المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ " - هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمَعْنَى " - تفسير المنار - جـ ٨

[محمد رشيد رضا]

الفصل: وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ " - هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمَعْنَى "

وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ " - هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمَعْنَى " دَانَ نَفْسَهُ " حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ وَإِنَّمَا يُخَفَّفُ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا اهـ.

وَلَمَّا كَانَ الْجَزَاءُ عَلَى حَسَبِ الْأَعْمَالِ وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ تَنْضَبِطُ وَتُقَدَّرُ

بِالْوَزْنِ وَإِقَامَةِ الْمِيزَانِ. قَالَ عز وجل.

(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) قَالَ الرَّاغِبُ: الْوَزْنُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشَّيْءِ. يُقَالُ وَزِنْتُهُ وَزْنًا وَزِنَةً. وَالْمُتَعَارَفُ فِي الْوَزْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَا يُقَدَّرُ بِالْقِسْطِ وَالْقَبَّانِ اهـ. وَتَفْسِيرُهُ الْوَزْنُ بِالْمَعْرِفَةِ تَسَاهُلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَمَلٌ يُرَادُ بِهِ تَعَرُّفُ مِقْدَارِ الشَّيْءِ بِالْآلَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْمِيزَانَ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَبِالْقِسْطَاسِ وَهُوَ مِنَ الْقِسْطِ وَمَعْنَاهُ النَّصِيبُ الْعَادِلُ أَوْ بِالْعَدْلِ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْعَدْلِ مَجَازًا، وَكَذَا الْمِيزَانُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:(اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانِ)(4: 17) وَقَوْلُهُ فِي الرُّسُلِ كَافَّةً: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(57: 25) وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ اسْتَقَامَ مِيزَانُ النَّهَارِ. إِذَا انْتَصَفَ. وَلَيْسَ لِفُلَانِ وَزْنٌ - أَيْ قَدْرٌ لِخِسَّتِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (1‌

‌8:

105) قَالَ الرَّاغِبُ وَقَوْلُهُ: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ)(7: 8) فَإِشَارَةٌ إِلَى الْعَدْلِ فِي مُحَاسَبَةِ النَّاسِ كَمَا قَالَ: (وَنَضَعُ الْمُوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)(21: 47) أَيْ وَلِذَلِكَ. قَالَ عَقِبَهُ (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)(21: 47) وَالتَّجَوُّزُ بِالْوَزْنِ وَالْمِيزَانِ فِي الشِّعْرِ كَثِيرٌ.

وَمَعْنَى الْجُمْلَةِ: وَالْوَزْنُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي يَسْأَلُ اللهُ فِيهِ الرُّسُلَ وَالْأُمَمَ، وَيَقُصُّ عَلَيْهِمْ كُلَّ مَا كَانَ مِنْهُمْ، هُوَ الْحَقُّ الَّذِي تَحِقُّ بِهِ الْأُمُورُ وَتُعْرَفُ بِهِ حَقِيقَةُ كُلِّ أَحَدٍ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْإِعْرَابِ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ الْوَزْنَ الْحَقَّ كَائِنٌ يَوْمَئِذٍ، لَا أَنَّ الْوَزْنَ يَوْمَئِذٍ حَقٌّ، فَالْحَقُّ صِفَةٌ لِلْوَزْنِ وَيَوْمَئِذٍ هُوَ الْخَبَرُ عَنْهُ أَوِ الْمَعْنَى وَالْوَزْنُ كَائِنٌ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ الْحَقُّ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.

(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قِيلَ: إِنِ الْمَوَازِينَ جَمْعُ مِيزَانٍ فَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ لِكُلِّ امْرِئٍ مِيزَانٌ وَقِيلَ: لِكُلِّ عَمَلٍ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمِيزَانَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يُجْمَعُ بِاعْتِبَارِ الْمُحَاسَبِينَ وَهُمُ النَّاسُ أَوْ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الْعَرَبِ: سَافَرَ فُلَانٌ عَلَى الْبِغَالِ وَإِنْ رَكِبَ بَغْلًا وَاحِدًا، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَوَازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ، وَالْمَعْنَى فَمَنْ رَجَحَتْ مَوَازِينُ أَعْمَالِهِ بِالْإِيمَانِ وَكَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّعِيمِ فِي دَارِ الثَّوَابِ (وَمَنْ خَفَّتْ مُوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ)

ص: 283

أَيْ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُ أَعْمَالِهِ بِالْكُفْرِ وَكَثْرَةِ سَيِّئَاتِهِ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ، إِذْ حُرِمُوا السَّعَادَةَ الَّتِي كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً لَهَا لَوْ لَمْ يُفْسِدُوا فِطْرَتَهَا بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، بِسَبَبِ مَا كَانُوا يَظْلِمُونَهَا بِكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ مُسْتَمِرِّينَ عَلَى ذَلِكَ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ

إِلَى نِهَايَةِ أَعْمَارِهِمْ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ، وَعُدِّيَ الظُّلْمُ بِالْبَاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْكُفْرِ وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ (آيَةِ 103) وَفِي غَيْرِهَا.

وَظَاهِرُ هَذَا التَّقْسِيمِ أَنَّهُ لِفَرِيقَيِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ فِي الْفَلَاحِ، وَالْكَافِرِينَ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ فِي الْخُسْرَانِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا فَهُوَ مُفْلِحٌ وَإِنْ عُذِّبَ عَلَى بَعْضِ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِهَا، فَهَذَا الْوَزْنُ الْإِجْمَالِيُّ الَّذِي يَمْتَازُ بِهِ فَرِيقُ الْجَنَّةِ وَفَرِيقُ السَّعِيرِ، وَهُنَالِكَ قِسْمٌ ثَالِثٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَيَتْبَعُ الْوَزْنُ الْإِجْمَالِيُّ الْوَزْنَ التَّفْصِيلِيَّ لِلْفَرِيقَيْنِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْوَزْنَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْكَافِرِينَ: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزَنًا) وَأَجَابَ الْآخَرُونَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي بَحْثِ الْوَزْنِ فِي اللُّغَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُمْ قِيمَةٌ وَلَا قَدْرٌ، وَهُوَ لَا يَنْفِي وَزْنَ أَعْمَالِهِمْ وَظُهُورَ خِفَّتِهَا وَخُسْرَانِهِمْ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ:(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)(23: 102 - 105) وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبِ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ آيَتَيِ الْمَوَازِينِ فِي الثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ مِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ إِذْ لَا حَسَنَاتِ لَهُمْ، وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ فَتُحْصَى فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا وَيُقِرُّونَ بِهَا وَيُجْزَوْنَ بِهَا. وَهُوَ سَهْوٌ سَبَبُهُ - وَاللهُ أَعْلَمُ - مَا كَانَ عَلِقَ بِذِهْنِهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَمَا مِنْ كَافِرٍ إِلَّا وَلَهُ حَسَنَاتٌ وَلَكِنَّ الْكُفْرَ يُحْبِطُهَا فَتَكُونُ هَبَاءً مَنْثُورًا وَهِيَ تُحْصَى مَعَ السَّيِّئَاتِ وَتُضْبَطُ بِالْوَزْنِ الَّذِي بِهِ يَظْهَرُ مِقْدَارُ الْجَزَاءِ وَتَفَاوُتُهُمْ فِيهِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنِ الْكَافِرِ بِسَبَبِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنَ التَّخْفِيفِ عَنْ أَبِي طَالِبٍ بِمَا كَانَ مِنْ حِمَايَتِهِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحُبِّهِ لَهُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْخُصُوصِيَّةُ فِي نَوْعِ التَّخْفِيفِ وَمِقْدَارِهِ، إِذْ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَالْمُجَمَعِ عَلَيْهِ أَنَّ عَذَابَ الْكُفَّارِ مُتَفَاوِتٌ، وَلَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ عَذَابُ أَبِي جَهْلٍ كَعَذَابِ أَبِي طَالِبٍ لَوْلَا الْخُصُوصِيَّةُ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ:(إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)(4: 40) وَمِنَ الْمَشَاهِدِ فِي كُلِّ زَمَانٍ أَنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ يُحِبُّ اللهَ وَيَعْبُدُهُ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ، وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ إِنَّمَا أَشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ فِي الْحُبِّ وَالْعِبَادَةِ كَمَا

قَالَ فِي

ص: 284

أَنْدَادِهِمْ: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ 2: 165) - وَهُوَ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ حُبِّهِمْ لِلَّهِ - وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَصِلُونَ الْأَرْحَامَ وَيَفْعَلُونَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ الْفَوَاحِشِ خَوْفًا مِنَ اللهِ. فَهَلْ يُسَوِّي الْحَكَمُ الْعَدْلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُرْتَكِبِي الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَالْجِنَايَاتِ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَا سِيَّمَا الْجَاحِدِينَ الْمُعَطِّلِينَ وَمُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنْهُمْ؟ حَاشَ لِلَّهِ. نَعَمْ صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ مُسْلِمٍ بِأَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ وَزْنَهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَلَّا يَكُونَ لَهَا مَعَ الْكُفْرِ وَالسَّيِّئَاتِ دَخْلٌ فِي رُجْحَانِ مَوَازِينِهِمْ.

وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْوَزْنِ وَالْمَوَازِينِ، هَلْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَدْلِ التَّامِّ فِي تَقْدِيرِ مَا بِهِ يَكُونُ الْجَزَاءُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَتَأْثِيرِهَا فِي إِصْلَاحِ الْأَنْفُسِ وَتَزْكِيَّتِهَا، وَفِي إِفْسَادِهَا وَتَدْسِيَّتِهَا، أَمْ هُنَاكَ وَزْنٌ حَقِيقِيٌّ، حِكْمَتُهُ إِظْهَارُ عِلْمِ اللهِ تَعَالَى بِأَعْمَالِ الْعِبَادِ وَعَدْلِهِ فِي جَزَائِهِمْ عَلَيْهَا؟ ذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ مُجَاهِدٌ مِنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ - وَكَذَا الْأَعْمَشُ وَالضَّحَّاكُ حَكَاهُ الرَّازِيُّ عَنْهُمَا - وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي الْآيَةِ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) قَالَ: الْعَدْلُ (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) قَالَ حَسَنَاتُهُ. (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) قَالَ سَيِّئَاتُهُ اهـ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنْهُ وَسَيَأْتِي فِيمَا لَخَّصَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ.

وَالْجُمْهُورُ عَلَى الثَّانِي، بَلْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ - كَمَا نَقَلَ الْحَافِظُ عَنْهُ - أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْمِيزَانِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ وَيَمِيلُ بِالْأَعْمَالِ. وَأَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمِيزَانَ وَقَالُوا هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَدْلِ فَخَالَفُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لِأَنَّ اللهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَضَعُ الْمُوَازِينَ لِوَزْنِ الْأَعْمَالِ لِيَرَى الْعِبَادُ أَعْمَالَهُمْ مُمَثَّلَةً لِيَكُونُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَاهِدِينَ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمِيزَانَ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَاضَ يَسْتَحِيلُ وَزْنُهَا إِذْ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا. قَالَ: وَقَدْ رَوَى بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْلِبُ الْأَعْرَاضَ أَجْسَامًا فَيَزِنُهَا. انْتَهَى.

نَقَلَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ آخَرِ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ (بَابُ قَوْلِ اللهِ: (وَنَضَعُ الْمُوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)(21: 47) وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ تُوزَنُ) وَقَفَّى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْمِيزَانَ بِمَعْنَى الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ فَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) قَالَ: إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ، كَمَا يَجُوزُ وَزْنُ الْأَعْمَالِ كَذَلِكَ يَجُوزُ الْحَطُّ وَمِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمَوَازِينُ الْعَدْلُ. وَالرَّاجِحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالِكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: يُوضَعُ الْمِيزَانُ وَلَهُ كِفَّتَانِ لَوْ وُضِعَ فِي إِحْدَاهُمَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ

وَمَنْ فِيهِنَّ لَوَسِعَتْهُ - وَمِنْ طَرِيقِ

ص: 285

عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: ذُكِرَ الْمِيزَانُ عِنْدَ الْحَسَنِ فَقَالَ: لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ. وَقَالَ الطَّيِّبِيُّ: قِيلَ إِنَّمَا تُوزَنُ الصُّحُفُ. وَأَمَّا الْأَعْمَالُ فَإِنَّهَا أَعْرَاضٌ فَلَا تُوصَفُ بِثِقَلٍ وَلَا خِفَّةٍ. وَالْحَقُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَعْمَالَ حِينَئِذٍ تُجَسَّدُ أَوْ تُجْعَلُ فِي أَجْسَامٍ فَتَصِيرُ أَعْمَالُ الطَّائِعِينَ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَأَعْمَالُ الْمُسِيئِينَ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ ثُمَّ تُوزَنُ، وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الَّذِي يُوزَنُ الصَّحَائِفُ الَّتِي تُكْتَبُ فِيهَا الْأَعْمَالُ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ قَالَ: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالصُّحُفُ أَجْسَامٌ فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَيُقَوِّيهِ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ صَحَّحَهُ وَفِيهِ " فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةِ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ " انْتَهَى. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ " وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ " تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ النَّارَ - قِيلَ: وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؟ قَالَ: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ " أَخْرَجَهُ خَيْثَمَةُ فِي فَوَائِدِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا. وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالِكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا أَنَّ صَاحِبَ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبْرِيلُ عليه السلام اهـ. مَا لَخَّصَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ.

أَقُولُ: وَقَدِ اسْتَقْصَى السُّيُوطِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مِنَ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ مَا وَرَدَ فِي الْمِيزَانِ أَوِ الْوَزْنِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالسَّقِيمَةِ أَوْ جُلِّهِ، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْهَا إِلَّا مَا خَتَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ صَحِيحَهُ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعُ " كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ " وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي كُتُبِ السُّنَنِ الْمُعْتَمِدَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ فِي صِفَةِ الْمِيزَانِ وَلَا فِي أَنَّ لَهُ كِفَّتَيْنِ وَلِسَانًا فَلَا نَغْتَرُّ بِقَوْلِ الزَّجَّاجِ. إِنَّ هَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُصَنِّفِينَ يَتَسَاهَلُونَ بِإِطْلَاقِ كَلِمَةِ الْإِجْمَاعِ وَلَا سِيَّمَا غَيْرُ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ، وَالزَّجَّاجُ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَيَتَسَاهَلُونَ فِي عَزْوِ كُلِّ مَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى جَمَاعَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أَصْلٌ مِنَ السَّلَفِ، وَلَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْخَلَفُ مِنْهُمْ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ كَمَا عَلِمْتُ،

فَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوَزْنَ بِمِيزَانٍ، هَلْ هُوَ مِيزَانٌ وَاحِدٌ أَمْ لِكُلِّ شَخْصٍ أَوْ لِكُلِّ عَمَلٍ مِيزَانٌ؟ وَفِي الْمَوْزُونِ بِهِ حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ الْأَشْخَاصُ لَا الْأَعْمَالُ، وَفِي صِفَةِ الْمَوْزُونِ وَالْوَزْنِ، وَفِيمَنْ يُوزَنُ لَهُمْ، أَلِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً أَمْ لَهُمْ وَلِلْكُفَّارِ؟ وَفِي صِفَةِ الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.

ص: 286

وَلِهَذَا الْخِلَافِ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ: (أَحَدُهَا) اخْتِلَافُ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ عَنِ السَّلَفِ وَأَكْثَرُهَا لَا يَصِحُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ فَضْلًا عَنِ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ.

(ثَانِيهَا) الِاخْتِلَافُ فِي فَهْمِهَا.

(ثَالِثُهَا) الرَّأْيُ وَالتَّخَيُّلُ وَالْقِيَاسُ مَعَ الْفَارِقِ فَإِنَّ الْخَلَفَ مِنَ الْمُنْتَمِينَ إِلَى مَذَاهِبِ السُّنَّةِ خَاضُوا فِيمَا خَاضَ فِيهِ غَيْرُهُمْ مِنْ تَحْكِيمِ الرَّأْيِ فِي أُمُورِ الْغَيْبِ، فَالْمُعْتَزِلَةُ أَخْطَئُوا فِي قِيَاسِ عَالَمِ الْغَيْبِ عَلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ وَإِنْكَارِ وَزْنِ الْأَعْمَالِ بِحُجَّةِ أَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تُوزَنُ وَأَنَّ عِلْمَ اللهِ بِهَا يُغْنِي عَنْ وَزْنِهَا، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الْمُنْتَمِينَ إِلَى السُّنَّةِ رَدًّا مَبْنِيًّا عَلَى أَسَاسِ مَذْهَبِهِمْ فِي قِيَاسِ عَالَمِ الْغَيْبِ عَلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ، وَتَطْبِيقِ أَخْبَارِ الْآخِرَةِ عَلَى الْمَعْهُودِ الْمَأْلُوفِ فِي الدُّنْيَا فَزَعَمُوا أَنَّ الْأَعْمَالَ تَتَجَسَّدُ وَتُوزَنُ أَوْ تُوضَعُ فِي صُوَرٍ مُجَسَّمَةٍ أَوْ أَنَّ الصَّحَائِفَ الَّتِي تُكْتَبُ فِيهَا الْأَعْمَالُ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا كَصَحَائِفَ الدُّنْيَا إِمَّا رِقٌّ (جِلْدٌ) وَإِمَّا وَرَقٌّ.

وَالْأَصْلُ الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ فِي الْإِيمَانِ بِعَالَمِ الْغَيْبِ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ مِنْ أَخْبَارِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ، نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُحَكِّمُ رَأْيَنَا فِي صِفَتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ. فَنُؤْمِنُ إِذًا بِأَنَّ فِي الْآخِرَةِ وَزْنًا لِلْأَعْمَالِ قَطْعًا، وَنُرَجِّحُ أَنَّهُ بِمِيزَانٍ يَلِيقُ بِذَلِكَ الْعَالَمِ يُوزَنُ بِهِ الْإِيمَانُ وَالْأَخْلَاقُ وَالْأَعْمَالُ، لَا نَبْحَثُ عَنْ صُورَتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَلَا عَنْ كِفَّتَيْهِ إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِيهِمَا كَمَا صَوَّرَهُ الشَّعَرَانِيُّ فِي مِيزَانِهِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ تَأْثِيرِهَا فِي النَّفْسِ مِنْ تَزْكِيَةٍ أَوْ تَدْسِيَةٍ وَهُوَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جُلُّ الْجَزَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وَإِذَا كَانَ الْبَشَرُ قَدِ اخْتَرَعُوا مَوَازِينَ لِلْأَعْرَاضِ كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، أَفَيَعْجَزُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عَنْ وَضْعِ مِيزَانٍ لِلْأَعْمَالِ النَّفْسِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ بِمَا أَحْدَثَتْهُ فِي الْأَنْفُسِ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالصِّفَاتِ؟ ! وَالنَّقْلُ وَالْعَقْلُ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِصِفَاتِ النَّفْسِ الثَّابِتَةِ لَا بِمُجَرَّدِ مَا كَانَ سَبَبًا لَهَا مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالْأَعْرَاضِ الزَّائِلَةِ: قَالَ تَعَالَى: (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)(6: 139) وَقَالَ فِي سُورَةِ الشَّمْسِ: (وَنَفْسٍ وَمَا سِوَاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مِنْ

دَسَّاهَا) (91: 7 - 10) وَفِي سُورَةِ الْأَعْلَى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)(87: 14، 15) وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذَا الْبَحْثَ فِي مَوَاضِعَ مِنَ التَّفْسِيرِ آخِرُهَا تَفْسِيرُ خَاتِمَةِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ.

وَتَقَدَّمَ أَنَّ حِكْمَةَ وَزْنِ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْحِسَابِ أَنَّهُ يَكُونُ أَعْظَمُ مَظْهَرٍ لِعَدْلِ الرَّبِّ تبارك وتعالى، أَيْ لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَظَمَتِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، إِذْ يَرَى فِيهِ عِبَادُهُ أَفْرَادًا

ص: 287

وَشُعُوبًا وَأُمَمًا ذَلِكَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَيَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةَ إِدْرَاكٍ وَوِجْدَانٍ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ تَتَجَلَّى لَهُمْ فِيهَا أَوَّلًا، ثُمَّ تَتَجَلَّى لَهُمْ وَلِسَائِرِ الْخَلْقِ فِي خَارِجِهَا ثَانِيًا، فِيَا لَهُ مِنْ مَنْظَرٍ مَهِيبٍ، وَيَا لَهُ مِنْ مَظْهَرٍ رَهِيبٍ، وَمَا أَشَدَّ غَفْلَةَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، لِلِاسْتِغْنَاءِ بِعِلْمِ اللهِ عَنْهُ.

وَلَوْلَا تَحْكِيمُ النَّاسِ الرَّأْيَ وَالْخَيَالَ فِيمَا لَا مَجَالَ لَهُمَا فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ، وَاهْتِمَامُهُمْ بِكُلِّ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ، لَكُنَّا فِي غِنًى عَنْ إِطَالَةِ الْكَلَامِ فِي حِكَايَةِ تِلْكَ الِاخْتِلَافَاتِ، بِالِاخْتِصَارِ فِي بَيَانِ الْعَقَائِدِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي آيَاتِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُخَرَّجَةِ فِي دَوَاوِينِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، دُونَ الشَّاذَّةِ وَالْغَرِيبَةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْغَرِيبَةِ فِي هَذَا الْبَابِ " حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ " الَّذِي سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي " بَابِ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ " إِنَّ اللهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَيُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ - فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَقَالَ: فَإِنَّكَ لَا تُظْلَمُ. (قَالَ) فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ وَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللهِ شَيْءٌ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَتَصْحِيحُ الْحَاكِمِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِيهِمْ غَيْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَرِيكٍ الَّذِي بَالَغَ الْجُوزَجَانِيُّ فَوَصَفَهُ بِالْكَذِبِ لَكَفَى. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْخُرَاسَانِيُّ قَالُوا: إِنَّ لَهُ مَنَاكِيرَ. وَطَرِيقُ الْجَمِيعِ وَاحِدَةٌ. وَجَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِ الْمِيزَانِ ذَا كِفَّتَيْنِ وَلِسَانٍ غَيْرِ مُتَعَيِّنٍ

لِإِمْكَانِ جَعْلِ الْكَلَامِ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً، وَجَعْلِ الْكِفَّةِ تَرْشِيحًا لَهَا فَإِنَّ بَابَ الْمَجَازِ فِي رُجْحَانِ الْعُقُولِ وَالْآرَاءِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَاسِعٌ جِدًّا، وَالتَّعْبِيرُ عَنْهَا بِالْوَزْنِ وَالْمِيزَانِ كَثِيرٌ كَمَا قُلْنَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَنْهَضُ بِسَنَدِهِ وَلَا بِدَلَالَتِهِ حُجَّةً عَلَى عَقِيدَةٍ قَطْعِيَّةٍ وَلَا رَاجِحَةٍ، وَقَدْ رَأَيْتَ كَيْفَ أَنَّ الْحَافِظَ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنِ الْقُرْطُبِيِّ تَرْجِيحَ وَزْنِ الصُّحُفِ وَالِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ تَقْوِيَةً لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ بِهِ - قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ وَزْنِ الْأَخْلَاقِ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَقَدْ عَدَّهُ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ الْبِطَاقَةِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ دَرَجَتَهُ فِي الصِّحَّةِ.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْعُلَمَاءُ مَتْنَ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلِمَةً مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَرْجَحُ

ص: 288

عَلَى مَا لَا يُحْصَى مِنَ الذُّنُوبِ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى إِبَاحَتِهَا وَالْإِغْرَاءِ بِهَا، وَإِلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُرْجِئَةُ عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَجْوِبَةٍ لَعَلَّ أَقْوَاهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ مِنْ أَنَّ وَجْهَ تَخْلِيصِ صَاحِبِ الْبِطَاقَةِ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا فَآمَنُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَا خِلَافَ فِي نَجَاةِ مِثْلِهِ.

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)

تَقَدَّمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَدَأَ هَذِهِ السُّورَةَ بِذِكْرِ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ لِيُنْذِرَ بِهِ جَمِيعَ الْبَشَرِ فِيمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ دِينِهِ، وَبَيَانِ أَسَاسِ الدِّينِ الْإِلَهِيِّ وَهُوَ أَنَّ وَاضِعَ الدِّينِ هُوَ اللهُ تَعَالَى رَبُّ الْعِبَادِ، فَالْوَاجِبُ فِيهِ اتِّبَاعُ مَا أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ وَأَلَّا يَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ يَتَوَلَّوْنَهُمْ وَيَعْمَلُونَ بِمَا يَأْمُرُونَهُمْ بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَأَنَّهُ قَفَّى عَلَى ذَلِكَ بِبَيَانِ نَوْعَيِ الْعَذَابِ الَّذِي أَنْذَرَ بِهِ مَنْ يَتَّبِعُونَ أُولَئِكَ الْأَوْلِيَاءَ أَيْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ فَهَذَا مَوْضُوعُ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ.

وَلَمَّا كَانَ الدِّينُ الَّذِي أَمَرَ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ التَّنْزِيلِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ - إِلَّا مَا بَيَّنَهُ مِنْ سُنَّةِ الرَّسُولِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ - هُوَ دِينُ الْفِطْرَةِ الْمُبَيِّنُ لِكُلِّ مَا يُوَصِّلُهَا إِلَى كَمَالِهَا، وَالنَّاهِي لَهَا عَنْ كُلِّ مَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذَا الْكَمَالِ وَكَانَ افْتِتَانُ النَّاسِ بِأَمْرِ الْمَعِيشَةِ مِنْ أَسْبَابِ إِفْسَادِ الْفِطْرَةِ بِالْإِسْرَافِ فِي الشَّهَوَاتِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْمَعِيشَةِ سَبَبًا

لِإِصْلَاحِهَا بِشُكْرِ اللهِ عَلَيْهِ الْمُوجِبِ لِلْمَزِيدِ مِنْهُ - لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ذَكَّرَ سُبْحَانَهُ النَّاسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فِي التَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ وَخَلْقِ أَنْوَاعِ الْمَعَايِشِ فِيهَا، وَهُوَ بَدْءُ سِيَاقٍ طَوِيلٍ فِيهِ بَيَانُ خَلْقِ نَوْعِهِمُ الْإِنْسَانِيِّ مُسْتَعِدًّا لِلْكَمَالِ وَمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ الَّتِي تَصُدُّهُ عَنْهُ، وَمَا يَنْبَغِي لِأَفْرَادِهِ مِنِ اتِّقَاءِ فِتْنَةِ هَذِهِ الْوَسْوَسَةِ وَعَدَمِ اتِّخَاذِ شَيَاطِينِهَا الْمُلْقِينَ لَهَا أَوْلِيَاءَ يَتْبَعُونَهُمْ دُونَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى كُفْرِ النِّعَمِ عِوَضًا عَنِ الشُّكْرِ، وَعَلَى تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ وَتَحْلِيلِ مَا حَرَّمَهُ، وَيَتْلُوهُ مَا شَرَعَهُ لَهُمْ مِنَ الزِّينَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ وَمَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ فِيهِمَا.

فَهَذَا السِّيَاقُ الِاسْتِطْرَادِيُّ أَوِ الْمُشْبِهُ لِلِاسْتِطْرَادِ يَبْتَدِئُ مِنَ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ إِلَى الْآيَةِ الثَّالِثَةِ

ص: 289

وَالثَّلَاثِينَ، ثُمَّ يَعُودُ الْكَلَامُ إِلَى ذِكْرِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ لِلْأُمَمِ وَجَزَاءِ مَنْ آمَنَ بِهِمْ وَاتَّبَعَهُمْ وَمَنْ كَفَرَ بِهِمْ وَعَصَاهُمْ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبَلَ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ جَزَاءِ الْآخِرَةِ - فَتَأَمَّلْ دِقَّةَ بَلَاغَةِ التَّنَاسُبِ بَيْنَ آيَاتِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْ أَنْوَاعِ إِعْجَازِهِ الْكَثِيرَةِ قَالَ تَعَالَى:

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ) أَيْ جَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا أَوْطَانًا تَتَبَوَّءُونَهَا وَتَتَمَكَّنُونَ مِنَ الرَّاحَةِ فِي الْإِقَامَةِ فِيهَا، وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِاللَّامِ وَ (قَدْ) لِتَذْكِيرِ الْغَافِلِينَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِهِ وَبِمَا عَطَفَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ:(وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) جَمْعُ مَعِيشَةٍ وَهِيَ مَا تَكُونُ بِهِ الْعِيشَةُ وَالْحَيَاةُ الْجُسْمَانِيَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَغَيْرِهَا. أَيْ وَأَنْشَأْنَا لَكُمْ فِيهَا ضُرُوبًا شَتَّى مِمَّا تَعِيشُونَ بِهِ عِيشَةً رَاضِيَةً وَالنُّكْتَةُ فِي تَقْدِيمِ " لَكُمْ فِيهَا " عَلَى " مَعَايِشَ " مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُقَدَّمَ الْمَفْعُولُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْفِعْلِ هُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِ خَلْقِ الْمَعَايِشِ كَوْنُهَا نِعَمًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ عَلَى النَّاسِ جَعَلَهُمْ مَالِكِينَ لَهَا، مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا، لَا كَوْنُهَا مَجْعُولَةً وَمَخْلُوقَةً، وَالْقَاعِدَةُ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ الْكَلَامِ عَلَى بَعْضٍ هِيَ أَنْ يُقَدَّمَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَالْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ مِنْهُ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَ الْمَعَايِشِ لَهُمْ أَهَمَّ مِنْ كَوْنِهَا فِي الْأَرْضِ الَّتِي مَكَّنَهُمْ فِيهَا - فَهَهُنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ الْمَعَايِشُ وَكَوْنُهَا فِي الْوَطَنِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ الْمَرْءُ وَكَوْنُ الْمَرْءِ مَالِكًا لَهَا وَمُتَصَرِّفًا فِيهَا، وَلَا مَشَاحَةَ فِي أَنَّ الْأَهَمَّ عِنْدَ كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِمَا يَعِيشُ بِهِ وَيَتْلُوهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ

فِي وَطَنِهِ وَيَتْلُوهُ أَنْوَاعُهُ وَأَنَّ تَكُونَ كَثِيرَةً وَهُوَ مَا أَفَادَهُ تَرْكِيبُ الْكَلِمَاتِ فِي الْآيَةِ وَلَا تَجِدُ هَذِهِ الدِّقَّةَ فِي تَقْدِيمِ مَا يَنْبَغِي وَتَأْخِيرِ مَا يَنْبَغِي مُطَّرِدَةً إِلَّا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.

وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعَايِشُ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى وَأَنْعَامٍ وَطَيْرٍ وَسَمَكٍ وَمِيَاهٍ صَافِيَةٍ وَأَشْرِبَةِ مُخْتَلِفَةِ الطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - وَكَانَتْ بِذَلِكَ - تَقْتَضِي شُكْرًا كَثِيرًا - وَكَانَ الشَّكُورُ مِنَ الْعِبَادِ قَلِيلًا (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) قَالَ تَعَالَى عَقِبَ الِامْتِنَانِ بِهَا: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أَيْ شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ هَذِهِ النِّعَمَ لَا كَثِيرًا يُنَاسِبُ كَثْرَتَهَا وَحُسْنَهَا وَكَثْرَةَ الِانْتِفَاعِ بِهَا. وَشُكْرُ النِّعْمَةِ لِلْمُنْعِمِ يَكُونُ أَوَّلًا بِمَعْرِفَتِهَا لَهُ وَالِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ هُوَ مُسْدِيهَا وَالْمُنْعِمُ بِهَا - وَثَانِيًا بِالْحَمْدِ لَهُ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِهَا - وَثَالِثًا بِالتَّصَرُّفِ بِهَا فِيمَا يُحِبُّهُ وَيُرْضِيهِ وَهُوَ مَا أَسْدَاهَا لِأَجْلِهِ مِنْ حِكْمَةٍ وَرَحْمَةٍ. وَهُوَ هُنَا حِفْظُ حَيَاتِنَا الْبَدَنِيَّةِ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ خَاصَّةً وَعَامَّةً وَالِاسْتِعَانَةُ بِذَلِكَ عَلَى حِفْظِ حَيَاتِنَا الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَكْمُلُ بِهَا الْفِطْرَةُ بِتَزْكِيَةِ الْأَنْفُسِ وَتَأْهِيلِهَا لِحَيَاةِ الْآخِرَةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا السِّيَاقِ بَيَانٌ لِأُصُولِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ 29. . .) الخ.

ص: 290

وَفِي الْآيَةِ مِنَ الْمَبَاحِثِ اللَّفْظِيَّةِ قِرَاءَةُ نَافِعٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ (مَعَائِشَ) بِالْهَمْزِ، وَغَلَّطَهُ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّهُ لَا يُهْمَزُ بَعْدَ أَلْفِ الْجَمْعِ إِلَّا الْيَاءُ الزَّائِدَةُ فِي الْمُفْرَدِ كَصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ، وَيَاءُ مَعِيشَةٍ أَصْلِيَّةٌ فَيَجِبُ عِنْدَهُمْ أَنْ تَثْبُتَ فِي الْجَمْعِ كَمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ الْمُتَوَاتِرَةُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ نَافِعٍ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ وَلِذَلِكَ عَدُّوهَا خَطَأً مِنْهُ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ رَوَاهَا وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَفْتَجِرَهَا افْتِجَارًا وَفِي الْمِصْبَاحِ قَوْلُ أَنَّهَا مِنْ مَعَشَ لَا مَنْ عَاشَ فَالْيَاءُ زَائِدَةٌ وَجَمْعُهَا مَعَائِشُ قَالَ: وَبِهِ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ وَالْأَعْرَجُ أَيْ فِي الشَّوَاذِّ وَأَلْحَقَهَا الْمُفَسِّرُونَ وَبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بِمَا سُمِعَ عَنِ الْعَرَبِ مِنْ أَمْثَالِهَا كَمَصَائِبَ وَمَعَائِبَ، وَقَالُوا إِنَّهُ مِنْ تَشْبِيهِ مَفَاعِلَ بِفَعَائِلَ. وَنَقُولُ إِنَّ الْعَرَبَ لَا حَجْرَ عَلَيْهِمْ بِمَا وَضَعَهُ غَيْرُهُمْ لِكَلَامِهِمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ النَّاقِصِ، وَالْقُرْآنُ أَعْلَى مِنْ كُلِّ كَلَامٍ فَأَوْلَى أَلَّا يُنْكَرَ مِنْهُ شَيْءٌ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِهِ لُغَةً عِنْدَ مَنْ رَوَاهَا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهَا قُرْآنًا إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ.

(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ)

هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِ أَصْلِ النَّشْأَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَاسْتِعْدَادِ الْفِطْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَعَلَاقَتِهَا بِالْأَرْوَاحِ الْمَلَكِيَّةِ وَالشَّيْطَانِيَّةِ، وَمَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ مَوَانِعِ الْكَمَالِ بِإِغْوَاءِ

ص: 291

عَدُوِّ الْبَشَرِ الشَّيْطَانِ، وَيَلِيهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى مَا يُتَّقَى بِهِ ذَلِكَ الْإِغْوَاءُ وَالْفَسَادُ، قَالَ تَعَالَى:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) الْخِطَابُ لِبَنِي آدَمَ، وَالْمَعْنَى خَلَقْنَا جِنْسَكُمْ أَيْ مَادَّتَهُ مِنَ الصَّلْصَالِ وَالْحَمَأِ الْمَسْنُونِ وَهُوَ الْمَاءُ وَالطِّينُ اللَّازِبُ الْمُتَغَيِّرُ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ الْإِنْسَانُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ بِأَنْ جَعَلْنَا مِنْ تِلْكَ الْمَادَّةِ صُورَةَ بَشَرٍ سَوِيٍّ قَابِلٍ لِلْحَيَاةِ، أَوْ قَدَّرْنَا إِيجَادَكُمْ تَقْدِيرًا، ثُمَّ صَوَّرْنَا مَادَّتَكُمْ تَصْوِيرًا، وَمَعْنَى الْخَلْقِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ التَّقْدِيرُ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى إِيجَادِ الشَّيْءِ الْمُقَدَّرِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ. قَالَ فِي حَقِيقَةِ الْمَادَّةِ مِنْ أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: خَلَقَ الْخَرَّازُ الْأَدِيمَ (أَيِ الْجِلْدَ) وَالْخَيَّاطُ الثَّوْبَ - قَدَّرَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ، وَأَخْلَقَ لِي هَذَا الثَّوْبَ (قَالَ) وَمِنَ الْمَجَازِ خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ أَوْجَدَهُ عَلَى تَقْدِيرٍ أَوْجَبَتْهُ الْحِكْمَةُ اهـ. وَلَكِنَّ هَذَا الْمَجَازَ اللُّغَوِيَّ

صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً. وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ وَهُوَ يُصَدِّقُ بِخَلْقِ آدَمَ وَبِخَلْقِ مَجْمُوعِ النَّاسِ، فَإِنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ يُقَدِّرُ اللهُ خَلْقَهُ ثُمَّ يُصَوِّرُ الْمَادَّةَ الَّتِي يَخْلُقُهُ مِنْهَا فِي بَطْنِ أُمِّهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:(إِحْدَاهَا) وَرُوَاتُهَا كَثِيرُونَ وَصَحَّحَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ قَالَ فِيهِمَا: خُلِقُوا فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَصُوِّرُوا فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ. (وَالثَّانِيَةُ) خُلِقُوا فِي ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا فِي الْأَرْحَامِ. أَخْرَجَهَا الْفِرْيَابِيُّ. (وَالثَّالِثَةُ) قَالَ: أَمَّا " خَلَقْنَاكُمْ " فَآدَمُ، وَأَمَّا " ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ " فَذُرِّيَّتُهُ. أَخْرَجَهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوُهَا قَالَ: خَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ طِينٍ ثُمَّ صَوَّرَكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظَامًا ثُمَّ كَسَا الْعِظَامَ لَحْمًا. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: خَلَقْنَاكُمْ يَعْنِي آدَمَ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ يَعْنِي فِي ظَهْرِ آدَمَ. وَعَنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: خَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ فِي الرَّحِمِ ثُمَّ صَوَّرَهُ فَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَأَصَابِعَهُ اهـ. مُلَخَّصًا مِنَ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ. وَالتَّقْدِيرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ الْمُوَافِقُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَالْإِنْسَانُ الْأَوَّلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْهِنْدُوسِ آدَمُ عليه السلام وَلِذَلِكَ قَالَ:

(ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) أَيْ قُلْنَا ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سَوَّيْنَاهُ وَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا، مَا جَعَلْنَاهُ بِهِ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ وَعَلَّمْنَاهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أَيْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ لِأَنَّهُ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ. وَهُوَ مِنَ الْجِنِّ لَا مِنْهُمْ. وَإِنْ كَانَتِ الْجِنُّ نَوْعًا مِنْ جِنْسِهِمْ، أَوِ الْجِنَّةُ (بِالْكَسْرِ) جِنْسًا لِلْمَلَائِكَةِ وَلِلشَّيَاطِينِ الَّذِينَ هُمْ مَرَدَةُ الْجِنِّ وَأَشْقِيَاؤُهُمْ. وَهَذَا السُّجُودُ تَكْرِيمٌ مِنَ اللهِ لِآدَمَ لَا سُجُودَ عِبَادَةً، إِذْ نَصُّ الْقُرْآنِ الْقَطْعِيُّ قَدْ تَكَرَّرَ بِأَنَّهُ لَا يُعْبَدُ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَوْ هُوَ بَيَانٌ لِاسْتِعْدَادِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ وَمَا صَرَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ قُوَى الْأَرْضِ الَّتِي تُدَبِّرُهَا الْمَلَائِكَةُ بِأُسْلُوبِ التَّمْثِيلِ الْقَصَصِيِّ، وَالْأَمْرُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ تَكْوِينِيٌّ قَدَرِيٌّ، لَا تَكْلِيفِيٌّ شَرْعِيٌّ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ

ص: 292

فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)(41: 11) وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ فِي أَثْنَاءِ الْقِصَّةِ وَفِي نِهَايَتِهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذَا السُّجُودَ كَرَامَةٌ كَرَّمَ اللهُ بِهَا آدَمَ. وَقَالَ: كَانَتِ السَّجْدَةُ لِآدَمَ وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ. وَمِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ، وَزَادَ أَنَّ إِبْلِيسَ حَسَدَ آدَمَ عَلَى هَذَا التَّكْرِيمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَكْرِيمٌ امْتَحَنَ اللهُ تَعَالَى بِهِ طَاعَةَ ذَلِكَ الْعَالَمِ الْغَيْبِيِّ لَهُ فَظَهَرَتْ عِصْمَةُ

الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَفَسَقَ إِبْلِيسُ، قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ:(قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)(17: 62) حَسَدَهُ عَلَى هَذَا التَّكْرِيمِ فَحَمَلَهُ الْحَسَدُ عَلَى الِاسْتِكْبَارِ وَالْفُسُوقِ عَنْ أَمْرِ اللهِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْآيَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الْبَقَرَةِ وَالْكَهْفِ وَغَيْرِهِمَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُ السُّؤَالِ التَّالِي.

(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) أَيْ قَالَ تَعَالَى لَهُ: مَا مَنَعَكَ مِنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فَحَمَلَكَ عَلَى أَلَّا تَسْجُدَ لِآدَمَ مَعَ السَّاجِدِينَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرْتُكَ فِيهِ بِالسُّجُودِ؟ وَاسْتَدَلَّ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى الْفَوْرِ، (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) أَيْ مَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّنِي أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّكَ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينَ، وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ وَأَشْرَفُ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْأَشْرَفِ أَنْ يُكَرِّمَ مَنْ دُونِهِ وَيُعَظِّمَهُ، أَيْ وَإِنْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ رَبُّهُ، وَهَذَا الْجَوَابُ يَتَضَمَّنُ ضُرُوبًا مِنَ الْجَهْلِ الْفَاضِحِ، مَا أَوْقَعَ اللَّعِينَ فِيهَا إِلَّا حَسَدُهُ وَكِبْرُهُ فَإِنَّهُمَا يُعْمِيَانِ الْبَصَائِرَ.

(الْأَوَّلُ) الِاعْتِرَاضُ عَلَى رَبِّهِ وَخَالِقِهِ كَمَا تَضَمَّنَهُ جَوَابُهُ، وَمِثْلُهُ فِي هَذَا كُلُّ مَنْ يَعْتَرِضُ عَلَى كَلَامِ اللهِ تَعَالَى فِيمَا لَا يُوَافِقُ هَوَاهُ، وَهَذَا كُفْرٌ لَا يَقَعُ مِثْلُهُ مِنْ مُؤْمِنٍ بِاللهِ وَبِكِتَابِهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ أَوْ حِكْمَةٌ لِلَّهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِ بَحَثَ عَنْهَا بِالتَّفَكُّرِ وَالْبَحْثِ وَسُؤَالِ الْعُلَمَاءِ، وَصَبَرَ إِلَى أَنْ يَهْتَدِيَ إِلَى مَا يَطْمَئِنُّ بِهِ قَلْبُهُ، مُكْتَفِيًا قَبْلَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا لَا يُعْلَمُ مِنْ حَقَائِقِ خَلْقِهِ، وَحِكَمِ شَرْعِهِ، وَفَوَائِدِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.

(الثَّانِي) الِاحْتِجَاجُ عَلَيْهِ بِمَا يُؤَيِّدُ بِهِ اعْتِرَاضَهُ، وَالْمُؤْمِنُ الْمُذْعِنُ لَا يَحْتَجُّ عَلَى رَبِّهِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ لِلَّهِ الْحُجَّةَ الْبَالِغَةَ.

(الثَّالِثُ) جَعْلُ امْتِثَالِ أَمْرِ الرَّبِّ تَعَالَى مَشْرُوطًا بِاسْتِحْسَانِ الْعَبْدِ لَهُ وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ، وَهُوَ رَفْضٌ لِطَاعَةِ الرَّبِّ، وَتَرَفُّعٌ عَنْ مَرْتَبَةِ الْعَبْدِ، وَتَعَالٍ مِنْهُ إِلَى وَضْعِ نَفْسِهِ مَوْضِعَ النِّدِّ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الدِّينِ كُفْرٌ، وَفِي الْعَقْلِ حَمَاقَةٌ وَجَهْلٌ، فَإِنَّ الرَّئِيسَ لِأَيَّةِ حُكُومَةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْ جَمْعِيَّةٍ أَوْ شَرِكَةٍ إِذَا كَانَ لَا يُطِيعُهُ الْمَرْءُوسُونَ لَهُ إِلَّا فِيمَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ، وَآرَاءَهُمْ، لَا يَلْبَثُ أَمْرُهُمْ أَنْ يَفْسُدَ بِأَنْ تَخْتَلَّ الْحُكُومَةُ وَتَسْقُطَ، وَيَنْكَسِرَ الْجَيْشُ وَيَهْلَكَ، وَتَنْحَلَّ الشَّرِكَةُ وَتُفْلِسَ، وَهَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَصْلَحَةٍ يَقُومُ بِإِدَارَتِهَا كَثْرَةٌ، يَرْجِعُ نِظَامُهَا إِلَى جِهَةٍ

ص: 293

وَاحِدَةٍ، كَبَوَارِجِ الْحَرْبِ وَسُفُنِ التِّجَارَةِ وَمَعَامِلِ الصِّنَاعَةِ، فَإِذَا كَانَ الصَّلَاحُ وَالنِّظَامُ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَتَوَقَّفُ

عَلَى طَاعَةِ الرَّئِيسِ وَهُوَ لَيْسَ رَبًّا تَجِبُ طَاعَتُهُ لِذَاتِهِ وَلَا لِنِعَمِهِ، وَلَا مَعْصُومًا مِنَ الْخَطَأِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، فَمَا الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ طَاعَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عَبِيدِهِ؟ ! وَيُشَارِكُ إِبْلِيسَ فِي هَذَا الْجَهْلِ وَمَا قَبْلَهُ كَثِيرُونَ مِمَّنْ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ مُؤْمِنِينَ: يَتْرُكُونَ طَاعَةَ اللهِ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِمَّا يُخَالِفُ أَهْوَاءَهُمْ، وَيَحْتَجُّونَ عَلَى تَرْكِ الصِّيَامِ مَثَلًا بِأَنَّ لَا فَائِدَةَ فِي الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، أَوْ بِأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ صِيَامِهِمْ! ! عَلَى أَنَّ حِكَمَ الصِّيَامِ كَثِيرَةٌ جَلِيَّةٌ كَمَا بَيَّنَّاهَا مِرَارًا فِي التَّفْسِيرِ (ص117 وَمَا بَعْدَهَا ج 2 ط الْهَيْئَةِ) . وَفِي الْمَنَارِ.

رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ " أَوَّلُ مَنْ قَاسَ أَمْرَ الدِّينِ بِرَأْيِهِ إِبْلِيسُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ فَقَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ". إِلَخْ. قَالَ جَعْفَرٌ فَمَنْ قَاسَ أَمْرَ الدِّينِ بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلِيسَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ. أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ.

(الرَّابِعُ) الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْخَيْرِيَّةِ بِالْمَادَّةِ الَّتِي كَانَ مِنْهَا التَّكْوِينُ. وَهَذَا جَهْلٌ ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّ خَيْرِيَّةَ الْمَوَادِّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لَيْسَ مِنَ الْحَقَائِقِ الَّتِي يُمْكِنُ إِثْبَاتُهَا بِالْبُرْهَانِ، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا الْآرَاءُ وَالْأَهْوَاءُ. وَأُصُولُ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ التَّرْكِيبِ عَنَاصِرٌ بَسِيطَةٌ قَلِيلَةٌ يُرَجَّحُ أَنَّهَا مُتَحَوِّلَةٌ عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ فَنِّ الْكِيمْيَاءِ.

(ثَانِيهَا) أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ أَصْلُهَا خَسِيسٌ، فَالْمِسْكُ مِنَ الدَّمِ، وَجَوْهَرُ الْأَلْمَاسِ مِنَ الْكَرْبُونِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْفَحْمِ، وَالْأَقْذَارِ الَّتِي تُعَافَ مِنْ مَادَّةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُشْتَهَى وَيُحَبُّ.

(ثَالِثُهَا) أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ وَهُوَ قَدْ خُلِقَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَهُوَ اللهَبُ الْمُخْتَلِطُ بِالدُّخَّانِ فَمَا فَوْقَهُ دُخَّانٌ وَمَا تَحْتَهُ لَهَبٌ صَافٍ، فَإِنَّ مَادَّةَ الْمَرْجِ مَعْنَاهَا الْخَلْطُ وَالِاضْطِرَابُ.

وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ النُّورَ خَيْرٌ مِنَ النَّارِ، وَالنَّارُ الصَّافِيَةُ خَيْرٌ مِنَ اللهَبِ الْمُخْتَلِطِ بِالدُّخَانِ. وَقَدْ سَجَدَ الْمَلَائِكَةُ الْمَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى فَكَانَ هُوَ أَوْلَى، بَلْ أَوْلَى بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى.

(الْخَامِسُ) إِذَا سَلَّمْنَا جَدَلًا أَنَّ خَيْرِيَّةَ الشَّيْءِ لَيْسَتْ فِي ذَاتِهِ وَصَفَاتِهِ الْخَاصَّةِ الَّتِي تَفْصِلُهَا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ مُقَوِّمَاتِ نَوْعِهِ وَمُشَخِّصَاتِ نَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي يَمْتَازُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِلْمَادَّةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ جِنْسِهِ - فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَحْيَاءِ النَّبَاتِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ مَخْلُوقَةٌ مِنَ الطِّينِ بِالذَّاتِ أَوْ بِالْوَاسِطَةِ، وَهِيَ خَيْرُ مَا فِيهَا بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الِاعْتِبَارَاتِ الَّتِي تَعْرِفُهَا الْعُقُولُ، وَلَيْسَ لِلنَّارِ أَوْ لِمَارِجِهَا مِثْلَ هَذِهِ الْمَزَايَا وَلَا مَا يَقْرُبُ مِنْهَا.

ص: 294

(السَّادِسُ) أَنَّ اللَّعِينَ غَفَلَ عَمَّا خَصَّ اللهُ بِهِ آدَمَ مِنْ خَلْقِهِ بِيَدِهِ، وَالنَّفْخِ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَجَعْلِ اسْتِعْدَادِهِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ فَوْقَ اسْتِعْدَادِ غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَمِنْ تَشْرِيفِهِ بِأَمْرِ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَجَعْلِهِ بِتِلْكَ الْمَزَايَا أَفْضَلَ مِنْ أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ إِبْلِيسٍ بِعُنْصُرِ الْخِلْقَةِ وَبِالطَّاعَةِ.

فَهَذِهِ أُصُولُ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ الَّتِي أَوْقَعَ إِبْلِيسَ فِيهَا حَسَدُهُ لِآدَمَ وَاسْتِكْبَارُهُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ بِالسُّجُودِ لَهُ. وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ وَنُظَرَاءَهُ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ مُرْتَكِسُونَ فِيهَا كُلِّهَا وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، قَالَ قَتَادَةُ: حَسَدَ عَدُوُّ اللهِ إِبْلِيسُ آدَمَ عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ وَهَذَا طِينِيٌّ، فَكَانَ بَدْءُ الذُّنُوبِ الْكِبْرَ، وَاسْتَكْبَرَ عَدُوُّ اللهِ أَنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ فَأَهْلَكَهُ اللهُ بِكِبْرِهِ وَحَسَدِهِ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ.

وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ لِلتَّكْلِيفِ، وَأَنَّهُ وَقَعَ حِوَارٌ فِيهِ بَيْنَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلتَّكْوِينِ (كَمَا سَيَأْتِي عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ) وَأَنَّ الْقِصَّةَ بَيَانٌ لِغَرَائِزِ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالشَّيْطَانِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ مَلَائِكَةَ الْأَرْضِ الْمُدَبَّرَةَ بِأَمْرِ اللهِ وَإِذْنِهِ لِأُمُورِهَا بِالسُّنَنِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ نِظَامِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:(فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)(79: 5) مُسَخَّرَةً لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، إِذْ خَلَقَ اللهُ هَذَا النَّوْعَ مُسْتَعِدًّا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا كُلِّهَا بِعِلْمِهِ بِسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِيهَا، وَبِعَمَلِهِ بِمُقْتَضَى هَذِهِ السُّنَنِ كَخَوَاصِّ الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالْكَهْرَبَاءِ وَالنُّورِ وَالْأَرْضِ مَعَادِنِهَا وَنَبَاتِهَا وَحَيَوَانِهَا، وَإِظْهَارِهِ لِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى وَآيَاتِهِ فِيهَا، وَمُسْتَعِدًّا لِاصْطِفَاءِ اللهِ بَعْضَ أَفْرَادِهِ، وَاخْتِصَاصِهِمْ بِوَحْيِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَإِقَامَةِ مَنِ اهْتَدَى بِهِمْ لِدِينِهِ وَمِيزَانِ شَرْعِهِ. وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)(2: 31) إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الشَّيْطَانَ عَاتِيًا مُتَمَرِّدًا عَلَى الْإِنْسَانِ بَلْ عَدُوًّا لَهُ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِنْسَانَ بِرُوحِهِ وَسَطٌ بَيْنِ رَوْحِ الْمَلَائِكَةِ الْمَفْطُورِينَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَإِقَامَةِ سُنَنِهِ فِي صَلَاحِ الْخَلْقِ، وَبَيْنَ رُوحِ الْجِنِّ الَّذِينَ يَغْلِبُ عَلَى شِرَارِهِمْ - وَهُمُ الشَّيَاطِينُ - التَّمَرُّدُ وَالْعِصْيَانُ، وَقَدْ أَعْطَى الْإِنْسَانَ إِرَادَةً وَاخْتِيَارًا مِنْ رَبِّهِ فِي تَرْجِيحِ مَا بِهِ يَصْعَدُ إِلَى أُفُقِ الْمَلَائِكَةِ، وَمَا بِهِ يَهْبِطُ إِلَى أُفُقِ الشَّيَاطِينِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي هَذَا السِّيَاقِ.

وَفِي الْآيَةِ مِنَ الْمَبَاحِثِ اللُّغَوِيَّةِ زِيَادَةُ " لَا " فِي جُمْلَةِ " مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ " إِذْ قَالَ فِي سُورَةِ " ص ": (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ)(38: 75) وَقَدْ عُهِدَ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ أَنْ تَجِيءَ " لَا " فِي سِيَاقِ النَّفْيِ الصَّرِيحِ وَغَيْرِ الصَّرِيحِ لِتَقْوِيَتِهِ وَتَوْكِيدِهِ، وَكَذَا فِي

غَيْرِ النَّفْيِ وَذَلِكَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْهَا هَذِهِ الْآيَةُ. وَفِي مَعْنَاهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي تَحَاوُرِ مُوسَى وَهَارُونَ مِنْ سُورَةِ طَهَ: (قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)(20: 92، 93) وَعَدُّوا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ)(6: 109) ،

ص: 295

وَقَوْلَهُ عز وجل: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)(6: 151) وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَعْنَى النَّفْيِ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا.

وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَأَمْثَالَهَا مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى جَعْلِ " لَا " غَيْرَ زَائِدَةٍ وَهِيَ طَرِيقَةُ شَيْخِنَا رحمه الله. وَتَقَدَّمَ مَا اخْتَرْنَاهُ فِي آيَتَيِ الْأَنْعَامِ وَأَشَرْنَا آنِفًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ مَنَعَ هُنَا تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْحَمْلِ، وَالتَّضْمِينُ كَثِيرٌ مِنَ التَّنْزِيلِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ النَّحْوِيُّونَ قِيَاسًا، وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ كَثِيرًا بِالتَّعْدِيَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ:(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)(4: 2) إِذْ ضَمِنَ الْأَكْلُ مَعْنَى الضَّمِّ فَعُدِّيَ بِ " إِلَى "، وَيَقْرُبُ مِنْهُ تَعْبِيرُ سُورَةِ الْحِجْرِ:(مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ)(15: 32) وَالتَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ عَرَضَ لَكَ فَحَمَلَكَ عَلَى أَلَّا تَكُونَ مَعَهُمْ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ تَضْمِينَ الْمَنْعِ هُنَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ وَالِاضْطِرَارِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَا أَلْزَمَكَ أَوِ اضْطَرَّكَ إِلَى أَلَّا تَسْجُدَ.

وَمِنْ مَبَاحِثِ الْبَلَاغَةِ أَنَّ الْفَصْلَ فِي حِكَايَةِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ جَمِيعًا بِـ " قَالَ " وَارِدٌ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ فَإِنَّ مَنْ يَسْمَعُ السُّؤَالَ يَتَشَوَّقُ لِمَعْرِفَةِ الْجَوَابِ. وَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ فَيُجَابُ.

(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا) الْهُبُوطُ الِانْحِدَارُ وَالسُّقُوطُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَا دُونِهِ، أَوْ مِنْ مَكَانَةٍ وَمَنْزِلَةٍ إِلَى مَا دُونِهَا. فَهُوَ حِسِّيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ، وَالْفَاءُ لِتَرْتِيبِ هَذَا الْجَزَاءِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الذَّنَبِ قَبْلَهُ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللهُ فِيهَا آدَمَ وَكَانَتْ عَلَى نَشْزٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَقَدْ كَانَتِ الْيَابِسَةُ قَرِيبَةَ الْعَهْدِ بِالظُّهُورِ فِي خِضَمِّ الْمَاءِ، فَخَيْرُ مَا يَصْلُحُ مِنْهَا لِسُكْنَى الْإِنْسَانِ يَفَاعُهَا وَأَنْشَازُهَا، أَوِ الَّتِي أَسْكَنَهُ إِيَّاهَا بَعْدَ خَلْقِهِ فِي الْأَرْضِ وَهِيَ جَنَّةُ الْجَزَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا - يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْهُبُوطِ لَهُ وَلِآدَمَ وَزَوْجِهِ بَعْدَ ذِكْرِ سُكْنَى الْجَنَّةِ مِنْ سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَطه. وَقِيلَ: إِنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مُلْحَقًا بِمَلَائِكَةِ الْأَرْضِ الْأَخْيَارِ قَبْلَ أَنْ يَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ مِنْ جِنْسِ الْجِنَّةِ (بِكَسْرِ الْجِيمِ) بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فَيَكُونُ نَوْعَيْنِ مَلَائِكَةً وَشَيَاطِينَ، كَمَا قِيلَ فِي جَنَّةِ آدَمَ إِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ حَيَاةِ النَّعِيمِ الْأُولَى لِلنَّوْعِ الَّتِي تُشْبِهُ نَعِيمَ الطُّفُولِيَّةِ لِأَفْرَادِهِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا) أَيْ فَمَا يَنْبَغِي لَكَ وَلَيْسَ مِمَّا تُعْطَاهُ مِنَ التَّصَرُّفِ أَنَّ

تَتَكَبَّرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِلْكَرَامَةِ، أَوْ فِي هَذِهِ الْمَكَانَةِ الَّتِي هِيَ مَنْزِلَةُ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهَا مَكَانَةُ الِامْتِثَالِ وَالطَّاعَةِ. وَالْكِبْرُ اسْمٌ لِلتَّكَبُّرِ وَهُوَ مَصْدَرُ تَكَبَّرَ أَيْ تَكَلَّفَ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ أَوْ أَكْبَرَ مِمَّنْ هِيَ فِي ذَاتِهَا أَصْغَرُ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَفْسِيرُ الْكِبْرِ بِأَنَّهُ " بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ بِمَظْهَرِهِ الْعَمَلِيِّ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَهُوَ أَلَّا يُذْعِنَ لِلْحَقِّ إِذَا ظَهَرَ لَهُ بَلْ يَدْفَعُهُ أَوْ يُنْكِرُهُ تَجَبُّرًا وَتَرَفُّعًا، وَأَنْ يَحْتَقِرَ غَيْرَهُ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ يَدُلُّ عَلَى

ص: 296

عَدَمِ الِاعْتِرَافِ لَهُ بِمَزِيَّتِهِ وَفَضْلِهِ، أَوْ بِتَنْقِيصِ تِلْكَ الْمَزِيَّةِ بِادِّعَاءِ أَنَّ مَا دُونَهَا هُوَ فَوْقَهَا سَوَاءٌ ادَّعَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَرَفَعَهَا عَلَى غَيْرِهَا بِالْبَاطِلِ، أَوِ ادَّعَاهُ لِغَيْرِهِ بِأَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ بِقَصْدِ احْتِقَارِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وَتَنْقِيصِ قَدْرِهِ. (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) هَذَا تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالْهُبُوطِ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ. أَيْ فَاخْرُجْ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ أَوِ الْمَكَانَةِ. وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ:(إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) أَيْ أُولِي الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ، أَظْهَرَ حَقِيقَتَكَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَخْيَارِ وَالْأَشْرَارِ، بِإِظْهَارِهِ لِمَا كَانَ كَامِنًا فِي نَفْسِكَ مِنْ عِصْيَانِ الِاسْتِكْبَارِ. (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (3: 179) وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ تَعَالَى جَازَاهُ بِضِدِّ مُرَادِهِ، إِذْ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ عَنْ مَنْزِلَتِهَا الَّتِي كَانَتْ فِيهَا، فَجُوزِيَ بِهُبُوطِهَا مِنْهَا إِلَى مَا دُونَهَا، كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَحْشُرُ الْمُتَكَبِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصُورَةٍ حَقِيرَةٍ يَطَؤُهُمْ فِيهَا النَّاسُ بِأَرْجُلِهِمْ، كَمَا أَنَّهُ يُبْغِضُهُمْ إِلَى النَّاسِ فِي الدُّنْيَا فَيَحْتَقِرُونَهُمْ وَلَوْ فِي أَنْفُسِهِمْ - وَهَذَا التَّوْجِيهُ أَلْيَقُ بِقَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ لِلتَّكْلِيفِ. وَلَكِنَّ الْحَافِظَ ابْنَ كَثِيرٍ جَرَى عَلَيْهِ بَعْدَ جَزْمِهِ بِالْقَوْلِ بِأَنَّهُ لِلتَّكْوِينِ وَاقْتِصَارِهِ عَلَيْهِ قَالَ:

" يَقُولُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ بِأَمْرٍ قَدَرِيٍّ كَوْنِيٍّ: فَاهْبِطْ مِنْهَا بِسَبَبِ عِصْيَانِكَ لِأَمْرِي وَخُرُوجِكَ عَنْ طَاعَتِي، فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا. قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا مِنَ الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) أَيِ الذَّلِيلِينَ الْحَقِيرِينَ. مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَمُكَافَأَةً لِمُرَادِهِ بِضِدِّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَدْرَكَ اللَّعِينُ، وَسَأَلَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ".

(قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أَيْ قَالَ بِلِسَانٍ قَالَهُ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ أَوْ لِسَانِ حَالِهِ وَاسْتِعْدَادِهِ عَلَى الْآخَرِ: رَبِّ أَخِّرْنِي وَأَمْهِلْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُ آدَمُ

وَذُرِّيَّتُهُ فَأَكُونَ أَنَا وَذُرِّيَّتِي أَحْيَاءً مَا دَامُوا أَحْيَاءً وَأَشْهَدُ انْقِرَاضَهُمْ وَبَعْثَهُمْ (قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) أَيْ قَالَ تَعَالَى لَهُ مُخْبِرًا، أَوْ قَالَ مُرِيدًا وَمُنْشِئًا كَمَا يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَجَابَهُ تَعَالَى إِلَى مَا سَأَلَ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ الَّتِي لَا تُخَالَفُ وَلَا تُمَانَعُ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ اهـ. فَهُوَ يُؤَكِّدُ بِهَذَا مَا اخْتَارَهُ فِي مَدْلُولِ هَذَا الْحِوَارِ وَهُوَ أَنَّهُ بَيَانٌ لِمُقْتَضَى التَّكْوِينِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْمَشِيئَةِ، لَا مُرَاجَعَةَ أَقْوَالٍ مِنْ مُتَعَلِّقِ صِفَةِ الْكَلَامِ.

وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّهُ جُعِلَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ السُّؤَالِ إِيجَازًا، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ، وَلَكِنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَرَدَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ فَكَانَ جَوَابُهُ بِلَفْظٍ آخَرَ وَهُوَ:(قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)(15: 36 - 38) أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ

ص: 297

مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَرَادَ إِبْلِيسُ أَلَّا يَذُوقَ الْمَوْتَ فَقِيلَ لَهُ " إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ " قَالَ: النَّفْخَةُ الْأُولَى، وَبَيْنَ النَّفْخَةِ وَالنَّفْخَةِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَأُخْرِجَ الْأَوَّلُ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: فَلَمْ يُنْظِرْهُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وَلَكِنْ أَنْظَرَهُ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، وَالنَّفْخَةُ الْأُولَى فِي الصُّورِ هِيَ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَالثَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي بِهَا يُبْعَثُونَ وَلَيْسَ بَعْدَهَا مَوْتٌ. وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَرَادَ أَلَّا يَذُوقَ الْمَوْتَ، وَهَذِهِ النَّفْخَةُ تُسَمَّى نَفْخَةَ الْفَزَعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ:(وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ)(27: 87) وَنَفْخَةُ الصَّعْقِ لِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)(39: 68) وَلِاخْتِلَافِ الْوَصْفَيْنِ قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ النَّفَخَاتِ ثَلَاثٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَرْبَعٌ. وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ أَنَّهُمَا ثِنْتَانِ: وَهُمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ)(79: 6، 7) فَهُمْ يَفْزَعُونَ فَيُصْعَقُونَ، أَيْ يَمُوتُونَ بِالْأُولَى وَهِيَ الرَّاجِفَةُ وَيُبْعَثُونَ بِالثَّانِيَةِ الَّتِي تَرْدُفُهَا وَتَتْبَعُهَا. وَأَصْلُ الصَّعْقِ تَأْثِيرُ الصَّاعِقَةِ فِيمَنْ تُصِيبُهُ مِنْ إِغْمَاءٍ وَغَشَيَانٍ أَوْ مَوْتٍ هُوَ الْغَالِبُ ثُمَّ صَارَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَشَيَانِ مِنْ كُلِّ صَوْتٍ شَدِيدٍ وَعَلَى الْمَوْتِ مِنْهُ كَمَا فَسَّرَهُ الْفَيُّومِيُّ فِي الْمِصْبَاحِ.

وَفِيمَنِ اسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنَ الْفَزَعِ وَالصَّعْقِ عَشَرَةُ أَقْوَالٍ عَلَى مَا اسْتَقْصَاهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ. وَمَا مِنْ قَوْلٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ إِلَّا

وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَهَذَا أَمْرٌ غَيْبِيٌّ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي قَوْلٍ مِنْهَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَلَكِنْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ. مَنِ الَّذِينَ لَمْ يَشَأِ اللهُ أَنْ يُصْعَقُوا؟ قَالَ:" هُمْ شُهَدَاءُ اللهِ عز وجل " قَالَ الْحَافِظُ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَرَجَّحَهُ الطَّبَرَيُّ اهـ. وَلَكِنَّ الْحَافِظَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا قَوْلًا مُسْتَقِلًّا بَلْ أَدْمَجَهُ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُمُ الْأَنْبِيَاءُ. أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِشُهَدَاءِ اللهِ حُجَجُهُ عَلَى خَلْقِهِ بِحُسْنِ سِيرَتِهِمْ وَاسْتِقَامَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا إِذْ يَشْهَدُونَ فِي الْآخِرَةِ بِضَلَالِ كُلِّ مَنْ كَانَ مُخَالِفًا لِهَدْيِهِمْ وَسُنَّتِهِمُ فِي اتِّبَاعِ دِينِ اللهِ عز وجل. وَالْأَنْبِيَاءُ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ قَطْعًا، فَكُلُّ نَبِيٍّ يَشْهَدُ عَلَى قَوْمِهِ كَمَا قَالَ:(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)(4: 41) وَهَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءُ لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْهُمْ، يَقِلُّونَ تَارَةً وَيَكْثُرُونَ أُخْرَى، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا قَوْلًا مُسْتَقِلًّا فَإِنَّ الشُّهَدَاءَ أَعَمُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنَ الصِّدِّيقِينَ، فَكُلُّ نَبِيٍّ شَهِيدٌ وَكُلُّ صَدِّيقٍ شَهِيدٌ، وَمِنَ الشُّهَدَاءِ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَا صَدِّيقٍ، وَلَكِنَّ كُلَّ شَهِيدٍ صَالِحٌ وَمَا كُلُّ صَالِحٍ بِشَهِيدٍ، فَبَيْنَ طَبَقَاتِ (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيَّيْنِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (4: 69) الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ

ص: 298

الْمُطْلَقُ. وَإِذَا كَانَ الصَّعْقُ الْمُرَادُ هُوَ الْمَوْتُ فَلَا يَظْهَرُ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَجْهٌ، وَكَذَا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْغَشَيَانُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي آيَةِ النَّمْلِ بِالْفَزَعِ وَكَانَتِ النَّفْخَةُ الْمُحْدِثَةُ لَهُ هِيَ الْأُولَى إِذْ يَتْلُوهُ مَوْتُ الْخَلْقِ وَخَرَابُ الدُّنْيَا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ. وَظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ يَوْمَ الْبَعْثِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ مِنَ الْآيَاتِ كُلِّهَا.

فَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ إِبْلِيسَ لَا يَنْتَهِي إِنْظَارُهُ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ بَلْ يَمُوتُ عَقِبَ النَّفْخَةِ الْأُولَى الَّتِي يَتْلُوهَا خَرَابُ هَذِهِ الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ:(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً)(69: 13، 14) إِلَّا إِذَا قِيلَ إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَوْمَ الْبَعْثِ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى مَا يَشْمَلُ زَمَنَ مُقَدِّمَاتِهِ فَيُسَمَّى كُلُّ ذَلِكَ يَوْمًا، كَمَا يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى زَمَنِ الْمُقَدِّمَاتِ وَحْدَهَا وَتَارَةً عَلَى زَمَنِ الْغَايَةِ وَحْدَهَا؛ إِذْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الزَّمَنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ فِيهِ كَأَيَّامِ الْعَرَبِ الْمَعْرُوفَةِ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ آنِفًا مِنْ سُورَةِ الْحَاقَّةِ:(فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)(69: 15) الْآيَاتِ. وَفِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا النَّاطِقُ بِأَنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَجِدُ

مُوسَى آخِذًا بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ قَالَ " فَلَا أَدْرِي أَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى الله عز وجل وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ غَشَيَانٌ يَقَعُ بَعْدَ الْبَعْثِ فِي مَوْقِفِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ صَعْقُ النَّفْخَةِ الْأُولَى الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ إِلَّا مَنِ اسْتُثْنِيَ، وَإِلَّا كَانَ مُشْكِلًا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُعَارِضُهُ مِمَّا عَلِمْتَ بَعْضَهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَقَامُ بِالَّذِي يَتَّسِعُ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْمُفَسِّرُونَ وَلَا سِيَّمَا عُلَمَاءُ الْكَلَامِ مِنْهُمْ هَذَا الْإِنْظَارَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ وَالْإِغْوَاءِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ حِكْمَتِهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ.

(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) الْإِغْوَاءُ: الْإِيقَاعُ فِي الْغِوَايَةِ وَهِيَ ضِدُّ الرَّشَادِ؛ لِأَنَّهَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْفَسَادِ الْمُرْدِي مِنْ قَوْلِهِمْ غَوَى الْفَصِيلُ - كَهَوَى وَرَمَى، وَغَوِيَ كَهَوِيَ وَرَضِيَ - إِذَا فَسَدَ جَوْفُهُ مِنْ كَثْرَةِ اللَّبَنِ فَهَزَلَ وَكَادَ يَهْلَكُ. وَصِرَاطُ اللهِ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَصِلُ سَالِكُهُ إِلَى السَّعَادَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا سُبْحَانَهُ لِمَنْ تَتَزَكَّى نَفْسُهُ بِهِدَايَةِ الدِّينِ الْحَقِّ وَتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ، وَالْفَاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهَا عَلَى مَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا، وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوِ الْقَسَمِ وَالْمَعْنَى فَبِسَبَبِ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ مِنْ أَجْلِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ أُقْسِمُ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَأَلْزَمَنَّهُ فَأَصُدُّهُمْ عَنْهُ وَأَقْطَعُهُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أُزَيِّنَ

ص: 299

لَهُمْ سُلُوكَ طُرُقٍ أُخْرَى أُشَرِّعُهَا لَهُمْ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ لِيَضِلُّوا عَنْهُ، وَهُوَ مَا فُسِّرَ بِقَوْلِهِ:(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ) أَيْ فَلَا أَدَعُ جِهَةً مِنْ جِهَاتِهِمُ الْأَرْبَعِ إِلَّا وَأُهَاجِمُهُمْ مِنْهَا، وَهَذِهِ جِهَاتٌ مَعْنَوِيَّةٌ كَمَا أَنَّ الصِّرَاطَ الَّذِي يُرِيدُ إِضْلَالَهُمْ عَنْهُ مَعْنَوِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ)(6: 153) الْآيَةَ مَا يُوَضِّحُ مَا هُنَا، وَفُسِّرَ فِي الْآثَارِ بِالْإِسْلَامِ، وَبِطَرِيقَيِ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ لِصَدِّهِ عَنْهُمَا (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) لِنِعَمِكَ عَلَيْهِمْ فِي عُقُولِهِمْ وَمَشَاعِرِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ وَمَا يَهْدِيهِمْ إِلَى تَكْمِيلِ فِطْرَتِهِمْ مِنْ تَعَالِيمِ رُسُلِكَ لَهُمْ، أَيْ لَا يَكُونُ الشُّكْرُ التَّامُّ الْمُمْكِنُ صِفَةً لَازِمَةً لِأَكْثَرِهِمْ بَلْ لِلْأَقَلِّينَ مِنْهُمْ، قِيلَ إِنَّهُ قَالَ هَذَا عَنْ ظَنٍّ فَأَصَابَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مَنِ الْمُؤْمِنِينَ) (34: 20) وَقِيلَ عَلَى عِلْمٍ بِالدَّلَائِلِ لَا بِالْغَيْبِ، وَالدَّلَائِلُ النَّظَرِيَّةُ غَيْرُ الْقَطْعِيَّةِ ظُنُونٌ. وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الشُّكْرِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ:(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ) وَهِيَ فَاتِحَةُ هَذَا السِّيَاقِ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه فِي تَفْسِيرِ الْأَرْبَعِ قَالَ: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) قَالَ أُشَكِّكُهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) فَأُرَغِّبُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ

(وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ) أُشْبِهُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ (وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ) أَسْتَنُّ لَهُمُ الْمَعَاصِيَ (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) قَالَ: مُوَحِّدِينَ فَسَّرَ الشُّكْرَ بِأَصْلِ أُصُولِهِ وَمَنْبَتِ جَمِيعِ فُرُوعِهِ وَهُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهَى الْكَمَالِ فِي مَعْرِفَتِهِ تَعَالَى، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ. " مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ " مِنْ قِبَلِ الدُّنْيَا، " وَمِنْ خَلْفِهِمْ " - مِنْ قِبَلِ الْآخِرَةِ " وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ": مِنْ قِبَلِ حَسَنَاتِهِمْ " وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ " مِنْ جِهَةِ سَيِّئَاتِهِمْ، وَهِيَ إِنَّمَا تُخَالِفُ الْأُولَى فِي تَفْسِيرِ مَا بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْخَلْفِ مُخَالَفَةَ تَنَاقُضٍ فِي اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ، وَهُوَ هَلِ الْمُرَادُ فِيمَا بَيْنَ الْأَيْدِي مَا هُوَ حَاضِرٌ أَوْ مَا هُوَ مُسْتَقْبَلٌ، وَهَلِ الْمُرَادُ بِالْخَلْفِ مَا يَتْرُكُهُ الْمَرْءُ وَيَتَخَلَّفُ عَنْهُ وَهُوَ الدُّنْيَا أَمْ مَا هُوَ وَرَاءَ حَيَاتِهِ الْحَاضِرَةِ وَهُوَ الْآخِرَةُ؟ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَيْنِ، وَعَنْهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُولَ " مِنْ فَوْقِهِمْ " عَلِمَ أَنَّ اللهَ فَوْقَهُمْ، وَفِي لَفْظٍ: لِأَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنْ فَوْقِهِمْ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ مَا هُوَ بِمَعْنَى مَا ذُكِرَ مَعَ تَفْصِيلٍ مَا كَمَا فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ. وَهُمَا مِنْ تَلَامِيذِهِ رضي الله عنه وَالْفَوْقِيَّةُ مَعْنَوِيَّةٌ كَغَيْرِهَا، وَإِثْبَاتُ الْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى تَنْطِقُ بِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَمِنْ صِفَاتِهِ " الْعَلِيُّ " فَنُؤْمِنُ بِهِ مَعَ تَنْزِيهِهِ تَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ خَلْقِهِ جَمِيعًا، وَقَدْ شَرَحْنَاهُ مِنْ قَبْلُ بِمَا أَثْبَتْنَا بِهِ مَذْهَبَ السَّلَفِ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ مِنْ حَيْثُ يُبْصِرُونَ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ جَمِيعُ طُرُقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَالْخَيْرُ يَصُدُّهُمْ عَنْهُ وَالشَّرُّ يُحَسِّنُهُ لَهُمْ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ

ص: 300

وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ " اللهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي ".

(قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا) يُقَالُ ذَأَمَ الْمَتَاعَ (مِنْ بَابِ فَتَحَ) وَذَامَهُ بِالتَّخْفِيفِ يُذِيمُهُ ذَيْمًا وَذَامًا (بِالْقَلْبِ) إِذَا عَابَهُ وَذَمَّهُ. وَيُقَالُ دَحَرَ الْجُنْدُ الْعَدُوَّ إِذَا طَرَدَهُ وَأَبْعَدَهُ فَهُوَ بِمَعْنَى اللَّعْنِ، وَبِذَلِكَ وَرَدَ التَّفْسِيرُ الْمَأْثُورُ لِلَّفْظَيْنِ، وَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ بِالْخُرُوجِ قَدْ ذُكِرَ لِبَيَانِ سَبَبِهِ وَهَذَا لِبَيَانِ صِفَتِهِ، وَالْمَعْنَى اخْرُجْ مِنَ الْجَنَّةِ أَوِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا حَالَ كَوْنِكَ مَعِيبًا مَذْمُومًا مِنَ اللهِ وَمَلَائِكَتِهِ مَطْرُودًا مِنْ جَنَّتِهِ، فَهُوَ بِمَعْنَى لَعَنَهُ وَجَعَلَهُ رَجِيمًا فِي آيَاتٍ أُخْرَى (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) جَهَنَّمُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ دَارِ الْجَزَاءِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، أَخْبَرَ تَعَالَى خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِالْقَسَمِ بِأَنَّ مَنْ يَتَّبِعْ إِبْلِيسَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ فِيمَا يُزَيِّنُهُ لَهُمْ مِنَ

الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالْفُجُورِ وَالْفِسْقِ؛ فَإِنَّ جَزَاءَهُمْ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ أَهْلَ دَارِ الْعَذَابِ يَمْلَؤُهَا مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَفِي آخِرِ سُورَةِ ص:(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)(38: 85) وَيَدْخُلُ فِي خِطَابِهِ أَعْوَانُهُ فِي الْإِغْوَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَالنُّصُوصُ فِيهِمْ كَثِيرَةٌ، وَقَوْلُهُ:(مِنْهُمْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلْءَ يَكُونُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَإِلَّا قِيلَ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ بِكُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ فِي بَعْضِ الْمَعَاصِي يَغْفِرُ اللهُ لَهُمْ وَيَعْفُو عَنْهُمْ.

وَفِي سُورَتَيِ الْحِجْرِ وَص اسْتِثْنَاءُ عِبَادِ اللهِ الْمُخْلَصِينَ مِنْ إِغْوَائِهِ - لَعَنَهُ اللهُ - حِكَايَةً عَنْهُ وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَكْثَرِ هُنَا. وَأَكَّدَ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)(15: 42) وَنَحْوِهِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ (17: 65) وَفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَاعِيَةُ شَرٍّ، وَمَا تَبِعَهُ مَنْ تَبِعَهُ إِلَّا مُخْتَارًا مُرَجِّحًا لِلْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ وَلِلشَّرِّ عَلَى الْخَيْرِ، فَقَدْ قَالَ فِي سِيَاقِ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ الْمُضِلِّينَ وَالضُّعَفَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ:(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيَ)(14: 22) وَسَيَأْتِي فَائِدَةُ التَّذْكِيرِ بِهَذَا عِنْدَ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْآتِيَةِ فِي نُصْحِ بَنِي آدَمَ وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ وَلَا سِيَّمَا الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْهُمْ خِطَابُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لِلشَّيْطَانِ فِي هَذَا التَّحَاوُرِ الطَّوِيلِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، هَلْ هُوَ خِطَابٌ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ كَالْوَحْيِ لِرُسُلِ الْبَشَرِ أَمْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَكَيْفَ وَهُوَ يَقْتَضِي التَّكْرِيمَ؟ وَتَحَكَّمُوا فِي الْجَوَابِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ يَطَّلِعُ عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَيَعْلَمُ مُرَادَ اللهِ فِي جَوَابِ أَسْئِلَتِهِ، وَاسْتَشْكَلُوا أَمْرَ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِإِغْوَاءِ الْبَشَرِ وَإِضْلَالِهِمُ الْمُبِينِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:

ص: 301

(وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ)(الْآَيَةَ 17: 64) مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)(7: 28) وَإِنَّمَا يُشْكِلُ هَذَا كُلُّهُ عَلَى مَا جَرَوْا عَلَيْهِ مِنْ جَعْلِ الْخِطَابِ لِلتَّكْلِيفِ. وَأَمَّا إِذَا جَعَلَ الْخِطَابَ لِلتَّكْوِينِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ كَثِيرٍ فَلَا إِشْكَالَ، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ بَيَانِ الْوَاقِعِ مِنْ صِفَةِ طَبِيعَةِ الْبَشَرِ وَطَبِيعَةِ الشَّيْطَانِ وَاسْتِعْدَادِهِمَا وَأَعْمَالِهِمَا الِاخْتِيَارِيَّةِ.

وَلِلْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِيهَا جَدَلٌ طَوِيلٌ، فَالْأَوَّلُونَ يُثْبِتُونَ الْإِغْوَاءَ وَالْإِضْلَالَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَنْفُونَ رِعَايَةَ الرَّبِّ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي كُلٍّ مِنْ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَيَجْعَلُونَ الْإِنْسَانَ مَجْبُورًا فِي صُورَةِ مُخْتَارٍ، وَالْآخَرُونَ

يُخَالِفُونَهُمْ، فَنَدَعُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ الْجَدَلِيَّةِ لِابْنَيْ بَجْدَتِهَا الرَّازِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ، وَنَخْتِمُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَاتِ بِبَيَانِ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ الشَّيَاطِينِ وَكَشْفِ شُبْهَةِ الْمُسْتَشْكِلِينَ لَهُ وَلِخَلْقِ الْإِنْسَانِ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ إِغْوَائِهِ فَإِنَّهَا مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا حَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السِّيَاقَ كُلَّهُ لِبَيَانِ حَقِيقَةِ التَّكْوِينِ.

حِكْمَةُ خَلْقِ اللهِ الْخَلْقَ وَاسْتِعْدَادُ الشَّيْطَانِ وَالْبَشَرِ لِلشَّرِّ:

اعْلَمْ أَنَّ الْحِكْمَةَ الْعُلْيَا لِخَلْقِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ هِيَ أَنْ يَتَجَلَّى بِهَا الرَّبُّ الْخَالِقُ لَهَا بِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، لِيُعْرَفَ وَيُعْبَدَ، وَيُشْكَرَ وَيُحْمَدَ، وَيَحْكُمَ وَيَجْزِيَ فَيَعْدِلَ وَيَغْفِرَ وَيَعْفُوَ وَيَرْحَمَ، إِلَخْ. فَهِيَ مَظْهَرُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. وَمَجْلَى سُنَنِهِ وَآيَاتِهِ، وَتُرْجُمَانُ حَمْدِهِ وَشُكْرِهِ، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (17: 44) لِذَلِكَ كَانَتْ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالنِّظَامِ، الدَّالَّيْنِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمَشِيئَةِ وَالِاخْتِيَارِ، وَوَحْدَانِيَّةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (27: 88) (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)(32: 7) كَمَا نَطَقَ الْقُرْآنُ، الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْهِ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْهِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ بَلْ لَيْسَ فِي خَلْقِهِ مَا هُوَ شَرٌّ مَحْضٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الشَّرُّ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ، مَدَارُهُ عَلَى مَا يُؤْلِمُ الْأَحْيَاءَ أَوْ تَفُوتُ بِهِ مَصْلَحَةٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ شَرًّا لَهُ إِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ أَعَظَمُ، أَوْ دَفْعُ مَفْسَدَةٍ أَكْبَرَ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَأَلَّمُ مِنَ الدَّوَاءِ الَّذِي يُزِيلُ مَرَضَهُ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ أَوْ أَطْوَلُ إِيلَامًا مِنْهُ، وَقَدْ تَفُوتُهُ مَنْفَعَةٌ صَغِيرَةٌ يَكُونُ فَوْتُهَا سَبَبًا لِمَنْفَعَةٍ أَكْبَرَ مِنْهَا، كَالَّذِي يَبْذُلُ مَالَهُ فِي الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لِمِلَّتِهِ وَوَطَنِهِ فَيُكْرَمُ وَيَكُونُ قُدْوَةً فِي الْخَيْرِ. وَحَظُّهُ مِنْ كَرَامَةِ الْأُمَّةِ وَعُمْرَانِ الْوَطَنِ أَعْظَمُ مِمَّا بَذَلَ مِنَ الْمَالِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ مِنْ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَهِيَ سَبِيلُ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ - ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ وَالزُّلْفَى عِنْدَهُ.

وَقَدْ كَانَ مِنْ مُقْتَضَى تَحَقُّقِ مَعَانِيَ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى أَنْ يَخْلُقَ مَا عَلِمْنَا وَمَا لَمْ نَعْلَمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنْ تَكُونَ الْمُقَابَلَاتُ وَالنِّسَبُ بَيْنَ بَعْضِهَا مُخْتَلِفَةً مِنْ تَوَافُقٍ وَتَبَايُنٍ وَتَضَادٍّ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ فِي نِظَامِ الْخَلْقِ أَنَّ الضِّدَّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ، وَأَنْ تَكُونَ مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ، وَأَنْ يُسِيءَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَفْسِهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ

ص: 302

بَعْضُهُمْ مَفْطُورًا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ، دَائِبًا عَلَى عِبَادَتِهِ وَحَمْدِهِ وَشُكْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مُخْتَارًا فِي عَمَلِهِ، مُسْتَعِدًّا لِلْأَضْدَادِ فِي مَيْلِهِ وَطَبْعِهِ، يَتَنَازَعُهُ عَامِلَا الْكُفْرِ وَالشُّكْرِ، وَتَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَقِيقَتَا التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ، وَتَتَجَاذَبُهُ دَاعِيَتَا الْفُجُورِ وَالْبِرِّ، فَيَكُونُ لِشُكْرِهِ وَبِرِّهِ وَطَاعَتِهِ لِرَبِّهِ مِنْ عِظَمِ الشَّأْنِ مَعَ مُعَارَضَةِ الْمَوَانِعِ مَا لَيْسَ

لِلْفُطُورِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ يَعْصِي فَيُفِيدُهُ الْعِصْيَانُ خَوْفًا وَرَهْبَةً، وَيَحْمِلُهُ عَلَى التَّوْبَةِ فَيَكُونُ لَهُ أَوْفَرُ حَظٍّ مِنِ اسْمَيِ الْعَفُوِّ الْغَفُورِ وَقَدْ يَسْتَكْبِرُ عَنِ الطَّاعَةِ وَالْإِيمَانِ وَيُصِرُّ عَلَى الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، فَيَكُونُ مَوْضِعًا لِعِقَابِ الْحَكَمِ الْعَدْلِ، وَآيَةٌ فِيهِ عَلَى تَنَزُّهِهِ تَعَالَى عَنِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ.

وَلَا نَعْرِفُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَلْقِ مَفْطُورًا عَلَى الْبَاطِلِ وَالشَّرِّ، مَجْبُورًا عَلَى الْفِسْقِ وَالْكُفْرِ فَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَمَا صَحَّ أَنْ يَعْتَرِضَ بِهِ الْعَبْدُ الْمَرْبُوبُ عَلَى الرَّبِّ الْمَعْبُودِ وَهَذِهِ الْآيَاتُ الْمُبَيِّنَةُ لِمَعْصِيَةِ إِبْلِيسَ - وَهُوَ شَرُّ أَفْرَادِ هَذَا النَّوْعِ الْمُسَمَّى بِالْجِنِّ - تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُخْتَارًا فِي عِصْيَانِهِ بَانِيًا إِيَّاهُ عَلَى شُبْهَةٍ احْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ خَلَقَ اللهُ نَوْعَهُ فَكَانُوا كَالْبَشَرِ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، كَمَا يُعْلَمُ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي سُمِّيَتْ بِاسْمِهِمْ (الْجِنِّ) وَقَالَ تَعَالَى:(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)(18: 50) الْفِسْقُ الْخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُطِيعُهُ وَيَعْبُدُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَجُودُهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَعُقُوبَتُهُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْهُمْ بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ. وَقَدْ عَصَى آدَمُ رَبَّهُ بَعْدَ عِصْيَانِ إِبْلِيسَ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آدَمَ تَابَ إِلَى رَبِّهِ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ وَاجْتَبَاهُ وَجَعَلَهُ مَوْضِعَ مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَأَنَّ إِبْلِيسَ أَصَرَّ عَلَى عِصْيَانِهِ وَاحْتَجَّ عَلَى رَبِّهِ فَلَعَنَهُ وَأَخْزَاهُ، وَجَعَلَهُ مَوْضِعَ عَدْلِهِ فِي عِقَابِهِ، وَقَصَّ قَصَصَهُمَا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا بِمَا أَظْهَرَ حَقِيقَةَ النَّوْعَيْنِ، وَمَآلَ الْعَمَلَيْنِ، عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَابْتِلَاءً - اخْتِبَارًا - لِلْعَالِمِينَ يَمِيزُ اللهُ بِهِ الْمُحْسِنِينَ وَالْمُسِيئِينَ، وَيُزِيلُ بَيْنَ الطَّيِّبِينَ وَالْخَبِيثِينَ، إِذْ كَانَ مِنْ سُنَنِهِ فِيهِمَا أَنَّ الْحَيَاةَ جِهَادٌ، يَظْهَرُ بِهِ مَا أُودِعَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ، وَأَنَّ مِنْ حِكَمِ تَفَاوُتِ الْبَشَرِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمُ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ، وَالْحَكِيمُ وَالْحَاكِمُ، وَالْمَسُوسُ وَالسَّائِسُ، وَالْقَائِدُ وَالْجُنْدِيُّ، وَالْمَخْدُومُ وَالْخَادِمُ، وَالزَّارِعُ وَالصَّانِعُ، وَالتَّاجِرُ وَالْعَامِلُ. فَلَوْلَا الْعُمَّالُ - مَثَلًا - لَمَا اتَّسَعَتْ مَسَائِلُ الْعُلُومِ بِالْأَعْمَالِ، وَلَمَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِمَا كَشَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَسْرَارِ الطَّبِيعَةِ وَخَوَاصِّ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا عُرِفَتْ نِعَمُ الْخَالِقِ وَسُنَنُهُ وَدَقَائِقُ عِلْمِهِ وَحِكْمَتُهُ فِي الْأَشْيَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الصِّفَاتِ وَمَظَاهِرِ الْأَسْمَاءِ، وَمُوجِبَاتِ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ.

وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ كُلَّ مَا خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى فَهُوَ حَسَنٌ فِي نَفْسِهِ، مُتْقَنٌ فِي صُنْعِهِ، مُظْهِرٌ

ص: 303

لِنَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ مِنْ حِكَمِهِ فِي خَلْقِهِ، وَمِنْ كَمَالِهِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَا

شَيْءَ مِنْهُ بِبَاطِلٍ وَلَا بِشَرٍّ مَحْضٍ (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)(15: 85)(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)(38: 27)

وَإِذَا كَانَ مِنْ حِكْمَتِهِ تَعَالَى فِيمَا ذَكَرَ مِنْ مَعْصِيَتَيْ أَبَوَيِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ظُهُورُ اسْتِعْدَادِهِمْ وَإِظْهَارُ حُكْمِهِ تَعَالَى فِي الْجَزَاءِ عَلَى الذُّنُوبِ فِي حَالَيِ التَّوْبَةِ مِنْهَا وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، وَالْعِبْرَةُ وَالْمَوْعِظَةُ، وَحُسْنُ الْأُسْوَةِ، وَسُوءُ الْقُدْوَةِ، وَالِابْتِلَاءُ وَالْجِهَادُ وَغَيْرُهُ مِمَّا بَيَّنَّا - وَإِذَا كَانَتْ مَعْصِيَةُ الْأَوَّلِ بِسَبَبِ وَسْوَسَةِ الْآخَرِ - فَلَا خَفَاءَ فِي اسْتِمْرَارِ ذَلِكَ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَى فِطْرَةِ نَوْعَيْهِمَا، الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ فِيهِمَا، فَجِنْسُ الْجِنِّ أَوِ الْجِنَّةِ الْغَيْبِيِّ الرُّوحَانِيِّ نَوْعَانِ أَوْ صِنْفَانِ: صِنْفٌ مَلَكِيٌّ يُلَابِسُ بَعْضُهُ أَرْوَاحَ الْبَشَرِ الْمَيَّالَةِ إِلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ فَتُقَوِّي دَاعِيَتَهُمَا فِيهَا، وَصِنْفٌ شَيْطَانِيٌّ يُلَابِسُ أَرْوَاحَ الْبَشَرِ الْمَيَّالَةِ إِلَى الْبَاطِلِ وَالشَّرِّ فَتُقَوِّي دَاعِيَتَهُمَا فِيهَا، كَمَا بَيَّنَهُ صلى الله عليه وآله وسلم بِقَوْلِهِ:(إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ " ثُمَّ قَرَأَ (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)(2: 268) الْآيَةَ - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَرُوَاةُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - وَمَثَلُ اتِّصَالِ نَوْعَيِ الْجِنَّةِ الرُّوحِيَّةِ بِرُوحِ الْإِنْسَانِ كُلٌّ بِمَا يُنَاسِبُ طَبْعَهُ - كَمَثَلِ اتِّصَالِ نَوْعَيِ الْجِنَّةِ الْمَادِّيَّةِ بِجَسَدِهِ وَتَأْثِيرِهَا فِيهِ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهِ، وَهِيَ مَا يُسَمِّيهِ الْأَطِبَّاءُ بِالْمَيُكْرُوبَاتِ وَسَمَّاهَا بَعْضُ الْأُدَبَاءِ النَّقَاعِيَّاتِ، فَإِنَّ مِنْهَا جِنَّةَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْبِئَةِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الْجِسْمِ الْقَابِلِ لَهَا بِضَعْفِهِ، وَالْمَيُكْرُوبَاتُ الَّتِي تَقْوَى بِهَا الصِّحَّةُ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.

قَالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِهِ: وَالْجِنُّ يُقَالُ عَلَى وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) لِلرُّوحَانِيِّينَ: الْمُسْتَتِرَةُ عَنِ الْحَوَاسِّ كُلِّهَا بِإِزَاءِ الْإِنْسِ، فَعَلَى هَذَا تَدْخُلُ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ فَكُلُّ مَلَائِكَةٍ جِنٌّ وَلَيْسَ كُلُّ جِنٍّ مَلَائِكَةً، وَعَلَى هَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ: الْمَلَائِكَةُ كُلُّهَا جِنٌّ. وَقِيلَ: بَلِ الْجِنُّ بَعْضُ الرُّوحَانِيِّينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّوحَانِيِّينَ ثَلَاثَةٌ: أَخْيَارٌ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ. وَأَشْرَارٌ وَهُمُ الشَّيَاطِينُ، وَأَوْسَاطٌ فِيهِمْ أَخْيَارٌ وَأَشْرَارٌ وَهُمُ الْجِنُّ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ)(72: 1) إِلَى قَوْلِهِ عز وجل: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ)(72: 14) وَالْجِنَّةُ جَمَاعَةُ الْجِنِّ اهـ. وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنْ وَحْدَةِ الْجِنْسِ؛

فَإِنَّهُ غَلَبَ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُ اسْمَانِ مُمَيَّزَانِ لَهُمَا لِتَضَادِّهِمَا. وَقَدْ فُسِّرَتِ الْجِنَّةَ - بِالْكَسْرِ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)(37: 158) بِالْمَلَائِكَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَ

ص: 304

الْآيَةِ عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ)(37: 149) الْآيَاتِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو صَالِحٍ وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ: إِنَّ الْجِنَّةَ فِي الْآيَةِ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّسَبِ قَوْلُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ) أَيِ الْمَلَائِكَةُ (إِنَّهُمْ لَمُحْضِرُونَ) فِي النَّارِ مُقْدِمُونَ عَلَى عَذَابِ الْكُفْرِ. اهـ. مُلَخَّصًا بِالْمَعْنَى.

نَكْتَفِي هُنَا بِهَذَا وَنُحِيلُ فِي زِيَادَةِ بَسْطِهِ وَإِيضَاحِهِ عَلَى مَا تَكَرَّرَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ مِنْ بَيَانِ حِكْمَةِ اللهِ فِي خَلْقِ الْبَشَرِ مُتَفَاوَتِي الِاسْتِعْدَادِ مُخْتَارِينَ فِي الْأَعْمَالِ وَكَذَا مَا بَيَّنَّاهُ فِي خَلْقِ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَوَسْوَسَتِهِمْ وَدَرَجَةِ تَأْثِيرِهَا فِي آيَاتِ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا وَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ بَحْثٌ طَوِيلٌ فِي حِكَمِ اللهِ فِي خَلْقِ إِبْلِيسَ يُرَاجَعُ فِي مَحَلِّهِ.

وَمِنَ الْمَبَاحِثِ اللَّفْظِيَّةِ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ إِذَا قُوبِلَ مَا هَاهُنَا بِمَا فِي سُورَةِ الْحِجْرِ يُرَى خِلَافٌ فِي الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ فِي مَقُولِ الْقَوْلِ مِنْ بَعْضِ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْفَصْلِ فِي بَدْءِ كُلٍّ مِنْهَا بِـ " قَالَ " عَلَى الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. فَهَاهُنَا عَطَفَ أَمْرَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لِإِبْلِيسَ بِالْهُبُوطِ وَأَمْرَهُ الْأَوَّلَ لَهُ بِالْخُرُوجِ بِالْفَاءِ، وَكَذَا قَوْلُ إِبْلِيسَ " فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي " عَلَى أَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُتَفَرِّعٌ عَنْهُ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ. وَفَصَلَ طَلَبَ إِبْلِيسَ لِلْإِنْظَارِ وَجَوَابَ الرَّبِّ لَهُ وَأَمْرَهُ الثَّانِيَ بِالْخُرُوجِ وَأَمَّا فِي سُورَةِ الْحِجْرِ فَقَدْ وَصَلَ كُلًّا مِنْ طَلَبِ الْإِنْظَارِ وَجَوَابِهِ بِالْفَاءِ وَكَذَا فِي سُورَةِ ص، وَفَصَلَ تَعْلِيلَ إِغْوَائِهِ لِلنَّاسِ بِإِغْوَاءِ الرَّبِّ لَهُ إِذْ قَالَ:(رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي)(15: 39) فَخَالَفَ ذَلِكَ مَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَلَكِنِ اتَّفَقَتِ السُّورَتَانِ فِي عَطْفِ الْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ بِالْفَاءِ.

فَهَاهُنَا يُقَالُ: إِنَّنَا عَلِمْنَا مِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ فِي قَصَصِهِ الْمُكَرَّرَةِ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُنَزَّلَةً لِأَجْلِ الْعِبْرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالتَّأْثِيرِ فِي الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ اخْتَلَفَتْ أَسَالِيبُهَا بَيْنَ إِيجَازٍ وَإِطْنَابٍ، وَذُكِرَ فِي بَعْضِهَا مِنَ الْمَعَانِي وَالْفَوَائِدِ مَا لَيْسَ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ، حَتَّى لَا تُمَلَّ لِلَفْظِهَا وَلَا لِمَعَانِيهَا، وَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَقْوَالَ الْمَحْكِيَّةَ فِيهَا إِنَّمَا هِيَ مُعَبِّرَةٌ

عَنِ الْمَعَانِي وَشَارِحَةٌ لِلْحَقَائِقِ وَلَيْسَتْ نَقْلًا لِأَلْفَاظِ الْمُحْكَى

ص: 305

عَنْهُمْ بِأَعْيَانِهَا، فَإِنَّ بَعْضَ أُولَئِكَ الْمَحْكِيِّ عَنْهُمْ أَعَاجِمُ، وَلَمْ تَكُنْ لُغَةُ الْعَرَبِيِّ مِنْهُمْ كَلُغَةِ الْقُرْآنِ فِي فَصَاحَتِهَا وَبَلَاغَتِهَا - دَعْ مَا قِيلَ فِيهِ هُنَا مِنْ أَنَّ الْقِصَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِحَقَائِقَ ثَابِتَةٍ فِي نَفْسِهَا بِأُسْلُوبِ التَّمْثِيلِ، وَمَا ثَمَّ أَقْوَالٌ قِيلَتْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا غَيْرِهَا - عَلِمْنَا هَذَا وَذَاكَ. وَلَكِنَّ الَّذِي نَجْزِمُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ اللهِ اخْتِلَافٌ فِي الْمَعَانِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَنَاقُضًا، وَأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَسَالِيبِ وَطُرُقَ التَّعْبِيرِ فِيهِ عَنِ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ لَا تَخْتَلِفُ إِلَّا لِنُكَتٍ تُفِيدُ مِنْ فَهْمِهَا فَائِدَةً لَفْظِيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً، فَمَا فَائِدَةُ مَا ذُكِرَ مِنِ اخْتِلَافِ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ فِي سُورَتَيِ الْأَعْرَافِ وَالْحِجْرِ؟

الْجَوَابُ: أَنَّ الْوَصْلَ بِالْعَطْفِ بِالْفَاءِ فِي مَوْضِعِهِ أَفَادَ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي مِثْلِهِ بِالْفَصْلِ اسْتِئْنَافًا وَلَا يَحْتَاجُ فِي زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ إِلَى نُكْتَةِ غَيْرِهَا، عَلَى أَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ السِّيَاقَ فِي كُلٍّ مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ وَجَدْتَ أَنَّ طَلَبَ إِبْلِيسَ الْإِنْظَارَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ قَدْ ذُكِرَ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْخُرُوجِ مَعْطُوفًا بِالْفَاءِ لِتَرَتُّبِهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَوَصْفِهِ بِأَنَّهُ رَجِيمٌ مَقْرُونًا بِفَاءِ السَّبَبِيَّةِ وَلَعَنَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ - فَلَا غَرْوَ إِذَا جُعِلَ طَلَبُهُ لِلْإِنْظَارِ فِيهَا مُتَّصِلًا بِمَا قَبِلَهُ مُتَفَرِّعًا عَنْهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ يَا رَبِّ إِذْ طَرَدْتَنِي مِنْ رَحْمَتِكَ، فَأَطِلْ حَيَاتِي فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ إِتْمَامًا لِحِكْمَتِكَ، فَأَجَابَهُ تَعَالَى جَوَابًا مَعْطُوفًا عَلَى طَلَبِهِ إِلَى مَا تَتِمُّ بِهِ الْحِكْمَةُ، لَا إِلَى مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ أُمْنِيَّتُهُ فِي النَّجَاةِ مِنَ الْمَوْتِ. وَلَعَلَّ مِنْ حِكَمِهِ تَعَالَى فِي إِنْظَارِ إِبْلِيسَ أَنْ يَتَمَتَّعَ فِي الدُّنْيَا جَزَاءً عَلَى مَا كَانَ مِنْ عِبَادَتِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَدَ هَذَا مِنْ طَلَبِهِ الْإِنْظَارَ.

وَأَمَّا نُكْتَةُ حَذْفِ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) مَعَ إِثْبَاتِهَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ لِارْتِبَاطِهَا بِمَا قَبْلَهَا فَهِيَ كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ الْإِسْكَافِيُّ: إِنَّ الدُّعَاءَ فِي الصَّدْرِ يُسْتَأْنَفُ بَعْدَهُ الْكَلَامُ وَالْقِصَّةُ غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لِمَا قَبْلَهَا كَمَا اقْتَضَاهَا قَوْلُهُ: (رَبِّ فَأَنْظِرْنِي) وَالْفَاءُ تُوجِبُ اتِّصَالَ مَا بَعْدَهَا بِمَا قَبِلَهَا، وَالنِّدَاءُ أَوَّلًا يُوجِبُ الْقَطْعَ وَاسْتِئْنَافَ الْكَلَامِ وَلَا سِيَّمَا فِي قِصَّةٍ لَا يَقْتَضِيهَا مَا قَبْلَهَا، فَلَمْ تَحْسُنِ الْفَاءُ مَعَ قَوْلِهِ:(رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) وَالْمَوْضِعَانِ الْآخَرَانِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمَا نِدَاءٌ يُوجِبُ اسْتِئْنَافَ مَا بَعْدَهُ، فَلِذَلِكَ وُصِلَ الْقَسَمُ فِيهِمَا بِالْأَوَّلِ بِدُخُولِ الْفَاءِ اهـ.

ص: 306

(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ)

هَذِهِ الْآيَاتُ تَتِمَّةُ السِّيَاقِ الْوَارِدِ فِي النَّشْأَةِ الْأَوْلَى لِلْبَشَرِ وَشَيَاطِينِ الْجِنِّ، أُنْزِلَتْ تَمْهِيدًا لِهِدَايَةِ النَّاسِ بِمَا يَتْلُوهَا مِنَ الْآيَاتِ فِي وَعْظِ بَنِي آدَمَ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَا تَكْمُلُ بِهِ فِطْرَتُهُمْ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي بَحْثِ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ.

(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) أَيْ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ - كَمَا هُوَ نَصُّ التَّعْبِيرِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ - فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ السِّيَاقِ: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ لِهَذِهِ: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا) فَإِنَّ إِخْرَاجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ - عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ -

ص: 307

كَانَ بَعْدَ الْوَسْوَسَةِ لِآدَمَ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ. وَالنِّدَاءُ يُفِيدُ الِاهْتِمَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ، وَالْأَمْرُ بِالسُّكْنَى قِيلَ: لِلْإِبَاحَةِ، وَقِيلَ: لِلْوُجُوبِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ تَكْلِيفٍ، يُقَابِلُهُ جَعْلُهُ أَمْرًا تَكْوِينِيًّا قَسْرِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي أَمْرِ إِبْلِيسَ، وَاللَّامُ فِي الْجَنَّةِ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَهِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا أَوْ لَدَيْهَا آدَمُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ

(ن) : (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ)(68: 17) ؛ لِأَنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنَ الْأَرْضِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ آيَاتِ قِصَّتِهِ الْمُكَرِّرَةِ فِي عِدَّةِ سُوَرٍ أَنَّ اللهَ رَفَعَهُ إِلَى الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْجَنَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا جَنَّةُ الْآخِرَةِ.

وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ آدَمَ كَانَ لَهُ زَوْجٌ؛ أَيِ امْرَأَةٌ. وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَىأَلْقَى عَلَى آدَمَ سُبَاتًا انْتَزَعَ فِي أَثْنَائِهِ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَخَلَقَ لَهُ مِنْهُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ، وَأَنَّهَا سُمِّيَتِ امْرَأَةً " لِأَنَّهَا مِنِ امْرِئٍ أُخِذَتْ " وَمَا رُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ " عَلَى حَدِّ (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) (21: 37) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ " أَيْ لَا تُحَاوِلُوا تَقْوِيمَ النِّسَاءِ بِالشِّدَّةِ، وَوَثَنِيُّوا الْهِنْدِ يَزْعُمُونَ أَنَّ لِآدَمَ أُمَّا وَلَهَا فِي مَدِينَتِهِمُ الْمُقَدِّسَةِ (بنارس) قَبْرٌ عَلَيْهِ قُبَّةٌ بِجَانِبِ قُبَّةِ قَبْرِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِأُمِّهِ عِنْدَهُمُ الرَّمْزُ إِلَى الطَّبِيعَةِ. وَالْآيَةُ تُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ لِلرَّجُلِ فِي السُّكْنَى وَالْمَعِيشَةِ بِاقْتِضَاءِ الْفِطْرَةِ، وَهُوَ الْحَقُّ الْوَاقِعُ الَّذِي يُعَدُّ مَا خَالَفَهُ شُذُوذًا.

(فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا) أَيْ فَكُلَا مِنْ ثِمَارِهَا حَيْثُ شِئْتُمَا - وَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا)(2: 35) - وَمِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ أَنْ يَتَضَمَّنَ التِّكْرَارُ لِلْقَصَصِ فَوَائِدَ فِي كُلٍّ مِنْهَا لَا تُوجَدُ فِي الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ فِي الْمَجْمُوعِ.

(وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) النَّهْيُ عَنْ قُرْبِ الشَّيْءِ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا)(2: 187) فَهُوَ يَقْتَضِي الْبُعْدَ عَنْ مَوَارِدِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُغْرِي بِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ وَرَعًا وَاحْتِيَاطًا، " وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ " كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَتَعْرِيفُ الشَّجَرَةِ كَتَعْرِيفِ الْجَنَّةِ، وَهِيَ مُشَارٌ إِلَيْهَا فِي الْآيَةِ بِمَا يُعَيِّنُ شَخْصَهَا، وَلَمْ يُبَيَّنْ فِي الْقُرْآنِ نَوْعُهَا وَلَا وَصْفُهَا، إِلَّا مَا فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ عَنْ إِبْلِيسَ، وَمِثْلُهُ فِي سُورَةِ طه. وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ أَوَّلِ أَسْفَارِ التَّوْرَاةِ مَا نَصُّهُ " 8 وَغَرَسَ الرَّبُّ الْإِلَهُ جَنَّةً مِنْ عَدْنٍ شَرْقًا وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ 9 وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الْإِلَهُ مِنَ الْأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلْأَكْلِ وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ " ثُمَّ قَالَ " 15 وَأَخَذَ الرَّبُّ الْإِلَهُ

ص: 308