الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَهُمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ إِيمَانَ إِذْعَانٍ بِحَيْثُ يَهْتَدُونَ بِوَحْيِهِ وَيُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِعِبَادَتِهِ وَآدَابِهِ حَتَّى يَبْعُدَ التَّنَاسُبُ وَالتَّجَانُسُ بَيْنَهُمَا. فَهَذَا الْجَعْلُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ الْجَبْرِيَّةُ، وَإِسْنَادُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ جَعَلَهُ خَارِجًا عَنْ نِظَامِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ وَنَتَائِجِ الْأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي تُسْنَدُ إِلَى مُكْتَسِبِيهَا بِاعْتِبَارِ صُدُورِهَا عَنْهُمْ، وَإِلَى الْخَالِقِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ خَلْقِهِ وَتَقْدِيرِهِ لِذَلِكَ فِي نِظَامِ الْكَوْنِ وَسُنَنِهِ، وَقَدْ أَسْنَدَ هَذِهِ الْوِلَايَةَ إِلَى مُكْتَسِبِيهَا بِمُزَاوَلَةِ أَسْبَابِهَا فِي قَوْلِهِ الْآتِي قَرِيبًا:
(إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)
(30)
فَاكْتِسَابُ الْكُفَّارِ لِوِلَايَةِ الشَّيَاطِينِ بِاسْتِعْدَادِهِمْ لِقَبُولِ وَسْوَسَتِهِمْ وَإِغْوَائِهِمْ، وَعَدَمِ احْتِرَاسِهِمْ مِنَ الْخَوَاطِرِ الْبَاطِلَةِ أَوِ الشِّرِّيرَةِ مِنْ لَمَتِهِمْ، كَاكْتِسَابِ ضُعَفَاءِ الْبِنْيَةِ لِلْأَمْرَاضِ بِاسْتِعْدَادِهِمْ لَهَا، وَعَدَمِ احْتِرَاسِهِمْ مِنْ أَسْبَابِهَا، كَالْقَذَارَةِ وَتَنَاوُلِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ الْفَاسِدَةِ أَوِ الْقَابِلَةِ لِلْفَسَادِ بِمَا فِيهَا مِنْ جَرَاثِيمِ تِلْكَ الْأَمْرَاضِ - كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ آنِفًا - فَأَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ هُمْ أَصْحَابُ الْوَسَاوِسِ وَالْأَوْهَامِ وَالْخُرَافَاتِ وَالطُّغْيَانِ، وَالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَالْمُتَوَلُّونَ لِقُرَنَائِهِ مِنْ أَهْلِ الطَّاغُوتِ وَالدَّجَلِ وَالنِّفَاقِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عِدَّةِ آيَاتٍ. وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ، لَا بِطَاعَتِهِمْ فِي وَسْوَسَتِهِمْ فَقَطْ، بَلْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعِيذُ بِهِمْ كَمَا يَسْتَعِيذُ الْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)(72: 6) وَكَانُوا يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِمْ بِمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُعْطِفُهُمْ عَلَيْهِمْ فَيَمْنَعُ ضَرَرَهُمْ أَوْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى نَفْعِهِمْ، كَمَا يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِمُ الدَّجَّالُونَ بِمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُعْطِفُهُمْ عَلَيْهِمْ فَيَمْنَعُ ضَرَرَهُمْ أَوْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى نَفْعِهِمْ، كَمَا يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِمُ الدَّجَّالُونَ الْيَوْمَ بِالْبَخُورِ وَالْعَزَائِمِ وَالِاسْتِغَاثَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)(36: 60، 61) وَقَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ بَعْضَ الدَّجَّالِينَ يَتَقَرَّبُ إِلَى الشَّيَاطِينِ بِكِتَابَةِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَشَدِّهِ عَلَى عَوْرَتِهِ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَأَسْفَلِهَا، فَهَلْ يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنَ الَّذِي يَتَوَلَّى اللهَ وَرَسُولَهُ أَنْ يَلْجَأَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الدَّجَّالِينَ فِي مَصَالِحِهِ يَرْجُو مِنْهُ نَفْعًا أَوْ دَفْعَ ضُرٍّ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى فَضَّلَ الْإِنْسَ عَلَى الْجِنِّ وَجَعَلَهُمْ أَرْقَى مِنْهُمْ، وَلَوْ كَانُوا يَرَوْنَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ كَالشَّيَاطِينِ لَتَصَرَّفُوا فِيهِمْ كَمَا يَتَصَرَّفُونَ بِجِنَّةِ الْهَوَامِّ وَمَيُكْرُوبَاتِ الْأَمْرَاضِ - وِفَاقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ خَوْفَهُمْ مِنَّا أَشَدُّ مِنْ خَوْفِنَا مِنْهُمْ - وَالْوَسْوَسَةُ مِنْهُمْ تَكُونُ عَلَى قَدْرِ اسْتِعْدَادِنَا لِقَبُولِهَا فَذَنْبُهَا عَلَيْنَا. وَمَا يَذْكُرُهُ النَّاسُ مِنْ ضَرَرِهِمْ وَصَرْعِهِمْ فَأَكْثَرُهُ كَذِبٌ وَدَجَلٌ وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ.
(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) هَذَا بَيَانٌ لِبَعْضِ آثَارِ وِلَايَةِ الشَّيَاطِينِ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ، أَيْ إِنَّهُمْ يُطِيعُونَهُمْ فِي إِغْوَائِهِمْ فِي أَقْبَحِ الْأَشْيَاءِ وَلَا يَشْعُرُونَ بِقُبْحِهَا.
(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ: وَإِذَا فَعَلَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، الَّذِينَ جَعَلَ اللهُ لَهُمُ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ، قَبِيحًا مِنَ الْفِعْلِ وَهُوَ الْفَاحِشَةُ، وَذَلِكَ تَعَرِّيهِمْ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَتَجَرُّدُهُمْ لَهُ فَعُذِلُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ قَبِيحِ فِعْلِهِمْ وَعُوتِبُوا عَلَيْهِ قَالُوا: وَجَدْنَا عَلَى مِثْلِ مَا نَفْعَلُ آبَاءَنَا فَنَحْنُ نَفْعَلُ مِثْلَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وَنَقْتَدِي بِهِمْ وَنَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِمْ وَاللهُ أَمَرَنَا بِهِ فَنَحْنُ نَتَّبِعُ أَمْرَهُ فِيهِ اهـ. وَالْفَاحِشَةُ: كُلُّ مَا عَظُمَ قُبْحُهُ، وَفَسَّرَهَا هُوَ وَغَيْرُهُ هُنَا بِطَوَافِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا كَانُوا يَعْذِلُونَهُمْ وَيُقَبِّحُونَ فِعْلَتَهُمْ هَذِهِ كَانُوا يُجِيبُونَ بِهَذَا الْجَوَابِ، وَمِمَّا رَوَاهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ: كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً يَقُولُونَ: نَطُوفُ كَمَا وَلَدَتْنَا أُمَّهَاتُنَا، فَتَضَعُ الْمَرْأَةُ عَلَى قُبُلِهَا النِّسْعَةَ (أَيِ الْقِطْعَةَ مِنْ سُيُورِ الْجِلْدِ) أَوِ الشَّيْءَ فَتَقُولُ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ
…
وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْفِعْلَةِ الْفَاحِشَةِ وَمَا رُوِيَ مِنْ شُبْهَتِهِمُ الشَّيْطَانِيَّةِ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّهُمْ لَا يَطُوفُونَ بِبَيْتِ رَبِّهِمْ فِي ثِيَابٍ عَصَوْهُ بِهَا وَبَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ.
فَأَمَّا اعْتِذَارُهُمْ بِالتَّقْلِيدِ فَقَدْ رَدَّهُ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فِي مَوَاضِعَ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَالْمَائِدَةِ. وَقَالَ مُفَسِّرُو الْمُتَكَلِّمِينَ كَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَالرَّازِيِّ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُجِبْ عَنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ وَهِيَ مَحْضُ التَّقْلِيدِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْعُقُولِ مِنْ أَنَّهُ طَرِيقَةٌ فَاسِدَةٌ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ حَاصِلٌ فِي الْأَدْيَانِ الْمُتَنَاقِضَةِ، فَلَوْ كَانَ حَقًّا لَزِمَ الْقَوْلُ بِحَقِّيَّةِ الْأَدْيَانِ الْمُتَنَاقِضَةِ، وَهُوَ مُحَالٌ. فَلَمَّا كَانَ
فَسَادُ هَذَا الطَّرِيقِ ظَاهِرًا لَمْ يَذْكُرِ اللهُ تَعَالَى الْجَوَابَ عَنْهُ، هَذَا تَقْرِيرُ الرَّازِيِّ، وَقَوْلُهُ بِفَسَادِ التَّقْلِيدِ وَكَوْنُهُ حُجَّةً دَاحِضَةً فِي نَظَرِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ صَحِيحٌ. وَلَكِنَّ زَعْمَهُ أَنَّ هَذَا سَبَبٌ
لِعَدَمِ الرَّدِّ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَقَدْ رَدَّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)(2: 170) وَالصَّوَابُ أَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنِ الرَّدِّ الصَّحِيحِ هُنَا بِرَدِّ مَا اقْتَرَنَ بِهِ الْمُتَضَمِّنُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ وَبَيَانِ بُطْلَانِهِ وَهُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِتِلْكَ الْفَحْشَاءِ الَّتِي وَجَدُوا عَلَيْهَا آبَاءَهُمْ، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَدْحَضَهُ بِقَوْلِهِ لَهُمْ:(قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) فَهَذَا الْقَوْلُ تَكْذِيبٌ لَهُمْ مِنْ طَرِيقَيِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا خِلَافَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَنَا فِي أَنَّهُ مِنَ الْفَحْشَاءِ أَيْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ بِكَمَالِهِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا شَائِبَةَ لِلنَّقْصِ فِيهِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْفَحْشَاءِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَأْمُرُ بِهَا هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي هُوَ مَجْمَعُ النَّقَائِصِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى:(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)(2: 268) وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْعَقْلِيَّ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَجْلِ مُخَالَفَةِ مَنْ تَوَسَّعُوا فِي تَحْكِيمِ الْعَقْلِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا طَرِيقُ النَّقْلِ فَهُوَ أَنَّ مَا يُسْنَدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ بِوَحْيٍ مِنْهُ تَعَالَى إِلَى رَسُولٍ مِنْ عِنْدِهِ ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ بِتَأْيِيدِهِ تَعَالَى لَهُ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ فَالِاسْتِفَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:(أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) لِلْإِنْكَارِ الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّوْبِيخِ، وَلِلرَّدِّ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ فَإِنَّهُمْ بِاتِّبَاعِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ فِي آرَائِهِمْ وَأَعْمَالِهِمُ الدِّينِيَّةِ غَيْرِ الْمُسْنَدَةِ إِلَى الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ يَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ.
وَبَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ فِي هَذَا الطَّرِيقِ النَّقْلِيِّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ السَّلْبِ وَالنَّفْيِ، تَوَجَّهَتِ الْأَنْفُسُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يَأْمُرُ بِهِ تَعَالَى مِنْ مَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْخِصَالِ فَبَيَّنَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ. قَائِلًا لِرَسُولِهِ:(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) أَيِ الْعَدْلِ وَالِاعْتِدَالِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَهُوَ الْوَسَطُ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ لَفْظًا وَمَعْنًى فِي سُورَتَيِ النِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ، وَالْوَسَطُ فِي اللِّبَاسِ الَّذِي يُعْبَدُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا نَظِيفًا لَائِقًا بِحَالِ لَابِسِهِ فِي النَّاسِ، لَا ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي تَفْرِيطِ التَّبَذُّلِ، وَلَا فِي إِفْرَاطِ التَّطَرُّسِ. وَسَيَأْتِي الْأَمْرُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ عِنْدَ الْمَسَاجِدِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وَقُدِّمَ عَلَيْهِ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِفِقْهِ الْعِبَادَةِ وَلُبَابِهَا، الدَّالُّ عَلَى جَهْلِهِمْ بِهَا. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أَيْ قُلْ لَهُمْ أَيُّهَا الرَّسُولُ: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
فَأَقْسِطُوا وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ - أَوْ وَقُلْ لَهُمْ: أَقِيمُوا إِلَخْ.
إِقَامَةُ الشَّيْءِ: إِعْطَاؤُهُ حَقَّهُ وَتَوْفِيَتُهُ شُرُوطَهُ كَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِقَامَةِ الْوَزْنِ بِالْقِسْطِ.
وَالْوَجْهُ حِسِّيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ - فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا 30: 30) مِنَ الثَّانِي. وَالْمُرَادُ بِهِ تَوَجُّهُ الْقَلْبِ وَصِحَّةُ الْقَصْدِ؛ فَإِنَّ الْوَجْهَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّاتِ، وَمَا هُنَا مِنَ الثَّانِي وَإِنْ وَرَدَ عَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُهُ بِالْأَوَّلِ أَيْضًا، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ بِمَعْنَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ أَيْنَمَا كَانَ. وَالْمَعْنَى أَعْطُوا تَوَجُّهَكُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ تَعْبُدُونَهُ فِيهِ حَقَّهُ مِنْ صِحَّةِ النِّيَّةِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ وَصَرْفِ الشَّوَاغِلِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْعِبَادَةُ طَوَافًا أَوْ صَلَاةً أَوْ ذِكْرًا أَوْ فِكْرًا - وَادْعُوهُ وَحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، بِأَلَّا تَشُوبُوا دُعَاءَكُمْ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ عِبَادَتِكُمْ لَهُ بِأَدْنَى شَائِبَةٍ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ التَّوَجُّهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُكَرَّمِينَ، كَالْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ وَالصَّالِحِينَ، وَلَا إِلَى مَا وُضِعَ لِلتَّذْكِيرِ بِهِمْ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْقُبُورِ وَغَيْرِهَا - وَلَا مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ وَهُوَ الرِّيَاءُ وَحُبُّ إِطْلَاعِ النَّاسِ عَلَى عِبَادَتِكُمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْكُمْ بِهَا وَالتَّنْوِيهِ بِذِكْرِكُمْ فِيهَا. وَكَانُوا يَتَوَجَّهُونَ إِلَى غَيْرِهِ مَعَهُ زَاعِمِينَ أَنَّ الْمُذْنِبَ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى اللهِ وَحْدَهُ وَيُقِيمَ وَجْهَهُ لَهُ حَنِيفًا، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ بِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ الطَّاهِرِينَ الْمُكَرَّمِينَ لِيَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَهُ وَيُقَرِّبَهُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى، وَهَذَا مِنْ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ، وَشُبْهَتُهُمْ فِيهِ كَشُبْهَتِهِمْ فِي عَدَمِ الطَّوَافِ فِي ثِيَابٍ عَصَوْهُ فِيهَا، وَجَعْلُهُمْ هَذَا وَذَاكَ مِنَ الدِّينِ وَنِسْبَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى افْتِرَاءٌ عَلَيْهِ وَقَوْلٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِمَّا أَوْحَاهُ إِلَى رُسُلِهِ، وَإِنَّمَا أَوْحَى إِلَيْهِمْ مَا نَطَقَتْ بِهِ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَمْثَالُهَا مِنَ الْآيَاتِ النَّاطِقَةِ بِالْأَمْرِ بِتَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ، وَالْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ - كَمَا أَمَرَ بِأَخْذِ الزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَجَعَلَ الظَّاهِرَ عُنْوَانًا لِلْبَاطِنِ فِي طَهَارَتِهِ وَحُسْنِهِ مِنْ غَيْرِ رِيَاءٍ وَلَا تَكَلُّفٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَحَرِّي الْقِسْطِ وَالْعَدْلِ فِي كُلِّ أَمْرٍ.
(كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) هَذَا تَذْكِيرٌ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَدَعْوَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ فِي إِثْرِ بَيَانِ أَصْلِ الدِّينِ وَمَنَاطِ الْأَمْرِ فِيهِ وَالنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي سِيَاقِ أَصْلِ تَكْوِينِ الْبَشَرِ، وَاسْتِعْدَادِهِمْ لِلْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَا لِلشَّيْطَانِ فِي ذَلِكَ مِنْ إِغْوَاءِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، وَعَدَمِ سُلْطَانِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَنْ أَبْلَغِ الْكَلَامِ الْمُعْجِزِ، فَإِنَّهَا دَعْوَى مُتَضَمِّنَةٌ لِلدَّلِيلِ بِتَشْبِيهِ الْإِعَادَةِ بِالْبَدْءِ فَهُوَ يَقُولُ:
كَمَا بَدَأَكُمْ رَبُّكُمْ خَلْقًا وَتَكْوِينًا بِقُدْرَتِهِ تَعُودُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - حَالَةَ كَوْنِكُمْ فَرِيقَيْنِ - فَرِيقًا هَدَاهُمْ فِي الدُّنْيَا بِبَعْثِهِ الرُّسُلَ، فَاهْتَدَوْا بِإِيمَانِهِمْ بِهِ وَإِقَامَةِ وُجُوهِهِمْ لَهُ وَحْدَهُ فِي الْعِبَادَةِ، وَدُعَائِهِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَا يُشْرِكُونَ بِهِ أَحَدًا وَلَا شَيْئًا - وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ لِاتِّبَاعِهِمْ إِغْوَاءَ الشَّيْطَانِ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَكُلُّ فَرِيقٍ يَمُوتُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ:
ثَبَتَتْ بِثُبُوتِ أَسْبَابِهَا الْكَسْبِيَّةِ، لَا أَنَّهَا جُعِلَتْ غَرِيزَةً لَهُمْ فَكَانُوا مَجْبُورِينَ عَلَيْهَا، يَدُلُّ عَلَى هَذَا تَعْلِيلُهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
(إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) عَادَ هُنَا إِلَى الْكَلَامِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بِضَمِيرِ الْغَائِبِينَ بَعْدَ انْتِهَاءِ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولَ مِنْ خِطَابِ الْمُحْتَجِّينَ مِنْهُمْ بِمَا يُبْطِلُ حُجَّتَهُمُ الَّتِي حَكَاهَا عَنْهُمْ - وَمَعْنَى اتِّخَاذِهِمُ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ أَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي كُلِّ مَا يُزَيِّنُونَهُ لَهُمْ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، كَأَنَّهُمْ وَلَّوْهُمْ أُمُورَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغِيِّ وَالْعُدْوَانِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ فِيمَا تُلَقِّنُهُمُ الشَّيَاطِينُ مِنَ الشُّبُهَاتِ، كَجَعْلِ التَّوَجُّهِ إِلَى غَيْرِ اللهِ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ إِلَيْهِ فِي الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ تَعَالَى زُلْفَى، وَجَعْلِ الرَّبِّ تَعَالَى كَالْمُلُوكِ الْجَاهِلِينَ الظَّالِمِينَ، لَا يَقْبَلُ عِبَادَةَ عَبْدِهِ الْمُذْنِبِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ بَعْضِ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَهُ. كَالْمَلِكِ الْجَاهِلِ مَعَ وُزَرَائِهِ وَحُجَّابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا مِنْ شُبْهَتِهِمْ عَلَى طَوَافِهِمْ عُرَاةً، وَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، مِنْ تَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ.
وَأَكْثَرُ مَنْ ضَلَّ مِنَ الْبَشَرِ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ، وَأَقَلُّ الْكُفَّارِ الْجَاحِدُونَ لِلْحَقِّ كِبْرًا وَعِنَادًا كَأَعْدَاءِ الرُّسُلِ فِي عُصُورِهِمْ، وَحَاسِدِيهِمْ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَكَرَّمَهُمْ بِهِ عَلَيْهِمْ، كَمَا حَسَدَ إِبْلِيسُ آدَمَ وَاسْتَكْبَرَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ فِرْعَوْنُ وَالْمَلَأُ مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِهِ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ:(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)(27: 14) وَمِنْهُمْ كُبَرَاءُ طَوَاغِيتِ قُرَيْشٍ كَأَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَالْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)(6: 33) وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ فَضَالُّونَ بِالتَّقْلِيدِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ، أَوْ بِالنَّظَرِيَّاتِ وَالْآرَاءِ الْبَاطِلَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ:(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)(18: 103، 104) وَلَوْ كَانَ التَّقْلِيدُ عُذْرًا مَقْبُولًا لَكَانَ أَكْثَرُ كُفَّارِ الْأَرْضِ
فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ مَعْذُورِينَ نَاجِينَ كَالْمُؤْمِنِينَ.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ التَّقْلِيدَ قَدْ أَضَلَّ الْأُلُوفَ الَّتِي لَا تُحْصَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ صَدَقَ عَلَيْهِمُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ " لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ " فَتَرَكُوا هِدَايَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسِيرَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَاتَّبَعُوا الْبِدَعَ الْمُسْتَحْدَثَةَ، فَإِذَا دَعَوْا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ قَالُوا: قَالَ الشَّيْخُ فُلَانٌ، وَفَعَلَ الْوَلِيُّ الصَّالِحُ فُلَانٌ، وَهَؤُلَاءِ أَعْلَمُ وَأَهْدَى مِنَّا بِالسُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ. وَإِنَّمَا
أَمَرَهُمُ اللهُ أَنْ يَتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَمَا أَضْيَعَ الْبُرْهَانُ عِنْدَ الْمُقَلِّدِ
وَأَمَّا أَهْلُ النَّظَرِ فَمِنْهُمْ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمْ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقِّ لِيَتْبَعَهُ وَمَنْ لَمْ يَبْحَثْ.
ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ مَنْ بَذَلَ جُهْدَهُ فِي النَّظَرِ وَالْبَحْثِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْحَقِّ فَاتَّبَعَ مَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ بِحَسَبِ مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ طَاقَتُهُ وَكَانَ مُخَالِفًا فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ لَا يَدْخُلُ فِي مَدْلُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا، بَلْ يَكُونُ مَعْذُورًا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ:(لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)(2: 286) . وَقَدِ اشْتَرَطُوا
فِي حُجِّيَّةِ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ كَوْنَهَا عَلَى وَجْهٍ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْحُجَّةِ يُحَرِّكُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ كُلِّ مَا يَبْلُغُهُ مِنْ أَمْرِ الْأَدْيَانِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا بَلَغَهُ بِصُورَةٍ مُشَوَّهَةٍ تَدْعُو إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَاتِّقَاءِ إِضَاعَةِ الْوَقْتِ فِي النَّظَرِ فِيهَا، وَيَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى وَجْهِهَا، وَمَا أَجْهَلَهُمْ بِحَالِ الْعَصْرِ وَأَهْلِهِ وَبِالدَّعْوَةِ وَأَدِلَّتِهَا، عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوهَا مُنْذُ قُرُونٍ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا جَهِلُوهَا.
قَالَ السَّيِّدُ الْآلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِ: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ دَاخِلٌ مَعَهُ فِي حَيِّزِ التَّعْلِيلِ أَوِ التَّأْكِيدِ، وَلَعَلَّ الْكَلَامَ مِنْ قَبِيلِ " بَنُو فُلَانٍ قَتَلُوا فُلَانًا " وَالْأَوَّلُ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ هَدَاهُ اللهُ تَعَالَى، شَامِلٌ لِلْمُعَانِدِ وَالْمُخْطِئِ، وَالثَّانِي مُخْتَصٌّ بِالثَّانِي، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى الْمُقَصِّرِ فِي النَّظَرِ وَالْبَاذِلُ غَايَةَ الْوُسْعِ فِيهِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَوَجُّهِ الذَّمِّ عَلَى الْأَخِيرِ وَخُلُودِهِ فِي النَّارِ، وَمَذْهَبُ الْبَعْضِ أَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ أَصْلًا وَمَنْ لَهُ عَقْلٌ لَمْ يُدْرِكْ بِهِ الْحَقَّ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَدَعْ فِي الْقَوْسِ مَنْزَعًا فِي طَلَبِهِ، فَحَيْثُ يُعْذَرُ الْأَوَّلُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، يُعْذَرُ
الثَّانِي لِذَلِكَ. وَلَا يَرَوْنَ مُجَرَّدَ الْمَالِكِيَّةِ وَإِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ حُجَّةً. وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَالْتِزَامُ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ مُعَانِدٍ بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَظُهُورِ أَمْرِ الْحَقِّ كَنَارٍ عَلَى عَلَمٍ - وَإِنَّهُ لَيْسَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا الْيَوْمَ كَافِرٌ مُسْتَدِلٌّ - مِمَّا لَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إِلَّا مُسْلِمٌ مُعَانِدٌ، أَوْ مُسْتَدِلٌّ بِمَا هُوَ أَوْهَى مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ. وَإِنَّهُ لَأَوْهَنُ الْبُيُوتِ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَانِدُ وَمِنَ الْمَعْطُوفِ الْمُخْطِئُ، وَالظَّاهِرُ مَا قُلْنَا اهـ.
هَذَا وَإِنَّ الْمَعْذُورَ فِي الْخَطَأِ لَا يَكُونُ عِنْدَ اللهِ كَالْمُصِيبِ، وَإِنَّ الَّذِي يَتَحَرَّى الْحَقَّ الْمَرْضِيَّ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى الْمُنَجِّيَ فِي الْآخِرَةِ، لَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ بِإِخْلَاصِهِ فِي النَّظَرِ وَاجْتِهَادِهِ فِي الطَّلَبِ كَثِيرًا مِنَ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ، وَمَعْرِفَتُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُ كَانَ أَجْدَرَ النَّاسِ بِقَبُولِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ إِذْ بَلَغَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا وَأَهْلَهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا كَانَ فِي نَظَرِهِ عَلَى هَوًى. وَيَتَفَاوَتُ هَؤُلَاءِ الْمُجْتَهِدُونَ الْمُخْطِئُونَ بِتَفَاوُتِ حُظُوظِهِمْ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، وَمَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَاجْتِنَابِ ضِدِّهِ، إِذْ بِذَلِكَ تَتَزَكَّى الْأَنْفُسُ، وَالْمَدَارُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى تَزْكِيَتِهَا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ التَّفْسِيرِ بِمَا هُوَ أَوْسَعُ مِمَّا هُنَا. وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
(يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا وَمُخْرِجُو التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَطُفْنَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً إِلَّا أَنْ تَجْعَلَ الْمَرْأَةُ عَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةً وَتَقُولُ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ
…
كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أَحِلُّهُ
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً يَقُولُونَ: لَا نَطُوفُ فِي ثِيَابٍ أَذْنَبْنَا فِيهَا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَأَلْقَتْ ثِيَابَهَا فَطَافَتْ وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى قُبُلِهَا وَقَالَتْ:(الْبَيْتَ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)
إِلَى قَوْلِهِ (وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وَالرِّوَايَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَلَامِيذِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ، وَفِي بَعْضِهَا عَنْهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِاللَّيْلِ عُرَاةً وَأَكْثَرُهَا مُطْلَقَةٌ. وَفِي بَعْضِهَا عَنْهُ: كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا حَجُّوا فَنَزَلُوا فِي أَدْنَى الْحِلِّ نَزَعُوا ثِيَابَهُمْ وَوَضَعُوا رِدَاءَهُمْ وَدَخَلُوا مَكَّةَ بِغَيْرِ رِدَاءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ صَدِيقٌ مِنَ الْحُمْسِ فَيُعِيرُهُ ثَوْبَهُ وَيُطْعِمَهُ مِنْ طَعَامِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ ثِيَابَهُمْ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ وَيَدْخُلُونَ، فَإِذَا دَخَلَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ يُضْرَبُ وَتُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ فَنَزَلَتْ. وَعَنْ قَتَادَةَ حِكَايَةُ ذَلِكَ عَنْ حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَلْبَسُ ثِيَابَهُ فِي
الطَّوَافِ إِلَّا الْحُمْسِ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُمَيِّزُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ: يَطُوفُونَ بِثِيَابِهِمْ - وَهَذَا حَسَنٌ فِي نَفْسِهِ دُونَ الِانْفِرَادِ بِهِ - وَيَأْتُونَ الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ لَا مِنْ بَابِهِ إِذَا كَانُوا مُحْرِمِينَ، وَقَدْ أَبْطَلَ هَذَا كِتَابُ اللهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (2: 189) وَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (جَبَلُ قُزَحٍ) بِمُزْدَلِفَةَ لَا فِي عَرَفَاتٍ وَيُعَلِّلُونَ هَذَا بِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهُ، وَعَرَفَةُ خَارِجُ حَدِّ الْحَرَمِ الْمَعْرُوفِ بِالْعَلَمَيْنِ الْمَنْصُوبَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنْفِرُ الْحَجَّاجُ مِنْ بَيْنِهِمَا عِنْدَ الدَّفْعِ مِنْهَا إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا خَرَجَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى الْمَوْقِفِ كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَشُكُّ فِي أَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِأَنْ يَذْهَبُوا إِلَى عَرَفَةَ فَيَقِفُونَ فِيهَا فَخَابَ ظَنُّهُمْ، وَأَبْطَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم امْتِيَازَهُمْ وَسَنَّ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمُ الْمُسَاوَاةَ. وَبَدَأَ صلى الله عليه وسلم بِنَفْسِهِ حَتَّى إِنَّهُ أَبَى أَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ مَكَانًا فِي " مِنًى " يَسْتَظِلُّ فِيهِ مِنَ الشَّمْسِ لَمَّا أَرَادُوا عَمَلَهُ لَهُ. وَقَالَ " مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الرِّوَايَاتِ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ قَدْ رُوِيَ مِثْلُهَا فِي نُزُولِ مَا قَبْلَهَا مِنْ آيَاتِ اللِّبَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ مُخْتَصَرًا. وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ مُبْطِلَةً لِتِلْكَ الضَّلَالَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الْفَاحِشَةِ، وَمُقَرِّرَةً لِوُجُوبِ اتِّخَاذِ الْمَلَابِسِ لِلسَّتْرِ وَلِزِينَةِ التَّجَمُّلِ وَإِظْهَارِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ. قَالَ عز وجل:
(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) يُقَالُ فِي هَذَا النِّدَاءِ مَا قُلْنَا فِي مِثْلِهِ قَبْلَهُ وَنَزِيدُ أَنَّهُ يَشْمَلُ النِّسَاءَ بِالتَّبَعِ لِلرِّجَالِ شَرْعًا لَا لُغَةً، وَيَدُلُّ عَلَى بِعْثَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْوَصَايَا مِمَّا أَوْصَى اللهُ تَعَالَى بِهِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ وَسَنَعُودُ إِلَى
هَذَا فِي تَفْسِيرِ آخِرِهَا، وَالزِّينَةُ: مَا يُزَيِّنُ الشَّيْءَ أَوِ الشَّخْصَ، فَهِيَ اسْمٌ مِنْ زَانَهُ يَزِينُهُ زَيْنًا، ضِدُّ شَانَهُ - أَيْ عَابَهُ - يَشِينُهُ شَيْنًا. وَأَخْذُهَا عِبَارَةٌ عَنِ التَّزَيُّنِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِأَخْذِ مَا يُزَيَّنُ وَاسْتِعْمَالِهِ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا: الثِّيَابُ الْحَسَنَةُ الْمُعْتَادَةُ، بِدَلِيلِ الْقَرِينَةِ وَالْإِضَافَةِ وَسَبَبِ نُزُولِ الْآيَاتِ - وَإِلَّا فَأَنْوَاعُ الزِّينَةِ فِي الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ - وَمِنْهَا الْمَالُ وَالْبَنُونُ - فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ الَّتِي يَتَحَبَّبْنَ بِهَا إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ وَقَدْ تَكُونُ شَاغِلَةً عَنِ الْعِبَادَةِ، وَأَقَلُّ هَذِهِ الزِّينَةِ مَا يَدْفَعُ عَنِ الْمَرْءِ أَقْبَحَ مَا يَشِينُهُ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَقَدِ اقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا لِأَجْلِ جَعْلِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لِصِحَّةِ الصَّلَاة
ِ
وَالطَّوَافِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي تَحْدِيدِ الْعَوْرَةِ وَقَالُوا: إِنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ التَّجَمُّلِ بِزِينَةِ اللِّبَاسِ اللَّائِقِ عِنْدَ الصَّلَاةِ - وَلَا سِيَّمَا صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ - وَفِي الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ، وَلَكِنَّ إِطْلَاقَ الْأَمْرِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزِّينَةِ لِلْعِبَادَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ بِحَسَبِ عُرْفِ النَّاسِ فِي تَزَيُّنِهِمُ الْمُعْتَدِلِ فِي الْمَجَامِعِ وَالْمَحَافِلِ، لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ عِنْدَ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى مَعَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَجْمَلِ حَالَةٍ لَائِقَةٍ بِهِ لَا تَكَلُّفَ فِيهَا وَلَا إِسْرَافَ، فَمَنْ قَدَرَ بِلَا تَكَلُّفٍ عَلَى عِمَامَةٍ وَإِزَارٍ وَرِدَاءٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ قَلَنْسُوَةٍ وَجُبَّةٍ وَقَبَاءٍ، لَا يَكُونُ مُتَمَثِّلًا لِلْأَمْرِ بِالزِّينَةِ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى إِزَارٍ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ فَقَطْ (وَهِيَ عِنْدُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ السَّوْءَتَانِ فَقَطْ وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) لِلرَّجُلِ وَمَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ وَإِنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، فَإِنَّ الْمَقَامَ لَيْسَ مَقَامَ بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بَلْ هُوَ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبٌ لَا شَرْطَ لِصِحَّتِهَا. وَإِنَّ فِيمَا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا، حَتَّى جُعِلَتِ النِّعَالُ مِنَ الزِّينَةِ وَهِيَ كَذَلِكَ وَإِنْ تَرَكَهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَسَاجِدِ، لِأَنَّهُمْ يَفْرِشُونَهَا كَمَا يَفْرِشُونَ بُيُوتَهُمْ بِالْحُصُرِ أَوْ بِالْبُسُطِ وَالطَّنَافِسِ.
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ (أَيْ أَرَادَ الصَّلَاةَ) فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ فَإِنَّ اللهَ عز وجل أَحَقُّ مَنْ تُزُيِّنَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ إِذَا صَلَّى، وَلَا يَشْتَمِلْ أَحَدُكُمْ فِي صِلَاتِهِ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ " وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" لَا يُصَلِّينَ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ " وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي لِحَافٍ (ثَوْبٌ يُلْتَحَفُ بِهِ) وَاحِدٍ لَا يَتَوَشَّحُ بِهِ: وَنَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي سَرَاوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عُدَيٍّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم " خُذُوا زِينَةَ الصَّلَاةِ - قَالُوا: وَمَا زِينَةُ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: الْبِسُوا نِعَالَكُمْ فَصَلُّوا فِيهَا " وَأَخْرَجَ
الْعُقَيْلِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِ اللهِ: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) قَالَ: " صَلُّوا فِي نِعَالِكُمْ " وَفِي مَعْنَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِضْعَةُ أَحَادِيثَ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ يُؤَيِّدُهَا مَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ: أَكَانَ رَسُولُ
اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: " أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ. ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللهُ فَأَوْسِعُوا. جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. قَالَ وَأَحْسَبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ، وَذَكَرُوا فِي هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ سَبَبَهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ اخْتَلَفَا فَقَالَ أُبَيٌّ: الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَفِي الثِّيَابِ قِلَّةٌ - فَقَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ أُبَيٌّ وَلَمْ يَأْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ - أَيْ لَمْ يُقَصِّرْ - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ السِّبْطِ عليه السلام وَالرِّضْوَانُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ لَبِسَ أَجْوَدَ ثِيَابِهِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ فَأَتَجَمَّلُ لِرَبِّي وَهُوَ يَقُولُ: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) .
وَالْمَأْخُوذُ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَغَيْرِهَا مَا حَقَّقَهُ وَفَصَّلَهُ عُمَرُ رضي الله عنه، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْإِنْسَانِ فِي السَّعَةِ وَالضِّيقِ كَالنَّفَقَةِ، قَالَ تَعَالَى:(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)(65: 7) فَمَنْ عِنْدَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ فَلْيَسْتُرْ بِهِ جَمِيعَ بَدَنِهِ وَيُصَلِّ بِهِ - فَإِنْ لَمْ يَسْتُرْ إِلَّا الْعَوْرَةَ كُلَّهَا أَوِ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ - وَهِيَ السَّوْءَتَانِ - فَلْيَسْتُرْ بِهِ مَا يَسْتُرُهُ، وَمَنْ وَجَدَ ثَوْبَيْنِ مَهْمَا يَكُنْ نَوَعُهُمَا أَوْ أَكْثَرَ فَلْيُصَلِّ بِهِمَا، وَالْخُلَاصَةُ أَنَّهُ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ فِي أَوْسَطِ حَالٍ حَسَنَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَقَدْ عَدَّ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَعْذَارِ تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقْدُ الرَّجُلِ لِلثِّيَابِ اللَّائِقَةِ بِهِ بَيْنَ أَمْثَالِهِ حَتَّى الْعِمَامَةِ لِلْعَالِمِ.
هَذَا الْأَمْرُ بِالزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ - لَا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ - أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِصْلَاحِ الدِّينِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ يُعْرَفُ بَعْضُ قِيمَتِهِ مِمَّا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُهَا حَقَّ الْمَعْرِفَةِ مَنْ قَرَأَ تَوَارِيخَ الْأُمَمِ وَالْمِلَلِ، وَعَلِمَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُتَوَحِّشِينَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي الْحَرَجَاتِ وَالْغَابَاتِ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ يَأْوُونَ إِلَى
الْكُهُوفِ وَالْمَغَارَاتِ، وَالْقَبَائِلِ الْكَثِيرَةِ الْوَثَنِيَّةِ
فِي بَعْضِ جَزَائِرِ الْبِحَارِ وَجِبَالِ إِفْرِيقِيَّةَ، كُلُّهُمْ يَعِيشُونَ عُرَاةَ الْأَجْسَامِ نِسَاءً وَرِجَالًا، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ مَا وَصَلَ إِلَى قَوْمٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَعَلَّمَهُمْ لُبْسَ الثِّيَابِ بِإِيجَابِهِ لِلسَّتْرِ وَلِلزِّينَةِ إِيجَابًا شَرْعِيًّا، وَلَمَّا أَسْرَفَ بَعْضُ دُعَاةِ النَّصْرَانِيَّةِ الْأُورُبِّيِّينَ فِي الطَّعْنِ فِي الْإِسْلَامِ لِتَنْفِيرِ أَهْلِهِ مِنْهُ وَتَحْوِيلِهِمْ إِلَى مِلَّتِهِمْ، وَلِتَحْرِيضِ أُورُبَّةَ عَلَيْهِمْ، رَدَّ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الْمُنْصِفِينَ مِنْهُمْ، فَذَكَرَ فِي رَدِّهِ أَنَّ لِانْتِشَارِ الْإِسْلَامِ فِي إِفْرِيقِيَّةَ مِنْهُ عَلَى أُورُبَّةَ بِنَشْرِهِ لِلْمَدَنِيَّةِ فِي أَهْلِهَا بِحَمْلِهِمْ عَلَى تَرْكِ الْعُرْيِ وَإِيجَابِهِ لُبْسَ الثِّيَابِ الَّذِي كَانَ سَبَبًا لِرَوَاجِ تِجَارَةِ النَّسِيجِ الْأُورُبِّيَّةِ فِيهِمْ. بَلْ أَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ الْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ ذَاتِ الْحَضَارَةِ وَالْعُلُومِ وَالْفُنُونِ كَانَ يَغْلِبُ فِيهَا مَعِيشَةُ الْعُرْيِ، حَتَّى إِذَا مَا اهْتَدَى بَعْضُهُمْ بِالْإِسْلَامِ صَارُوا يَلْبَسُونَ وَيَتَجَمَّلُونَ ثُمَّ صَارُوا يَصْنَعُونَ الثِّيَابَ، وَقَلَّدَهُمْ جِيرَانُهُمْ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ بَعْضَ التَّقْلِيدِ، وَهَذِهِ بِلَادُ الْهِنْدِ عَلَى ارْتِقَاءِ حَضَارَةِ الْوَثَنِيِّينَ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا لَا يَزَالُ أُلُوفُ الْأُلُوفِ مِنْ نِسَائِهِمْ وَرِجَالِهِمْ عُرَاةً أَوْ أَنْصَافَ أَوْ أَرْبَاعَ عُرَاةٍ، فَتَرَى بَعْضَ رِجَالِهِمْ فِي مَعَاهِدِ تِجَارَتِهِمْ وَصِنَاعَتِهِمْ بَيْنَ عَارٍ لَا يَسْتُرُ إِلَّا السَّوْءَتَيْنِ - وَيُسَمُّونَهُمَا " سَبِيلَيْنِ " وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ - أَوْ سَاتِرٍ لِنِصْفِهِ الْأَسْفَلِ فَقَطْ، وَامْرَأَةٍ مَكْشُوفَةِ الْبَطْنِ وَالْفَخِذَيْنِ أَوِ النِّصْفِ الْأَعْلَى مِنَ الْجِسْمِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ. وَقَدِ اعْتَرَفَ بَعْضُ عُلَمَائِهِمُ الْمُنْصِفِينَ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الَّذِينَ عَلَّمُوهُمْ لُبْسَ الثِّيَابِ وَالْأَكْلَ فِي الْأَوَانِي. وَلَا يَزَالُ أَكْثَرُ فُقَرَائِهِمْ يَضَعُونَ طَعَامَهُمْ عَلَى وَرَقِ الشَّجَرِ وَيَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ سَائِرِ الْوَثَنِيِّينَ سَتْرًا وَزِينَةً لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا حُكَّامَهُمْ، وَقَدْ كَانُوا وَلَا يَزَالُونَ مِنْ أَرْقَى مُسْلِمِي الْأَرْضِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَتَأْثِيرًا فِي وَثَنِيِّ بِلَادِهِمْ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فِي بِلَادِ الشَّرْقِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَيْهَا الْجَهْلُ فَهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْوَثَنِيَّةِ مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي اللِّبَاسِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ، وَمِنْهُمْ نِسَاءُ مُسْلِمِي (سيام) اللَّاتِي لَا يَرَيْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ عَوْرَةً سِوَى السَّوْءَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فَحَيْثُ يَقْوَى الْإِسْلَامُ يَكُونُ السَّتْرُ وَالزِّينَةُ اللَّائِقَةُ بِكَرَامَةِ الْبَشَرِ وَرُقِيِّهِمْ.
فَمِنْ عَرِفَ مِثْلَ هَذَا عَرِفَ قِيمَةَ هَذَا الْأَصْلِ الْإِصْلَاحِيِّ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَوْلَا أَنْ جَعَلَ هَذَا الدِّينُ الْمَدَنِيُّ الْأَعْلَى أَخْذَ الزِّينَةِ مِنْ شَرْعِ اللهِ - يَعْنِي أَوْجَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ - لَمَا نَقَلَ أُمَمًا وَشُعُوبًا كَثِيرَةً مِنَ الْوَحْشِيَّةِ الْفَاحِشَةِ إِلَى الْحَضَارَةِ الرَّاقِيَةِ، وَإِنَّمَا يَجْهَلُ هَذَا الْفَضْلَ لَهُ مَنْ يَجْهَلُ التَّارِيخَ وَإِنْ كَانَ مَنْ أَهِلْهُ، بَلْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُوجَدَ فِي مُتَحَذْلِقَةِ الْمُتَفَرْنِجِينَ مِنْهُمْ مَنْ يَجْلِسُ فِي مَلْهًى أَوْ مَقْهًى أَوْ حَانَةٍ مُتَّكِئًا مُمِيلًا طَرْبُوشَهُ عَلَى رَأْسِهِ
يَقُولُ: مَا مَعْنَى جَعْلِ أَخْذِ زِينَةِ النَّاسِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِ لَا يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى وَحْيٍ إِلَهِيٍّ وَلَا شَرْعٍ دِينِيٍّ؟ وَقَدْ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) وَهَذَا الْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ بِمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ النَّهْيِ إِرْشَادٌ عَالٍ أَيْضًا فِيهِ صَلَاحٌ لِلْبَشَرِ فِي دِينِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَلَا عَصْرٍ مِنْ
الْأَعْصَارِ، وَكُلُّ مَا بَلَغُوهُ مِنْ سِعَةِ الْعِلْمِ فِي الطِّبِّ وَغَيْرِهِ لَمْ يُغْنِهِمْ عَنْهُ، بَلْ هُوَ يُغْنِي الْمُهْتَدِي بِهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ عَنْ مُعْظَمِ وَصَايَا الطِّبِّ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ - وَالْمَعْنَى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ الْمَسَاجِدِ وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَكُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاشْرَبُوا الْمَاءَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ النَّافِعَةِ الْمُسْتَلِذَّاتِ (وَلَا تُسْرِفُوا) فِيهَا وَلَا تَعْتَدُوا بَلِ الْزَمُوا الِاعْتِدَالَ (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أَيْ إِنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ لِمَنْفَعَتِكُمْ، لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ فِي أَمْرِهِمْ، بَلْ يُعَاقِبُهُمْ عَلَى الْإِسْرَافِ بِقَدْرِ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الْمَفَاسِدِ وَالْمَضَارِّ، فَالنَّهْيُ رَاجِعٌ إِلَى الثَّلَاثَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، بَلْ حَذْفُ الْمَعْمُولِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، أَيْ لَا تُسْرِفُوا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْلِيلُ النَّهْيِ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُحِبُّ جِنْسَ الْمُسْرِفِينَ - أَيْ لِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ سُنَنَهُ فِي فِطْرَتِهِمْ، وَشَرِيعَتَهُ فِي هِدَايَتِهِمْ، بِجِنَايَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي ضَرَرِ أَبْدَانِهِمْ، وَضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَضَارِّ الْإِسْرَافِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْمَنْزِلِيَّةِ وَالْقَوْمِيَّةِ. أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٍ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ " وَفِي مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا شِئْتَ وَاشْرَبْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ إِذَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ. وَالْمَخِيلَةُ (بِفَتْحِ الْمِيمِ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ) الْخُيَلَاءُ وَالْإِعْجَابُ وَالْكِبْرُ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ " وَلَا تُسْرِفُوا " قَالَ: فِي الثِّيَابِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: مِنَ السَّرَفِ أَنْ يَكْتَسِيَ الْإِنْسَانُ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) قَالَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَفِي أُخْرَى قَالَ: أَحَلَّ اللهُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ مَخِيلَةً. . وَلَمْ يَذْكُرِ اللِّبَاسَ وَالْمَخِيلَةَ تَظْهَرُ فِيهِ وَلَا تَظْهَرُ فِي نَفْسِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَإِنَّمَا قَدْ تَظْهَرُ فِي أَوَانِيهَا كَمَا سَيَأْتِي.
وَالْأَصْلُ فِي الْإِسْرَافِ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَالْحُدُودُ مِنْهَا طَبِيعِيٌّ كَالْجُوعِ وَالشِّبَعِ وَالظَّمَأِ وَالرَّيِّ، فَلَوْ لَمْ يَأْكُلِ الْإِنْسَانُ إِلَّا إِذَا أَحَسَّ بِالْجُوعِ وَمَتَى
شَعَرَ بِالشِّبَعِ كَفَّ وَإِنْ كَانَ يَسْتَلِذُّ الِاسْتِزَادَةَ، وَلَوْ لَمْ يَشْرَبْ إِلَّا إِذَا شَعَرَ بِالظَّمَأِ وَاكْتَفَى بِمَا يُزِيلُهُ رَيًّا فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لِاسْتِلْذَاذِ بَرْدِ الشَّرَابِ أَوْ حَلَاوَتِهِ، لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا فِي أَكْلِهِ وَشَرَابِهِ، وَكَانَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ نَافِعًا لَهُ - وَمِنْهَا اقْتِصَادِيٌّ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ نَفَقَةُ الثَّلَاثَةِ عَلَى نِسْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ دَخْلِ الْإِنْسَانِ لَا تَسْتَغْرِقُ كَسْبَهُ، فَمَنْ نَفَيْنَا عَنْهُ الْإِسْرَافَ الطَّبِيعِيَّ فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، قَدْ يَكُونُ مُسْرِفًا فِي مَالِهِ إِذَا كَانَ نَوْعُ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَلِبَاسِهِ مِمَّا لَا يَفِي دَخْلَهُ بِمِثْلِهِ - وَمِنْهَا عَقْلِيٌّ أَوْ عِلْمِيٌّ، وَمِنْهَا عُرْفِيٌّ وَشَرْعِيٌّ، وَمِنْ حُدُودِ الشَّرْعِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ أَنَّهُ حَرَّمَ مِنَ الطَّعَامِ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، وَمِنَ الشَّرَابِ الْخَمْرَ وَهِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ، كَمَا حَرَّمَ كُلَّ ضَارٍّ مِنْهُمَا كَالسُّمُومِ، وَمِنَ اللِّبَاسِ الْحَرِيرَ الْمُصْمَتَ أَيِ الْخَالِصَ وَكَذَا الْغَالِبَ - عَلَى
الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ - فَهَذِهِ أَشْيَاءٌ مُحَرَّمَةٌ بِأَعْيَانِهَا، فَلَا تُبَاحُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا. وَحَرَّمَ مِمَّا يُلَابِسُهَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهَذَا وَمَا قَبِلَهُ ثَابِتٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَدَّهُ مِنَ السَّرَفِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَنَهَى أَيْضًا عَنْ لِبَاسِ الشُّهْرَةِ وَعَنْ تَشَبُّهِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِهِمْ.
وَاعْتَبَرَ عُلَمَاءُ الشَّرْعِ عُرْفَ النَّاسِ فِيمَا يَجِبُ مِنْ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الضِّيقِ وَالسَّعَةِ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)(65: 7) الْآيَةَ، فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْغَنِيِّ لِزَوْجَتِهِ الْغَنِيَّةِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْ غِذَاءٍ وَلِبَاسٍ، وَلَكِنَّ دَرَجَاتِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ مُتَفَاوِتَةٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا وَتَحْدِيدُهَا، وَالْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنَ النَّاسِ عُرْفُ الْمُعْتَدِلِينَ مِنْهُمُ الَّذِي يَدْخُلُ فِي طَاقَتِهِمْ - وَمَنْ تَجَاوَزَ طَاقَتَهُ مُبَارَاةً لِمَنْ هُمْ فِي الثَّرْوَةِ مِثْلُهُ مِنَ الْمُسْرِفِينَ أَوْ لِمَنْ هُمْ أَغْنَى مِنْهُ وَأَقْدَرُ كَانَ مُسْرِفًا، وَكَمْ خَرَّبَتْ هَذِهِ الْمُبَارَاةُ وَالْمُنَافَسَةُ مِنْ بُيُوتٍ كَانَتْ عَامِرَةً، وَلَا سِيَّمَا إِذَا اتُّبِعَتْ فِيهَا أَهْوَاءُ النِّسَاءِ فِي التَّنَافُسِ فِي الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ، وَالْمُهُورِ وَتَجْهِيزِ الْعَرَائِسِ وَاحْتِفَالَاتِ الْأَعْرَاسِ وَالْمَآتِمِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا مِنَ الْوَلَائِمِ وَالْوَضَائِمِ وَإِنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ تَرَى مِنَ الْعَارِ أَنْ تَلْبَسَ الْغِلَالَةَ أَوِ الْحُلَّةَ فِي زِيَارَتِهَا لِأَمْثَالِهَا مَرَّتَيْنِ بَلْ لَا بُدَّ لِكُلِّ زِيَارَةٍ مِنْ حُلَّةٍ جَدِيدَةٍ. وَهَذَا سَرَفٌ كَبِيرٌ وَضَرَرُهُ عَلَى الْأُمَّةِ أَكْبَرٌ مِنْ ضَرَرِهِ عَلَى الْأَفْرَادِ، وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ، الَّتِي تَأْتِي بِكُلِّ أَنْوَاعِ الزِّينَةِ مِنَ الْبِلَادِ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَتَذْهَبُ ثَرْوَتُهَا إِلَى مَنْ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى اسْتِذْلَالِهِمْ وَسَلْبِ اسْتِقْلَالِهِمْ.
وَلَا يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ هَذَا مَا وَرَدَ مِنَ الْآثَارِ وَسِيرَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ فِي التَّقَشُّفِ: فَإِنَّ هَذَا الْهَدْيَ الْقُرْآنِيَّ هُوَ أَصْلُ الشَّرْعِ، وَكُلُّ مَا خَالَفَهُ فَلَهُ سَبَبٌ يَعْرِفُهُ الْوَاقِفُ عَلَى جُمْلَةِ سِيرَتِهِمْ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْفَقْرِ وَالضِّيقِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَمَا خَافُوا عَلَى الْأُمَّةِ مِنَ الْفَسَادِ بِالتَّرَفِ وَالسَّرَفِ عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنْ ذَلِكَ الضِّيقِ إِلَى تِلْكَ السَّعَةِ الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَيْرِهِمَا.
عَلَى أَنَّ الْمَيْلَ إِلَى التَّقَشُّفِ وَالتَّقْتِيرِ وَالْغُلُوَّ فِي ذَلِكَ تَدَيُّنًا مَعْهُودٌ مِنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ كَضِدِّهِ، وَالِاعْتِدَالُ وَالْقَصْدُ هُوَ الَّذِي خَاطَبَ بِهِ الشَّرْعُ النَّاسَ كُلَّهُمْ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. وَمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَكْلَ مَرَّتَيْنِ فِي الْيَوْمِ مِنَ الْإِسْرَافِ ضَعِيفٌ وَمُعَارَضٌ بِالصِّحَاحِ وَحَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ مَاجَهْ " إِنَّ مِنَ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ مَا اشْتَهَيْتَ " ضَعِيفٌ أَيْضًا وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ وَحِكْمَةٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَلَمْ يَكْبَحْ جُمُوحَهَا بِقُوَّةِ الْإِرَادَةِ عَنْ بَعْضِ شَهَوَاتِهَا، فَإِنَّهَا
تَقُودُهُ إِلَى الْإِسْرَافِ وَإِلَى شُرُورٍ أُخْرَى؛ وَلِهَذَا شَرَعَ اللهُ الصِّيَامَ عَلَيْنَا وَعَلَى مَنْ قَبْلَنَا. وَقَدْ مَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ إِلَى الْغُلُوِّ وَشَرَعُوا فِيهِ بِتَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ وَغَشَيَانِ النِّسَاءِ حَتَّى اسْتَأْذَنَ بَعْضُهُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الْخِصَاءِ فَأَدَّبَهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ فَصَّلْنَا الْقَوْلَ فِيهِ تَفْصِيلًا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا)(5: 87) إِلَخِ الْآيَتَيْنِ وَبَيَّنَّا فِيهِ أَنَّ مَا عَنَى بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ بِنَقْلِهِ مِنْ أَخْبَارِ الزُّهْدِ فِي الطَّعَامِ كَالْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِ كَسْرِ الشَّهْوَتَيْنِ فَأَكْثَرُهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَمِنْهُ الْمَوْضُوعُ وَالضَّعِيفُ وَأَقَلُّهُ الصَّحِيحُ، وَأَنَّ جُمْلَةَ سِيرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الطَّعَامِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مَا وَجَدَ مِنْ خَشِنٍ وَمُسْتَلَذٍّ، لِيَكُونَ قُدْوَةً لِلْمُعْسَرِينَ وَهُمْ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَلِلْمُوسَرِينَ وَهُمُ الْأَقَلُّونَ مِنْهُمْ فِي عَهْدِهِ، وَقَدْ أُيْسِرُوا مِنْ بَعْدِهِ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ اللَّحْمُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَهْتَمُّ بِالطَّعَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ الْمَاءِ وَالشَّرَابِ، فَلَا يَشْرَبُ إِلَّا النَّظِيفَ الْعَذْبَ، وَيُحِبُّ الْبَارِدَ الْحُلْوَ، حَتَّى كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ مَسَافَةِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَأَمَّا اللِّبَاسُ فَكَانَ فِي عَامَّةِ أَحْوَالِهِ يَلْبَسُ مَا كَانَ يَلْبَسُ قَوْمُهُ. وَلَبِسَ مِنْ خَشِنِ اللِّبَاسِ وَمَنْ أَجْوَدِ أَنْوَاعِهِ لِيَكُونَ قُدْوَةً لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ ضَرُورَةٌ بَشَرِيَّةٌ حَيَوَانِيَّةٌ، وَلَكِنْ ضَلَّ فِيهَا فَرِيقَانِ مِنَ الْبَشَرِ فِي كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ - فَرِيقُ الْبُخَلَاءِ وَالْغُلَاةِ فِي الدِّينِ، الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الْمُسْتَلَذَّةِ النَّافِعَةِ بُخْلًا وَشُحًّا أَوْ يُحَرِّمُونَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَحْرِيمًا دَائِمًا أَوْ فِي أَيَّامٍ أَوْ أَشْهُرٍ مَخْصُوصَةٍ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ تَعَالَى بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ وَإِضْعَافِ الْجِسْمِ - وَفَرِيقُ الْمُتْرَفِينَ الْمُسْرِفِينَ فِي اللَّذَّاتِ الْبَدَنِيَّةِ، الَّذِينَ جَعَلُوا جُلَّ هَمِّهِمْ مِنْ حَيَاتِهِمُ التَّمَتُّعُ بِاللَّذَّاتِ، فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ كَمَا تَتَمَتَّعُ الْأَنْعَامُ بَلْ هُمْ أَضَلُّ مِنْهَا فِي تَمَتُّعِهِمْ؛ لِأَنَّهَا تَقِفُ عِنْدَ حَاجَةِ فِطْرَتِهَا دُونَهُمْ فَلَا تَعْدُوا فِيهَا دَاعِيَةَ غَرِيزَتِهَا الَّتِي تَحْفَظُ بِهَا حَيَاتَهَا الْفَرْدِيَّةَ وَالنَّوْعِيَّةَ، وَأَمَّا الْمُتْرَفُونَ مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ يُسْرِفُونَ فِي ذَلِكَ فَيَأْكُلُونَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْجُوعِ وَيَشْرَبُونَ عَلَى غَيْرِ ظَمَأٍ، وَيَتَجَاوَزُونَ قَدْرَ الْحَاجَةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَمَا يَتَجَاوَزُونَهُ فِي غَيْرِهِمَا وَيَسْتَعِينُونَ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّوَابِلِ وَالْمُحَرِّضَاتِ لِلشَّهْوَةِ فَيُصَابُونَ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ بِتَمَدُّدِ الْمَعِدَةِ، وَسُوءِ الْهَضْمِ وَفَسَادِ الْأَمْعَاءِ مِنَ التُّخْمَةِ، وَكَثْرَةِ الْفَضَلَاتِ فِي الْجِسْمِ الَّتِي تُحْدِثُ تَصَلُّبَ الشَّرَايِينِ الْمُعَجِّلَ بِالْهَرَمِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاضِ، كَمَا هُوَ شَأْنُهُمْ فِي شَهْوَةِ دَاعِيَةِ النَّسْلِ الَّتِي بَيَّنَّا ضَرَرَ الِانْهِمَاكِ وَالْإِسْرَافِ فِيهَا قَرِيبًا مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ سَتْرِ السَّوْءَتَيْنِ حَتَّى فِيمَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى؛ لِأَجْلِ هَذَا قَيَّدَ الْأَمْرَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْإِسْرَافِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي زِينَةِ اللِّبَاسِ.
هَذَا وَإِنَّ الِاقْتِصَادَ فِي الْمَعِيشَةِ قَدْ وُضِعَتْ لَهُ قَوَاعِدُ وَأُصُولٌ، فُرِّعَتْ مِنْهَا مَسَائِلُ وَفُرُوعٌ فَيَحْسُنُ الِاسْتِنَارَةُ بِهَا وَبِعِلْمِ تَدْبِيرِ الْمَنْزِلِ عَلَى اجْتِنَابِ مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ مِنَ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ وَالْبُخْلِ وَالتَّقْتِيرِ: وَاتِّبَاعِ مَا حَثَّ عَلَيْهِ وَرَغَّبَ فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ وَالِاعْتِدَالِ فِي النَّفَقَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا)(4: 5) .
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) : حَرَّمَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا زِينَةَ اللِّبَاسِ فِي الطَّوَافِ تَعَبُّدًا وَقُرْبَةً، وَحَرَّمَ بَعْضُهُمْ أَكْلَ بَعْضِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الْأَدْهَانِ وَغَيْرِهَا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ كَذَلِكَ، وَحَرَّمُوا مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ مَا بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ. وَحَرَّمَ غَيْرُهُمْ
مِنَ الْوَثَنِيِّينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَثِيرًا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَالزِّينَةِ كَذَلِكَ. فَجَاءَ دِينُ الْفِطْرَةِ الْجَامِعُ بَيْنَ مَصَالِحِ الْبَشَرِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ. الْمُطَهِّرُ الْمُرَبِّي لِأَرْوَاحِهِمْ وَأَجْسَادِهِمْ - يُنْكِرُ هَذَا التَّحَكُّمَ وَالظُّلْمَ لِلنَّفْسِ. فَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ) إِنْكَارِيٌّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيَاطِينِ. لَا مِمَّا أَوْحَاهُ تَعَالَى إِلَى مَنْ سَبَقَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، أَيْ لَمْ يُحَرِّمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ سُبْحَانَهُ حَقَّ التَّبْلِيغِ عَنْهُ لِغَيْرِهِمْ، وَإِضَافَةُ الزِّينَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى يُؤْذِنُ بِاسْتِحْسَانِهَا وَالْمِنَّةِ بِهَا. وَإِخْرَاجُهَا لِلنَّاسِ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقِ مَوَادِّهَا لَهُمْ وَتَعْلِيمِهِمْ طَرَائِقَ صُنْعِهَا، بِمَا أَوْدَعَ فِي فَطْرِهِمْ مِنْ حُبِّهَا. وَفِي عُقُولِهِمْ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْإِبْدَاعِ فِيهَا لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَأَكْثَرُ لِلْمُنْعِمِ شُكْرًا، وَأَوْسَعُهُمْ بِسُنَنِهِ وَآيَاتِهِ عِلْمًا (وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) هِيَ الْمُسْتَلَذَّاتُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ. وَاشْتِرَاطُ كَوْنِهَا حَلَالًا يُؤْخَذُ هُنَا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْإِسْرَافِ فِيهَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ (2: 168) وَالْمَائِدَةِ (5: 90 - 91) .
خَلَقَ اللهُ تَعَالَى الْبَشَرَ مُسْتَعِدِّينَ لِإِظْهَارِ آيَاتِهِ وَسُنَنِهِ فِي جَمِيعِ مَا خَلَقَهُ لَهُمْ فِي هَذَا الْعَالَمِ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَوْدَعَ فِي غَرَائِزِهِمْ مَيْلًا إِلَى الْعِلْمِ وَالْبَحْثِ وَكَشْفِ الْمَجْهُولَاتِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْخَفِيَّاتِ، لَا حَدَّ لَهُ يَقِفُ عِنْدَهُ. وَحُبًّا لِلشَّهَوَاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالزِّينَةِ الصُّورِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، لَا حَدَّ لَهُ أَيْضًا. فَانْدَفَعُوا بِهَذِهِ الْغَرَائِزِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُشَارِكُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الْجَسَدِيَّةِ كَأَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ، وَلَا فِي حَيَاتِهِمُ الرُّوحِيَّةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجَانِّ، فَلَمْ يَدَعُوا شَيْئًا عَرَفُوهُ بِحَوَاسِّهِمْ إِلَّا عَنَوْا بِالْبَحْثِ فِيهِ، وَلَا شَيْئًا عَرَفُوهُ بِعُقُولِهِمْ إِلَّا بَحَثُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَحْثُهُمْ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ وَلَا لِغَرَضٍ وَاحِدٍ، بَلْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ لِأَغْرَاضٍ شَتَّى لَمْ تَنْتَهِ وَلَنْ تَنْتَهِيَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْمُقْضَى عَلَيْهَا بِالنِّهَايَةِ وَكَأَنَّمَا هُمْ مَخْلُوقُونَ لِحَيَاةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَلَا حَدَّ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ غَرَائِزُهُمْ وَاسْتِعْدَادُهُمُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ حَدٌّ.
وَلَقَدْ كَانَتْ غَرِيزَةُ حُبِّ الزِّينَةِ وَغَرِيزَةُ حُبِّ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ سَبَبًا لِتَوَسُّعِ الْبَشَرِ فِي أَعْمَالِ الْفِلَاحَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَمَا يُرَقِّيهَا مِنْ فُنُونِ الصِّنَاعَةِ وَسَائِرِ وَسَائِلِ الْعُمْرَانِ وَإِظْهَارِ عَجَائِبِ عِلْمِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فِي الْعَالَمِ وَرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ بِالْخَلْقِ. وَلَوْ وَقَفَ الْإِنْسَانُ عِنْدَ حَدِّ مَا تَنْبُتُ لَهُ الْأَرْضُ مِنَ الْغِذَاءِ لِحِفْظِ حَيَاةِ أَفْرَادِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَبَقَاءِ حَيَاتِهِ النَّوْعِيَّةِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ، لَمَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْأَعْمَالِ. وَهَلْ كَانَ مَا ذُكِرَ فِي بَيَانِ خَلْقِهِ الْأَوَّلِ مِنْ أَكْلِ آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَا
عَنْهَا إِلَّا بِدَافِعِ غَرِيزَةِ كَشْفِ الْمَجْهُولِ، وَالْحِرْصِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْمَمْنُوعِ؟ وَهَلْ كَانَ مَا ذُكِرَ مِنْ حِرْمَانِهِمَا مِنَ الرَّاحَةِ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ الَّتِي يَعِيشَانِ فِيهَا رَغَدًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، إِلَّا لِبَيَانِ سُنَّةِ اللهِ فِي جَعْلِ هَذَا النَّوْعِ عَالِمًا صِنَاعِيًّا تَدْفَعُهُ الْحَاجَةُ إِلَى الْعَمَلِ وَيَدْفَعُهُ الْعَمَلُ إِلَى الْعِلْمِ، وَيَدْفَعُهُ حُبُّ الرَّاحَةِ إِلَى التَّعَبِ، وَيُثْمِرُ لَهُ التَّعَبُ الرَّاحَةَ؟
وَقَدْ عُرِفَ مِنِ اخْتِبَارِ قَبَائِلِ هَذَا النَّوْعِ وَشُعُوبِهِ فِي حَالَيْ بَدَاوَتِهِ وَحَضَارَتِهِ، أَنَّهُ يَتْعَبُ وَيَبْذُلُ فِي سَبِيلِ الزِّينَةِ فَوْقَ مَا يَتْعَبُ وَيَبْذُلُ فِي سَبِيلِ ضَرُورِيَّاتِ الْمَعِيشَةِ، وَكَثِيرًا مَا يُفَضِّلُهَا عَلَيْهَا عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَالْمَرْءُ قَدْ يُضَيِّقُ عَلَى نَفْسِهِ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ لِيُوَفِّرَ لِنَفْسِهِ ثَمَنًا لِثَوْبٍ فَاخِرٍ يَتَزَيَّنُ بِهِ فِي الْأَعْيَادِ وَالْمَجَامِعِ، وَمَاذَا تَقُولُ فِي الْمَرْأَةِ وَهِيَ أَشَدُّ حُبًّا لِلزِّينَةِ مِنَ الرَّجُلِ، وَقَدْ تُؤْثِرُهَا عَلَى جَمِيعِ اللَّذَّاتِ الْأُخْرَى؟ وَإِنَّ تَوَسُّعَ الْأَغْنِيَاءِ فِي أَنْوَاعِ الزِّينَةِ الَّتِي يُنَفِّسُونَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، هُوَ الَّذِي وَسَّعَ الطُّرُقَ لِاسْتِفَادَةِ هَؤُلَاءِ مِنْ فَضْلِ أَمْوَالِ أُولَئِكَ، فَإِنَّ الْغَوَّاصِينَ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ اللُّؤْلُؤَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِحَارِ، وَعُمَّالَ الصِّيَاغَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالتَّطْرِيزِ وَالْبِنَاءِ وَالنَّقْشِ وَالتَّصْوِيرِ وَسَائِرِ الزِّينَاتِ، كُلَّهُمْ أَوْ جُلَّهُمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَتَزَيَّنُ الْأَغْنِيَاءُ بِمَا يَعْمَلُونَ لَهُمْ وَهُمْ مِنْهُ مَحْرُومُونَ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ مَعِيشَةٍ وَزِينَةِ تَلِيقُ بِهِمْ إِلَّا بِسَبَبِ تَنَافُسِ الْأَغْنِيَاءِ فِيهِ.
فَحُبُّ الزِّينَةِ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الْعُمْرَانِ، وَإِظْهَارُ اسْتِعْدَادِ الْإِنْسَانِ لِمَعْرِفَةِ سُنَنِ اللهِ وَآيَاتِهِ فِي الْأَكْوَانِ، فَهِيَ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ فِي نَفْسِهَا، إِنَّمَا يُذَمُّ الْإِسْرَافُ فِيهَا وَالْغَفْلَةُ عَنْ شُكْرِ الْمُنْعِمِ بِهَا. وَمِنَ الْإِسْرَافِ فِيهَا جَعْلُهَا شَاغِلَةً عَنْ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَعَنْ سَائِرِ مَعَالِي الْأُمُورِ وَالْكِمَالَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ، مِنْ عِلْمِيَّةٍ أَوْ عَمَلِيَّةٍ أَوِ اجْتِمَاعِيَّةٍ، دُنْيَوِيَّةً كَانَتْ أَوْ أُخْرَوِيَّةً، وَمِنْهُ إِضَاعَةُ الْوَقْتِ الطَّوِيلِ فِي التَّطَرُّزِ وَالتَّطَرُّسِ وَالتَّوَرُّنِ كَمَا يَفْعَلُ النِّسَاءُ وَبَعْضُ الشُّبَّانِ، وَكَذَلِكَ الطَّيِّبَاتُ مِنَ الرِّزْقِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْمَذْمُومَةُ لَيْسَتْ لَوَازِمَ لِلزِّينَةِ، وَالطَّيِّبَاتُ تَحْصُلُ بِحُصُولِهَا وَتَزُولُ بِزَوَالِهَا، وَلَيْسَ الْحِرْمَانُ مِنَ الزِّينَةِ وَالطَّيِّبَاتِ عِلَّةً سَبَبِيَّةً وَلَا غَائِيَّةً لِلْقِيَامِ بِمَعَالِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَلَا لِشُكْرِ اللهِ تَعَالَى وَالرِّضَا عَنْهُ، وَلَا هُوَ أَعْوَنُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ يَقَعُ بِكُلٍّ مِنْ حُصُولِهِمَا وَالْحِرْمَانِ مِنْهُمَا، وَإِنَّ الْمَالِكَ لَهُمَا أَقْدَرُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَشُكْرِهِ وَتَزْكِيَةِ
نَفْسِهِ وَنَفْعِ غَيْرِهِ مِنَ الْفَاقِدِ لَهُمَا. فَلَا وَجْهَ إِذًا لِتَحْرِيمِ الدِّينِ لَهُمَا، وَلَا لِجَعْلِهِ إِيَّاهُمَا عَائِقَيْنِ عَنِ الْكَمَالِ بِحَيْثُ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِتَرْكِهِمَا، كَمَا جَرَى عَلَيْهِ وَثَنِيُّوا الْبَرَاهِمَةِ وَغَيْرِهِمْ وَسَرَتْ عَدْوَاهُ التَّقْلِيدِيَّةُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ غُلُوًّا فِي الدِّينِ، وَسَرَتْ عَدْوَى هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ إِلَى كَثِيرٍ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَارُوا يَبُثُّونَ فِي الْأُمَّةِ أَنَّ أَصْلَ الدِّينِ وَرُوحَهُ وَسِرَّهُ فِي تَعْذِيبِ النَّفْسِ وَحِرْمَانِهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَالزِّينَةِ. وَقَدْ كَذَّبَ اللهُ الْجَمِيعَ بِقَوْلِهِ عز وجل.
(قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِأُمَّتِكَ: هِيَ - أَيِ الزِّينَةُ وَالطَّيِّبَاتُ مِنَ الرِّزْقِ - ثَابِتَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالْأَصَالَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ يُشَارِكُهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا بِالتَّبَعِ لَهُمْ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّهَا مِثْلَهُمْ. وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - أَوْ حَالَ كَوْنِهَا خَالِصَةً لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (فَقَدْ قَرَأَ نَافِعٌ " خَالِصَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرٌ وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ) - وَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا غَيْرُ خَالِصَةٍ مِنَ الْمُنَغِّصَاتِ وَلَكِنَّهَا تَكُونُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَالِصَةً مِنْهَا. وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ وَلَكِنَّ الْمُتَبَادَرَ هُوَ الْأَوَّلُ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَاتُ النَّاطِقَةُ بِأَنَّ دِينَ اللهِ الْحَقَّ يُورِثُ أَهْلَهُ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)(2: 123، 124) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)(72: 16) وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى مِرَارًا.
وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا كَانُوا أَحَقَّ مِنَ الْكَافِرِينَ بِهَذِهِ النِّعَمِ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْدَرُ بِمَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فِي تَرَقِّيهَا مِنَ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ الَّتِي أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهَا الْإِسْلَامُ بِمَا حَثَّهُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، وَمَا أَوْدَعَهُ فِي هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَنَافِعِ وَالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ فِيمَا أَحْكَمَ مِنْ صُنْعِهَا، وَعَلَى رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى عِبَادِهِ بِتَسْخِيرِهَا لَهُمْ؛ وَلِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِشُكْرِهِ عَلَيْهَا بِلِسَانِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، فَالْمُؤْمِنُ يَزْدَادُ عِلْمًا وَإِيمَانًا بِرَبِّهِ وَإِلَهِهِ كُلَّمَا عَرَفَ شَيْئًا مِنْ سُنَنِهِ وَآيَاتِهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَيَزْدَادُ شُكْرًا لَهُ كُلَّمَا زَادَتْ نِعَمُهُ عَلَيْهِ بِالْعِلْمِ وَثَمَرَاتِ الْعِلْمِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ ذَكَّرَنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَوَّلِ هَذَا السِّيَاقِ بِمِنَّتِهِ عَلَيْنَا بِتَمْكِينِنَا فِي الْأَرْضِ، وَمَا جَعَلَ لَنَا فِيهَا مِنَ الْمَعَايِشِ، وَبِمَا يَجِبُ مِنْ شُكْرِهِ عَلَيْهَا. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِنْ أُصُولِ الشُّكْرِ قَبُولَ النِّعْمَةِ وَاسْتِعْمَالَهَا فِيمَا وَهَبَهَا الْمُنْعِمُ لِأَجْلِهِ وَهُوَ شُكْرُ الْجَوَارِحِ وَلَا يَكْمُلُ شُكْرُ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّهَا مِنْ فَضْلِهِ وَشُكْرُ اللِّسَانِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ إِلَّا بِشُكْرِ الْأَعْضَاءِ الْعَمَلِيِّ وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ " الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ " وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لَنَا مِنْ جَعْلِ التَّنْظِيرِ فِيهِ بَيْنَ الطَّاعِمِ الشَّاكِرِ وَالصَّائِمِ الصَّابِرِ دُونَ الْجَائِعِ
الصَّابِرِ، أَنَّ الْجُوعَ أَمْرٌ سَلْبِيٌّ، وَلَكِنَّ الصِّيَامَ عَمَلٌ نَفْسِيٌّ يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ، فَهُوَ طَاعَةٌ كَالْأَكْلِ بِالنِّيَّةِ مَعَ الشُّكْرِ.
وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِدُونِ إِسْرَافٍ هُمَا قِوَامُ الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ عَقْلِيَّةٍ وَبَدَنِيَّةٍ، وَلَهُمَا التَّأْثِيرُ الْعَظِيمُ فِي جَوْدَةِ النَّسْلِ الَّذِي تَكْثُرُ بِهِ الْأُمَّةُ، وَالْأَطِبَّاءُ يُحْظِرُونَ الزَّوَاجَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَرْضَى وَيُعِدُّونَ زَوَاجَهُمْ خَطَرًا عَلَى صِحَّتِهِمْ، وَجِنَايَةً عَلَى نَسْلِهِمْ وَعَلَى أُمَّتِهِمْ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِسُوءِ حَالِ نَسْلِهَا وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَلَّا يَعْمَلَ عَمَلًا إِلَّا بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ، يَقْصِدُ بِحُسْنِ تَغْذِيَةِ بَدَنِهِ بِالطَّيِّبَاتِ كُلَّ مَا يَعْقِلُهُ مِنْ فَوَائِدِهَا، وَيَتَجَنَّبُ مَا نَهَى الله عَنْهُ مِنَ الْإِسْرَافِ فِيهَا وَمِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ، فَيَكُونُ عَابِدًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَتَكْثُرُ حَسَنَاتُهُ فِيهِ، فَلَا غَرْوَ إِذْ عُدَّ فِي أَكْلِهِ كَالصَّائِمِ فِيمَا يَنَالُهُ مِنَ الثَّوَابِ، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ:" وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ " أَيْ فِي الْمُلَامَسَةِ الزَّوْجِيَّةِ أَجْرٌ وَثَوَابٌ كَثَوَابِ الصَّدَقَةِ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: " أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ " - رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - وَالْكَافِرُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ هَمٌّ فِي الْغَالِبِ إِلَّا التَّمَتُّعَ بِالشَّهْوَةِ غَيْرُ مُتَحَرٍّ لِلْحَلَالِ وَلَا لِحُسْنِ النِّيَّةِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ " الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ".
وَاللِّبَاسُ الْجَيِّدُ النَّظِيفُ لَهُ فَوَائِدُ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ مَعْرُوفَةٌ، وَلَهُ تَأْثِيرٌ فِي حِفْظِ كَرَامَةِ الْمُتَجَمِّلِ بِهِ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ مِنْ وَرَاءِ الْأَعْيُنِ، وَفِيهِ إِظْهَارٌ لِنِعْمَةِ اللهِ بِهِ وَبِالسَّعَةِ فِي الرِّزْقِ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ فِي الْقُلُوبِ غَيْرُ شَأْنِ التَّجَمُّلِ فِي نَفْسِهِ، وَالْمُؤْمِنُ يُثَابُ بِنِيَّتِهِ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَحْمُودٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَبِالشُّكْرِ عَلَيْهَا. رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ثَوْبٍ دُونٍ فَقَالَ: " أَلَكَ مَالٌ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " مِنْ أَيِّ الْمَالِ " قَالَ: قَدْ آتَانِي اللهُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ: " فَإِذَا آتَاكَ اللهُ فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتُهُ " وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ " وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ أَتَيْتُ عَلِيًّا فَقَالَ:
ائْتِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَلَبِسْتُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا هَذِهِ الْحُلَّةِ؟ قُلْتُ مَا تَعِيبُونَ عَلَيَّ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُلَلِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قَالَ: وَجَّهَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى ابْنِ الْكَوَّاءِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَيَّ قَمِيصٌ رَقِيقٌ وَحُلَّةٌ، فَقَالُوا لِي: أَنْتَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَلْبَسُ مِثْلَ هَذِهِ الثَّيَابِ؟ قُلْتُ: أَوَّلُ مَا أُخَاصِمُكُمْ
بِهِ قَالَ اللهُ: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) وَ (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ بُرْدَيْ حِبَرَةٍ.
وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنَ الْإِحْيَاءِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَزِيدَ النَّوْفَلِيَّ كَتَبَ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رضي الله عنهما بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى الله عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ: مِنْ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَلْبَسُ الدُّقَاقَ، وَتَأْكُلُ الرُّقَاقَ وَتَجْلِسُ عَلَى الْوَطِئِ، وَتَجْعَلُ عَلَى بَابِكَ حَاجِبًا، وَقَدْ جَلَسْتَ مَجْلِسَ الْعِلْمِ وَقَدْ ضُرِبَتْ إِلَيْكَ الْمَطِيُّ، وَارْتَحَلَ إِلَيْكَ النَّاسُ وَاتَّخَذُوكَ إِمَامًا وَرَضُوا بِقَوْلِكَ، فَاتَّقِ اللهَ تَعَالَى يَا مَالِكُ، وَعَلَيْكَ بِالتَّوَاضُعِ، كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِالنَّصِيحَةِ مِنِّي كِتَابًا مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللهِ سبحانه وتعالى وَالسَّلَامُ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ، سَلَامُ اللهِ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ وَصَلَ إِلَيَّ كِتَابُكَ فَوَقَعَ مِنِّي مَوْقِعَ النَّصِيحَةِ وَالشَّفَقَةِ وَالْأَدَبِ، أَمْتَعَكَ اللهُ بِالتَّقْوَى وَجَزَاكَ بِالنَّصِيحَةِ خَيْرًا. وَأَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ لِي أَنِّي آكُلُ الرُّقَاقَ وَأَلْبَسُ الدُّقَاقَ، وَأَحْتَجِبُ وَأَجْلِسُ عَلَى الْوَطِئِ، فَنَحْنُ نَفْعَلُ ذَلِكَ وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى. فَقَدْ قَالَ تَعَالَى:(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ وَلَا تَدَعُنَا مِنْ كِتَابِكَ فَلَسْنَا نَدَعُكَ مِنْ كِتَابِنَا وَالسَّلَامُ اهـ.
إِذَا صَحَّتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ فَمُرَادُ الْإِمَامِ مَالِكٍ: أَنَّ تَرْكَ مَجْمُوعِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِمَنْ صَارَ يَقْتَدِي بِهِ مِثْلُهُ، أَوْ قَالَهُ تَوَاضُعًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْهُ. وَلَمْ يَكُنِ النَّوْفَلِيُّ مِنْ طَبَقَةِ مَالِكٍ فِي عِلْمٍ وَلَا عَمَلٍ، بَلْ ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ كَانَ
قَشَفُ بَعْضِ السَّلَفِ عَنْ قِلَّةِ، وَتَقَشَّفَ بَعْضُهُمْ لِأَجْلِ الْقُدْوَةِ. وَإِنَّمَا الزُّهْدُ فِي الْقَلْبِ، فَلَا يُنَافِيهِ الِاعْتِدَالُ فِي الزِّينَةِ وَطَيِّبَاتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَلَا كَثْرَةِ الْمَالِ إِذَا أُنْفِقَ فِي مَصَالِحِ الْأُمَّةِ وَتَرْبِيَةِ الْعِيَالِ. وَقَدْ جَهِلَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ وَبَيَّنَهُ أَحَدُ أَرْكَانِ التَّحْقِيقِ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ كَالسَّيِّدِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيِّ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ مُرِيدِيهِ شَكَوْا إِلَيْهِ إِقْبَالَ الدُّنْيَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: أَخْرِجُوهَا مِنْ قُلُوبِكُمْ إِلَى أَيْدِيكُمْ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّكُمْ.
فَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الزِّينَةَ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ هِيَ حَقُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّهَا لَهُمْ بِالذَّاتِ وَالِاسْتِحْقَاقِ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا بِمُقْتَضَى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ أَعْلَمَ مِنَ الْكَافِرِينَ بِالْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالصِّنَاعَاتِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَيْهَا. وَأَنْ يَكُونُوا مِنَ الشَّاكِرِينَ
عَلَيْهَا، ذَلِكَ الشُّكْرُ الَّذِي يَحْفَظُهَا لَهُمْ وَيَكُونُ سَبَبًا لِلْمَزِيدِ فِيهَا بِحَسَبِ وَعْدِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ وَمِنْهُ تُفْهَمُ حِكْمَةُ تَذْيِيلِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:(كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أَيْ مِنْ شَأْنِهِمُ الْعِلْمُ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَحِكَمِهَا وَلَوْ بَعْدَ خِطَابِهِمْ بِهَا، وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذَا التَّعْبِيرِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لِحُكْمِ الزِّينَةِ وَالطَّيِّبَاتِ الَّذِي ضَلَّ فِيهِ أَفْرَادٌ وَأُمَمٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْبَشَرِ إِفْرَاطًا وَتَفْرِيطًا، لَا يَعْقِلُهُ إِلَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ سُنَنَ الِاجْتِمَاعِ وَطَبَائِعَ الْبَشَرِ وَمَصَالِحَهُمْ وَطُرُقَ الْحَضَارَةِ الشَّرِيفَةِ فِيهِمْ، وَقَدْ فَصَّلَهَا تَعَالَى لَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الْمُوَافِقِ هَدْيُهَا لِفِطْرَةِ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الْأُمِّيِّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ تَارِيخِ الْبَشَرِ فِي بَدَاوَتِهِمْ وَحَضَارَتِهِمْ وَإِفْرَاطِهِمْ وَتَفْرِيطِهِمْ فِيهِمَا، قَبْلَ أَنْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْحَكِيمَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي سَعَادَتِهِمْ، فَكَانَ هَذَا التَّفْصِيلُ مِنَ الْآيَاتِ الْعِلْمِيَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهُ خُلَاصَةُ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ فَاصِلَةٍ بَيْنَ النَّافِعِ وَالضَّارِّ، مَا كَانَ لِمِثْلِهِ أَنْ يَعْلَمَهَا بِذَكَائِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ وَحْيُ اللهِ لَهُ. وَقَدْ قَصَّرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ، عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَدْ ذَكَرُوا مَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَأْيِيدِهِمْ لِوُضُوحِهِ فِي نَفْسِهِ. فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَعْلَمُ مِنْ جَمِيعِ الْكَافِرِينَ بِكُلِّ الْعُلُومِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مِنْهُمْ أَعْلَمُ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ بِذَلِكَ.
نَعَمْ هَكَذَا كَانَ، فَلَوْلَا الْقُرْآنُ لَمَا خَرَجَتِ الْعَرَبُ مِنْ ظُلُمَاتِ جَاهِلِيَّتِهَا وَبَدَاوَتِهَا وَوَثَنِيَّتِهَا إِلَى ذَلِكَ النُّورِ، الَّذِي صَلُحَتْ بِهِ وَأَصْلَحَتْ أُمَمًا كَثِيرَةً بِالدِّينِ وَالْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْآدَابِ بِمَا أَحْيَتْ مِنْ عُلُومِ الْأَوَائِلِ وَفُنُونِهَا، وَأَصْلَحَتْ مِنْ فَاسِدِهَا، فَصَدَقَ عَلَيْهِمْ تَعْرِيفُ الدِّينِ الْمَشْهُورِ بِأَنَّهُ: وَضْعٌ إِلَهِيٌّ سَائِقٌ لِذَوِي الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ
بِاخْتِيَارِهِمْ إِلَى مَا فِيهِ نَجَاحُهُمْ فِي الْحَالِ، وَفَلَاحُهُمْ فِي الْمَآلِ. أَوْ إِلَى سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ. وَلَقَدْ كَانَ مِنَ الْعَجَبِ أَنْ يَغْفُلَ الْكَثِيرُونَ عَنْ سَبَبِ هَذِهِ الْحَضَارَةِ أَوْ يَجْهَلُوا أَنَّهُ الْقُرْآنُ. حَتَّى كَانَ الْجَهْلُ لِسَبَبِهَا سَبَبًا لِإِضَاعَتِهِ وَإِضَاعَتِهَا، وَأَمْسَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَجْهَلِ الشُّعُوبِ وَأَفْقَرِهِمْ وَأَضْعَفِهِمْ، وَأَقَلِّهِمْ خِدْمَةً لِدِينِهِمْ - فَغَايَةُ دِينِهِمْ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ زِينَةُ الدُّنْيَا وَطَيِّبَاتُهَا وَسِيَادَتُهَا وَمُلْكُهَا، وَأَنْ يَكُونُوا فِيهَا شَاكِرِينَ لِلَّهِ عَلَيْهَا، قَائِمِينَ بِمَا يُرْضِيهِ مِنَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَكُلِّ مَا تَقْتَضِيهِ خِلَافَتُهُ فِي الْأَرْضِ وَبِذَلِكَ يَكُونُونَ أَهْلًا لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ أَحَدُ حُكَمَاءِ دِينِهِمْ، ثُمَّ انْتَهَى هَذَا الْجَهْلُ بِالْكَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ أَنْ صَارُوا يَظُنُّونَ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ سَبَبُ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَجَهْلِهِمْ وَذَهَابِ مُلْكِهِمْ! وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ بُطْلَانَ هَذَا الْجَهْلِ الَّذِي قَلَبَ الْحَقِيقَةَ قَلْبًا وَحُجَّتُنَا كِتَابُ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَتَارِيخُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَكِنَّ الْقَارِئِينَ قَلِيلُونَ، وَالَّذِينَ يَفْهَمُونَ مِنْهُمْ أَقَلُّ وَالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِمَا يَفْهَمُونَ أَنْدَرُ، وَلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ التَّنْزِيلُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ تَحْرِيمَ زِينَةِ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ - قَفَّى عَلَيْهِ بِبَيَانِ أُصُولِ الْمُحَرَّمَاتِ الْعَامَّةِ الَّتِي حَرَّمَهَا لِضَرَرٍ ثَابِتٍ لَازِمٍ لَهَا لَا لِعِلَّةٍ عَارِضَةٍ، وَكُلُّهَا مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْكَسْبِيَّةِ لَا مِنْ مَوَاهِبِهِ وَنِعَمِهِ الْخَلْقَيْهِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَهُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى النَّاسِ إِلَّا مَا هُوَ ضَارٌّ بِهِمْ دُونَ مَا هُوَ نَافِعٌ لَهُمْ فَقَالَ:
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) هَذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيَانِ مَا حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ إِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ حَرَّمَ الزِّينَةَ وَالطَّيِّبَاتِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ تَقْتَضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ وَالْمَعْنَى: قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلَاءِ
الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَكَذَبُوا عَلَى اللهِ بِزَعْمِهِمْ أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى عِبَادِهِ مَا أَخْرَجَ لَهُمْ مِنْ نِعَمِ الزِّينَةِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ وَكَذَا لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي فِي كُتُبِهِ، عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الْخَمْسَةَ أَوِ السِّتَّةَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الضَّارَّةِ الَّتِي يَجْنُونَ بِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَجَعَلَ تَحْرِيمَهَا هُوَ الدَّائِمَ الَّذِي لَا يُبَاحُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَصْرُ بِـ (إِنَّمَا) وَهِيَ:
1، 2: الْفَوَاحِشُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ - فَالْفَوَاحِشُ جَمْعُ فَاحِشَةٍ، وَهِيَ الْفَعْلَةُ أَوِ الْخَصْلَةُ الَّتِي فَحُشَ قُبْحُهَا فِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ وَالْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ وَالضَّارِّ وَالنَّافِعِ، وَكَانُوا يُطْلِقُونَهَا عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالْبُخْلِ الشَّدِيدِ وَعَلَى الْقَذْفِ بِالْفَحْشَاءِ وَالْبَذَاءِ الْمُتَنَاهِي فِي الْقُبْحِ، وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ فِي تَفْسِيرِ (6: 151) وَهِيَ مِنْ آيَاتِ الْوَصَايَا الْعَشْرِ فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَفِيهِ إِحَالَةٌ فِي تَفْسِيرِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ عَلَى تَفْسِيرِ (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) (6: 120) مِنْ تِلْكَ السُّورَةِ.
3 و4: الْإِثْمُ وَالْبَغْيُ - تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِثْمَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَبِيحُ الضَّارُّ فَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْمَعَاصِي: الْكَبَائِرِ مِنْهَا كَالْفَوَاحِشِ وَالْخَمْرِ. وَالصَّغَائِرِ كَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ لِغَيْرِ الْحَلِيلَةِ
وَهُوَ اللَّمَمُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ)(53: 32) فَعَطَفَ الْفَوَاحِشَ عَلَى كَبَائِرِ الْإِثْمِ لَا عَلَى الْإِثْمِ، فَعَطَفَ الْفَوَاحِشَ عَلَى كَبَائِرِ الْإِثْمِ لَا عَلَى الْإِثْمِ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَكَذَلِكَ عَطْفُ الْبَغْيِ عَلَى الْإِثْمِ هُنَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَمَعْنَاهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: طَلَبٌ لِمَا لَيْسَ بِحَقٍّ أَوْ بِسَهْلٍ أَوْ مَا تَجَاوَزَ الْحَدَّ، وَقَالُوا: بَغَى الْجُرْحُ - إِذَا تَرَامَى إِلَى الْفَسَادِ، أَوْ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي فَسَادِهِ. وَمِنْهُ الْبَغْيُ فِي الْأَرْضِ الْوَارِدُ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ كَقَوْلِهِ:(فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)(10: 23) وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَعْضِهَا بِالْفَسَادِ: (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ)(28: 77) وَإِذَا عُدِّيَ الْبَغْيُ بِـ " عَلَى " كَانَ بِمَعْنَى التَّجَاوُزِ وَالتَّعَدِّي عَلَى النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ أَعْرَاضِهِمْ وَمِنْهُ: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ)(28: 76)(خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ)(38: 22)(فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي)(49: 9) بَلْ ذَهَبَ الرَّاغِبُ إِلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْبَغْيِ طَلَبُ تَجَاوُزِ الِاقْتِصَادِ فِي الْقَدْرِ أَوِ الْوَصْفِ سَوَاءً تَجَاوَزَهُ بِالْفِعْلِ أَوْ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ. وَذُكِرَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا، وَهُوَ تَجَاوُزُ الْعَدْلِ إِلَى الْإِحْسَانِ وَالْفَرْضِ إِلَى التَّطَوُّعِ. وَاسْتِعْمَالُ الْقُرْآنِ لَهُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ
اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا آنِفًا وَفِي غَيْرِهِمَا يُؤَيِّدُ تَعْرِيفَنَا وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ. كَقَوْلِهِ فِي الْبَحْرَيْنِ: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ)(55: 20) وَقَوْلِهِ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ: (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)(18: 108) وَقَوْلِهِ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ)(3: 83)(أَفَحُكَمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)(5: 50)(قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا)(6: 164)(يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ)(9: 47)(وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا)(7: 45) . وَمِنْهُ الْبِغَاءُ: وَهُوَ طَلَبُ النِّسَاءِ الْفَاحِشَةَ. وَقَدْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَمِنْهُ: (أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا)(7: 140)(قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا) وَقَالَ فِي الْأَسَاسِ: وَابْغِنِي ضَالَّتِي - اطْلُبْهَا لِي، وَأَبْغِي ضَالَّتِي - أَعِنِّي عَلَى طَلَبِهَا. قَالَ رُؤْبَةُ: "
فَاذْكُرْ بِخَيْرٍ وَأَبْغِنِي مَا يُبْتَغَى
" أَيِ اصْنَعْ بِي مَا يَجِبُ أَنْ يُصْنَعَ، وَخَرَجُوا بُغْيَانًا لِضَوَالِّهِمُ اهـ. وَكُلُّهُ يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِنَا. فَإِنَّ طَلَبَ الضَّالَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ حِيَازَةِ الْمَالِكِ طَلَبٌ لِمَا يَعْسُرُ، بَلْ نَاشِدُهَا يَطْلُبُ مَا لَيْسَ لَهُ بِالْفِعْلِ، وَرُؤْبَةُ يَطْلُبُ إِحْسَانًا وَكَرَامَةً لَيْسَتْ حَقًّا لَهُ.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَغْيَ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْإِثْمُ الَّذِي فِيهِ تَجَاوُزٌ لِحُدُودِ الْحَقِّ، أَوِ اعْتِدَاءٌ عَلَى حُقُوقِ أَفْرَادِ النَّاسِ أَوْ جَمَاعَاتِهِمْ وَشُعُوبِهِمْ؛ وَلِذَلِكَ اقْتَرَنَ الْإِثْمُ بِالْعُدْوَانِ كَقَوْلِهِ:(تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(2: 85)(وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(5: 2)(وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(5: 62) وَمِنْهُ: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ)(2: 173) أَيْ فَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الطَّعَامِ غَيْرَ طَالِبٍ لَهَا لِذَاتِهَا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ لِلْحَقِّ وَلَا عَادٍ حَدَّ الضَّرُورَةِ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْهَا (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) .
وَقَدْ قَيَّدَ الْبَغْيَ بِكَوْنِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ لِاسْتِعْمَالِهِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي يَشْمَلُ تَجَاوُزَ الْحُدُودِ
الْمَعْرُوفَةِ أَوِ الْمَأْلُوفَةِ فِيمَا لَا ظُلْمَ فِيهِ وَلَا فَسَادَ، وَلَا هَضْمَ لِحُقُوقِ الْجَمَاعَاتِ وَلَا الْأَفْرَادِ، كَالْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا حُقُوقٌ، أَوِ الَّتِي تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ فِيهَا عَنْ بَعْضِ حُقُوقِهِمْ فَيَبْذُلُونَهَا عَنْ رِضًى وَارْتِيَاحٍ لِمَنْفَعَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ لَهُمْ يَرْجُونَهَا بِبَذْلِهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الْقَيْدَ لِلتَّأْكِيدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنِ الْإِثْمَ مَا كَانَ مُحَرَّمَ الْجِنْسِ، وَالْعُدْوَانُ مَا كَانَ مُحَرَّمَ الْقَدْرِ وَالزِّيَادَةِ، فَهُوَ تَعَدِّي مَا أُبِيحَ إِلَى الْقَدْرِ الْمُحَرَّمِ، كَالِاعْتِدَاءِ فِي أَخْذِ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِأَخْذِ زِيَادَةٍ عَمَّا لَهُ، وَبِإِتْلَافِ أَضْعَافِ مَا أُتْلِفَ عَلَيْهِ، أَوْ قَوْلِ أَضْعَافِ مَا قِيلَ فِيهِ. فَهَذَا كُلُّهُ تَعَدٍّ لِلْعَدْلِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَا أُبِيحَ لَهُ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ مِنْهُ فَتَعَدَّاهُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، كَمَنْ أُبِيحَ لَهُ إِسَاغَةُ الْغُصَّةِ بِجُرْعَةٍ مِنْ خَمْرٍ فَتَنَاوَلَ الْكَأْسَ كُلَّهَا، أَوْ أُبِيحَ لَهُ نَظْرَةُ الْخِطْبَةِ وَالسَّوْمِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالْمُدَاوَاةِ، فَأَطْلَقَ عِنَانَ طَرْفِهِ فِي مَيَادِينَ مَحَاسِنِ الْمَنْظُورِ، وَأَسَامَ طَرْفَ نَاظِرِهِ فِي تِلْكَ الرِّيَاضِ وَالزُّهُورِ، فَتَعَدَّى
الْمُبَاحَ إِلَى الْقَدْرِ الْمَحْظُورِ، إِلَخْ مَا أَطَالَ بِهِ فِي وَصْفِ نَظَرِ الشَّهْوَةِ وَمَفَاسِدِهِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْغَالِبَ فِي اسْتِعْمَالِ الْبَغْيِ أَنْ يَكُونَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ إِذَا قُرِنَ بِالْعُدْوَانِ كَانَ الْبَغْيُ ظُلْمَهُمْ بِمُحَرَّمِ الْجِنْسِ كَالسَّرِقَةِ وَالْكَذِبِ وَالْبُهْتِ وَالِابْتِدَاءِ بِالْأَذَى وَالْعُدْوَانُ تَعَدِّيَ الْحَقِّ فِي اسْتِيفَائِهِ إِلَى أَكْبَرَ مِنْهُ، فَيَكُونُ الْبَغْيُ وَالْعُدْوَانُ فِي حَقِّهِمْ كَالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فِي حُدُودِ اللهِ (قَالَ) فَهَهُنَا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: حَقُّ لِلَّهِ وَلَهُ حَدٌّ، وَحَقٌّ لِعِبَادِهِ وَلَهُ حَدٌّ، فَالْبَغْيُ وَالْعُدْوَانُ وَالظُّلْمُ تَجَاوُزُ الْحَدَّيْنِ إِلَى مَا وَرَاءَهُمَا، أَوِ التَّقْصِيرُ عَنْهُمَا فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمَا اهـ.
(5)
: الشِّرْكُ بِاللهِ - وَهُوَ مَعْرُوفٌ - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْوَاعَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ أَبْطَلُ الْبَاطِلِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ مِنَ الْعَقْلِ، وَلَا سُلْطَانٌ مِنَ الْوَحْيِ، وَالسُّلْطَانُ: الْحُجَّةُ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ لَهَا سُلْطَةً عَلَى الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ مِنْ شِرْكِهِمْ، وَتَكْذِيبٌ لَهُمْ فِي مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ:(لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا)(6: 148) الْآيَةَ وَنَصٌّ عَلَى أَنَّ أُصُولَ الْإِيمَانِ، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ مُؤَيَّدٍ بِالْبُرْهَانِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ)(23: 117) الْآيَةَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الدَّاعِي إِلَّا كَذَلِكَ. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى عَظَّمَ شَأْنَ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ فِي دِينِهِ وَنَاطَ بِهِ تَصْدِيقَ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَرَدَّهَا، بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ مَوْضُوعِهَا، حَتَّى كَأَنَّ مَنْ جَاءَ بِالْبُرْهَانِ عَلَى الشِّرْكِ يُصَدَّقُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ فَرْضِ الْمُحَالِ، لِلْمُبَالَغَةِ فِي فَضْلِ الِاسْتِدْلَالِ، وَقَدْ قَالَ فِي سِيَاقِ إِقَامَةِ الْبَرَاهِينِ عَلَى تَوْحِيدِهِ:(أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(27: 64) عَلَى أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَدَيْهِمْ بُرْهَانٌ فِيمَا أَقَامَ عَلَى كَذِبِهِمْ فِيهِ الْبُرْهَانَ، وَكَيْفَ يَكُونُ لَدَيْهِمْ مَا هُوَ فِي نَفْسِهِ مُحَالٌ، كَقَوْلِهِ: (قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ
الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (10: 68)" إِنْ " هُنَا نَافِيَةٌ، أَيْ مَا عِنْدَكُمْ أَدْنَى دَلِيلٍ بِهَذَا الْقَوْلِ الْفَظِيعِ الَّذِي تَقُولُونَهُ مَعَ أَنَّ مَا تُبْطِلُ الْبَرَاهِينُ وَالْآيَاتُ الْبَيِّنَةُ مِثْلَهُ يَحْتَاجُ مُدَّعِيهِ إِلَى أَقْوَى الْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ وَأَعْظَمِهَا سُلْطَانًا عَلَى الْعُقُولِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ مِنَ الْعَقْلِ، بَلْ لَا يَتَصَوَّرُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ، وَلَكِنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُ وَرَدَ بِهِ النَّقْلُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ قَالَ:(أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وَهَذِهِ الْآيَةُ تُنَاسِبُ الْآيَةَ الَّتِي نُفَسِّرُهَا.
6: الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ - وَهُوَ أَعْظَمُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مِنْ أُصُولِ الْمُحَرَّمَاتِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللهُ تَعَالَى فِي دِينِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ، فَإِنَّهُ أَصْلُ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ وَمَنْشَأُ تَحْرِيفِ الْأَدْيَانِ الْمُحَرَّفَةِ، وَشُبْهَةُ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ الْحَقِّ، النَّاسِخِ كِتَابُهُ الْمَعْصُومُ لِلْأَدْيَانِ الْمُبَدَّلَةِ، وَالْمُهَيْمِنِ عَلَى الْكُتُبِ الْمُحَرَّفَةِ، الْمُحَرَّرَةِ سُنَّةُ رَسُولِهِ بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَةِ، وَالْمُحْصَاةِ تَرَاجُمُ رُوَاتِهَا فِي الْكُتُبِ الْمُدَوَّنَةِ، فَمِنَ الْعَجَائِبِ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَنْتَشِرَ فِي أَهْلِهِ الِابْتِدَاعُ، وَتَتَعَارَضَ فِيهِ الْمَذَاهِبُ وَتَتَعَادَى الْأَشْيَاعُ، مَعَ نَهْيِ كِتَابِهِ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ، وَوَعِيدِهِ الْمُتَفَرِّقِينَ بِعَذَابِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ النَّارِ، وَمَعَ بَيَانِهِ لِلْمَخْرَجِ مِنْ فِتْنَةِ التَّنَازُعِ، وَمُعَالَجَتِهِ لِأَدْوَاءِ التَّدَابُرِ وَالتَّقَاطُعِ. وَلَكِنَّهُمْ حَكَّمُوا الْأَهْوَاءَ حَتَّى فِي الْعِلَاجِ وَالدَّوَاءِ، فَاتَّبَعُوا كَمَا أَنْبَأَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ حَتَّى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)(2: 213) .
وَمِنْ غُمَّةِ الْجَهْلِ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَشْعُرُونَ بِهَذَا، حَتَّى عُلَمَاؤُهُمُ الَّذِينَ يَرْوُونَ حَدِيثَ:" لَتَتْبَعُنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: " مَنْ؟ ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا. وَفِي رِوَايَةٍ: " شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا ذِرَاعًا ". فَهُمْ يَقُولُونَ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَلَا يَبْحَثُونَ فِي أَسْبَابِ هَذَا الِابْتِدَاعِ وَلَا يَتَأَمَّلُونَ فِي أَقْوَالِ مَنْ بَحَثَ فِيهَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ. فَقَدْ نَقَلَ الْحَافِظُ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحَافِظِ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّ رَأْسَ الْبَلِيَّةِ فِي هَذَا الِابْتِدَاعِ الْقَوْلُ فِي الدِّينِ بِالرَّأْيِ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَبْتَدِعُ أَوْ يَتْبَعُ مُبْتَدِعًا فِي أُصُولِ الدِّينِ أَوْ فُرُوعِهِ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَدِلُّ عَلَى بِدْعَتِهِ بِالرَّأْيِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ مَبَادِئُ هَذِهِ الْبِدَعِ وَالْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى، قُرُونِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا كُلُّهُ بِمَانِعٍ لَهَا إِذْ كَانَ مِنَ الْأَفْرَادِ، لَا مِنْ مَصْدَرِ الْقُوَّةِ وَالنِّظَامِ - الَّذِي هُوَ مَقَامُ الْخِلَافَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ - فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ زَالَ الْعِلْمُ أَوْ كَادَ؛ إِذْ لَا عِلْمَ إِلَّا عِلْمُ الِاسْتِقْلَالِ وَالِاجْتِهَادِ، وَقَدْ صَارَ مَحْصُورًا فِي أَفْرَادٍ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُمُ الْعَوَامُّ وَلَا يَتْبَعُهُمُ الْحُكَّامُ، ثُمَّ فَشَا النِّفَاقُ وَالدِّهَانُ. وَصَارَ طَلَبُ الْعِلْمِ الدِّينِيِّ حِرْفَةً لِلْكَسَالَى وَالرُّذَّالِ.
رَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى يُتْرَكُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: " إِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ -
إِذَا ظَهَرَ الْإِدْهَانُ فِي خِيَارِكُمْ، وَالْفُحْشُ فِي شِرَارِكُمْ، وَالْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ، وَالْفِقَةُ فِي رُذَّالِكُمْ " أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ وَأَقَرَّهُ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي مُصَنَّفِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ: فَسَادُ الدِّينِ إِذَا جَاءَ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ الصَّغِيرِ، اسْتَعْصَى عَلَيْهِ الْكَبِيرُ، وَصَلَاحُ النَّاسِ إِذَا جَاءَ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ الْكَبِيرِ، تَابَعَهُ عَلَيْهِ الصَّغِيرُ (قَالَ) وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّغَرِ فِي هَذَا صِغَرُ الْقَدْرِ لَا السِّنِّ اهـ.
وَصَغِيرُ الْقَدْرِ هُوَ الْمَهِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِنَ الْعَقْلِ وَالْفَضِيلَةِ وَعِزَّةِ النَّفْسِ مَا يُحْتَرَمُ بِهِ وَيُتَّخَذُ قُدْوَةً، كَمَا هُوَ شَأْنُ أَكْثَرِ الْمُسْتَرْزِقَةَ بِطَلَبِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْكَبِيرَ هُوَ الْكَبِيرُ بِعَقْلِهِ وَفَضْلِهِ، لَا بِنَسَبِهِ وَمَالِهِ.
حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَقُولُوا عَلَيْهِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَالرَّأْيُ وَالظَّنُّ لَيْسَ مِنَ الْعِلْمِ قَالَ تَعَالَى فِي غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ:(وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنَّ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)(53: 28) وَمَا شُرِعَ مِنَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ فَهُوَ خَاصٌّ بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَصٌّ فِيهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ سَائِرُ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مِنْ سِيَاسِيَّةٍ وَإِدَارِيَّةٍ، لَا فِي أُصُولِ دِينِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ وَمَا حُرِّمَ عَلَى عِبَادِهِ تَحْرِيمًا دِينِيًّا، فَإِنَّ اللهَ أَكْمَلَ دِينَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ نَقْصًا يُكْمِلُهُ غَيْرُهُ بِظَنِّهِ وَرَأْيِهِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِهِ، وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ وَلَا مُفْتٍ أَنْ يُسْنِدَ رَأْيَهُ الِاجْتِهَادِيَّ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَيَقُولُ: هَذَا حُكْمُ اللهِ وَهَذَا دِينُهُ، بَلْ يَقُولُ: هَذَا مَبْلَغُ اجْتِهَادِي فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنْ تَوْفِيقِ اللهِ تَعَالَى وَإِلْهَامِهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ سَلَفِنَا الصَّالِحِينَ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَقَّ التَّأَمُّلِ فَإِنَّهُ يَجْتَنِبُ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى عِبَادِ اللهِ شَيْئًا، أَوْ يُوجِبَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فِي دِينِهِمْ بِغَيْرِ نَصٍّ صَرِيحٍ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ، بَلْ يَجْتَنِبُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ هَذَا مَنْدُوبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَاضِحٍ مِنَ النُّصُوصِ، وَمَا أَكْثَرَ الْغَافِلِينَ عَنْ هَذَا الْمُتَجَرِّئِينَ عَلَى التَّشْرِيعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا فِي هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذَا حَقُّ اللهِ وَحْدَهُ، وَمَنْ تَهَجَّمَ عَلَيْهِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ شَرِيكًا لَهُ، وَمَنْ تَبِعَهُ فِيهِ فَقَدِ اتَّخَذَهُ رَبًّا لَهُ، وَقَدْ كَانَ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ يَتَحَامَوْنَ الْقَوْلَ فِي الدِّينِ بِالرَّأْيِ، وَيَتَدَافَعُونَ الْفَتْوَى حَتَّى فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا كَانَ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ يَقْصِدُونَ بِالتَّوَسُّعِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ فَتْحَ أَبْوَابِ الْفَهْمِ لَا التَّشْرِيعِ الَّذِي أُلْصِقَ بِهِمْ، حَتَّى إِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ أَكْرَهُ كَذَا - مِنْ بَابِ
الْوَرَعِ وَالِاحْتِيَاطِ - جَعَلَ أَتْبَاعُهُ
مِنْ بَعْدِهِ قَوْلَهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي جَعَلُوا بَعْضَهَا لِلتَّحْرِيمِ، وَفَسَّرُوهَا بِأَنَّهَا خِطَابُ اللهِ الْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ اقْتِضَاءً جَازِمًا وَبَعْضَهَا لِلتَّنْزِيهِ، وَجَعَلُوا الِاقْتِضَاءَ فِيهَا غَيْرَ جَازِمٍ وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ. وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقِيَمِ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ فِي كِتَابِهِ مَدَارِجِ السَّالِكِينَ هَذَا نَصُّهُ:
" وَأَمَّا الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ فَهُوَ أَشَدُّ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ تَحْرِيمًا وَأَعْظَمُهَا إِثْمًا، وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ وَالْأَدْيَانُ، وَلَا تُبَاحُ بِحَالٍ، بَلْ لَا تَكُونُ إِلَّا مُحَرَّمَةً، وَلَيْسَتْ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ الَّذِي يُبَاحُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَإِنَّ الْمُحَرَّمَاتِ نَوْعَانِ: مُحَرَّمٌ لِذَاتِهِ لَا يُبَاحُ بِحَالٍ، وَمَحْرَّمٌ تَحْرِيمُهُ عَارِضٌ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ:(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فَقَالَ: (وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فَقَالَ: (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فَقَالَ: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) فَهَذَا أَعْظَمُ الْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ اللهِ وَأَشَدُّهَا إِثْمًا، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْكَذِبَ عَلَى اللهِ وَنِسْبَتَهُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَتَغْيِيرَ دِينِهِ وَتَبْدِيلَهُ، وَنَفْيَ مَا أَثْبَتَهُ وَإِثْبَاتَ مَا نَفَاهُ، وَتَحْقِيقَ مَا أَبْطَلَهُ وَإِبْطَالَ مَا أَحَقَّهُ، وَعَدَاوَةَ مَنْ وَالَاهُ وَمُوَالَاةَ مَنْ عَادَاهُ. وَحُبَّ مَا أَبْغَضَهُ وَبُغْضَ مَا أَحَبَّهُ. وَوَصْفَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَلَيْسَ فِي أَجْنَاسِ الْمُحَرَّمَاتِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْهُ وَلَا أَشَدُّ إِثْمًا، وَهُوَ أَصْلُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَعَلَيْهِ أُسِّسَتِ الْبِدَعُ وَالضَّلَالَاتُ. فَكُلُّ بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ فِي الدِّينِ أَسَاسُهَا الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ.
" وَلِهَذَا اشْتَدَّ نَكِيرُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ لَهَا، وَصَاحُوا بِأَهْلِهَا مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَحَذَّرُوا فِتْنَتَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، وَبَالَغُوا فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يُبَالِغُوا فِي مِثْلِهِ فِي إِنْكَارِ الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، إِذْ مَضَرَّةُ الْبِدَعِ وَهَدْمُهَا لِلدِّينِ وَمُنَافَاتُهَا لَهُ أَشَدُّ. وَقَدْ أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَى مَنْ نَسَبَ إِلَى دِينِهِ تَحْلِيلَ شَيْءٍ أَوْ تَحْرِيمَهُ مِنْ عِنْدِهِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنَ اللهِ فَقَالَ:(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ)(16: 116) الْآيَةَ. فَكَيْفَ بِمَنْ نَسَبَ إِلَى أَوْصَافِهِ مَا لَمْ يَصِفْ بِهِ نَفْسَهُ؟ أَوْ نَفَى عَنْهُ مِنْهَا مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ؟ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لِيَحْذَرْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُولَ أَحَلَّ اللهُ كَذَا وَحَرَّمَ اللهُ كَذَا، فَيَقُولُ اللهُ: كَذَبْتَ لَمْ أُحِلَّ هَذَا وَلَمْ أُحَرِّمْ هَذَا. يَعْنِي: التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ.
" وَأَصْلُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ هُوَ الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، فَإِنَّ الْمُشْرِكَ يَزْعُمُ أَنَّ
مَنِ اتَّخَذَهُ مَعْبُودًا مِنْ دُونِ اللهِ، يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ وَيَشْفَعُ لَهُ عِنْدَهُ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ بِوَاسِطَتِهِ، كَمَا تَكُونُ الْوَسَائِطُ عِنْدَ الْمُلُوكِ. فَكُلُّ مُشْرِكٍ قَائِلٌ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، دُونَ الْعَكْسِ، إِذِ الْقَوْلُ عَلَى اللهِ
بِلَا عِلْمٍ قَدْ يَتَضَمَّنُ التَّعْطِيلَ وَالِابْتِدَاعَ فِي دِينِ اللهِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الشِّرْكِ، وَالشِّرْكُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُوجِبًا لِدُخُولِ النَّارِ، وَاتِّخَاذِ مَنْزِلَةٍ مِنْهَا مُبَوَّأَةٍ، وَهُوَ الْمَنْزِلُ اللَّازِمُ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ كَصَرِيحِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا انْضَافَ إِلَى الرَّسُولِ فَهُوَ مُضَافٌ إِلَى الْمُرْسِلِ، وَالْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ صَرِيحٍ: افْتِرَاءُ الْكَذِبِ عَلَيْهِ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) فَذُنُوبُ أَهْلِ الْبِدَعِ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ هَذَا الْجِنْسِ فَلَا تَتَحَقَّقُ التَّوْبَةُ مِنْهُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْبِدَعِ، وَأَنَّى بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا بِدْعَةٌ، أَوْ يَظُنُّهَا سُنَّةً، فَهُوَ يَدْعُو إِلَيْهَا، وَيَحُضُّ عَلَيْهَا؟ فَلَا تَنْكَشِفُ لِهَذَا ذُنُوبُهُ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْهَا، إِلَّا بِتَضَلُّعِهِ مِنَ السُّنَّةِ وَكَثْرَةِ إِطْلَاعِهِ عَلَيْهَا وَدَوَامِ الْبَحْثِ عَنْهَا وَالتَّفْتِيشِ عَلَيْهَا، وَلَا تَرَى صَاحِبَ بِدْعَةٍ كَذَلِكَ أَبَدًا، فَإِنَّ السُّنَّةَ بِالذَّاتِ تَمْحَقُ الْبِدْعَةَ وَلَا تَقُومُ لَهَا، وَإِذَا طَلَعَتْ شَمْسُهَا فِي قَلْبِ الْعَبْدِ قَطَعَتْ مِنْ قَلْبِهِ ضَبَابَ كُلِّ بِدْعَةٍ، وَأَزَالَتْ ظُلْمَةَ كُلِّ ضَلَالَةٍ، إِذْ لَا سُلْطَانَ لِلظُّلْمَةِ مَعَ سُلْطَانِ الشَّمْسِ. وَلَا يَرَى الْعَبْدُ الْفَرْقَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، وَيُعِينُهُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَتِهَا إِلَى نُورِ السُّنَّةِ، إِلَّا تَجْرِيدُ الْمُتَابَعَةِ، وَالْهِجْرَةُ بِقَلْبِهِ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى اللهِ، بِالِاسْتِعَانَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَصِدْقِ اللَّجْإِ إِلَى اللهِ، وَالْهِجْرَةِ إِلَى رَسُولِهِ بِالْحِرْصِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَهَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ " فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ " وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ حَظُّهُ وَنَصِيبُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ اهـ.
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)
هَذِهِ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ مِمَّا قَفَّى بِهِ عَلَى النِّدَاءِ الثَّالِثِ لِبَنِي آدَمَ، وَوَجْهُ وَصْلِهَا بِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ فِي الثَّانِيَةِ مَجَامِعَ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى بَنِي آدَمَ، وَهِيَ أُصُولُ الْمَفَاسِدِ وَالْمَضَارِّ الشَّخْصِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، فِي إِثْرِ إِبَاحَةِ أُصُولِ الْمَنَافِعِ مِنَ الزِّينَةِ وَالطَّيِّبَاتِ
النَّافِعَةِ لَهُمْ، أَوْ إِيجَابِهَا بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِسْرَافِ فِيهَا - وَسَبَقَ هَذِهِ وَتِلْكَ مَا قَفَّى بِهِ عَلَى النِّدَاءِ الثَّانِي مِنْ بَيَانِ أَصْلِ الْأُصُولِ لِمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَهُوَ الْقِسْطُ وَالْعَدْلُ فِي الْآدَابِ وَالْأَعْمَالِ، وَعِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ بِالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي الدِّينِ وَعَقِيدَةِ الْبَعْثِ - وَلَمَّا وَصَلَ مَا هُنَالِكَ بِقَسْمِ النَّاسِ إِلَى فَرِيقَيْنِ
مُهْتَدِينَ وَضَالِّينَ - وَصَلَ مَا هُنَا بِبَيَانِ عَاقِبَةِ الْأُمَمِ فِي قَبُولِ هَذِهِ الْأُصُولِ أَوْ رَدِّهَا، وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقَتِهَا بَعْدَ الْقَبُولِ أَوِ الزَّيْغِ عَنْهَا، فَقَالَ عز وجل:
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَقُولِ الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ، أَيْ قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ:(إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ) إِلَخْ دُونَ مَا حَرَّمْتُمْ مِنَ النِّعَمِ وَالْمَنَافِعِ بِأَهْوَائِكُمْ وَجَهَالَاتِكُمْ - وَقُلْ: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) أَيْ أَمَدٌ مَضْرُوبٌ لِحَيَاتِهَا، مُقَدَّرٌ فِيمَا وَضَعَ الْخَالِقُ سُبْحَانَهُ مِنَ السُّنَنِ لِوُجُودِهَا، وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَجَلُ مَنْ يَبْعَثُ اللهُ فِيهِمْ رُسُلًا لِهِدَايَتِهِمْ فَيَرُدُّونَ دَعْوَتَهُمْ كِبْرًا وَعِنَادًا فِي الْجُحُودِ، وَيَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ فَيُعْطَوْنَهَا مَعَ إِنْذَارِهِمْ بِالْهَلَاكِ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا فَيُكَذِّبُونَ فَيَهْلَكُونَ، وَبِهَذَا هَلَكَ أَقْوَامُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَغَيْرُهُمْ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْهَلَاكِ كَانَ خَاصًّا بِأَقْوَامِ الرُّسُلِ أُولِي الدَّعْوَةِ الْخَاصَّةِ لِأَقْوَامِهِمْ، وَقَدِ انْتَهَى بِبِعْثَةِ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ الْعَامَّةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ الْمُخَاطَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ)(21: 107) لَكِنَّ انْتِهَاءَهُ عِنْدَ اللهِ لَا يَمْنَعُ جَعْلَهُ إِنْذَارًا لِقَوْمِهِ خَاصَّةً بِهَلَاكِهِمْ إِنْ أُعْطَوْا مَا اقْتَرَحُوهُ مِنَ الْآيَاتِ إِرْضَاءً لِعِنَادِهِمْ، لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْبَصِيرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَنْعَهُمْ إِيَّاهُ إِنَّمَا كَانَ رَحْمَةً بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي الْأُمَمِ أَنَّ الْجَاحِدِينَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ الْآيَاتِ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا، وَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يُعْطِ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ شَيْئًا مِمَّا كَانُوا يَقْتَرِحُونَهُ عَلَيْهِ مِنْهَا، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَتَفْسِيرِهَا، وَهَذَا الْأَجَلُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَهُ تَعَالَى عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْأَجَلُ الْمُقَدَّرُ لِحَيَاةِ الْأُمَمِ سَعِيدَةً عَزِيزَةً بِالِاسْتِقْلَالِ، الَّتِي تَنْتَهِي بِالشَّقَاءِ وَالْمَهَانَةِ أَوِ الِاسْتِعْبَادِ وَالِاسْتِذْلَالِ، إِنْ لَمْ تَنْتَهِ بِالْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ، وَهَذَا النَّوْعُ مَنُوطٌ بِسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ وَالْعُمْرَانِ، وَأَسْبَابُهُ مَحْصُورَةٌ فِي مُخَالَفَةِ هَدْيِ الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ، بِالْإِسْرَافِ فِي الزِّينَةِ وَالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ، وَبِاقْتِرَافِ الْفَوَاحِشِ وَالْآثَامِ وَالْبَغْيِ عَلَى النَّاسِ، وَبِخُرَافَاتِ
الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّةِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَبِالْكَذِبِ عَلَى اللهِ بِإِرْهَاقِ الْأُمَّةِ بِمَا لَمْ يُشَرِّعْهُ لَهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، تَحَكُّمًا مِنْ رُؤَسَاءِ الدِّينِ عَنْ تَقْلِيدٍ أَوِ اجْتِهَادٍ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:(إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(13: 11) .
فَمَا مِنْ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ الْعَزِيزَةِ السَّعِيدَةِ، ارْتَكَبَتْ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ وَالْمَفَاسِدَ الْمُبِيدَةَ، إِلَّا سَلَبَهَا اللهُ سَعَادَتَهَا وَعِزَّهَا، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا مَنِ اسْتَذَلَّهَا وَسَلَبَ مُلْكَهَا (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (11: 102) .
وَأَمَامُنَا تَارِيخُ الْيَهُودِ وَالرُّومَانِ وَالْفُرْسِ وَالْعَرَبِ وَالتُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ سُلِبَ مُلْكُهُ كُلُّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ سُلِبَ بَعْضُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى رُشْدِهِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْهُ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ آجَالِ الْأُمَمِ - وَإِنْ عُرِفَتْ أَسْبَابُهُ وَسُنَنُهُ - لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَدِّدَهُ بِالسِّنِينَ وَالْأَيَّامِ، وَهُوَ مُحَدَّدٌ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى بِالسَّاعَاتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ:(فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) السَّاعَةُ: فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَقَلِّ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَنِ، وَالسَّاعَةُ الْفَلَكِيَّةُ اصْطِلَاحٌ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ 24 جُزْءٍ مِنْ مَجْمُوعِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. أَيْ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُ كُلِّ أُمَّةٍ كَانَ عِقَابُهُمْ فِيهِ لَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهُ أَقَلَّ تَأَخُّرٍ، كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَتَقَدَّمُونَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يَجِيءْ، أَوْ لَا يَمْلِكُونَ طَلَبَ تَأْخِيرِهِ كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ طَلَبَ تَقْدِيمِهِ، وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ " اسْتَقْدَمَ " وَرَدَ بِمَعْنَى قَدِمَ وَأَقْدَمَ وَتَقَدَّمَ كَمَا وَرَدَ " اسْتَجَابَ " بِمَعْنَى أَجَابَ، وَمِثْلُهُ " اسْتَأْخَرَ "، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا كَوْنَ الْأَصْلِ فِي السِّينِ وَالتَّاءِ لِلطَّلَبِ أَوْ مَظِنَّةٍ لِلطَّلَبِ، وَالطَّلَبُ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ، فَمَنْ أَتَى سَبَبَ الشَّيْءِ كَانَ طَالِبًا لَهُ بِالْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ غَافِلًا عَنِ اسْتِتْبَاعِهِ لَهُ، فَالْأُمَّةُ الَّتِي تَرْتَكِبُ أَسْبَابَ الْهَلَاكِ تَكُونُ طَالِبَةً لَهُ بِلِسَانِ حَالِهَا وَاسْتِعْدَادِهَا وَلَابُدَّ أَنْ يَأْتِيَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الطَّلَبَ هُوَ الَّذِي لَا يُرَدُّ. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ هُنَا أَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ تَمْلِكُ طَلَبَ تَأْخِيرِ الْهَلَاكِ قَبْلَ مَجِيءِ أَجَلِهِ، أَيْ قَبْلَ أَنْ تَغْلِبَهَا عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى إِرَادَتِهَا أَسْبَابُ الْهَلَاكِ، ذَلِكَ بِأَنْ تَتْرُكَ الْفَوَاحِشَ وَالْآثَامَ، وَالظُّلْمَ وَالْبَغْيَ، وَالْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، وَالْإِسْرَافَ فِي التَّرَفِ الْمُفْسِدِ لِلْأَخْلَاقِ، وَخُرَافَاتِ الشِّرْكِ الْمَفْسَدَةَ لِلْعُقُولِ وَالْأَعْمَالِ، وَكَذَا التَّكَالِيفَ التَّقْلِيدِيَّةَ بِتَكْثِيرِ مَا ابْتُدِعَ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، الَّتِي لَمْ يُخَاطِبِ الرَّبُّ بِهَا الْعِبَادَ. وَالْمُرَادُ: أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الْأُمَّةِ الصَّلَاحَ لِإِصْلَاحِ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ بِالْجَزْمِ، وَغَيْرَ مَشْرُوطٍ بِهَذَا الشَّرْطِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الْحِجْرِ:(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ)(15: 4، 5) قُلْنَا: إِنَّ امْتِنَاعَ السَّبْقِ وَالتَّأَخُّرِ أَوْ طَلَبَهُ وَالسَّعْيَ لَهُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَلِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَثْبَتَهُ فِي كِتَابِ مَقَادِيرِ الْعَالَمِ، فَإِنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى لَا يَتَغَيَّرُ، وَسُنَنَهُ لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَحَوَّلُ، وَلِذَلِكَ يَمْتَنِعُ التَّأْخِيرُ أَوْ طَلَبُهُ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَابِهِ إِذَا جَاءَ الْأَجَلُ بِالْفِعْلِ، وَلِهَذَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ فِي الْحُسْنِ، مِنْهَا مَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالتَّحْدِيدِ، وَمِنْهَا مَا يُعْلَمُ بِالتَّقْرِيبِ. كَقُوَّةِ الْحَرَارَةِ وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَجْسَامِ. وَقُوَّةِ الْمَوَادِّ الضَّاغِطَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الِانْفِجَارِ، كُلٌّ مِنْهُمَا يُضْبَطُ بِحِسَابٍ مَعْلُومٍ. وَمِنْهَا مِقْدَارُ الْمَاءِ الَّذِي يُمْسَكُ وَرَاءَ السُّدُودِ كَخَزَّانِ أَسْوَانَ. فَقُوَّةُ السَّدِّ وَمَقَادِيرُ الْمَاءِ وَقُوَّةُ ضَغْطِهِ مُقَدَّرَةً بِحِسَابٍ. وَكَذَا الْمَاءُ وَالْوَقُودُ الَّذِي تَسِيرُ بِهِ مَرَاكِبُ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَالْغَازُ الْمُحَرِّكُ لِلطَّيَّارَاتِ وَالْمَنَاطِيدِ فِي الْجَوِّ، يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ مَسَافَةٍ مِنْهُ، وَالْجَزْمُ بِوُقُوفِ هَذِهِ الْمَرَاكِبِ بَعْدَ نَفَادِهِ فِي الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لَهُ، وَكُلُّ عَمَلٍ مُنَظَّمٍ بِعِلْمٍ صَحِيحٍ، يَأْتِي فِيهِ مِثْلُ هَذَا التَّقْدِيرِ، وَيَكُونُ ضَبْطُهُ وَتَحْدِيدُهُ بِقَدْرِ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ، مِثْلِ دَرَجَاتِ الْحَرَارَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَسُنَنِ الضَّغْطِ وَالْجَذْبِ، كَكَوْنِ جَاذِبِيَّةِ الثِّقْلِ عَلَى نِسْبَةِ
مُرَبَّعِ الْبُعْدِ. وَمِمَّا يَكُونُ التَّقْدِيرُ فِيهِ بِالتَّقْرِيبِ، فَيُخْطِئُ فِيهِ الْمُقَدِّرُ وَيُصِيبُ، تَقْدِيرُ سَيْرِ الْأَمْرَاضِ الْمَعْرُوفَةِ كَالسُّلِّ الرِّئَوِيِّ، فَإِنَّ لَهُ دَرَجَاتٍ يُسْرِعُ قَطْعُ الْمَسْلُولِ لَهَا وَيُبْطِئُ بِقَدْرِ قُوَّةِ الْمَنَاعَةِ وَالْمُقَاوَمَةِ فِي جِسْمِهِ وَطُرُقِ الْمُعَالَجَةِ وَالتَّغْذِيَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ جَوْدَةِ الْهَوَاءِ وَأَشِعَّةِ الشَّمْسِ. وَكَمْ مِنْ مَرَضٍ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى إِمْكَانِ الشِّفَاءِ مِنْهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ مَعَهَا الْمُعَالَجَةُ وَهُمْ مُصِيبُونَ فِي ذَلِكَ، كَالسَّرَطَانِ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِئْصَالُهُ بِعَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ فِي وَقْتٍ قَرِيبٍ وَيَتَعَذَّرُ فِي آخَرَ.
وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْأُمَمِ، قَدْ يَبْلُغُ فِيهَا الْفَسَادُ دَرَجَةً تَسْتَعْصِي فِيهَا مُعَالَجَتُهُ عَلَى أَطِبَّاءِ الِاجْتِمَاعِ، وَلَكِنَّهَا إِذَا تَنَبَّهَتْ قَبْلَ انْتِشَارِ الْفَسَادِ فِيهَا، وَتَبْرِيحِهِ بِزُعَمَائِهَا وَدَهْمَائِهَا، فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا مِنْ أَفْرَادِ الْمُصْلِحِينَ أَوْ جَمَاعَاتِهِمْ مَنْ يُنْقِذُهَا فَيُرْشِدُهَا إِلَى تَغْيِيرِ مَا بِأَنْفُسِهَا مِنَ الْفَسَادِ فَيُغَيِّرُ اللهُ مَا بِهَا، وَهُوَ مِنِ اسْتِئْخَارِ الْهَلَاكِ أَوْ مَنْعِهِ عَنْهَا قَبْلَ مَجِيءِ أَجَلِهَا.
وَقَدْ سَبَقَ حَكِيمُنَا الْعَرَبِيُّ ابْنُ خَلْدُونَ إِلَى الْكَلَامِ فِي آجَالِ الْأُمَمِ وَأَعْمَالِ
الدُّوَلِ، وَبَيَانِ مَا يَعْرِضُ لَهَا مِنَ الْهَرَمِ، وَكَوْنِهِ إِذَا وَقَعَ لَا يَرْتَفِعُ، فَأَصَابَ فِي بَعْضِ قَوْلِهِ وَأَخْطَأَ فِي بَعْضٍ، وَمِمَّا أَخْطَأَ فِيهِ جَعْلُهُ عُمْرَ الدَّوْلَةِ ثَلَاثَةَ أَجْيَالٍ أَيْ 120 سَنَةً كَالْأَجَلِ الطَّبِيعِيِّ لِلْأَفْرَادِ عَلَى تَقْدِيرِ بَعْضِ مُتَقَدِّمِي الْأَطِبَّاءِ. وَلَوْ قَالَ: عُمْرُ الدَّوْلَةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ أَيَّامِ اللهِ. طُفُولِيَّةٌ، وَبُلُوغُ أَشُدِّ وَرُشْدٍ، وَشَيْخُوخَةٍ وَهَرَمٍ. وَلَمْ يُقَدِّرْهَا بِالسِّنِينَ لَسَدَّدَ وَقَارَبَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَسْبَابِ هَلَاكِ الْأُمَمِ بِالظُّلْمِ وَالْفَسَادِ وَالِانْغِمَاسِ فِي حَمْأَةِ الرَّذَائِلِ وَالْفِسْقِ قَدْ بَلَغَ مِنْ أُمَمِ أُورُبَّةَ مَبْلَغًا عَظِيمًا، فَمَا بَالَهَا تَزْدَادُ قُوَّةً وَعِزَّةً وَعَظَمَةً. حَتَّى صَارَتِ الْأُمَمُ الْمَغْلُوبَةُ عَلَى أَمْرِهَا، وَلَا سِيَّمَا الْمُسْتَذِلَّةُ لَهَا، تَعْتَقِدُ أَنَّ تَقْلِيدَهَا فِي مَدَنِيَّتِهَا الْمَادِّيَّةِ وَحُرِّيَّةِ الْفِسْقِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ كُلِّ قَيْدٍ - إِلَّا تَعَدِّي الْفَرْدِ عَلَى حُرِّيَّةِ غَيْرِهِ - هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهَا عَزِيزَةً سَعِيدَةً مِثْلَهَا.
قُلْنَا: إِنَّ تَأْثِيرَ الْفِسْقِ وَالْفَسَادِ فِي الْأُمَمِ يُشْبِهُ تَأْثِيرَهُ فِي الْأَفْرَادِ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرْنَا آنِفًا مِنِ اخْتِلَافِ الْأَبْدَانِ وَالْأَمْزِجَةِ فِي احْتِمَالِ الْأَمْرَاضِ، وَاخْتِلَافِ وَسَائِلِ الْمَعِيشَةِ وَالْعِلَاجِ، فَأَطِبَّاءُ الْأَبْدَانِ مُجْمِعُونَ عَلَى مَضَارِّ السُّكَّرِ الْكَثِيرَةِ وَكَوْنِهَا سَبَبًا لِلْأَمْرَاضِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْمَوْتِ، وَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ تَأْثِيرَهَا فِي الْبَدَنِ الْقَوِيِّ دُونَ تَأْثِيرِهَا فِي الْبَدَنِ الضَّعِيفِ، فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنْهَا يُبْطِئُ تَأْثِيرَ ضَرَرِهِ عَنْ تَأْثِيرِ الْكَثِيرِ، وَأَنَّ بَعْضَهَا أَضَرُّ مِنْ بَعْضٍ، وَأَطِبَّاءُ الِاجْتِمَاعِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَافَ فِي الْفِسْقِ وَالتَّرَفِ مُفْسِدٌ لِلْأُمَمِ، وَأَنَّ الظُّلْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْغُلُوَّ فِي الْمَطَامِعِ وَالْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ، وَالتَّنَازُعَ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ، وَلَكِنْ لَدَى هَذِهِ الدُّوَلِ كَثِيرًا مِنَ الْقُوَى الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ الَّتِي تُقَاوِمُ بِهَا سُرْعَةَ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْأَدْوَاءِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، كَالْأَدْوِيَةِ وَطُرُقِ الْوِقَايَةِ الَّتِي تُقَاوِمُ بِهَا سُرْعَةَ تَأْثِيرِ هَذِهِ
الْأَمْرَاضِ الْجَسَدِيَّةِ، وَالرِّيَاضَةُ الشَّاقَّةُ الَّتِي يُتَّقَى بِهَا إِضْعَافُ التَّرَفِ لِلْأَبْدَانِ. وَأَعْظَمُ هَذِهِ الْقُوَى الْوَاقِيَةِ لِلْأُمَمِ النِّظَامُ وَمُرَاعَاةُ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ حَتَّى فِي نَفْسِ الظُّلْمِ، وَفِي إِخْفَائِهِ عَمَّنْ يَضُرُّ الظَّالِمِينَ عِلْمُهُمْ بِهِ وَلَوْ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، وَإِتْقَانِ الْوَسَائِلِ وَالْأَسْبَابِ فِي إِلْبَاسِ ظُلْمِهِمْ لِبَاسَ الْعَدْلِ، وَجَعْلِ بَاطِلِهِمْ عَيْنَ الْحَقِّ، وَإِبْرَازِ إِفْسَادِهِمْ فِي صُورَةِ الْإِصْلَاحِ، وَإِيجَادِ أَنْصَارٍ لَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَظْلُومِينَ، بَلْ إِقْنَاعِ الْكَثِيرِينَ مِنْهُمْ، بِأَنَّ سِيَادَتَهُمْ عَلَيْهِمْ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ سِيَادَتِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا مَحَلَّ لِشَرْحِهِ هُنَا، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ الْمِصْرِيِّ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ
الظُّلْمِ الْوَطَنِيِّ وَمَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الظُّلْمِ الْأَجْنَبِيِّ فِي مِصْرَ وَأَمْثَالِهَا.
لَقَدْ كَانَ هَذَا الظُّلْمُ فَوْضَى فَهُذِّبَتْ
…
حَوَاشِيهِ حَتَّى صَارَ ظُلْمًا مُنَظَّمَا
وَقَدْ قُلْتُ لِلْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ مَرَّةً: مَا بَالُ بَاطِلِ هَؤُلَاءِ الْإِفْرِنْجِ فِي شُئُونِهِمُ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ ثَابِتًا نَامِيًا لَا يَدْمَغُهُ الْحَقُّ؟ - أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ - فَقَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ بِالتَّبَعِ لِلنِّظَامِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى الْحَقِّ، أَيْ فَهُوَ يَزُولُ إِذَا قُذِفَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ مُؤَيَّدٍ بِنِظَامٍ مِثْلِهِ أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ، فَهَذَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ لَهُ الْمُسْتَعْبِدُونَ لَهُمْ فِي الشَّرْقِ، مَعَ مُبَارَاتِهِمْ فِي الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ دُونَ التَّرَفِ وَالْفِسْقِ.
بِيدَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَمْنَعُ انْتِقَامَ اللهِ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَجْرِي عَلَى مُقْتَضَى سُنَنِهِ فِي تَأْخِيرِهِ عَنْهُمْ، فَهُوَ مَثَلٌ مِنْ أَمْثَالِ اسْتِئْخَارِ الْعَذَابِ بِأَسْبَابِ تَأْخِيرِ الْأَجَلِ، وَلَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ مَنْعِهِ. فَإِنَّمَا مَنْعُهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالِاعْتِدَالِ، وَالصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ. وَإِنَّ حُكَمَاءَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَقَدْ نَقَلْنَا بَعْضَ أَقْوَالِهِمْ فِي الْمَنَارِ، وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَنَا فِي مَدِينَةِ (جِنِيفَ - سِوِيسْرَةَ) إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُقَلَاءِ يَتَوَقَّعُونَ قُرْبَ هَلَاكِ أُورُبَّةَ فِي حَرْبٍ عَاجِلَةٍ شَرٍّ مِنَ الْحَرْبِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي فَقَدَتْ بِهَا أُلُوفَ الْأُلُوفِ مِنْ قَتْلَى الْمَعَارِكِ، وَمِثْلَهُمْ مَا بَيْنَ قَتِيلِ مَرَضٍ أَوْ مَخْمَصَةٍ، وَمُشَوَّهٍ أَضْحَى عَالَةً عَلَى الْوَطَنِ. وَإِنَّهُمْ يُرَجِّحُونَ أَلَّا يَعْدُوَ هَلَاكُهَا هَذَا الْجِيلَ. وَمِنْهَا مَا قَالَهُ أَحَدُ ضُبَّاطِ الْإِنْكِلِيزِ فِي أَثْنَاءِ الْحَرْبِ مِنْ حَدِيثٍ دَارَ بَيْنَهُمْ فِي عُمْرِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ دَبَّ إِلَيْهَا الْفَسَادُ الَّذِي ذَهَبَ بِإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِ، وَأَنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ أَنَّهَا قَدْ تَعِيشُ ثَمَانِينَ عَامًا. وَقَدْ كُنْتُ مُنْذُ أَيَّامٍ أَتَحَدَّثُ مَعَ بَعْضِ أَذْكِيَاءِ الْيَهُودِ فِي مَفَاسِدِ الْفَرَنْسِيسِ وَقِلَّةِ نَسْلِهِمْ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ أَجَلَهُمْ لَا يَتَجَاوَزُ هَذَا الْجِيلَ. فَقَالَ: إِنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ جِيلَيْنِ اثْنَيْنِ. كُلُّ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ مِنَ الرَّجْمِ بِالْغَيْبِ. وَإِنَّمَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوِ الْإِلْمَامِ بِعِلْمِ الِاجْتِمَاعِ وَسُنَنِ الْعُمْرَانِ لَا فِي الْغَرْبِ وَلَا فِي الشَّرْقِ، هُوَ أَنَّ إِسْرَافَ شُعُوبِ أُورُبَّةَ فِي الْفِسْقِ، وَإِصْرَارِ حُكُومَاتِهَا عَلَى سِيَاسَةِ الْإِفْرَاطِ فِي الطَّمَعِ وَالْمَكْرِ، وَالتَّلْبِيسِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى الِاسْتِعْمَارِ وَالْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ، وَتَأْيِيدِ الْأَفْرَادِ مِنْ أَصْحَابِ الْمَالِ، عَلَى الْجَمَاهِيرِ مِنَ الْعُمَّالِ - كُلُّ ذَلِكَ مِنْ دُودِ الْفَسَادِ الْمُفْضِي إِلَى
الْهَلَاكِ. وَلْيُرَاجِعْ مَنْ شَاءَ مَا دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ السِّيَاسِيِّ السُّوِيسِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مِنْ رِحْلَتِي الْأُورُبِّيَّةِ فِي الْمَنَارِ (ج 8 م 23) .
عَلَى أَنَّ الْحَرْبَ الْأَخِيرَةَ قَدْ ثَلَّتْ عَرْشَ قَيَاصِرَةِ الرُّوسِ وَالنَّمِسَةِ، وَمَزَّقَتْ مَمَالِكَهُمَا كُلَّ مُمَزَّقٍ، كَمَا مَزَّقَتْ سَلْطَنَةَ آلِ عُثْمَانَ فَجَعَلَتْهَا فِي خَبَرِ كَانَ. وَأَسْقَطَتْ عَرْشَ عَاهِلِ الْأَلْمَانِ، وَصَارَتْ دَوْلَتُهُمْ جُمْهُورِيَّةً، وَثَلَّتْ عُرُوشَ مُلُوكٍ آخَرِينَ، وَمَا بَقِيَ مِنَ الدُّوَلِ وَالْأُمَمِ فِي أُورُبَّةَ لَمْ يَتَّعِظُوا وَلِمَ يَزْدَجِرُوا، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ عُلَمَاءُ الِاجْتِمَاعِ وَالْأَخْلَاقِ وَفَلَاسِفَةُ التَّارِيخِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَقْوَامِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ دَبَّ إِلَيْهِمْ دَاءُ الْأُمَمِ الَّذِي هَلَكَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمْ وَيُنْذِرُونَهُمْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ لَا يَتَّعِظُونَ وَلَا يَتُوبُونَ مِنْ ذَنْبِهِمْ، وَلَا يَثُوبُونَ إِلَى رُشْدِهِمْ؟ .
قُلْنَا: إِنَّ أَمْرَنَا فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَقَدْ أَنْذَرَنَا رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ مِثْلَ هَذَا فِي أَمْرِ دُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا جَمِيعًا، وَلِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى مِنَ السُّلْطَانِ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، مَا لَيْسَ لِكَلَامِ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ الْمَادِّيِّينَ، فَمِنَّا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْمَعُ النُّذُرَ، وَمَنْ لَا يَعْقِلُهَا إِذَا سَمِعَهَا (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ) (8: 23) وَمَنْ يَتَمَارَوْنَ بِهَا أَوْ يَتَأَوَّلُونَهَا، وَمَنْ تُغْرِهِمْ أَنْفُسُهُمْ بِأَنَّهُمْ يَتَّقُونَهَا، فَتَعْدُوهُمْ أَوْ يَعْدُونَهَا، وَمَنْ يَجْهَلُونَ عِلَاجَ الْعِلَّةِ أَوْ يَعْجَزُونَ عَنْهُ، وَمَتَى أَزْمَنَ الدَّاءُ بَطُلَ فِعْلُ الدَّوَاءِ، وَإِذَا تَمَكَّنَتِ الْأَهْوَاءُ فِي الْأَنْفُسِ وَصَارَتْ مَلَكَاتٍ لَهَا، مَلَكَتْ عَلَيْهَا أَمْرَهَا، وَغَلَبَتْهَا عَلَى اخْتِيَارِهَا، وَهَذَا مُشَاهَدُ فِي الْأَفْرَادِ وَالْأُمَمُ أَوْلَى بِهِ مِنْهَا. فَإِنَّكَ تَرَى بَعْضَ الْأَطِبَّاءِ يَسْكَرُونَ وَهُمْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ ضَرَرِ السُّكْرِ، وَلَكِنَّ دَاعِيَتَهُ أَرْجَحُ فِي النَّفْسِ مِنْ وَازِعِ الْعَقْلِ وَالْفِكْرِ. عَذَرْتُ طَبِيبًا عَلَى الشُّرْبِ مُذَكِّرًا لَهُ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ ضُرِّهِ - فَقَالَ لِأَنْ أَعِيشَ عَشْرًا بِلَذَّةٍ آثَرُ عِنْدِي مِنْ أَنْ أَعِيشَ عِشْرِينَ مَحْرُومًا مِنْهَا. فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ هَذَا مَضْمُونًا لَكَ، لَجَازَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْكَ، وَلَكِنَّ عِلْمَكُمْ يَقْتَضِي خِلَافَهُ. فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الْخَمْرَ تُحْدِثُ لَكَ مِنَ الْأَسْقَامِ مَا تَعِيشُ بِهِ الْعِشْرِينَ فِي أَشَدِّ الْآلَامِ؟ فَسَكَتَ. وَقَدِ ابْتُلِيَ بِالصَّرَعِ وَغَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتُبْ.
وَهَا نَحْنُ أُولَاءِ قَدْ كُنَّا بِهِدَايَةِ دِينِنَا أُمَّةً عَزِيزَةً قَوِيَّةً مُتَّحِدَةً، فَمَزَّقَتْنَا الْأَهْوَاءُ فَضَعُفْنَا ثُمَّ سَاعَدَ الزَّمَانُ بَعْضَ شُعُوبِنَا فَاعْتَزَّتْ وَعَلَتْ ثُمَّ انْخَفَضَتْ وَضَعُفَتْ، وَقَدْ قَامَ مِنَّا مَنْ يُنْذِرُنَا وَيُذَكِّرُنَا بِآيَاتِ رَبِّنَا وَيَدْعُونَا بِهَا إِلَى مَا يُحْيِينَا فَأَعْرَضَ أُمَرَاؤُنَا وَعُلَمَاؤُنَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ دَهْمَاؤُنَا (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) (54: 4، 5) (وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (10: 101) .
هَذَا - وَقَدْ بَحَثَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا فِي آجَالِ الْأَفْرَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَلَا
شَكَّ فِي أَنَّ لِكُلِّ فَرْدٍ أَجَلًا فِي عِلْمِ اللهِ وَفِي تَقْدِيرِهِ (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)(6: 2) فَأَمَّا الَّذِي فِي عِلْمِهِ تَعَالَى فَلَا يَتَغَيَّرُ، وَلَا يَقْتَضِي هَذَا نَفْيَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ، وَلَا كَوْنَ النَّاسِ مَجْبُورِينَ لَا اخْتِيَارَ لَهُمْ فِي أُمُورِ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ حَقٌّ ثَابِتٌ بِالْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ وَبِالْوَحْيِ جَمِيعًا وَالْحَقُّ الْوَاقِعُ مِثَالٌ وَمِصْدَاقٌ لِمَا فِي الْعِلْمِ وَلَيْسَ الْعِلْمُ فَاعِلًا فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ كَاشِفٌ لَهُ.
وَأَمَّا الْأَجَلُ الْمُقَدَّرُ بِمُقْتَضَى نِظَامِ الْخَلْقِ فَهُوَ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ عُلَمَاءُ الدُّنْيَا بِالْعُمْرِ الطَّبِيعِيِّ وَهُوَ مِائَةُ سَنَةٍ فِي مُتَوَسِّطِ تَقْدِيرِ أَطِبَّاءِ عَصْرِنَا. وَهُمْ يُقَدِّرُونَ لِكُلِّ فَرْدٍ عُمْرًا بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْ قُوَّةِ جِسْمِهِ وَأَعْضَائِهِ الرَّئِيسَةِ وَوَظَائِفِهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّقْدِيرِ أَنْ يَعِيشَ بِنِظَامٍ وَاعْتِدَالٍ وَتَقْوًى، فَإِذَا أَخَلَّ بِذَلِكَ اخْتَلَّ التَّقْدِيرُ وَبَعُدَ عَنِ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتَةِ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى وَإِلَّا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا بِحَسَبِ مَا عُلِمَ مِنْ سُنَنِهِ تَعَالَى. وَمَنْ قُتِلَ أَوْ غَرِقَ مَثَلًا قَبْلَ انْتِهَاءِ الْعُمْرِ الْمُقَدَّرِ لَهُ يُقَالُ إِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ انْتِهَاءِ عُمْرِهِ الطَّبِيعِيِّ أَوِ التَّقْدِيرِيِّ. وَلَكِنْ بِأَجَلِهِ الْحَقِيقِيِّ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى. وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي نَقْصِ الْعُمْرِ وَإِطَالَتِهِ وَالْإِنْسَاءِ فِيهِ بِالْأَسْبَابِ الْعَمَلِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ كَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالدُّعَاءِ فَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَجَلِ التَّقْدِيرِيِّ أَوِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَظْهَرِ سُنَنِ اللهِ فِي الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ هَنَاءِ الْمَعِيشَةِ، وَهَنَاءُ الْمَعِيشَةِ مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ طُولِ الْعُمْرِ. وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ الَّذِي مَنْشَؤُهُ قُوَّةُ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالرَّجَاءُ فِي مَعُونَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا يَضْعُفُ عَنْهُ أَوْ يَعْجِزُ عَنْ أَسْبَابِهِ، وَمِنَ الْأُمُورِ الثَّابِتَةِ بِالتَّجَارِبِ الْمُطَّرِدَةِ أَنَّ الْهُمُومَ وَالْأَكْدَارَ وَلَا سِيَّمَا الدَّاخِلِيُّ مِنْهَا كَقَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ، وَالْيَأْسِ مِنْ رَوْحِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ تَقَطُّعِ الْأَسْبَابِ، يُضْعِفَانِ قُوَى النَّفْسِ الْحَيَوِيَّةِ وَيُهْرِمَانِ الْجِسْمَ قَبْلَ إِبَّانِ الْهَرَمِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَالْهَمُّ يَخْتَرِمُ الْجَسِيمَ نَحَافَةً
…
وَيُشِيبُ نَاصِيَةَ الصَّبِيِّ وَيُهْرِمُ
وَلِلْهُمُومِ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ تَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمِثْلُهَا فِي تَقْصِيرِ الْعُمْرِ الطَّبِيعِيِّ قِلَّةُ الْغِذَاءِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبَدَنُ وَالْإِسْرَافُ فِيهِ وَفِي كُلِّ لَذَّةٍ. وَكَذَا فِي الرَّاحَةِ وَالتَّعَبِ وَكَثْرَةِ التَّعَرُّضِ لِلنَّجَاسَةِ وَالسُّكْنَى فِي الْأَمْكِنَةِ الْقَذِرَةِ الَّتِي لَا تُصِيبُهَا الشَّمْسُ وَلَا يَتَخَلَّلُهَا الْهَوَاءُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَكْفِي لِامْتِصَاصِ الرُّطُوبَاتِ وَقَتْلِ جَرَاثِيمِ الْفَسَادِ فِيهَا، وَالْأُمَمُ الْعَلِيمَةُ بِالسُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ تُحْصِي دَائِمًا عَدَدَ الْمَرْضَى وَالْمَوْتَى فِيهَا، وَتَضَعُ لَهَا نِسَبًا حِسَابِيَّةً تَعْرِفُ بِهَا مُتَوَسِّطَ الْآجَالِ
فِي كُلٍّ مِنْهَا، وَقَدْ ثَبَتَ بِهَا ثُبُوتًا قَطْعِيًّا أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ قِلَّةِ الْوَفِيَّاتِ تَحْسِينُ وَسَائِلِ الْمَعِيشَةِ وَالِاعْتِدَالُ فِيهَا، وَالتَّوَقِّي مِنَ الْأَمْرَاضِ بِاجْتِنَابِ أَسْبَابِهَا الْمَعْرُوفَةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَمُعَالَجَتُهَا بَعْدَ طُرُوئِهَا كَذَلِكَ. وَكُلُّ مَا ثَبَتَ وَوَقَعَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ
الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ قَدْ سَبَقَ بِهِ، وَلَا شَيْءَ مِمَّا ثَبَتَ فِي الْوَاقِعِ بِنَاقِضٍ لِشَيْءٍ مِمَّا وَرَدَ فِي نَصِّ كِتَابِ رَبِّنَا تَعَالَى وَمَا صَحَّ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ، وَهَذَا مِنْ حُجَجٍ كَوْنِ هَذَا الدِّينَ مِنْ عِلْمِ اللهِ تَعَالَى؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ لِبَشَرٍ أَنْ يُقَرِّرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْكَثِيرَةَ فِي الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ الَّذِي لَا يَزِيدُهُ تَرَقِّي عُلُومِ الْبَشَرِ وَتَجَارُبِهَا إِلَّا تَأْكِيدًا، وَنَاهِيكَ بِمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ أُمِّيٍّ نَشَأَ بَيْنَ الْأُمِّيِّينَ، وَسَنَعُودُ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْبَحْثِ فِي مُنَاسَبَةٍ أُخْرَى إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ أَنَّ الْعَطْفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) مُسْتَأْنَفٌ لِبَيَانِ مَا تَتِمُّ بِهِ الْفَائِدَةُ وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لَا الْجَزَائِيَّةِ فَيَكُونُ حَاصِلُ الْمَعْنَى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ لَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهُ إِذَا جَاءَ، وَهُمْ لَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنْ يَهْلَكُوا قَبْلَ مَجِيئِهِ. وَلَا يَظْهَرُ مَعْنًى لِعَطْفِهِ عَلَى (لَا يَسْتَأْخِرُونَ) الَّذِي هُوَ جَزَاءُ قَوْلِهِ:(فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ) إِلَّا بِتَكَلُّفٍ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ)(23: 43) وَأَمَّا حِكْمَةُ الْعُدُولِ عَنِ التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ هُنَا فَهِيَ إِفَادَةُ أَنَّ تَأْخِيرَ الْأَجَلِ أَوْ تَأْخِيرَ الْهَلَاكِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ مُمْكِنٌ لِلْأُمَّةِ الَّتِي تَعْرِفُ أَسْبَابَهُ وَتَمْلِكُ الْعَمَلَ بِهَا، كَتَرْكِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَالْفُجُورِ إِلَى أَضْدَادِهَا وَهُوَ يَتَّضِحُ بِمَا ضَرَبْنَا لَهَا مِنَ الْأَمْثَالِ آنِفًا.
(يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
هَذَا النِّدَاءُ هُوَ الرَّابِعُ لِبَنِي آدَمَ كَافَّةً مُنْذُ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ
يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ هُوَ وَمَا قَبْلَهُ حِكَايَةٌ لِمَا خَاطَبَ اللهُ بِهِ كُلَّ أُمَّةٍ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهَا وَبَيَّنَهُ لَهُمْ مِنْ أُصُولِ دِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِهِدَايَتِهِمْ بِهِ إِلَى مَا لَا غِنًى لَهُمْ عَنْهُ فِي تَكْمِيلِ فِطْرَتِهِمْ. وَقَدْ تَخَلَّلَ النِّدَاءُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ بَعْضَ مَا يُنَاسِبُ أُمَّةَ خَاتَمِ الرُّسُلِ صلى الله عليه وسلم إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي آيَاتِهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى مُشَارَكَةِ غَيْرِهَا لَهَا فِي الْخِطَابِ - وَأَمَّا هَذَا النِّدَاءُ فَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ جُمْلَةِ الرُّسُلِ، وَذَكَرَهُ بَعْدَ بَيَانِ آجَالِ الْأُمَمِ؛ وَلِهَذَا فَرَّعَ عَلَيْهِ بَيَانَ جَزَاءِ مَنِ اتَّبَعَ الرُّسُلَ
وَمَنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَقْوَامِ - فَهَذَا وَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِمَا قَبْلَهُ فِيمَا ظَهَرَ لَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ. قَالَ عز وجل:
(يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)" إِمَّا " مُرَكَّبَةٌ مِنْ " إِنِ " الشُّرْطِيَّةِ وَ " مَا " الَّتِي تُفِيدُ تَأْكِيدَ الشَّرْطِ وَكَذَا الْعُمُومَ فِي قَوْلٍ. وَالْمَعْنَى: إِنْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِكُمُ الْبَشَرِ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِيَ الَّتِي أُنْزِلُهَا عَلَيْهِمْ فِي بَيَانِ مَا أَفْرِضُهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُصْلِحَةِ وَمَا أُحَرِّمُهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالرَّذَائِلِ وَالْأَعْمَالِ الْمُفْسِدَةِ - فَمَنِ اتَّقَى مَا نَهَيْتُ عَنْهُ وَأَصْلَحَ نَفْسَهُ بِمَا أَوْجَبْتُ عَلَيْهِ، فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّكْذِيبِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عِنْدَ الْجَزَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فِي الدُّنْيَا كَحُزْنِ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَوَاضِعَ أَشْبَهَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا (2: 38: 6: 48 فَيُرَاجَعُ.
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الِاسْتِكْبَارُ عَنِ الْآيَاتِ هُوَ رَفْضُ قَبُولِهَا كِبْرًا وَعِنَادًا لِمَنْ جَاءَ بِهَا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا مَتْبُوعًا لِلْمُسْتَكْبِرِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ فَوْقَهُ، أَوْ أَقْوَامَهُمْ فَوْقَ قَوْمِهِ، أَوْ يُحِبُّونَ أَنْ يُرُوا النَّاسَ وَيُوهِمُوهُمْ ذَلِكَ، فَرُؤَسَاءُ قُرَيْشٍ الْمُسْتَكْبِرُونَ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرَى مِنَ الضَّعَةِ وَالْمَهَانَةِ أَنْ يَكُونَ مَرْءُوسًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا أَوْ أَكْبَرُ سِنًّا، فَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالرِّيَاسَةِ - وَكَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ بَعْضُ عَشِيرَتِهِ بَنِي هَاشِمٍ - وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَسْتَكْبِرُ أَنْ يَتْبَعَ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كَأَبِي جَهْلٍ وَأَبِي سُفْيَانَ وَآخَرِينَ، مَاتَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَدَانَ بَعْضُهُمْ بِالْإِسْلَامِ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِ قُرَيْشٍ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَسْتَكْبِرُ أَنْ يَتْبَعَ رَجُلًا مِنْهُمْ إِلَّا بِالتَّبَعِ لِعَدَمِ اتِّبَاعِهِمْ هُمْ لَهُ، وَلَكِنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِهِ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ النُّبُوَّةَ يَجِبُ حَصْرُهَا فِيهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَكَذَلِكَ أُمَرَاءُ الْمَجُوسِ
وَرُؤَسَاءُ دِينِهِمْ إِذْ كَانُوا يَحْتَقِرُونَ الْعَرَبَ كَافَّةً إِلَّا مَنْ هَدَى اللهُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يَزَالُ بَعْضُ الشُّعُوبِ يَأْبَى الِاهْتِدَاءَ بِالْإِسْلَامِ اسْتِكْبَارًا عَنِ اتِّبَاعِ أَهْلِهِ، بَلْ نَرَى بَعْضَ غُلَاةِ الْعَصَبِيَّةِ الْجِنْسِيَّةِ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنَ التُّرْكِ كَذَلِكَ، حَتَّى نَقَلَتْ صُحُفُ الْأَخْبَارِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ قَوْمَهُ يَسْتَنْكِفُونَ أَنْ يَتَسَفَّلُوا لِاتِّبَاعِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، بَلْ قَالَ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ إِثْمًا (! !) .
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ رُسُلِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّبَاعِ مَنْ جَاءَ بِهَا حَسَدًا لَهُ عَلَى الرِّيَاسَةِ، وَتَفْضِيلًا لِأَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ أَوْ لِقَوْمِهِمْ عَلَى قَوْمِهِ، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ الَّذِينَ يُخَلَّدُونَ فِيهَا، لَا كَالَّذِينِ يُعَذَّبُونَ فِيهَا زَمَنًا مُعَيَّنًا عَلَى ذُنُوبٍ اقْتَرَفُوهَا.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ قَدْ بَلَّغُوا أُمَمَهُمْ أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ فِي اتِّقَاءِ مَا يُفْسِدُ فِطْرَتَهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَخُرَافَاتِهِ وَالرَّذَائِلِ وَالْمَعَاصِي، وَفِي إِصْلَاحِ أَعْمَالِهِمْ بِالطَّاعَاتِ - يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَمْنُ مِنَ الْخَوْفِ مِنْ كُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ وَالْحُزْنُ عَلَى كُلِّ مَا يَقَعُ إِمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ تَكْذِيبَ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالِاسْتِكْبَارَ عَنِ اتِّبَاعِهَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ فَوْقَ مَا بَيَّنَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى مِنْ سُوءِ الْحَالِ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ سَكَتَ عَنِ الْجَزَاءِ الدُّنْيَوِيِّ هُنَا لِأَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ فِي كُلِّ وَقْتٍ.
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)
هَذَا بَدْءُ سِيَاقٍ طَوِيلٍ فِي وَصْفِ جَزَاءِ الْكَافِرِينَ بِاللهِ وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ وَجَزَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، مُفَصَّلًا تَفْصِيلًا مَبْنِيًّا عَلَى السِّيَاقِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَا سِيَّمَا خَاتِمَتُهُ وَهِيَ خِطَابُ بَنِي آدَمَ بِالْجَزَاءِ عَلَى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ وَعَدَمِهِ مُجْمَلًا. قَالَ تَعَالَى:
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) أَيْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ فِي
الْآيَاتِ السَّابِقَةِ - وَهُوَ كَذَلِكَ - فَلَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا مَا بِأَنْ أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ، أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ، أَوْ عَزَا إِلَى دِينِهِ أَيَّ حُكْمٍ لَمْ يُنَزِّلْهُ عَلَى رُسُلِهِ، أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ أَوْ بِمَا هُوَ أَدَلُّ مِنْهُ وَهُوَ الِاسْتِكْبَارُ عَنِ اتِّبَاعِهَا، أَوِ الِاسْتِهْزَاءُ بِهَا، أَوْ تَفْضِيلُ غَيْرِهَا عَلَيْهَا بِالْعَمَلِ.
(أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ) فِي الْكِتَابِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ كِتَابُ الْوَحْيِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الرُّسُلِ (وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ) وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ نَصِيبِهِمْ مِنْهُ: " مَا وُعِدُوا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ " فَإِنَّ الْكِتَابَ الْإِلَهِيَّ هُوَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْوَعْدَ عَلَى الْأَعْمَالِ أَيْ وَالْوَعِيدَ بِدَلِيلِ بَيَانِهِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَهُوَ عَامٌ يَشْمَلُ جَزَاءَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. (وَثَانِيهِمَا) أَنَّهُ كِتَابُ الْمَقَادِيرِ الَّذِي كَتَبَ اللهُ فِيهِ نِظَامَ الْعَالَمِ كُلِّهِ، وَمِنْهَا أَعْمَالُ الْأَحْيَاءِ الِاخْتِيَارِيَّةُ وَمَا يَبْعَثُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَسْبَابِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمُسَبِّبَاتِ كَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ إِلَخْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ الْمُفَصَّلُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) (6: 59) مِنْ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَعَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ فِي تَفْسِيرِ النَّصِيبِ مِنَ الْآيَةِ: مَا قُدِّرَ لَهُمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: مَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ، وَفَسَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ النَّصِيبَ بِالرِّزْقِ وَالْأَجَلِ وَالْعَمَلِ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَفَسَّرَهُ أَبُو صَالِحٍ وَالْحَسَنُ بِالْعَذَابِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَمَا وُعِدُوا بِهِ فِي كِتَابِ الدِّينِ هُوَ الَّذِي أُثْبِتَ فِي كِتَابِ الْمَقَادِيرِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَفْسِ النَّصِيبِ الَّذِي يَنَالُهُمْ هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالدُّنْيَا أَمْ بِالْآخِرَةِ أَمْ عَامٌّ فِيهِمَا؟ وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِمُوَافَقَتِهِ لِمِثْلِ قَوْلِهِ:(كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ)(17: 20) وَقَوْلِهِ: (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ)(31: 24) وَبِمُوَافَقَتِهِ لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ حَتَّى مِنَ الْغَايَةِ فِي قَوْلِهِ عز وجل:
(حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ) أَيْ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمُ الَّذِي كُتِبَ لَهُمْ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ حَتَّى إِذَا مَا انْتَهَى بِانْتِهَاءِ آجَالِهِمْ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ يَتَوَفَّوْنَهُمْ - وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِالتَّوَفِّي أَيْ قَبْضِ الْأَرْوَاحِ مِنَ الْأَجْسَادِ - (قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أَيْ يَسْأَلُهُمْ رُسُلُ الْمَوْتِ حَالَ كَوْنِهِمْ يَتَوَفَّوْنَهُمْ: أَيْنَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَدْعُونَهُمْ غَيْرَ اللهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لِقَضَاءِ الْحَاجَاتِ وَدَفْعِ الْمُضِرَّاتِ؟ ادْعُوهُمْ لِيُنْجُوكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ الْآنَ (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) أَيْ قَالُوا: غَابُوا عَنَّا فَلَا نَرْجُو مِنْهُمْ مَنْفَعَةً. وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ بِدُعَائِهِمْ إِيَّاهُمْ وَزَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ عِنْدَهُ تَعَالَى كَأَعْوَانِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ وَوُزَرَائِهِمْ وَحُجَّابِهِمْ، جَاهِلِينَ أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ بِإِحَاطَةِ عِلْمِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَأَنَّ الْمُلُوكَ وَالْأُمَرَاءَ
لَا يَسْتَغْنَوْنَ عَنِ الْأَعْوَانِ وَالْمُسَاعِدِينَ لِجَهْلِهِمْ بِأُمُورِ النَّاسِ وَعَجْزِهِمْ عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَقَضَائِهَا بِأَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ (6: 21 - 24، 93، 94) وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُبْتَدَأٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) فَيُرَاجَعَانِ فَفِي تَفْسِيرِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا لَيْسَ فِي الْآخَرِ وَلَا هُنَا مِنَ الْفَوَائِدِ وَتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ فِي آخِرِ آيَةِ (144) مِنَ الْأَنْعَامِ أَيْضًا وَفَسَّرْنَا الِافْتِرَاءَ عَلَى اللهِ فِيهَا بِمِثْلِ مَا فَسَّرْنَاهُ هُنَا لِمُنَاسَبَةِ السِّيَاقِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مِثْلُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي آخِرِ آيَةِ (130) مِنْهَا.
(قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) أَيْ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى أَوْ أَحَدُ مَلَائِكَتِهِ بِأَمْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِهَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ: ادْخُلُوا مَعَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ وَمَضَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ. أَوِ ادْخُلُوا فِي ضِمْنِ أُمَمٍ مِثْلِكُمْ قَدْ سَبَقَتْكُمْ كَائِنَةٍ فِي دَارِ الْعَذَابِ. وَقُدِّمَ الْجِنُّ لِأَنَّ شَيَاطِينَهُمْ مُبْتَدِئُو الْإِضْلَالِ وَالْإِغْوَاءِ لِأَبْنَاءِ جِنْسِهِمْ وَلِلْإِنْسِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) هَذَا بَيَانٌ لِشَيْءٍ مِنْ حَالَتِهِمْ فِي دُخُولِ النَّارِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ بَعْدَ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى بِهِ. أَيْ كُلَّمَا دَخَلَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي النَّارِ وَاسْتَقْبَلَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ، لَعَنَتْ أُخْتَهَا فِي الدِّينِ وَالْمِلَّةِ الَّتِي ضَلَّتْ هِيَ بِاتِّبَاعِهَا وَالِاقْتِدَاءِ بِهَا فِي كُفْرِهَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ خَلِيلِهِ:
(ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)(29: 25) إِلَخْ.
(حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) أَيْ حَتَّى إِذَا تَتَابَعُوا وَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ فِيهَا قَالَتْ أُخْرَى كُلٍّ مِنْهُمْ لِأُولَاهَا وَمُقَدَّمِيهَا فِي الرُّتْبَةِ وَالرِّيَاسَةِ أَوْ فِي الزَّمَنِ أَيْ لِأَجَلِهَا وَفِي شَأْنِهَا - وَإِنَّمَا الْخِطَابُ لِلَّهِ عز وجل رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا عَنِ الْحَقِّ بِاتِّبَاعِنَا لَهُمْ وَتَقْلِيدِنَا إِيَّاهُمْ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، فَأَعْطِهِمْ ضِعْفًا مِنْ عَذَابِ النَّارِ لِإِضْلَالِهِمْ إِيَّانَا فَوْقَ الْعَذَابِ عَلَى ضَلَالِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَكُونَ عَذَابُهُمْ ضِعْفَيْنِ، ضِعْفًا لِلضَّلَالِ وَضِعْفًا لِلْإِضْلَالِ.
(قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ) أَيْ يَقُولُ الرَّبُّ تَعَالَى لَهُمْ: لِكُلٍّ مِنْهُمْ ضِعْفٌ مِنَ الْعَذَابِ بِإِضْلَالِهِ فَوْقَ عَذَابِهِ عَلَى ضَلَالِهِ. كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى:
(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ)(16: 25) وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ كُنْهَ عَذَابِهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَذَابَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ أَوْ جَسَدِيٌّ وَنَفْسِيٌّ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ النَّارَ فِي سُورَةِ الْهُمَزَةِ بِأَنَّهَا تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ أَيِ الْقُلُوبِ، فَإِذَا رَأَى الْأَتْبَاعُ الْمَتْبُوعِينَ مَعَهُمْ فِي دَارِ الْعِقَابِ ظَنُّوا أَنَّ عَذَابَهُمْ كَعَذَابِهِمْ فِيمَا يَأْكُلُونَ مِنَ الزَّقُّومِ وَالضَّرِيعِ وَيَشْرَبُونَ مِنَ الْمَاءِ الْحَمِيمِ، وَفِيمَا تَلْفَحُهُمُ النَّارُ بِرِيحِهَا السَّمُومِ، وَفِيمَا يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ مِنْ ظِلِّهَا الْيَحْمُومِ، فَمَثَلُهُمْ مَعَهُمْ كَمَثَلِ الْمَسْجُونِينَ فِي الدُّنْيَا، مِنْهُمُ الْمُجْرِمُ الْعَرِيقُ فِي إِجْرَامِهِ مِنْ تُحُوتِ النَّاسِ وَأَشْقِيَائِهِمْ، وَالرَّئِيسُ الزَّعِيمُ فِي قَوْمِهِ، الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ فِي وَطَنِهِ، لَا يَشْعُرُ الْأَوَّلُ بِمَا يُقَاسِيهِ الْآخَرُ مِنْ عَذَابِ النَّفْسِ وَقَهْرِ الذُّلِّ. بَلْ يَظُنُّ أَنَّ عُقُوبَتَهُمَا وَاحِدَةٌ فِي أَلَمِهَا كَمَا هِيَ صُورَتُهَا.
وَحَمْلُ الْأُولَى عَلَى الرُّؤَسَاءِ الْمَتْبُوعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ، وَالْأُخْرَى عَلَى أَتْبَاعِهِمُ الْمُقَلِّدِينَ لَهُمْ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي الزَّمَنِ أَوْ فِي دُخُولِ النَّارِ، عَلَى أَنَّ شَأْنَ مُبْتَدِعِ الضَّلَالَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا فِي الزَّمَنِ تَقَدُّمًا عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ فِيهَا وَلَوْ فِي عَصْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى:(وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ)(34: 31) إِلَى آخِرِ الْحِوَارِ، وَمِثْلِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي سِيَاقِ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ مِنْ دُونِ اللهِ وَجَعْلِهِمْ وُسَطَاءَ عِنْدَ اللهِ، أَوْ طَاعَتِهِمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ بِغَيْرِ وَحْيٍ مِنَ اللهِ، وَتَبَرُّؤِ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ (2: 165 - 167) وَقَدِ اسْتَشْهَدْنَا فِي
تَفْسِيرِهِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ فَيُرَاجَعُ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ بِالتَّفْصِيلِ أَنَّ كُلَّ دُعَاةِ التَّقْلِيدِ الْأَعْمَى مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُضِلِّينَ الَّذِينَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ. وَأَنَّ أَئِمَّةَ الْهُدَى مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ لَيْسُوا مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْبِطُونَ الْأَحْكَامَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِيَفْتَحُوا لِلنَّاسِ أَبْوَابَ الْفَهْمِ وَالْفِقْهِ فِيهِمَا، مَعَ نَهْيِهِمْ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ وَأَمْرِهِمْ بِعَرْضِ كَلَامِهِمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَخْذِ مَا وَافَقَهُمَا وَرَدِّ مَا عَدَاهُ. وَمِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ تَنْتَمِي إِلَيْهِمْ طَوَائِفُ السُّنَّةِ، وَأَئِمَّةُ الْعِتْرَةِ الَّذِينَ تَنْتَمِي إِلَيْهِمُ الشِّيعَةُ كَالْإِمَامَيْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ. لَمْ يُبِحْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ التَّقْلِيدَ - وَقَدْ حَرَّمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ - فَهُمْ بُرَآءُ مِنْ جَمِيعِ الْمُقَلِّدِينَ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي دِينِ اللهِ، كَمَا فَصَّلْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيَاتِ وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى. وَوَرَدَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ آيَاتٌ أُخْرَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ وَالْقَصَصِ وَالْأَحْزَابِ وَالصَّافَّاتِ وَص وَغَيْرِهِنَّ.
وَأَمَّا حَمْلُ الْأُولَى وَالْأُخْرَى عَلَى الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الزَّمَانِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ فِيهِ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ وَتَبِعَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقِيلَ عَلَيْهِ: لَكِنْ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ ضِعْفٌ، وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنَ اللَّفْظِ - لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُوَافِقُ لِسَائِرِ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، وَلِلْقَاعِدَةِ الْقَطْعِيَّةِ فِي جَزَاءِ السَّيِّئَاتِ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى الْعَمَلِ بِقَدْرِهِ مَثَلًا. نَعَمْ إِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي جُمْلَتِهِمْ يُقَلِّدُونَ مَنْ قَبْلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ
بِالْقُذَّةِ، وَإِنَّمَا الْمُضِلُّ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ مَنِ ابْتَدَعَ الضَّلَالَ أَوْ دَعَا إِلَيْهِ أَوْ كَانَ قُدْوَةً فِيهِ؛ فَهُوَ الَّذِي يَحْمِلُ مِثْلَ وِزْرِ مَنْ أَضَلَّهُ سَوَاءً كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ أَمْ لَا، وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ:" مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ " كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ. وَالَّذِي جَرَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ التَّفَاسِيرِ الْمَعْرُوفَةِ أَنَّ الضِّعْفَ الْآخَرَ عَلَى الْأَتْبَاعِ عِقَابٌ عَلَى التَّقْلِيدِ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَى الْكَرْخِيِّ.
قَالَ الْآلُوسِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْأُولَى: وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّقْلِيدَ فِي الْهُدَى ضَلَالٌ وَيَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْعَذَابَ. أَيْ فَكَيْفَ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ الَّذِي قِيلَ فِي أَهْلِهِ:
عُمْيُ الْقُلُوبِ عَمُوا عَنْ كُلِّ فَائِدَةٍ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ تَقْلِيدًا
وَلَكِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ هُنَا، فَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ يَقْتَضِي مُضَاعَفَةَ الْعَذَابِ عَلَى الْعَمَلِ الْمُقَلَّدِ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ ذَنْبٌ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كُفْرٌ بِنِعْمَةِ الْعَقْلِ، وَمَا أَوْجَبَهُ اللهُ بِالْكِتَابِ. وَالْفِطْرَةِ مِنَ الْعِلْمِ بِالنَّظَرِ وَالْبَحْثِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي اسْتِبَانَةِ الْحَقِّ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ جَزَاءَ الضِّعْفِ عَلَى الْأَتْبَاعِ بِأَنَّ اتِّخَاذَهُمُ الرُّؤَسَاءَ مَتْبُوعِينَ مِمَّا يَزِيدُ فِي طُغْيَانِهِمْ، أَوْ بِأَنَّهُ طَلَبٌ لِأَعْرَاضِ الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْعِصْيَانِ - يُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ ذُنُوبٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَا يُعَبَّرُ عَنْ عِقَابِهَا بِأَنَّهُ ضِعْفٌ إِلَّا بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ.
ذَلِكَ بِأَنَّ الضِّعْفَ هُنَا هُوَ الزَّائِدُ عَلَى عِقَابِ الذَّنْبِ نَفْسِهِ بِسَبَبٍ يُلَابِسُهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي مُحَاوَرَةِ الْأَتْبَاعِ الْمُقَلِّدِينَ لِلْمَتْبُوعِينَ مِنْ سُورَةِ ص:(قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ)(38: 61) فَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِالزِّيَادَةِ وَقَوْلِهِ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ حِكَايَةً عَنِ التَّابِعِينَ الْمَرْءُوسِينَ فِي النَّارِ: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)(33: 67، 68) .
وَقَدْ كَانَ مِنْ سَبْقِ رَحْمَةِ اللهِ لِغَضَبِهِ وَانْتِقَامِهِ، وَغَلَبَةِ فَضْلِهِ عَلَى عَدْلِهِ، أَنْ وَعَدَ بِمُضَاعَفَةِ جَزَاءِ الْحَسَنَاتِ لِذَاتِهَا دُونَ السَّيِّئَاتِ. كَمَا قَالَ:(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)(6: 160) وَكَمَا قَالَ: (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)(4: 40) وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِهِ فِي مُضَاعَفَةِ الْعَذَابِ فَهُوَ عَلَى الْإِغْوَاءِ وَالْإِضْلَالِ وَسُوءِ الْقُدْوَةِ، إِلَّا آيَةَ الْفَرْقَانِ فَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الشِّرْكِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمَعَاصِي:(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)(25: 68، 69) وَلَوِ انْفَرَدَتْ دُونَ سَائِرِ آيَاتِ الْمُضَاعَفَةِ بِحُكْمٍ جَدِيدٍ لَا يَتَعَارَضُ مَعَهَا لَمْ تَكُنْ مُشْكِلَةً، وَلَكِنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِهَا وَبِقَاعِدَةِ الْجَزَاءِ عَلَى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا،
إِلَّا مَنْ أَغْوَى غَيْرَهُ وَأَضَلَّهُ بِقَوْلِهِ أَوْ عَمَلِهِ فَكَانَ قُدْوَةً سَيِّئَةً لَهُ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْمُقَرِّرَةِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، كَأَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْعِقَابَ فِيهَا عَلَى مَجْمُوعِ الشِّرْكِ وَكَبَائِرِ الْفَوَاحِشِ، وَهُوَ مُقَسَّمٌ عَلَيْهِمَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا جُزْءٌ أَوْ نَوْعٌ مِنْهُ، فَكَانَ مُضَاعَفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِقَابِ الْمُشْرِكِ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِفْ تِلْكَ الْكَبَائِرِ، أَوْ عِقَابِ مُقْتَرِفِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ بِمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ أَنْ يُضَاعَفَ الْعَذَابُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ انْتِفَاءِ الْإِضْلَالِ وَسُوءِ الْقُدْوَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فَاعِلَ تِلْكَ الْمَعَاصِي
مِنَ الْكُفَّارِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُجَاهِرًا بِضَلَالِهِ فَيَلْزَمُهُ الْإِضْلَالُ بِسُوءِ الْقُدْوَةِ، وَقَدْ قِيلَ بِمِثْلِهِ فِي كُلِّ مُجَاهَرَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَآيَةِ: (آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ)(33: 68) فَإِنَّ لَفْظَ الضِّعْفِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَضَايِفَةِ الَّتِي يَقْتَضِي وُجُودُ أَحَدِهَا وُجُودَ الْآخَرِ كَالزَّوْجِ وَهُوَ تَرَكُّبُ قَدْرَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَيَخْتَصُّ بِالْعَدَدِ فَضِعْفُ الشَّيْءِ هُوَ الَّذِي يُثَنِّيهِ، وَإِذَا أُضِيفَ إِلَى عَدَدٍ اقْتَضَى ذَلِكَ الْعَدَدَ وَمِثْلَهُ، فَضِعْفُ الْوَاحِدِ اثْنَانِ وَضِعْفُ الْعَشْرَةِ عِشْرُونَ، فَإِذَا قِيلَ أَعْطِهِ ضِعْفَيْنِ مِنْ كَذَا كَانَ مَعْنَاهُ أَعْطِهِ اثْنَيْنِ أَوْ سَهْمَيْنِ مِنْهُ. وَأَمَّا إِذَا قِيلَ أَعْطِهِ ضِعْفَيْ وَاحِدٍ بِالْإِضَافَةِ كَانَ مَعْنَاهُ أَعْطِهِ وَاحِدًا وَضِعْفَيْهِ أَيْ ثَلَاثَةً وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ. انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ.
(وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) هَذَا الْجَوَابُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِ أُخْرَاهُمْ أَوْ مِنْ جَوَابِ الرَّبِّ تَعَالَى لَهُمْ - وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ أَنَّنَا نَحْنُ أَضْلَلْنَاكُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهَذَا أَدْنَى فَضْلٍ تَطْلُبُونَ بِهِ أَنْ يَكُونَ عَذَابُكُمْ دُونَ عَذَابِنَا وَالذَّنْبُ وَاحِدٌ، وَقَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِتَلَبُّسِكُمْ بِالضَّلَالِ الْمُقْتَضِي لَهُ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِكَسْبِكُمْ لَهُ مَهْمَا يَكُنْ سَبَبُهُ. وَفِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) (37: 27 - 33) .
وَأَمَّا الْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَأَنْ يُقَالَ: إِذَا كَانَ الرَّبُّ قَدْ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَّا أَوْ مِنَّا وَمِنْكُمْ ضِعْفًا مِنَ الْعَذَابِ، فَلَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا فَضْلٌ يُخَفَّفُ بِهِ عَنْكُمْ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْكُمْ، فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي مِثْلَنَا، فَنَحْنُ لَمْ نَكُنْ بِمُكْرِهِينَ لَكُمْ عَلَى ذَلِكَ بَلْ فَعَلْتُمُوهُ بِاخْتِيَارِكُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ لَكُمُ الْفَضْلُ عَلَيْنَا لَوِ اهْتَدَيْتُمْ بِاتِّبَاعِ الرُّسُلِ وَتَرَكْتُمُونَا فِي ضَلَالِنَا وَغِوَايَتِنَا، وَلَا يَنْفَعُكُمْ مُضَاعَفَةُ الْعَذَابِ لَنَا إِذَا لَمْ يُخَفَّفْ عَنْكُمْ عَذَابُكُمْ، فَإِنَّ كِلَانَا لَا يَشْعُرُ إِلَّا بِعَذَابِ نَفْسِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ:(وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ)
(43: 39) .
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)
هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ جَزَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقُرْآنِ، الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنِ الْإِيمَانِ، بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْبَيَانِ، قَالَ:
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) لِمُفَسِّرِي السَّلَفِ فِي تَفَتُّحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ قَوْلَانِ لَا يَتَنَافَيَانِ. (أَحَدُهُمَا) أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تُقْبَلُ أَعْمَالُهُمْ وَلَا تُرْفَعُ إِلَى اللهِ عز وجل كَمَا تُرْفَعُ أَعْمَالُ الصَّالِحِينَ. كَمَا قَالَ: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)(35: 10) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ لَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ مِنْ عَمَلِهِمْ شَيْءٌ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ لِعَمَلٍ وَلَا دُعَاءٍ. وَمِثْلُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. (وَالثَّانِي) أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ لَا تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُفْتَحُ لِأَرْوَاحِهِمْ وَتُفْتَحُ لِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِثْلُ هَذَا التَّعْبِيرِ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَرُوِيَ فِي هَذَا الْقَوْلِ أَخْبَارٌ مَرْفُوعَةٌ فِي قَبُولِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ وَرَدِّ رُوحِ الْكَافِرِ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ قَالَ: لَا لِأَرْوَاحِهِمْ وَلَا لِأَعْمَالِهِمْ.
(وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) قَرَأَ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ (الْجَمَلُ) بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الْبَعِيرُ الْبَازِلُ أَيِ الَّذِي طَلَعَ نَابُهُ، وَالْمَعْنَى: لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَدْخُلَ مَا هُوَ مَثَلٌ فِي عِظَمِ الْجِرْمِ وَهُوَ الْجَمَلُ الْكَبِيرُ فِيمَا هُوَ مَثَلٌ فِي الضِّيقِ وَهُوَ ثُقْبُ الْإِبْرَةِ - وَتُسَمَّى الْخِيَاطَ بِالْكَسْرِ وَالْمِخْيَطِ بِوَزْنِ الْمِنْبَرِ - وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فَالْمُرَادُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ أَوْ تَأْيِيدُهُ. وَكَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَمْ يَفْطَنُوا لِنُكْتَةِ هَذَا التَّعْلِيقِ لِعَدَمِ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْجَمَلِ وَسَمِّ الْخِيَاطِ فَكَانُوا يَسْأَلُونَ عَنْهُ فَيُجَابُونَ بِمَا يُؤَكِّدُ الْمُرَادَ. سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه. فَقَالَ: هُوَ زَوْجُ النَّاقَةِ - وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَقَالَ: ابْنُ النَّاقَةِ الَّذِي يَقُومُ فِي الْمِرْبَدِ عَلَى أَرْبَعِ قَوَائِمَ.
وَالْمِرْبَدُ (كَمِنْبَرٍ) مَحْبَسُ الْإِبِلِ وَكَذَا الْغَنَمِ، وَمَكَانٌ بِالْبَصْرَةِ مَشْهُورٌ كَانَتْ تُحْبَسُ بِهِ أَوْ كَانَ سُوقًا لَهَا.
وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ السَّائِلِينَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ تَفْسِيرُ الْجَمَلِ هُنَا بِالْحَبْلِ الْغَلِيظِ، وَهُوَ الْقَلْسُ الَّذِي يَكُونُ فِي السُّفُنِ لِشَبَهِهِ بِالْخَيْطِ، وَفِيهِ لُغَاتٌ أُخْرَى ضَبَطَهَا صَاحِبُ الْقَامُوسِ بِأَوْزَانِ سُكْرٍ وَصُرَدٍ وَقُفْلٍ وَعُنُقٍ وَحَبْلٍ وَذَكَرٍ أَنَّهُ قُرِئَ بِهِنَّ.
(وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) أَيْ مِثْلَ هَذَا الْجَزَاءِ نَجْزِي جِنْسَ الْمُجْرِمِينَ، أَيِ الَّذِينَ صَارَ الْإِجْرَامُ وَصْفًا لَازِمًا لَهُمْ. وَأَصْلُ مَعْنَاهُ قَطْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى كُلِّ إِفْسَادٍ، وَلَا سِيَّمَا إِفْسَادُ الْفِطْرَةِ بِالْكُفْرِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالْمَعَاصِي وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَجْرَمَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَجْرَمَ جُرْمًا بِثَوْرَةِ غَضَبٍ أَوْ نَزْوَةِ شَهْوَةٍ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَنْدَمَ وَيَتُوبَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ:(ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)(4: 17) وَقَالَ: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(3: 135) وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُمَا فِي سُورَتَيِ النِّسَاءِ وَآلِ عِمْرَانَ فَهَؤُلَاءِ لَا يُسَمَّوْنَ مُجْرِمِينَ.
(لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) جَهَنَّمُ اسْمٌ لِدَارِ الْعَذَابِ وَالشَّقَاءِ، قِيلَ: أَعْجَمِيٌّ. وَقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: رُكْبَةٌ جِهِنَّامٌ (بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ) أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ. فَهُوَ بِمَعْنَى الْهَاوِيَةِ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا عَرَبِيَّةٌ جَعَلَ مَنْعَ صَرْفِهَا لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ. وَالْمِهَادُ الْفِرَاشُ وَالْغَوَاشِي جَمْعُ غَاشِيَةٍ وَهِيَ مَا يُغْشِي الشَّيْءَ أَيْ يُغَطِّيهِ وَيَسْتُرُهُ، وَيُنَاسِبُ الْمِهَادُ مِنْهَا اللِّحَافَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
هُنَا، فَالْغِشَاءُ: الْغِطَاءُ، وَمِنْهُ اسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ، وَالْفَرَسُ الْأَغْشَى مَا تَسْتُرُ غُرَّتُهُ جَبْهَتَهُ. وَالْمُرَادُ: أَنَّ جَهَنَّمَ مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِمْ وَمُحِيطَةٌ بِهِمْ كَمَا فَعَلَ: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ)(104: 8) وَكَمَا قَالَ: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)(29: 54)(وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) أَيْ وَمِثْلَ هَذَا الْجَزَاءِ نَجْزِي جِنْسَ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِلنَّاسِ بِشَرْطِهِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْمُجْرِمِينَ آنِفًا. وَأَفَادَتِ الْآيَتَانِ أَنَّ الْمُجْرِمِينَ وَالظَّالِمِينَ الرَّاسِخِينَ فِي صِفَتَيِ الْإِجْرَامِ وَالظُّلْمِ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ:(وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(2: 254) وَهَذَا تَحْقِيقُ الْقُرْآنِ وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَنْهُ وَلِذَلِكَ خَالَفُوهُ فِي عُرْفِهِ.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
مِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، يَبْدَأُ بِأَحَدِهِمَا لِمُنَاسَبَةِ السِّيَاقِ قَبْلَهُ وَيُقَفِّي عَلَيْهِ بِالْآخَرِ؛ وَلِهَذَا عَطَفَ بَيَانَ جَزَاءِ السُّعَدَاءِ عَلَى بَيَانِ جَزَاءِ الْأَشْقِيَاءِ فَقَالَ:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أَيْ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَعَمِلُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي دَعَتْهُمْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ، وَهِيَ لَا عُسْرَ فِيهَا وَلَا حَرَجَ إِذْ (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أَيْ لَا نَفْرِضُ عَلَى الْمُكَلَّفِ إِلَّا مَا يَكُونُ فِي وُسْعِهِ، وَهُوَ مَا لَا يَضِيقُ بِهِ ذَرْعُهُ، وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (مَعَ إِسْنَادِ الْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ) وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ إِرَادَةِ الْيُسْرِ دُونَ الْعُسْرِ فِي آيَاتِ الصِّيَامِ مِنْهَا، وَمِنْ عَدَمِ إِرَادَةِ الْحَرَجِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ. فَهَذِهِ الْآيَاتُ نُصُوصٌ قَطْعِيَّةٌ فِي يُسْرِ الدِّينِ
وَسُهُولَتِهِ، وَهِيَ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى مَا أَحْدَثَهُ الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي جَعَلُوهَا حِمْلًا ثَقِيلًا يَعْسُرُ تَعَلُّمُهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِي وُسْعِ أَحَدٍ عَمَلُهُ (إِلَّا الْمُتَنَطِّعِينَ مِنَ الْعِبَادِ) حَتَّى إِنَّ أَحْكَامَ الطَّهَارَةِ وَحْدَهَا لَا يُمْكِنُ تَلَقِّي مَا كَتَبُوهُ فِيهَا إِلَّا فِي عِدَّةِ أَشْهُرٍ.
(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أَيْ أُولَئِكَ الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الَّتِي تَصْلُحُ بِهَا نَفْسُ الْإِنْسَانِ، وَتَزْكُو فَتَكُونُ أَهْلًا لِلنَّعِيمِ وَالرِّضْوَانِ، هُمْ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ يُخَلَّدُونَ فِيهَا أَبَدًا. وَقَدْ تَكَرَّرَ نَظِيرُهُ.
(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ) أَيْ وَنَزَعْنَا مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ حِقْدٍ وَضِغْنٍ مِمَّا يَكُونُ مِنْ عَدَاوَةٍ أَوْ حَسَدٍ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَفِي قُلُوبِهِمْ أَدْنَى لَوْثَةٍ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِتِلْكَ الدَّارِ وَأَهْلِهَا، وَيَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ تَنْغِيصِ النَّعِيمِ فِيهَا، تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فَيَرَوْنَهَا وَهُمْ فِي غُرُفَاتِ قُصُورِهِمْ تَتَدَفَّقُ فِي جَنَّاتِهَا وَبَسَاتِينِهَا فَيَزْدَادُونَ حُبُورًا لَا تَشُوبُهُ شَائِبَةُ كَدَرٍ. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " يُحْبَسُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْدَ مَا يَجُوزُونَ الصِّرَاطَ حَتَّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ظُلَامَاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَيْسَ فِي قُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ غِلٌّ " وَرَوَى هُوَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا سِيقُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَجَدُوا عِنْدَ بَابِهَا شَجَرَةً فِي أَصْلِ سَاقِهَا عَيْنَانِ فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا فَيَنْزِعُ مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ فَهُوَ الشَّرَابُ الطَّهُورُ، وَاغْتَسَلُوا مِنَ الْأُخْرَى فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ فَلَنْ يُشْعَثُوا وَلَنْ يُشْحَبُوا بَعْدَهَا أَبَدًا. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) . وَعَنْهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ، أَيْ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا عَامًّا مُطْلَقًا.
(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ) وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ " مَا كُنَّا " بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَهَذَا مِنَ الْمُخَالِفِ لِرَسْمِ الْمَصَاحِفِ. أَيْ وَيَقُولُونَ شَاكِرِينَ لِلَّهِ بِأَلْسِنَتِهِمُ الْمُعَبِّرَةِ عَنْ غِبْطَتِهِمْ وَبَهْجَتِهِمْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا فِي الدُّنْيَا لِلْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ هَذَا
النَّعِيمُ جَزَاءَهُ - فَأَدْخَلَ اللَّامَ عَلَى الْمُسَبِّبِ لِلْعِلْمِ بِالسَّبَبِ - وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ، أَيْ وَمَا كَانَ مِنْ شَأْنِنَا وَلَا مُقْتَضَى بَدِيهَتِنَا أَوْ فِكْرَتِنَا أَنْ نَهْتَدِيَ إِلَيْهِ بِأَنْفُسِنَا لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ إِلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ إِيَّانَا لِاتِّبَاعِ رُسُلِهِ وَمَعُونَتِهِ لَنَا عَلَيْهَا وَرَحْمَتِهِ الْخَاصَّةِ.
عِلَاوَةً عَلَى هِدَايَةِ فِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَنَا عَلَيْهَا، وَهِدَايَةِ مَاخَلَقَ لَنَا مِنَ الْمَشَاعِرِ وَالْعَقْلِ، تَاللهِ (لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) فَهَذَا مِصْدَاقُ مَا وَعَدَنَا مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أَيْ وَنُودُوا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ تبارك وتعالى بِأَنْ قِيلَ لَهُمْ: تِلْكُمْ هِيَ الْجَنَّةُ الْبَعِيدَةُ الْمَنَالِ - لَوْلَا فَضْلُ ذِي الْجَلَالِ، وَالْإِكْرَامِ - الَّتِي وَعَدَ بِوِرَاثَتِهَا الْأَتْقِيَاءَ، أُورِثْتُمُوهَا بِسَبَبِ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الصَّالِحَاتِ، فَعَلَامَةُ الْبُعْدِ فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ لِلْبُعْدِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي بَيَّنَّاهُ، إِذِ السِّيَاقُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ هَذَا النِّدَاءَ يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِهَا، وَالتَّبَوُّءِ مِنْ غُرَفِ قُصُورِهَا، وَجَعَلَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ حِسِّيًّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النِّدَاءَ يَكُونُ عِنْدَ مَا يَرَوْنَهَا مُنْصَرِفِينَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَوْقِفِ، وَبَعْضُهُمْ زَمَنِيًّا مُرَادًا بِهِ الْجَنَّةُ الْمَوْصُوفَةُ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ بَعُدَ عَهْدُ ذِكْرِهَا، وَالْوَعْدُ بِهَا، وَهُوَ وَجِيهٌ.
تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ التَّعْبِيرُ عَنْ نَيْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِلْجَنَّةِ بِالْإِرْثِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِرْثِ أَنْ يَكُونَ انْتِقَالًا لِلشَّيْءِ مِنْ حَائِزٍ إِلَى آخَرَ، كَانْتِقَالِ مَالِ الْمَيِّتِ إِلَى وَارِثِهِ وَانْتِقَالِ الْمَمَالِكِ مِنْ أُمَّةٍ إِلَى أُخْرَى، وَكَذَا إِرْثٌ لِلْعِلْمِ وَالْكِتَابِ قَالَ تَعَالَى:(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ)(27: 16) وَقَالَ: (وَرِثُوا الْكِتَابَ)(7: 169) وَقَالَ: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)(35: 32)
وَلَا يَظْهَرُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ إِيرَاثُهَا هُنَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَإِرْثُهَا فِي قَوْلِهِ:(أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ)(11، 10:23) عَلَى وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ بِالْإِرْثِ عَنِ الْمِلْكِ الَّذِي لَا مُنَازِعَ فِيهِ. (وَثَانِيهِمَا) مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْجَنَّةِ هُوَ حَقُّهُ إِذَا طَلَبَهُ بِسَبَبِهِ وَسَعَى إِلَيْهِ فِي صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ مَا وَعَدَ بِهِ جَمِيعَ أَفْرَادِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَوَرَثَتِهِمُ النَّاشِرِينَ لِدَعْوَتِهِمْ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَمَنْ كَفَرَ خَسِرَ مَكَانَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأُعْطِيهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَلَهُ حَظٌّ مِنَ الْإِرْثِ. وَالِاسْتِعْمَالَانِ مَجَازِيَّانِ، وَهُمَا مُتَّفِقَانِ لَا مُتَبَايِنَانِ.
أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ قَالَ: لَيْسَ مِنْ
مُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ إِلَّا وَلَهُ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلٌ مُبِينٌ، فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ وَدَخَلُوا مَنَازِلَهُمْ، رُفِعَتِ الْجَنَّةُ لِأَهْلِ النَّارِ فَنَظَرُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِيهَا فَقِيلَ: هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ لَوْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَةِ اللهِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ رِثُوهُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَيَقْتَسِمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ شَوْذَبَ فِي تَفْسِيرِ:(تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا)(19: 63) وَرُوِيَ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا فِي تَفْسِيرِ: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاةُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ الْأَرْبَعَةُ - أَبْنَاءُ جَرِيرٍ وَالْمُنْذِرِ وَأَبِي حَاتِمٍ وَمَرْدَوَيْهِ - وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ " فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) .
وَالْآيَاتُ صَرِيحَةٌ فِي كَوْنِ الْجَنَّةِ تُنَالُ بِالْعَمَلِ، وَفِي مَعْنَاهَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ بِبَاءِ السَّبَبِيَّةِ، بَعْضُهَا بِلَفْظِ الْإِرْثِ وَبَعْضُهَا بِلَفْظِ الدُّخُولِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ - قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ - وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ ": وَلَهُ تَتِمَّةٌ، وَرُوِيَ بِلَفْظٍ آخَرَ - فَمَعْنَاهُ: أَنَّ عَمَلَ الْإِنْسَانِ مَهْمَا يَكُنْ عَظِيمًا لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْجَنَّةَ لِذَاتِهِ لَوْلَا رَحْمَةُ اللهِ وَفَضْلُهُ، إِذْ جَعَلَ هَذَا الْجَزَاءَ الْعَظِيمَ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِالْعَمَلِ دُخُولٌ بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهُ: " فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا " أَيْ لَا تُبَالِغُوا وَلَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَتَكَلَّفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا تُطِيقُونَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَدْخُلُونَهَا بِفَضْلِهِ وَيَقْتَسِمُونَهَا بِأَعْمَالِهِمْ.
(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ
تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ النَّارَ وَأَهْلَهَا، وَالْجَنَّةَ وَأَهْلَهَا، بَيَّنَ لَنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا بَعْدَهَا بَعْضَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ - فَرِيقِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقِ السَّعِيرِ - مِنَ الْحِوَارِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي دَارِهِ، وَتَمَكُّنِهِ فِي قَرَارِهِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّارَيْنِ فِي عَالَمٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ هُوَ سُورٌ وَاحِدٌ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِشْرَافِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُمْ فِي عِلِّيِّينَ؛ عَلَى أَهْلِ النَّارِ وَهُمْ فِي سِجِّينٍ مِنْ هَاوِيَةِ الْجَحِيمِ، فَيُخَاطِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَا يَزِيدُ أَهْلَ الْجَنَّةِ عِرْفَانًا بِقِيمَةِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَيَزِيدُ أَهْلَ النَّارِ حَسْرَةً عَلَى تَفْرِيطِهِمْ وَشَقَاءً عَلَى شَقَائِهِمْ، وَلَا يَقْتَضِي هَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاتِّصَالِ الْقُرْبَ الْمَعْهُودَ عِنْدَنَا فِي الدُّنْيَا بَيْنَ الْمُتَخَاطِبِينَ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا تُقَاسُ بِالذِّرَاعِ أَوِ الْبَاعِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ تُحَدَّدُ بِمَا عِنْدَنَا مِنَ الْأَشْهُرِ أَوِ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْآخِرَةِ أَنْ تَغْلِبَ فِيهِ الرُّوحَانِيَّةُ عَلَى الْمَادَّةِ الْجَسَدِيَّةِ، فَيُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْمَعَ مَنْ هُوَ عَلَى بُعْدٍ شَاسِعٍ مِنْهُ وَيَرَاهُ، وَقَدْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى غَرِيبًا بَعِيدًا عَنِ الْمَأْلُوفِ عِنْدَ أَجْدَادِنَا الْأَوَّلِينَ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ الْآنَ فِي الْعَالَمِ الْمَدَنِيِّ مَنْ يَسْتَبْعِدُهُ بَعْدَ اخْتِرَاعِ الْبَشَرِ لِلْآلَاتِ الَّتِي يَتَخَاطَبُونَ بِهَا مِنْ أَبْعَادِ أُلُوفِ الْأَمْيَالِ، إِمَّا بِالْإِشَارَاتِ الْكَاتِبَةِ كَالتِّلِغْرَافِ السِّلْكِيِّ وَاللَّاسِلْكِيِّ، أَوْ بِالْكَلَامِ اللِّسَانِيِّ كَالتِّلِيفُونِ السِّلْكِيِّ وَاللَّاسِلْكِيِّ، وَقَدْ نَبَّأَتْنَا أَخْبَارُ الِاخْتِرَاعَاتِ فِي الشَّمَالِ بِصُنْعِ آلَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ وَالْخِطَابِ، إِنْ كَانَ لَمَّا يَتِمَّ صُنْعُهَا فَقَدْ كَادَ. قَالَ عز وجل:
(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا) التَّعْبِيرُ بِالْمَاضِي عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ مَعْهُودٌ فِي الْأَسَالِيبِ الْعَرَبِيَّةِ الْبَلِيغَةِ، وَأَشْهَرُ نُكَتِهِ جَعْلُ الْمُسْتَقْبَلِ فِي تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَالَّذِي وَقَعَ بِالْفِعْلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ سَوْفَ يُنَادُونَ أَصْحَابَ النَّارِ حَتَّى إِذَا مَا وَجَّهُوا أَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِمْ سَأَلُوهُمْ سُؤَالَ تَبَجُّحٍ وَافْتِخَارٍ بِحُسْنِ حَالِهِمْ، وَتَهَكُّمٍ وَتَذْكِيرٍ بِمَا كَانَ مِنْ جِنَايَةِ أَهْلِ النَّارِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَتَقْرِيرٍ لَهُمْ بِصِدْقِ مَا بَلَّغُوهُمْ مِنْ وَعْدِ رَبِّهِمْ لِمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ قَائِلِينَ. قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا وَهَا نَحْنُ أُولَاءِ فِيهِ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ حَقًّا؟ .
قَالُوا: (وَعدَنَا رَبُّنَا) وَلَمْ يَقُولُوا لِأَهْلِ النَّارِ: (وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ) بَلْ حَذَفُوا الْمَفْعُولَ - لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ حِينَئِذٍ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مَحَلٌّ لِذَلِكَ الْوَعْدِ بِالْجَنَّةِ، وَأَنَّ
أَهْلَ النَّارِ لَيْسُوا مَحَلًّا لَهُ، فَسَأَلُوهُمْ عَنِ الْوَعْدِ الْمُطْلَقِ كَمَا وُجِّهَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً فِي الدُّنْيَا عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُعَلَّقًا عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ:(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)(13: 35) إِلَخْ. وَقَوْلِهِ: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ)(47: 15) إِلَخْ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ لِلَّذِينِ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَهُ: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ)(40: 8) وَقَوْلِهِ: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ)(19: 61) وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَعْدَ خَاصٌّ بِمَا كَانَ فِي الْخَيْرِ، وَكَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَلَكِنَّ الْوَعِيدَ خَاصٌّ بِالشَّرِّ أَوِ السُّوءِ، وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ: فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّقَاهُ، وَمَا وَعَدَ بِهِ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَعَصَاهُ حَقًّا بِدُخُولِنَا الْجَنَّةَ وَدُخُولِكُمُ النَّارَ؟ وَهَذَا يُوَافِقُ قَاعِدَةَ حَذْفِ الْمَعْمُولِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكَادُ يُطْلَقُ الْوَعْدُ فِي الشَّرِّ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَوْعُودِ بِهِ صَرَاحَةً وَلَا ضِمْنًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْخَيْرِ، وَأَمَّا إِذَا قُيِّدَ بِتَعَلُّقِهِ بِالشَّرِّ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَسْمِيَتُهُ تَوَعُّدًا لِلتَّهَكُّمِ أَوْ لِلْمُشَاكَلَةِ إِذَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ وَعْدِ الْخَيْرِ أَوْ لِلتَّغْلِيبِ، فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(22: 72) وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا)(2: 268) عَلَى أَنَّ لِوَعْدِ الشَّيْطَانِ هُنَا نُكْتَةً أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ شَرٌّ فِي صُورَةِ الْخَيْرِ عَلَى سَبِيلِ الْخِدَاعِ، فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَسْوَسَةِ لِلْمَرْءِ بِتَرْكِ الصَّدَقَةِ وَعَمَلِ الْبِرِّ اتِّقَاءً لِلْفَقْرِ بِذَهَابِ مَالِهِ، وَتَظْهَرُ مُقَابَلَةُ الْمُشَاكَلَةِ فِي وَعْدِ اللهِ لِلْمُنَافِقِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ (9: 68 و72) وَالثَّالِثُ: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ)(36: 52) أَشَارَ إِلَى الْبَعْثِ. وَلَكِنْ فِي التَّنْزِيلِ مَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ، كَقَوْلِهِ فِي وَعِيدِ قَوْمِ صَالِحٍ:(ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ)(11: 65) وَلَهُ نَظَائِرُ، عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ
قَدْ صَرَّحُوا بِجَوَازِ تَخَلُّفِ الْوَعِيدِ وَعَدَمِ جَوَازِ تَخَلُّفِ الْوَعْدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تَتَمَدَّحُ بِذَلِكَ، وَالْعُقَلَاءَ يَعُدُّونَهُ فَضْلًا، وَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا مَعَ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِي الْوَعِيدِ:(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ)(22: 47) وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْآيَاتِ. نَعَمْ قَدْ يَصِحُّ قَوْلُهُمْ فِي الْوَعِيدِ الْمُقَيَّدِ وَلَوْ فِي نُصُوصٍ أُخْرَى بِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْهُ كَبَعْضِ الْمَعَاصِي، دُونَ الْمُؤَكَّدِ أَوِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يُقَيِّدُهُ شَيْءٌ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْوَعْدَ هُنَا بِمَعْنَى الْوَعِيدِ وَلَوْ لِلْمُشَاكَلَةِ، وَأَنَّ الْمَفْعُولَ حُذِفَ تَخْفِيفًا لِلْإِيجَازِ أَوْ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى: فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا أَوْعَدَكُمْ رَبُّكُمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالْهَوَانِ وَالْعَذَابِ حَقًّا؟ وَقِيلَ: بَلِ الْمَعْنَى فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا؟ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا، وَمَا قَبْلَهُ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَ (أَنْ) فِي قَوْلِهِ: (أَنْ قَدْ وَجَدْنَا) هِيَ الْمُفَسِّرَةُ.
(قَالُوا نَعَمْ) أَيْ قَالَ أَهْلُ النَّارِ: نَعَمْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَ رَبُّنَا حَقًّا. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ نَعِمْ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ نُسِبَتْ إِلَى كِنَانَةَ وَهُذَيْلٍ (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) التَّأْذِينُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِعْلَامِ بِالشَّيْءِ، وَاللَّعْنَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ مَعَ الْخِزْيِ وَالْإِهَانَةِ. أَيْ فَكَانَ عَقِبَ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْكَافِرِينَ أَنْ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ قَائِلًا: لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ، الْجَانِينَ عَلَيْهَا بِمَا أَوْجَبَ حِرْمَانَهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَارْتِكَاسَهَا فِي عَذَابِ الْجَحِيمِ، وَالظَّالِمِينَ لِلنَّاسِ بِمَا يَصِفُهُمْ بِهِ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ، وَنُكِّرَ الْمُؤَذِّنُ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، بَلِ الْمَقْصُودُ الْإِعْلَامُ بِمَا يَقُولُهُ هُنَالِكَ لِلتَّخْوِيفِ مِنْهُ هُنَا، وَلَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ عِلْمًا صَحِيحًا إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى الْوَحْيِ. وَلَكِنَّ الْمَعْهُودَ فِي أُمُورِ عَالَمِ الْغَيْبِ وَلَا سِيَّمَا الْآخِرَةُ أَنْ يَتَوَلَّى مِثْلَ ذَلِكَ فِيهَا مَلَائِكَةُ اللهِ عز وجل.
قَالَ الْآلُوسِيُّ: هُوَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه صَاحِبُ الصُّورِ عليه السلام، وَقِيلَ: مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَقِيلَ: مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ غَيْرُهُمَا يَأْمُرُهُ اللهُ بِذَلِكَ. وَرِوَايَةُ الْإِمَامِيَّةِ عَنِ الرِّضَا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَبَعِيدٌ عَنْ هَذَا الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنًا وَهُوَ إِذْ ذَاكَ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ اهـ. وَأَقُولُ: إِنَّ وَاضِعِي كُتُبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ لِرُوَاةِ الْآثَارِ لَمْ يَضَعُوهَا عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذَاهِبِ وَقَدْ كَانَ فِي أَئِمَّتِهِمْ مَنْ يُعَدُّ مِنْ شِيعَةِ عَلَيٍّ وَآلِهِ كَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَالْحَاكِمِ، وَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ عَدَّلَ كَثِيرًا مِنَ الشِّيعَةِ فِي رِوَايَتِهِمْ، فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَبِلْنَاهَا، وَلَا نَرَى كَوْنَهُ فِي حَظَائِرِ الْقُدْسِ مَانِعًا مِنْهَا، وَلَوْ كُنَّا نَعْقِلُ لِإِسْنَادِ هَذَا التَّأْذِينِ إِلَيْهِ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ مَعْنًى يُعَدُّ بِهِ فَضِيلَةً أَوْ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لَقَبِلْنَا الرِّوَايَةَ بِمَا دُونَ السَّنَدِ الصَّحِيحِ، مَا لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا
أَوْ مُعَارَضًا بِرِوَايَةٍ أَقْوَى سَنَدًا أَوْ أَصَحَّ مَتْنًا. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَنَصْبِ لَعْنَةٍ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ عَلَى أَنَّهَا الْمُفَسِّرَةُ، أَوِ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَرَفْعِ لَعْنَةٍ.
ثُمَّ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا
عِوَجًا) تَقَدَّمَ أَنَّ صَدَّ يَصُدُّ يَجِيءُ لَازِمًا بِمَعْنَى يُعْرِضُ وَيَمْتَنِعُ عَنِ الشَّيْءِ، وَمُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى يَصُدُّ غَيْرَهُ وَيَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَأَنَّ الْإِيجَازَ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعْبِيرِ يَقْتَضِي الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا - أَيِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ اللهِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى مَرْضَاتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَثَوَابِهِ وَيُضِلُّونَ النَّاسَ عَنْهَا، وَيَمْنَعُونَهُمْ مِنْ سُلُوكِهَا، وَيَبْغُونَهَا مُعْوَجَّةً أَوْ ذَاتَ عِوَجٍ، أَيْ غَيْرَ مُسْتَوِيَةٍ وَلَا مُسْتَقِيمَةٍ حَتَّى لَا يَسْلُكَهَا أَحَدٌ. قَالَ فِي اللِّسَانِ: وَالْعَوَجُ بِالتَّحْرِيكِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ عَوِجَ الشَّيْءُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ أَعْوَجُ، وَالِاسْمُ الْعِوَجُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَعَاجَ يَعُوجُ إِذَا عَطَفَ، وَالْعِوَجُ فِي الْأَرْضِ أَلَّا تَسْتَوِيَ، وَفِي التَّنْزِيلِ:(لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا)(20: 107) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْعِوَجِ فِي الْحَدِيثِ اسْمًا وَفِعْلًا وَمَصْدَرًا وَفَاعِلًا وَمَفْعُولًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مُخْتَصٌّ بِكُلِّ شَكْلٍ مَرْئِيٍّ كَالْأَجْسَامِ، وَبِالْكَسْرِ بِمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ كَالرَّأْيِ وَالْقَوْلِ، وَقِيلَ: الْكَسْرُ يُقَالُ فِيهِمَا مَعًا، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. (ثُمَّ قَالَ) وَعَوِجَ الطَّرِيقُ وَعِوَجُهُ زَيْغُهُ، وَعِوَجُ الدِّينِ وَالْخُلُقِ فَسَادُهُ وَمَيْلُهُ عَلَى الْمُثُلِ اهـ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: إِنَّ الْعَوَجَ (بِالتَّحْرِيكِ) يُقَالُ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ، وَالْعِوَجَ (بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ) يُقَالُ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْفِكْرِ وَالْبَصِيرَةِ كَالدِّينِ وَالْمَعَاشِ.
وَأَمَّا بَغْيُ الظَّالِمِينَ - أَيْ طَلَبُهُمْ - أَنْ تَكُونَ سَبِيلُ اللهِ عِوَجًا، أَيْ غَيْرَ مُسْتَوِيَةٍ وَلَا مُسْتَقِيمَةٍ فَيَكُونُ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى، فَأَصْحَابُ الظُّلْمِ الْعَظِيمِ - وَهُوَ الشِّرْكُ - يَشُوبُونَ التَّوْحِيدَ بِشَوَائِبَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ، أَعَمُّهَا الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ وَمُخُّهَا الدُّعَاءُ، فَلَا يَتَوَجَّهُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ بَلْ يُشْرِكُونَ مَعَهُ فِي التَّوَجُّهِ وَالدُّعَاءِ غَيْرَهُ عَلَى أَنَّهُ شَفِيعٌ عِنْدَهُ وَوَاسِطَةٌ لَدَيْهِ أَوْ وَسِيلَةٌ إِلَيْهِ (وَمَا أُمِروا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) (98: 5) (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)(22: 31)(دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)(6: 161)(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(6: 79) بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَتَوَجَّهُونَ إِلَى غَيْرِهِ تَوًّا وَيَدْعُونَهُ مِنْ دُونِهِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ، فَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ رَبُّهُمْ وَلَا يَذْكُرُونَهُ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مُنْكِرٌ يَتَأَوَّلُونَ فَيَقُولُ الْعَامِّيُّ: الْمَحْسُوبُ كَالْمَنْسُوبِ، الْوَاسِطَةُ لَا تُنْكَرُ. وَيَقُولُ الْمُعَمَّمُ دَعِيُّ الْعِلْمِ: هَذَا تَوَسُّلٌ وَاسْتِشْفَاعٌ، لَا عِبَادَةَ وَلَا دُعَاءَ، وَكَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ حَتَّى خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَوْلِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ كَالشُّهَدَاءِ. وَقَدْ فَنَّدْنَا دَعْوَاهُمْ مِرَارًا.
وَالظَّالِمُونَ بِالِابْتِدَاعِ يَبْغُونَهَا عِوَجًا بِمَا يَزِيدُونَ فِي الدِّينِ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ، الَّتِي لَمْ تَرِدْ
فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، وَمُسْتَنَدُهُمْ فِي هَذِهِ الْبِدَعِ النَّظَرِيَّاتُ الْفِكْرِيَّةُ، وَالتَّأْوِيلَاتُ الْجَدَلِيَّةُ، وَمُحَاوَلَةُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الدِّينِ وَالْفَلْسَفَةِ الْعَقْلِيَّةِ، هَذَا إِذَا كَانَ الِابْتِدَاعُ فِي الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ، وَأَمَّا الِابْتِدَاعُ بِالزِّيَادَةِ فِي الْعِبَادَاتِ الْوَارِدَةِ وَالشَّعَائِرِ الْمَشْرُوعَةِ، فَمِنْهُ مَا كَانَ كَاحْتِفَالَاتِ الْمَوَالِدِ وَتَرْتِيلَاتِ الْجَنَائِزِ وَأَذْكَارِ الْمَآذِنِ - كَالزِّيَادَةِ فِي الْأَذَانِ - وَمَا كَانَ فِي تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ مِنَ الزِّينَةِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ أَوْ فِي إِحْلَالِ مَا حَرَّمَهُ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَاتِّخَاذِهَا أَعْيَادًا وَتَشْرِيفِهَا وَإِيقَادِ الْمَصَابِيحِ وَالسُّرُجِ مِنَ الشُّمُوعِ وَغَيْرِهَا عَلَيْهَا، فَإِنَّ خَوَاصَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِآرَاءٍ سَقِيمَةٍ، وَأَقْيِسَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ عَقِيمَةٍ، وَاسْتِحْسَانَاتٍ يُنْكِرُونَ أُصُولَهَا وَيَأْخُذُونَ بِفُرُوعِهَا. وَعَوَامُّهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ فُلَانٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ، وَفَعَلَ فُلَانٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ الصَّالِحِينَ، وَنَحْنُ لَا نَفْهَمُ كَلَامَ اللهِ وَلَا كَلَامَ الرَّسُولِ، وَإِنَّمَا نَفْهَمُ كَلَامَ هَؤُلَاءِ الْفُحُولِ، بَلْ وُجِدَ وَلَا يَزَالُ يُوجَدُ مِنَ الْمُعَمَّمِينَ الْمُدَرِّسِينَ مَنْ يُصَرِّحُونَ فِي دُرُوسِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ فِي زَمَانِهِمْ أَنْ يَعْمَلَ بِكِتَابِ اللهِ وَلَا بِسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا بِمَا نَقَلَهُ الْمُحَدِّثُونَ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ الصَّالِحِ، بَلْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ بِمَا يُلَقِّنُهُ إِيَّاهُ أَيُّ عَالِمٍ يَنْتَمِي إِلَى مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْمَعْرُوفَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرْوِ مَا يُلَقَّنَهُ عَنْ إِمَامِ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ مَبْنِيٍّ عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ الَّتِي كَانَ بِهَا مَذْهَبًا كَعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ مَالِكٍ بِشَرْطِهِ، وَكَوْنُ الْإِجْمَاعِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ هُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَالْخِلَافِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ.
وَالظَّالِمُونَ بِالزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ يَبْغُونَهَا عِوَجًا بِالتَّشْكِيكِ فِيهَا بِضُرُوبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ يَقْصِدُ بِهَا بُطْلَانَ الثِّقَةِ بِهَا وَالصَّدَّ عَنْهَا، وَمَذَاهِبُ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي أُدْخِلَتْ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ مَنَافِذِ التَّشَيُّعِ وَالتَّصَوُّفِ مَعْرُوفَةٌ، وَقَدْ كَانَ لِوَاضِعِي تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ مِنَ الْفُرْسِ غَرَضٌ سِيَاسِيٌّ مِنْ إِفْسَادِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَهْلِهِ وَإِحْدَاثِ الشِّقَاقِ بَيْنَهُمْ فِيهِ، وَهُوَ إِضْعَافُ الْعَرَبِ وَإِزَالَةُ مُلْكِهِمْ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ إِعَادَةِ مُلْكِ فَارِسٍ وَسُلْطَانِ الْمِلَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ، ثُمَّ رَسَخَ بِالتَّقْلِيدِ فِي طَوَائِفَ مِنْ أَجْنَاسٍ أُخْرَى حَتَّى الْعَرَبِ جَهِلُوا أَصْلَهُ، وَمِنَ
الْأَفْرَادِ مَنْ يُحَاوِلُ إِفْسَادَ دِينِ قَوْمِهِ عَلَيْهِمْ لِيَكُونُوا مِثْلَهُ، فَلَا يَكُونُ مُحْتَقَرًا بَيْنَهُمْ، وَمِنْ زَنَادِقَةِ عَصْرِنَا مَنْ يُحَاوِلُونَ هَذَا لِظَنِّهِمْ أَنَّ قَوْمَهُمْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا كَالْإِفْرِنْجِ فِي حَضَارَتِهِمُ الْمَادِّيَّةِ الشَّهْوَانِيَّةِ إِلَّا إِذَا تَرَكُوا دِينَهُمْ، وَهُمْ يَرَوْنَ الْإِفْرِنْجَ يَتَعَصَّبُونَ لِدِينِهِمْ وَيُنْفِقُونَ الْمَلَايِينَ فِي سَبِيلِ نَشْرِهِ.
وَالظَّالِمُونَ فِي الْأَحْكَامِ يَبْغُونَهَا عِوَجًا بِتَرْكِ تَحَرِّي مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنِ الْتِزَامِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ مِيزَانِ الْعَدْلِ، وَالْمُسَاوَاةِ فِيهِمَا بَيْنَ النَّاسِ بِالْقِسْطِ، بِأَلَّا يُحَابِي أَحَدٌ لِعَقِيدَتِهِ أَوْ مَذْهَبِهِ، وَلَا لِغِنَاهُ أَوْ قُوَّتِهِ، وَلَا يَهْضِمُ حَقَّ أَحَدٍ لِضَعْفِهِ أَوْ فَقْرِهِ، وَلَا لِفِسْقِهِ أَوْ كُفْرِهِ
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(5: 8) بَلْ مِنْهُمْ مَنْ بَغَى هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الْعَادِلَةَ الْمُعْتَدِلَةَ عِوَجًا فِي أَسَاسِ نِظَامِهَا وَأُصُولِ أَحْكَامِهَا، فَجَعَلَ حُكُومَتَهَا مِنْ قَبِيلِ الْحُكُومَاتِ الشَّخْصِيَّةِ، ذَاتِ السُّلْطَةِ الِاسْتِبْدَادِيَّةِ.
وَالظَّالِمُونَ بَالَغُوا فِيهَا جَعَلُوا يُسْرَهَا عُسْرًا، وَسَعَتَهَا ضِيقًا وَحَرَجًا، وَزَادُوا عَلَى مَا شَرَعَهُ اللهُ مِنْ أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ، وَالْمَحْظُورَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ، أَضْعَافَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا صَحَّ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ، مِمَّا ضَاقَتْ بِهِ مُطَوَّلَاتُ الْأَسْفَارِ، الَّتِي تَنْقَضِي دُونَ تَحْصِيلِهَا الْأَعْمَارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ غَايَةَ الِاهْتِدَاءِ بِهَا الْفَقْرَ وَالْمَهَانَةَ، وَالذِّلَّةَ وَالِاسْتِكَانَةَ، خِلَافًا لِمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ مِنْ عِزَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَوْنِهِمْ أَوْلَى بِزِينَةِ الدُّنْيَا وَطَيِّبَاتِهَا مِنَ الْكَافِرِينَ.
فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ لِمَنْ يَبْغُونَهَا عِوَجًا مِنَ الْمُنْتَمِينَ إِلَيْهَا وَالْمُدَّعِينَ لِهِدَايَتِهَا، وَأَمَّا أَعْدَاؤُهَا الصُّرَحَاءُ فَهُمْ يَطْعَنُونَ فِي كِتَابِ اللهِ وَفِي خَاتَمِ رُسُلِهِ جَهْرًا بِمَا يَخْلُقُونَ مِنَ الْإِفْكِ، وَمَا يُحَرِّفُونَ مِنَ الْكَلِمِ، وَمَا يَخْتَرِعُونَ مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَمَا يُنَمِّقُونَ مِنَ الْمُشَكِّكَاتِ وَأَمْرُهُمْ مَعْرُوفٌ، وَأَجْرَؤُهُمْ عَلَى الْبُهْتَانِ وَالزُّورِ وَتَعَمُّدِ قَلْبِ الْحَقَائِقِ فَرِيقَانِ - دُعَاةُ النَّصْرَانِيَّةِ الطَّامِعُونَ فِي تَنْصِيرِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ حِرْفَةً عَلَيْهَا مَدَارُ رِزْقِهِمْ، وَرِجَالُ السِّيَاسَةِ الِاسْتِعْمَارِيُّونَ الطَّامِعُونَ فِي اسْتِعْبَادِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِعْمَارِ بِلَادِهِمْ، وَكُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ظَهِيرٌ لِلْآخَرِ، فَالْحُكُومَةُ السُّودَانِيَّةُ الْإِنْكِلِيزِيَّةُ حَرَّمَتْ مَجَلَّةَ الْمَنَارِ عَلَى مُسْلِمِي السُّودَانِ بِسَعْيِ دُعَاةِ النَّصْرَانِيَّةِ وَسَعَايَتُهُمْ لِأَنَّ دَعْوَتَهُمْ لَا تَرُوجُ فِي قَوْمٍ يَقْرَءُونَ الْمَنَارَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ) فَهُوَ خَاصٌّ بِمُنْكِرِي الْبَعْثِ مِنْ أُولَئِكَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا، وَهُمْ شَرُّ تِلْكَ الْفِرَقِ كُلِّهَا - أَيْ وَهُمْ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ وَإِضْلَالِهِمْ كَافِرُونَ بِالْآخِرَةِ كُفْرًا رَاسِخًا
قَدْ صَارَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِمْ فَلَا يَخَافُونَ عِقَابًا عَلَى إِجْرَامِهِمْ فَيَتُوبُوا مِنْهُ، وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ (بِالْآخِرَةِ) عَلَى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ فَإِنَّ أَصْلَ كُفْرِهِمْ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْهُ لَهُ تَأْثِيرٌ خَاصٌّ فِي إِصْرَارِهِمْ عَلَى مَا أُسْنِدَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذَا مَنْ قَالَ إِنَّ التَّقْدِيمَ لِأَجْلِ رِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ بِلَعْنِ هَؤُلَاءِ فِي الْآخِرَةِ يَصِفُهُمْ بِالظُّلْمِ، وَيُسْنِدُ إِلَيْهِمُ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَبَغْيِهَا عِوَجًا بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ، وَيَصِفُهُمْ بِالْكُفْرِ بِالْآخِرَةِ فِي الْآخِرَةِ بَعْدَ أَنْ زَالَ الْكُفْرُ بِهَا، بِعَيْنِ الْيَقِينِ فِيهَا، وَفَاتَ زَمَنُ الصَّدِّ عَنْهَا، وَبَغْيِهَا عِوَجًا وَالنُّكْتَةُ فِي هَذَا تَصْوِيرُ حَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، لِيَتَذَكَّرُوهَا هُمْ وَكُلُّ مَنْ سَمِعَ التَّأْذِينَ بِهَا، وَيَعْلَمُوا عَدْلَ اللهِ بِعِقَابِهِمْ عَلَيْهَا. وَلِيَعْتَبِرَ بِهَا فِي الدُّنْيَا مَنْ يَتَصَوَّرُ حَالَهُمْ هَذِهِ فَكَانَتِ الْبَلَاغَةُ أَنْ يَعْدِلَ هُنَا عَنْ صِيغَةِ الْمَاضِي إِلَى صِيغَةِ الْحَالِ حَتَّى يُخَيَّلَ
أَنَّهُ هُوَ الْوَاقِعُ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْكَلَامِ. كَمَا كَانَتِ الْبَلَاغَةُ فِي الْعُدُولِ عَنْ صِيغَةِ الِاسْتِقْبَالِ فِي تَحَاوُرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ إِلَى صِيغَةِ الْمَاضِي لِإِثْبَاتِ الْقَطْعِ بِهِ وَتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفُهُمْ بِمَا ذُكِرَ مُسْتَأْنَفٌ مِنْ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى لَا مِنْ كَلَامِ الْمُؤَذِّنِ.
(وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ) أَيْ وَبَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ حِجَابٌ يَفْصِلُ كُلًّا مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِطْرَاقِ إِلَيْهِ. وَالْحِجَابُ مِنَ الْحَجْبِ بِمَعْنَى الْمَنْعِ - كَالْكِفَافِ مِنَ الْكَفِّ وَالصِّوَانِ مِنَ الصَّوْنِ - وَهُوَ حِسِّيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ. وَالْحِسِّيُّ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ دُونَ الرُّؤْيَةِ كَالزُّجَاجِ وَمَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ وَحْدَهَا كَالسُّتُورِ، وَمَا يَمْنَعُهُمَا جَمِيعًا كَالْأَسْوَارِ وَالْحِيطَانِ. وَمِنَ الْحَجْبِ الْمَعْنَوِيِّ مَنْعُ الْإِرْثِ حِرْمَانًا أَوْ نُقْصَانًا، وَهُوَ الْحِجَابُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ هُوَ السُّورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ:(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينِ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسُ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ)(57: 13) الْآيَةَ. فَإِنَّ الْجَنَّةَ فِي بَاطِنِهِ وَالنَّارَ مِنْ قِبَلِ ظَاهِرِهِ، أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَكُونُ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي مَوْقِفِ الْحِسَابِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنْ مُقَاتِلٍ فِي قَوْلِهِ:(فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ) قَالَ: يَعْنِي بِالسُّورِ حَائِطًا بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ - يَعْنِي بَاطِنَ السُّورِ - فِيهِ الرَّحْمَةُ مِمَّا يَلِي الْجَنَّةَ، وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يَعْنِي جَهَنَّمَ، وَهُوَ الْحِجَابُ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ. وَرَوَى هُوَ وَرَوَاهُ التَّفْسِيرُ الْمَأْثُورُ قَبْلَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي آيَةِ الْحَدِيدِ قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْيَاءً فِي الدُّنْيَا يُنَاكِحُونَهُمْ
وَيُعَاشِرُونَهُمْ وَكَانُوا مَعَهُمْ أَمْوَاتًا، وَيُعْطَوْنَ النُّورَ جَمِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ إِذَا بَلَغُوا السُّورَ يُمَازُ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَالسُّورُ كَالْحِجَابِ فِي الْأَعْرَافِ فَيَقُولُونَ:(انْظُرُونَا نَقْتَبِسُ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) .
(وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ) الْأَعْرَافُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ، وَجَمْعٌ لِكَلِمَتَيِ الْأَعْرَفِ وَالْعُرْفِ (بِوَزْنِ قُفْلٍ) وَيُطْلَقُ عَلَى أَعَالِي الْأَشْيَاءِ وَأَوَائِلِهَا وَكُلِّ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْهُ عُرْفُ الدِّيكِ وَعُرْفُ الْفَرَسِ وَهُوَ الشَّعْرُ عَلَى أَعْلَى الرَّقَبَةِ، وَعُرْفُ السَّحَابِ، رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: الْأَعْرَافُ سُورٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه رِوَايَاتٌ: (1) الْأَعْرَافُ هُوَ الشَّيْءُ الْمُشْرِفُ: (2) سُورٌ لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ: (3) تَلٌّ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ جَلَسَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. (4) السُّورُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَعْرَافَ هُوَ ذَلِكَ السُّورُ وَالْحِجَابُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ وَأَهْلِهِمَا، أَوْ أَعَالِيهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا أُولَئِكَ الرِّجَالُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ جَمِيعًا قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِمَا - فِيمَا يَظْهَرُ - فَيَعْرِفُونَ كُلًّا مِنْهُمَا بِسِيمَاهُمُ الَّتِي وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِهَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ