الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: في أسمائها
ولها أسماءٌ متعددةٌ:
أحدُها: فاتحةُ الكتابِ، ففي «الصَّحيحين» عن عُبادة بنِ الصَّامِت أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (1)، وإنَّما سُمِّيت «فاتحة الكتاب» لافتتاح سُور القرآن بها كتابةً، وقراءةً في الصلاة، وهذا ممَّا استدلَّ به من قال: إن ترتيب سُور القرآن منصوصٌ عليه كترتيب الآيات إجماعًا. ذكره أبو العبَّاس.
وسألَ حربٌ أحمدَ عمَّن يقرأُ أو يكتبُ من آخرِ السورةِ إلى أوَّلِها، فكرِهَهُ شديدًا.
وفي «تعليق القاضي» في أنَّ البسملةَ ليست من الفاتحةِ: مواضعُ الآي كالآي أنفُسِها، ألا ترى أنَّ مَنْ رَامَ إزالةَ ترتيبها كمَنْ
(1)«صحيح البخاري» (756)، و «صحيح مسلم» (394).
رَامَ إسقاطَها، وإثباتُ الآي لا يجوزُ إلا بالتواترِ كذلك مواضعها.
وذكر أبو البركات أنَّ تَنْكِيْسَ الآيات يُكْرَهُ إجماعًا، لأنَّه مظنَّة تغيُّر المعنَى بخلاف السُّورتين.
هذا لفظُه، وينبغي أن يقال: فيحرم للمظنة، وتنكيس الكلمات محرّم، مبطلٌ للصَّلاةِ اتفاقًا.
وقال جمهورُ العلماءِ - منهم المالكيَّة والشافعيَّة -: ترتيبُ السور بالاجتهاد من الصَّحابَةِ.
قال الإمامُ أبو العبَّاس: فعلى هذا يجوزُ قراءةُ هذه قَبْلَ هذه، وكذا في الكتابةِ، ولهذا تنوَّعت مَصَاحِفُ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم في كتابتِها، لكن لمَّا اتفقوا على المُصْحَفِ زَمَنَ عثمان رضي الله عنه صارَ هذا ممَّا سنّهُ الخلفاءُ الراشدون رضي الله عنهم، وقد دلّ الحديثُ على أنَّ لهم سنَّةً يجبُ اتباعُها (1).
وقيل: سُمِّيت فاتحةً لأنَّ الحمدَ فاتحةُ كلِّ كلامٍ.
وقيل: سُمِّيت فاتحةً لأنَّها أوَّلُ سورةٍ نَزَلَتْ من السَّمَاءِ.
وقال الثَّعْلَبِيُّ: هي مُفْتَتَحَةٌ بالآية التي تُفْتَتَحُ بها الأمورُ تَيَمُّنًا
(1) انظر: "الفتاوى"(13/ 396، 409 - 410).
وتَبَرُّكًا، وهي التَّسْمِيةُ.
الاسم الثاني: أم الكتاب، ففي «المسند» و «سنن ابن ماجه» عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَنْ صَلَّى صلاةً لم يَقْرَأ فيها بأمِّ الكتابِ فهي خِدَاجٌ» (1).
وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي هريرة: «{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ المثاني» (2).
وقد سمَّاها ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: أمَّ الكتاب.
وأنكر الحسنُ تسميتَها بذلك، وقال: أمُّ الكتاب الحلال والحرام. يشيرُ إلى قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، وربما وجه بأنَّ أمَّ الكتاب هو اللوحُ المحفوظ، كما في قوله تعالى:{يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، وقوله تعالى:{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] ، وهذا لا يدلُّ على مَنْعِ تسمية الفاتحة بذلك.
وقد اختلف في معنى تسميتها بأمِّ الكتاب، فقيل: لأنَّها تتقدم على بقيَّة سُورِ الكتاب في الخطِّ، فهي تؤمُّ السور بتقدمها عليها.
[
…
] (1) فالكتاب كله راجع إلى معانيها، فهي كالأصل له، كما سُمِّيت مكَّة أمّ القرى، لأن البلدان دُحِيت من تحتها.
وقيل: أصالتها من حيث أنَّها محكمةٌ لم يتطرَّق إليها نسخٌ، من قوله تعالى:{مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7].
وقيل غير ذلك، والله أعلم.
الاسم الثالث: أمُّ القرآن، وقد ورد تسميتُها بذلك في أحاديث كثيرة:
منها حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كلُّ صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ» خرَّجه مُسْلِمٌ (2).
وخرَّج من حديث عُبادة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن» (3).
وقد أَطْلَقَ عليها هذا الاسم كثيرٌ من العلماء، ومنهم الحسن
(1) بياض في الأصل، ويبدو أن هذا الموضع مما احترق من الكتاب، والله أعلم.
(2)
«صحيح مسلم» (395).
(3)
«صحيح مسلم» (394).
الذي كره تسميتها بأمِّ الكتاب، وكره ابنُ سيرين تسميتها بأمِّ القرآن، وهو محجوجٌ بما ذكرنا.
الاسم الرابع: السبع المثاني، وقد فسَّرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالفاتحة كما سيأتي ذكره، وذكر وكيع في «كتابه» عن سفيان عن عمرو بن ميمون عن أبي مسعود الأنصاريِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:«{وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87] قال: فاتحة الكتاب» .
وممن قال (الفاتحة هي السبع المثاني): ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمر والحسن ومجاهدٌ وعكرمةُ وخلقٌ كثيرٌ.
واختلف في تسميتها بالمثاني، قيل: لأنَّها استثنيت لهذه الأمَّة، لم يُعْطَهَا أحدٌ قَبْلَهم، كما سيأتي، ورُوي عن ابنِ عبَّاسٍ.
وقيل: لأنَّها تُثَنّى في كلِّ ركعة، وهو المشهور.
وقيل: لأنَّها في كلِّ صلاة.
وقيل: لأنَّ فيها ثناءٌ على الله عز وجل.
وقيل: لأنَّها قُسمت نصفين، نصفٌ لله، ونصفٌ لعبده، كما في حديث أبي هريرة.
وقيل: لأنَّ أهل السموات يصلُّون بها كما يُصلِّي بها أهلُ الأرض، وقد جاء عن عمر أنَّها صلاةُ الملائكة.
وقيل: لأنه ثُنِّي نزولُها فنزلت مرَّتين، مرَّةً بمكَّة، ومرَّةً بالمدينة.
وقيل: لأنَّها مستثناةٌ من سائر الكتبِ المنزَّلة، كما سيأتي (1).
وقيل: لأنَّ الكلمات التي فيها مثنَّاةٌ، كـ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وقوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، وكقوله:{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ} ، وقوله:{الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (2)، وقوله:{عَلَيْهِمْ} و {عَلَيْهِمْ} ، وفي قراءة عمر:(غير المغضوب عليهم وغير الضالين) فهذه الكلمات كلُّها مثنى مثنى، فسُمِّيت مثاني لذلك.
واعلم أنَّ المثاني تُطلَقُ باعتبار معنيين:
أحدهما: باعتبار ما ثُنِّي لفظُه وكرِّرَ.
والثاني: باعتبار ما ثُنِّيَتْ أنواعُه وأقسامُه، وكرِّرَتْ، فإنَّ
(1) انظر: (ص: 38).
(2)
في الأصل: (غير المغضوب عليهم والضالين).
التثنية يُرَادُ بها مطلقُ العدد مِنْ غير تخصيصٍ بعدد الاثنين، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] أي: مرَّةً بعد مرَّةٍ.
والقرآن نوعان:
أحدُهما: ما كُرِّر لفظُه لفائدةٍ مجدَّدةٍ، فهذا هو المتشابه.
والثاني: ما نُوِّع وقُسِم ولم يُكرّر لفظُه، فهذا المثاني.
وقد جَمَعَ اللهُ بين هذين الوصفين في قوله تعالى: {نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23] فوصف الكتاب كلَّه بأنَّه متشابهٌ ومثاني، فإمَّا أن يكون تنويعًا إلى هذين النوعين، وهما: النظائر المتماثلة، والمثاني في الأنواع؛ وإمَّا أن يكون المراد أنَّ آياته المتماثلة ثُنِّيَتْ فيه في مواضع لحِكَمٍ وفوائد متجدّدةٍ، وسورةُ الفاتحة [
…
] (1) على المثاني بهذين التفسيرين، لأنَّها تضمنت الأنواع والأقسام المعدّدة [
…
] (2) وذكر العبادة والاستعانة، وذكر المغضوب عليهم والضالين، وتضمنت ذكر النظائر المتماثلة، وثُنِّيت فيها
(1) بياض بالأصل بمقدار كلمة أو كلمتين، ولعلها:(مشتملة) أو نحوها.
(2)
بياض في الأصل بمقدار سطر.
كتكرير {إِيَّاكَ} ، و {الصِّرَاطَ} ، و {عَلَيْهِمْ} ، وتكرير:{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} على قول من يقول إنَّ البسملة منها.
فإن قيل: قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] يدلُّ على أنَّها من جملة المثاني لا كلّها، وفي الحديث: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في الفاتحة: «هي السبع المثاني» .
فالجواب: أنَّ القرآنَ كلَّه أربعةُ أقسامٍ: السبع الطُوَل، والمئون، والمثاني، والمفصّل، كما في «المسند» وغيرِه عن واثلة بن الأسقع أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«أُعطيتُ مكان التوراةِ السَّبعَ الطُوَلَ، وأُعطيتُ مكان الزَّبورِ المئين، وأُعطيتُ مكان الإنجيلِ المثانيَ، وفُضِّلتُ بالمفصّلِ» (1).
وقد رُوي نحو ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه.
والسَّبع الطُوَلُ هي: البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، كذا قال ابنُ عبَّاسٍ وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وقيل: إنَّ السابعة: الأنفال وبراءة.
والمئون: ما كان بعد ذلك من السُّور يبلغُ عددُه مائةً، مائةً،
(1)«المسند» (4/ 107).
أو يزيدُ عليها قليلاً أو ينقصُّ قليلاً.
والمثاني: ما سوى ذلك، وسوى المفصل، وسُمِّي مثاني قيل: لأنَّه يتلوُ المئين، فكأنَّ المئين أوائل وهذه ثواني؛ وقيل: لأنَّه تُثنَّى فيه القَصَصُ والأمثالُ والفرائضُ والحدودُ، ونُقل عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ.
فالفاتحة من قِسْمِ المثاني، لأنَّها ليست من السَّبْعِ الطِّوالِ، وليست من المئين، ولا من المفصَّل، فتعيَّن أنَّها من المثاني، وإنَّما سمَّاها النبيُّ صلى الله عليه وسلم السبع المثاني لاختصاصها من بين بقيَّة سُور المثاني بمعاني أخر تقتضي أنَّها أحَقّ بهذا الاسم من غيرِها من السُّور كتثنيتِها في الصلاة وغير ذلك، فصارت نوعًا مستقلاً بنفسِه فلذلك سُمِّيت:«السبع المثاني» ، مع أنَّ في لفظ التِّرمذيِّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«إنَّها سبعٌ من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيتُه» (1).
الاسم الخامس: القرآنُ العظيم، وسيأتي قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الفاتحة:«هي السَّبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه» (2)،
(1)«الجامع» (2875).
(2)
ص: 35.
ففسَّر السَّبعَ المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة، فيكونُ هذا العطفُ حينئذٍ من بابِ: عطفِ الصِّفاتِ على الصِّفاتِ، لا من: عطفِ الموصوفاتِ على الموصوفاتِ، ونظيرُه قولُه سبحانه وتعالى:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} [الأعلى: 1 - 4]، وكذلك قراءةُ عائشةَ وغيرِها من الصحابةِ:(حافظوا على الصَّلوات والصَّلاةِ الوُسطى وصلاةِ العصرِ)، ومن المفسِّرين من قال: إنَّ القرآن العظيم المرادُ به بقيةُ القرآن، فجعله من باب ذكر الخاص قبل العام [
…
] (1) وهو قليلٌ، والمعروف عكسُه، وهو ذكر الخاصِّ بعد العامِّ.
الاسم السادس: الصَّلاة، فقد ثبت في حديث أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:«قال الله تعالى: قُسمت الصَّلاةُ بيني وبين عبدي نصفين، فنصفُها لي، ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل» خرَّجه مسلمٌ (2).
وإنَّما سُمِّيت «صلاةً» لأنَّ الصلاةَ لا تخلوُ عنها، ولا تصحُّ إلَاّ بها، فسُمِّيت «صلاةً» ، كما تسمَّى الصلاةُ «قرآناً» ، كما
(1) بياض في الأصل بمقدار كلمة.
(2)
«صحيح مسلم» (395).
في قوله تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78].
وقد سمَّاها بهذا الاسم جماعةٌ من الأئمةِ.
وقال أبو شَامَة في أثناء كلامٍ له: هذا إذا سلَّمنا توجَّه التنصيف إلى آيات الفاتحة، وذلك ممنوعٌ من أصلِه، وإنَّما التنصيف متوجِّهٌ إلى الصلاة بنصِّ الحديث، فإن قيل: المرادُ قراءة الصلاةِ، قلنا: بل المراد قسمةُ ذِكْرَ الصلاةِ، أي: الذِّكْرُ المشروعِ فيها وهو ثناءٌ ودعاءٌ، فالثناءُ: منصرفٌ إلى الله تعالى، سواء ما وقع منه في القراءةِ، وما وقع منه في الركوعِ والسجودِ، وغيرهِما، والدعاءُ منصرفٌ إلى العبدِ، سواء ما وقع منه في القراءة والسجود وغيرِهما.
وأقرّه عليه النوويُّ مع تسميته الفاتحة بـ «الصلاة» (1).
الاسم السابع: رقية الحقِّ، وقد ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال للذي رَقَى بالفاتحة:«وما يدريك أنَّها رقيةٌ» ، وثبت أنَّه قال:«لقد أكلتَ برقيةِ حقٍّ» .
(1)"المجموع"، وقد نقل كلام أبي شامة (3/ 339)، وانظر تسميته الفاتحة بـ "الصلاة" فيه (3/ 331)، وفي "شرح مسلم"(4/ 103).
الاسم الثامن: سورة الحمد، وقد اشتهر تسميتُها بذلك، وحَمَلَ كثيرٌ من النَّاس حديثَ: (كان يفتتحُ الصَّلاة بـ {الحمد لله رب العالمين} على أنَّه أُريد ذكر اسم السُّورة.
فإن قيل: ففي القرآن سُورٌ كثيرةٌ أوَّلُها: {الحمد لله} ، فما وجهُ تسمية الفاتحة بـ «سورة الحمد» دون غيرها؟
فالجواب: أنَّ الثناء على الله سبحانه في هذه السُّورة هو المقصودُ الأعظم من سائرِ معانيها، وقد استوعب نحو شطرها، فهو الغالب عليها، فسمِّيت بما غَلَبَ عليها، بخلافِ غيرِها.
الاسم التاسع: الشفاء، ذكره غيرُ واحدٍ، وذكروا من حديث ابنِ سيرين عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:«فاتحةُ الكتابِ شفاءٌ من كلِّ داءِ» ، وفي رواية:«من كل سُمٍّ إلا السَّامَ» ، وهو الموت.
وقيل: إن الدارمي خرَّجه (1)، وروي مرسلا عن عبد الملك بن عمير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«في فاتحة الكتاب: شفاء من كل داء» (2).
وتُسمَّى «الشافية» أيضًا.
قال الرَّازيُّ: وأقول: الأمراضُ منها ما هو روحانيَّة، ومنها ما هو جسمانيَّة، بدليل تسميتِه تعالى الكفرَ مرضًا، في قولِه تعالى:{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة: 10].
وهذه السورة مشتملةٌ على معرفةِ الأصول والفروع والمكاشفات، فهي في الحقيقة شفاءٌ، بل الشفاءُ (1) في هذه المقامات الثلاثة (2).
الاسم الحادي عشر: الوافية، بالفاء، حُكِي عن سفيان بنِ عُيينَةَ، لأنَّها لا تقبلُ الحذف، فلا بدَّ من الإتيان بها وافيةً تامَّةً.
وقال الزَّمخشريُّ: إنَّما سُمِّيت وافيةً لاشتمالِها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله عز وجل بما هو أهلُه، ومن التعبُّد بالأمرِ والنَّهي، ومن الوعد والوعيد (3).
الاسم الثاني عشر: الأساس، رُوي عن الشَّعبيِّ أنَّه سمَّاها «الأساس» ، وأنَّه قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقول: أساسُ الكُتُبِ القرآن، وأساسُ القرآن الفاتحة، وأساسُ الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم.
(1) في «التفسير الكبير» : (فهي في الحقيقة سبب لحصول الشفاء)
(2)
«التفسير الكبير» (1/ 147).
(3)
«الكشاف» (1/ 45).
ولم نقف على إسناده.
قال الرَّازيُّ: وسُمِّيت أساسًا لوجهين: أحدُهما: أنَّها أوّلُ سورةٍ من القرآن، فهي كالأساس، والثاني:[أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة](1)، وهذه السورة مشتملة على (2) ما لا بد منه في الإيمان، والصلاة لا تتم إلا بها (3).
ولها أسماء أخر كـ «سورة الشكر» ، و «سورة الدعاء» ، و «سورة تعلم المسألة» ، و «سورة الكنز» - لأنها من كنز تحت العرش -، و «أمُّ المحامد» ، والله تعالى أعلم.
* * *
(1) ما بين المعكوفتين بياض بالأصل، واستدرك من «التفسير الكبير» ، وقد ذكر الرازي وجها ثالثا أيضا، ولكنه ذكره بعد الوجه الأول، فقال:(الثاني: أنها مشتملة على أشرف المطالب) ثم ذكر هذا الوجه، والله أعلم.
وجاء في هامش الأصل: (الثالث عشر: الكافية، سمّاها به لأنها تكفي عن غيرها، فإن أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها منها عوضا) ا. هـ ولا أدري هل هذا الهامش من إلحاقات المصنف، أم أنه من الناسخ؟
(2)
في «التفسير الكبير» : (على كل).
(3)
«التفسير الكبير» (1/ 147).