الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاسْتِهْزَاءُ السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِخْفَافُ وَأَصْلُ الْبَابِ الْخِفَّةُ
مِنَ الْهُزْءِ وَهُوَ النَّقْلُ السَّرِيعُ، وَنَاقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أَيْ تُسْرِعُ وَتَخِفُّ انْتَهَى - وَالْخُلَاصَةُ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِالشَّيْءِ الِاسْتِهَانَةُ بِهِ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالشَّخْصِ احْتِقَارُهُ وَعَدَمُ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِ، وَكَثِيرًا مَا يَصْحَبُ ذَلِكَ السُّخْرِيَةُ مِنْهُ، وَهِيَ الضَّحِكُ النَّاشِئُ عَنِ الِاسْتِخْفَافِ وَالِاحْتِقَارِ، فَمَنْ حَاكَى امْرَءًا فِي قَوْلِهِ أَوْ عَمَلِهِ أَوْ زِيِّهِ أَوْ غَيْرِهَا مُحَاكَاةَ احْتِقَارٍ فَقَدْ سَخِرَ مِنْهُ، فَالسُّخْرِيَةُ تَسْتَلْزِمُ الِاسْتِهْزَاءَ، وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالْأَشْخَاصِ دُونَ الْأَشْيَاءِ، قَالَ تَعَالَى:(فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذَكَرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) (23:
11
0) وَقَالَ فِي نُوحٍ: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ)(11: 38) الْآيَةَ.
وَحَاقَ الْمَكْرُوهُ يَحِيقُ حَيْقًا، أَحَاطَ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهُ مُخْرِجٌ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ رَسُولَهُ خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِصِيغَةِ الْقَسَمِ أَنَّ الْكُفَّارَ قَدِ اسْتَهْزَءُوا بِرُسُلٍ كِرَامٍ مِنْ قَبْلِهِ فَتَنْكِيرُ " رُسُلٍ " لِلتَّعْظِيمِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْعُمُومَ فِي قَوْلِهِ:(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)(36: 30) فَمَا يَرَاهُ مِنَ اسْتِهْزَاءِ طُغَاةِ قُرَيْشٍ لَيْسَ بِدَعًا مِنْهُمْ، بَلْ جَرَوْا بِهِ عَلَى آثَارِ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ قَبْلَهُمْ، وَقَدْ حَاقَ بِأُولَئِكَ السَّاخِرِينَ الْعَذَابُ الَّذِي أَنْذَرَهُمْ إِيَّاهُ أُولَئِكَ الرُّسُلُ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ جَزَاءً وِفَاقًا، حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَاقَ بِهِمْ لِأَنَّهُ سَبَبَهُ وَجَاءَ عَلَى وَفْقِهِ. فَالْآيَةُ تَعْلِيمٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ اللهِ فِي الْأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ وَتَسْلِيَةٌ لَهُ عَنْ إِيذَاءِ قَوْمِهِ، وَبِشَارَةٌ لَهُ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ وَمَا سَيَكُونُ لَهُ مِنْ إِدَالَةِ الدَّوْلَةِ وَقَدْ كَانَ جَزَاءُ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَذَابَ الْخِزْيِ بِالِاسْتِئْصَالِ، وَلَكِنَّ اللهَ كَفَاهُ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِهِ فَأُهْلَكَهُمْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ سَبَبًا لِهَلَاكِ قَوْمِهِمْ، وَامْتَنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ إِذْ قَالَ:(إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)(15: 95) وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ خَمْسَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ هَلَكُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَلَمَّا كَانَ كَوْنُ أَمْرِ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالرُّسُلِ يَئُولُ إِلَى الْهَلَاكِ بِحَسَبِ سُنَّةِ اللهِ الْمُطَّرِدَةِ فِيهِمْ مِمَّا يَرْتَابُ فِيهِ مُشْرِكُو مَكَّةَ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ التَّارِيخَ، وَلَا يَأْخُذُونَ خَبَرَ الْآيَةِ فِيهِ بِالتَّسْلِيمِ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِأَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يُوصِلُهُمْ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ فَقَالَ:
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) أَيْ قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكَ مِنْ قَوْمِكَ الَّذِينَ قَالُوا " لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ " سِيرُوا فِي الْأَرْضِ كَشَأْنِكُمْ وَعَادَتِكُمْ، وَتَنَقَّلُوا فِي دِيَارِ أُولَئِكَ الْقُرُونِ الَّذِينَ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ
وَمَكَّنَّا لَهُمْ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ، ثُمَّ انْظُرُوا فِي أَثْنَاءِ كُلِّ رِحْلَةٍ مِنْ رِحْلَاتِكُمْ آثَارَ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْهَلَاكِ، وَتَأَمَّلُوا كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَتُهُمْ بِمَا تُشَاهِدُونَ مِنْ آثَارِهِمْ، وَمَا تَسْمَعُونَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَ:(عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) وَلَمْ يَقُلْ " عَاقِبَةُ الْمُسْتَهْزِئِينَ " أَوِ السَّاخِرِينَ، وَالْكَلَامُ الْأَخِيرُ فِي هَؤُلَاءِ لَا فِي جَمِيعِ الْمُكَذِّبِينَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَهْلَكَ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى جَمِيعَ الْمُكَذِّبِينَ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ
الْمُبَاشِرُ لِلْإِهْلَاكِ اقْتِرَاحَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الْآيَاتِ الْخَاصَّةَ عَلَى الرُّسُلِ، فَلَمَّا أُعْطَوْهَا كَذَّبَ بِهَا الْمُسْتَهْزِئُونَ الْمُقْتَرِحُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ عَنْ مُشَارَكَةِ كُبَرَاءِ مُتْرَفِيهِمْ بِالِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ، وَإِذَا كَانَ الْمُكَذِّبُونَ: قَدِ اسْتَحَقُّوا الْهَلَاكَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهْزِئُوا وَلَمْ يَسْخَرُوا فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَالسَّاخِرِينَ؟ ! لَا رَيْبَ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْهَلَاكِ وَأَجْدَرُ; وَلِذَلِكَ أَهْلَكَ اللهُ الْمُسْتَهْزِئِينَ مِنْ قَوْمِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى مَا اقْتَرَحُوهُ لِئَلَّا يَعُمَّ شُؤْمُهُمْ سَائِرَ الْمُكَذِّبِينَ مَعَهُمْ، وَمِنْهُمُ الْمُسْتَعِدُّونَ لِلْإِيمَانِ الَّذِينَ اهْتَدَوْا مِنْ بَعْدُ.
وَمِنْ نُكَتِ الْبَلَاغَةِ فِي الْآيَةِ: أَنَّهُ قَالَ فِيهَا: (ثُمَّ انْظُرُوا) وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالسَّيْرِ فِي الْأَرْضِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى مِنْ عِدَّةِ سُوَرٍ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ بِالنَّظَرِ بِالْفَاءِ (رَاجِعْ 99 مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ و42 مِنْ سُورَةِ الرُّومِ و109 مِنْ سُورَةِ يُوسُفَ و44 مِنْ سُورَةِ فَاطِرٍ إِلَخْ) . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي نُكْتَةِ الْخِلَافِ بَيْنَ التَّعْبِيرَيْنِ: فَإِنْ قُلْتَ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ " فَانْظُرُوا " وَقَوْلِهِ " ثُمَّ انْظُرُوا "؟ قُلْتُ: جُعِلَ النَّظَرُ مُسَبَّبًا عَنِ السَّيْرِ فِي قَوْلِهِ: " فَانْظُرُوا " فَكَأَنَّهُ قِيلَ: سِيرُوا لِأَجْلِ النَّظَرِ وَلَا تَسِيرُوا سَيْرَ الْغَافِلِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) فَمَعْنَاهُ إِبَاحَةُ السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ لِلتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَإِيجَابُ النَّظَرِ فِي آثَارِ الْهَالِكِينَ، وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِـ (ثُمَّ) لِتُبَاعِدَ مَا بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُبَاحِ اهـ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُنَيَّرِ فِي الِانْتِصَافِ، وَأَظْهَرُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ فِي الْمَكَانَيْنِ وَاحِدًا لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي النَّظَرِ، فَحَيْثُ دَخَلَتِ الْفَاءُ فَلِإِظْهَارِ السَّبَبِيَّةِ، وَحَيْثُ دَخَلَتْ ثُمَّ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ السَّيْرِ، وَأَنَّ السَّيْرَ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ لَا غَيْرَ، وَشَتَّانَ بَيْنِ الْمَقْصُودِ وَالْوَسِيلَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَفِي رُوحِ الْمَعَانِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ هُنَا: (ثُمَّ انْظُرُوا)
وَفِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ " فَانْظُرُوا " لِأَنَّ الْمَقَامَ هُنَا يَقْتَضِي " ثُمَّ " دُونَهُ فِي هَاتِيكَ الْمَوَاضِعِ، وَذَلِكَ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ:(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) مَعَ قَوْلِهِ سبحانه وتعالى: (وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) وَالْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَالِكِينَ طَوَائِفٌ كَثِيرَةٌ وَالثَّانِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُنْشَأَ بَعْدَهُمْ أَيْضًا كَثِيرُونَ، فَيَكُونُ أَمْرُهُمْ بِالسَّيْرِ دُعَاءً لَهُمْ إِلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ اسْتِقْرَاءَ الْبِلَادِ وَمَنَازِلِ أَهْلِ الْفَسَادِ عَلَى كَثْرَتِهَا لِيَرَوُا الْآثَارَ فِي دِيَارٍ بَعْدَ دِيَارٍ، وَهَذَا مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى زَمَانٍ وَمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ تَمْنَعُ مِنَ التَّعَقُّبِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْفَاءُ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الْأُخَرِ. انْتَهَى.
قَالَ الْآلُوسِيُّ بَعْدَ إِيرَادِهِ. وَلَا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ، وَاخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ السَّيْرَ مُتَّحِدٌ هُنَاكَ وَهُنَا، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ مُمْتَدٌّ بِعَطْفِ النَّظَرِ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ تَارَةً، نَظَرًا إِلَى آخِرِهِ، وَبِثُمَّ أُخْرَى نَظَرًا إِلَى أَوَّلِهِ. وَكَذَا شَأْنُ كُلِّ مُمْتَدٍّ انْتَهَى مَا أَوْرَدَهُ الْآلُوسِيُّ، وَالظَّاهِرُ فِي الْأَخِيرِ أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ نَظَرًا إِلَى الْأَوَّلِ، وَبِثُمَّ نَظَرًا إِلَى الْآخَرِ عَكْسَ مَا ذَكَرَهُ فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ أَقُولُ: وَلَعَلَّ مَنْ يَتَأَمَّلُ مَا وَجَّهْنَا بِهِ الْكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، قَبْلَ النَّظَرِ فِي هَذِهِ النُّكَتِ كُلِّهَا يَرَى أَنَّهُ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنَ النَّظْمِ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَأَنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ مَجْمُوعِ تِلْكَ النُّكَتِ، مَعَ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا تَقْتَضِيهَا حَالُ الْمُخَاطَبِينَ بِالْأَمْرِ بِالسَّيْرِ هُنَا، وَهُمْ كُفَّارُ مَكَّةَ الْمُعَانِدُونَ الْكَثِيرُو الْأَسْفَارِ لِلتِّجَارَةِ الْغَافِلُونَ عَنْ شُئُونِ الْأُمَمِ وَالِاعْتِبَارِ بِعَاقِبَةِ الْمَاضِينَ وَأَحْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ.
(قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) .
بَيَّنَ تَعَالَى فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ أُصُولَ الدِّينِ وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَشُبَهَاتِ الْكُفَّارِ عَلَى الرِّسَالَةِ مَعَ مَا يُدْحِضُهَا، وَهَدَى رَسُولَهُ إِلَى سُنَّتِهِ فِي الرُّسُلِ وَأَقْوَامِهِمْ لِتَسْلِيَتِهِ وَتَثْبِيتِ قَلْبِهِ، الْمُعِينُ لَهُ عَلَى الْمُضِيِّ فِي تَبْلِيغِ دَعْوَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ قَفَّى سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ بِتَلْقِينِهِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أُسْلُوبًا آخَرَ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَجِ عَلَى قَوْمِهِ، وَهُوَ أُسْلُوبُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، فِي مَوْضِعِ فَصْلِ الْخِطَابِ وَإِنْ كَانَ تَكْرَارٌ لِمَعْنَى سَبَقَ أَوِ اشْتَمَلَ عَلَى التَّكْرَارِ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّنْوِيعَ فِي الِاحْتِجَاجِ وَالتَّفَنُّنَ فِي أَسَالِيبِهِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ وَإِلَى غَيْرِ الدِّينِ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْبَشَرِيَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْتِزَامَ دَلِيلٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارِ ذِكْرِهِ، أَوْ إِيرَادَ عِدَّةِ أَدِلَّةٍ بِأُسْلُوبٍ وَاحِدٍ قَدْ يُفْضِي إِلَى سَآمَةِ الدَّاعِي مِنَ التَّكْرَارِ عَلَى رَغْبَتِهِ فِي الدَّعْوَةِ وَتَفَانِيهِ فِي نَشْرِهَا وَإِثْبَاتِهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ تَأْثِيرُهُ فِي الْمَدْعُوِّينَ الْكَارِهِينَ لَهُ وَلَهَا، إِذَا لَمْ يَعْقِلُوا الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ أَوْ لَمْ تَتَوَجَّهْ قُلُوبُهُمْ إِلَى تَدَبُّرِ الْأُسْلُوبِ الْوَاحِدِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى عِدَّةِ أَدِلَّةٍ؟ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي مُنْتَهَى السَّآمَةِ وَالضَّجَرِ مِنْ سَمَاعِ ذَلِكَ وَفِي غَايَةِ النُّفُورِ مِنْهُ، كَيْفَ وَقَدْ كَانَ الْمُعَانِدُونَ مِنْهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ عَلَى مَا امْتَازَ بِهِ فِي مَقَامِ التَّفَنُّنِ وَالتَّنْوِيعِ وَالْبَلَاغَةِ الْمُعْجِزَةِ فِي كَثْرَةِ الْأَسَالِيبِ؟ قَالَ عز وجل:
(قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِقَوْمِكَ الْجَاحِدِينَ لِرِسَالَتِكَ الْمُعْرِضِينَ عَمَّا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ وَالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ: لِمَنْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ عُلُوِيِّهِ وَسُفْلِيِّهِ؟ السُّؤَالُ تَمْهِيدٌ لِحُجَّةٍ جَدِيدَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُؤْمِنُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَنَّ كُلَّ مَا فِيهِمَا وَمَنْ فِيهِمَا مِلْكٌ وَعَبِيدٌ لَهُ وَلَفْظُ " مَا " يَشْمَلُ الْعُقَلَاءَ مَعَ غَيْرِهِمْ، وَجَزَمَ فِي الْكَشَّافِ بِأَنَّ السُّؤَالَ لِلتَّبْكِيتِ وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:(قُلِ لِلَّهِ) تَقْرِيرٌ لَهُمْ أَيْ هُوَ اللهُ لَا خِلَافَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَا تَقْدِرُونَ أَنْ تُضِيفُوا شَيْئًا مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَقْرِيرٌ لِلْجَوَابِ نِيَابَةً عَنْهُمْ، أَوْ إِلْجَاءً لَهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ وَقَالَ الرَّازِيُّ: أَمَرَهُ بِالسُّؤَالِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِالْجَوَابِ ثَانِيًا، وَهَذَا إِنَّمَا يَحْسُنُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ الْجَوَابُ فِيهِ قَدْ بَلَغَ فِي الظُّهُورِ إِلَى حَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْكَارِهِ مُنْكِرٌ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ الْجَوَابُ فِيهِ قَدْ بَلَغَ فِي الظُّهُورِ إِلَى حَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْكَارِهِ مُنْكِرٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ دَافِعٌ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا مِنْ هَذَا، وَاحْتَجَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لِلَّهِ بِمَا فِي الْعَالَمِ الْمَادِّيِّ مِنْ آثَارِ الْحُدُوثِ وَالْإِمْكَانِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الِاسْتِدْلَالِ.
وَنَقُولُ: إِنَّ إِتْيَانَ السَّائِلِ بِالْجَوَابِ يَحْسُنُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي حَصَرَ الرَّازِيُّ الْحَسَنَ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا يَأْتِي بِهِ عَيْنُ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَسْئُولُ وَمَا يُجِيبُ بِهِ إِنْ أَجَابَ وَإِنَّمَا يَسْبِقُهُ إِلَيْهِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ مِنْ لَوَازِمِهِ هُوَ مِمَّا يَجْهَلُهُ الْمَسْئُولُ أَوْ يَغْفُلُ عَنْهُ أَوْ يُنْكِرُهُ لِجَهْلِهِ أَوْ غَفْلَتِهِ عَنْ كَوْنِهِ لَازِمًا لِمَا يَعْرِفُهُ وَيَعْتَقِدُهُ. وَلَيْسَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ هُنَا مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْكَارِهِ
مُنْكِرٌ، وَلَا عَلَى دَفْعِهِ دَافِعٌ، فَقَدْ أَنْكَرَهُ أَهْلُ الْإِلْحَادِ وَالتَّعْطِيلِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالْجَوَابِ وَأَنْ يَبْدَأَهُ بِمَا كَانُوا يُجِيبُونَ بِهِ كَمَا عَلِمَ مِنْ آيَاتٍ أُخْرَى لِيَبْنِيَ عَلَى قَوْلِهِ: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) وَالْمَعْنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى الَّذِي تُقِرُّونَ مَعِي بِأَنَّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ الرَّحْمَةَ بِخَلْقِهِ، كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ إِفَاضَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً. وَمِنْ مُقْتَضَى هَذِهِ الرَّحْمَةِ أَنْ يَجْمَعَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَالَ كَوْنِهِ لَا رَيْبَ فِيهِ أَوْ جَمْعًا لَا رَيْبَ فِيهِ أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَرْتَابَ فِيهِ مَنْ تَدَبَّرَ دَلَائِلَ
رَحْمَةِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، فَهُوَ رَحْمَةٌ بِالْمُكَلَّفِينَ يُنَافِي الْفَوْضَى وَالْإِهْمَالَ وَاسْتِبَاحَةَ الظُّلْمِ. وَالْعِلْمُ بِهِ رَحْمَةٌ أَيْضًا; لِأَنَّهُ وَازِعٌ نَفْسِيٌّ لَا يَتِمُّ تَهْذِيبُ النَّفْسِ بِدُونِهِ، بَلِ الرَّحْمَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ رَحِمَتِهِ تَعَالَى بِالنَّاسِ مَا مَنَحَهُمْ مِنْ هِدَايَاتِ الْحَوَاسِّ وَالْوِجْدَانِ وَالْعَقْلِ وَهِدَايَةِ الدِّينِ الْمُقَاوِمَةِ لِمَا يَجْنُونَهُ عَلَى تِلْكَ الْهِدَايَاتِ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، وَالْمُسَاعَدَةِ لَهُمْ عَلَى تَكْمِيلِ فِطْرَتِهِمْ وَتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ.
بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ مِنْ أُصُولِ دِينِهِ الْقَوِيمِ الَّذِي هُوَ مَظْهَرُ رَحْمَتِهِ الْعُلْيَا الْمُوَافِقُ لِفِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا أَنَّ لِأَعْمَالِ الْبَشَرِ جَزَاءً فِطْرِيًّا هُوَ أَثَرٌ لَازِمٌ لِلْعَمَلِ بِحَسَبِ سُنَّتِهِ تَعَالَى فِي تَأْثِيرِ الْأَعْمَالِ النَّفْسِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ فِي إِصْلَاحِ الْأَنْفُسِ أَوْ إِفْسَادِهَا، وَجَزَاءً آخَرَ وَضْعِيًّا أَوْ شَرْعِيًّا تَابِعًا لَهُ هُوَ إِنْشَاءُ فَضْلٍ أَوْ عَدْلٍ مِنْهُ عز وجل، فَالْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَصْلُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْعُلُومِ الثَّابِتَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ، الَّتِي تَطْبَعُهَا فِيهَا عِبَادَةُ اللهِ تَعَالَى وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ مَعَ خَلْقِهِ مِنْ هَنَاءِ الْمَعِيشَةِ فِي الدُّنْيَا بِالْجَمْعِ بَيْنَ لَذَّةِ الْحَيَاةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، وَلَذَّةِ الْحَيَاةِ الْجَسَدِيَّةِ الْمُعْتَدِلَةِ، وَهُوَ أَدْنَى الْجَزَاءَيْنِ وَأَقَلُّهُمَا وَغَيْرُ الْمُطَّرِدِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَدْسِيَةِ النَّفْسِ وَإِفْسَادِ فِطْرَتِهَا بِالْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ كَخُرَافَاتِ الْوَثَنِيَّةِ وَأَوْهَامِهَا وَبِسَفْسَافِ الْأَخْلَاقِ وَالْمَلَكَاتِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي تَطْبَعُهَا فِيهَا تِلْكَ الْأَوْهَامُ السَّخِيفَةُ وَالْأَعْمَالُ الْقَبِيحَةُ وَالْعِبَادَاتُ الْوَثَنِيَّةُ مِنْ شَقَاءِ الْمَعِيشَةِ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ لَوَازِمَ تِلْكَ الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ، فَهِيَ كَالْأَعْمَالِ الضَّارَّةِ وَالْوَسَاوِسِ الْعَصَبِيَّةِ (الْهِسْتِيرِيَّةِ) الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَمْرَاضُ الْمُعْضِلَةُ وَالْأَدْوَاءُ الْقَاتِلَةُ، كَمَا أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُقَابِلِهَا يُشْبِهُ الْأَعْمَالَ الْبَدَنِيَّةَ وَالنَّفْسِيَّةَ الَّتِي يَرْتَاضُ بِهَا الْبَدَنُ وَالْعَقْلُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِمَا الْمَرْءُ مِنَ الصِّحَّةِ وَالِاعْتِدَالِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ هِدَايَةُ الدِّينِ لِلْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ وَالْعِبَادَاتِ، وَزَجْرِهِ عَنِ الْوَثَنِيَّةِ وَالْخُرَافَاتِ وَالرَّذَائِلِ وَالشُّرُورِ كُلُّ ذَلِكَ كَبَثِّ الْوَصَايَا
الصَّحِيحَةِ وَالْعُلُومِ الطِّبِّيَّةِ فِي النَّاسِ; لِيَكُونَ لَهُمْ وَازِعٌ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتَّقُونَ بِهِ مَا يَضُرُّهُمْ وَيُقْبِلُونَ عَلَى مَا يَنْفَعُهُمْ وَتِلْكَ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِمْ، وَلَا يُنَافِي كَوْنَ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْبَاطِلِ وَالشَّرِّ مِنْ شَقَاءِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ; لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَمَثَلُهُمْ فِيهِ كَمَثَلِ الْمَرِيضِ يُخَالِفُ أَوَامِرَ الطَّبِيبِ
وَنَوَاهِيهِ الْخَاصَّةَ، وَيُخَالِفُ الْوَصَايَا الصِّحِّيَّةَ الْعَامَّةَ، فَيَزْدَادُ أَمْرَاضًا وَأَسْقَامًا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنُ تِلْكَ الْوَصَايَا رَحْمَةً بِالنَّاسِ وَنِعْمَةً عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الْجَزَاءُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ إِنْشَاءٌ مِنْ مُقْتَضَى الْفَضْلِ أَوِ الْعَدْلِ فَهُوَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْجَزَاءِ الْأَوَّلِ وَتَابِعٌ لَهُ وَهُوَ قِسْمَانِ: (أَحَدُهُمَا) مَا يَزِيدُ اللهُ الْمُحْسِنِينَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ بِفَضْلِهِ عَلَى مَا اسْتَحَقُّوهُ بِإِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ بِحَسَبِ وَعْدِهِ، وَلَمَّا كَانَتِ الرَّحْمَةُ أَعَمَّ وَأَوْسَعَ وَأَعْظَمَ كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْجَزَاءِ خَاصًّا بِالْمُحْسِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ، فَهُوَ رَحْمَةٌ خَاصَّةٌ. نَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا. (وثَانِيهِمَا) الْقَصَاصُ فِي الْحُقُوقِ وَإِنْ قَلَّتَ، وَمَا يَقْتَصُّ بِهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِحَسَبِ عَدْلِهِ. وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ، أَعَمَّ وَأَسْبَقَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَدْلِ، كَانَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ الْمُسِيئِينَ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْفُو اللهُ عَنْهُمْ، فَالْجَزَاءُ عَلَى الْإِسَاءَةِ قَدْ يَنْقُصُ مِنْهُ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَلَكِنْ لَا يُزَادُ فِيهِ شَيْءٌ قَطُّ. وَإِنَّمَا الزِّيَادَةُ فِي الْجَزَاءِ عَلَى الْإِحْسَانِ:(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا 6: 160)(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ 10: 26)(فأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 4: 173) وَبَيَانُ الدِّينِ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْجَزَاءِ رَحْمَةٌ أَيْضًا فَهُوَ كَبَيَانِ الْحُكُومَةِ الْعَادِلَةِ لِلْأُمَّةِ مَا تُؤَاخَذُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الضَّارَّةِ، وَمَا يَدُلُّ الْمُحْسِنِينَ مِنَ الْأَمْنِ وَالْعِزِّ وَالتَّرَقِّي فِي خِدْمَةِ الدَّوْلَةِ، رَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" إِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي " وَفِي رِوَايَةٍ " إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي " وَإِنَّمَا السَّبْقُ وَالْغَلَبُ فِي أَثَرَيِ الرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ وَتَعَلُّقُهُمَا لَا فِي الصِّفَاتِ أَنْفُسِهَا، وَسَنَزِيدُ هَذَا الْبَحْثَ بَيَانًا فِي تَفْسِيرِ:(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)(7: 156) مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ إِنْ أَحْيَانَا اللهُ تَعَالَى.
أَمَّا تَعَلُّقُ جَمْعِ النَّاسِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِكِتَابَةِ الرَّحْمَةِ مِنْ جِهَةِ نَظْمِ الْكَلَامِ وَإِعْرَابِهِ فَقِيلَ: إِنَّ كِتَابَةَ الرَّحْمَةِ تَأْكِيدٌ لَهَا فِي مَعْنَى الْقَسَمِ، وَجُمْلَةُ " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " جَوَابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ حَلَّ مَحَلَّهُ مَا فِي مَعْنَاهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْجُمْلَةَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَا مُقْتَضَى هَذِهِ الرَّحْمَةِ، وَمَا مَوْقِعُهَا مِنْ مَوْضُوعِ دَعْوَةِ الرِّسَالَةِ؟ فَقِيلَ: إِنَّهُ تَعَالَى أَقْسَمَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، إِذْ لَوْ لَمْ يَجْمَعْكُمْ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ لَظَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ مِنْكُمْ مَغْبُونِينَ مَحْرُومِينَ،
وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَظْلُومِينَ
مَهْضُومِينَ، وَكَثِيرٌ مِنَ الظَّالِمِينَ الْمُسِيئِينَ غَيْرَ مُؤَاخَذِينَ، ذَلِكَ بِأَنَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا مِنْ حُسْنِ الْأَثَرِ وَعَلَى الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ مِنْ قُبْحِ الْأَثَرِ، لَيْسَ عَامًّا مُطَّرِدًا فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَهُوَ يَعْلَمُ مِنَ الِاخْتِبَارِ وَمِنْ سُنَنِ اللهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الرَّحْمَةَ، كَمَا يُنَافِي الْعَدْلَ وَالْحِكْمَةَ، فَمِنْ مُقْتَضَى كِتَابَتِهِ سُبْحَانَهُ الرَّحْمَةَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمْ، وَجَزَاءُ كُلٍّ مِنْهُمْ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ فِي الْكُلِّ وَالْفَضْلُ فِي الْبَعْضِ. وَالْجَمْعُ بِمَعْنَى الْحَشْرِ وَيَتَعَدَّيَانِ بِإِلَى، يُقَالُ: جَمَعَهُمْ إِلَيْهِ وَحَشَرَهُمْ إِلَيْهِ. وَجَمْعُ النَّاسِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَعْنَاهُ حَشْرُهُمْ إِلَى مَوْقِفِهِ أَوْ حِسَابِهِ، أَوْ مَعْنَاهُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ مُنْتَهِينَ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقِيلَ: إِنَّ " إِلَى " صِلَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى " فِي " وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) فَمَعْنَاهُ أَخُصُّ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يُجْمَعُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِالذِّكْرِ أَوِ التَّذْكِيرِ أَوْ بِالذَّمِّ وَالتَّوْبِيخِ فَإِنَّهُمْ لِخُسْرَانِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ أَوْلَى بِأَنْ يُتَعْتَعُوا بِالتَّذْكِيرِ، أَوْ بِالذَّمِّ الْمُفْضِي إِلَى التَّفْكِيرِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْتُمْ أَيُّهَا الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ. . . إِلَخْ. خَاطَبَهُمْ كَافَّةً ثُمَّ أَبْدَلَ مِنَ الْكُلِّ بَعْضَهُ الْأَجْدَرَ بِالْخِطَابِ الْأَحْوَجَ إِلَيْهِ أَوْ وَصَفَ أُولَئِكَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا الْوَصْفِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ مَنَاطُ الْإِنْذَارِ وَالْوَعِيدِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْجُمْلَةَ مُسْتَقِلَّةٌ مَعْنَاهَا أَنَّ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَذَا الْجَمْعِ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِخَبَرِهِ. وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَظْهَرُ. وَخَسَارَةُ الْأَنْفُسِ عِبَارَةٌ عَنْ إِفْسَادِ فِطْرَتِهَا وَعَدَمِ اهْتِدَائِهَا بِمَا مَنَحَهَا اللهُ تَعَالَى مِنَ الْهِدَايَاتِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا آنِفًا، فَالْمُقَلِّدُونَ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لِأَنَّهُمْ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ اسْتِعْمَالِ أَشْرَفِ النِّعَمِ الْغَرِيزِيَّةِ وَهُوَ الْعَقْلُ، وَحَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَفْضَلَ الْفَضَائِلِ الْكَسْبِيَّةِ وَهُوَ الْعِلْمُ وَالْفَهْمُ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُخْطِئَ. أَفْضَلُ مِنَ الْمُقَلِّدِ لِمُجْتَهِدٍ مُصِيبٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْمُقَلِّدِ فِي الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى؟ وَالْحِرْمَانُ مِنْ مَضَاءِ الْعَزِيمَةِ وَقُوَّةِ الْإِرَادَةِ خُسْرَانٌ لِلنَّفْسِ يُضَاهِي خُسْرَانَهَا بِفَقْدِ الْعِلْمِ الِاسْتِدْلَالِيِّ، فَإِنَّ ضَعِيفَ الْإِرَادَةِ إِنْ أُوتِيَ حَظًّا مِنَ الْعِلْمِ لَا يَقُومُ بِحَقِّهِ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ كَمَا يَجِبُ. لِأَنَّ مَا يَهْدِي إِلَيْهِ الْعِلْمُ الصَّحِيحُ مِنْ وُجُوبِ نَصْرِ الْحَقِّ وَخَذْلِ الْبَاطِلِ
وَمُجَاهِدَةِ الْأَهْوَاءِ الرَّدِيئَةِ وَعَمَلِ الْخَيْرِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ لَا يَحْمِلُهَا إِلَّا ذُو الْعَزِيمَةِ الصَّادِقَةِ، وَالْإِرَادَةِ الثَّابِتَةِ.
فَمَنْ خَسِرَ نَفْسَهُ بِالتَّقْلِيدِ لَا يَنْظُرُ وَلَا يَسْتَدِلُّ حَتَّى يَهْتَدِيَ إِلَى الْإِيمَانِ، وَمَنْ خَسِرَ نَفْسَهُ بِوَهْنِ الْإِرَادَةِ قَلَّمَا يَنْظُرُ وَيَسْتَدِلُّ أَيْضًا، فَإِنْ هُوَ نَظَرَ وَظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ بِمَا قَامَ مِنَ الْبُرْهَانِ عَلَيْهِ قَعَدَ بَعْدَ ضَعْفِ الْإِرَادَةِ عَنِ احْتِمَالِ لَوْمِ اللَّائِمِينَ، وَاحْتِقَارِ الْأَهْلِ وَالْمُعَاشِرِينَ، لِمَنْ تَرَكَ دِينَ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ، وَصَبَا إِلَى حِزْبِ أَعْدَائِهِمْ وَأَعْدَائِهِ. هَذَا مَا يُقَالُ فِي مِثْلِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ
فِي عَهْدِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. وَإِنَّ ضَعْفَ الْإِرَادَةِ لَيَصُدُّ صَاحِبَهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ عَنِ الْوَاجِبَاتِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ احْتِمَالِ مَشَقَّةٍ بَدَنِيَّةٍ أَوْ نَفْسِيَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَعْمَالِ الْإِيمَانِ وَمَصَالِحِ الْأُمَّةِ وَالْأَوْطَانِ، وَلَوْ بَحَثْتَ عَنْ خُسْرَانِ الْأَفْرَادِ الْمُتَعَلِّمِينَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحُقُوقَ وَالْوَاجِبَاتِ لِكَرَامَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَخُسْرَانِ الْجَمَاعَاتِ وَالْأُمَمِ الَّتِي تُولِي زَعَامَتَهَا أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادِ لِاسْتِقْلَالِهَا وَصَلَاحِ أَمْرِهَا لَرَأَيْتَ سَبَبَ هَذَا وَذَاكَ وَهَنَ الْعَزِيمَةِ وَذَبْذَبَةِ الْإِرَادَةِ، فَالْفَوْزُ وَالْفَلَاحُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَالْعَزِيمَةِ الْحَافِزَةِ إِلَى الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ، فَمَنْ خَسِرَ إِحْدَى الْفَضِيلَتَيْنِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَسِرَ نَفْسَهُ سَوَاءً كَانَ فَرْدًا، أَوْ أُمَّةً، فَمَا بَالُ مَنْ خَسِرَهُمَا كِلْتَيْهِمَا وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى وَقَدْ لَمَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى خُسْرَانِ النَّفْسِ فِي الْآخِرَةِ فَأَوْرَدَ عَلَى الْآيَةِ إِشْكَالًا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. وَأَجَابَ عَنْهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ جَوَابًا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. قَالَ (فَإِنْ قُلْتَ) : كَيْفَ جَعَلَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ خُسْرَانِهِمْ وَالْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ؟ (قُلْتُ) : مَعْنَاهُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي عِلْمِ اللهِ لِاخْتِيَارِهِمُ الْكُفْرَ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، أَيْ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاسْتَظْهَرَ أَبُو حَيَّانَ أَنَّهُ اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ غَيْرُ مُنْدَرِجٍ تَحْتَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ. وَسَكَنَ مِنْ سُكْنَى أَوْ مِنَ السُّكُونِ ضِدَّ الْحَرَكَةِ، وَفِيهِ اكْتِفَاءٌ بِمَا ذَكَرَ عَمَّا يُقَابِلُهُ، أَيْ لَهُ مَا سَكَنَ وَمَا تَحَرَّكَ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ:(سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ)(16: 81) أَيْ وَالْبَرْدَ. وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ فِي الْمُشْتَرَكِ بِمَا يَحْتَمِلُهُ الْمَقَامُ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا الْمِلْكِ
الْخَاصِّ عَلَى دُخُولِهِ فِي عُمُومِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ التَّذْكِيرُ بِتَصَرُّفِهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْخَفَايَا، فَإِنَّ السُّكْنَى وَالسُّكُونَ مِنْ دَوَاعِي خَفَاءِ السَّاكِنِ، فَإِذَا كَانَ فِي اللَّيْلِ كَانَ أَشَدَّ خَفَاءً; وَلِذَلِكَ قَدَّمَ ذِكْرَ اللَّيْلِ لِأَنَّ مَا يَسْكُنُ فِيهِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، وَعَطْفُ النَّهَارِ عَلَيْهِ تَكْمِيلٌ، وَلَمَّا ذَكَّرَنَا تَعَالَى بِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِمَا ذَكَرَ، الْمُتَصَرِّفُ فِيهِ بِقُدْرَتِهِ بِمَا يَشَاءُ كَمَا هُوَ شَأْنُ الرُّبُوبِيَّةِ الْكَامِلَةِ ذَكَّرَنَا بِأَنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، أَيِ الْمُحِيطُ سَمْعُهُ بِكُلِّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْمَعَ مَهْمَا يَكُنْ خَفِيًّا عَنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ يَسْمَعُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، وَكُلُّ سَمِيعٍ غَيْرَهُ يُصَمُّ عَنْ لَطِيفِ الْأَصْوَاتِ وَيَصُمُّهُ كَبِيرُهَا وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا، كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: وَهُوَ الْمُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)(40: 19) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَدُقَّ عَنْ سَمْعِهِ دَعْوَةُ دَاعٍ أَوْ تَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ حَاجَةُ مُحْتَاجٍ، حَتَّى يُخْبِرَهُ بِهَا الْأَوْلِيَاءُ، أَوْ يُقْنِعَهُ بِهَا الشُّفَعَاءُ (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (2: 255) .
بَعْدَ كِتَابَةِ مَا تَقَدَّمَ رَاجَعْتُ التَّفْسِيرَ الْكَبِيرَ فَإِذَا فِيهِ مِنْ نُكَتِ الْبَلَاغَةِ فِي الْآيَةِ مَا نَقَلَهُ
الرَّازِيُّ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ وَقَالَ إِنَّهُ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي نَظْمِهَا وَهُوَ: ذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِذْ لَا مَكَانَ سِوَاهُمَا، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِذْ لَا زَمَانَ سِوَاهُمَا، فَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ ظَرْفَانِ لِلْمُحْدَثَاتِ. فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِلْمَكَانِ وَالْمَكَانِيَّاتِ، وَالزَّمَانِ وَالزَّمَانِيَّاتِ. قَالَ الرَّازِيُّ: وَهَذَا بَيَانٌ فِي غَايَةِ الْجَلَالَةِ. وَأَقُولُ: هَهُنَا دَقِيقَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ وَقَعَ بِذِكْرِ الْمَكَانِ وَالْمَكَانِيَّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمَانَ وَالزَّمَانِيَّاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَكَانَ وَالْمَكَانِيَّاتِ، أَقْرَبُ إِلَى الْعُقُولِ وَالْأَفْكَارِ مِنَ الزَّمَانِ وَالزَّمَانِيَّاتِ، لِدَقَائِقَ مَذْكُورَةٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ الصِّرْفَةِ. وَالتَّعْلِيمُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بِالْأَظْهَرِ فَالْأَظْهَرُ مُتَرَقِّيًا إِلَى الْأَخْفَى فَالْأَخْفَى اهـ.
بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ لِلتَّذْكِيرِ بِأَنَّهُ الرَّبُّ الْمَالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْمُتَصَرِّفُ بِالْفِعْلِ وَالتَّدْبِيرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى دَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَالْأُمُورِ وَخَفَايَاهَا، وَأَنَّ تَصَرُّفَهُ هَذَا عَنْ عِلْمٍ مُحِيطٍ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا دَبِيبُ نَمْلَةٍ. أَمَرَهُ بِقَوْلٍ آخَرَ بَيَّنَ فِيهِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ مَا قَبْلَهُ مِنْ وُجُوبِ وِلَايَتِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ دُونَ سِوَاهُ فِي كُلِّ مَا هُوَ فَوْقَ كَسْبِ الْبَشَرِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى تَوْفِيقِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ كَسْبِهِمْ، وَلَا يَتِمُّ بِهِ الْمُرَادُ بِمَحْضِ سَعْيِهِمْ، فَقَالَ:
(قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) الْوَلِيُّ النَّاصِرُ وَمُتَوَلِّي الْأَمْرِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِ، وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا لِإِنْكَارِ اتِّخَاذِ غَيْرِ اللهِ وَلِيًّا، لَا لِإِنْكَارِ الْوَلِيِّ مُطْلَقًا، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ: أَأَتَّخِذُ وَلِيًّا غَيْرَ اللهِ، وَلَا: أَأَتَّخِذُ غَيْرَ اللهِ وَلِيًّا. وَمِثْلُهُ: (أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)(39: 64) وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ اتِّخَاذُ غَيْرِ اللهِ وَلِيًّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْ غَيْرِهِ النَّصْرُ أَوْ غَيْرُ النَّصْرِ مِنْ ضُرُوبِ التَّصَرُّفِ فِي النَّفْعِ وَالضُّرِّ فِعْلًا وَمَنْعًا فِيمَا هُوَ فَوْقَ كَسْبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَتَصَرُّفِهِ الَّذِي مَنَحَهُ اللهُ لِأَبْنَاءِ جِنْسِهِ; وَلِذَلِكَ فُسِّرَ الْوَلِيُّ بِالْمَعْبُودِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَأَمَّا تَنَاصُرُ الْمَخْلُوقِينَ وَتَوَلِّي بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِيمَا هُوَ مِنْ كَسْبِهِمُ الْعَادِيِّ فَلَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ اتِّخَاذِ اللهِ وَلِيًّا أَوِ اتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ. فَقَدْ أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. وَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ الْكُفَّارَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا مِنْ قَبْلُ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ وَمَنْ طَرَأَ عَلَيْهِمُ الشِّرْكُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَّخِذُونَ مَعْبُودَاتِهِمْ وَأَنْبِيَاءَهُمْ وَصُلَحَاءَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ بِنِدَائِهِمْ وَدُعَائِهِمْ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِمْ وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِمْ يَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِمْ مِنْ نَصْرٍ عَلَى عَدْوٍّ وَشِفَاءٍ مِنْ مَرَضٍ وَسَعَةٍ فِي رِزْقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَكَانَ هَذَا عِبَادَةٌ مِنْهُمْ لَهُمْ وَجَعْلُهُمْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ بِاعْتِقَادِ كَوْنِ حُصُولِ الْمَطْلُوبِ مِنْ غَيْرِ أَسْبَابِهِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي مَضَتْ بِهَا السُّنَنُ الْإِلَهِيَّةُ الْعَامَّةُ قَدْ كَانَ بِمَجْمُوعِ إِرَادَةِ هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِرَادَةِ اللهِ تَعَالَى، فَمُقْتَضَى هَذَا الِاعْتِقَادِ أَنَّ إِرَادَةَ اللهِ تَعَالَى مَا تَعَلَّقَتْ بِفِعْلِ ذَلِكَ الْمَطْلَبِ إِلَّا بِالتَّبَعِ لِإِرَادَةِ الْوَلِيِّ الشَّافِعِ أَوِ الْمُتَّخَذِ وَلِيًّا شَفِيعًا، وَالْحَقُّ أَنَّ إِرَادَةَ اللهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهَا
الْمُحْدَثَاتُ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِرَارًا بِشَوَاهِدِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ. ثُمَّ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِمَا يُنَافِي اتِّخَاذَ غَيْرِهِ وَلِيًّا فَقَالَ:
(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مُبْدِعِهِمَا أَيْ مُبْدِئِهِمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا عَرَفْتُ مَا فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ مِنْ بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا، أَيِ ابْتَدَعْتُهَا، وَأَصْلُ الْفَطَرِ الشَّقُّ، وَمِنْهُ (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) (82: 1) بِمَعْنَى إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَقِيلَ لِلْكَمْأَةِ فِطْرٌ; لِأَنَّهَا تَفْطِرُ الْأَرْضَ فَتَخْرُجُ مِنْهَا. وَإِيجَادُ الْبِئْرِ إِنَّمَا يُبْتَدَأُ بِشَقِّ الْأَرْضِ بِالْحَفْرِ، وَقَدْ كَانَتِ الْمَادَّةُ الَّتِي خَلَقَ اللهُ مِنْهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كُتْلَةً وَاحِدَةً دُخَّانِيَّةً، فَفَتَقَ رَتْقَهَا وَفَصَلَ مِنْهَا
أَجْرَامَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الْفَطْرِ وَالشَّقِّ (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) الرُّؤْيَةُ هُنَا عِلْمِيَّةٌ.
وَصْفُ اللهِ تَعَالَى بِفَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ لَا نِزَاعَ فِيهِ يُؤَيِّدُ إِنْكَارَ اتِّخَاذِ غَيْرِهِ وَلِيًّا يُسْتَنْصَرُ وَيُسْتَعَانُ بِهِ، أَوْ يُتَّخَذُ وَاسِطَةً لِلتَّأْثِيرِ فِي الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّ مَنْ فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِمَحْضِ إِرَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرِ مُؤَثِّرٍ وَلَا شَفَاعَةِ شَافِعٍ يَجِبُ أَنْ يُتَوَجَّهَ إِلَيْهِ وَحْدَهُ بِالدُّعَاءِ، وَإِيَّاهُ يُسْتَعَانُ فِي كُلِّ مَا وَرَاءَ الْأَسْبَابِ، وَأَكَّدَ هَذَا بِقَوْلِهِ:(وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) أَيْ يَرْزُقُ النَّاسَ الطَّعَامَ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَرْزُقُهُ وَيُطْعِمُهُ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ. وَقَرَأَ أَبُو عُمَرَ:" وَلَا يَطْعَمُ " بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ لَا يَأْكُلُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مُؤَيِّدَةٌ لِإِنْكَارِ اتِّخَاذِ وَلِيٍّ غَيْرِ اللهِ، وَفِيهَا تَعْرِيضٌ بِمَنِ اتَّخَذُوا أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْبَشَرِ بِأَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ، لَا حَيَاةَ لَهُمْ وَلَا بَقَاءَ إِلَى الْأَجَلِ الْمَحْدُودِ بِدُونِهِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَهُمُ الطَّعَامَ، فَهُمْ عَاجِزُونَ عَنِ الْبَقَاءِ بِدُونِهِ وَعَاجِزُونَ عَنْ خَلْقِهِ وَإِيجَادِهِ، فَكَيْفَ يُتَّخَذُونَ أَوْلِيَاءَ مَعَ الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ، الرَّزَّاقِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ؟ كَمَا قَالَ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى النَّصَارَى فِي عِبَادَةِ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ عليهما السلام:(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ)(5: 75) وَأَمَّا الْأَوْلِيَاءُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ غَيْرِ الْبَشَرِ كَالْأَصْنَامِ، فَهِيَ أَضْعَفُ وَأَعْجَزُ مِنَ الْبَشَرِ، لِاتِّفَاقِ عُقَلَاءَ الْأُمَمِ كُلِّهَا عَلَى تَفْضِيلِ الْحَيَوَانِ عَلَى الْجَمَادِ وَتَفْضِيلِ الْإِنْسَانِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ.
(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) أَيْ قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَعْدَ إِيرَادِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْحُجَجِ عَلَى وُجُوبِ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَعَدَمِ اتِّخَاذِ غَيْرِهِ وَلِيًّا: إِنِّي أُمِرْتُ مِنْ لَدُنْ رَبِّي الْمَوْصُوفِ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الصِّفَاتِ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ إِلَيْهِ وَانْقَادَ لِدِينِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي بُعِثْتُ فِيهَا، فَلَسْتُ أَدْعُو إِلَى شَيْءٍ لَا آخُذُ بِهِ، بَلْ أَنَا أَوَّلُ مُؤْمِنٍ وَعَامِلٍ بِهَذَا الدِّينِ، (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ وَقِيلَ لِي بَعْدَ هَذَا الْأَمْرِ بِالسَّبْقِ إِلَى إِسْلَامِ الْوَجْهِ لَهُ:
لَا يَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُقَرِّبُونَهُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى، فَأَنَا أَتَبَرَّأُ مِنْ دِينِكُمْ وَمِنْكُمْ. وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّنِي أُمِرْتُ بِالْإِسْلَامِ وَنُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ. كَذَا قِيلَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ
حَاصِلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
وَبَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ الْمُبَيِّنِ لِأَصْلِ الدَّعْوَةِ وَأَسَاسِ الدِّينِ، وَكَوْنِ الدَّاعِي إِلَيْهِ مَأْمُورًا بِهِ كَغَيْرِهِ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِقَوْلٍ آخَرَ فِي بَيَانِ جَزَاءِ مَنْ خَالَفَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ آنِفًا، وَأَنَّهُ عَامٌّ لَا هَوَادَةَ فِيهِ وَلَا شَفَاعَةَ تَحُولُ دُونَهُ فَقَالَ:(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظَيمٍ) قَدَّمَ ذِكْرَ الْخَوْفِ عَلَى شَرْطِهِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَهَمُّ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، وَشَرْطُ " إِنْ " لَا يَقْتَضِي الْوُقُوعَ، فَالْمَعْنَى إِنْ فُرِضَ وُقُوعُ الْعِصْيَانِ مِنِّي لِرَبِّي فَإِنَّنِي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَنِي عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وُصِفَ بِالْعَظِيمِ لِعَظَمَةِ مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ تَجَلِّي الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَمُحَاسَبَتِهِ لِلنَّاسِ وَمَجَازَاتِهِ لَهُمْ. وَحِكْمَةُ هَذَا التَّعْبِيرِ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ هَذَا الدِّينَ دِينُ اللهِ الْحَقُّ لَا مُحَابَاةَ فِيهِ لِأَحَدٍ، مَهْمَا يَكُنْ قَدْرُهُ عَظِيمًا فِي نَفْسِهِ. وَأَنَّ يَوْمَ الْجَزَاءِ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ وَلَا سُلْطَانَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى فَيَتَّكِلُ عَلَيْهِ مَنْ يَعْصِيهِ، ظَنًّا أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُ أَوْ يُنْجِيَهُ (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) وَإِذَا كَانَ خَوْفُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْعَذَابِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مُنْتَفِيًا لِانْتِفَائِهَا بِالْعِصْمَةِ فَخَوْفُ الْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ ثَابِتٌ لَهُ دَائِمًا.
(مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) أَيْ مَنْ يُصْرَفْ وَيُحَوَّلْ عَنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ حَتَّى يَكُونَ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ، أَوْ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ ذَلِكَ الْعَذَابُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَدْ رحمه الله بِإِنْجَائِهِ مِنَ الْهَوْلِ الْأَكْبَرِ، وَبِمَا وَرَاءَ النَّجَاةِ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِأَنَّ مَنْ لَا يُعَذَّبُ يَوْمَئِذٍ يَكُونُ مُنَعَّمًا حَتْمًا، وَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ وَالتَّمَتُّعِ بِالنَّعِيمِ فِي دَارِ الْبَقَاءِ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ الظَّاهِرُ، وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي تَفْسِيرِ آخِرِ السُّورَةِ السَّابِقَةِ (الْمَائِدَةِ) أَنَّ الْفَوْزَ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ السَّلْبِيِّ وَالْإِيجَابِيِّ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا قِيلَ فِي أَهْلِ الْأَعْرَافِ عَلَى مَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي سُورَتِهَا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ (مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، أَيْ مِنْ يَصْرِفُهُ اللهُ عَنْهُ أَيْ عَنِ الْعَذَابِ إِلَخْ. وَيُؤَيِّدُهَا قِرَاءَةُ أُبَيٍّ (مَنْ يَصْرِفِ اللهُ) بِالظَّاهِرِ لِلْفَاعِلِ وَحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِقَصْدِ التَّفْسِيرِ وَلَا يَمْنَعُنَا مِنَ الْجَزْمِ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَصِحَّ أَنَّهُ كَتَبَ اسْمَ الْجَلَالَةِ فِي مُصْحَفِهِ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّتِ الْأَشْعَرِيَّةُ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ لَا تُوجِبُ الثَّوَابَ وَالْمَعْصِيَةَ لَا تُوجِبُ الْعِقَابَ لِأَنَّهَا نَاطِقَةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَفِعْلُ الْوَاجِبِ لَا يُسَمَّى رَحْمَةً، وَضَرَبُوا لِذَلِكَ الْأَمْثَالَ فِي أَفْعَالِ الْبَشَرِ، وَالْحَقُّ أَنَّ مِنْ أَفْعَالِ الرَّحْمَةِ الْبَشَرِيَّةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَمِنَ الْوَاجِبِ عَلَى النَّاسِ مَا هُوَ رَحْمَةٌ أَيْ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ، وَأَمَّا الْخَالِقُ عز وجل فَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ أَحَدٌ شَيْئًا إِذْ لَا سُلْطَانَ فَوْقَ سُلْطَانِهِ، وَلَهُ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ مَا شَاءَ، وَقَدْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، أَيْ أَوْجَبَهَا
كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ. فَهَذِهِ كِتَابَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ كِتَابَتُهَا لِلْمُتَّقِينَ الْمُزَكِّينَ مِنْ مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَكْتُبِ الرَّبُّ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَجَازَ أَلَّا يَرْحَمَ أَحَدًا وَأَلَّا يَكُونَ رَحِيمًا بِخَلْقِهِ وَأَجَازَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ هَذَا فَكِتَابُ اللهِ لَا يُجِيزُهُ، وَلَمَّا بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ صَرْفَ الْعَذَابِ وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ بَعْدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ فِي الْآخِرَةِ بَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهِ لِلَّهِ الْوَلِيِّ الْحَمِيدِ وَحْدَهُ فَقَالَ:
(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الْمَسُّ أَعَمُّ مِنَ اللَّمْسِ فِي الِاسْتِعْمَالِ. يُقَالُ: مَسَّهُ السُّوءُ وَالْكِبْرُ وَالْعَذَابُ وَالتَّعَبُ وَالضَّرَّاءُ وَالضُّرُّ وَالْخَيْرُ، أَيْ أَصَابَهُ ذَلِكَ وَنَزَلَ بِهِ، وَيُقَالُ: مَسَّهُ غَيْرُهُ بِذَلِكَ أَيْ أَصَابَهُ بِهِ. وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّ الْمَسَّ بِالْخَيْرِ ذُكِرَ هُنَا فِي مُقَابِلِ الْمَسِّ بِالضُّرِّ مُسْنَدًا إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَفِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ فِي مُقَابِلِ الْمَسِّ بِالشَّرِّ غَيْرَ مُسْنَدٍ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَالضُّرُّ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ لُغَتَانِ: أَوِ الضَّرُّ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، وَبِالضَّمِّ اسْمُ مَصْدَرٍ، وَالِاسْتِعْمَالُ فِيهِ، أَنْ يُضَمَّ إِذَا ذُكِرَ وَحْدَهُ وَيُفْتَحَ إِذَا ذُكِرَ مَعَ النَّفْعِ. وَهُوَ مَا يَسُوءُ الْإِنْسَانَ فِي نَفْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُئُونِهِ، وَيُقَابِلُ النَّفْعَ. وَقَالَ الرَّازِيُّ: الضُّرُّ اسْمٌ لِلْأَلَمِ وَالْحُزْنِ وَالْخَوْفِ وَمَا يُفْضِي إِلَيْهَا أَوْ إِلَى أَحَدِهَا، وَالنَّفْعُ اسْمٌ لِلَّذَّةِ وَالسُّرُورِ وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِمَا أَوْ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَالْخَيْرُ اسْمٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ دَفْعِ الضُّرِّ وَحُصُولِ الْخَيْرِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْخَيْرُ مَا يَرْغَبُ فِيهِ الْكُلُّ، كَالْعَقْلِ مَثَلًا وَالْعَدْلِ وَالْفَضْلِ وَالشَّيْءِ النَّافِعِ وَضِدُّهُ الشَّرُّ. وَأَقُولُ إِنَّ الْخَيْرَ مَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ أَوْ مَصْلَحَةٌ حَاضِرَةٌ أَوْ مُسْتَقْبَلَةٌ، فَمِنَ الضَّارِّ الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَسُوءُ مَا يَكُونُ خَيْرًا بِحُسْنِ أَثَرِهِ أَوْ عَاقِبَتِهِ،
وَالشَّرُّ مَا لَا مَصْلَحَةَ وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ الْبَتَّةَ، أَوْ مَا كَانَ ضُرُّهُ أَكْبَرَ مِنْ نَفْعِهِ. قَالَ تَعَالَى:(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)(2: 216) وَقَالَ فِي النِّسَاءِ: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)(4: 19) وَقَالَ: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسُبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(24: 11) وَالشَّرُّ لَا يُسْنَدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ مِمَّا يَبْتَلِي بِهِ النَّاسَ وَيَخْتَبِرُهُمْ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)(10: 11) لَيْسَ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ فِي شَيْءٍ، وَفِي الْحَدِيثِ " الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكِ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ".
وَمِنْ دَقَائِقِ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ الْمُعْجِزَةِ تَحَرِّي الْحَقَائِقِ بِأَوْجَزِ الْعِبَارَاتِ وَأَجْمَعِهَا لِمَحَاسِنِ الْكَلَامِ مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِهَا فِي بَادِي الرَّأْيِ لِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّعْبِيرِ كَالْمُقَابَلَةِ هُنَا بَيْنَ الضُّرِّ وَالْخَيْرِ، وَإِنَّمَا مُقَابِلُ الضُّرِّ النَّفْعُ، وَمُقَابِلُ الْخَيْرِ الشَّرُّ، فَنُكْتَةُ الْمُقَابَلَةِ أَنَّ الضُّرَّ مِنَ اللهِ تَعَالَى لَيْسَ شَرًّا فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ تَرْبِيَةٌ وَاخْتِبَارٌ لِلْعَبْدِ يَسْتَفِيدُ بِهِ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلِاسْتِفَادَةِ أَخْلَاقًا وَآدَابًا وَعِلْمًا وَخِبْرَةً، وَقَدْ بَدَأَ بِذِكْرِ الضُّرِّ لِأَنَّ كَشْفَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى نَيْلِ مُقَابِلِهِ، كَمَا أَنَّ صَرْفَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّعِيمِ فِيهَا، وَهَذِهِ الْآيَةُ مُقَابِلَةٌ لِمَا قَبْلَهَا كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْخَيْرَ فِي
مُقَابِلِ الضُّرِّ دُونَ النَّفْعِ فَأَفَادَ أَنَّ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ مِنَ النِّعَمِ إِنَّمَا يَحْسُنُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ النَّفْعُ خَيْرًا لَهُمْ بِعَدَمِ تَرْتِيبِ شَيْءٍ مِنَ الشَّرِّ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ أَصَابَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ ضُرٌّ كَمَرَضٍ وَتَعَبٍ وَحَاجَةٍ وَحُزْنٍ وَذُلٍّ اقْتَضَتْهُ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى فَلَا كَاشِفَ لَهُ، أَيْ لَا مُزِيلَ لَهُ وَلَا صَارِفَ يَصْرِفُهُ عَنْكَ إِلَّا هُوَ دُونَ الْأَوْلِيَاءِ يُتَّخَذُونَ مِنْ دُونِهِ وَيَتَوَجَّهُ إِلَيْهِمُ الْمُشْرِكُ لِكَشْفِهِ، فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكْشِفَهُ عَنْكَ بِتَوْفِيقِكَ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي تُزِيلُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكْشِفَهُ بِغَيْرِ عَمَلٍ مِنْكَ وَلَا كَسْبٍ، وَلُطْفُهُ الْخَفِيُّ لَا حَدَّ لَهُ فَلَهُ الْحَمْدُ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ، كَصِحَّةٍ وَغِنًى وَقُوَّةٍ وَجَاهٍ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى حِفْظِهِ عَلَيْكَ كَمَا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعْطَائِكَ إِيَّاهُ; لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَمَّا أُولَئِكَ الْأَوْلِيَاءُ الَّذِينَ اتُّخِذُوا مَنْ دُونِهِ فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى مَسِّكَ بِخَيْرٍ وَلَا ضُرٍّ. فَالْآيَةُ كَمَا قَالَ الرَّازِيُّ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَّخِذَ غَيْرَ اللهِ وَلِيًّا. وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَا وَبِمَا قَبْلَهَا أَنَّ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ كَشْفِ ضُرٍّ وَصَرْفِ عَذَابٍ أَوْ إِيجَادِ خَيْرٍ وَمَنْحِ ثَوَابٍ فَإِنَّمَا يُطْلَبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَالطَّلَبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى نَوْعَانِ: طَلَبٌ بِالْعَمَلِ
وَمُرَاعَاةُ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا سُنَنُهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، وَطَلَبٌ بِالتَّوَجُّهِ وَالدُّعَاءِ اللَّذَيْنِ نَدَبَتْ إِلَيْهِمَا آيَاتُهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ.
هَذَا مَا فَتَحَ اللهُ بِهِ، وَبَعْدَ كِتَابَتِهِ رَاجَعْنَا كِتَابَ رُوحِ الْمَعَانِي فَوَجَدْنَا فِيهِ نَقْلًا فِي نُكْتَةِ الْبَلَاغَةِ فِي الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الضُّرِّ وَالْخَيْرِ أَحْبَبْنَا نَقْلَهَا إِتْمَامًا لِلْفَائِدَةِ قَالَ:
" وَفَسَّرُوا الضُّرَّ بِالضَّمِّ بِسُوءِ الْحَالِ فِي الْجِسْمِ وَبِالْفَتْحِ بِضِدِّ النَّفْعِ وَعَدَلَ عَنِ الشَّرِّ الْمُقَابِلِ لِلْخَيْرِ إِلَى الضُّرِّ عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ لِأَنَّ الشَّرَّ أَعَمُّ، فَأَتَى بِلَفْظِ الْأَخَصِّ مَعَ الْخَيْرِ الَّذِي هُوَ عَامٌّ رِعَايَةً لِجِهَةِ الرَّحْمَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِنَّ مُقَابَلَةَ الْخَيْرِ بِالضُّرِّ مَعَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الشَّرِّ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْهُ مِنْ خَفِيِّ الْفَصَاحَةِ لِلْعُدُولِ عَنْ قَانُونِ الصَّنْعَةِ وَطَرْحِ رِدَاءِ التَّكَلُّفِ، وَهُوَ أَنْ يُقْرَنَ بِأَخَصَّ مِنْ ضِدِّهِ وَنَحْوِهِ لِكَوْنِهِ أَوْفَقَ بِالْمَعْنَى وَأَلْصَقَ بِالْمَقَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى)(20: 118، 119) فَجِيءَ بِالْجُوعِ مَعَ الْعُرْيِ، وَبِالظَّمَأِ مَعَ الصَّحْوِ، وَكَانَ الظَّاهِرُ خِلَافَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَأَنِّي لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا لِلَذَّةٍ
…
وَلَمْ أَتَبَطَّنْ كَاعِبًا ذَاتَ خَلْخَالٍ.
وَلَمْ أَسْبَأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَمْ
…
أَقُلْ لِخَيْلِي كِرِّي كَرَّةً بَعْدَ إِجْفَالٍ.
وَإِيضَاحُهُ: أَنَّهُ فِي الْآيَةِ قَرَنَ الْجُوعَ الَّذِي هُوَ خُلُوُّ الْبَاطِنِ بِالْعُرْيِ الَّذِي هُوَ خُلُوُّ الظَّاهِرِ، وَالظَّمَأُ الَّذِي فِيهِ حَرَارَةُ الْبَاطِنِ بِالضُّحَى الَّذِي فِيهِ حَرَارَةُ الظَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ قَرَنَ امْرُؤُ الْقَيْسِ عُلُوَّهُ عَلَى الْجَوَادِ بِعُلُوِّهِ عَلَى الْكَاعِبِ; لِأَنَّهُمَا لَذَّتَانِ فِي الِاسْتِعْلَاءِ وَبَذْلَ الْمَالِ