارِثَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا هُمَا الْأَوْلَيَيْنِ بِالْمَيِّتِ، أَيِ الْأَقْرَبَيْنِ إِلَيْهِ الْأَحَقَّيْنِ بِإِرْثِهِ إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ كَمَا تُفِيدُهُ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْهُمْ، كَمَا تُفِيدُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ (الَأَوَّلِينَ) وَهُوَ صِفَةٌ لِلَّذِينِ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ. وَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى عَلَى طَلَبِ الْأَكْمَلِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَقْرَبُ الْوَرَثَةِ إِلَى الْمَيِّتِ. وَالْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى مَا إِذَا مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ إِقْسَامِ أَقْرَبِ الْوَرَثَةِ، أَوْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي حَلِفٍ غَيْرِهِ مِنْهُمْ لِامْتِيَازِهِ بِالسِّنِّ أَوِ الْفَضِيلَةِ، هَذَا إِذَا أُرِيدَ بِالْأَوْلَيَيْنِ الْأَوْلَيَانِ بِأَمْرِ الْمَيِّتِ الْمُوصِي، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْأَوْلَيَانِ بِالْقَسَمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، أَيْ أَجْدَرُ الْوَرَثَةِ بِالْيَمِينِ لِقُرْبِهِمَا مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ لِعِلْمِهِمَا أَوْ لِفَضْلِهِمَا، وَأَمَّا قِرَاءَةُ حَفْصٍ عَنْ عَاصِمٍ وَبِهَا يَقْرَأُ أَهْلُ بِلَادِنَا فَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَوْجِيهِهَا: إِنَّ " الْأَوْلَيَانِ " فِيهَا فَاعِلٌ اسْتَحَقَّ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنَ الْوَرَثَةِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ بِأَمْرِ الْمَيِّتِ مِنْهُمْ مَا أَوْصَى بِهِ أَوْ مَا تَرَكَهُ أَوْ نَدَبَهُمَا لِلشَّهَادَةِ.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَيَيْنِ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ هُمَا الْوَصِيَّانِ قَالَ: وَوَجْهُهُ
أَنَّ الْوَصِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُمَا هُمَا أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمَا بِسَبَبِ أَنَّ الْمَيِّتَ عَيَّنَهُمَا لِلْوِصَايَةِ، وَلَمَّا خَانَا فِي مَالِ الْوَرَثَةِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوَرَثَةَ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ، أَيْ خَانَ فِي مَالِهِمُ الْأَوْلَيَانِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ " الْأَوَّلَانِ " وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ اهـ.
أَقُولُ: الْوَجْهُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا " الْأَوْلَيَانِ " بِالْيَمِينِ فِي الْأَصْلِ; لِأَنَّهُمَا مُنْكِرَانِ وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَكَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الْإِضْمَارِ بِأَنْ يُقَالَ: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّا عَلَيْهِمُ الْإِثْمَ فَوُضِعَ الْمُظْهَرُ وَهُوَ " الْأَوْلَيَانِ " مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِإِفَادَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرْعِ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا، وَلَكِنَّ اسْتِحْقَاقَهُمَا الْإِثْمَ بِمَا ظَهَرَ مِنْ حِنْثِهِمَا اقْتَضَى رَدَّهَا أَيِ الْيَمِينَ إِلَى الْوَرَثَةِ (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا) أَيْ يَحْلِفَانِ عَلَى أَنَّ مَا يَشْهَدَانِ بِهِ مِنْ خِيَانَةِ الشَّهِيدَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا عَلَى وَصِيَّةِ مَيِّتِهِمَا أَحَقُّ وَأَصْدَقُ مِنْ شَهَادَتِهِمَا بِمَا كَانَا
شَهِدَا بِهِ، وَأَنَّهُمَا مَا اعْتَدَيَا عَلَيْهِمَا بِتُهْمَةٍ بَاطِلَةٍ أَوْ مَا اعْتَدَيَا الْحَقَّ فِيمَا اتَّهَمُوهُمَا بِهِ (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أَيْ وَيَقُولَانِ فِي قَسَمِهِمَا: إِنَّا إِذَا اعْتَدَيْنَا الْحَقَّ وَقُلْنَا الْبَاطِلَ لَدَاخِلُونَ فِي عِدَادِ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِهَا لِسُخْطِ اللهِ تَعَالَى وَانْتِقَامِهِ، أَوِ الظَّالِمِينَ لِمَنِ ائْتَمَنَهُمَا مَيِّتُهُمْ، وَظُلْمُهُمَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حِكْمَةَ شَرْعِهِ لِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَهَذِهِ الْأَيْمَانِ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الثِّقَةِ وَالِائْتِمَانِ، فَقَالَ:
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنْ تَكْلِيفِ الْمُؤْتَمَنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْقِيَامَ عَلَى مَشْهَدٍ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَإِقْسَامَهُ تِلْكَ الْأَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ أَقْرَبُ الْوَسَائِلِ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الشُّهَدَاءُ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا بِلَا تَغْيِيرٍ وَلَا تَبْدِيلٍ، تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَرَهْبَةً مِنْ عَذَابِهِ، وَرَغْبَةً فِي ثَوَابِهِ، أَوْ خَوْفًا مِنَ الْفَضِيحَةِ الَّتِي تَعْقُبُ اسْتِحْقَاقَهُمَا الْإِثْمَ فِي الشَّهَادَةِ بِرَدِّ أَيْمَانٍ إِلَى الْوَرَثَةِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ تَكُونُ مُبْطِلَةً لَهَا، فَمَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ خَوْفُ اللهِ وَتَعْظِيمُهُ أَنْ يَكْذِبَ أَوْ يَخُونَ لِضَعْفِ دِينِهِ يَمْنَعْهُ خَوْفُ الْفَضِيحَةِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ.
(وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) أَيْ وَاتَّقَوُا اللهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي الشَّهَادَةِ وَالْأَمَانَةِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ، وَاسْمَعُوا سَمْعَ إِجَابَةٍ وَقَبُولِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ
وَسَائِرِ مَا شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَتَّقُوا وَتَسْمِعُوا كُنْتُمْ فَاسِقِينَ عَنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى مَحْرُومِينَ مِنْ هِدَايَتِهِ مُسْتَحِقِّينَ لِعِقَابِهِ.
(إِيضَاحٌ لِتَفْسِيرِ الْآيَاتِ وَبَلَاغَتِهَا وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا) .
قَالَ الرَّازِيُّ بَعْدَ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ إِعْرَابًا وَنَظْمًا وَحُكْمًا، وَرَوَى الْوَاحِدِيُّ رحمه الله فِي الْبَسِيطِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:" هَذِهِ الْآيَةُ أَعْضَلُ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ " اهـ.
وَأَوْرَدَ الْآلُوسِيُّ فِي رُوحِ الْمَعَانِي عِبَارَةَ الرَّازِيِّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ دُونَ رِوَايَةِ الْوَاحِدِيِّ عَنْ عُمَرَ، ثُمَّ نَقَلَ مِثْلَهَا عَنِ السَّعْدِ التَّفْتَازَانِيِّ وَعَنِ الطَّبَرَسِيِّ فِي الْآيَتَيْنِ لَا الثَّانِيَةِ فَقَطْ وَقَالَ: إِنَّ الطَّبَرَسِيَّ افْتَخَرَ بِمَا أَتَى فِيهِ وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ.
أَقُولُ: نَحْنُ لَا يُرَوِّعُنَا مَا يَرَاهُ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ الصُّعُوبَةِ فِي إِعْرَابِ بَعْضِ الْآيَاتِ أَوْ فِي حُكْمِهَا; لِأَنَّ لَهُمْ مَذَاهِبَ فِي النَّحْوِ وَالْفِقْهِ يُزَيِّنُونَ بِهَا الْقُرْآنَ فَلَا يَفْهَمُونَهُ إِلَّا مِنْهَا. وَالْقُرْآنُ فَوْقَ النَّحْوِ وَالْفِقْهِ وَالْمَذَاهِبِ كُلِّهَا، فَهُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ، فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ مَقْبُولٌ وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ مَرْذُولٌ، وَإِنَّمَا يُهِمُّنَا مَا يَقُولُهُ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِيهِ فَهُوَ الْعَوْنُ الْأَكْبَرُ
لَنَا عَلَى فَهْمِهِ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجْدَانِ شَيْءٍ مِنَ الصُّعُوبَةِ فِي عِبَارَةِ الْآيَتَيْنِ. وَمَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه فِي آيَةِ (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) (فَلَيْسَ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا نُقِلَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ اسْتِصْعَابِهَا. بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ أَحْكَامَهَا أَشَدُّ مِنْ سَائِرِ أَحْكَامِ السُّورَةِ، وَلَعَلَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ مَا فِيهَا مِنَ التَّضْيِيقِ فِي رَدِّ أَيْمَانٍ بَعْدَ أَيْمَانٍ وَإِظْهَارِ فَضَائِحَ مَنْ كَذَبَ وَخَانَ. قَالَ فِي حَقِيقَةِ الْأَسَاسِ: عَضَلْتُ عَلَى فُلَانٍ ضَيَّقْتُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَحُلْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ. وَمِنْهُ النَّهْيُ عَنْ عَضْلِ النِّسَاءِ أَيْ مَنْعِهِنَّ مِنَ الزَّوَاجِ.
وَلَكِنَّ أَصْحَابَ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ اضْطَرَبُوا فِي عِدَّةِ أَحْكَامٍ مِنْ أَحْكَامِهَا لِمَجِيئِهَا مُخَالِفَةً لِأَقْيِسَتِهِمْ وَلِمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِثُبُوتِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا حَلِفُ الشَّاهِدِ الْيَمِينَ، وَمِنْهَا شَهَادَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ فِيمَا هُوَ خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهَا الْعَمَلُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي، وَقَدِ اجْتَهَدُوا فِي تَخْرِيجِ كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ عَلَى الثَّابِتِ عِنْدَهُمْ كَمَا تَرَاهُ قَرِيبًا. حَتَّى ادَّعَوْا فِي بَعْضِهَا النَّسْخَ. وَرَوَوْهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ لَمْ يَصِحَّ، فَلِهَذَا
رَأَيْنَا بَعْدَ تَفْسِيرِ الْآيَتَيْنِ بِمَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ بِالِاخْتِصَارِ أَنْ نَفْصِلَ مَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْأَحْكَامِ; لِيَظْهَرَ حَتَّى لِلضَّعِيفِ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ مَا فِيهِمَا مِنْ إِعْجَازِ الْإِيجَازِ، وَمَا جَنَتْهُ الْمَذَاهِبُ النَّحْوِيَّةُ وَالْفِقْهِيَّةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى قَالَ مَا قَالَ فِي الْآيَتَيْنِ أَشْهَرُهُمْ بِسَعَةِ الِاطِّلَاعِ أَوْ بِالدِّقَّةِ وَالذَّكَاءِ.
أَمَّا دَعْوَى النَّسْخِ، فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا سَلَفَ وَمِمَّا سَيَأْتِي قَرِيبًا مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ مَنْسُوخٌ، وَقَدْ حَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ:
" وَمِنَ الشَّوَاهِدِ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ بِدُقُوقَا قَالَ: فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ: فَقَدِمَا الْكُوفَةَ فَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ يَعْنِي أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ رضي الله عنه فَأَخْبَرَاهُ وَقَدِمَا الْكُوفَةَ بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ بِاللهِ مَا خَانَا وَلَا كَذَبَا وَلَا بَدَّلَا وَلَا كَتَمَا وَلَا غَيَّرَا وَأَنَّهَا لِوَصِيَّةِ الرَّجُلِ وَتَرِكَتِهِ قَالَ فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُغِيرَةَ الْأَزْرَقِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَضَى بِهِ. وَهَذَانِ إِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ إِلَى الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقَوْلُهُ: " هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم " الظَّاهِرُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ قِصَّةَ تَمِيمٍ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ إِسْلَامَ تَمِيمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مُتَأَخِّرًا يَحْتَاجُ مُدَّعِي نَسْخِهِ إِلَى دَلِيلٍ فَاصِلٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَاللهُ أَعْلَمُ ".
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ السُّدِّيُّ فِي الْآيَةِ الْأُولَى:
" قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْعِلْجَيْنِ حِينَ انْتَهِي بِهِمَا إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي دَارِهِ فَفَتَحَ الصَّحِيفَةَ، فَأَنْكَرَ أَهْلُ الْمَيِّتِ وَخَوَّفُوهُمَا فَأَرَادَ أَبُو مُوسَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَلَكِنِ اسْتَحْلِفْهُمَا بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي دِينِهِمَا، فَيُوقَفُ الرَّجُلَانِ بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي
دِينِهِمَا فَيَحْلِفَانِ بِاللهِ (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) أَنَّ صَاحِبَهُمَا لَبِهَذَا أَوْصَى وَأَنَّ هَذِهِ لَتَرِكَتُهُ. فَيَقُولُ لَهُمَا الْإِمَامُ أَيِ الْحَاكِمُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَا: إِنَّكُمَا إِنْ كَتَمْتُمَا أَوْ خُنْتُمَا فَضَحْتُكُمَا فِي قَوْمِكُمَا وَلَمْ تَجُزْ لَكُمَا شَهَادَةٌ وَعَاقَبْتُكُمَا. فَإِذَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ فَإِنَّ (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: " وَلَمْ تَجُزْ لَكُمَا شَهَادَةٌ " فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه وَسَيَأْتِي لِبَحْثِ دَعْوَى النَّسْخِ وَاسْتِشْكَالِ الْفُقَهَاءِ مَزِيدُ بَيَانٍ قَرِيبًا.
وَأَمَّا الْفَوَائِدُ وَالْأَحْكَامُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْآيَتَانِ بِإِيجَازِهِمَا، فَهَاكَ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْهَا:
(1)
الْحَثُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَتَأْكِيدُ أَمْرِهَا وَعَدَمُ التَّهَاوُنِ فِيهَا بِشَوَاغِلِ السَّفَرِ وَإِنْ قُصِرَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ وَأُبِيحَ فِيهِ الْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ.
(2)
الْإِشْهَادُ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ; لِيَكُونَ أَمْرُهَا أَثْبَتَ وَالرَّجَاءُ فِي تَنْفِيذِهَا أَقْوَى، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَيَكْتُبُونَ وَصِيَّتَهُمْ وَلَا يُشْهِدُونَ أَحَدًا عَلَيْهَا; فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ سَبَبًا لِضَيَاعِهَا.
(3)
أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى الْوَصِيَّةِ أَنْ يُخْتَارَ الشَّاهِدَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَوْثُوقِ بِعَدَالَتِهِمْ كَمَا ثَبَتَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى أَيْضًا; وَحِكْمَتُهُ ظَاهِرَةٌ مِنْ وُجُودِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى شَرْحِهَا.
(4)
أَنَّ إِشْهَادَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْوَصِيَّةِ جَائِزٌ مَشْرُوعٌ ; فَإِنْ وَجَبَتِ الْوَصِيَّةُ وَجَبَ بِشَرْطِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَنْدُوبٌ; لِأَنَّ مَقْصِدَ الشَّارِعِ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ لَا يُتْرَكُ أَلْبَتَّةَ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ إِقَامَتُهُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ; إِذِ الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ. وَالْمَقَامُ هُنَا مَقَامُ إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ لَا مَقَامَ التَّعَبُّدِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيمَانُ. وَلَا مَقَامَ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ لِلْأَدْيَانِ وَأَهْلِ الْأَدْيَانِ.
(5)
أَنَّ الشَّهَادَةَ تَشْمَلُ مَا يَقُولُهُ كُلٌّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِقْرَارٍ فِي الْقَضِيَّةِ أَوْ إِنْكَارٍ وَنَفْيٍ لِلْمُدَّعِي بِهِ أَوْ إِثْبَاتٍ.
(6)
شَرْعِيَّةُ اخْتِيَارِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي قُلُوبِ الشُّهُودِ وَمُقْسِمِي الْأَيْمَانِ
وَيُرْجَى أَنْ يَصْدُقُوا وَيَبَرُّوا فِيهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَعْلِيلِ الْقَسَمِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ اخْتِيَارُ الْمَكَانِ
وَهُوَ مَشْرُوعٌ أَيْضًا، وَمِمَّا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحُوهُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا:" لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي كَاذِبًا إِلَّا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ بِمَعْنَاهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَفَعَهُ:" مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَسْتَحِلُّ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا " وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ وَبِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ التَّغْلِيظِ عَلَى الْحَالِفِ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ شَرْعًا كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَخَاصَّةً مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَمَقَامَ إِبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والسلام، وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَخَاصَّةً مَا كَانَ مِنْهُ عِنْدَ مِنْبَرِهِ صلى الله عليه وسلم، وَبِالزَّمَانِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ إِنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ النُّصُوصِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ لَا يُنْكِرُ أَحَدٌ التَّغْلِيظَ بِمَا وَرَدَ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْقِيَاسِ عَلَيْهَا أَوِ الْأَخْذِ بِفَحْوَاهَا.
وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: الْأَيْمَانُ تُغَلَّظُ فِي الدِّمَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْمَالِ إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَيَحْلِفُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَبِالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ. وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي أَشْرَفِ الْمَسَاجِدِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: يَحْلِفُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَصَّ الْحَلِفُ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَهَذَا عَلَى خِلَافِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّهْوِيلُ وَالتَّعْظِيمُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه أَقْوَى اهـ.
هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهَا بِالتَّعَصُّبِ فَلَا يُقَالُ إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ الْآيَةَ إِلَّا إِذَا أَجَازَ تَرْكَ الْعَمَلِ بِمَنْطُوقِهَا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ نَفْسِهِ.
(7)
التَّغْلِيظُ عَلَى الْحَالِفِ بِصِيغَةِ الْيَمِينِ بِأَنْ يَقُولَ فِيهِ مَا يُرْجَى أَنْ يَكُونَ رَادِعًا لِلْحَالِفِ عَنِ الْكَذِبِ كَالْأَلْفَاظِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْآيَةِ، وَأَشَدُّ مِنْهَا مَا وَرَدَ فِي شَهَادَةِ اللِّعَانِ، وَقَدْ جَرَى عَلَى هَذَا أَصْحَابُ الْجَمْعِيَّاتِ السِّيَاسِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ، فَاخْتَرَعُوا أَيْمَانًا وَأَقْسَامًا قَدْ يَتَحَامَى أَفْسَقُ النَّاسِ وَأَجْرَؤُهُمْ عَلَى الْإِجْرَامِ أَنْ يَحْنَثَ بِهَا وَقَدْ
بَيَّنَّا مَا يَجِبُ الْبِرُّ بِهِ وَمَا يَجِبُ الْحِنْثُ بِهِ مِنَ الْأَيْمَانِ وَسَائِرِ مُهِمَّاتِ أَحْكَامِهَا فِي تَفْسِيرِ آيَةِ كَفَّارَتِهَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.
(8)
أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَخْبَارِ النَّاسِ وَشَهَادَاتِهِمُ الَّتِي هِيَ أَخْبَارٌ مُؤَكَّدَةٌ صَادِرَةٌ عَنْ عِلْمٍ صَحِيحٍ أَنْ تَكُونَ مَقْبُولَةً مُصَدَّقَةً; وَلِهَذَا شَرَطَ فِي حُكْمِ تَحْلِيفِ الشَّاهِدَيْنِ الِارْتِيَابَ فِي خَبَرِهِمَا. وَصَدَّرَ هَذَا الشَّرْطَ بِأَنَّ الَّتِي لَا تَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ; إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي وُقُوعِهَا أَنْ يَكُونَ شَاذًّا.
(9)
أَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ أَنْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ، وَفِي الْمُؤْتَمَنِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا، وَأَنْ يَكُونَ مَا يَقُولُهُ فِي أَمْرِ الْأَمَانَةِ مَقْبُولًا; وَلِذَلِكَ قَالَ:(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) فَأَفَادَتْ أَدَاةُ الشَّرْطِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا أَلَّا يَقَعَ، وَأَنَّهُ إِنْ وَقَعَ كَانَ شَاذًّا. وَأَفَادَ فِعْلُ " عُثِرَ " الْمَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ أَنَّ هَذَا الشُّذُوذَ إِنْ وَقَعَ فَشَأْنُهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْمُصَادَفَةِ وَالِاتِّفَاقِ، لَا بِالْبَحْثِ وَتَتَبُّعِ الْعَثَرَاتِ.
(10)
شَرْعِيَّةُ تَحْلِيفِ الشُّهُودِ إِذَا ارْتَابَ الْحُكَّامُ أَوِ الْخُصُومُ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ الْآنَ فِي أَكْثَرِ الْأُمَمِ، بَلْ تُحَتِّمُهُ قَوَانِينُهَا الْوَضْعِيَّةُ بِاطِّرَادٍ لِكَثْرَةِ مَا يَقَعُ مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ وَسَيَأْتِي بَحْثُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ.
(11، 12) شَرْعِيَّةُ ائْتِمَانِ الْمُسْلِمِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمَالِ، وَشَرْعِيَّةُ تَحْلِيفِ الْمُؤْتَمَنِ وَالْعَمَلِ بِيَمِينِهِ.
(13)
شَرْعِيَّةُ رَدِّ الْيَمِينِ إِلَى مَنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى ضَيَاعِ حَقٍّ لَهُ بِيَمِينٍ صَارَ حَالِفُهَا خَصْمًا لَهُ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ شَهَادَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَقْسَامُهُمَا، فَإِذَا شَهِدَ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالزِّنَا تِلْكَ الشَّهَادَةَ الْمَشْرُوعَةَ فِي سُورَةِ النُّورِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْقَسَمِ الْمُغَلَّظِ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ مَعَ الْيَمِينِ إِلَى زَوْجِهِ الَّتِي رَمَاهَا بِذَلِكَ، فَإِذَا شَهِدَتْ بِاللهِ مِثْلَ شَهَادَتِهِ سَقَطَ عَنْهَا الْحَدُّ وَبُرِّئَتْ مِنَ التُّهْمَةِ فِي شَرْعِ اللهِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ عِبَادِ اللهِ. وَمِنْهُ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فِي الدِّمَاءِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالْيَمِينِ آلْمُدَّعُونَ ذَوُو الْقَتِيلِ، أَمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ذَوُو الْمُتَّهَمِ بِالْقَتْلِ؟ وَأَيًّا مَا كَانَ الْبَادِئُونَ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ إِلَى الْآخَرِينَ.
(14)
إِذَا احْتِيجَ إِلَى قِيَامِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ لِمَيِّتٍ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ فَالَّذِي يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْهُمْ لِلْقِيَامِ بِهِ مَنْ كَانَ أَوْلَاهُمْ بِهِ. وَمِنْ بَلَاغَةِ الْإِيجَازِ إِبْهَامُ الْأَوَّلِينَ بِالْقَسَمِ
فِي الْآيَةِ لِاخْتِلَافِ الْأَوْلَوِيَّةِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْوَقَائِعِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ أَصْحَابُ الْأَوْلَوِيَّةِ بِلَا نِزَاعٍ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يُقَدِّمُ مَنْ يَرَاهُ الْأَوْلَى.
(15)
صِحَّةُ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْعَمَلُ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَأَخَّرْنَاهُ لِيَتَّصِلَ بِمَا نُوَضِّحُهُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي.
كُلُّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَفْهُومَةٌ مِنَ الْآيَتَيْنِ، فَتَأَمَّلْ جَمْعَهُمَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ عَلَى إِيجَازِهِمَا وَإِيضَاحِهِمَا لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِهِمَا بِالذَّاتِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
هَذَا بَحْثٌ شَرْعِيٌّ يَجِبُ أَنْ نُعْطِيَهُ حَقَّهُ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ آيَاتِ الْقُرْآنِ فِي الْإِشْهَادِ وَالِاسْتِشْهَادِ مِنْهَا الْمُطْلَقُ وَمِنْهَا الْمُقَيَّدُ. قَالَ تَعَالَى فِي اللَّاتِي يَأْتِينَ
الْفَاحِشَةَ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ)(4: 15) الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُطَلَّقَاتِ الْمُعْتَدَّاتِ: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)(65: 2) وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةِ التَّدَايُنِ: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) ثُمَّ قَالَ فِيهَا: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ)(2: 282) وَلَمْ يَقُلْ هُنَا: " ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ " وَمَثَلُهُ فِي الْإِطْلَاقِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْيَتَامَى: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ)(4: 6) .
فَإِذَا تَأَمَّلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَعَ آيَتَيِ الْمَائِدَةِ اللَّتَيْنِ نَحْنُ فِي صَدَدِ تَفْسِيرِهِمَا وَبَحَثْنَا عَنْ حِكْمَةِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ، نَرَى أَنَّهُ جَلَّ وَعَزَّ اشْتَرَطَ فِي الِاسْتِشْهَادِ أَوِ الْإِشْهَادِ فِي الْوَقَائِعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ الْمُؤْمِنَاتِ الشَّخْصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ، وَلَا فِي الْإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَحْكَامِ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَأَحْكَامِ النِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ جَلِيٌّ وَاضِحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آيَةِ الدَّيْنِ وَهِيَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَالِيَّةِ:(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) فَظَاهِرُ
اللَّفْظِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرِّجَالُ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُمُ الْمُخَاطَبُونَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَصْفُ لِأَجْلِ بَيَانِ تَقْدِيمِ صِنْفِ الرِّجَالِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا يُقَابِلُهُ مِنْ شَهَادَةِ الصِّنْفَيْنِ، وَأَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ رُوعِيَ فِيهَا الْوَاقِعُ أَوِ الْغَالِبُ بِقَرِينَةِ وَصْفِ الْمُقَابِلِ بِقَوْلِهِ:(مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) إِذْ لَمْ يَقُلْ: " مِنْ شُهَدَائِكُمْ " أَوْ " مِنْ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ " تَمَّ بِقَرِينَةِ إِطْلَاقِ الْأَمْرِ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا.
فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُشْهِدَ فِي الْأَعْمَالِ الْمَالِيَّةِ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ لَجَاءَ فِي كُلِّ نَصٍّ مِنْ تِلْكَ النُّصُوصِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ تَقَارَبَتْ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(4: 83) وَإِنَّمَا يَدُلُّ مَجْمُوعُ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَوِ الْكَمَالَ فِي الْإِشْهَادِ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مِنْ عُدُولِ الْمُؤْمِنِينَ لِلثِّقَةِ بِشَهَادَتِهِمْ، وَالِاحْتِرَازِ مِنَ الْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْخِيَانَةِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا مِمَّنْ لَا ثِقَةَ بِأَيْمَانِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ، وَأَنْ يَلْتَزِمَ هَذَا الْأَصْلَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَبُيُوتِهِمْ إِذْ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ سِوَاهُمْ أَنْ يَعْرِفَهَا، وَلِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ فِيهَا; وَلِذَلِكَ قَالَ فِي آيَةِ الطَّلَاقِ:(ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وَوُرُودُ نَصِّ الْقُرْآنِ فِيمَنْ يَقْذِفُ امْرَأَةً بِأَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَأَلَّا تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ أَبَدًا.
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا يُقَالُ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّمَ إِشْهَادَ عُدُولِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ، وَأَجَازَ إِشْهَادَ غَيْرِهِمْ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يَتَيَسَّرُ فِيهَا ذَلِكَ، وَإِنَّ الشَّرْطَ فِي قَوْلِهِ:(إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) جَاءَ لِبَيَانِ هَذَا الْحَالِ فَمَفْهُومُهُ غَيْرُ مُرَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا)(24: 33) وَمَنْ يَرَى رَأْيَ الْحَنَفِيَّةِ فِي عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَمَفْهُومِ اللَّقَبِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرَجِّحَ هَذَا الْقَوْلَ أَيَّ تَرْجِيحٍ، وَالْكَلَامُ فِيمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ، دُونَ مَا يُدَّعَى فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ إِجْمَاعِ فُقَهَاءَ.
وَدُونَكَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفِقْهِ كَمَا لَخَّصَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَنَقَلَهُ الشَّوْكَانِيُّ عَنْهُ فِي (نَيْلِ الْأَوْطَارِ) فِي شَرْحِ حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ السَّهْمِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ:
" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْكُفَّارُ، وَالْمَعْنَى (مِنْكُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِظَاهِرِهَا، فَلَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يُجِيزُ شَهَادَةَ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى بَعْضٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ بِمَنْطُوقِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَبِإِيمَائِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، ثُمَّ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فَبَقِيَتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ عَلَى حَالِهَا، وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى التَّعَقُّبِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ التَّعَقُّبَ هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بِاعْتِبَارِ اسْتِدْلَالِهِ.
" وَخَصَّ جَمَاعَةٌ الْقَبُولَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَبِالْوَصِيَّةِ وَبِفَقْدِ الْمُسْلِمِ حِينَئِذٍ، وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَشُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَأَحْمَدُ، وَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ سِيَاقَهُ مُطَابِقٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
" وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ غَيْرُ الْعَشِيرَةِ، وَالْمَعْنَى مِنْكُمْ أَيْ مِنْ عَشِيرَتِكُمْ، أَوْ آخَرَانِ مِنْ
غَيْرِكُمْ أَيْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ النَّحَّاسُ بِأَنْ لَفْظِ " آخَرَ " لَا بُدَّ أَنْ يُشَارِكَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الصِّفَةِ حَتَّى لَا يَسُوُغَ أَنْ يَقُولَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ كَرِيمٍ وَلَئِيمٍ آخَرَ، فَعَلَى هَذَا فَقَدَ وُصِفَ الِاثْنَانِ بِالْعَدَالَةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْآخَرَانِ كَذَلِكَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ سَاغَ فِي الْآيَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالصَّحَابِيُّ إِذَا حَكَى سَبَبَ النُّزُولِ كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ اتِّفَاقًا وَأَيْضًا فَفِيمَا قَالَ رَدَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ; لِأَنَّ اتِّصَافَ الْكَافِرِ بِالْعَدَالَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ فَرْعُ قَبُولِ شَهَادَتِهِ، فَمَنْ قَبِلَهَا وَصَفَهُ بِهَا وَمَنْ لَا فَلَا.
وَاعْتَرَضَ أَبُو حَيَّانَ عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ، فَلَوْ قُلْتَ جَاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَآخَرُ كَافِرٌ صَحَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قُلْتَ جَاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ آخَرُ وَالْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي; لِأَنَّ قَوْلَهُ آخَرَانِ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ اثْنَانِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صِفَةُ رَجُلَانِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ فَرَجُلَانِ اثْنَانِ وَرَجُلَانِ آخَرَانِ.
" وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) وَاحْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى رَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَالْكَافِرُ شَرٌّ مِنَ الْفَاسِقِ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَبِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلْ مِنَ الْقُرْآنِ، حَتَّى صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَجَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مُحْكَمَةٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ مُسَافِرًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنِ اتُّهِمَا اسْتُحْلِفَا. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَسَاقَ الْحَافِظُ الْحَدِيثَ وَقَالَ: إِنْ حُكْمَهُ لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَكَانَ حُجَّةً، وَذَكَرَ رَدَّ الطَّبَرِيِّ وَالرَّازِيِّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا فِي الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ ثُمَّ قَالَ:
" وَذَهَبَ الْكَرَابِيسِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ فِي الْآيَةِ الْيَمِينُ قَالُوا: وَقَدْ سَمَّى اللهُ الْيَمِينَ شَهَادَةً فِي آيَةِ اللِّعَانِ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ بِاللهِ، وَأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إِنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، قَالُوا: فَالْمُرَادُ
بِالشَّهَادَةِ الْيَمِينُ لِقَوْلِهِ: (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ) أَيْ يَحْلِفَانِ، فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُمَا حَلَفَا عَلَى الْإِثْمِ رَجَعَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَدٌ وَلَا عَدَالَةٌ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَقَدِ اشْتُرِطَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَوِيَ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهَا شَهَادَةٌ.
" وَأَمَّا اعْتِلَالُ مَنِ اعْتَلَّ فِي رَدِّهَا بِأَنَّ الْآيَةَ تُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَالْأُصُولَ لِمَا فِيهَا مِنْ قَبُولِ
شَهَادَةِ الْكَافِرِ وَحَبْسِ الشَّاهِدِ وَتَحْلِيفِهِ، وَشَهَادَةِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ فَقَدْ أَجَابَ مَنْ قَالَ بِهِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ نَظِيرِهِ، وَقَدْ قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَمَا فِي الطِّبِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَبْسِ السِّجْنَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْإِمْسَاكُ لِلْيَمِينِ لِيَحْلِفَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا تَحْلِيفُ الشَّاهِدِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ قِيَامِ الرِّيبَةِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتْ نَقْلَ الْأَيْمَانِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ اللَّوْثِ بِخِيَانَةِ الْوَصِيَّيْنِ، فَيُشْرَعُ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا، كَمَا يُشْرَعُ لِمُدَّعِي الْقَسَامَةِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ. فَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَهَادَةِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ بَلْ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ لَهُ بِيَمِينِهِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ الشَّهَادَةِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ. وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ظُهُورِ اللَّوْثِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالدَّمِ وَظُهُورِهِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالْمَالِ؟ وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) الْوَصِيَّانِ: قَالَ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) مَعْنَى الْحُضُورِ لِمَا يُوصِيهِمَا بِهِ الْوَصِيُّ ثُمَّ زَيْفُ ذَلِكَ " اهـ.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بَعْدَ نَقْلِ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْفَتْحِ. وَهَذَا الْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ، وَأَمَّا الْكَافِرُ الَّذِي لَيْسَ بِذِمِّيٍّ فَقَدْ حَكَى فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا انْتَهَى. وَأَقُولُ: مَا أَوْرَدَهُ الشَّوْكَانِيُّ مِنْ دَعْوَى صَاحِبِ الْبَحْرِ مِنْ أَئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ غَيْرِ الذِّمِّيِّ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ بِمَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَاخْتَارَ أَنَّ " غَيْرِكُمْ " يَدْخُلُ فِيهِ الْمَجُوسُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَأَهْلُ كُلِّ دِينٍ.
سَعَةُ أَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَضْيِيقُ الْفُقَهَاءِ:
وَبَقِيَ هَهُنَا بَحْثٌ مُهِمٌّ، وَهُوَ أَنَّ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي غَيْرِهَا أَوْسَعُ مِمَّا جَرَى عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ السُّنَّةِ، وَكُلُّ مَا فِي الْفِقْهِ مِنَ التَّشْدِيدِ وَالتَّقْيِيدِ فَهُوَ مِنَ اجْتِهَادِ الْفُقَهَاءِ، وَلَا سِيَّمَا الْمُصَنِّفِينَ مِنْهُمُ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَأَوْلَى الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ بِالنَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ كِبَارُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ حُكَّامِ الْعُصُورِ الْأُولَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي الْقَضَايَا الشَّخْصِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ وَالْجِنَائِيَّةِ عَلَى سَوَاءٍ، فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ وَلِمَاذَا لَمْ يَأْخُذُوا بِظَاهِرِ آيَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فَيَعُدُّوهَا شَارِعَةً لِقَبُولِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ النَّصُّ بِإِشْهَادِ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولِ عَلَيْهِ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي بَيَانِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ آيَاتِ الشَّهَادَةِ؟ أَوْ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنَ الشَّهَادَةِ أَنْ تَكُونَ بَيِّنَةً يُعْرَفُ بِهَا الْحَقُّ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ بَيَانُهُ عَلَى شَهَادَةِ شُهَدَاءَ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَثِقُ الْحَاكِمُ بِصِدْقِهِمْ وَصِحَّةِ شَهَادَتِهِمْ؟ .
الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ يُعْلَمُ بِالنَّظَرِ فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى مَنْعِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ وَبِمَعْرِفَةِ
حَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْكَفَّارِ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ وَعَصْرِ وَضْعِ الْفِقْهِ وَالتَّصْنِيفِ فِيهِ وَعَمَلِ الْحُكَّامِ بِاجْتِهَادِهِمْ ثُمَّ بِأَقْوَالِ عُلَمَائِهِ.
فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ مِنَ الْقُرْآنِ مَأْخَذَيْنِ:
(الْمَأْخَذُ الْأَوَّلُ) : جَعْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) مُقَيِّدًا لِلْإِطْلَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَبْحَاثٌ.
(أَحَدُهَا) : أَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْمُتَفَقِّهُونَ عَلَى مَنْعِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ إِذَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ لَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِذَا اتَّفَقَا فَالْخِلَافُ فِي عَدَمِ الْحَمْلِ ضَعِيفٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْحَمْلِ، وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ كَمَسَائِلِ الْإِشْهَادِ عَلَى النِّسَاءِ وَالْيَتَامَى وَالْبَيْعِ وَالْوَصِيَّةِ وَكَذَا عِتْقُ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَاتِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ. فَالْخِلَافُ فِي الْحَمْلِ وَعَدَمِهِ قَوِيٌّ وَالْأَقْوَالُ فِيهِ مُتَعَدِّدَةٌ. فَلِمَ اتَّفَقَ الْمُخْتَلِفُونَ فِيهَا عَلَى مَنْعِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا أَوْ فِيمَا عَدَا الْوَصِيَّةَ أَوِ الطِّبَّ؟ .
(ثَانِيهَا) : أَنَّ الْإِشْهَادَ الِاخْتِيَارِيَّ غَيْرُ الشَّهَادَةِ. فَالْأَمْرُ بِاخْتِيَارِ أَفْضَلِ النَّاسِ إِيمَانًا وَعَدَالَةً لِلْإِشْهَادِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الِاعْتِدَادِ بِشَهَادَةِ مَنْ دُونَهُمْ فِي الْفَضِيلَةِ. فَإِنَّ الشَّهَادَةَ بَيِّنَةٌ. وَالْبَيِّنَةُ كُلُّ مَا يُتَبَيَّنُ بِهِ الْحَقُّ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَدْ أَطَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِثْبَاتِ هَذَا وَإِيضَاحِهِ فِي كِتَابِ (إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ) .
(ثَالِثُهَا) : أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) فِيهِ تَوْسِعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي
الْإِشْهَادِ وَنَحْنُ إِلَى التَّوْسِعَةِ فِي الشَّهَادَةِ نَفْسِهَا أَحْوَجُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْجِنَايَاتِ وَالْعُقُودِ وَالْإِقْرَارِ قَدْ تَقَعُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَرْأًى وَمَسْمَعٍ مِنْ غَيْرِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمِعُوا وَرَأَوْا مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ; لِأَنَّ دِينَهُمْ يُحَرِّمُ الْكَذِبَ وَالْخِيَانَةَ. فَلِمَاذَا نُضَيِّعُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْحُقُوقِ الَّتِي يُمْكِنُ إِثْبَاتُهَا بِشَهَادَتِهِمْ إِذَا تَجَرَّأَ الَّذِينَ أَنْكَرُوهَا عَلَى الْيَمِينِ كَمَا تَجَرَّءُوا عَلَى الْكَذِبِ بِالْإِنْكَارِ؟
(الْمَأْخَذُ الثَّانِي) : أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا أَنْ نُشْهِدَ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَّا مَعْشَرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ بَدِيهِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَدْلَ، يَتَحَرَّى الصِّدْقَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ، وَنَحْنُ نَشْتَرِطُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْأَمْرَيْنِ. وَنَرَى أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ صَادِقًا عَدْلًا. وَإِذَا كَانَ فَقْدُ الْعَدَالَةِ يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ عِنْدَنَا فَفَقْدُ الْإِيمَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ.
وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) : أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللهِ وَبِشَرْعٍ لَهُ يُحَرِّمُ الْكَذِبَ كَافٍ لِتَحْقِيقِ الْمَقْصِدِ الَّذِي تَتَوَخَّوْنَهُ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا مِمَّا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْمِلَلِ، وَقَوْلُكُمْ: إِنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ صَادِقًا وَلَا عَدْلًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْلِ، وَلَا مِنْ سِيرَةِ الْبَشَرِ الْمَعْلُومَةِ بِالِاخْتِبَارِ وَالْعَقْلِ
أَمَّا النَّقْلُ فَقَدْ جَاءَ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)(7: 159) فَإِنَّ حَمْلَ هَذَا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا أَوْ عَلَى مَنْ آمَنَ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ)(3: 75) فَهَذِهِ شَهَادَةٌ لَهُمْ بِالْأَمَانَةِ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَعْضَ الْيَهُودِ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ فَاعْتَرَفَ بِهَا بَعْضُهُمْ لَمَّا أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْارَةَ عَلَى مُوسَى [رَاجِعْ ص 319 ج6ط الْهَيْئَةِ] وَقَدْ بَيَّنَّا فِي التَّفْسِيرِ مِرَارًا عَدْلَ الْقُرْآنِ وَدِقَّتَهُ فِي الْحُكْمِ بِالْفَسَادِ عَلَى الْأُمَمِ، إِذْ يَحْكُمُ عَلَى الْأَكْثَرِ أَنْ يُسْتَثْنَى بَعْدَ إِطْلَاقِ الْحُكْمِ الْعَامِّ. وَمَا رُوِيَ مِنْ قَبُولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه لِشَهَادَتِهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ عَمَلًا بِالْقُرْآنِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي خَبَرِ الْإِنْسَانِ الصِّدْقُ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ إِلَّا عِنْدَ وُجُودِ التُّهْمَةِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ عَدَالَتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجْرٍ (ص194) وَبِهَا يَسْقُطُ قِيَاسُ الْكَافِرِ عَلَى الْفَاسِقِ وَقَدْ قَبِلَ الْمُحَدِّثُونَ رِوَايَةَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي يُحَرِّمُ الْكَذِبَ مُطْلَقًا أَوْ فِيمَا عَدَا تَأْيِيدَ بِدْعَتِهِ،
وَأَمَّا سِيرَةُ الْبَشَرِ الْمَعْلُومَةُ بِنَقْلِ الْمُؤَرَّخَيْنِ وَبِسُنَنِ اللهِ فِي أَخْلَاقِ الْبَشَرِ وَطِبَاعِهِمُ الَّتِي هِيَ الْقَانُونُ الْعَقْلِيُّ لِمَنْ يُرِيدُ الْحُكْمَ الصَّحِيحَ عَلَيْهِمْ فَهِيَ مُؤَيِّدَةٌ لِحُكْمِ الْقُرْآنِ الْعَادِلِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)(7: 102) وَقَوْلِهِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ)(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)(وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)(وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ)(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ) وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَهُوَ خَاصٌّ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ فِي طَوْرِ الْفَسَادِ وَضَعْفِ الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ، الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْمِلَلِ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ فَنَنْتَقِلُ إِذًا إِلَى بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي نَرَاهَا هِيَ السَّبَبَ الِاجْتِمَاعِيَّ الْحَقِيقِيَّ لِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ فَنَقُولُ:
[الثَّانِي] : حَالُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ:
إِنَّ حَالَةَ الْأُمَمِ الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَالسِّيَاسِيَّةَ وَالْأَدَبِيَّةَ لَهَا شَأْنٌ كَبِيرٌ فِي تَطْبِيقِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْوَقَائِعِ وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ (تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ) وَمَنْ عَرَفَ التَّارِيخَ وَفِقْهَ قَوَاعِدِ عِلْمِ الِاجْتِمَاعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَفْقَهُ سَبَبَ إِعْرَاضِ الْفُقَهَاءِ وَالْحُكَّامِ عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَأَحَقُّ مَا يَجِبُ فِقْهُهُ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ أَرْبَعٌ يَنْبَغِي التَّأَمُّلُ فِيهَا بِعَيْنِ الْعَقْلِ وَالْإِنْصَافِ.
(الْأُولَى) : مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى لِلْإِسْلَامِ مِنَ الِاسْتِمْسَاكِ بِعُرْوَةِ الْحَقِّ
وَإِقَامَةِ مِيزَانِ الْعَدْلِ، وَعَدَمِ الْمُحَابَاةِ وَالتَّفْرِقَةِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَقَرِيبٍ وَبِعِيدٍ وَصَدِيقٍ وَعَدُوٍّ، عَمَلًا بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ.
(الثَّانِيَةُ) : مَا كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأُمَمِ الَّتِي فَتَحُوا بِلَادَهَا، وَأَقَامُوا شَرِيعَتَهُمْ فِيهَا مِنْ ضَعْفِ وَازِعِ الدِّينِ وَفَسَادِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، وَقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ مُؤَرِّخُو الْإِفْرِنْجِ وَغَيْرِهِمْ وَجَعَلُوهُ أَوَّلَ الْأَسْبَابِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لِسُرْعَةِ الْفَتْحِ الْإِسْلَامِيِّ فِي الْخَافِقَيْنِ.
(الثَّالِثَةُ) : مَا جَرَى عَلَيْهِ الْفَاتِحُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوْسِعَةِ عَلَى أَهْلِ ذِمَّتِهِمْ فِي الِاسْتِقْلَالِ الدِّينِيِّ وَالْمَدَنِيِّ; إِذْ كَانُوا يَسْمَحُونَ لَهُمْ بِأَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى رُؤَسَائِهِمْ فِي الْأُمُورِ الشَّخْصِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ مِنَ الْمَعْقُولِ مَعَ هَذَا أَلَّا يُشْهِدُوهُمْ عَلَى قَضَايَا
أَنْفُسِهِمُ الْخَاصَّةِ، وَأَنْ يَمْنَعَهُمْ نَظَرَهُمْ إِلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْأَحْوَالِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا آنِفًا مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، مَعَ عَدَمِ ثِقَتِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ.
(الرَّابِعَةُ) : تَأْثِيرُ عِزَّةِ السُّلْطَانِ وَعَهْدِ الْفَتْحِ الَّذِي كَانَتِ الْأَحْكَامُ فِيهِ أَشْبَهَ بِمَا يُسَمُّونَهُ الْآنَ بِالْأَحْكَامِ الْعَسْكَرِيَّةِ. وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِأَحْكَامِ دُوَلِ الْإِفْرِنْجِ فِي أَيَّامِ الْحَرْبِ، بَلْ فِي الْمُسْتَعْمَرَاتِ الَّتِي طَالَ عَلَيْهَا عَهْدُ الْفَتْحِ أَوْ مَا يُشْبِهُ الْفَتْحَ. يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ أَشَدَّ أَحْكَامِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ مِنْ أَحْكَامِ أَرْقَى أُمَمِ الْمَدَنِيَّةِ مِنْ دُونِهِمْ.
وَقَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِ الْبَشَرِ أَنَّ الْغَالِبَ قَلَّمَا يَرَى شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ الْمَغْلُوبِ وَإِنْ كَثُرَتْ، فَكَيْفَ يُرْجَى أَنْ يَرَى قَلِيلَهَا الضَّئِيلَ الْخَفِيَّ؟ وَالْجَمَاعَاتُ الْكَبِيرَةُ وَالصَّغِيرَةُ كَالْأَفْرَادِ فِي نَظَرِ كُلٍّ إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ بِعَيْنِ الرِّضَا وَإِلَى مُخَالِفِهِ بِعَيْنِ السُّخْطِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ فُضْلَيَاتِ نِسَاءِ سِوِيسَرَةَ دِينًا وَأَدَبًا وَعِلْمًا رَاقَبَتْ أَحْوَالَ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ وَسِيرَتَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً إِذْ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى مَدَرَسَةِ (جِنِيفْ) لِتَلَقِّي آدَابِ اللُّغَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ، وَكَلَّمَتْهُ مِرَارًا فِي مَسَائِلِ عِلْمِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّرْبِيَةِ وَكَانَتْ بَارِعَةً وَمُصَنِّفَةً فِيهِمَا فَأَعْجَبَهَا رَأْيُهُ، كَمَا أَعْجَبَهَا فَضْلُهُ وَهَدْيُهُ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ قَبْلَ أَنْ عَرَفْتُكَ أَنَّ الْقَدَاسَةَ تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِيِّينَ.
فَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذُكِرَ تَجَلَّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ الْمَعْنَوِيَّةُ وَالِاجْتِمَاعِيَّةُ الَّتِي صَدَّتِ الْحُكَّامَ وَالْفُقَهَاءَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَتَعَجَّبَ مِنْ سَعَةِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، الَّتِي يَتَوَهَّمُ الْجَاهِلُونَ أَنَّهَا ضِدُّ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِطْلَاقِ وَمُوَافَقَةِ كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَتَرَاهُمْ يَنْسُبُونَ إِلَى الْقُرْآنِ كُلَّ مَا يُنْكِرُونَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ آرَائِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ بِالْحَقِّ أَوْ بِالْبَاطِلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَامِلِينَ بِالْقُرْآنِ كَمَا يَجِبُ لَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ، بَلْ لَاتَّبَعَهُمُ النَّاسُ فِي هَدْيِهِمْ. كَمَا اتَّبَعُوا سَلَفَهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ بَلْ لَكَانُوا أَشَدَّ اتِّبَاعًا لَهُمْ. بِمَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ مُوَافَقَةِ هِدَايَتِهِ لِهَذَا الزَّمَانِ كَغَيْرِهِ، وَكَوْنِهَا أَرْقَى مِنْ كُلِّ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْبَشَرُ مِنْ نِظَامٍ وَأَحْكَامٍ، وَهَذَا مِنْ أَجْلِ مُعْجِزَاتِهِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْأَزْمَانِ.
(إِعْرَابُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ الَّذِي اضْطَرَبَ فِيهِ النُّحَاةُ) .
قَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا فَصَّلْنَاهُ أَنَّ الَّذِينَ عَدُّوا الْآيَتَيْنِ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ لِمُخَالَفَةِ مَذَاهِبِهِمْ لَهُمَا مُخْطِئُونَ وَأَنَّ الْوَاجِبَ رَدُّ الْمَذَاهِبِ إِلَيْهِمَا لَا تَأْوِيلُهُمَا لِتُوَافِقَا الْمَذَاهِبَ. وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَشْكَلُوا إِعْرَابَ جُمْلَةٍ مِنَ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَدُّوا لِأَجْلِهَا الْآيَةَ أَوِ الْآيَاتِ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ، فَإِنَّمَا أَوْقَعَهُمْ فِي ذَلِكَ احْتِمَالُ التَّرْكِيبِ لِعِدَّةِ وُجُوهٍ مِنَ الْإِعْرَابِ بِمَا فِيهِ مِنْ تَعَدُّدِ الْقِرَاءَاتِ، مَعَ اعْتِيَادِهِمْ تَقْدِيمَ الْإِعْرَابِ عَلَى الْمَعْنَى وَجَعْلَهُ هُوَ الْمُبَيِّنَ لَهُ، وَقَدِ اسْتَحْسَنَّا بَعْدَ إِيضَاحِ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ بِمَا تَقَدَّمَ أَنْ نَذْكُرَ مُلَخَّصَ مَا قِيلَ فِي إِعْرَابِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ نَقْلًا عَنْ (رُوحِ الْبَيَانِ) الَّذِي يَلْتَزِمُ تَحْقِيقَ الْمَبَاحِثِ النَّحْوِيَّةِ فِي الْآيَاتِ، عَسَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ الْقَارِئُ بِهِ عَنْ مُرَاجَعَةِ تَفْسِيرٍ آخَرَ، وَنَبْدَأُ بِجَوَابِ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ مَبْدَأُ مَا اسْتَشْكَلُوهُ مِنَ الْإِعْرَابِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
(فَآخَرَانِ) أَيْ فَرَجُلَانِ آخَرَانِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا) وَالْفَاءُ جَزَائِيَّةٌ وَهِيَ إِحْدَى مُسَوِّغَاتِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ وَلَا مَحْذُورَ فِي الْفَصْلِ بِالْخَبَرِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَصِفَتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ فَالشَّاهِدَانِ آخَرَانِ، وَجُمْلَةُ يَقُومَانِ صِفَتُهُ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ أُخْرَى. وَجَوَّزَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرٍ (يَقُومَانِ) وَقِيلَ: هُوَ فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَلْيَشْهَدْ آخَرَانِ. وَمَا بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، وَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ وَالْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ صِفَتُهُ وَضَمِيرُ (مَقَامَهُمَا) فِي جَمِيعِ الْأَوْجُهِ مُسْتَحَقٌّ لِلَّذِينِ اسْتَحَقَّا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَقَامِهِمَا مَقَامَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ الَّتِي تَوَلَّيَاهَا وَلَمْ يُؤَدِّيَاهَا كَمَا هِيَ بَلْ هُوَ مَقَامُ الْحَبْسِ وَالتَّحْلِيفِ. وَ " اسْتَحَقَّ " بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ عَلَى قِرَاءَةِ عَاصِمٍ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ وَبِهَا قَرَأَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَفَاعِلُهُ (الْأَوْلَيَانِ) وَالْمُرَادُ مِنَ الْوُصُولِ أَهْلُ الْمَيِّتِ، وَمِنَ الْأَوْلَيَيْنِ الْأَقْرَبَانِ إِلَيْهِ الْوَارِثَانِ لَهُ الْأَحَقَّانِ بِالشَّهَادَةِ لِقُرْبِهِمَا وَاطِّلَاعِهِمَا، وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ الْآخَرَانِ الْقَائِمَانِ مَقَامَ اللَّذَيْنِ اسْتَحَقَّا إِثْمًا، إِلَّا أَنَّهُ أُقِيمَ الْمُظْهَرُ مَقَامَ ضَمِيرِهِمَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى وَصْفِهِمَا بِهَذَا الْوَصْفِ، وَمَفْعُولُ " اسْتَحَقَّ " مَحْذُوفٌ
وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يُجَرِّدَهُمَا لِلْقِيَامِ بِالشَّهَادَةِ لِيُظْهِرُوا بِهِمَا كَذِبَ الْكَاذِبِينَ، وَقَدَّرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَصِيَّتَهُمَا، وَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَا لَهُمْ وَتَرِكَتَهُمْ. وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوْلِيَاءِ الْوَصِيَّانِ اللَّذَانِ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُمَا، وَسَبَبُ أَوْلَوِيَّتِهِمَا: أَنَّ الْمَيِّتَ عَيَّنَهُمَا لِلْوَصِيَّةِ، فَمَعْنَى " اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ " خَانَ فِي مَالِهِمْ وَجَنَى عَلَيْهِمُ الْوَصِيَّانِ اللَّذَانِ
عُثِرَ عَلَى خِيَانَتِهِمَا، وَعَلَى هَذَا لَا ضَرُورَةَ إِلَى الْقَوْلِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ:" اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ " بِبِنَاءِ اسْتُحِقَّ لِلْمَفْعُولِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَرْجِعِ ضَمِيرِهِ وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ الْإِثْمُ وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَوْصُولِ الْوَرَثَةُ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْإِثْمِ عَلَيْهِمْ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِينَ جَنَى عَلَيْهِمْ وَارْتَكَبَ الذَّنْبَ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِمْ هُمُ الْوَرَثَةُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْإِيصَاءُ، وَقِيلَ: الْوَصِيَّةُ لِتَأْوِيلِهَا بِمَا ذُكِرَ، وَقِيلَ: الْمَالُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِ رَفْعِ (الْأَوْلَيَانِ) فَقِيلَ: إِنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (آخَرَانِ) أَيِ (الْأَوْلَيَانِ) بِأَمْرِ الْمَيِّتِ آخَرَانِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ الْإِخْبَارَ عَنِ النَّكِرَةِ بِالْمَعْرِفَةِ وَهُوَ مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى مَنْعِهِ فِي مِثْلِهِ، وَقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أَيْ هُمَا الْآخَرَانِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ، وَقِيلَ: بَدَلٌ مِنْ آخَرَانِ، وَقِيلَ: عَطْفُ بَيَانٍ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ عَدَمُ اتِّفَاقِ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَعَ أَنَّهُمْ شَرَطُوهُ حَتَّى مَنْ جَوَّزَ تَنْكِيرَهُ، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ نَزْرٍ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ، وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ فَاعِلِ يَقُومَانِ، وَكَوْنُ الْمُبْدَلِ مِنْهُ فِي حُكْمِ الطَّرْحِ لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ حَتَّى يَلْزَمَ خُلُوَّ تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ خَبَرًا أَوْ صِفَةً عَنِ الضَّمِيرِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ طُرِحَ وَقَامَ هَذَا مَقَامَهُ كَانَ مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فَيَكُونُ رَابِطًا وَقِيلَ: هُوَ صِفَةُ آخَرَانِ وَفِيهِ. وَصْفُ النَّكِرَةِ بِالْمَعْرِفَةِ، وَالْأَخْفَشُ أَجَازَهُ هُنَا; لِأَنَّ النَّكِرَةَ بِالْوَصْفِ قَرُبَتْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ قِيلَ: وَهَذَا عَلَى عَكْسِ
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
فَإِنَّهُ يُؤَوَّلُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. وَهَذَا أُوِّلِ فِيهِ النَّكِرَةُ بِالْمَعْرِفَةِ، أَوْ جُعِلَتْ فِي حُكْمِهَا لِلْوَصْفِ، وَيُمْكِنُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بِأَنْ يَجْعَلَ الْأَوْلَيَانِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِمَا كَالنَّكِرَةِ، وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ نَائِبُ فَاعِلِ " اسْتَحَقَّ " وَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدَابَ الْأَوْلَيَيْنِ مِنْهُمْ لِلشَّهَادَةِ كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أَوْ إِثْمَ الْأَوْلَيَيْنِ كَمَا قِيلَ، وَهُوَ تَثْنِيَةُ الْأَوْلَى قُلِبَتْ أَلِفُهُ يَاءً عِنْدَهَا، وَفِي عَلَى فِي " عَلَيْهِمْ " أَوْجُهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا، وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنَى فِي، وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا بِمَعْنَى مِنْ، وَفَسَّرَ اسْتَحَقَّ بِطَلَبِ الْحَقِّ
وَبِحَقٍّ وَغَلَبٍ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَخَلَفٌ وَحَمْزَةُ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ " اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلِينَ " بِبِنَاءٍ اسْتَحَقَّ لِلْمَفْعُولِ وَالْأَوَّلِينَ جَمْعُ أَوَّلٍ الْمُقَابِلِ لِلْآخِرِ وَهُوَ مَجْرُورٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الَّذِينَ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ. وَمَعْنَى الْأَوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلَى الْأَجَانِبِ فِي الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: التَّقَدُّمُ فِي الذِّكْرِ لِدُخُولِهِمْ فِي (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ " الْأَوَّلَانِ " بِالرَّفْعِ وَهُوَ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْأَوْلَيَانِ، وَقُرِئَ " الْأَوَّلَيْنِ " بِالتَّثْنِيَةِ وَالنَّصْبِ، وَقَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ " الْأَوْلَيَيْنِ " بِيَاءَيْنِ، تَثْنِيَةُ أَوْلَى مَنْصُوبًا، وَقَرَأَ " الْأَوْلَيْنِ " بِسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ أَوْلَى كَأَعْلَيْنِ، وَإِعْرَابُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ اهـ.
(يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ
نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) .
بَيَّنَا فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ الْآيَتَيْنِ 87، 88 مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَجْهَ الِاتِّصَالِ وَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ مَجْمُوعِ آيَاتِهَا وَطَوَائِفِهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى هَذَا السِّيَاقِ الْأَخِيرِ مِنْهَا وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِمُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَامَّةً، وَالنَّصَارَى مِنْهُمْ خَاصَّةً، وَفِيهِ ذَلِكَ الْمَعَادُ وَالْحِسَابُ وَالْجَزَاءُ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ أَمْرُ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الدِّينِ وَأَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخَاطَبِينَ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي سَبَقَ بَيَانُهَا، وَهَذَا هُوَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ وَالِاتِّصَالِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا قَبْلَهَا مُبَاشَرَةً مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ. وَيَرَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ كَلِمَةَ " يَوْمٍ " أَوَّلُهَا فِي مُتَعَلِّقَاتِ الْآيَةِ أَوِ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا كَمَا نَرَى فِيهَا يَلِي:
(يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) قِيلَ: إِنَّ هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ مِنْ آخِرِ جُمْلَةٍ مِمَّا قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ إِلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ فِي الْآخِرَةِ وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَمَا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أَقْوَامُهُمْ أَوْ لَا يَهْدِيهِمْ يَوْمَئِذٍ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (وَاتَّقُوا اللهَ) أَوْ بِقَوْلِهِ: (وَاسْمَعُوا) أَيْ وَاتَّقُوا عِقَابَ اللهِ يَوْمَ جَمْعِهِ الرُّسُلَ أَوْ وَاسْمَعُوا يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ. أَيْ خَبَرَهُ وَمَا يَكُونُ فِيهِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مُنْقَطِعَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا وَالْمَعْنَى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ وَيَسْأَلُهُمْ يَكُونُ مِنَ الْأَهْوَالِ مَا لَا يَفِي بِبَيَانِهِ مَقَالٌ، أَوِ الْمَعْنَى وَاذْكُرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ: مَاذَا أَجَبْتُمْ؟ وَهَذَا التَّقْدِيرُ أَظْهَرُ، وَلَهُ فِي التَّنْزِيلِ
نَظَائِرُ. وَالْمُرَادُ مِنَ السُّؤَالِ تَوْبِيخُ أُمَمِهِمْ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ مِنْهُمْ، وَالْمَعْنَى أَيُّ إِجَابَةٍ أَجَبْتُمْ، أَإِجَابَةُ إِيمَانٍ وَإِقْرَارٍ أَمْ إِجَابَةُ كُفْرٍ وَاسْتِكْبَارٍ؟ فَهُوَ سُؤَالٌ عَنْ نَوْعِ الْإِجَابَةِ لَا عَنِ الْجَوَابِ مَاذَا كَانَ، وَإِلَّا لَقُرِنَ بِالْبَاءِ. وَقِيلَ: الْبَاءُ مَحْذُوفَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ بِمَاذَا أَجَبْتُمْ. وَهَذَا السُّؤَالُ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبِيلِ سُؤَالِ الْمَوْءُودَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)(81: 8، 9) فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَجْهٌ إِلَى الشَّاهِدِ دُونَ الْمُتَّهَمِ لِمَا ذُكِرَ آنِفًا مِنَ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ يَكُونُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ، وَيَشْهَدُونَ عَلَى الْأُمَمِ بَعْدَ التَّفْوِيضِ الْآتِي، أَوْ عَقِبَ سُؤَالٍ غَيْرِ هَذَا، وَيَسْأَلُ اللهُ تَعَالَى الْأُمَمَ فِي مَوْقِفٍ آخَرَ أَوْ فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا هُوَ شَأْنُ قُضَاةِ التَّحْقِيقِ فِي سُؤَالِ الْخَصْمِ وَالشُّهُودِ لِتَحَقُّقِ شَرَائِطِ الْحُكْمِ الصَّحِيحِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ، قَالَ تَعَالَى:(فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)(7: 6، 7) .
وَلَمَّا كَانَ تَعَالَى يَسْأَلُ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ، وَكَانَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عِلْمٍ يَقِينِيٍّ بِذَلِكَ يَكُونُ جَوَابُهُمْ فِي أَوَّلِ الْعَهْدِ بِالسُّؤَالِ التَّبَرُّؤَ مِنَ الْعِلْمِ وَتَفْوِيضَهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى إِمَّا لِنُقْصَانِ عِلْمِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِمَّا لِمَا يُفَاجِئُهُمْ مِنْ فَزَعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ هَوْلِهِ أَوْ ذُهُولِهِ كَمَا نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
(قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) جَاءَ الْجَوَابُ مُنْفَصِلًا كَسَائِرِ مَا يَأْتِي مِنْ أَقْوَالِ الْمُرَاجَعَةِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ، وَعَبَّرَ بِالْمَاضِي عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ وَقَعَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَقُولُونَ لِلرَّبِّ: لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا عِلْمٌ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا. يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ بِنَفْيٍ لِعِلْمِهِمْ بِإِطْلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ نَفْيٌ لِعِلْمِ الْإِحَاطَةِ الَّذِي هُوَ خَاصٌّ بِالْخَلَّاقِ الْعَلِيمِ; إِذِ الرُّسُلُ كَانُوا يَعْلَمُونَ ظَاهِرَ مَا أُجِيبُوا بِهِ مِنْ مُخَاطِبِيهِمْ وَلَا يَعْلَمُونَ بَوَاطِنَهُمْ، وَلَا حَالَ مَنْ لَمْ يَرْوِهِ مِنْ أُمَمِهِمْ، إِلَّا مَا يُوحِيهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ; وَلِذَلِكَ فَقَرَنُوا نَفْيَ الْعِلْمِ عَنْهُمْ بِإِثْبَاتِ الْمُبَالَغَةِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ لَهُ تَعَالَى، فَإِنَّ صِيغَةَ " عَلَّامُ " مَعْنَاهَا كَثِيرُ الْعِلْمِ، أَيْ بِكَثْرَةِ الْمَعْلُومَاتِ، وَإِلَّا فَعَلِمُهُ وَاحِدٌ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ إِحَاطَةً كَامِلَةً. وَلَا يُوصَفُ تَعَالَى بِالْعَلَّامَةِ، وَلَعَلَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَاءِ
التَّأْنِيثِ. قَالَ تَعَالَى لِنُوحٍ عليه السلام لَمَّا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُنْجِيَ وَلَدَهُ مِنَ الطُّوفَانِ: (فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(11: 46) وَقَالَ لِخَاتَمِ رُسُلِهِ عليه الصلاة والسلام: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(9: 101) .
وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ الرُّسُلَ أَرَادُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ حَقِيقَةِ حَالِ أُمَمِهِمْ إِلَّا الظَّنُّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ حَالِهِمْ لَا الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، بِدَلِيلِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ (قَالَ) فَالْأَنْبِيَاءُ قَالُوا: لَا عِلْمَ لَنَا أَلْبَتَّةَ بِأَحْوَالِهِمْ إِنَّمَا الْحَاصِلُ عِنْدَنَا مِنْ أَحْوَالِهِمْ هُوَ الظَّنُّ، وَالظَّنُّ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي الدُّنْيَا; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ فِي الدُّنْيَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الظَّنِّ، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَلَا الْتِفَاتَ فِيهَا إِلَى الظَّنِّ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ فِي الْآخِرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِ الْأُمُورِ. فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالُوا:(لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا)(2: 32) وَلَمْ يَذْكُرُوا أَلْبَتَّةَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الظَّنِّ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي الْقِيَامَةِ اهـ.
وَنَقُولُ: إِنَّ هَذَا رَأْيٌ ضَعِيفٌ وَإِنْ بُنِيَ عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْأُصُولِ فِي تَفْسِيرِ الظَّنِّ وَالْعِلْمِ، وَالصَّوَابُ مَا بَيَّنَاهُ قَبْلَهُ وَذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ يَعْلَمُونَ كَثِيرًا مِنَ الْحَقَائِقِ عِلْمًا يَقِينِيًّا، كَاسْتِكْبَارِ الْمُجْرِمِينَ عَنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَمِنْ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ مَا شَهِدَ بِهِ التَّنْزِيلُ إِذْ أَخْبَرَهُمُ اللهُ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُعَانِدِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، وَأَنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَحَقَّ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَاشِفُ النَّبِيَّ بِحَالِهِمْ وَيَمْثُلُونَ لَهُ فِي النَّارِ كَمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ صَادِقُونَ فِي إِيمَانِهِمْ وَبَشَّرَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ ضُعَفَاءُ الْإِيمَانِ وَلَكِنَّ إِيمَانَهُمْ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَالْعِلْمُ بِالظَّوَاهِرِ يَقْبَلُ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْجَاحِدِينَ إِذْ لَا عِبْرَةَ بِالْإِيمَانِ فِي الْبَاطِنِ مَعَ الْجُحُودِ فِي الظَّاهِرِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ الْكُفْرِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى أُمَمِهِمْ، فَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَحْوَالِ أُمَمِهِمْ ظَنًّا
لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي الْقِيَامَةِ لَمَا كَانَ لِشَهَادَتِهِمْ فَائِدَةٌ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)(4: 41) .
ذَكَرَ اللهُ سُؤَالَ الرُّسُلِ وَجَوَابَهُمْ بِالْإِجْمَالِ ثُمَّ بَيَّنَ بِالتَّفْصِيلِ سُؤَالَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنِ التَّبْلِيغِ وَجَوَابِهِ عَنِ السُّؤَالِ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ يَدَّعُونَ اتِّبَاعَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ حَاجَّتْهُمْ
هَذِهِ السُّورَةُ فِيمَا يَقُولُونَ فِي رَسُولِهِمْ أَوْسَعَ الِاحْتِجَاجِ، وَأَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الْبُرْهَانَ فِي إِثْرِ الْبُرْهَانِ، وَقَدَّمَ عز وجل عَلَى هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَا خَاطَبَ بِهِ هَذَا الرَّسُولَ مِنْ بَيَانِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَآيَاتِهِ لَهُ الَّتِي كَانَتْ مَنْشَأَ افْتِتَانِ النَّاسِ بِهِ فَقَالَ:
(إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ) بَدَلٌ مِنْ " يَوْمَ يَجْمَعُ " وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) أَيْ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يُوَبِّخُ الْكَفَرَةَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤَالِ الرُّسُلِ عَنْ إِجَابَتِهِمْ وَتَعْدِيلِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْآيَاتِ، فَكَذَّبَتْهُمْ طَائِفَةٌ وَسَمَوْهُمْ سَحَرَةً، وَغَلَا آخَرُونَ وَاتَّخَذُوهُمْ آلِهَةً. أَوْ نُصِبَ بِإِضْمَارِ " اذْكُرْ " اهـ.
وَالنِّعْمَةُ تُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا وَاسْمًا لِمَا حَصَلَ بِالْمَصْدَرِ، وَالْمُفْرَدُ الْمُضَافُ يُفِيدُ التَّعَدُّدَ وَالْمَعْنَى: اذْكُرْ إِنْعَامِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ، وَقْتَ تَأْيِيدِي إِيَّاكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ إِلَخْ. أَوِ اذْكُرْ نِعَمِي حَالَ كَوْنِهَا وَاقِعَةً عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ أَيْ قَوَّيْتُكَ شَيْئًا فَشَيْئًا بِرُوحِ الْقُدُسِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ حُجَّتُكَ، وَتَبْرَأُ مِنْ تُهْمَةِ الْفَاحِشَةِ وَالِدَتُكَ، حَالَ كَوْنِكَ تُكَلِّمُ النَّاسِ فِي الْمَهْدِ بِمَا يُبَرِّئُهَا مِنْ قَوْلِ الْآثِمِينَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَيْهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا غُلَامٌ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ يَكُونُ أَبًا لَهُ، وَكَهْلًا حِينَ بَعَثْتُ فِيهِمْ رُسُلًا تُقِيمُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِمَا ضَلُّوا بِهِ عَنِ الْحُجَّةِ، فَكَلَامُهُ فِي الْمَهْدِ هُوَ قَوْلُهُ:(إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)(19: 30) إِلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ.
وَرُوحُ الْقُدُسِ هُوَ مَلَكُ الْوَحْيِ الَّذِي يُؤَيِّدُ اللهُ بِهِ الرُّسُلَ بِالتَّعْلِيمِ الْإِلَهِيِّ وَالتَّثْبِيتِ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي مِنْ شَأْنِ الْبَشَرِ أَنْ يَضْعُفُوا فِيهَا. قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْقُرْآنِ: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(16: 102) . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَالَ تَعَالَى:(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)(8: 12) .
(وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) أَيْ وَنِعْمَتِي عَلَيْكَ إِذْ عَلَّمْتُكَ قِرَاءَةَ الْكِتَابِ أَيْ مَا يُكْتَبُ أَوِ الْكِتَابَةَ بِالْقَلَمِ، أَيْ وَفَّقْتُكَ لِتَعَلُّمِهَا، وَالْحِكْمَةَ. . وَهِيَ
الْعِلْمُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَبْعَثُ الْإِرَادَةَ إِلَى الْعَمَلِ النَّافِعِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْإِقْنَاعِ وَالْعِبْرَةِ وَالْبَصِيرَةِ وَفِقْهِ
الْأَحْكَامِ، وَالتَّوْرَاةَ: وَهِيَ الشَّرِيعَةُ الْمُوسَوِيَّةُ، وَالْإِنْجِيلَ: وَهُوَ مَا أَوْحَاهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ، وَالْبِشَارَةِ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَدْ سَبَقَ لَنَا تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي حَقِيقَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي تَفْسِيرِ أَوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [ص 129 إِلَى 132 ج 3 ط الْهَيْئَةِ] وَفِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ [ص 234 250 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] .
(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) قَرَأَ نَافِعٌ هُنَا وَفِي آيَةِ آلِ عِمْرَانَ " فَتَكُونُ طَائِرًا " وَالطَّائِرُ وَاحِدُ الطَّيْرِ كَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ وَالْجُمْهُورُ: " فَتَكُونُ طَيْرًا " قِيلَ: هُوَ جَمْعٌ، وَقِيلَ: اسْمُ جَمْعٍ، وَأَجَازَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقُطْرُبُ إِطْلَاقَ طَيْرٍ عَلَى الْوَاحِدِ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ الْمَصْدَرُ كَمَا وَجَّهَهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَلَفَظُ الطَّيْرِ مُؤَنَّثٌ بِمَعْنَى جَمَاعَةٍ. وَالْخَلْقُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ؛ أَيْ جَعْلُ الشَّيْءِ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ. يُقَالُ: خَلَقَ الْإِسْكَافِيُّ النَّعْلَ ثُمَّ فَرَاهُ، أَيْ عَيَّنَ شَكْلَهُ وَمِقْدَارَهُ، ثُمَّ قَطَعَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ، وَبَعْ
…
ضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لْا يَفْرِي
وَمِنْهُ خَلْقُ الْكَذِبِ وَالْإِفْكِ قَالَ تَعَالَى: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا)(29: 17) أَيْ تُقَدِّرُونَ وَتُزَوِّرُونَ كَلَامًا يَأْفِكُ سَامِعَهُ أَيْ يَصْرِفُهُ عَنِ الْحَقِّ. وَيُسْتَعْمَلُ فِي إِيجَادِ اللهِ تَعَالَى الْأَشْيَاءَ بِتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ فِي عِلْمِهِ، وَالْمَعْنَى: وَاذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ إِذْ تَجْعَلُ قِطْعَةً مِنَ الطِّينِ مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ فِي شَكْلِهَا وَمَقَادِيرِ أَعْضَائِهَا فَتَنْفُخُ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، أَوْ بِتَسْهِيلِهِ أَوْ تَكْوِينِهِ، إِذْ يَجْعَلُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ نَفْسَكَ سَبَبًا لِحُلُولِ الْحَيَاةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مِنَ الطِّينِ، فَأَنْتَ تَفْعَلُ التَّقْدِيرَ وَالنَّفْخَ، وَاللهُ هُوَ الَّذِي يُكَوِّنُ الطَّيْرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ كَلَامٌ مِنْ شَيْخِنَا الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ، مَضْمُونُهُ أَنَّ عِيسَى عليه السلام أُعْطِيَ هَذِهِ الْآيَةَ أَيْ مَكَّنَهُ اللهُ مِنْهَا وَلَمْ يَفْعَلْهَا.
وَاسْتَدْرَكْنَا عَلَى ذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى دَلَالَةِ آيَةِ الْمَائِدَةِ هَذِهِ عَلَى وُقُوعِهَا مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ بِذَلِكَ، وَبَيَّنَّا سِرَّ ذَلِكَ وَحِكْمَتَهُ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ وَهُوَ قُوَّةُ رُوحَانِيَّةِ عِيسَى عليه السلام، وَلَا يَبْعُدُ كِتْمَانُ الْيَهُودِ لِهَذِهِ الْآيَةِ إِذَا كَانَ رَآهَا بَعْضُهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَعَدَّهُ مِنَ السِّحْرِ اعْتِقَادًا أَوْ مُكَابَرَةً وَخَافَ أَنْ تَجْذِبَ قَوْمَهُ إِلَى الْمَسِيحِ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:(بِإِذْنِي)
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُعْطَ هَذِهِ الْقُوَّةَ دَائِمًا بِحَيْثُ جُعِلَ السَّبَبُ الرُّوحِيُّ فِيهَا كَالْأَسْبَابِ الْجُسْمَانِيَّةِ الْمُطَّرِدَةِ، بَلْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَغَيْرِهَا لَا تَقَعُ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ اللهِ وَتَأْيِيدٍ مِنْ لَدُنْهِ، وَنُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِالْمُضَارِعِ عَنْ فِعْلٍ مَضَى هِيَ تَصْوِيرُ ذَلِكَ الْمَاضِي وَتَمْثِيلُهُ حَاضِرًا فِي الذِّهْنِ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ فِي الْخَارِجِ، لَا لِإِفَادَةِ الِاسْتِمْرَارِ، فَإِنَّهُ فِعْلٌ مَضَى وَالْكَلَامُ تَذْكِيرٌ بِهِ كَمَا وَقَعَ إِذْ وَقَعَ.
(وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) عَطَفَ التَّذْكِيرَ بِإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُبَاشَرَةً فَلَمْ يَبْدَأْ بِإِذْ، وَبُدِئَ بِهَا لِلتَّذْكِيرِ بِإِخْرَاجِ الْمَوْتَى، فَكَانَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ:(إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) وَلَعَلَّ نُكْتَةَ ذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ مِنْ جِنْسِ
شِفَاءِ الْمَرَضِ الَّذِي قَدْ يَقَعُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ عَلَى أَيْدِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَظُنُّ الْمَرْضَى فِيهِمُ الصَّلَاحَ وَالْوِلَايَةَ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ ذُكِرَ بِالتَّبَعِ لِإِحْيَاءِ الصُّورَةِ مِنَ الطَّيْرِ، وَلَمَّا كَانَ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى أَعْظَمَ مِنْهُ جُعِلَ نِعْمَةً مُسْتَقِلَّةً فَقُرِنَ بِإِذْ، وَالْمُرَادُ بِالْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمَوْتَى الْجِنْسُ وَالْأَكْمَهُ مَنْ وُلِدَ أَعْمَى، وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ عَمِيَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَيْضًا. وَفِي كُتُبِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ أَنَّهُ أَبْرَأَ كَثِيرًا مِنَ الْعُمْيِ وَالْبُرْصِ وَأَحْيَا ثَلَاثَةَ أَمْوَاتٍ:(الْأَوَّلُ) ابْنُ أَرْمَلَةَ وَحِيدٌ فِي (نَابِينَ) كَانُوا يَحْمِلُونَهُ عَلَى النَّعْشِ فَلَمَسَ النَّعْشَ وَأَمَرَ الْمَيِّتَ أَنْ يَقُومَ مِنْهُ فَقَامَ، فَقَالَ الشَّعْبُ:" قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهَ " أَيْ شَعْبُ إِسْرَائِيلَ انْتَهَى. (مِنْ إِنْجِيلِ لُوقَا 7: 11 17) . (الثَّانِي) ابْنَةُ رَئِيسٍ مَاتَتْ وَدَعَاهُ لِإِحْيَائِهَا فَجَاءَ بَيْتَهُ وَقَالَ لِلْجَمِيعِ: " تَنَحُّوا، فَإِنَّ الصَّبِيَّةَ لَمْ تَمُتْ لَكِنَّهَا نَائِمَةٌ فَضَحِكُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَخْرَجَ الْجَمْعَ دَخَلَ وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا فَقَامَتِ الصَّبِيَّةُ " وَالْقِصَّةُ فِي (إِنْجِيلِ مَتَّى 9: 18 26) وَنَفْيُهُ لِمَوْتِهَا ثُمَّ إِثْبَاتُهُ لِنَوْمِهَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالنَّوْمِ الْمَوْتَ مَجَازًا عَلَى مَا نَقُلْ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَعَلَيْهِ قَدْ يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُغْمِيَ عَلَيْهَا فَظَنُّوا أَنَّهَا مَاتَتْ فَعُلِمَ بِالْكَشْفِ أَوِ الْوَحْيِ أَنَّهَا لَمْ تَمُتْ، وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَثِقُونَ بِنُقُولِ الْقَوْمِ وَلَا بِدِقَّتِهِمْ فِي التَّرْجَمَةِ وَمُرَاعَاةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِثْبَاتُ بَعْدَ النَّفْيِ. (الثَّالِثُ) لِعَازَرَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ جِدًّا وَيُحِبُّ أُخْتَيْهِ مَرْيَمَ وَمَرْثَا كَمَا يُحِبُّونَهُ، فَفِي الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّهُ كَانَ مَاتَ فِي بَيْتٍ عُنِيًّا، وَوُضِعَ فِي مَغَارَةٍ، فَجَاءَ الْمَسِيحُ وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقَ وَقَالَ: " أَيُّهَا الْآبُّ أَشْكُرُكَ
لِأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي، وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي، وَلَكِنْ لِأَجْلِ هَذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ لِيُؤْمِنُوا إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَلَمَّا قَالَ هَذَا: صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ " لِعَازَرَ هَلُمَّ خَارِجًا " فَخَرَجَ الْمَيِّتُ إِلَخْ. وَمَلَاحِدَةُ أُورُبَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ لِعَازَرَ تَمَاوَتَ بِإِذْنِ الْمَسِيحِ وَالتَّوَاطُؤِ مَعَهُ. . . وَقَدْ كَذَبُوا أَخْزَاهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَنْقُلِ النَّصَارَى عَنْهُ أَنَّهُ أَحْيَا أَمْوَاتًا كَانُوا تَحْتَ التُّرَابِ بَعْدَ الْبِلَى كَمَا نُقِلَ عَنْ دَانْيَالَ عليهما السلام.
وَتَكْرَارُ كَلِمَةِ الْإِذْنِ بِتَقْيِيدِ كُلِّ فِعْلٍ مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ بِهَا يُفِيدُ أَنَّهُ مَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ الْخَاصَّةِ وَقُدْرَتِهِ. وَالْإِذْنُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِعْلَامِ بِإِجَازَةِ الشَّيْءِ وَالرُّخْصَةِ فِيهِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِهِ وَكَذَا عَلَى الْمَشِيئَةِ وَالتَّيْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ)(2: 102) وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ بِإِجَازَتِهِ أَوْ أَمْرِهِ، وَمِثْلُهُ بَلْ أَظْهَرُ مِنْهُ قَوْلَهُ:(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ)(3: 166) أَيْ بِإِرَادَتِهِ وَتَيْسِيرِهِ.
(وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) أَيْ وَاذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ حِينَ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ فَلَمْ أُمَكِّنْهُمْ مِنْ قَتْلِكَ وَصَلْبِكَ وَقَدْ أَرَادُوا ذَلِكَ وَقْتَ تَكْذِيبِ كُفَّارِهِمْ إِيَّاكَ وَزَعْمِهِمْ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا سِحْرًا ظَاهِرًا، لَا مِنْ جِنْسِ الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى، عَلَى أَنَّهَا مِثْلُهَا
أَوْ أَظْهَرُ مِنْهَا، قَرَأَ الْجُمْهُورُ (سِحْرٌ) وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (سَاحِرٌ) بِالْأَلْفِ، وَرَسَمَهَا فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ بِغَيْرِ أَلِفٍ كَكَلِمَةِ (مَلِكُ) فِي الْفَاتِحَةِ وَتُقْرَأُ (مَالِكُ) ، وَكَلِمَةِ (الْكُتُبُ) فِي عِدَّةِ سُوَرٍ تُقْرَأُ فِيهَا (الْكِتَابُ) بِالْإِفْرَادِ كَمَا تُقْرَأُ فِي بَعْضِهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَلَوْ كُتِبَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِالْأَلِفِ لَمَا احْتَمَلَتْ إِلَّا قِرَاءَةَ الْمَدِّ وَحْدَهَا، وَظَاهِرٌ أَنَّ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ (سِحْرٌ) يُرَادُ بِهَا أَنَّ تِلْكَ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مِنَ السِّحْرِ وَهُوَ التَّمْوِيهُ وَالتَّخْيِيلُ الَّذِي يُرِي الْإِنْسَانَ الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ، أَوْ مَا لَهُ سَبَبٌ خَفِيٌّ عَنْ غَيْرِ فَاعِلِهِ وَأَنَّ قِرَاءَةَ (سَاحِرٌ) يُرَادُ بِهَا أَنَّ مَنْ أَتَى بِتِلْكَ الْبَيِّنَاتِ سَاحِرٌ، إِذْ جَاءَ بِأَمْرٍ صِنَاعِيٍّ أَوْ بِتَخْيِيلٍ بَاطِلٍ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْقِرَاءَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسَى عليه السلام طَعَنُوا فِي تِلْكَ الْآيَاتِ بِأَنَّهَا سِحْرٌ، وَفِيمَنْ جَاءَ بِهَا بِأَنَّهُ مَنْ جِنْسِ السَّحَرَةِ، أَيْ فَلَا يُعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِمَّا يَظْهَرُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَأَفَادَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِنْ جَاءَهُمْ بِآيَاتٍ أُخْرَى، إِذْ لَمْ يَكُنِ الطَّعْنُ فِيمَا كَانَ قَدْ جَاءَ بِهِ لِشُبُهَاتٍ
تَتَعَلَّقُ بِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ عَنْ عِنَادٍ وَمُكَابَرَةٍ ادَّعَوْا بِهِمَا أَنَّ السِّحْرَ صَنْعَةٌ لَهُ يَجِبُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ غَرِيبٍ يَجِيءُ بِهِ.
(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) أَيْ وَاذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ حِينَ أَلْهَمْتُ الْحَوَارِيِّينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِكَ وَقَدْ كَذَّبَكَ جُمْهُورُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَعَلْتُهُمْ أَنْصَارًا لَكَ يُؤَيِّدُونَ حُجَّتَكَ وَيَنْشُرُونَ دَعْوَتَكَ. وَالْوَحْيُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ الْإِشَارَةُ السَّرِيعَةُ الْخَفِيَّةُ، أَوِ الْإِعْلَامُ بِالشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ وَخَفَاءٍ كَمَا بَيَّنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ وُجِدَ هَذَا التِّلِغْرَافُ فِي عَهْدِ الْعَرَبِ الْخُلَّصِ لَسَمَّوْا خَبَرَهُ وَحْيًا، وَالْمِصْرِيُّونَ يُسَمُّونَهُ حَتَّى فِي الرَّسْمِيَّاتِ إِشَارَةً، وَأُطْلِقَ الْوَحْيُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا يُلْقِيهِ اللهُ تَعَالَى فِي نُفُوسِ الْأَحْيَاءِ مِنَ الْإِلْهَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا)(16: 68) وَقَوْلِهِ: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)(28: 7) وَهَكَذَا أَلْقَى اللهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الْحَوَارِيِّينَ الْإِيمَانَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ عِيسَى عليه السلام، وَقِيلَ: الْوَحْيُ إِلَيْهِمْ هُوَ مَا أَنْزَلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ.
وَالْحَوَارِيُّونَ جَمْعُ حَوَارِيٍّ وَهُوَ مَنْ خَلُصَ لَكَ، وَأَخْلَصَ سِرًّا وَجَهْرًا فِي مَوَدَّتِكَ وَمَعْنَاهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ اللَّوْنِ، وَالْحَوَارِيَّاتُ مِنَ النِّسَاءِ النَّقِيَّاتُ الْأَلْوَانِ وَالْجُلُودِ لِبَيَاضِهِنَّ قَالَ فِي اللِّسَانِ: وَالْأَعْرَابُ تُسَمِّي الْأَمْصَارَ حَوَارِيَّاتٍ لِبَيَاضِهِنَّ وَتَبَاعُدِهِنَّ مِنْ قَشَفِ الْأَعْرَابِ بِنَظَافَتِهِنَّ قَالَ:
فَقُلْتُ إِنَّ الْحَوَارِيَّاتِ مَعْطَبَةٌ
…
إِذا تَفَتَّلْنَ مِنْ تَحْتِ الْجَلَابِيبِ
وَأَمَّا الْحُورُ الْعَيْنُ فَهُمَا جَمْعُ حَوْرَاءَ وَعَيْنَاءَ مِنَ الْحَوَرِ (بِالتَّحْرِيكِ) وَهُوَ شِدَّةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ مَعَ شِدَّةِ سَوَادِهَا، فَالْحَوْرَاءُ مُؤَنَّثُ الْأَحْوَرِ، وَالْحَوَارِيَّةُ مُؤَنَّثُ الْحَوَارِيِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الْحِوَارِيُّ بِمَعْنَى النَّفْيِ الْخَالِصِ فِي غَيْرِ اللَّوْنِ، قَالَ فِي اللِّسَانِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحَوَارِيُّونَ صَفْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ خَلَصُوا لَهُمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْحَوَارِيُّونَ خُلْصَانُ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام وَصَفْوَتُهُمْ قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: " الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي، وَحَوَارِيِّي مِنْ أُمَّتِي " أَيْ خَاصَّتِي مِنْ أَصْحَابِي وَنَاصِرِي قَالَ: وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَوَارِيُّونَ، وَتَأْوِيلُ الْحَوَارِيِّينَ فِي اللُّغَةِ الَّذِينَ أَخْلَصُوا وَنَقَوْا
مَنْ كُلِّ عَيْبٍ اهـ. وَاللُّغَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى النَّقَاءِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهَذَا التَّحْدِيدِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى النَّقَاءِ وَالْخُلُوصِ مُطْلَقًا، فَيَكْفِي فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ خَلَصُوا لِنَصْرِهِ أَوْ خَلَصُوا وَنَقَوْا مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَقَدْ حَكَى الله عَنْهُمْ هُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: آمَنَّا، أَيْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى عليه السلام، وَأَشْهَدُوا اللهَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ أَيْ مُخْلِصُونَ فِي إِيمَانِهِمْ، مُذْعِنُونَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَحَكَى عَنْهُمْ فِي سُورَتَيْ (آلِ عِمْرَانَ 52) وَ (الصَّفِّ 14) أَنَّهُمْ حِينَ قَالَ الْمَسِيحُ:(مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ)(هـ) قَالُوا: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ) .
(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) قَالَ أَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيُّ فِي تَفْسِيرِ: " إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ " مَا نَصُّهُ: كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيَانِ بَعْضِ مَا جَرَى بَيْنَهُ عليه السلام وَبَيْنَ قَوْمِهِ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ الْإِظْهَارُ فِي مَوْقِعِ الْإِضْمَارِ، وَ " إِذْ " مَنْصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام، بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الْخِطَابِ وَالِالْتِفَاتِ، لَكِنَّ لَا لِأَنَّ الْخِطَابَ السَّابِقَ لِعِيسَى عليه السلام فَإِنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةُ خِطَابٍ، بَلْ لِأَنَّ الْخِطَابَ لِمَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:(اتَّقُوا اللهَ) الْآيَةَ فَتَأَمَّلْ كَأَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَقِيبِ حِكَايَةِ مَا صَدَرَ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ مِنَ الْمَقَالَةِ الْمَعْدُودَةِ مِنْ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى الْفَائِضَةِ عَلَى عِيسَى عليه السلام. اذْكُرِ النَّاسَ وَقْتَ قَوْلِهِمْ إِلَخْ. وَقِيلَ:
هُوَ ظَرْفٌ لِقَالُوا، أُرِيدَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ ادِّعَاءَهُمُ الْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ لَمْ يَكُنْ
عَنْ تَحْقِيقٍ وَإِيقَانٍ وَلَا يُسَاعِدُهُ النَّظْمُ الْكَرِيمُ اهـ.
أَقُولُ: فِي مُتَعَلَّقِ الظَّرْفِ قَوْلَانِ لِلْمُفَسِّرِينَ، رَجَّحَ أَبُو السُّعُودِ الْمَشْهُورَ مِنْهُمَا وَهُوَ الْأَوَّلُ وَرَدَّ الثَّانِي الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ، وَهُوَ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:(قَالُوا آمَنَّا) أَيِ ادَّعَوُا الْإِيمَانَ وَأَشْهَدُوا اللهَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ فِي إِيمَانِهِمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالُوا فِيهِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) وَيَقُولُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى مَا وَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا حَكَى قَوْلَهُمْ حِكَايَةً وَوَصَلَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِمْ فِيهِ وَهُوَ سُؤَالُهُمْ هَذَا وَجَوَابُهُ عليه السلام لَهُمْ إِذْ أَمَرَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ حَقًّا، وَإِصْرَارُهُمْ عَلَى السُّؤَالِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَوَجْهُ رَدِّ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُرَادَ لَقِيلَ:" إِذْ قَالُوا يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ " وَلَمْ يَقُلْ: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ) وَلَمَا صَحَّ أَنْ تَكُونَ دَعْوَى الْإِيمَانِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ نِعْمَةً مِنَ اللهِ عَلَى عِيسَى وَهِيَ كَاذِبَةٌ وَلَا أَنْ تَكُونَ عَلَى وَحْيٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ هَذَا الْأَخِيرَ لَا يَرُدُّ عَلَى الزَّمَخْشَرِيِّ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْوَحْيِ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ بِالْإِيمَانِ بِأَنَّهُ أَمْرُ اللهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، أَيْ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ مَعَ غَيْرِهِمْ; إِذْ كَلَّفَ النَّاسَ كَافَّةً أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا تَجِيئُهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَكِنْ يَرُدُّ قَوْلَهُ أَيْضًا تَسْمِيَتُهُمْ بِالْحِوَارِيَّيْنِ وَمَا فِي سُورَتَيْ آلِ عِمْرَانَ وَالصَّفِّ مِنْ إِجَابَتِهِمْ عِيسَى إِلَى نَصْرِهِ، وَلَعَلَّهُ يَرَى أَنَّ هَذَا شَأْنُهُمْ فِي أَوَّلِ الدَّعْوَةِ ثُمَّ آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَصَارُوا أَنْصَارَ اللهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى عليه السلام.
وَقَدْ حَكَى أَبُو السُّعُودِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ: الْخِلَافُ فِي إِيمَانِهِمْ. وَمَنْشَأُ هَذَا الْخِلَافِ كَلِمَةُ " يَسْتَطِيعُ " وَقَدْ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ " هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ " قَالُوا: أَيْ سُؤَالَ رَبِّكَ وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٍ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَقَدْ صَحَّحَ الْحَاكِمُ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَهُ " تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ " وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ تَلْقِينَ الْقُرْآنِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْرِيحِ الصَّحَابِيِّ بِرَفْعِهِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) وَهَذَا الَّذِي اسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ صَحِيحٍ الْإِيمَانِ، وَأَجَابَ عَنْهُ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ إِيمَانِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ:(1) أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لِأَجْلِ اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ بِإِيمَانِ الْعَيَانِ لَا لِلشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ
سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وآله وسلم رُؤْيَةَ كَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِإِيمَانِ الشَّهَادَةِ وَالْمُعَايَنَةِ مَعَ إِقْرَارِهِ بِإِيمَانِهِ بِذَلِكَ بِالْغَيْبِ (2) إِنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الْفِعْلِ دُونَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَازِمِهِ (3) إِنَّ السُّؤَالَ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ لَا بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، أَيْ هَلْ يُنَافِي حِكْمَةَ رَبِّكِ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ مَا يُنَافِي الْحِكْمَةَ لَا يَقَعُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ، كَعِقَابِ الْمُحْسِنِ عَلَى إِحْسَانِهِ وَإِثَابَةِ الظَّالِمِ الْمُسِيءِ عَلَى ظُلْمِهِ. (4) إِنَّ فِي
الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤَالَ رَبِّكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ؟ وَالْمَعْنَى هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْأَلَهُ مِنْ غَيْرِ صَارِفٍ يَصْرِفُكَ عَنْ ذَلِكَ؟ (5) إِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ هُنَا بِمَعْنَى الْإِطَاعَةِ وَالْمَعْنَى هَلْ يُطِيعُكَ وَيُجِيبُ دُعَاءَكَ رَبُّكَ إِذَا سَأَلْتَهُ ذَلِكَ؟
وَأَقُولُ: رُبَّمَا يَظُنُّ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخِيرَ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالِاسْتِطَاعَةُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الطَّوْعِ وَهُوَ ضِدُّ الْكُرْهِ. قَالَ تَعَالَى:(فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا)(41: 11) وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الطَّوْعُ نَقِيضُ الْكُرْهِ. طَاعَهُ يَطُوعُهُ وَطَاوَعَهُ، وَالِاسْمُ الطَّوَاعَةُ وَالطَّوَاعِيَةُ (ثُمَّ قَالَ) وَيُقَالُ: طِعْتُ لَهُ وَأَنَا أُطِيعُ طَاعَةً، وَلِتَفْعَلَنَّهُ طَوْعًا أَوْ كُرْهًا وَطَائِعًا أَوْ كَارِهًا، وَجَاءَ فُلَانٌ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَطَاعَ يَطَاعُ وَأَطَاعَ لَانَ وَانْقَادَ، وَأَطَاعَهُ إِطَاعَةً وَانْطَاعَ لَهُ كَذَلِكَ. وَفِي التَّهْذِيبِ: وَقَدْ طَاعَ لَهُ يَطُوعُ إِذِ انْقَادَ لَهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فَإِذَا مَضَى لِأَمْرِهِ فَقَدْ أَطَاعَهُ. فَإِذَا وَافَقَهُ فَقَدْ طَاوَعَهُ. اهـ. فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ إِطَاعَةَ الْأَمْرِ فِعْلُهُ عَنِ اخْتِيَارٍ وَرِضًا; وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِهِ عَنِ امْتِثَالِ أَوَامِرِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ دِينًا إِلَّا إِذَا كَانَتْ عَنْ إِذْعَانٍ وَوَازِعٍ نَفْسِيٍّ، وَالَّذِي أَفْهَمَهُ أَنَّ الِاسْتِفْعَالَ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ كَالِاسْتِفْعَالِ فِي مَادَّةِ الْإِجَابَةِ، فَإِذَا كَانَ " اسْتَجَابَ لَهُ " بِمَعْنَى أَجَابَ دُعَاءَهُ أَوْ سُؤَالَهُ فَمَعْنَى اسْتَطَاعَهُ أَطَاعَهُ أَيِ انْقَادَ لَهُ وَصَارَ فِي طَوْعِهِ أَوْ طَوْعًا لَهُ. وَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِي الْمَادَّتَيْنِ عَلَى أَشْهَرِ مَعَانِيهِمَا وَهُوَ الطَّلَبُ، وَلَكِنَّهُ طَلَبٌ دَخَلَ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْمَحْذُوفِ، فَأَصْلُ اسْتَطَاعَ الشَّيْءَ طَلَبَ وَحَاوَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ طَوْعًا لَهُ فَأَطَاعَهُ وَانْقَادَ لَهُ، وَمَعْنَى اسْتَجَابَ: سُئِلَ شَيْئًا وَطُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُجِيبَ إِلَيْهِ فَأَجَابَ; فَبِهَذَا الشَّرْحِ الدَّقِيقِ تَفْهَمُ صِحَّةَ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ (يَسْتَطِيعُ) هُنَا بِمَعْنَى يُطِيعُ، وَأَنَّ مَعْنَى يُطِيعُ يَفْعَلُ مُخْتَارًا رَاضِيًا غَيْرَ كَارِهٍ
فَصَارَ حَاصِلَ مَعْنَى الْجُمْلَةِ " هَلْ يَرْضَى رَبُّكَ وَيَخْتَارُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ إِذَا نَحْنُ سَأَلْنَاهُ أَوْ سَأَلْتَهُ لَنَا ذَلِكَ؟ " وَالْمَائِدَةُ فِي اللُّغَةِ الْخِوَانُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَعَامٌ لَا يُسَمَّى مَائِدَةً، وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْمَائِدَةِ عَلَى الطَّعَامِ نَفْسِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مَنْ مَادَ بِمَعْنَى مَالَ وَتَحَرَّكَ أَوْ مِنْ مَادَ أَهْلَهُ بِمَعْنَى نَعَشَهُمْ وَقَوْلُهُ: وَكُنْتُ لِلْمُنْتَجِعِينَ مَائِدًا كَمَا فِي الْأَسَاسِ أَيْ أَعَاشَهُمْ وَسَدَّ فَقْرَهُمْ كَأَنَّهَا هِيَ تَمِيدُ مَنْ يَجْلِسُ إِلَيْهَا وَيَأْكُلُ مِنْهَا بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ عَلَى حَدِّ: عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ.
(قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أَيْ قَالَ عِيسَى لَهُمُ اتُّقُوا اللهَ أَنْ تَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ أَمْثَالَ هَذِهِ الِاقْتِرَاحَاتِ الَّتِي كَانَ سَلَفُكُمْ يَقْتَرِحُهَا عَلَى مُوسَى لِئَلَّا تَكُونَ فِتْنَةً لَكُمْ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ أَلَّا يُجَرِّبَ رَبَّهُ بِاقْتِرَاحِ الْآيَاتِ، أَوْ أَنْ يَعْمَلَ وَيَكْسِبَ وَلَا يَطْلُبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَعِيشَ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَعَلَى غَيْرِ السُّنَنِ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهَا مَعَايِشُ النَّاسِ، أَوِ الْمَعْنَى اتَّقُوا اللهَ وَقُومُوا
بِمَا يُوجِبُهُ الْإِيمَانُ مِنَ الْعَمَلِ وَالتَّوَكُّلِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَكُمْ ذَلِكَ، مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)(65: 2، 3) .
(قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) أَيْ نَطْلُبُهَا لِأَرْبَعِ فَوَائِدَ (إِحْدَاهَا) : أَنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا لِأَنَّنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى الطَّعَامِ، وَلَا نَجِدُ مَا يَسُدُّ حَاجَتَنَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَكَلُ التَّبَرُّكِ. (الثَّانِيَةُ) : نُرِيدُ أَنْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ مِنْ قُدْرَةِ اللهِ بِمُشَاهَدَةِ خَرْقِهِ لِلْعَادَةِ، أَيْ بِضَمِّ عِلْمِ الْمُشَاهَدَةِ وَاللَّمْسِ وَالذَّوْقِ وَالشَّمِّ إِلَى عِلْمِ السَّمْعِ مِنْكَ وَعِلْمِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. (الثَّالِثَةُ) : أَنْ نَعْلَمَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْعِلْمِ أَيْ عِلْمِ الْمُشَاهَدَةِ أَنَّ الْحَالَ وَالشَّأْنَ مَعَكَ هُوَ أَنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنَا مَا وَعَدْتَنَا مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ، كَاسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَلَوْ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ. (الرَّابِعَةُ) : أَنْ نَكُونَ مِنَ الشَّاهِدِينَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيُؤْمِنُ الْمُسْتَعِدُّ لِلْإِيمَانِ وَيَزْدَادُ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا فَهَذَا مَا نَرَاهُ فِي تَوْجِيهِ أَقْوَالِهِمْ عَلَى الْمُخْتَارِ مِنْ صِحَّةِ إِيمَانِهِمْ.
(قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ) أَيْ لَمَّا عَلِمَ عِيسَى عليه السلام صِحَّةَ قَصْدِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ تَعْجِيزًا وَلَا تَجْرِبَةً دَعَا اللهَ تَعَالَى بِهَذَا الدُّعَاءِ،
فَنَادَاهُ بِاسْمِ الذَّاتِ الْجَامِعِ لِمَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَالَ: (اللهُمَّ) وَمَعْنَاهُ يَا اللهُ، ثُمَّ بِاسْمِ الرَّبِّ الدَّالِّ عَلَى مَعْنَى الْمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالْإِحْسَانِ خَاصَّةً فَقَالَ:(رَبَّنَا) أَيْ يَا رَبَّنَا وَمَالِكَنَا كُلِّنَا وَمُتَوَلِّي أُمُورِنَا وَمُرَبِّينَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً سَمَاوِيَّةً، جُثْمَانِيَّةً أَوْ مَلَكُوتِيَّةً، يَرَاهَا هَؤُلَاءِ الْمُقْتَرِحُونَ بِأَبْصَارِهِمْ، وَتَتَغَذَّى بِهَا أَبْدَانُهُمْ أَوْ أَرْوَاحُهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: مِنَ السَّمَاءِ، لَشَمَلَ الطَّلَبُ إِعْطَاءَهُمْ مَائِدَةً مِنَ الْأَرْضِ وَلَوْ بِطَرِيقَةٍ عَادِيَّةٍ، فَإِنَّ كُلَّ مَا يُعْطَى مِنَ اللهِ تَعَالَى يُسَمَّى إِنْزَالًا لِتَحَقُّقِ مَعْنَى الْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ بِجِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُ هُوَ الْعَلِيُّ الْقَاهِرُ فَوْقَ جَمِيعِ عِبَادِهِ.
ثُمَّ وَصَفَ عِيسَى عليه السلام هَذِهِ الْمَائِدَةَ بِمَا أَحَبَّ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْ إِنْزَالِهَا فَقَالَ فِي وَصْفِهَا: (تَكُونُ لَنَا عِيدًا) أَيْ عِيدًا خَاصًّا بِنَا مَعْشَرِ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِنَا، أَوْ تَكُونَ لَنَا كَرَامَةً وَمَتَاعًا لَنَا فِي عِيدِنَا ثُمَّ قَالَ:(لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا) وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: (لَنَا) الَّذِي ذُكِرَ أَوَّلًا لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ وَالِاخْتِصَاصِ، أَيْ عِيدًا لِأَوَّلِ مَنْ آمَنَ مِنَّا وَآخِرِ مَنْ آمَنَ، وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِأَوَّلِهِمْ مَنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ ذَلِكَ الدُّعَاءِ. وَبِآخِرِهِمْ مَنْ يُؤْمِنُ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ مِمَّنْ يَشْهَدُ لَهُمْ مَنْ شَهِدَهَا وَغَيْرُهُمْ، وَيُحْتَمَلُ - عَلَى بُعْدٍ - أَنْ يُرَادَ أَوَّلُ جَمَاعَتِهِ الْحَاضِرِينَ مَعَهُ إِيمَانًا وَآخِرُهُمْ، وَرُوِيَ أَنَّ الْمَعْنَى يَأْكُلُ مِنْهَا آخِرُ الْقَوْمِ كَمَا يَأْكُلُ أَوَّلُهُمْ، أَوْ كَافِيَةً لِلْفَرِيقَيْنِ.
وَكَلِمَةُ الْعِيدِ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَبِمَعْنَى الْمَوْسِمِ الدِّينِيِّ أَوِ الْمَدَنِيِّ الَّذِي يَجْتَمِعُ
لَهُ النَّاسُ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ أَوْ أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ السَّنَةِ لِلْعِبَادَةِ أَوْ لِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِ الْعِبَارَةِ: أَيْ نَتَّخِذُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَعْنِي يَوْمًا نُصَلِّي فِيهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَرَادُوا أَنْ يَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رضي الله عنه : عِظَةٌ لَنَا وَلِمَنْ بَعْدَنَا، وَيَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى طَعَامُ الْعِيدِ عِيدًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا.
وَقَوْلُهُ: (وَآيَةً مِنْكَ) مَعْنَاهُ وَتَكُونُ آيَةً وَعَلَامَةً مِنْكَ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِي وَدَعْوَتِي وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِنَصِّ قَوْلِهِ: (مَنْكَ) مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ تَعَالَى - وَلَا سِيَّمَا الْآيَاتُ - النَّصُّ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ إِنَّمَا تَكُونُ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ. أَوْ أَنْ تَكُونَ الْمَائِدَةُ مِنْ لَدُنْهُ تَعَالَى بِغَيْرِ وَسَاطَةٍ مِنْهُ عليه السلام تُشْبِهُ السَّبَبَ كَالْآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَمِمَّا نُقِلَ عَنْهُ وَعَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِمَا
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِطْعَامُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ يَخْلُقُ اللهُ الزِّيَادَةَ فِيهِ، وَرُوِيَ عَنْ نَبِيِّنَا أَيْضًا إِسْقَاءُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ إِذْ وَضَعَ يَدَهُ فِيهِ فَصَارَ يَزِيدُ وَيَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. فَأَمْثَالُ هَذِهِ الْآيَاتِ - وَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللهِ كَكُلِّ شَيْءٍ - تَحْصُلُ بِمَا يُشْبِهُ الْأَسْبَابَ، وَفِيهَا مَجَالٌ لِاشْتِبَاهِ الْمُرْتَابِ; لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ أَوِ الْمَاءِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنْ شَيْءٍ كَانَ مَوْجُودًا وَهُوَ لَمْ يُشَاهِدْ حُدُوثَ الزِّيَادَةِ فِيهِ. وَيَنْقُلُ النَّاسُ مِثْلَ هَذَا عَنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ: كَالسَّحَرَةِ وَالْمُشَعْوِذِينَ، وَقَدْ كَانَ مَعْرُوفًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ; وَلِذَلِكَ وَصَفَ الْحَوَارِيُّونَ الْمَائِدَةَ بِمَا وَصَفُوهَا بِهِ، وَقَالَ هُوَ:(وَآيَةً مِنْكَ) لِتُوَافِقَ مَطْلُوبَهُمْ فَلَا يَقْتَرِحُوا شَيْئًا آخَرَ، وَإِنَّنِي أَذْكُرُ حِكَايَتَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ تُوَضِّحَانِ مَا أُرِيدُ:
حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّ بَعْضَ رِجَالِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ عَادَ مَرِيضًا مِنَ الرِّجَالِ الْمُعْتَقِدِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْكَرَامَاتِ فَأَقَامَ عِنْدَهُ فِي حُجْرَةِ النَّوْمِ سَاعَةً وَكَانَ قَدْ نَقِهَ، ثُمَّ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَآلَى عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَشَّى مَعَهُ، ثُمَّ دَعَى بِالْخِوَانِ فَنُصِبَ وَلَمْ يُوضَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ فَجَلَسَ إِلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَصَارَ الْمَزُورُ يَقْتَرِحُ عَلَى الزَّائِرِ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَشْتَهِي مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ، وَكُلَّمَا ذَكَرَ شَيْئًا مَدَّ الْمَزُورُ صَاحِبُ الدَّارِ يَدَهُ فَأَخْرَجَ صَحْنًا مِنْ تَحْتِ كُرْسِيٍّ أَوْ أَرِيكَةٍ بِجَانِبِهِ مَمْلُوءًا بِذَلِكَ اللَّوْنِ وَهُوَ سُخْنٌ يَتَصَاعَدُ بُخَارُهُ، حَتَّى ذَكَرَ عِدَّةَ أَلْوَانٍ لَا تَنَاسُبَ بَيْنَهَا وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْبَلَدِ بِالْجَمْعِ بَيْنَهَا، وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ طُبِخَتْ وَوَضُعِتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ وَبَقِيَتْ عَلَى حَرَارَتِهَا كُلَّ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَأَمْثَالُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ يَعُدُّهَا بَعْضُ مَنْ ثَبَتَتْ رِوَايَتُهَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَوَارِقِ، وَيَعُدُّهَا بَعْضُهُمْ مِنَ الشَّعْوَذَةِ وَالْحِيَلِ الَّتِي اكْتَشَفَ مِثْلَهَا، وَهُوَ مَوْضُوعُ الْحِكَايَةِ الثَّانِيَةِ:
حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الطَّرِيقِ وَالْمَنَاصِبِ الْعِلْمِيَّةِ بِوَاقِعَةٍ وَقَعَتْ لِوَالِدِهِ، وَكَانَ مُعْتَقِدًا مُحْتَرَمًا مَعَ رَجُلٍ غَرِيبٍ جَاءَ مَدِينَتَهُمْ وَظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ عِدَّةُ غَرَائِبَ عُدَّتْ مِنَ الْكَرَامَاتِ.
وَقَالَ: إِنَّ وَالِدَهُ أَخَذَ هَذَا الرَّجُلَ مَرَّةً وَطَافَ فِي ضَوَاحِي الْبَلَدِ مُدَّةً طَوِيلَةً انْتَهَوْا فِي آخِرِهَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا أَجْدَادُهُمْ فَزَارُوا قُبُورَهُمْ وَاسْتَرَاحُوا هُنَالِكَ وَشَكَوْا مَا عَرَضَ لَهُمْ مِنَ الْجُوعِ بِطُولِ الْمَشْيِ، فَأَظْهَرَ وَالِدُ مُحَدِّثِي لِلشَّيْخِ الْغَرِيبِ أَنَّهُ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْتَضِيفُوا أَجْدَادَهُ السَّادَةَ الْكِرَامَ، ثُمَّ نَادَى أَحَدُهُمْ وَاسْتَجْدَاهُ وَدَسَّ
يَدَهُ فِي تُرَابِ قَبْرِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ صَحْفَةً فِيهَا عِدَّةُ مُكَرَّشَاتٍ (كُرُوشِ غَنَمٍ مَطْبُوخَةٍ وَهِيَ مَحْشُوَّةٌ بِالرُّزِّ وَاللَّحْمِ وَالصَّنَوْبَرِ) فَأَكَلُوا مِنْهَا فَإِذَا هِيَ حَارَّةٌ، وَقَدِ اسْتَطَابَهَا الرَّجُلُ الْغَرِيبُ جِدًّا حَتَّى تَوَهَّمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا، وَلَا أَذْكُرُ أَكَانَ اخْتِيَارُ هَذِهِ الْأَكْلَةِ وَإِخْرَاجُهَا بِاقْتِرَاحِ الرَّجُلِ نَفْسِهِ أَمْ بِاقْتِرَاحِ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا أَظُنُّ ظَنًّا قَوِيًّا أَنَّهَا اقْتُرِحَتْ.
قَالَ مُحَدِّثِي: وَسَرُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ وَالِدِي أَمَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ بِأَنْ تُطْبَخَ عِنْدَنَا هَذِهِ الْمُكَرَّشَاتُ وَيَأْخُذَهَا أَحَدُ الْخَدَمِ أَوِ الْمُرَبِّينَ (الشَّكُ مِنِّي) فَيَدْفِنُهَا فِي ذَلِكَ الْقَبْرِ فِي صَحْفَةٍ مُغَطَّاةٍ بِحَيْثُ تَبْقَى سُخْنَةً وَلَا يُصِيبُهَا تُرَابٌ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِاخْتِبَارِ الرَّجُلِ وَحَمْلِهِ إِيَّاهُ عَلَى مُكَاشَفَتِهِ بِحَقِيقَةِ مَا يَعْمَلُهُ مِنَ الْغَرَائِبِ فِي مُقَابَلَةِ إِخْبَارِهِ إِيَّاهُ بِسِرِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا أَتَذَكَّرُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّنِي سَمِعْتُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي أَوَائِلِ الْعَهْدِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ.
فَأَمْثَالُ هَذِهِ الْوَقَائِعِ الَّتِي يَعْهَدُهَا النَّاسُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ حِيَلٌ أَوْ صِنَاعَةٌ تَتَلَقَّى بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّمْرِينِ هِيَ الَّتِي حَمَلَتْ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ فِي آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعْضَهُمْ عَلَى تَسْمِيَتِهَا سِحْرًا مُبِينًا، وَبَعْضَهُمْ عَلَى التَّثَبُّتِ فِيهَا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهُوَ مَا طَلَبَهُ الْحَوَارِيُّونَ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ الَّذِي تَطْمَئِنُّ بِهِ قُلُوبُهُمْ وَتَقُومُ بِهِ حُجَّتُهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ مَعَ الْجُمْهُورِ مِنْ صِحَّةِ إِيمَانِهِمْ قَبْلَ طَلَبِ الْمَائِدَةِ، أَوْ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ الْيَقِينِ فِي الْإِيمَانِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ فِي الظَّاهِرِ كَمَا اخْتَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ; وَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الْآيَةَ الْكُبْرَى لِرِسَالَةِ خَاتَمِ رُسُلِهِ صلى الله عليه وسلم عِلْمِيَّةً حَتَّى لَا يَبْقَى مَجَالٌ لِارْتِيَابِ أَحَدٍ مِنْ طُلَّابِ الْحَقِّ الْمُخْلِصِينَ فِيهَا، وَهِيَ إِتْيَانُ رَجُلٍ أُمِّيٍّ عَاشَ بَيْنَ الْأُمِّيِّينَ إِلَى سِنِّ الْكُهُولَةِ بِكِتَابٍ فِيهِ أَعْلَى الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَأَخْبَارِ الْأُمَمِ وَالْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَقْرَأْ هُوَ وَلَا قَوْمُهُ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ الَّتِي ظَهَرَ صِدْقُهَا فِي زَمَنِهِ وَبَعْدَ زَمَنِهِ بِبَلَاغَةٍ عَجَزَ الْبُلَغَاءُ عَنْ مِثْلِهَا، وَأُسْلُوبٍ أَشَدَّ إِعْجَابًا كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه السلام: (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) فَمَعْنَاهُ وَارْزُقْنَا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مِمَّا تَتَغَذَّى بِهِ أَجْسَامُنَا أَيْضًا، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِحِسَابٍ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنَّهُ أَخَّرَ فَائِدَةَ الْمَائِدَةِ الْمَادِّيَّةَ عَنْ ذِكْرِ فَائِدَتِهَا الدِّينِيَّةِ
الرُّوحِيَّةِ
أَوْ مَعْنَاهَا وَارْزُقْنَا الشُّكْرَ عَلَيْهَا، وَرُبَّمَا يُقَوِّيهِ إِنْذَارُ اللهِ مَنْ يَكْفُرُ بَعْدَ إِنْزَالِهَا إِذْ قَالَ:
(قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَنَافِعٌ مُنَزِّلُهَا بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّنْزِيلِ الْمُفِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أَوِ التَّدْرِيجِ، وَالْبَاقُونَ مُنْزِلُهَا بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِنْزَالِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا هُنَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَيْ وَعَدَ اللهُ عِيسَى بِتَنْزِيلِهَا عَلَيْهِمْ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا، وَلَكِنَّهُ رَتَّبَ عَلَى هَذَا الْوَعْدِ شَرْطًا أَيُّ شَرْطٍ. فَقَالَ:(فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) الْفَاءُ لِتَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا، مِثْلَ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (108: 1، 2) وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ يَكْفُرُ مِنْهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الِاشْتِبَاهَ وَلَا التَّأْوِيلَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُعَذِّبُهُ عَذَابًا شَدِيدًا لَا يُعَذِّبُ مِثْلَهُ أَحَدًا مِنْ سَائِرِ كُفَّارِ الْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ أَوْ عَالَمِي أُمَّتِهِمُ الَّذِينَ لَمَّ يُعْطَوْا مِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا يُعَاقِبُ الْخَاطِئَ وَالْكَافِرَ بِقَدْرِ تَأْثِيرِ الْخَطِيئَةِ أَوِ الْكَفْرِ، وَالْبُعْدِ فِيهِ عَنِ الشُّبْهَةِ وَالْعُذْرِ، وَمَا أُعْطِيَ مِنْ مُوجِبَاتِ الشُّكْرِ، وَأَيُّ شُبْهَةٍ أَوْ عُذْرٍ لِمَنْ يَرَى الْآيَاتِ مِنْ رَسُولِهِ ثُمَّ يَقْتَرِحُ آيَةً بَيِّنَةً عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ تَشْتَرِكُ فِي الْعِلْمِ بِهَا جَمِيعُ حَوَاسِّهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِي دُنْيَاهُ قَبْلَ آخِرَتِهِ فَيُعْطَى مَا طَلَبَ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ ثُمَّ يَنْكِصُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَكُونُ مِنَ الْكَافِرِينَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ مُفَسِّرُو السَّلَفِ فِي الْمَائِدَةِ، أَنَزَلَتْ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا؟ فَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا نَزَلَتْ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي الطَّعَامِ الَّذِي نَزَلَ أَيْ أُعْطِيَ عَلَى وَجْهِ الْمُعْجِزَةِ مِنَ اللهِ فَأَبْهَمَهُ بَعْضُهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ خُبْزٌ وَسَمَكٌ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْخُبْزَ مِنَ الشَّعِيرِ، وَقِيلَ: خُبْزٌ وَلَحْمٌ، وَقِيلَ: مِنْ ثِمَارٍ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا اللَّحْمَ. وَقِيلَ: كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ طَعَامٌ أَيْنَمَا ذَهَبُوا كَمَا كَانَ يَنْزِلُ الْمَنُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَلَا يَصِحُّ مِنْ أَسَانِيدِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ شَيْءٌ; وَلِذَلِكَ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ نُزُولَهَا إِنْجَازًا لِلْوَعْدِ وَأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا مَأْكُولٌ لَا نُعِينُهُ، بَلْ قَالَ: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ سَمَكًا وَخُبْزًا، وَقَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ بِهِ لَا يَنْفَعُ وَالْجَهْلَ بِهِ لَا يَضُرُّ وَنَقُولُ إِذًا: إِنَّهُ يُصَدَّقُ بِمِثْلِ مَا كَانَ يَنْزِلُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي يَجْمَعُونَهُ عَنِ الْحِجَارَةِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ الْأَضْدَادِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ: كَانَ طَعَامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ حَيْثُمَا نَزَلُوا، وَيُصَدَّقُ بِمَا يَأْتِي عَنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا مِنْ إِطْعَامِ الْأُلُوفِ فِي عِيدِ الْفِصْحِ مِنْ خَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَيْنِ أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُ ذَلِكَ الْجَمْعِ كَآخِرِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلِ أَلْبَتَّةَ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَقَالَ قَائِلُونَ إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، فَرَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ:(أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) قَالَ: هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ وَلَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ. رَوَاهُ ابْنُ حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَائِدَةً عَلَيْهَا طَعَامٌ، وَعَنْهُ قَالَ: أَبَوْهَا حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ إِنْ كَفَرُوا فَأَبَوْا أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَائِدَةِ: إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ. وَحَدَّثَنَا بِشْرٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا فَلَمْ تَنْزِلْ. وَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ، وَقَدْ يَتَقَوَّى ذَلِكَ بِأَنَّ خَبَرَ الْمَائِدَةِ لَا تَعْرِفُهُ النَّصَارَى وَلَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ لَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تُوَفَّرَ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَكَانَ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي كِتَابِهِمْ بِالتَّوَاتُرِ وَلَا أَقَلَّ مِنَ الْآحَادِ وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ رَأْيَ الْجُمْهُورِ وَتَرْجِيحَ ابْنِ جَرِيرٍ لَهُ.
وَذَكَرَ الرَّازِيُّ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا بِنَفْيِ نُزُولِهَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا وَأَجَابَ عَنْهُمَا فَقَالَ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: (أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) اسْتَغْفَرُوا وَقَالُوا: لَا نُرِيدُهَا. (وَالثَّانِي) أَنَّهُ وَصَفَ الْمَائِدَةَ بِكَوْنِهَا عِيدًا لِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، فَلَوْ نَزَلَتْ لَبَقِيَ ذَلِكَ الْعِيدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَبَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِنُزُولِهَا لِوُجُوبِ إِنْجَازِ الْوَعْدِ الْجَازِمِ غَيْرِ الْمُعَلَّقِ، قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَهُ: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ) شَرْطٌ وَجَزَاءٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ يَوْمَ نُزُولِهَا كَانَ عِيدًا لَهُمْ وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ كَانَ عَلَى شَرْعِهِمْ اهـ.
أَقُولُ: أَمَّا جَوَابُهُ عَنِ الْحُجَّةِ الْأُولَى فَفِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ خَبَرٍ إِنْ صَحَّ لَا تُرَدَّ صِحَّتُهُ بِكَوْنِ جُمْلَةِ الْوَعِيدِ الشَّرْطِيَّةِ غَيْرَ مُتَعَلِّقَةٍ بِجُمْلَةِ الْوَعْدِ إِلَّا إِذَا قَالَهُ هَذَانِ التَّابِعِيَّانِ الْأَجِلَّاءُ مِنْ قَبِيلِ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُمَا أَصْلًا مَرْفُوعًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَجْهٍ يَتَّفِقُ مَعَ صِدْقِ الْوَعْدِ، وَهُوَ (الْوَجْهُ الثَّانِي) وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ جُمْلَةَ الْوَعِيدِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى جُمْلَةِ الْوَعْدِ لِعَطْفِهَا عَلَيْهَا بِالْفَاءِ كَمَا بَيَّنَاهُ
آنِفًا، وَهَذَا التَّرْتِيبُ كَافٍ لِحَمْلِ الْحَوَارِيِّينَ عَلَى تَرْكِ طَلَبِهَا بَلْ طَلَبِ الِاسْتِقَامَةِ مِنْ إِنْزَالِهَا. وَمَا كَانَ مِثْلَ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ لَيَخْفَى عَلَيْهِمْ أَنَّ الْوَعْدَ غَيْرُ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ وَأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ الْوَعِيدَ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ تَرْتِيبًا، وَلَكِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ هَذَا سَبَبٌ كَافٍ فِي عَدَمِ مُعَارَضَةِ الْوَعْدِ لِمَا رَوَوْهُ مِنْ تَنَصُّلِ الْقَوْمِ وَاسْتِقَالَتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الطَّلَبِ وَإِقَالَةِ اللهِ إِيَّاهُمْ مِنْهُ. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ عَدَمُ إِنْزَالِهَا إِخْلَافًا لِلْوَعْدِ، فَإِنَّ مَنْ وَعَدَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ وَأَرَادَ أَنْ يُنْجِزَهُ لَهُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ تَكْلِيفًا أَوْ تَخْوِيفًا حَمَلَ الْمَوْعُودَ عَلَى عَدَمِ الْقَبُولِ لَا يُسَمَّى مُخْلِفًا.
وَأَمَّا جَوَابُهُ عَنِ الْحُجَّةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ دَعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتٍ إِذْ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَتْبَاعِ
الْمَسِيحِ عِيدٌ لِلْمَائِدَةِ إِلَّا بِنَصٍّ عَنِ الْمَعْصُومِ أَوْ نَقْلٍ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ تَارِيخِهِمْ، وَسَيَأْتِي مَا عِنْدَ النَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ بَعِيدٍ لِيَوْمِ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّازِيَّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ: إِنَّ النَّصَارَى لَا تَعْرِفُ خَبَرَ الْمَائِدَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِهِمُ الْمُقَدَّسِ عِنْدَهُمْ، نَعَمْ إِنَّ كِتَابَهُمْ أَوْ كُتُبَهُمْ لَيْسَ لَهَا أَسَانِيدُ مُتَّصِلَةٌ لَا بِالتَّوَاتُرِ وَلَا بِالْآحَادِ، وَلَكِنْ يُقَالُ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ لِسَلَفِهِمْ عِيدٌ عَامٌّ لِلْمَائِدَةِ لَكَانَ مِنَ الشَّعَائِرِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِيدِ اجْتِمَاعَ الْحَوَارِيِّينَ وَأَمْثَالِهِمْ لِصَلَاةٍ وَنَحْوِهَا كَمَا قِيلَ، فَإِنَّ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَى لِإِخْفَائِهِمْ إِيَّاهُ فِي زَمَنِ الِاضْطِهَادِ، أَوْ بِأَنَّ الَّذِينَ أَظْهَرُوا النَّصْرَانِيَّةَ بَعْدَ اسْتِخْفَاءِ أَهْلِهَا بِالِاضْطِهَادِ لَا يَدْخُلُونَ عُمُومَ قَوْلِهِ:(وَآخِرِنَا) لِأَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَهُوَ الَّذِي أَجَابَ بِهِ الرَّازِيُّ، أَوْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِيدِ الذِّكْرَى وَالْمَوْعِظَةُ لِمُؤْمِنِيهِمُ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ عليه السلام كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه.
وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْعِيدُ بِغَيْرِ اسْمِ الْمَائِدَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ:(تَكُونُ لَنَا عِيدًا) تَكُونُ طَعَامًا لِلْعِيدِ، وَهُوَ يُصَدَّقُ بِإِطْعَامِهِ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ الْخُبْزِ وَالسَّمَكِ الْقَلِيلِ فِي عِيدِ الْفِصْحِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا.
ثُمَّ إِنَّ كُتُبَ النَّصَارَى مِنَ الْأَنَاجِيلِ وَغَيْرِهَا قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا قَانُونِيٌّ وَهُوَ مَا أَقَرَّتْهُ الْكَنِيسَةُ وَاعْتَمَدَتْهُ، وَالثَّانِي غَيْرُ قَانُونِيٍّ وَهُوَ مَا رَفَضَتْهُ الْكَنِيسَةُ وَلَمْ تَعْتَمِدْهُ، وَمِنْهُ إِنْجِيلُ بِرْنَابَا الَّذِي صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ وَالْبِشَارَةِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَإِنْجِيلِ الطُّفُولِيَّةِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ مَسْأَلَةَ جَعْلِهِ هَيْئَةً مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نَفَخَ فِيهَا
فَطَارَتْ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي بَعْضِ الْأَنَاجِيلِ الَّتِي رَفَضَتْهَا الْكَنِيسَةُ وَفُقِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ يُوحَنَّا فِي إِنْجِيلِهِ بِأَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي عَمِلَهَا الْمَسِيحُ كَثِيرَةٌ لَوْ كُتِبَتْ كُلُّهَا لَا يَسَعُ الْعَالَمَ الْكُتُبُ الْمَكْتُوبَةُ، وَإِنَّنَا نَرَى بَعْضَ أَصْحَابِ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ الْمُعْتَمَدَةِ كَتَبَ مِنْهَا مَا لَمْ يَكْتُبْهُ الْآخَرُونَ.
وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ أَكْثَرَ كَلَامِ الْمَسِيحِ كَانَ أَمْثَالًا وَرُمُوزًا، وَيَعُدُّونَ مِنْ هَذِهِ الرُّمُوزِ كُلَّ مَا وَرَدَ مِنْ خَبَرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الْمَلَكُوتِ، وَكَذَلِكَ بَعْضُ النُّصُوصِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الدُّنْيَا، فَمَا يُدْرِينَا أَنَّهُمْ أَشَارُوا إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ بِبَعْضِ التَّأْوِيلَاتِ حَسَبَ فَهْمِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ، إِذْ كَانُوا يَنْقُلُونَ ذَلِكَ بِالْمَعْنَى ثُمَّ نُقِلَ عَنْهُمْ بِالتَّرْجَمَةِ، وَقَدْ فُقِدَتِ الْأُصُولُ وَلَا يُعْلَمُ عَنْهَا شَيْءٌ يَقِينِيٌّ كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ بِالنُّقُولِ عَنْهُمْ.
وَأَنَا أَذْكُرُ هُنَا مَا فِي هَذِهِ الْأَنَاجِيلِ بِمَعْنَى قِصَّةِ الْمَائِدَةِ. جَاءَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا أَنَّ الْمَسِيحَ عليه السلام ذَهَبَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ (بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ) وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ لِأَنَّهُمْ آيَاتُهُ، فَصَعِدَ إِلَى جَبَلٍ وَجَلَسَ هُنَاكَ مَعَ تَلَامِيذِهِ. وَهُمُ الْحَوَارِيُّونَ قَالَ يُوحَنَّا:
(4 وَكَانَ الْفِصْحُ عِيدَ الْيَهُودِ قَرِيبًا 5 فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا مُقْبِلٌ إِلَيْهِ فَقَالَ لِفِيلِبْسَ: مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هَؤُلَاءِ؟ 6 وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِيَمْتَحِنَهُ لِأَنَّهُ هُوَ عَلِمَ مَا هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَفْعَلَ 7 أَجَابَهُ فِيلِبْسُ لَا يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا يَسِيرًا 8 قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ وَهُوَ أَنْدَرَاوِسُ أَخُو سَمْعَانَ بُطْرُس 9 هُنَا غُلَامٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ وَلَكِنْ مَا هَذَا لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ 10 فَقَالَ يَسُوعُ اجْعَلُوا النَّاسَ يَتَّكِئُونَ، وَكَانَ فِي الْمَكَانِ عُشْبٌ كَثِيرٌ فَاتَّكَأَ الرِّجَالُ وَعَدَدُهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ 11 وَأَخَذَ يَسُوعُ الْأَرْغِفَةَ وَشَكَرَ وَوَزَّعَ عَلَى التَّلَامِيذِ، وَالتَّلَامِيذُ عَلَى الْمُتَّكِئِينَ، وَكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ السَّمَكَتَيْنِ بِقَدْرِ مَا شَاءُوا) .
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْمَسِيحَ عَاتَبَ التَّلَامِيذَ عَلَى الشِّبَعِ مِنْ ذَلِكَ الْخَبْزِ وَقَالَ (27 اعْمَلُوا لَا لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي، لِلْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ هَذَا اللهَ الْآبَّ قَدْ خَتَمَهُ 28 فَقَالُوا لَهُ مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ 29 أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ هَذَا هُوَ عَمَلُ اللهِ أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ 30 فَقَالُوا لَهُ فَأَيَّةُ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ مَاذَا تَعْمَلُ؟ 31 آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ
خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا 32 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ 33 لِأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبِ حَيَاةً لِلْعَالَمِ 34 فَقَالُوا أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هَذَا الْخَبْزَ 35 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَنَا هُوَ خَبْزُ الْحَيَاةِ مَنْ يُقْبِلُ إِلَيَّ فَلَا يَجُوعُ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَا يَعْطَشُ أَبَدًا 36 وَلَكِنَّنِي قُلْتُ لَكُمْ إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمُونِي وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ) إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ وَفِيهَا تَكْرَارُ أَنَّهُ هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ لَا الْمَنُّ الَّذِي نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِمْ، وَأَنَّ مَنْ يَأْكُلُ جَسَدَهُ وَيَشْرَبُ دَمَهُ فَلَهُ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ.
فَهَذِهِ الْقِصَّةُ أَوَّلُهَا فِي الْمَائِدَةِ الْمَادِّيَّةِ، وَآخِرُهَا فِي الْمَائِدَةِ الرُّوحِيَّةِ، وَهِيَ قَدْ وَقَعَتْ فِي عِيدِ الْفِصْحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِلَى الْيَوْمِ، وَلَا يَزَالُ النَّصَارَى يَحْتَفِلُونَ بِهِ وَيَأْكُلُونَ فِيهِ خُبْزًا وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا بِاسْمِ الْمَسِيحِ وَيُسَمُّونَهُ الْعَشَاءَ الرَّبَّانِيَّ. فَهَذَا تَحْرِيفٌ مِنْهُمْ لِهَذِهِ الْآيَةِ بَيَّنَ اللهُ أَصْلَهُ عِنْدَهُمْ، وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ الْقُرْآنَ مُهَيْمِنٌ عَلَى كُتُبِهِمْ، فَمَا حَكَاهُ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ فَهُوَ الْحَقُّ الْيَقِينُ، وَمَا نَفَاهُ فَهُوَ الْمَنْفِيُّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الثُّبُوتَ، وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ يُوحَنَّا يُثْبِتُ هُنَا أَنَّ التَّلَامِيذَ قَالُوا لِلْمَسِيحِ بَعْدَ مَا رَأَوْا إِطْعَامَهُ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ مِنَ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ أَيَّةُ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمُونِي وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. فَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا امْتِحَانًا وَلَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقًّا كَمَا ادَّعَوْا وَهُوَ ظَاهِرُ
الْآيَتَيْنِ هُنَا، وَإِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى صِحَّةِ إِيمَانِهِمْ بِتَسْمِيَتِهِمْ حَوَارِيِّينَ وَبِمَا فِي آلِ عِمْرَانَ وَالصَّفِّ عَلَى أَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْهُمْ أَيْضًا، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ.
(وَإِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
اتِّصَالُ هَذِهِ الْآيَاتِ بِمَا قَبْلَهَا جَلِيٌّ ظَاهِرٌ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَوْلُهُ تَعَالَى:(وَإِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ) إِلَخْ. وَالْمَعْنَى اذْكُرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِلنَّاسِ يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ. فَيَسْأَلُهُمْ جَمِيعًا عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ، إِذْ يَقُولُ لِعِيسَى اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكِ إِلَخْ، وَإِذْ يَقُولُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ؟ أَيْ يَسْأَلُهُ: أَقَالُوا هَذَا الْقَوْلَ بِأَمْرٍ مِنْكَ أَمْ هُمْ، افْتَرَوْهُ وَابْتَدَعُوهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ؟
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (مِنْ دُونِ اللهِ) كَائِنِينَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْ حَالَ كَوْنِكُمْ مُتَجَاوِزِينَ بِذَلِكَ تَوْحِيدَ اللهِ وَإِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ. فَهَذَا التَّعْبِيرُ يَصْدُقُ بِاتِّخَاذِ إِلَهٍ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ الشِّرْكُ، فَإِنَّ عِبَادَةَ الشِّرْكِ الْمُتَّخَذِ غَيْرُ عِبَادَةِ اللهِ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ; سَوَاءٌ اعْتَقَدَ الْمُشْرِكُ أَنَّ هَذَا الْمُتَّخَذَ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِالِاسْتِقْلَالِ وَهُوَ نَادِرٌ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِإِقْدَارِ اللهِ إِيَّاهُ وَتَفْوِيضِهِ بَعْضَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فِيمَا وَرَاءَ الْأَسْبَابِ، أَوْ بِالْوَسَاطَةِ عِنْدَ اللهِ، أَيْ بِحَمْلِهِ تَعَالَى بِمَا لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ وَالْكَرَامَةِ عَلَى النَّفْعِ وَالضَّرِّ، وَهُوَ
الْأَكْثَرُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ عِنْدَ الْبَعْثَةِ كَمَا حَكَى الله عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ)(10: 18) وَقَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)(39: 3) إِلَخْ. وَقَلَّمَا يُوجَدُ فِي مُتَعَلِّمِي الْحَضَرِ مَنْ يَتَّخِذُ إِلَهًا غَيْرَ اللهِ مُتَجَاوِزًا بِعِبَادَتِهِ الْإِيمَانَ بِاللهِ الَّذِي هُوَ خَالِقُ الْكَوْنِ وَمُدَبِّرُهُ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ الْفِطْرِيَّ الْمَغْرُوسَ فِي غَرَائِزِ الْبَشَرِ هُوَ أَنَّ تَدْبِيرَ الْكَوْنِ كُلِّهِ صَادِرٌ عَنْ قُوَّةٍ غَيْبِيَّةٍ لَا يُدْرِكُ أَحَدٌ كُنْهَهَا، فَالْمُوَحِّدُونَ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ يَتَوَجَّهُونَ بِعِبَادَاتِهِمُ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ إِلَى صَاحِبِ هَذِهِ الْقُوَّةِ الْغَيْبِيَّةِ وَحْدَهُ، مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ الْمُطْلَقُ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ فِعْلٌ يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِهِ فَإِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ كَذِبًا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ بِإِقْدَارِ اللهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِ وَتَسْخِيرِهِ لَهُ بِمُقْتَضَى سُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ الَّتِي قَامَ بِهَا نِظَامُ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتُهُ، وَالْمُشْرِكُونَ يَتَوَجَّهُونَ تَارَةً إِلَيْهِ وَتَارَةً إِلَى بَعْضِ مَا يَسْتَكْبِرُونَ خَصَائِصَهُ مِنْ خَلْقِهِ، كَالشَّمْسِ وَالنَّجْمِ، وَبَعْضِ مَوَالِيدِ الْأَرْضِ، وَتَارَةً يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهِمَا مَعًا فَيَجْعَلُونَ الثَّانِي وَسِيلَةً إِلَى الْأَوَّلِ، وَمَنْ يَشْعُرُ بِسُلْطَةٍ غَيْبِيَّةٍ تَتَجَلَّى لَهُ فِي بَعْضِ الْخَلْقِ فَهُوَ يَخْشَى ضَرَّهَا وَيَرْجُو نَفْعَهَا، وَلَا يَمْتَدُّ نَظَرُ عَقْلِهِ وَلَا شُعُورُ قَلْبِهِ إِلَى سُلْطَةٍ فَوْقَهَا وَلَا يَتَفَكَّرُ فِي خَلْقِ هَذِهِ الْأَكْوَانِ فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْحَيَوَانِ مِنْهُ إِلَى الْإِنْسَانِ، فَلَا يُعَدُّ مِنَ الْعُقَلَاءِ الْمُسْتَعِدِّينَ لِفَهِمَ الشَّرَائِعِ وَحَقَائِقِ الدِّينِ، عَلَى أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ اتَّخَذَ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللهِ، وَلَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاتِّخَاذِ غَيْرُ مُرَادٍ هُنَا; لِأَنَّ الَّذِينَ شَرَعُوا لِلنَّاسِ عِبَادَةَ الْمَسِيحِ وَأَمِّهِ كَانُوا مِنْ شُعُوبٍ مُرْتَقِيَةٍ حَتَّى فِي وَثَنِيَّتِهَا، وَلَهَا فَلْسَفَةٌ دَقِيقَةٌ فِيهَا، وَهُمُ الْيُونَانُ وَالرُّومَانُ، وَبَعْضُ الْيَهُودِ الْمُطَّلِعِينَ عَلَى تِلْكَ الْفَلْسَفَةِ جِدَّ الِاطِّلَاعِ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ اتِّخَاذَ إِلَهٍ مِنْ دُونِ اللهِ يُرَادُ بِهِ عِبَادَةُ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ خَالِصَةً لِغَيْرِهِ أَوْ شَرِكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَلَوْ بِدُعَاءِ غَيْرِهِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ لِيَكُونَ وَاسِطَةً عِنْدَهُ (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) (98: 5) .
أَمَّا اتِّخَاذُهُمُ الْمَسِيحَ إِلَهًا فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَمَّا أُمُّهُ فَعِبَادَتُهَا كَانَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا فِي الْكَنَائِسِ الشَّرْقِيَّةِ وَالْغَرْبِيَّةِ بَعْدَ قُسْطَنْطِينَ، ثُمَّ أَنْكَرَتْ عِبَادَتَهَا فِرْقَةُ الْبُرُوتِسْتَانْتِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِعِدَّةِ قُرُونٍ.
إِنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ الَّتِي يُوَجِّهُهَا النَّصَارَى إِلَى مَرْيَمَ وَالِدَةِ الْمَسِيحِ عليهما السلام مِنْهَا
مَا هُوَ
صَلَاةٌ ذَاتُ دُعَاءٍ وَثَنَاءٍ وَاسْتِغَاثَةٍ وَاسْتِشْفَاعٍ، وَمِنْهَا صِيَامٌ يُنْسَبُ إِلَيْهَا، وَيُسَمَّى بِاسْمِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ يُقْرَنُ بِالْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ لِذِكْرِهَا وَلِصُوَرِهَا وَتَمَاثِيلِهَا، وَاعْتِقَادِ السُّلْطَةِ الْغَيْبِيَّةِ لَهَا الَّتِي يُمْكِنُهَا بِهَا فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنْ تَنْفَعَ وَتَضُرَّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِنَفْسِهَا أَوْ بِوَسَاطَةِ ابْنِهَا، وَقَدْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ الْعِبَادَةِ لَهَا، وَلَكِنْ لَا نَعْرِفُ عَنْ فِرْقَةٍ مِنْ فِرَقِهِمْ إِطْلَاقَ كَلِمَةِ (إِلَهٍ) عَلَيْهَا، بَلْ يُسَمُّونَهَا (وَالِدَةَ الْإِلَهِ) وَيُصَرِّحُ بَعْضُ فِرَقِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ، وَالْقُرْآنُ يَقُولُ هُنَا: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوهَا وَابْنَهَا إِلَهَيْنِ، وَالِاتِّخَاذُ غَيْرُ التَّسْمِيَةِ، فَهُوَ يُصَدَّقُ بِالْعِبَادَةِ وَهِيَ وَاقِعَةٌ قَطْعًا، وَبَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّهُمْ قَالُوا:(إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)(5: 17، 72) وَذَلِكَ مَعْنًى آخَرُ. وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ تَعَالَى فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ)(9: 31) أَنَّهُمُ اتَّبَعُوهُمْ فِيمَا يُحِلُّونَ وَيُحَرِّمُونَ لَا أَنَّهُمْ سَمَّوْهُمْ أَرْبَابًا.
وَأَوَّلُ نَصٍّ صَرِيحٍ رَأَيْتُهُ فِي عِبَادَةِ النَّصَارَى لِمَرْيَمَ عِبَادَةً حَقِيقِيَّةً مَا فِي كِتَابِ (السَّوَاعِي) مِنْ كُتُبِ الرُّومِ الْأُرْثُوذُكْسِ، وَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ فِي دَيْرٍ يُسَمَّى (بِدَيْرِ الْبَلَمَنْدِ) وَأَنَا فِي أَوَّلِ الْعَهْدِ بِمَعَاهِدِ التَّعْلِيمِ. وَطَوَائِفُ الْكَاثُولِيكِ يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ وَيُفَاخِرُونَ بِهِ، وَقَدْ زَيَّنَ الْجُزْوِيتِ فِي بَيْرُوتَ الْعَدَدَ التَّاسِعَ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِمَجَلَّتِهِمُ (الْمَشْرِقِ) بِصُورَتِهَا وَبِالنُّقُوشِ الْمُلَوَّنَةِ إِذْ جَعَلُوهُ تَذْكَارًا لِمُرُورِ خَمْسِينَ سَنَةً عَلَى إِعْلَانِ الْبَابَا بِيُوسَ التَّاسِعِ أَنَّ مَرْيَمَ الْبَتُولَ " حَبِلَ بِهَا بِلَا دَنَسِ الْخَطِّيَّةِ " وَأَثْبَتُوا فِي هَذَا الْعَدَدِ عِبَادَةَ الْكَنَائِسِ الشَّرْقِيَّةِ لِمَرْيَمَ كَالْكَنَائِسِ الْغَرْبِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ (الْأَبِ لِوِيس شِيخُو) فِي مَقَالَةٍ لَهُ فِيهِ عَنِ الْكَنَائِسِ الشَّرْقِيَّةِ: (إِنَّ تَعَبُّدَ الْكَنِيسَةِ الْأَرْمَنِيَّةِ لِلْبَتُولِ الطَّاهِرَةِ أُمِّ اللهِ لَأَمْرٌ مَشْهُورٌ " وَقَوْلُهُ " قَدِ امْتَازَتِ الْكَنِيسَةُ الْقِبْطِيَّةُ بِعِبَادَتِهَا لِلْبَتُولِ الْمَغْبُوطَةِ أُمِّ اللهِ ".
مَنْ يَسْمَعُ أَوْ يَقْرَأُ سُؤَالَ اللهِ تَعَالَى لِعِيسَى عَنْ عِبَادَةِ النَّصَارَى.
لَهُ وَلِأُمِّهِ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَى مَعْرِفَةِ جَوَابِهِ عليه السلام، وَتَتَوَجَّهُ إِلَى السُّؤَالِ وَالِاسْتِفْهَامِ; فَلِذَلِكَ جَاءَ كَأَمْثَالِهِ بِأُسْلُوبِ الِاسْتِئْنَافِ (قَالَ سُبْحَانَكَ) بَدَأَ عليه السلام جَوَابَهُ بِتَنْزِيهِهِ إِلَهَهُ وَرَبَّهِ عز وجل عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ التَّنْزِيهَ هُنَا إِنَّمَا هُوَ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ، فَذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَعْنَى الْجُمْلَةِ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا لَائِقًا مِنْ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي حَقِّكَ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ النَّظْمِ، وَسَتَعْلَمُ مَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، وَأَنَّ مَا اخْتَرْنَاهُ هُوَ الْحَقُّ.
وَكَلِمَةُ " سُبْحَانَ " قِيلَ: إِنَّهَا عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مَصْدَرٌ لِـ (سَبَحَ) الثُّلَاثِيِّ كَالْغُفْرَانِ، وَاسْتُعْمِلَتْ مُضَافَةً بِاطِّرَادٍ إِلَّا مَا شَذَّ فِي الشِّعْرِ، وَالتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ مَادَّةِ السَّبَحِ وَالسِّبَاحَةِ وَهِيَ الذَّهَابُ السَّرِيعُ الْبَعِيدُ فِي الْبَحْرِ أَوِ الْبَرِّ، وَمِنَ الثَّانِي سَبَحَ الْخَيْلُ وَقَالُوا: فَرَسٌ سَبُوحٌ (كَصَبُورٍ) وَمِثْلُهُ التَّقْدِيسُ مِنَ الْقُدْسِ وَهُوَ الذَّهَابُ الْبَعِيدُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ التَّسْبِيحُ وَالتَّقْدِيسُ فِي التَّنْزِيهِ قَالُوا: إِنَّ التَّسْبِيحَ يَدُلُّ عَلَى الْإِبْعَادِ وَلَكِنْ عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَسُوءٍ ; وَلِذَا خُصَّ بِتَنْزِيهِ اللهِ
تَعَالَى، وَيُقَابِلُهُ اللَّعْنُ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْإِبْعَادِ وَلَكِنْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْإِبْعَادِ وَالْبُعْدِ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَقَامِ الشَّرِّ (أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) (11: 60) ، (أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) (14: 3) قَالَ الرَّاغِبُ: وَالتَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللهِ تَعَالَى، وَأَصْلُهُ الْمَرُّ السَّرِيعُ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَجُعِلَ ذَلِكَ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ، كَمَا جُعِلَ الْإِبْعَادُ فِي الشَّرِّ، فَقِيلَ: أَبْعَدَهُ اللهُ، وَجُعِلَ التَّسْبِيحُ عَامًّا فِي الْعِبَادَاتِ قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا أَوْ نِيَّةً اهـ، ثُمَّ أَوْرَدَ الشَّوَاهِدَ مِنَ الْآيَاتِ عَلَى إِطْلَاقِ التَّسْبِيحِ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ وَبِمَعْنَى الدَّلَالَةِ عَلَى التَّنْزِيهِ كَتَسْبِيحِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا. وَالْمُرَادُ بِتَسْبِيحِ النِّيَّةِ الْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ، وَفِي كَلِمَةِ " سُبْحَانَكَ " وَمِثْلِهَا " سُبْحَانَ اللهِ " مُبَالَغَةٌ فِي هَذَا التَّنْزِيهِ أَيُّ مُبَالَغَةٍ، إِذْ تَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ بِمَادَّتِهَا الدَّالَّةِ بِمَأْخَذِهَا الِاشْتِقَاقِيِّ عَلَى الْبُعْدِ وَالْإِيغَالِ وَالسَّبَحِ الطَّوِيلِ فِي هَذَا الْبَحْرِ الْمَدِيدِ الطَّوِيلِ، وَبِصِيغَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ التَّسْبِيحُ الَّتِي هِيَ مُسَمَّى اسْمِ الْمَصْدَرِ (سُبْحَانَ) وَمَدْلُولُهُ فَإِنَّ التَّفْعِيلَ يَدُلُّ عَلَى التَّكْثِيرِ، ثُمَّ بِالْعُدُولِ عَنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي هِيَ مَصْدَرٌ إِلَى الِاسْمِ الَّذِي جُعِلَ عَلَمًا عَلَيْهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ جِنِّي فَإِنَّ اسْمَ الْمَصْدَرِ يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ وَمِنَ الْمَصْدَرِ وَثَبَاتِهِ حَقِيقَتُهُ; لِأَنَّ مَدْلُولَهُ هُوَ لَفْظُ الْمُصَدْرِ فَانْتِقَالُ الذِّهْنِ مِنْهُ إِلَى الْمَصْدَرِ وَمِنَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ تَكْرَارِ لَفْظِ الْمَصْدَرِ، بَلْ هُوَ أَبْلَغُ وَأَدَلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ دُونَ التَّجَوُّزِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا سَبَقَنِي إِلَى بَيَانِ هَذَا عَلَى كَوْنِهِ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ عِنْدَ مَنْ تَأَمَّلَهُ (وَمِنْ شِدَّةِ الظُّهُورِ الْخَفَاءُ) .
قُلْنَا: إِنَّ عِيسَى عليه السلام بَدَأَ جَوَابَهُ بِتَنْزِيهِ اللهِ عز وجل عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إِلَهٌ، فَأَثْبَتَ بِهَذَا إِنَّهُ عَلَى عِلْمٍ يَقِينِيٍّ ضَرُورِيٍّ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنْ أَنْ يُشَارَكَ فِي أُلُوهِيَّتِهِ، وَانْتَقَلَ مِنْ هَذَا إِلَى تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ الْعَالِمَةِ بِالْحَقِّ عَنْ قَوْلِ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، فَقَالَ:
(مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِي وَلَا مِمَّا يَصِحُّ وُقُوعُهُ مِنِّي أَنْ أَقُولَ قَوْلًا لَيْسَ لِي أَدْنَى حَقٍّ أَنْ أَقُولَهُ; لِأَنَّكَ أَيَّدْتَنِي بِالْعِصْمَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْبَاطِلِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ نَفْيِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَإِنْكَارِهِ إِنْكَارًا مُجَرَّدًا; لِأَنَّ نَفْيَ الشَّأْنِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْفِعْلِ نَفْيًا مُؤَيَّدًا بِالدَّلِيلِ، فَهُوَ بِتَنْزِيهِ اللهِ تَعَالَى
أَوَّلًا أَثْبَتَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ تَمْهِيدًا لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنِ اتَّخَذُوهُ وَأَمَّهُ إِلَهَيْنِ قَوْلٌ بَاطِلٌ لَيْسَ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنَ الْحَقِّ، ثُمَّ قَفَّى عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا مِمَّا يَقَعُ مِنْ مِثْلِهِ أَنْ يَقُولَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، فَنَتِيجَةُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ الثَّابِتَتَيْنِ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْقَوْلَ.
ثُمَّ أَكَّدَ هَذِهِ النَّتِيجَةَ بِحُجَّةٍ أُخْرَى قَاطِعَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ الْبُرْهَانِ الْأَدْنَى الرَّاجِعِ إِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ عِصْمَتُهُ عليه السلام، إِلَى الْبُرْهَانِ الْأَعْلَى الرَّاجِعِ إِلَى رَبِّهِ الْعَلَّامِ، فَقَالَ:(إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) أَيْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ قَدْ وَقَعَ مِنِّي فَرْضًا فَقَدْ عَلِمْتَهُ; لِأَنَّ عِلْمَكَ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، تَعْلَمُ مَا أُسِرُّهُ وَأُخْفِيهِ فِي نَفْسِي، فَكَيْفَ لَا تَعْلَمُ مَا أَظْهَرْتُهُ وَدَعَوْتُ إِلَيْهِ فَعَلِمَهُ مِنِّي غَيْرِي؟ وَلَا أَعْلَمُ مَا تُخْفِيهِ مِنْ عُلُومِكَ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي لَا تَهْدِينِي إِلَيْهَا بِنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ كَسْبِيٍّ، إِلَّا مَا تُظْهِرُنِي عَلَيْهِ بِوَحْيٍ وَهْبِيٍّ. قِيلَ: إِنَّ إِضَافَةَ كَلِمَةِ " نَفْسٍ " إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ، عَلَى أَنَّهَا وَرَدَتْ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ يُسَوِّغُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)(6: 54)، (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) (3: 28، 30) وَقِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى الذَّاتِ وَالْمُهِمُّ فَهْمُ الْمَعْنَى مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ. وَتَنْزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَنْ مُشَابَهَةِ نَفْسِهِ لِأَنْفُسِ خَلْقِهِ مَعْرُوفٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ، فَاسْتِشْكَالُ إِطْلَاقِ الْوَحْيِ لِلْأَسْمَاءِ مَعَ هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْجَهْلِ (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أَيْ إِنَّكَ أَنْتَ الْمُحِيطُ بِالْعُلُومِ الْغَيْبِيَّةِ وَحْدَكَ; لِأَنَّ عِلْمَكَ الْمُحِيطَ بِكُلِّ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ عِلْمٌ ذَاتِيٌّ لَا مُنْتَزَعٌ مِنْ صُوَرِ الْمَعْلُومَاتِ، وَلَا مُسْتَفَادٌ بِتَلْقِينٍ وَلَا بِنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، وَإِنَّمَا عِلْمُ غَيْرِكَ مِنْكَ لَا مِنْ ذَاتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَنَالَهُ بِمَا آتَيْتَهُ مِنَ الْمَشَاعِرِ أَوِ الْعَقْلِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَلَقَّاهُ مِمَّا تَهَبُهُ مِنَ الْإِلْهَامِ وَالْوَحْيِ، أَيْ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنِّي لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ الْقَوْلَ. وَشَرْطُ " إِنْ " لَا يَقْتَضِي الْوُقُوعَ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ تَنْزِيهِ رَبِّهِ، وَتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ، وَإِقَامَةِ الْبُرْهَانَيْنِ عَلَى بَرَاءَتِهِ، بَيَّنَ حَقِيقَةَ مَا قَالَهُ لِقَوْمِهِ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِمْ لَا تَكُونُ تَامَّةً كَامِلَةً، بِحَيْثُ تَظْهَرُ لَهُمْ هُنَالِكَ حُجَّةُ اللهِ الْبَالِغَةُ، إِلَّا بِإِثْبَاتِ مَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالتَّوْحِيدِ بَعْدَ نَفْيِ ضِدِّهِ، فَكَانَ مِنْ شَأْنِ السَّامِعِ لِمَا سَبَقَ مِنَ النَّفْيِ أَنْ يَسْأَلَ عَمَّا قَالَهُ فِي مَوْضُوعِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ:(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)
فَهَذَا قَوْلٌ يَتَضَمَّنُ إِنْكَارَ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمْ بِاتِّخَاذِهِ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ وَإِثْبَاتَ ضِدَّهُ، أَيْ مَا قُلْتُ لَهُمْ فِي شَأْنِ الْإِيمَانِ وَأَصْلِ الدِّينِ وَأَسَاسِهِ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا يُعْتَدُّ بِغَيْرِهِ دُونَهُ، إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِالْتِزَامِهِ اعْتِقَادًا وَتَبْلِيغًا وَهُوَ الْأَمْرُ بِعِبَادَتِكَ وَحْدَكَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّكَ رَبِّي وَرَبُّهُمْ، وَأَنَّنِي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِكَ مِثْلُهُمْ، أَيْ إِلَّا أَنَّكَ خَصَصْتَنِي بِالرِّسَالَةِ إِلَيْهِمْ. فَقَوْلُهُ:(أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) تَفْسِيرٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا
قَالَ: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) وَلَمْ يَقُلْ: مَا أَمَرْتُهُمْ إِلَّا بِمَا أَمَرْتَنِي بِهِ، أَدَبًا مَعَ اللهِ تَعَالَى وَمَرْعَاةً لِمَا وَرَدَ فِي السُّؤَالِ (أَأَنْتَ قُلْتَ) .
(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) أَيْ وَكُنْتُ قَائِمًا عَلَيْهِمْ أُرَاقِبُهُمْ وَأَشْهَدُ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ فَأُقِرُّ الْحَقَّ وَأُنْكِرُ الْبَاطِلَ مُدَّةَ دَوَامِ وُجُودِي بَيْنَهُمْ (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أَيْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتِنِي إِلَيْكَ كُنْتَ أَنْتَ الْمُرَاقِبَ لَهُمْ وَحْدَكَ إِذِ انْتَهَتْ مُدَّةُ رِسَالَتِي فِيهِمْ وَمُرَاقِبَتِي لَهُمْ وَشَهَادَتِي عَلَيْهِمْ، فَلَا أَشْهَدُ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ وَأَنَا لَسْتُ فِيهِمْ، وَأَنْتَ شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ وَشَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، بِمَا أَنَّكَ شَهِيدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي مُلْكِكَ، وَأَنْتَ أَكْبَرُ شَهَادَةً مِمَّنْ تَجْعَلُهُمْ شُهَدَاءَ مِنْ خَلْقِكَ (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (6: 19) .
وَقَدْ مَرَّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا يُزَكِّي تَبْرِئَةَ عِيسَى عليه السلام لِنَفْسِهِ وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُ هُنَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(5: 72) فَجُمْلَةُ " وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ " إِلَخْ. حَالِيَّةٌ، أَيْ قَالُوا قَوْلَهُمْ ذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَسِيحَ أَمَرَهُمْ بِضِدِّهِ، وَهُوَ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ.
وَفِي أَنَاجِيلِهِمْ مِنْ بَقَايَا التَّوْحِيدِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ مَا رَوَاهُ يُوحَنَّا فِي إِنْجِيلِهِ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ عليه السلام (7: 3 وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِيُّ وَحْدَكَ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ) وَفِي إِنْجِيلِ بِرْنَابَا مِنْ تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا هُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَكُونَ وَحْيًا صَحِيحًا مِنَ اللهِ تَعَالَى
إِلَى رَسُولِهِ عِيسَى عليه الصلاة والسلام.
وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي أُجِيبَ عَنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ هُوَ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا عَدْلُ اللهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا يُجْزَى بِهِ مَنِ اتَّخَذَ عِيسَى وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ وَغَيْرَهُمْ مِنْ قَوْمِهُ فَوَّضَ عليه السلام أَمْرَ الْجَزَاءِ إِلَيْهِ تَعَالَى بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَهَادَتُهُ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ فَقَالَ: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أَيْ إِنْ تَعَذِّبْ أُولَئِكَ النَّاسَ الَّذِينَ أَرْسَلْتَنِي إِلَيْهِمْ فَبَلَّغْتُهُمْ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ تَوْحِيدِكَ وَعِبَادَتِكَ وَحْدَكَ، فَضَلَّ مَنْ ضَلَّ مِنْهُمْ، وَقَالُوا مَا لَمْ أَقُلْهُ لَهُمْ، وَاهْتَدَى مَنِ اهْتَدَى مِنْهُمْ فَلَمْ يَعْبُدُوا مَعَكَ أَحَدًا مِنْ دُونِكَ، فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَأَنْتَ رَبُّهُمُ الْأَوْلَى وَالْأَحَقُّ بِأَمْرِهِمْ وَلَسْتُ أَنَا وَلَا غَيْرِي مِنَ الْخَلْقِ بِأَرْحَمَ بِهِمْ، وَلَا بِأَعْلَمَ بِحَالِهِمْ، وَإِنَّمَا تَجْزِيهِمْ بِحَسَبِ عِلْمِكَ بِظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالْمُؤْمِنِ الْمُوَحِّدِ، وَالْمُشْرِكِ الْمُثَلِّثِ، وَالطَّائِعِ الصَّالِحِ، وَالْعَاصِي الْفَاسِقِ، وَالْمُقِرِّ لِلْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَالْمُنْكِرِ لَهُمَا، وَأَنْتَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وَلَا تَظْلِمُ أَحَدًا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
فَالْمُرَادُ إِذًا إِنْ تَعَذِّبْ فَإِنَّمَا تَعَذَّبُ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ مِنْهُمْ، وَلَا يَمْنَعُ إِرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى إِطْلَاقَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى جُمْلَتِهِمْ، فَإِنَّهُ ضَمِيرُ الْجِنْسِ الَّذِي يَصْدُقُ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ وَهُوَ لَمْ يَرِدْ بِصِيغَةٍ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَهُ فِي الْمُقَابِلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:(وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) إِلَخْ، أَيْ وَإِنْ تَغْفِرْ فَإِنَّمَا تَغْفِرُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَغْفِرَةَ مِنْهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ، أَيِ الْقَوِيُّ الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ، الْحَكِيمُ فِي جَمِيعِ تَصَرُّفِهِ وَصُنْعِهِ، فَيَضَعُ كُلَّ حُكْمٍ وَجَزَاءٍ وَفِعْلٍ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِ الْعَدْلِ، وَمَوْضِعِ الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ.
وَهَذَا التَّوْجِيهُ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنْ تُعَذِّبْ مَنْ أَشْرَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تُعَذِّبْ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَإِنَّ هَذَا تَعْيِينٌ لِمَنْ يُعَذِّبُهُ وَمَنْ يَغْفِرُ لَهُ يُنَافِيهِ إِطْلَاقُ ضَمِيرِ الْجِنْسِ فِي مَقَامِ التَّفْوِيضِ الَّذِي مَهَّدَ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا قَالُوهُ فِيهِ وَفِي أُمِّهِ. مُخَالِفًا لِمَا بَلَّغَهُمْ عَنْ رَبِّهِ، وَإِثْبَاتِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ وَالشَّهِيدُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لِرَبِّهِ: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مُدَّةَ وُجُودِي بَيْنَهُمْ وَبَعْدَ وَفَاتِي وَأَنْتَ الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ وَلَا شَهَادَةَ أَكْبَرُ وَلَا أَصْدَقُ مِنْ شَهَادَتِكَ، فَمَهْمَا تُوقِعْهُ فِيهِمْ مِنْ عَذَابٍ فَلَا دَافِعَ لَهُ مِنْ دُونِكَ ; إِذْ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ
أَرْحَمُ مِنْكَ بِعِبَادِكَ فَيَرْحَمُهُمْ أَوْ يَسْأَلُكَ أَنْ تَرْحَمَهُمْ وَمَهْمَا تَمْنَحْهُمْ مِنْ مَغْفِرَةٍ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ حِرْمَانَهُمْ مِنْهَا بِحَوْلِهِ وَقُوتِهِ; لِأَنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الَّذِي يَغْلِبُ وَلَا يُغْلَبُ، وَيَمْنَعُ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ وَلَا يُمْنَعُ، وَلَا بِتَحْوِيلِكَ عَنْ إِرَادَتِكَ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْحَكِيمُ الَّذِي تَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ، فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ غَيْرِكَ أَنْ يُرْجِعَكَ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ. فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ الِاسْتِدْرَاكَ أَوِ الِافْتِيَاتَ عَلَيْكَ؟ .
فَهَذَا بَيَانُ مَا يَقْتَضِيهِ التَّفْوِيضُ الْمُطْلَقُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، بَلْ أَقُولُ: إِنَّ فِي جَزَاءِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَعْذِيبَ مَنْ يَظُنُّ الْمَخْلُوقُونَ أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْمَغْفِرَةَ إِنْ وَقَعَ مِنَ اللهِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا عَدْلًا; لِأَنَّهُمْ عِبَادُ اللهِ الْمُضَافُونَ إِلَيْهِ، وَمِنْ شَأْنِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ أَنْ تُفِيدَهُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)(43: 68)(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(39: 53) وَأَمْثَالُهُمَا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي أُضِيفَ فِيهَا لَفْظُ عِبَادٍ إِلَى اللهِ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ الَّذِي خَفِيَ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ عَظِيمًا، فَالْأَدَبُ التَّفْوِيضُ وَفِي جَزَاءِ الشَّرْطِ الثَّانِي إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ إِنْ أَصَابَتْ مَنْ يَظُنُّ الْمَخْلُوقُونَ إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ فَلَا تَكُونُ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا لِغَايَةٍ اقْتَضَتْهَا عِزَّةُ الْأُلُوهِيَّةِ، وَحِكْمَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَلَا عِبْرَةَ بِالظَّوَاهِرِ الَّتِي تَبْدُو لِلْمَخْلُوقِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَحِكْمَتِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ كُلُّهُ، يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَبِهَذَا تَنْجَلِي نُكْتَةُ اخْتِيَارِ (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) هُنَا عَلَى (الْغَفُورِ الرَّحِيمِ) عَلَى خِلَافِ مَا يَظْهَرُ بَادِئَ الرَّأْيِ مِنْ أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ فِي مُرَاعَاةِ مُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ فِي قَرْنِ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ بِالْأَفْعَالِ وَالْأَحْكَامِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(5: 38، 39) فَذِكْرُ عِيسَى عليه السلام لِاسْمَيِ اللهِ (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) فِي جَزَاءِ شَرْطِيَّةِ الْمَغْفِرَةِ كَذِكْرِهِ لِكَلِمَةِ (عِبَادِكَ) فِي جَزَاءِ شَرْطِيَّةِ التَّعْذِيبِ، كُلٌّ مِنْهُمَا وَقَعَ فِي مَحِلِّهِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْبَلَاغَةُ فِي مَقَامِ التَّفْوِيضِ فَكَانَ حُجَّةً لَهُ وَلَوْ أَرَادَ بِكَلَامِهِ الشَّفَاعَةَ وَالِاسْتِرْحَامَ لَعَكَسَ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ. وَلَوْلَا هَذَا لَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا اعْتِرَاضًا عَلَى الرَّبِّ، أَوْ تَعْرِيضًا بِحُكْمِهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَحَاشَا لِعِيسَى عليه الصلاة والسلام مِنْ ذَلِكَ.
وَلَمَّا غَفَلَ مَنْ غَفَلَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَنْ هَذَا مَعَ تَصْرِيحِ بَعْضِهِمْ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَى اللهِ تَعَالَى اسْتَشْكَلُوا الْعِبَارَةَ، وَحَارُوا فِيمَا فَهِمُوهُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى جَوَازِ غُفْرَانِ الشِّرْكِ، وَطَفِقُوا يَتَلَمَّسُونَ النُّكْتَةَ لِتَرْتِيبِ الْغُفْرَانِ عَلَى صِفَتَيِ الْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ، دُونَ مَا يَتَبَادَرُ مِنْ تَرْتِيبِهِ عَلَى صِفَتَيِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَاسْتَنْجَدُوا مَذَاهِبَهُمُ الْكَلَامِيَّةَ فِي ذَلِكَ فَأَنْجَدَتْ مُفَسِّرِي الْأَشْعَرِيَّةِ بِمَا اسْتَطَالُوا بِهِ عَلَى مُفَسِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا: إِنَّ الْمَعْنَى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عَبِيدُكَ، وَالْمَالِكُ يَتَصَرَّفُ بِعَبْدِهِ كَمَا يَشَاءُ، فَلَا يُسْأَلُ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَذَّبَ أَكْمَلَهُمْ إِيمَانًا وَإِسْلَامًا وَإِحْسَانًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ فَإِنَّهُمْ عَبِيدُكَ الْأَرِقَّاءُ إِلَى أَسْرِ مُلْكِكَ، الضُّعَفَاءُ الْعَاجِزُونَ عَنِ الِامْتِنَاعِ مِنْ عِقَابِكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ مَا كَانَ مِنْ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ سُوءِ أَعْمَالِهِمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْقَوِيُّ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ، الْحَكِيمُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَغْفِرَةَ مُسْتَحْسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ: قَالَهُ أَبُو السُّعُودِ: وَقَالَ الْآلُوسِيُّ: وَالْمَغْفِرَةُ لِلْكَافِرِ لَمْ يُعْدَمْ فِيهَا وَجْهُ حِكْمَةٍ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ حَسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ فِي الْمَعْقُولِ، بَلْ مَتَى كَانَ الْمُجْرِمُ أَعْظَمَ جُرْمًا كَانَ الْعَفْوُ عَنْهُ أَحْسَنَ لِأَنَّهُ أَدْخَلُ فِي الْكَرَمِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعُقُوبَةُ أَحْسَنَ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ اهـ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ فِي هَذَا الْأَصْلِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ عَلَى خِلَافِ الْمَعْقُولِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَجَابَ الرَّازِيُّ عَنِ الْإِشْكَالِ الْمَوْهُومِ بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
(الْأَوَّلِ) أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي سُؤَالِ اللهِ لِعِيسَى يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصَارَى حَكَوْا عَنْهُ مَا هُوَ كُفْرٌ وَحَاكِي الْكُفْرِ لَيْسَ بِكَافِرٍ بَلْ مُذْنِبٍ بِكَذِبِهِ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ فَلِهَذَا طَلَبَ الْمَغْفِرَةَ لَهُ.
وَهَذَا وَجْهٌ أَمْلَاهُ عَلَيْهِ مَا اعْتَادَ مِنَ الْجَدَلِ فِي الْأَلْفَاظِ وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ حَالِ مَنْ حَكَى الله عَنْهُمْ ذَلِكَ الْقَوْلَ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أُلُوهِيَّةَ الْمَسِيحِ، وَيَعْبُدُونَهُ وَيَعْبُدُونَ أُمَّهُ، وَعَنْ حَالِ مَنْ حَكَوْهُ هُمْ عَنْهُ، وَهُوَ إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ إِلَيْهِمْ، وَحِكَايَةُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ عَنِ الرَّسُولِ كُفْرٌ فِي نَفْسِهِ، وَيَسْتَلْزِمُ إِمَّا الْكُفْرَ بِالرَّسُولِ وَإِمَّا الْأَخْذَ بِمَا حَكَى عَنْهُ مِنَ الْكُفْرِ.
(الثَّانِي) قَوْلُهُ " إِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِنَا مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُدْخِلَ الْكُفَّارَ الْجَنَّةَ، وَأَنْ يُدْخِلَ الزُّهَّادَ وَالْعُبَّادَ النَّارَ; لِأَنَّ الْمُلْكَ مُلْكُهُ وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ
عِيسَى هَذَا
الْكَلَامُ وَمَقْصُودُهُ مِنْهُ تَفْوِيضُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى اللهِ وَتَرْكُ التَّعَرُّضِ وَالِاعْتِرَاضِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلِذَا خَتَمَ الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ:(فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يَعْنِي أَنْتَ قَادِرٌ عَلَى مَا تُرِيدُ، حَكِيمٌ فِي كُلِّ مَا تَفْعَلُ، لَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ، فَمَنْ أَنَا وَالْخَوْضُ فِي أَحْوَالِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَقَوْلُهُ:" إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ " فَنَقُولُ: إِنَّ غُفْرَانَهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، قَالُوا: لِأَنَّ الْعِقَابَ حَقُّ اللهِ عَلَى الْمُذْنِبِ وَفِي إِسْقَاطِهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُذْنِبِ، وَلَيْسَ فِي إِسْقَاطِهِ عَلَى اللهِ مَضَرَّةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا. بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ فِي شَرْعِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ، فَلَعَلَّ هَذَا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي شَرْعِ عِيسَى عليه السلام انْتَهَى بِحُرُوفِهِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ مُخَالِفٌ لِلْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَصِحَاحِ الْأَحَادِيثِ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ لَا حَاجَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى تَفْصِيلِهَا وَتَرْجِيحِ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْأَثَرِ بِهَا عَلَى مَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ فِي مَوْضُوعِ إِثْبَاتِ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا عَلَيْهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ ضِدِّهِمَا، وَلَا إِلَى بَيَانِ كَوْنِ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَتَحَقَّقَا فِيمَنْ لَا فَرْقَ فِي أَفْعَالِهِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الضِّدَّانِ عِنْدَهُ فِي الْحُسْنِ وَالْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ سَوَاءً.
وَلَكِنَّنَا نَقُولُ: إِنَّ حَاصِلَ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ عِيسَى عليه السلام يُجِيزُ وَيَسْتَحْسِنُ الْغُفْرَانَ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَسَنٌ مَعْقُولٌ فِي نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْهُ فِي شَرْعِهِ. وَهَذَا يُخَالِفُ نَصَّ قَوْلِهِ تَعَالَى الْمُتَقَدِّمَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ:(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ دِينِ اللهِ الْوَاحِدِ، فِي هَذَا الْأَصْلِ مِنْ أُصُولِ الْعَقَائِدِ، وَأَنْ تَكُونَ مِلَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَبْعَدَ مِنْ مِلَّةِ عِيسَى عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ وَمَغْفِرَتُهُ وَالنُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَجْدَرُ مِنْ غَيْرِهَا بِهَذِهِ السَّعَةِ، وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ غُفْرَانِ الشِّرْكِ لَوْ كَانَ مِمَّا يَشْرَعُهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ; لَأَنَّ مَنْ جَاءَ بِهَا هُوَ الَّذِي خَاطَبَهُ
اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(21: 107) وَقَالَ فِيهِ إِنَّهُ يَضَعُ عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ أَجْوِبَتِهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَوْبَةِ مَنْ قَالُوا ذَلِكَ الْكُفْرَ، وَهُوَ بَدِيهِيُّ الْبُطْلَانِ، وَلَوْ صَحَّ لَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْهُودَ فِي الْقُرْآنِ أَنْ تُقْرَنَ الْمَغْفِرَةُ لِلتَّائِبِينَ بِذِكْرِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا بِذِكْرِ الْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ مُخَالِفًا لِلْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ فِي الْآيَاتِ كَانَا بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ (قَالَ فِي تَصْوِيرِهِ) يَعْنِي: إِنْ تَوَفَّيْتَهُمْ
عَلَى الْكُفْرِ وَعَذَّبْتَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ فَلَكَ ذَاكَ، وَإِنْ أَخْرَجْتَهُمْ بِتَوْفِيقِكَ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَغَفَرْتَ لَهُمْ مَا سَلَفَ مِنْهُمْ فَلَكَ أَيْضًا ذَاكَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا إِشْكَالَ اهـ.
وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَضْعَفُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَجَمِيعُ مَا أَوْرَدَهُ الرَّازِيُّ مِنَ الْوُجُوهِ ضَعِيفٌ، وَمَا كَانَ لِيَخْفَى ضَعْفُهَا بَلْ سُقُوطُهَا وَبُطْلَانُ كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِهَا عَلَى ذَكَائِهِ النَّادِرِ، وَاطِّلَاعِهِ الْوَاسِعِ، لَوْلَا عَصَبِيَّةُ الْمَذَاهِبِ. وَلَكِنَّ قَوْلَهُ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ الْوَجْهِ الثَّانِي إِنَّ مَقْصِدَ عِيسَى عليه السلام مِنْ كَلَامِهِ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَى اللهِ عز وجل هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَقَدْ هَدَانَا اللهُ تَعَالَى إِلَى تَفْسِيرِهِ، وَشَرْحِ نُكْتَةِ الْبَلَاغَةِ فِيهِ بِأَوْضَحِ تَبْيِينٍ.
وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا بَيَّنَاهُ أَنَّ كَلَامَ عِيسَى عليه السلام لَا يَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنَ الشَّفَاعَةِ لِقَوْمِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ (مِنْهَا) حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَلَا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) (14: 36) الْآيَةَ. وَقَوْلَ عِيسَى عليه السلام: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي. وَبَكَى فَقَالَ اللهُ عز وجل: يَا جِبْرَائِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ " (وَمِنْهَا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ فِيهِ: " أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا
بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) إِلَى قَوْلِهِ:(الْحَكِيمُ) قَالَ فَيُقَالُ: " إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ " وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى زِيَادَةٌ " فَأَقُولُ بُعْدًا لَهُمْ وَسُحْقًا " وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْمَعْنَى فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ فِي أَلْفَاظِهَا بَعْضُ اخْتِلَافٍ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى. مِنْهَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْدَثُوا بَعْدَهُ صلى الله عليه وسلم يُذَادُونَ، أَيْ يُطْرَدُونَ عَنِ الْحَوْضِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ، فَقِيلَ: هُمُ ارْتَدَوْا بَعْدَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُبْتَدَعَةُ. (وَمِنْهَا) حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ " أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَامَ بِهَذِهِ الْآيَةِ (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) إِلَخْ. حَتَّى أَصْبَحَ يَرْكَعُ بِهَا وَيَسْجُدُ فَسَأَلَهُ أَبُو ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي سُبْحَانَهُ الشَّفَاعَةَ فَأَعْطَانِيهَا وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا ".
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقَامَ التَّفْوِيضِ غَيْرُ مَقَامِ الشَّفَاعَةِ وَأَنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تَنَالُ أَحَدًا يُشْرِكُ بِاللهِ تَعَالَى شَيْئًا، وِفَاقًا لِمَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ عَلَى لِسَانِ عِيسَى صلى الله عليه وسلم كَمَا تَقَدَّمَ
فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كَمَا تَقَدَّمَ فِي آيَتَيْنِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَوِفَاقًا لِلْآيَاتِ الَّتِي تَنْفِي الشَّفَاعَةَ فِي الْآخِرَةِ بِإِطْلَاقٍ أَوْ تَنْفِي قَبُولَهَا، أَوْ تُقَيِّدُهَا عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهَا بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)(21: 28) .
بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْوِيضِ عِيسَى أَمْرَ قَوْمِهِ إِلَى رَبِّهِ عز وجل بِتِلْكَ الْعِبَارَةِ الْبَلِيغَةِ، فِي إِثْرِ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ السَّدِيدَةِ، تَتَوَجَّهُ النَّفْسُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يَقُولُهُ الرَّبُّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، وَتَسْأَلُ عَنْهُ بِلِسَانِ الْحَالِ أَوِ الْمَقَالِ إِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل:
(قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ " يَوْمُ " بِالرَّفْعِ وَهُوَ خَبَرُ هَذَا، أَيْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَنْفَعُ فِيهِ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ فِي إِيمَانِهِمْ وَشَهَادَاتِهِمْ، وَفِي سَائِرِ أَقْوَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ. وَقَرَأَهُ نَافِعٌ بِالنَّصْبِ وَقِيلَ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْفَتْحِ أَيْ قَالَ اللهُ: هَذَا أَيِ الَّذِي قَالَهُ عِيسَى وَاقِعٌ أَوْ كَائِنٌ يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ. ثُمَّ بَيَّنَ هَذَا النَّفْعَ بَيَانًا مُسْتَأْنَفًا فَقَالَ:
(لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الْجُمْلَةُ الْأُولَى تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا مِرَارًا، وَأَمَّا الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ
بَيَانٌ لِلنَّعِيمِ الرُّوحَانِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ النَّعِيمِ الْجُثْمَانِيِّ، فَإِنَّ رِضَا اللهِ تَعَالَى عَنْهُمْ وَرِضَاهُمْ عَنْهُ هُوَ غَايَةُ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي نَفْسِهِ، وَفِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ عَطَايَاهُ تَعَالَى وَإِكْرَامِهِ، وَمِنْ كَوْنِهِمْ يَكُونُونَ نَاعِمِينِ بِذَلِكَ الْإِكْرَامِ مُغْتَبِطِينَ بِهِ، إِذْ لَا مَطْلَبَ لَهُمْ أَعْلَى مِنْهُ فَتَشْتَدُّ أَعْنَاقُهُمْ إِلَيْهِ وَتَسْتَشْرِفُ قُلُوبُهُمْ لَهُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ رِضَاهُمْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ سَعَادَةً فِي نَفْسِهِ فَيُعْلَمُ مِنْ حَالِ كُلِّ مَنْ كَانَ فِي كَنَفِ إِنْسَانٍ وَالِدٍ أَوْ أُسْتَاذٍ أَوْ قَائِدٍ أَوْ رَئِيسٍ أَوْ سُلْطَانٍ، فَإِنَّ عِلْمَهُ بِرِضَاهُ عَنْهُ يَجْعَلُهُ فِي غِبْطَةٍ وَهَنَاءٍ وَطُمَأْنِينَةِ قَلْبٍ، وَيَكُونُ سُرُورُهُ وَزَهْوُهُ بِذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مُقَامِ رَئِيسِهِ الرَّاضِي عَنْهُ، عَلَى حَدِّ الْبَيْتِ الَّذِي يَتَمَثَّلُ بِهِ الصُّوفِيَّةُ:
قَوْمٌ تَخَالَجَهُمْ زَهْوٌ بِسَيِّدِهِمْ
…
وَالْعَبْدُ يُزْهَى عَلَى مِقْدَارِ مَوْلَاهُ.
عَلَى أَنَّ مَرْضَاةَ رُؤَسَاءِ الدُّنْيَا لَا يَسْتَلْزِمُ رِضَاءَ الْمَرْءُوسِينَ دَائِمًا; لِأَنَّ مِنْهُمُ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ لَا يُوفُونَ أَحَدًا حَقَّهُ وَإِنْ كَانُوا رَاضِينَ عَنْهُ، وَرَضْوَانُ أَكْرَمِ الْأَكْرَمِينَ يَسْتَلْزِمُ رِضَا مَنْ رَضِيَ هُوَ عَنْهُ لِأَنَّهُ يُعْطِيهِ أَضْعَافَ مَا يَسْتَحِقُّ، وَفَوْقَ مَا يُؤَمِّلُ وَيَرْجُو، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلم السَّجْدَةِ:(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(32: 17) وَرِضْوَانُهُ تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ بِمَعْنَى مَا هُنَا: (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(9: 72) .
وَالْفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالْمَطْلُوبِ مَعَ النَّجَاةِ مِنْ ضِدِّهِ. أَوْ مِمَّا يَحُولُ دُونَهُ وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْفَوْزُ الظَّفَرُ بِالْخَيْرِ مَعَ حُصُولِ السَّلَامَةِ فَمَعْنَاهُ مُرَكَّبٌ مِنْ سَلْبٍ وَإِيجَابٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:(فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدَ فَازَ)(3: 185) وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الظَّفَرِ بِالْمَطْلُوبِ وَحْدَهُ كَمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا وَآيَةِ التَّوْبَةِ الَّتِي بِمَعْنَاهَا وَمَا يُشَابِهُهَا مُرَاعَى فِيهِ الْمَعْنَى السَّلْبِيُّ بِالْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي يَغْلِبُ عَدْوَّهُ وَيَظْفَرُ بِالْغَنَائِمِ مِنْهُ! إِنَّهُ فَازَ، وَهُوَ إِذَا نَالَ مُرَادَهُ مِنْ هَدْمِ قَلْعَةٍ وَدَكِّ حِصْنٍ فَهَلَكَ تَحْتَ أَنْقَاضِهِ فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ قَدْ فَازَ، وَإِذَا كَانَ الْمُهِمُّ فِي الْفَوْزِ الْمَعْنَى الْإِيجَابِيَّ يُعَدَّى بِالْبَاءِ فَيُقَالُ: فَازَ بِكَذَا، وَإِذَا كَانَ الْمُهِمُّ بَيَانَ الْمَعْنَى السَّلْبِيِّ يُعَدَّى بِمَنْ فَيُقَالُ: فَازَ مِنَ الْهَلَاكِ قَالَ تَعَالَى: (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ)(3: 188) وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْفَلَاةُ مَفَازَةً عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ بِالْهَلَاكِ.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إِلَى كُلٍّ مِنَ النَّعِيمَيْنِ الْجُثْمَانِيِّ وَالرُّوحَانِيِّ اللَّذَيْنِ يَحْصُلَانِ بَعْدَ النَّجَاةِ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لِلثَّانِي فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِطْلَاقِ وَرَدَ فِي إِثْرِ إِطْلَاقِ الْجَزَاءِ بِالْجَنَّةِ وَحْدَهَا فِي آيَتَيْنِ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ غَيْرَ الْآيَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا آنِفًا، وَفِي إِثْرِ إِطْلَاقِ الْجَزَاءِ بِالْجَنَّةِ مَعَ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ كَمَا تَرَاهُ فِي آخِرِ سُورَةِ الدُّخَانِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ وَالْحَدِيدِ وَالصَّفِّ وَالتَّغَابُنِ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْمَغْفِرَةِ فِيهَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. فَنَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ، أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْفَوْزِ الْعَظِيمِ، بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَتَوْفِيقِنَا لِأَسْبَابِ مَرْضَاتِهِ.
ثُمَّ خَتَمَ جل جلاله هَذِهِ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِمَا قَبْلَهُ مُبَاشَرَةً وَمُنَاسِبٌ لِأَنْ يَكُونَ خِتَامًا لِمَجْمُوعِ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَمَّا بَيَّنَ مَا لِأَهْلِ الصِّدْقِ عِنْدَهُ مِنَ الْجَزَاءِ الْحَقِّ فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ، بَيَّنَ عَقِبَهُ سَعَةَ مُلْكِهِ وَعُمُومَ قُدْرَتِهِ الدَّالِّينَ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْجَزَاءُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَامَّةً، وَبَسْطِ الْحُجَجِ عَلَى بُطْلَانِ أَقْوَالِ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمْ خَاصَّةً، وَسَائِرُهَا فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، مَعَ النَّصِّ عَلَى إِكْمَالِ الدِّينِ بِالْقُرْآنِ، وَعَلَى وَحْدَةِ الدِّينِ الْإِلَهِيِّ وَاخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ وَالْمَنَاهِجِ لِلْأُمَمِ وَلَمَّا كَانَ كُلٌّ مِنْ ذَيْنِكَ الْقِسْمَيْنِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ قَدْ تَكَرَّرَ فِيهِ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَقَفَّى عَلَيْهِمَا بِذِكْرِ جَمْعِ اللهِ تَعَالَى لِلرُّسُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسُؤَالِهِمْ عَنِ التَّبْلِيغِ، وَجَوَابِ أَحَدِهِمُ الدَّالِّ عَلَى شَهَادَتِهِمْ عَلَى أَقْوَامِهِمْ بِالْحَقِّ، وَتَفْوِيضِ أَمْرِهِمْ إِلَى اللهِ عز وجل.
لَمَّا كَانَ مَا ذُكِرَ كَمَا ذَكَرَ نَاسَبَ أَنْ نَخْتِمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِبَيَانِ كَوْنِ الْمُلْكِ كُلِّهِ وَالْقُدْرَةِ كُلِّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ وَأَنَّ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ وَهُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَقَدِ اخْتِيرَتْ كَلِمَةُ " مَا " فِي قَوْلِهِ " وَمَا فِيهِنَّ " عَلَى " مَنْ " الْخَاصَّةِ بِمَنْ يَعْقِلُ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَمْلِكَ; لِأَنَّ مَدْلُولَهَا أَعَمُّ وَأَشْمَلُ، وَلِلْإِشَارَةِ
إِلَى أَنَّ يَوْمَ الْجَزَاءِ الْحَقِّ يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ يَعْقِلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ، فَلَا يَمْلِكُ مَعَهُ أَحَدٌ شَيْئًا، لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمَسِيحُ
وَأَمُّهُ اللَّذَانِ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللهِ، فَيَتَضَمَّنُ الْحَصْرُ التَّعْرِيضَ بِعِبَادَتِهِمَا، وَبِالِاتِّكَالِ عَلَى شَفَاعَتِهِمَا، إِذِ الْمُلْكُ وَالْقُدْرَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (2: 255) وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمَا مِنْ عِبَادِ اللهِ الْمُكْرَمِينَ (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)(21: 26 29) . صَدَقَ اللهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
خُلَاصَةُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ
انْفَرَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِعِدَّةِ مَسَائِلَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَبِتَفْصِيلِ عِدَّةِ أَحْكَامٍ أُجْمِلَتْ فِي غَيْرِهَا إِجْمَالًا، وَأَكْثَرُهَا فِي بَيَانِ شُئُونِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُحَاجَّتِهِمْ، وَنَحْنُ نُذَكِّرُ قَارِئَ تَفْسِيرِنَا بِخُلَاصَتِهَا مُرَاعِينَ مُنَاسَبَةَ بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِبَعْضٍ لَا عَلَى تَرْتِيبِ وُرُودِهَا فِي السُّورَةِ، وَجَعَلْنَا ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ الِاعْتِقَادِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّةِ) .
(1)
أَهَمُّ الْأُصُولِ الَّتِي انْفَرَدَتْ بِهَا السُّورَةُ، بَيَانُ إِكْمَالِ اللهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ دِينَهَمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ بِالْقُرْآنِ، وَإِتْمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْلَامِ [رَاجِعْ ص 128 139 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] .
(2)
النَّهْيُ عَنْ سُؤَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسُوءَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أُبْدِيَتْ لَهُمْ لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ التَّكَالِيفِ مَثَلًا [رَاجِعْ ص 101 وَمَا بَعْدَهَا ج 7 ط الْهَيْئَةِ] .
وَقَدْ عُلِمَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَلَازِمَتَيْنِ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ دِينِيٍّ مِنَ اعْتِقَادٍ أَوْ عِبَادَةٍ أَوْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ دَلَالَةً صَرِيحَةً وَلَمْ تَمْضِ بِهِ السُّنَّةُ الْعَمَلِيَّةُ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ الَّذِي هُوَ حُجَّةُ اللهِ عَلَى كُلِّ مَنْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الرَّسُولِ، بِحَيْثُ يُطَالَبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَيُسْأَلُونَ عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا فَصَّلْنَا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهِمَا مَعَ بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمَّا مَا دَلَّ
عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ دَلَالَةً غَيْرَ صَرِيحَةٍ وَمِنْهُ أَكْثَرُ مَا اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ فِي دَلَالَتِهِ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْهُ الْحُكْمَ لَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا بَيَّنَاهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ.
(3)
بَيَانُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ الْكَامِلَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْهِدَايَةِ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَنَّ التَّقْلِيدَ بَاطِلٌ لَا يَقْبَلُهُ اللهُ تَعَالَى، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْآيَةِ 104 [رَاجِعْ ص 172 ج 7 ط الْهَيْئَةِ] وَتَقَدَّمَ مِثْلُهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
(4)
بَيَانُ أَنَّ أُصُولَ الدِّينِ الْإِلَهِيِّ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ هِيَ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَمَنْ أَقَامَهَا كَمَا أَمَرَتِ الرُّسُلُ مِنْ أَيَّةِ مِلَّةٍ مِنْ مِلَلِ الرُّسُلِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [رَاجَعَ ص 394 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] وَتَقَدَّمَ لَكَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
(5)
وَحْدَةُ الدِّينِ وَاخْتِلَافُ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْهَجِهِمْ فِيهِ.
(6)
هَيْمَنَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ [رَاجِعْ ص 339 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] .
(7)
بَيَانُ عُمُومِ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَمْرِهِ بِالتَّبْلِيغِ الْعَامِّ وَكَوْنِهِ لَا يُكَلَّفُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ رَسُولًا إِلَّا التَّبْلِيغَ. وَأَنَّ مِنْ حُجَجِ رِسَالَتِهِ أَنَّهُ بَيَّنَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ كَثِيرًا مِمَّا كَانُوا يُخْفُونَ مَنْ كُتُبِهِمْ وَهُوَ قِسْمَانِ: (أَحَدُهُمَا) مَا ضَاعَ مِنْهُ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمُبَيَّنِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَهُوَ أَنَّهُمْ نَسُوا حَظًّا عَظِيمًا مِمَّا ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِهِ بِإِنْزَالِهِ فِيهَا. (وثَانِيهِمَا) مَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ اتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ مَعَ وُجُودِهِ فِي الْكِتَابِ كَحُكْمِ رَجْمِ الزَّانِي، وَقَدْ بَيَّنَّا كُلًّا مِنَ الْقِسْمَيْنِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَلَوْلَا أَنَّ مُحَمَّدًا الْأُمِّيَّ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ لَمَا عَلِمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَلَا ذَاكَ.
(8)
عِصْمَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ النَّاسِ أَنْ يَضُرُّوهُ أَوْ يَقْدِرُوا عَلَى صَدِّهِ عَنْ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ رَبِّهِ، وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا، فَكَمْ حَاوَلُوا قَتْلَهُ فَأَعْيَاهُمْ وَأَعْجَزَهُمْ [رَاجِعْ ص 391، 392 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] .
(9)
بَيَانُ أَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِصْلَاحَ أَنْفُسِهِمْ أَفْرَادِهَا وَجَمَاعَتِهَا. وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ ضَلَّ مِنَ النَّاسِ إِذَا هُمُ اسْتَقَامُوا عَلَى صِرَاطِ الْهِدَايَةِ، أَيْ لَا يَضرُّهُمْ ضَلَالُهُ فِي دُنْيَاهُمْ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَجْعَلُ لَهُ سَبِيلًا عَلَيْهِمْ، وَلَا يَضُرُّهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَآخِرَتِهِمْ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْهُمْ إِكْرَاهَ النَّاسِ عَلَى الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَلَا أَنْ يَخْلُقُوا
لَهُمُ الْهِدَايَةَ خَلْقًا، وَإِنَّمَا كَلَّفَهُمْ أَنْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِإِقَامَةِ دِينِ اللهِ تَعَالَى فِي الْأَعْمَالِ الْفَرْدِيَّةِ وَالْمَصَالِحِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَمِنْهَا الدَّعْوَةُ إِلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ.
(10)
تَأْكِيدُ وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِمَا بَيَّنَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ لَعْنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَتَعْلِيلِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.
(11)
نَفْيُ الْحَرَجِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. [رَاجِعْ ص 214، 223 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] .
(12)
تَحْرِيمُ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَالتَّشَدُّدِ فِيهِ وَلَوْ بِتَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ وَتَرْكِ التَّمَتُّعِ بِهَا وَتَحْرِيمِ الْخَبَائِثِ وَالِاعْتِدَاءِ وَالْإِسْرَافِ فِي الطَّيِّبَاتِ. [رَاجِعْ ص 405 ج 6، 16 28 ج 7 ط الْهَيْئَةِ] .
(13)
قَاعِدَةُ إِبَاحَةِ الِاضْطِرَارِ لِلْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ فِيمَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ كَالطَّعَامِ وَمِنْهُ أَخَذَ الْفُقَهَاءُ قَوْلَهُمْ: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ [رَاجِعْ ص 139 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] .
(14)
قَاعِدَةُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ وَكَوْنِهِمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَفِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ. وَعَلَى عَدَمِ اسْتِوَاءِ جَزَاءِ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ مِنَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ عز وجل [رَاجِعْ ص 103 ج 7 ط الْهَيْئَةِ] وَمَا كَانَ تَعْلِيلُ الْأَحْكَامِ وَبَيَانُ حِكْمَتِهَا وَفَائِدَتِهَا إِلَّا لِأَجْلِ تَوَخِّيهَا كَأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَبَعْضِ الطَّعَامِ وَأَحْكَامِ الْوَصِيَّةِ وَالشَّهَادَةِ وَإِقْسَامِ الشُّهَدَاءِ الْيَمِينَ وَإِنَّكَ لَتَجِدُ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ ذَلِكَ لِإِعْرَاضٍ عَنْ حُكْمِ الْقُرْآنِ وَأَسْرَارِ السُّنَّةِ قَدْ جَعَلُوا أَمْرَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ تَعَبُّدِيًّا مَحْضًا لَا يَسْتَلْزِمُ النَّظَافَةَ فِعْلًا وَلَا قَصْدًا، وَزَعَمُوا أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ تَعَبُّدِيٌّ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ بِنَاءً عَلَى رَأْيِهِمْ أَنَّ الْخَمْرَ مَا كَانَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ خَاصَّةً، فَمَا الْقَوْلُ فِي فَهْمِهِمْ لِسَائِرِ الْأَحْكَامِ؟ ! .
(15)
تَحْرِيمُ الِاعْتِدَاءِ عَلَى قَوْمٍ بِسَبَبِ بُغْضِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ وَلَا يَكُونُوا كَأَهْلِ السِّيَاسَةِ الْمَدَنِيَّةِ. [رَاجِعْ ص 106، 107، 227 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] .
(16)
وُجُوبُ الشَّهَادَةِ بِالْقَسَمِ وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاةِ فِيهِمَا بَيْنَ غَيْرِ
الْمُسْلِمِينَ كَالْمُسْلِمِينَ وَلَوْ لِلْأَعْدَاءِ عَلَى الْأَصْدِقَاءِ، وَتَأْكِيدُ وُجُوبِ الْعَدْلِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ وَالْأَعْمَالِ. [رَاجِعْ ص 226، 326، 341، 348 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] .
(17)
الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ الْعَامُّ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ الَّتِي يَتَعَاقَدُ النَّاسُ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ مُعَامَلَاتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ شَخْصِيَّةٍ وَمَدَنِيَّةٍ. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ أَمْرَ الْعُقُودِ الَّتِي يَتَعَامَلُونَ بِهَا إِلَى عُرْفِهِمْ وَمُوَاضَعَاتِهِمْ; لِأَنَّهَا مِنْ مَصَالِحِهِمُ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَلَمْ يُقَيِّدْهُمْ فِي أَحْكَامِهَا وَشُرُوطِهَا بِقُيُودٍ دَائِمَةٍ إِلَّا مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ الْأَحْوَالُ وَالْعُرْفُ، كَتَحْرِيمِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ كَالرِّبَا وَالْقِمَارِ، فَكُلُّ عَقْدٍ يَتَعَاقَدُ عَلَيْهِ النَّاسُ لَمْ يُحِلَّ حَرَامًا وَلَمْ يُحَرِّمْ حَلَالًا مِمَّا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَلَوِ اقْتِضَاءً فَهُوَ جَائِزٌ.
(18)
إِيجَابُ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْهُ تَأْلِيفُ الْجَمَاعَاتِ الْخَيْرِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَتَحْرِيمُ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
(19)
بَيَانُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَهُوَ جَعْلٌ تَكْوِينِيٌّ بِاعْتِبَارٍ وَشَرْعِيٌّ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ الْوَاسِعِ الْمُحِيطِ بِالْأَشْيَاءِ وَالْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ.
(20)
النَّهْيُ عَنْ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْكَافِرِينَ وَبَيَانُ أَنَّ مِنْ آيَاتِ النِّفَاقِ وَمَرَضِ الْقَلْبِ
الْمُسَارَعَةَ فِي مُوَالَاتِهِمْ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، خَوْفًا أَنْ تَدُورَ الدَّائِرَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَتَكُونَ لَهُمْ يَدٌ عِنْدَ أَعْدَائِهِمْ يَسْتَفِيدُونَ بِهَا مِنْهُمْ. [رَاجِعْ ص 352، 353، 367، 368 ط الْهَيْئَةِ] .
(21)
تَفْصِيلُ أَحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ مَعَ بَيَانِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يُطَهِّرَ النَّاسَ وَيُزَكِّيَهُمْ بِمَا شَرَعَهُ لَهُمْ مِنْ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا. وَشُمُولُ الطِّهَارَةِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ لِطَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الطَّهَارَةِ كُلَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّى بِأَدَاءِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ الْحِكْمَةُ مِنْهُ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَسْوَسَةَ فِي الطَّهَارَةِ مَذْمُومَةٌ مُخَالِفَةٌ لِنَصِّ الشَّرْعِ وَمَقْصِدِهِ.
(22)
تَفْصِيلُ أَحْكَامِ حَلَالِ الطَّعَامِ وَحَرَامِهِ وَبَيَانُ مَا حُرِّمَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ خَبِيثًا فِي ذَاتِهِ كَالْمَيْتَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَالْخِنْزِيرِ وَمَا حُرِّمَ لِسَبَبٍ دِينِيٍّ كَالَّذِي يُذْبَحُ لِلْأَصْنَامِ.
(23)
تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهُوَ كُلُّ مُسْكِرٍ، وَالْمَيْسِرِ وَهُوَ الْقِمَارُ، وَمِنْهُ مَا يُسَمَّى فِي عُرْفِ النَّاسِ الْيَوْمَ بِالْمُضَارَبَاتِ.
(24)
أَحْكَامُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ.
(25)
تَفْصِيلُ أَحْكَامِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِمْ فِي أَوَائِلِ السُّورَةِ وَأَوَاخِرِهَا.
(26)
حُدُودُ الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ، وَحَدُّ السَّرِقَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِّ كَسُقُوطِهِ بِالتَّوْبَةِ بِشَرْطِهِ.
(27)
أَحْكَامُ الْأَيْمَانِ وَكَفَّارَتُهَا وَأَيْمَانُ الْأُمَنَاءِ وَالشُّهُودِ.
(28)
تَأْكِيدُ أَمْرِ الْوَصِيَّةِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَأَحْكَامُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَفِي قَضَايَاهَا وَشَهَادَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْإِشْهَادِ، وَإِنَّنَا بَعْدَ الْإِطَالَةِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ فِي الْوَصِيَّةِ وَالشَّهَادَةِ فِيهَا لَخَّصْنَا مَسَائِلَهَا فِي 15 مَسْأَلَةً.
(29)
الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى فِي عِدَّةِ آيَاتٍ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ تَدْخُلُ فِي جَمْعِ الْكَثْرَةِ ; لِأَنَّ صَلَاحَ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْتِزَامِهَا، وَإِنَّمَا يُرْجَى بِتَكْرَارِ الْأَمْرِ بِهَا فِي كُلِّ سِيَاقٍ بِحَسَبِهِ.
(30)
بَيَانُ تَفْوِيضِ أَمْرِ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ كَمَا حَكَاهُ سُبْحَانَهُ مِنْ قَوْلِ الْمَسِيحِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَقْرُونًا بِتَعْلِيلِهِ وَدَلِيلِهِ، وَكَوْنِ النَّافِعِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ هُوَ الصِّدْقُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، جَعَلَنَا اللهُ مِنْ أَهْلِهِ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي)
(مَا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْحِجَاجِ وَالْأَحْكَامِ فِي شَأْنِ أَهْلِ الْكِتَابِ) .
مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَا نَزَلَ فِي شَأْنِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَامَّةً وَمِنْهُ مَا هُوَ فِي أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ خَاصَّةً. فَمِنَ الْمُشْتَرَكِ: وَصْفُهُمْ بِالْغُلُوِّ فِي دِينِهِمُ الْمُسْتَلْزِمِ لِلتَّعَصُّبِ الضَّارِّ، وَبِاتِّبَاعِهِمْ أَهْوَاءَ مَنْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَبِالْغَرُورِ فِي دِينِهِمْ وَزَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَبِأَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ نَقَضُوا مِيثَاقَ رَبِّهِمْ وَنَسُوا حَظًّا عَظِيمًا مِمَّا ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَلَمْ يُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كَمَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ فَنَّدَ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمُ أَبْنَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ بِمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا وَبَيَّنَ اللهُ لَهُمْ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ
وَهِيَ أَنَّهُمْ بَشْرٌ مِمَّنْ خَلَقَ اللهُ، لَا مَزِيَّةَ لَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَذَوَاتِهِمْ; لِأَنَّ الْبَشَرَ إِنَّمَا يَمْتَازُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْعُلُومِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لَا بِالنَّسَبِ وَالِانْتِمَاءِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَإِنْ كَانُوا مُخَالِفِينَ لَهُمْ فِي هِدَايَتِهِمْ.
وَذَكَرَ مِنْ جَزَائِهِمْ عَلَى سُوءِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا إِلْقَاءَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُ يُعَذِّبُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِذُنُوبِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ وَالْقَوْمِيَّةِ كَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَدْحَضُ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَدَعَاهُمْ كَافَّةً لِلْإِسْلَامِ، وَالْإِيمَانِ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ عليه الصلاة والسلام، الَّذِي بَيَّنَ لَهُمْ حَقِيقَةَ دِينِهِمُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُمْ، وَدَحَضَ مَا زَادُوا فِيهِ بِالْبُرْهَانِ، وَبَيَّنَ بَعْضَ مَا كَانُوا يُخْفُونَ أَوْ يَجْهَلُونَ مِنْهُ أَحْسَنَ بَيَانٍ.
وَوَصَفَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أَحْسَنَ وَصْفٍ. وَذَكَرَ مِنْ أَخْبَارِ التَّوْرَاةِ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ، وَمِنْ أَحْكَامِهَا عُقُوبَاتُ الْقَتْلِ وَإِتْلَافِ الْأَعْضَاءِ وَالْجُرُوحِ، وَمِنْ أَخْبَارِ الْإِنْجِيلِ وَالْمَسِيحِ مَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَيْنِ أُنْزِلَا نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَقَامُوهُمَا لَكَانُوا فِي أَحْسَنِ حَالٍ، وَلَسَارَعُوا إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ مُصَدِّقًا لِأَصْلِهِمَا، وَمُبَيِّنًا لِمَا طَرَأَ عَلَيْهِمَا، وَمُكَمِّلًا لِدِينِ الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا، عَلَى سُنَّةِ اللهِ فِي النُّشُوءِ وَالِارْتِقَاءِ، الَّتِي هِيَ أَظْهَرُ فِي الْبَشَرِ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَلَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الْإِسْلَامَ هُزُؤًا وَلَعِبًا فِي جُمْلَتِهِ وَفِي صَلَاتِهِ، وَوَالَوْا عَلَيْهِ الْمُنَاصِبِينَ لَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ، فَنَهَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاتِهِمْ.
وَمِمَّا جَاءَ فِي الْيَهُودِ خَاصَّةً نَعْيًا عَلَيْهِمْ وَبَيَانًا لِسُوءِ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ نَقَضُوا مِيثَاقَ اللهِ الَّذِي
أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِمْ وَنَسُوا حَظًّا عَظِيمًا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَتَرَكُوا الْحُكْمَ بِالتَّوْرَاةِ وَأَخْفَوْا بَعْضَ أَحْكَامِهَا، وَحَكَّمُوا الرَّسُولَ وَلَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِهِ الْمُوَافِقِ لَهَا، وَأَنَّ مِنْ صِفَاتِهِمُ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِمْ قَسَاوَةَ الْقَلْبِ، وَالْخِيَانَةَ وَالْمَكْرَ، وَالْكَذِبَ وَقَوْلَ الْإِثْمِ، وَالْمُبَالَغَةَ فِي سَمَاعِ الْكَذِبِ وَأَكْلَ السُّحْتِ، وَالسَّعْيَ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَفِي إِيقَادِ نَارِ الْفِتَنِ وَالْحَرْبِ. وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَتَمَرَّدُوا عَلَى مُوسَى إِذْ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَقِتَالِ الْجَبَّارِينَ فَعَاقَبَهُمُ اللهُ بِالتِّيهِ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى أَنَّهُمْ يُوَالُونَ عَلَيْهِمُ الْمُشْرِكِينَ، بِسَبَبِ مَا وَرِثُوهُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ عَنِ الْغَابِرِينَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ عَاقَبَهُمْ عَلَى
ذَلِكَ كُلِّهِ بِاللَّعْنِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَبِالْغَضَبِ وَالْمَسْخِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فِي زَمَنِ الْبَعْثَةِ وَقَبْلَهُ تُثْبِتُهَا تَوَارِيخُهُمْ وَتَوَارِيخُ غَيْرِهِمْ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَامَّةً فِيهِمْ وَلَا شَامِلَةً لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِمْ، فَقَدْ أَنْصَفَهُمُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا بِالْحُكْمِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْهُمْ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهِمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ:(مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)(5: 66) وَبَيَّنَّا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مَا كَانَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مُسَاعَدَةِ الْيَهُودِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ لِعَدْلِهِمْ فِيهِمُ عَلَى النَّصَارَى الظَّالِمِينَ لَهُمْ.
وَمِمَّا جَاءَ فِي النَّصَارَى خَاصَّةً أَنَّهُمْ نَسُوا كَالْيَهُودِ حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَقَالُوا: إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَبِبَرَاءَةِ الْمَسِيحِ مِنْهَا وَمِنْ مُنْتَحِلِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ حَقِيقَةَ الْمَسِيحِ وَأَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَرَوْحٌ مِنْهُ، وَمَا أَيَّدَهُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ، وَحَالَ حَوَارِيِّيهِ وَتَلَامِيذِهِ فِي الْإِيمَانِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (5: 82) فَلْيُرَاجَعْ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ السَّابِعِ.
وَجُمْلَةُ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ تَشْهَدُ لِنَفْسِهَا أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى لَا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْعَرَبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ، عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ لَيْسَتْ مُوَافِقَةً لَهَا وَلَهُمْ مُوَافَقَةَ النَّاقِلِ لِلْمَنْقُولِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هِيَ فَوْقَ ذَلِكَ تَحْكُمُ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ وَفِي كُتُبِهِمْ حُكْمَ الْمُهَيْمِنِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ
أَحْكَامُ السُّورَةِ الْخَاصَّةِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ:
لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ وَضْعِ الْبَشَرِ لَشَرَعَ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذَكَرَ وَلَا سِيَّمَا الَّذِينَ نَاصَبُوا الْإِسْلَامَ بِالْعَدَاءِ عِنْدَ ظُهُورِهِ بِأَشَدِّ الْأَحْكَامِ وَأَقْسَاهَا. وَلَكِنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، أَمَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، بِمُعَامَلَتِهِمْ بِالْعَدْلِ، وَالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، وَحَكَمَ بِحِلِّ مُؤَاكَلَتِهِمْ، وَتَزَوُّجِ نِسَائِهِمْ، وَقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ، وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُمْ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي شَرَعَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ الْفُضْلَى لَهُمْ نَزَلَتْ بَعْدَ إِظْهَارِ الْيَهُودِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ مُنْتَهَى الْعَدَاوَةِ وَالْغَدْرِ، وَبَعْدَ أَنْ نَاصَبُوهُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ الْحَرْبَ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ تَأْلِيفَ قُلُوبِهِمْ، وَاكْتِسَابَ مَوَدَّتِهِمْ [رَاجِعْ ص 161، 162 ج 6 ط الْهَيْئَةِ] .
وَقَدْ خَتَمَ اللهُ تَعَالَى السُّورَةَ بِذِكْرِ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ بِمَا يُنَاسِبُ أَحْكَامَهَا كُلَّهَا،
كَمَا بَيَّنَاهُ فِي تَفْسِيرِ آخِرِ آيَةٍ مِنْهَا.
رَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ والْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَبَعْضُ رُوَاةِ التَّفْسِيرِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ " حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ لِي: يَا جُبَيْرُ تَقْرَأُ الْمَائِدَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهَا آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَالٍ فَاسْتَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ والْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ " آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَالْفَتْحِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ بَعْضُ مَا وَرَدَ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ مِنَ السُّوَرِ بِرُمَّتِهَا وَمِنَ الْآيَاتِ، وَكَانَ كُلٌّ يَرْوِي مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ) .
(يَقُولُ مُحَمَّد رَشِيد مُؤَلِّفُ هَذَا التَّفْسِيرِ قَدْ وَفَّقَنِي اللهُ تَعَالَى لِإِتْمَامِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَوَائِلِ شَهْرِ رَبِيعِ الْآخَرِ سَنَةَ 1334 هـ وَكُنْتُ بَدَأْتُ بِتَفْسِيرِهَا فِي مِثْلِ هَذَا الشَّهْرِ مِنْ سَنَةِ 1331 وَسَبَبُ هَذَا الْبُطْءِ أَنَّنِي أَكْتُبُ التَّفْسِيرَ لِيُنْشَرَ فِي مَجَلَّةِ الْمَنَارِ فَتَارَةً أُفَسِّرُ فِي الْجُزْءِ مِنْهُ بِضْعَ آيَاتٍ، وَتَارَةً أُفَسِّرُ آيَةً وَاحِدَةً فِي عِدَّةِ أَجْزَاءٍ وَقَدْ يَمُرُّ شَهْرٌ أَوْ أَكْثَرُ وَلَا أَكْتُبُ فِي التَّفْسِيرِ شَيْئًا، وَأَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِ هَذَا التَّفْسِيرِ بِمَنْعِ الْعَوَائِقِ وَالْمُبَارَكَةِ فِي الْوَقْتِ وَأَنْ يُؤَيِّدَنِي فِيهِ بِرُوحٍ مِنْ عِنْدِهِ) .
أَمْرَ الْجَزَاءِ إِلَيْهِ تَعَالَى
سُورَةُ الْأَنْعَامِ.
(وَهِيَ السُّورَةُ السَّادِسَةُ، وَآيَاتُهَا 165 عِنْدَ الْقُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ، وَعَلَيْهِ مُصْحَفُ الْحُكُومَةِ الْمِصْرِيَّةِ وَفُلُوجَلَ و166 عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ و167 عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ) .
هِيَ مَكِّيَّةٌ قِيلَ: إِلَّا آيَةً وَاحِدَةً هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ)(111) فَإِنَّهَا مَدَنِيَّةٌ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَقِيلَ: إِلَّا آيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي الْمَدِينَةِ فِي رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَنَزَلَ فِيهِمْ:(وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)(91) الْآيَتَيْنِ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ
الْكَلْبِيِّ وَسُفْيَانَ وَقِيلَ: هُمَا (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ)(151) إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ، رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وَمَا قَبْلَهُ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ فِي مُحَاجَّةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا (قُلْ تَعَالَوْا) الْآيَتَيْنِ فَمَعْنَاهُمَا مِنْ مَوْضُوعِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، وَهُمْ مُتَّصِلَتَانِ بِمَا بَعْدَهُمَا، وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ الثَّالِثةَ بَعْدَهُمَا مَدَنِيَّةٌ أَيْضًا، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ النَّحَّاسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا وَقِيلَ: إِلَّا سِتَّ آيَاتٍ (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ بَعْدَهَا وَ (قُلْ تَعَالَوْا) إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ بَعْدَهَا: وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ كُلِّهَا.
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ: قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: اسْتَثْنَى مِنْهَا تِسْعَ آيَاتٍ وَلَا يَصِحُّ بِهِ نَقْلٌ، خُصُوصًا مَعَ مَا قَدْ وَرَدَ أَنَّهَا نَزَلَتْ جُمْلَةً (قُلْتُ) قَدْ صَحَّ النَّقْلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِاسْتِثْنَاءِ (قُلْ تَعَالَوْا) الْآيَاتِ الثَّلَاثَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْبَوَاقِي (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) لِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، وَقَوْلُهُ:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا)(21، 93) الْآيَتَيْنِ، نَزَلَتَا فِي مُسَيْلِمَةَ. وَقَوْلُهُ:(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ)(20) وَقَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ)(114) اهـ.
أَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ كَانَتْ تَصْدُقُ عَلَى وَقَائِعَ تَحْدُثُ بَعْدَ نُزُولِهَا أَوْ قَبْلَهُ لِلِاسْتِشْهَادِ أَوِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي الْوَاقِعَةِ مِنْهَا، فَيَظُنُّ مَنْ سَمِعَهَا حِينَئِذٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَهَا مِنْ قَبْلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ. وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ الصَّحَابَةُ: إِنَّ آيَةَ كَذَا نَزَلَتْ فِي كَذَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْأَمْرِ أَوْ حُكْمِهِ أَوْ دَالَّةً عَلَيْهِ، فَيَظُنُّ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهَا عِنْدَ حُدُوثِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، وَالصَّحَابِيُّ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ. وَقَدْ نَقَلَ السُّيُوطِيُّ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَدُّ مِنَ التَّفْسِيرِ لَا مِنَ الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ. وَلَمَّا كَانَ وُجُودُ آيَاتٍ مَدَنِيَّةٍ فِي سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ أَوْ آيَاتٍ مَكِّيَّةٍ فِي سُورَةٍ مَدَنِيَّةٍ خِلَافَ الْأَصْلِ، فَالْمُخْتَارُ عَدَمُ قَبُولِ الْقَوْلِ بِهِ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ بِرِوَايَةٍ صَحِيحَةِ السَّنَدِ صَرِيحَةِ
الْمَتْنِ سَالِمَةٍ مِنَ الْمُعَارَضَةِ وَالِاحْتِمَالِ، وَإِنَّنَا لَمْ نَرَهُمْ صَحَّحُوا مِمَّا رَوَاهُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَّا رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي اسْتِثْنَاءِ ثَلَاثِ آيَاتٍ هُنَّ مِنْ مَوْضُوعِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، وَلَعَلَّهُمْ لَوْ ذَكَرُوا لَنَا الرِّوَايَةَ بِنَصِّهَا لَمَا وَجَدْنَا فِيهَا حُجَّةً عَلَى مَا قَالُوا.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي نُزُولِ الْأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَقَدْ أَخْرَجَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ
عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَفِي الْإِتْقَانِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ أَبُو عَبِيدٍ والطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، والطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ، وَفِي كُلِّ رِوَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا نَزَلَتْ يُشَيِّعُهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِلَّا أَثَرَ مُجَاهِدٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ خَمْسُمِائَةِ مَلَكٍ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: فَهَذِهِ شَوَاهِدُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ رَوَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وَقَالَ: وَلَمْ نَرَ لَهُ إِسْنَادًا صَحِيحًا، وَقَدْ رُوِيَ مَا يُخَالِفُهُ، فَرُوِيَ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً بَلْ نَزَلَتْ آيَاتٌ مِنْهَا بِالْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهَا فَقِيلَ ثَلَاثٌ وَقِيلَ سِتٌّ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ انْتَهَى. وَعَزَاهُ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ إِلَى آخَرِينَ أَخْرَجُوهُ أَيْضًا عَمَّنْ ذَكَرَ وَعَنْ أَنَسٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ وَأَبِي جُحَيْفَةَ وَعَلِيٍّ الْمُرْتَضَى، فَكَثْرَةُ الرِّوَايَاتِ فِي مَسْأَلَةٍ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلرَّأْيِ فَتَكُونُ اجْتِهَادِيَّةً، وَلَا لِلْهَوَى فَتَكُونُ مَوْضُوعَةً، وَلَا لِغَلَطِ الرُّوَاةِ فَتَكُونُ مَعْلُولَةً لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَصْلٌ صَحِيحٌ.
وَنَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِهَذَا اللَّفْظِ الْمُنَاقِضِ لِتِلْكَ الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِنُزُولِهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الْأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً يُشَيِّعُهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ " وَإِنَّمَا مُرَادُ ابْنِ الصَّلَاحِ بِذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنَ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْآيَاتِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَرِوَايَةُ نُزُولِهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً أَرْجَحُ بِمُوَافَقَتِهَا لِلْأَصْلِ وَبِكَوْنِهَا مُثْبَتَةً، وَرِوَايَاتُ الِاسْتِثْنَاءِ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَاسْتَثْنَى كَابْنِ عَبَّاسٍ (وَالِاسْتِثْنَاءُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ) وَإِذْ كَانَ مَا صَحَّحَهُ السُّيُوطِيُّ مِنَ اسْتِثْنَاءِ ثَلَاثِ آيَاتٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ النَّحَّاسِ عَنْهُ فِي نَاسِخِهِ فَقَدِ انْحَلَّ الْإِشْكَالُ، فَإِنَّ نَصَّ عِبَارَتِهِ: سُورَةُ الْأَنْعَامِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَهِيَ مَكِّيَّةٌ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ) إِلَى تَمَامِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ اهـ. فَقَدْ صَحَّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ إِذًا أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الطَّوِيلَةَ نَزَلَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا نَصٌّ تَوْقِيفِيٌّ عُرِفَ أَصْلُهُ الْمَرْفُوعُ فَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، عَلَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ فِيهِ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ مِمَّنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَيَرْوِي الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ، وَإِنَّمَا رُوِيَ
ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ رَأْيِهِ أَوْ رَأْيِ مَنْ رَوَى هُوَ عَنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَرْوِيًّا عَنْهُ بِالْمَعْنَى وَيَكُونُ بَعْضُ
الرُّوَاةِ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا فَقُصَارَاهُ أَنَّ السُّورَةَ بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً أُلْحِقَ بِهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ مِمَّا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَمَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنَ السُّوَرِ الطُّوَالِ وَلَا سُوَرِ الْمِئَيْنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً; لِأَنَّ مَا اشْتُهِرَ نُزُولُهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً غَيْرَ هَذِهِ السُّورَةِ كُلُّهُ مِنَ الْمُفَصَّلِ (وَسُوَرُ الْمُفَصَّلِ مِنْ " ق " أَوِ " الْحُجُرَاتِ " إِلَى آخِرِ الْمُصْحَفِ فِي الْأَشْهَرِ) وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(26: 214) نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ، وَأَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بُطُونَ قُرَيْشٍ وَأَنْذَرَهُمْ عَمَلًا بِالْآيَةِ قَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: تَبَّتْ يَدَاكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا دَعَوْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ)(111: 1) السُّورَةَ، وَإِنَّمَا يَرْوِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَ هَذَا مُرْسَلًا إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا رِوَايَةٌ مَرْفُوعَةٌ إِلَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسِنِينَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ رِوَايَتَهُمَا لِنُزُولِ آيَةِ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ) مُرْسَلَةً وَكِلْتَاهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ.
وَقَدْ مَالَ السَّيِّدُ الْآلُوسِيُّ فِي رُوحِ الْمَعَانِي إِلَى الْقَوْلِ بِضَعْفِ مَا وَرَدَ فِي نُزُولِ الْأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ حِكَايَةُ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْقَوْلِ بِنُزُولِهَا جُمْلَةً وَأَنَّهُ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ حِينَئِذٍ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ آيَاتِهَا: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ، مَعَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ؟ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى ضَعْفِ حِكَايَةِ الْإِمَامِ الِاتِّفَاقَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُدْفَعَ الْإِشْكَالُ (أَوَّلًا) بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ لِكُلِّ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ سَبَبًا، وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ فِي زُهَاءِ عَشْرٍ مِنْ آيَاتِهَا. (وَثَانِيًا) أَنَّ مَا قِيلَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ تِلْكَ الْآيَاتِ بَعْضُهُ لَا يَصِحُّ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ لَا يَدُلُّ عَلَى نُزُولِ تِلْكَ الْآيَاتِ مُتَفَرِّقَةً، وَإِنَّمَا قَالُوا إِنَّ آيَةَ كَذَا نَزَلَتْ فِي كَذَا أَوْ فِي قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَهَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ، فَإِذَا صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بَعْدَ تِلْكَ الْوَقَائِعِ وَالْأَقْوَالِ مُبَيِّنَةً حُكْمَ اللهِ فِيهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي نُزُولَهَا دَالَّةً عَلَى ذَلِكَ فِي ضِمْنِ السُّورَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ السُّورَةِ قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ السُّورَةُ اخْتُصَّتْ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الْفَضِيلَةِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً. وَالثَّانِي: أَنَّهَا
شَيَّعَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى دَلَائِلَ التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ وَإِبْطَالِ مَذَاهِبِ الْمُبْطِلِينَ وَالْمُلْحِدِينَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ فِي غَايَةِ الْجَلَالَةِ وَالرِّفْعَةِ، وَأَيْضًا فَإِنْزَالُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَحْكَامِ قَدْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يُنْزِلَهُ اللهُ تَعَالَى قَدْرَ حَاجَتِهِمْ وَبِحَسَبِ الْحَوَادِثِ وَالنَّوَازِلِ، وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فَقَدْ أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى جُمْلَةً وَاحِدَةً. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ عِلْمِ الْأُصُولِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ لَا عَلَى التَّرَاخِي. اهـ.
وَمُرَادُهُ بِالْأُصُولِ عَقَائِدُ الدِّينِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ تَعَلُّمُهَا عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ لَا عَلَى طَرِيقَةِ
الْمُتَكَلِّمِينَ وَفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكَلَامِ عَنِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِهَا مَا نَقَلَهُ عَنِ الْآلُوسِيِّ فَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ تَفْسِيرِ السُّورَةِ، فَإِنَّ لَقَبَ " الْإِمَامِ " إِذَا أُطْلِقَ فِي كُتُبِ مَنْ بَعْدَ الرَّازِيِّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَالْمَنْطِقِيِّينَ فَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ. وَفِي فَتْحِ الْبَيَانِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ السُّورَةُ أَصْلٌ فِي مُحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُبْتَدِعِينَ وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهَذَا يَقْتَضِي إِنْزَالَهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ مِنَ الْحُجَّةِ وَإِنْ تَصَرَّفَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَعَلَيْهَا بَنَى الْمُتَكَلِّمُونَ أُصُولَ الدِّينِ اهـ.
مُنَاسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِمَا قَبْلَهَا:
مَنْ نَظَرَ تَرْتِيبَ السُّوَرِ كُلِّهَا فِي الْمُصْحَفِ يَرَى أَنَّهُ قَدْ رُوعِيَ فِي تَرْتِيبِهَا الطُّولُ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقِصَرُ فِي الْجُمْلَةِ، وَمِنْ حِكْمَتِهُ أَنَّ فِي ذَلِكَ عَوْنًا عَلَى تِلَاوَتِهِ وَحِفْظِهِ، فَالنَّاسُ يَبْدَءُونَ بِقِرَاءَتِهِ مِنْ أَوَّلِهِ فَيَكُونُ الِانْتِقَالُ مِنَ السَّبْعِ الطِّوَالِ إِلَى الْمِئِينَ فَالْمَثَانِي فَالْمُفَصَّلِ أَنْفَى لِلْمَلَلِ وَأَدْعَى إِلَى النَّشَاطِ، وَيَبْدَءُونَ بِحِفْظِهِ مِنْ آخِرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ عَلَى الْأَطْفَالِ، وَلَكِنْ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنَ الطِّوَالِ وَالْمِئِينَ وَالْمُفَصَّلِ تَقْدِيمًا لِسُوَرٍ قَصِيرَةٍ عَلَى سُورٍ أَطْوَلَ مِنْهَا، وَمِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ إِنَّهُ قَدْ رُوعِيَ التَّنَاسُبُ فِي مَعَانِي السُّوَرِ، مَعَ التَّنَاسُبِ فِي الصُّوَرِ، أَيْ مِقْدَارِ الطُّولِ وَالْقِصَرِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ أَرْبَعٌ السُّوَرُ الطُّولَى، وَهِيَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ الَّتِي لَا يُرَاعَى مُنَاسَبَتُهَا لِمَا بَعْدَهَا وَحْدَهُ; إِذْ هِيَ فَاتِحَةُ الْقُرْآنِ كُلِّهِ، وَهَذِهِ السُّوَرُ الْأَرْبَعُ مَدَنِيَّةٌ وَبَيْنَهَا مِنَ التَّنَاسُبِ فِي التَّرْتِيبِ مَا بَيَّنَّاهُ. وَقَدْ جَاءَ بَعْدَهُنَّ سُورَتَا الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ الْمَكِّيَّتَانِ، وَبَعْدَهُمَا سُورَتَا الْأَنْفَالِ وَالتَّوْبَةِ الْمَدَنِيِّتَانِ، وَيَقَعَانِ فِي أَوَائِلِ الرُّبُعِ الثَّانِي مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَا بَعْدَهُمَا مِنْ سُوَرِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقُرْآنِ كُلُّهُ مَكِّيٌّ، وَسُوَرُ الرُّبُعِ الثَّالِثِ كُلُّهَا مَكِّيَّةٌ أَيْضًا إِلَّا سُورَةَ النُّورِ فَإِنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَإِلَّا سُورَةَ الْحَجِّ فَهِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَالتَّحْقِيقُ إِنَّهَا مُخْتَلِطَةٌ، وَأَمَّا الرُّبُعُ الرَّابِعُ فَهُوَ مُخْتَلِطٌ وَأَكْثَرُهُ سُوَرُ الْمُفَصَّلِ الَّتِي تُقْرَأُ كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ، فَيَنْبَغِي بَيَانُ مُنَاسِبَةِ جَعْلِ سُورَتَيِ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ الْمَدَنِيَّةِ الْأُولَى وَقَبْلَ السُّورَتَيْنِ الْمَدَنِيَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَهُمَا ثُمَّ مُنَاسِبَةِ الْأَنْعَامِ لِلْمَائِدَةِ خَاصَّةً.
سُورَةُ الْبَقَرَةِ أَجْمَعُ سُوَرِ الْقُرْآنِ لِأُصُولِ الْإِسْلَامِ وَفُرُوعِهِ، فَفِيهَا بَيَانُ التَّوْحِيدِ وَالْبَعْثِ وَالرِّسَالَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْعَمَلِيَّةِ، وَبَيَانُ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ وَبَيَانُ أَحْوَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي دَعْوَةِ الْقُرْآنِ، وَمُحَاجَّةِ الْجَمِيعِ وَبَيَانُ أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ
الْمَالِيَّةِ وَالْقِتَالِ وَالزَّوْجِيَّةِ، وَالسُّوَرُ الطِّوَالُ الَّتِي بَعْدَهَا مُتَمِّمَةٌ لِمَا فِيهَا، فَالثَّلَاثُ الْأَوْلَى مِنْهَا مُفَصِّلَةٌ لِكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَكِنَّ الْبَقَرَةَ أَطَالَتْ فِي مُحَاجَّةِ الْيَهُودِ خَاصَّةً، وَسُورَةُ آلِ عِمْرَانَ أَطَالَتْ فِي مُحَاجَّةِ النَّصَارَى فِي نِصْفِهَا الْأَوَّلِ، وَسُورَةُ النِّسَاءِ حَاجَّتْهُمْ فِي أَوَاخِرِهَا، وَاشْتَمَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا عَلَى بَيَانِ شُئُونِ الْمُنَافِقِينَ مِمَّا أُجْمِلَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ أَتَمَّتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ مُحَاجَّةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِيمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ وَفِيمَا يَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِهِ. وَلَمَّا كَانَ أَمْرُ الْعَقَائِدِ هُوَ الْأَهَمُّ الْمُقَدَّمُ فِي الدِّينِ، وَكَانَ شَأْنُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهِ أَعْظَمَ مِنْ شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ، قُدِّمَتِ السُّوَرُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مُحَاجَّتِهِمْ بِالتَّفْصِيلِ، وَنَاسَبَ أَنْ يَجِيءَ بَعْدَهَا مَا فِيهِ مُحَاجَّةُ الْمُشْرِكِينَ بِالتَّفْصِيلِ وَتِلْكَ سُورَةُ الْأَنْعَامِ لَمْ تَسْتَوْفِ ذَلِكَ سُورَةٌ مِثْلُهَا، فَهِيَ مُتَمِّمَةٌ لِشَرْحِ مَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَائِدِ، وَجَاءَتْ سُورَةُ الْأَعْرَافِ بَعْدَهَا مُتَمِّمَةً لِمَا فِيهَا وَمُبَيِّنَةً لِسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ وَشُئُونِ أُمَمِهِمْ مَعَهُمْ وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ جَمِيعًا، وَلَكِنْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ فَصَّلَتِ الْكَلَامَ فِي إِبْرَاهِيمَ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيْهِ الْعَرَبُ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فِي النَّسَبِ وَالدِّينِ، وَسُورَةُ الْأَعْرَافِ فَصَّلَتِ الْكَلَامَ فِي مُوسَى الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيْهِ أَهْلُ
الْكِتَابِ وَيَتَّبِعُ شَرِيعَتَهُ جَمِيعُ أَنْبِيَائِهِمْ حَتَّى عِيسَى الْمَسِيحُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَلَمَّا تَمَّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ تَفْصِيلُ مَا أُجْمِلَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنَ الْعَقَائِدِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْبَعْثِ، نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَهَا مَا يُتِمُّ مَا أَجْمَلَ بِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَلَا سِيَّمَا أَحْكَامَ الْقَتَّالِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ قَدْ فَصَّلَ بَعْضَ التَّفْصِيلِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَكَانَتْ سُورَتَا الْأَنْفَالِ وَالتَّوْبَةِ هُمَا الْمُفَصِّلَتَيْنِ لِذَلِكَ وَبِهِمَا يَتِمُّ ثُلُثُ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ عُلِمَ بِمَا شَرَحْنَاهُ أَنَّ رُكْنَ الْمُنَاسَبَةِ الْأَعْظَمِ بَيْنَ سُورَتَيِ الْمَائِدَةِ وَالْأَنْعَامِ أَنَّ الْمَائِدَةَ مُعْظَمُهَا فِي مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْأَنْعَامِ مُعْظَمُهَا بَلْ كُلُّهَا فِي مُحَاجَّةِ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنَ التَّنَاسُبِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ قَدْ ذَكَرَتْ أَحْكَامَ الْأَطْعِمَةِ الْمُحَرَّمَةِ فِي دِينِ اللهِ وَالذَّبَائِحِ بِالْإِجْمَالِ، وَسُورَةُ الْمَائِدَةِ ذَكَرَتْ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ وَهِيَ قَدْ أُنْزِلَتْ أَخِيرًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَمِنَ التَّفْصِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مُحَرَّمَاتِ الطَّعَامِ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ، وَمَا فِي الْمَائِدَةِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
هَذَا مَا أَرَاهُ مِنْ وُجُوهِ التَّنَاسُبِ فِي الْكُلِّيَّاتِ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي شَرَعْتُ فِي تَفْسِيرِهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا مُبَاشَرَةً، وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مُطْلَقًا. ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ مِنْ ذَلِكَ دُونَ تَصَفُّحِ آيَاتِ السُّورَةِ فَرَأَيْتُ فِي رُوحِ الْمَعَانِي مَا نَصُّهُ:
" وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهَا لِآخِرِ الْمَائِدَةِ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهَا افْتُتِحَتْ بِالْحَمْدِ وَتِلْكَ اخْتُتِمَتْ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(39: 75) وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ فِي وَجْهِ الْمُنَاسِبَةِ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ فِي آخِرِ.
الْمَائِدَةِ (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، افْتَتَحَ جَلَّ شَأْنُهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِشَرْحِ ذَلِكَ وَتَفْصِيلِهِ، فَبَدَأَ سُبْحَانَهُ بِذِكْرِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَضَمَّ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّهُ جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ وَهُوَ بَعْضُ مَا تَضَمَّنَهُ مَا فِيهِنَّ، ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ اسْمُهُ أَنَّهُ خَلَقَ النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ وَقَضَى لَهُ أَجَلًا وَجَعَلَ لَهُ أَجَلًا آخَرَ لِلْبَعْثِ، وَأَنَّهُ جل جلاله مُنْشِئُ الْقُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:(قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إِلَخْ. فَأَثْبَتَ لَهُ مِلْكَ جَمِيعِ الْمَظْرُوفَاتِ لِظَرْفِ الْمَكَانِ، ثُمَّ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) فَأَثْبَتَ أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا مَلَكَ جَمِيعَ الْمَظْرُوفَاتِ
لِظَرْفِ الزَّمَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ خَلْقَ سَائِرِ الْحَيَوَانِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ، ثُمَّ خَلْقَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ وَالْمَوْتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عز وجل فِي أَثْنَاءِ السُّورَةِ مِنَ الْإِنْشَاءِ وَالْخَلْقِ لِمَا فِيهِنَّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ وَالنُّجُومِ وَفَلْقِ الْإِصْبَاحِ وَفَلْقِ الْحَبِّ وَالنَّوَى وَإِنْزَالِ الْمَاءِ وَإِخْرَاجِ النَّبَاتِ وَالثِّمَارِ بِأَنْوَاعِهَا وَإِنْشَاءِ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرِ مَعْرُوشَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَفْصِيلُ مَا فِيهِنَّ.
" وَذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وَجْهًا آخَرَ فِي الْمُنَاسَبَةِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَرَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) (5: 87) إِلَخْ. وَذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ بَعْدَهُ (مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ) إِلَخْ. فَأَخْبَرَ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا أَشْيَاءَ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى افْتِرَاءً عَلَى اللهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وَكَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ تَحْذِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحَرِّمُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيُشَابِهُوا الْكُفَّارَ فِي صُنْعِهِمْ، وَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ سَاقَ جل جلاله هَذِهِ السُّورَةَ لِبَيَانِ حَالِ الْكُفَّارِ فِي صُنْعِهِمْ فَأَتَى بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَبْيَنِ وَالنَّمَطِ الْأَكْمَلِ، ثُمَّ جَادَلَهُمْ فِيهِ وَأَقَامَ الدَّلَائِلَ عَلَى بُطْلَانِهِ وَعَارَضَهُمْ وَنَاقَضَهُمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ، فَكَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ شَرْحًا لِمَا تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ السُّورَةُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ وَتَفْصِيلًا وَبَسْطًا وَإِتْمَامًا وَإِطْنَابًا، وَافْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الْخَلْقِ وَالْمُلْكِ; لِأَنَّ الْخَالِقَ الْمَالِكَ هُوَ الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مُلْكِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ إِبَاحَةً وَمَنْعًا وَتَحْرِيمًا وَتَحْلِيلًا، فَيَجِبُ أَلَّا يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ.
" وَلِهَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا اعْتِلَاقٌ مِنْ وَجْهٍ بِالْفَاتِحَةِ لِشَرْحِهَا إِجْمَالَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَبِالْبَقَرَةِ لِشَرْحِهَا إِجْمَالَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(2: 21) وَقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: (الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)(2: 29) وَبِآلِ عِمْرَانَ مِنْ جِهَةِ تَفْصِيلِهَا لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: (وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ)(3: 14) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)(3: 185) إِلَخْ. وَبِالنِّسَاءِ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهَا مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَالتَّقْبِيحِ لِمَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ وَقَتْلِ الْبَنَاتِ، وَبِالْمَائِدَةِ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَطْعِمَةِ بِأَنْوَاعِهَا.
" وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ قُطْبُ هَذِهِ السُّورَةِ دَائِرًا عَلَى إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَدَلَائِلِ التَّوْحِيدِ حَتَّى قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: إِنَّ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ كُلَّ قَوَاعِدِ التَّوْحِيدِ نَاسَبَتْ تِلْكَ