الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله تعالى إشارة إليه، ويشهد له تخصيصه بهذه السورة لأنّ مبناها على إرشاده كما مرّ فما قيل أن تخصيصها للتشريف لأنه جاءه في غيرها فيه نظر، وقوله على حالكم قد مز تحقيقه في تفسير المكانة، وقوله الدوائر أي وقوع الدوائر، وهي ما يخاف ويكره كقوله:{نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} [سورة المائدة، الآية: 52،. قوله:(خاصة لا يخفى عليه خافية) هو بيان لمعنى اللام والاختصاص المستفاد منها ومن التقديم، وكونه لا يخفى عليه خافية من عموم المصدر المضاف فإنه من طرق العموم فأفاد أنه يعلم كا! غيب، وأنه لا يعلم ذلك سواه، وقيا! إنه إذا علم غيبا علم ما سواه إذ لأفاوق، وقوله مما فيهما قيل إشه إشارة إلى أن الاضافة على معنى في. قوله:) فيرجع لا محالة الخ (فهي كلمة جامعة دخا
فيها تسليته صلى الله عليه وسلم وتهديد الكفار بالانتقام منهم دخولاً أوليا. قوله: (وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه) أي التوكل إنما ينفع العابد لأنّ تقدّمه في الذكر يشعر بتقدمه في الرتبة أو الوقوع. قوله: (أنت وهم) قيل هو ظاهر في بيان إنّ الاية! ت قبيل التغليب فيكون تفسيره مبنيا على قراءة تعملون بتاء الخطاب الفوقية فلا يناسبه قوله، وقرأ نافع، وابن عامر وحفص الخ الموجود في بعض النسخ، ولذا قيل إنّ الأصح إسقاطه، وليس بشيء لأنه فسره على القراءة المختارة ثم ذكر أنها قرنت بالوجهين فأفي محذور في التصريح بما علم ضمناً. قوله:(من قرأ سورة هود الخ) قد مرّ أنّ هود ممنوع من الصرف في اسم السورة، وأنّ الرواية عليه وهذا الحديث رواه ابن مردويه، والواحدي عن أبيّ رضي الله عنه، وهو موضوع كما ذكره ابن الجوزي في موضوعاته (إلى هنا انتهى) ما أردنا تعليقه على سورة هود بمن من بيده الكرم والجود يسر الله تعالى اتمام ما أردناه، ووفقنا لفهم معاني كلامه على ما يحبه ويرضاه، وأفضل صلاة وسلام على أفضل أنبيائه وعلى آله وأصحابه وأحبائه ما مشت الأقلام على الطروس لخدمة كتابه وسمع صريرها طربا بلذيذ خطابه آمين.
سورة
يوسف
عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (مكية) وقيل إلا ثلاث آيات من أوّلها، ولما ختمت السورة التي قبلها بقوله:
{وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ} ذكرت هذه بعدها لأنها من أنبائهم، وقد ذكر أوّلاً ما لقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قومهم، وذكر في هذه ما لقي يوسف من اخوته ليعلم ما قاسوه من أذى الأجانب والأقارب فبينهما أتمّ المناسبة، والمقصود تسلية النبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لاقاه من أذى القريب والبعيد. قوله:(مائة وإحدى عشرة) قال الداني بالاتفاق. قوله: (تلك إشارة إلى آيات السورة وهي المراثة بالكتاب (لم يتعرّض للمراد بالر اعتمادا على ما فصله في أوّل البقرة مع ما فيه من الإشارة إلى أنها حروف مسرودة على نمط التعديد لأنها لو كانت أسماء للسورة لصرّج بأنها المشار إليها وحينئذ فالاشارة إلى ما بعده لتنزيله لكونه مترقباً منزلة المتقدم أو جعل حضوره في الذهن بمنزلة الوجود الخارجي كما في قوله: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [سورة الكهف، الآية: 78] والاشارة إلى ما في اللوج بعيد، والاشارة بما يشار به للبعيد أمّا على الثاني فلأنه لما لم يكن محسوسا نزل منزلة البعيد لبعده عن حيز الاشارة أو لعظمه، وبعد مرتبته، وعلى غيره لذلك أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار كالمتباعد، وقد مرّ تفصيله:
والحر تكفيه الاشارة
وقوله وهي المرادة بالكتاب أي المراد به السورة لأنه بمعنى المكتوب فيطلق عليها، ولم
يذكر أنّ المراد بها القرآن كما في سورة الرعد اكتفاء بالظاهر، ولايهامه أنها جميع آياته، وليس القصد إليه مبالغة، والقرينة لا تدفع الايهام ولا ينافيه تلك آيات القرآن في النمل لأنّ القرآن يطلق على بعضه كما صرّح به المصنف رحمه الله تعالى فالاعتراض به غفلة عنه، ثم إن فائدة الأخبار حينئذ تقييدها بالصفة المذكورة بعدها، وهي المبين كما أشار له بقوله الظاهر الخ فتأمّل. قوله: أالظاهر أمرها في الاعجاز) بشير إلى أنّ المبين من أبان، وهو يكون لازماً بمعنى
ظهر، ومتعدياً بمعنى أظهر فعلى أخذه من الأوّل المراد الظاهر أمرها واعجازها فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع، واستتر وعلى الثاني المفعول لمبين مقدر، وهو أنها من عند الله
أو ما سأله عنه أليهود، وقيل إنه على الأوّل من الاسناد المجازي، ولا تقدير فيه لما يلزمه من حذف الفاعل وهو وهم لأن مثله لا يعد حذفا لوجود ما قام مقامه، وعلى الثاني الاسناد المجازي، وتبيينها أنها من عند الله لأنها تحمل من تدبرها على ذلك أفلا يتدبرون القرآن فالوجوه أربعة، ووجه ترتبها أنّ المقصود اعجازه فلذا قدم الأوّل من وجهي اللزوم والتعدّي وان دلّ الآخر عليه بالأخبار عن الغيب، وقوله في الاعجاز قيل إنه أصاب حيث لم يضف الاعجاز إلى العرب كما في الكشاف، ولا يخفى أن المتحدي هم، والاعجاز بالنسبة إليهم فلا محذور في الاضافة. قوله:(أي الكتاب) السابق ذكره وقيل خبر يوسف عليه الصلاة والسلام، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أظهر، وقوله سمي البعض قراناً أي أطلق على البعض، وهو هذه السورة القرآن الذي هو عبارة عن مجموع السور بحسب الظاهر المتبادر لأنّ القرآن اسم جنس يشمل القليل، والكثير فكما يطلق على الكل يطلق على البعض لكنه غلب على الكل عند الاطلاق معرفا لتبادره منه، وهل وصل بالغلبة إلى حذ العلمية أو لا ذهب المصنف رحمه الله تعالى إلى الأوّل فيلزمه الألف، واللام ومع ذلك لم يهجر المعنى الأؤل، وما وقع في كتب الأصل من أنه وضع تارة للكل خاصة، وتارة لما يعمّ الكل والبعض أعني الكلام المنقول في المصحف تواتراً فافيه نظر لأن الغلبة ليس لها وضع ثان، وإنما هي تخصيص لبعض أفراد الموضوع له، ولذا لزمته اللام أو الإضافة إلا أن يدعي أن فيها وضعا تقديريا. قوله:(ونصبه على الحال الخ) محصله أنه إما حال بعده حال أو قرآنا بمعنى مقروء فيه ضمير مستتر، وعربياً حال من الضمير المستتر فهي متداخلة أو قرآنا حال، وعربياً صفته، وحينئذ فهي إما موطئة أو غير موطئة لأنها إن أبقيت على جمودها من غير تأويل بالمشتق موطئة لأن المقصود بالحالية وصفها إذ هي لا تبين هيئة، وان أوّلت به فغير موطئة لأن معنى التوطئة أنها تبين أن ما بعدها هو المقصود بالحالية لا أنها حال موصوفة لعدم دلالتها على الهيئة، ولذا عرف النحاة الحال الموطئة بأنها الجامدة الموصوفة نحو:{فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [سورة مريم، الآية: 17] ومعنى قوله في نفسه بقطع النظر عما بعده، وعن تأويله بالمشتق، وقوله بمعنى مفعول أي مقروء ومجموع وقيل قرآنا بدل من الضمير وعربيأ صفته. قوله:) علة لائزاله بهذه الصفة الخ (أي حكمة له بمنزلة العلة لأنّ أفعاله لا تعلل بالأغراض أو مستعملأ استعمال العلة
لأنّ لعل تستعمل بمعنى لام التعليل على طريق الاستعارة التبعية كما مرّ في البقرة، وجعلها للرجاء من جانبهم لا يناسب المقام، وان كان جائزاً كما قيل، وقوله مجموعا أو مقروء بيان لمحصل المعنى، ويتحمل أن يكون إشارة إلى ترجيح جعله قرآنا حالاً غير موطئة، وقوله كي تفهموه، وتحيطوا بمعانيه منالسب لتفسير المبين الثاني، والرابع وتستعملوا فيه عقولكم ملائم للثالث، ولكنه لا يختص! بشيء منها حتى يكون تأكيدا وقوله اقتصاصه أي الكتاب كذلك معجزة من معجزاته بئ لاخباره بالمغيبات. قوله:) أحسن الاقتصاص الخ (فيه وجهان أحدهما أن يكون مفعولاً به لنقص إن كان القصص مصدرا بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق أو صف مشبهة على فعل كقبض، ونقض بمعنى مقبوض ومنقوض! أي نقص عليك أحسن الأشياء المقصوصة، والثاني أن يكون منصوبا على المصدر لاضافته إلى المصدر أو لكونه في الأصل صفة مصدر أي قصصا أحسن القصص، ومفعوله محذوف أي نقص ما سيذكر أحسن قصص! أو هذا القرآن، والى الوجهين أشار المصنف رحمه الله تعالى لكنه ترك احتمال كونه مصدرا بمعنى مفعول قيل، وقوله أحسن ما يقص إشارة إلى أنّ اللام حينئذ موصولة ليصح وقوعه مضافا إليه فتأقل. قوله: الاشتماله على العجائب الخ) يعني أنه أحسن في بابه لأنه ليس أحسن من قصة النبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه أحسن في سمته لاشتماله على سير الملوك والمماليك، ومكر النساء، والصبر على أذى الأقارب والعفو بعد الاقتدار، وغير ذلك مما يعرفه من وقف على معاني السورة، وأصل معنى القص اتباع الأثر، ومنه قص الحديث لأنه يذكره ويتبع ما وقع فيه ومعانيه دائرة عليه ومثله التلاوة أصلها الاتباع وقوله بايحائنا إشارة إلى أنّ ما مصدرية، والباء سببية. قوله:(ويجورّ أن يجعل هذا مفعول نقصى الخ) أي كما يجوز جعله مفعول أوحينا على أنّ مفعول نقص أحسن القصص أو محذوف بناء على المذهبين في التنازع
إذ هذا منه إذا لم يكن أحسن القصص! مفعولأ واخضار أعمال الثاني ترجيحا للقول به، ولأنّ تعلق الوحي به أظهر من تعلق القصص باعتبار ما اشتمل عليه، ويجوز تنزيل أحد الفعلين منزلة اللازم. قوله:(لم تخطر بيالك الخ) أسقط تفسير الزمسخثرفي له بقوله من الجاهلين به لأنه دمان كان مراداً وقد عبر الله بالغافلين توقير النبي صلى الله عليه وسلم بل لم يسمه غافلا بل نسب الغفلة إلى من هو بين أظهرهم فما بال مثله يترك الأدب، والتبرّك بأخلاق الله لكن لكل جواد كبوة، وليس لنا حاجة إلى ذكر ما اعتذر
به فإنه يكفيك من شرّ سماعه. قوله: (وهو تعليل لكونه موحى) أي أوحي إليك لأنه لم يخطر ببالك، ولم يطرق سمعك الكريم تفصيله لكن الأكثر فيما يرد للتعليل ترك العطف. قوله:(بدل من أحسن القصص الخ) فهو بدل اشتمال لاشتمال المظرف على المظروف، ولم يجوّز البدلية على المصدرية لأنّ المقصوص هو الواقع في ذلك الوقت لا الاقتصاص على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر فالمانع فيه عدم صحة المعنى، وقيل المانع بحسب العربي لأنّ أحسن الاقتصاص مصدر فلو كان بدلاً، وهو المقصود بالنسبة لكان مصدراً أيضاً، وهو غير جائز لعدم صحة تأويله بالفعل، وأورد على التعليل الأوّل أنه وان لم يشتمل الوقت على الاقتصاص فهو مشتمل على المقصوص فلم لم تجز البدلية لهذه الملابسة ورذ بأن مطلق الملابسة لا يصحح الابدال، والا لصح إبدال كل شيء بل المراد بالملابسة أن يكون البدل صفة للمبدل منه كأعجبني زيد حسنه أو يحصل بحسبه صفة له كسلب زيد ثوبه، وأعجبني عمر، وسلطانه لحصول صفة المالكية، والملابسة والوقت لا ملابسة فيه للاقتصاص بهذا المعنى اهـ، والذي حزره النحاة بعد الخلاف في أنّ المشتمل الأوّل أو الثاني أو العامل أنه لا يكتفي بهذا القدر بل التحقيق ما قاله نجم الأئمة الرضي أنّ الاشتمال ليس كاشتمال الظرف على المظروف بل لكونه دالاً عليه إجمالاً ومتقاضيا له بوجه ما بحيث تبقى النفس عند ذكر الأوّل متشوّقة إلى الثاني منتظرة له فيجيء الثاني مبيناً لما أحمل فيه فإن لم يكن كذلك يكن بدل غلط فالوجه أن يقال في عدم صحته أنّ النفس إنما نتشوّق لذكر وقت الشيء لا لذكر وقت لازمه فلذا لم يصح جعله بدلاً من الاقتصاص لأنّ الملابسة بينه وبين وقته، وهذا ليس وقتا له فلو أبدل منه فسد المعنى، وأمّا توجيهه بأنه لو أبدل لكان مصدراً فليس بصحيح أيضاً لأنّ المصدر كما يكون ظرفاً نحو أتيتك طلوع الشمس يكون الظرف أيضا مصدراً ومفعولاً مطلقاً لسدّه مسد المصدر كما في قوله:
ألم تغتمض عيناك ليل أرمدا
فانهم صرّحوا كما في التسهيل وشروحه أنّ ليلة مفعول مطلق أي اغتماض ليلة أرمد فما
ذكره من حديث الفعل من الأوهام الفارغة نعم إذا ناب عن المصدر ففي كونه بدل اشتماله شبهة، وهو شيء آخر غير ما ذكر. قوله:(وبقي هنا بحث) في كلام الرضي لعل النوبة تفضي إليه. قوله: (بدل الاشتمال) زاد في الكشاف لأن الوقت مشتمل على القصص، وهو المقصوص فإذا قص وقته فقد قص فقيل إنه جوإب سؤال وهو أنه إذا كان بدلاً من المفعول به يكون الوقت مقصوصا، ولا معنى له فأجاب بأن المراد لازمه وهو اقتصاص قول يوسف عليه الصلاة والسلام فإن اقتصاص وقت القول ملزوم لاقتصاص القول لكنه أورد عليه أن يكون بدل بعض أو كل لا اشتمال وليس كما قال وإنما يلزم ما ذكر لو كان الوقت بمعنى القول وهو إمّا
عبن المقصوص أو بعضه أمّا لو بقي على معناه وجعل مقصوصا باعتبار ما فيه فلا يرد ما ذكره فتأئل، وقوله منصوب بناء على تصرّفه، وذكر الوقت كناية عن ذكر ما حدث فيه وقيل إنه منصوب يقال يا بنيّ. قوله:(ويوسف عبريّ الخ) أي أنه علم أعجمي إذ العجمة ما عدا العربية ولو لم يكن عبرانياً انصرف لأنه ليس فيه غير العلمية، وليس فيه وزن الفعل للقراءة المشهورة، وهي ضم الياء والسين فإنها تأباه إذ ليس لنا فعل مضارع مضموم الأوّل، والثالث ومثله يون! ، والتلعب كثرة التغيير فيه شبه بالكرة ونحوها مما يلعب به فتتداوله الأيدي ولذا قالوا: أعجمي فالعب به ما شئتا
وقوله من آسف بالمد أصله " سف فأبدلت المدة الثانية ألفاً يعني أنه يكون من الأفعال
لضم الياء، وهذا على تسليم عربيته لشبهة أنه يتأسف عليه لقوله يا أسفا على يوسف، وفي الصحاح يقفر بضم الياء علم ينصرف لأنه قد زال عنه
شبه الفعل اهـ، وهو مذهب سيبويه، وخالفه الأخفش فيه فمنع صرفه لعروض الضم للاتباع كذا قال النحاة: فإن قلت فما بالهم لم يجروا هذا الخلاف في يونس، ويوسف، وهو مثل يعفر قلت قالوا إنه لم يجر فيهما لتحقق منع صرفهما للعلمية، والعجمة، ولو كان عربياً لجرى فيه الخلاف فكلام المصنف رحمه الله على مذهب سيبويه رحمه الله تعالى ويوسف ويونس مثلثا السين، والنون وبها قرىء شذوذاً. قوله:) وعنه عليه الصلاة والسلام هو حديث صحيح رواه البخاري، والكريم مرفوع مبتدأ أو ابن الأوّل مرفوع صفته، والثاني والثالث مجروران صفة الكريم، وكذا يوسف مرفوع خبره، وابن الأوّل صفته، والثاني والثالث مجروران صفة للاسمين المجرورين بالفتح لمنع الصحرف، والمراد بالكرم كرم النسب لتوالي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في نسبه. قوله: (أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث الخ (هذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون: التاء للتأنيث، وياء الاضافة مقدرة بعدها، ويأباه فتحها، وعدم سماع أبتي في السعة، وقوله لتناسبهما في الزيادة أي في كون كل منهما من حروف الزوائد وفي كون كل منهما يضم إلى الاسم في آخره وقيل إن الياء أبدلت تاء لأنها تدل على المبالغة، والتعظيم في نحو علامة والأب والأمّ مظنة
التعظيم، وقوله ولذلك قلبها هاء الخ دليل لكونها تاء تأنيث لا للعوضية لأنّ دليلها ما ذكرناه، وخطىء في نسبة الوقف بالهاء إلى أبي عمر ولأنّ الواقف بها ابن كثير وابن عامر والباقون وقفوا بالتاء وقوله، وكسرها لأنها عوض حرف يناسبها مبتدأ وخبر أي كسر التاء لأنها عوض عن الياء التي هي أخت الكسرة فحرّكت بحركة تناسب أصلها لا لتدل على الياء حتى يكون كالجمع بين عوضين أو بين العوض والمعوّض، وجعل الزمخشري هذه الكسرة كسرة الياء زحلقت إلى التاء لما فتح ما قبلها للزوم فتح ما قبل تاء التأنيث. قوله:(وفتحها ابن عامر في كل القرآن الخ) أي لأنّ أصلها، وهو الياء إذا حرّك حرك بالفتح، وان اختلف في أصلها هل هو البناء على السكون لأنه الأصل في كل مبني أو الفتح لأنه أصل ما كان على حرف واحد وكلام المصنف رحمه الله يحتملهما، وقوله أو لأنه يعني أصلها أي أصل هذه الكلمة يا أبتا بأن قلبت الياء ألفا، ثم حذفت، وأبقيت فتحتها دليلا عليها، وكون أصلها هذا ضعيف عند النحاة لأنّ يا أبتا ليس بفصيح حتى قيل إنه يختص بالضرورة مثل يا أبتي كقوله:
يا أبتا علك أو عساكا
وقيل لأنّ الألف خفيفة لا تحذف، وكونها ألف ندبة أو زائدة ضعيف، وقوله جمع بين العوض! ، والمعوّضى بخلاف يا أبتا فإنه جمع بين عوضين وقوله، وقرىء بالضم هي ضعيفة رواية ودراية لأنّ ضم المنادي المضاف شاذ، وقوله وإنما لم تسكن أي التاء مع أنّ الياء المعوّض عنها تسكن لأنّ الياء حرف معتل تنقل حركته في الجملة، ولذا لم يسكن من الضمائر غير الياء، وقوله منزل منزلة الاسم لأنها عوضى عن اسم، وليست اسما، وجعلها الزمخشري اسما مسامحة فأشار المصنف به إلى مراد من سماها اسماً، ومن قال به جعلها بدلاً من الياء لا عوضاً، والاسم إذا كان على حرف واحد وأبدل لا يخرج عن الاسمية. قوله: (من الرؤيا لا من الرؤية لقوله {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ} الخ (يعني كلاهما مصدر لرأي لكن فرق بين كونها بصرية بجعل مصدرها رؤية، وحلمية بجعله رؤيا والدليل على أنّ الفعل هنا فعل الحلمية تصريحه بمصدره فيما سيأتي، وهذا بناء على المشهور من أنّ الرؤيا لا تكون إلا مصدراً لحلمية، ولذا خطىء المتنبي في قوله:
ورؤياك أحلى في العيون من الغمض
وذهب السهيلي وبعض علماء اللغة إلى أنّ الرؤيا سمعت من العرب بمعنى الرؤية ليلا أو مطلقا، وكلام المصنف رحمه الله تعالى مخالف له، وترك ما في الكشاف، وغيره من أنه لو كان حقيقة، وهو أمر خارق للعادة لشاع وعد معجزة ليعقوب عليه الصلاة والسلام أو ارهاصا ليوسف عليه الصلاة والسلام لجواز أن يكون ليلا والناس غافلون في زمن يسير والصحيح أنها منام، والبحث في مثله لا طائل تحته. قوله:(روي عن جابر رضي الله تعالى عنه الخ) هذا الحديث اً خرجه جماعة كابن أبي حاتم، والحاكم، وجماعة من المفسرين واختلف في صحته فقال أبو زرعة، وابن الجوزي أنه منكر موضوع، وقال الحاكم: إنه صحيح على شرط مسلم، وذكروا أنّ اسم اليهودي سنان، وتعيين هذه الكواكب وضبط أسمائها لم يتعرّضوا له هنا، ولم أره
في كلام من يوثق به، وجريان بفتح الجيم، وكسر الراء المهملة، وتشديد الياء منقول من اسم طوق القميص والطارق معلوم ما يطلع ليلاً، والذيال من ذوات الأذناب وقابس بقاف وموحد وسين مقتبس النار وعمودان تثنية عمود، والفليق نجم منفرد، والمصبح وما يطلع قبيل الفجر، والفرغ بفاء وراء مهملة ساكنة وغين معجمة نجم عند الدلو ووثاب بتشديد المثلثة سريع الحركة، وذو الكتفين تثنية كتف نجم كبير، وهذه نجوم غير مرصودة خصت بالرؤيا لغيتهم عنه، وكان بين رؤياه ومسير إخوته إليه أربعون سنة، وقيل ثلاثون سنة، وفي الكشاف أخر الشمس والقمر ليعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص بيانا لفضلهما واستبدادهما بالمزية على غيرهما من الطوالع كما أخر جبريل وميكائيل عن الملائكة ثم عطفهما عليها لذلك، ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر، وتركه المصنف رحمه الله لأنه قيل عليه إنّ أحد عشر كوكبا يتناول الشمس، والقمر فليس من القبيل المذكور وانّ النحاة اتفقوا على أنّ عمرا في نحو ضربت زيدا وعمرا لا يصح أن يكون مفعولاً معه لظهور العطف الذي هو الأصل من غير مانع منه، وأجيب بانّ التناول غير لازم لأنّ إفادته
المبالغة من العطف الدال على المغايرة، والتنبيه على أنهما من جنس أشرف، وقد كان يمكنه أن يقول ثلاثة عشر كوكبا فلما عطف دل على فرط اختصاص واهتمام بشأنهما لزيادة الفائدة لاخراجهما عن ذلك الجنس، وجعلهما متغايرين بالعطف، والعدول عن مقتضى الظاهر كما في المستشهد به، وإن كان الوجه مختلفا، وفي بعض الحواشي، وتخصيصهما بالذكر، وعدم الادراج في عموم الكواكب لاختصاصهما بالثرف، وتأخيرهما لأنّ سجودهما أبلغ وأعلى كعباً فهو من باب لا يعرفه فلان ولا أهل بلده، وقيل إنه رشح معنى الاختصاص بالمبالغة في التغاير كأنهما جنسان لا فاضل بينهما ولا مفضول، وهو وجه حسن أيضاً وإنما لم يرد على أسلوب غيره لأنّ ذكر العدد لأمر مقصود يفوت بتركه لأنه به تطابق الرؤيا، والتعبير، وأمّا أمر المعية فغير مسلم، ولو سلم فواو العطف تدل على المعية، وهو أصل معناها ولذا صرّح به في قوله:{أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ} [سورة المائدة، الآية: 36] وفيه تأمّل.
قوله:) استئناف لبيان حالهم الخ (جعله بعضهم تأكيداً للأولى تطرية لطول العهد كما في قوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ} [سورة المؤمنون، الآية: 35] وبه يسلم من أن رأي الحلمية كالعلمية تتعدى لمفعولين، ولا يحذف ثانيهما اقتصارا، وعلى الوجه الأوّل يلزم حذفه من رأيت الأولى، واختار المصنف رحمه الله تبعا للزمخشريّ أنه جواب سؤال مقدر فيكون تأسيسا وهو أولى من التأكيد، وأفا الاعتراض! عليه بما مرّ فلعله لا يراه متعديا لمفعولين، وساجدين عنده حال أو يقول بجواز ما منعوه فيها. قوله: (وإنما أجريت مجرى العقلاء) يعني في ضميرهم، وجمع صفتهم جمع مذكر سالم، وصفات العقلاء هي السجود، وهو إتا استعارة مكنية بتشبيههم بقوم عقلاء مصلين والضمير، والسجود قرينة أو أحدهما قرينة تخييلية، والآخر ترشيح أو استعارة تصريحية، والتصغير هنا يدل على الشفقة ولذا سماه النحاة تصغير التحبيب كما قال بعض المتأخرين:
قد صغر الجوهر في ثغره
لكنه تصغير تحبيب. قوله: (فيحتالوا لإهلاكك حيلة الخ (إشارة إلى أنّ كاد متعدّ بنفسه
كما في قوله فكيدوني، وجعل اللام زائدة كجعله مما يتعدى بنفسه، وبالحرف خلاف الظاهر فلذا حمله على تضمين ما يتعدى بها، وهو الاحتيال فيقيد معنى الفعلين معاً فيكون هذا توطئة لما سيأتي، ويحتمل أن يريد أن الكيد والحيلة متقاربان فحمل على مناسبه في التعدية، وهو
وجه آخر لكن الظاهر الأوّل، ويكيدوا منصوب في جواب النهي، وكيداً مصدر مؤكد، وقيل إنه مفعول به، ومعناه يصنعون لك كيداً، وهو ما يكاد به فلك حال أو اللام للتعليل، وفهم يعقوب عليه الصلاة والسلام ذلك لعلمه بالتعبير، ولدلالة خضوع الإجرام العلوية له على ذلك، وقوله أن الله يصطفيه لرسالته أي لنبوّته لأنه لم ينقل له شريعة مستقلة فكونه فوق إخوته إفا بالملك أو لتفاوت مراتب النبوّة، وخوفه حسدهم إما لعلمهم بالتأويل أو لاحتمال تعب بينهم لذلك. قوله: (والرؤيا كالرؤية (ليس المراد التشبيه في تمام المعنى، وجميع الوجوه بل في كونها مصدر رأي
إلا أن الرؤية مصدر رأي البصرية الدالة على إدراك مخصوص، والرؤيا مصدر رأي الحلمية الدالة على ما يقع في النوم سواء كان مرئيا أو لا وهو قول تقدم ما يخالفه فلا يرد عليه شيء كما توهم ففرق بين مصدر المعنيين بالتأنيثين كالقربة للتقزب المعنوي بعبادة ونحوها، والقربى للنسبي. توله: (وهي (أي الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة الخ. قيل عليه لا يلزم في الرؤيا الانحدار من المتخيلة لأن الإنسان إذا أدرك شيئأ وبقيت صورة ذلك المدرك في الخيال فبعد النوم ترتسم في الحس المشترك تلك الصورة التي بقيت مخزونة في الخيال، وهي من أقسام الرؤيا مع أنه لا يصدق التعريف المذكور عليها ولا مجال لأن يقال التعريف للصادقة منها لمكان قوله، والصادقة منها الخ. ثم إن ما ذكره مبنيئ على أصول الفلسفة، وقول المتكلمين في الرؤيا غير ذلك (قلت (هذا غير وارد كما بينه النفيسي في شرح الأسباب والعلامات حيث قال إذا ضعف الخيال بالنوم لم يحفظ الصور في اليقظة على المجرى الطبيعي حتى تتصزف فيها القوّة المتخيلة، وتلقيها على الحس المشترك فتنعكس إليه منه ثانيا فيتذكر عند اليقظة وتفصيل الحواس، وبيان معانيها مفصل في محله فإن قلت المنقول عن المتكلمين إن النوم مضاذ للإدراك وأن الرؤيا خيالات باطلة، وكيف يصح هذا القول مع شهادة الكتاب، والسنة بصحة الرؤيا قلت دفع هذا بأن مرادهم أن كون ما يتخيله النائم إدراكاً بالبصر رؤية وكون ما يتخيله إدراكا بالسمع سمع باطل فلا ينافي حقيته بمعنى كونه أمارة لبعض الأشياء لذلك الشيء بنفسه أو ما يضاهيه، ويحاكيه فتأمل والانطباع مجاز مشهور في الارتسام في القوى الباطنة، وأفق المتخيلة استعارة لتلك القوّة، والملكوت عالم الملكوت، والتناسب هو التجزد، وعند فراغها متعلق باتصال، وقوله أدنى فراغ لعدم قطع العلاقة كما في الموت، وقوله فتتصوّر أي يحصل لها صورة، وإدراك وتحاكيه بمعنى تحكيه أو تشابهه بصورة أخرى
وقوله، ثم إن كانت أي تلك الصورة، وقوله بالكلية أي في المبادي، والجزئية في الحس المشترك، واستغناؤه عن التعبير في الأغلب ألا ترى إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه لما رأى ذبح ابنه عبر له بالقربان مع شدة مناسبته، ولذا أراد ذبحه بناء على أغلب حاله فتأمّل. قوله:(وإنما عدى كاد باللام) قد مرّ تقريره، وقوله تأكيدا يعني أن التضمين لتأكيد المعنى بإفادة معنى الفعلين جميعا، وقوله ولذلك أي لكون القصد التأكيد والمقام مقامه، وقوله وعلله الخ لأن بيان علة الشيء تفيد نوع تقرير له. قوله:(ظاهر العداوة) بيان لأن مبين من أبان اللازم، وقوله فلا يألو جهداً الخ. بيان لكونه تعليلا لما قبله وقوله، وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الخ هذا جرى على ما سلف من تغاير المشبه والمشبه به، والزمخشري يجعل المشبه، والمشبه به مصدر الفعل المذكور، وكذلك في محل نصب صفة لمصدر مقدر، وقيل إنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وقوله أو لأمور عظام فيكون المعنى أعمّ مما قبله، ويشمل إغناء أهله ودفع القحط ببركته، ويجتبى بمعنى يختار من الجباية لأنه إنما يجتبى ما يطلب، ويختار. قوله:(كلام مبتدأ الخ (أي مستأنف، وقوله وهو يعلمك على عادتهم في تقدير المبتدأ فيما يستأنف، ولذا قيل إنه يحتمل الحالية بتقدير المبتدأ أيضاً لأنّ الجملة المضارعية لا تقترن بالواو. قوله: (خارج عن التشبيه) قيل لأنّ الظاهر أن يشبه الاجتباء بالاجتباء، والتعليم غير الاجتباء فلا يشبه به، وفيه نظر لأنّ التعليم نوع من الاجتباء، والنوع يشبه بالنوع، وقيل إنه يصير المعنى، ويعلمك تعليما مثل الاجتباء بمثل هذه الرؤية ولا يخفى سماجته فإن الاجتباء وجه الشبه، ولم يلاحظ في التعليم ذلك) قلت (ولا مانع من جعله داخلا فيه على أنّ المعنيّ بذلك الإكرام بتلك الرؤيا أي كما أكرمك بهذه المبشرات يكرمك بالاجتباء، والتعليم ولا تكلف فيه بجعله تشبيهيا، وتقدير كذلك والرأي بضم الراء وفتح الهمزة وألف مقصور جمع رؤيا ووقوع في نسخة الرؤيا لأنها مصدر يصدق على الكثير. قوله: (لآنها أحاديث الملك إن كانت صادقة الخ (هذا مذهب المحدثين فيها، وما مرّ مذهب الحكماء، وهذا تعليل لإطلاق الأحاديث على المنامات وأحاديث النفس، والشيطان مجاز عن الوسوسة، والخيالات، ولذا سموها دعابة الشيطان، وعلى التفسير
الآخر فالأحاديث على ظاهرها. قوله:) وهو اسم جمع للحديث الخ) ولا ينافي
هذا قوله في سورة المؤمنين في تفسير قوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} [سورة المؤمنون، الآية: 44] إنه اسم جمع للحديث أو جمع أحدوثة إذا تأمّلت الفرق بينهما، وهذا مبنيّ على قول الفراء أن الأحدوثة تكون للمضحكات، والخرافات بخلاف الحديث فلا يناسب هنا، ولا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون جمع أحدوثة، ولذا قال ابن هثام رحمه الله الأحدوثة من الحديث ما يتحدث به ولا يستعمل إلا في الشرّ، وقال المبرد إنها ترد في الخير وأنشد قول جميل:
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها إذا ما انقضت أحدوثة لو يعيدها
ولما نقل كلام الفراء السهيليّ تعجب منه، وقال كيف لم يذكر هذا الشعر وهو مما سار
وغار فإن قلت كيف يكون اسم جمع على تسليم كلام الفراء وقد شرط النحاة في اسم الجمع أن لا يكون على وزن يختص بالجموع كمفاعيل وأفعال وهذا مما اتفق عليه قلت سيأتي عن صاحب الكشف أنّ الزمخشريّ كفيره يطلق اسم الجمع على الجمع المخالف للقياس كليال، وأهال فلا يخالف كلام الكشاف هنا قوله في المفصل قد يجيء الجمع مبنيا على غير واحده كأباطيل، وأحاديث كما قيل، وقيل إنهم جمعوا حديثا على أحدوثة ثم جمعوا الجمع على أحاديث كقطيع، وأقطعة وأقاطيع. قوله:(بالنبوّة الخ) هذا ناظر إلى الوجه الثاني في جمع اجتبائه لعظائم الأمور لئلا يتكرر وعلى تفسير تمام النعمة بإيصال نعم الآخرة ظاهر والتأويل من الأول، وهو الرجوع إلى الأصل، والردّ إلى الغاية المرادة منه قولاً أو فعلا إما بتفسيره أو بوقوعه فمن الأوّل قوله:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللهُ} ومن الثاني يوم يأتي تأويله، وقوله: وللنوى قبل يوم البين تأويل
كذا حققه الراغب. قوله: (ولعله استدلّ على نبوّتهم بضوء الكواكب) يعني بمقتضى تعبير الرؤيا، وما عنده من علمها، وهذا بناء على تفسيره الإتمام بالنبوّة، وليس هذا استدلالاً عقليا حتى يقال تمثيلهم بالكواكب إنما يدل على كونهم هادين للناس، وقوله أو نسله بالنصب عطف على سائر أي ذزيته، وهو شامل لأولاد أولاده، وقوله بالرسالة إشارة إلى أنّ الأبوين بمعنى الأب، والجد أو الجد وحده، وكون الذبيح إسحق عليه الصلاة والسلام على رواية، والمشهور أنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام. قوله: (عليم بمن يستحق (قيل إنّ هذا مبنيّ على مذهب
الحكماء من أنّ النبوّة، والرسالة من الأمور المكتسبة بالتصفية والتكميل، وليس مذهب أهل السنة، ولا وجه لما قاله فإنه ظاهر في خلافه، وسيأتي ما في قوله الأجسام متماثلة في سورة الإسراء، وقد مرّ الكلام عليه في سورة الأنعام في تفسير قوله:{اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [سورة الأنعام، الآية: 124] . قوله: (دلائل قدرة الله تعالى وحكمته الخ) أي المراد ما وقع في تلك القصة أو أن في ذلك علامات على نبوّة النبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله لمن سأل عن قصتهم الخ أي وعرفها متعلق بالوجهين ويجوز أن يجعلا وجها واحدا كما قال أبو حيان رحمه الله تعالى: الذي يظهر أنّ الآيات هي الدلالات على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وما أظهره الله تعالى في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام من عواقب البغي، وصدق رؤياه، وتأويله وضبط نفسه، وقهرها، وقيامه بالأمانة، وحدوث السرور بعد اليأس وبه يظهر معنى الجمع، وعلى الوجه الثاني الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى يكون وجهه إخباره بما طابق الكتب من غير سماع، ولا قراءة كتب مع ما فيما قصه من الإعجاز لفظاً، ومعنى، وقيل جمع لاشتماله السور على قصص أخر. قوله:(والمراد بإخوته علانه العشرة الخ) قيل عليه فيه أن العلات هم الأخوة لأب كما أنّ الأعيان الأخوة لأب وأمّ، والأخياف لام والعلات على ما عده أحد عشر، وقد وقع في بعض النسخ الإحدى عشرة لكن المشهور أنهم عشرة، وليس فيهم من اسمه دينة، وقيل كانت دينة أخت يوسف عليه الصلاة والسلام، وقوله هم عبارة عن مطلق علاته لا مقيدة بكونهم عشرة، والعلات يتناول الإناث أيضا، ولا محصل له فدفعه أنّ الأخوة جمع أخ فهو مخصوص بالذكور فلا يضر ذكر أخته
وكونهم بها أحد عشر، وعلى النسخة الأخرى هو من التغليب فلا غبار في كلامه، وقوله من بنت خالته أي خالة يعقوب عليه الصلاة والسلام، وقوله: تزوّج أختها أي أخت ليا أو بنيامين، المشهور فيه كسر الباء، وصححه بعضهم بضمها، وقوله رّلفة وبلهة اسم السريتين، وقوله: وتخصيصه بالإضافة الخ. يعني أنّ الجميع إخوته، لكن الإخوّة من الجانبين الأب والأم أقوى، فلذا خص به ولم يذكره باسمه إشعارا بأنّ محبة يعقوب عليه الصلاة والسلام له لأجل شقيقه يوسف، ولهذا لم يتعرضوا له بشيء مما وقع بيوسف. قوله:(وحده الخ) أي أتى به مفرداً، وهو فعل ماض مشدد الحاء إشارة إلى القاعدة المشهورة في النحو،
وكونه جائزاً في المضاف إذا أريد تفضيله على المضاف إليه، فإذا أريد تفضيله مطلقاً فالفرق لازم، وأحب أفعل تفضيل من المبنيّ للمفعول شذوذاً، وأفعل من الحب والبغض يعذى إلى الفاعل معنى بإلى وإلى المفعول باللام، وفي تقول زيد أحبّ إليّ من بكر إذا كنت تكثر محبته، ولي وفيّ إذا كان يحبك أكثر من غيره. قوله:(والحال أنا جماعة أقوياء أحق بالمحبة) إشارة إلى أنّ الجملة حالية، وقوله أقوياء إشارة إلى أنّ العصبة ليس المراد بها مجرد العدد، بل الدلالة على القوّة ليكون أدخل في الإنكار لأنهم قادرون على خدمته، والجذ في منفعته فكيف يؤثر عليهم من لا يقدر على ذلك، وفي عدد العصبة خلاف لأهل اللغة، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أحد الأقوال فيها وقوله: لأنّ الأمور تعصب بهم أي تشذ فتقوى، وقوله: لتفضيله المفضول يشير إلى أنّ مرادهم بالضلال خطأ الرأي وعدم الاهتداء إلى طريق الصواب، لا ما يتبادر منه فيكون سوء أدب، ونسبة النبيّ المعصوم إلى ما لا يليق به، والجملة الاسمية المؤكدة، وجعل الضلال ظرفا له لتمكنه فيه، ووصفه بالمبين إشارة إلى أنه غير مناسب له ذلك، والمخايل بالياء لا بالهمزة جمع مخيلة وهي الإمارة، والعلامة من خال بمعنى ظن أي زيادة محبته له، لأنّ فيه مظنة لعلوه مقامه لا لما توهمه إخوته من أنه مجرّد ميل بلا سبب، كما هو المعتاد في زيادة الميل لأصغر البنين، وضمير ضاعف ليعقوب عليه الصلاة والسلام، وله ليوسف صلى الله عليه وسلم، والتعرّض له ما فعلوه به. قوله:(من جملة المحكي بعد قوله إذا قالوا الخ) إشارة إلى ارتباطه بما قبله، وليس التقدير، وقال رجل غيرهم شاوروه في ذلك، كما قيل وقوله كأنهم اتفقوا توجيه لإسناده إلى الكل، وقوله إلا من قال إشارة إلى أنّ الإسناد بالنظر إلى ا! ر وأنه في حكم المستثنى، وقوله: وقيل إنما قاله شمعون أحد الأخوة، وقيل: دان وهو أحدهم أيضا كما مز، وقوله ورضي به الآخرون توجيه لنسبة القول الصادر من واحد إليهم، لأنهم لما رضوه فكأنهم قائلون كما مرّ. قوله: (منكورة بعيدة من العمران الخ (منكورة بمعنى مجهولة لا يهتدي إليها، ولذا نكرت ولم توصف فترك الوصف، والتنوين في قوّة الوصف بما ذكر، واختلف في نصبه فقيل على نزع الخافض كقوله كما عسل الطريق الثعلب، وقيل على الظرفية، واختاره
المصنف تبعاً للزمخشري ورده ابن عطية وغيره بأنّ ما ينتصب على الظرفية المكانية لا يكون إلا مبهما، ودفع بأنه مبهم إذ المبهم ما لا حدود له والأرض! المبهمة كذلك، وفيه نظر يعرفه من وقف على معنى المبهم عند النحاة، وقيل إنه مفعول به لأنّ المراد أنزلوه فهو كقوله:{أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا} [سورة المؤمنون، الآية: 29] والمراد إن تأثمتم من قتله فغرّبوه فان التغريب كالقتل في حصول المقصود مع السلامة من إثم القتلى، وقوله وهو معنى تنكيرها أي لا أيّ أرض! كانت. قوله:) والمعنى يصف لكم وجه أبيكم الخ) يصف بمعنى يخلص، والوجه الجارحة المعروفة، ويعبر به عن الذات أيضاً فلذا ذكر فيه وجهان في الكشف أحدهما أنه كناية عن خلوص محبته لهم لأنه يدل على إقباله عليهم إذ الإقبال يكون بالوجه، والإقبال على الشيء لازم لخلوص المحبة له ففيه انتقال من اللازم إلى الملزوم بمرتبتين فالوجه بمعناه المعروف، والكناية تلويحية، والى هذا أشار بقوله يصف الخ، وإذا كان الوجه بمعنى الذات كان الانتقال بمرتبة فهو كناية إيمائية، وإليه أشار بقوله بكليته، والثاني أنه كناية عن التوجه، والتقيد بنظم أحوالهم، وتدبير أمورهم، وذلك لأنّ خلوه لهم يدل على فراغه عن شغل يوسف عليه الصلاة والسلام فيشتغل بهم، وينظم أمورهم، والوجه على هذا بمعنى الذات، واليه أشار بقوله
ولا ينازعه في محبته أحد أي لا يشغله شاغل عنكم، وقيل إنه اختار أنّ الوجه بمعنى الجارحة مطلقا وفيه نظر. قوله:) أو نصب بإضمار ان) يعني يجوز فيه الجزم عطفا على جواب الأمر، والنصب بعد الواو الصارفة بإضمار أن أي يجتمع لكم خلو وجهه والصلاج، وقوله من بعد يوسف عليه الصلاة والسلام والفراغ من أمره، وفي نسخة أو الفراغ فعلى الأولى الضمير ليوسف عليه الصلاة والسلام، ومعنى كونه بعده بعد الفراغ من الاشتغال فالعطف فيه بالواو لتفسيره إذ لا معنى للبعدية عن ذاته وعطف الوجهين بأو عليه إشارة إلى رجوع الضمير إلى أحد المصدرين المفهومين من الفعلين، ورجحت هذه النسخة فالوجوه ثلاثة، وعلى الأخرى الوجوه أربعة فالضمير ليوسف عليه الصلاة والسلام، ومعنى كونه بعده بعد مفارقته ولظهوره لم يفسره أو للفراغ المفهوم من قوله يخل لكم على ما مرّ من تفسيره. قوله:(تائبين إلى الله ثعالى عما جنيتا أو صالحين مع أبيكم الخ) قيل الصلاج إما ديني أو دنيوقي، والدينيّ إفا بينهم، وبين الله بالتوبة أو بينهم، وبين أبيهم بالعذر، وهو وان كان مخالفا للدين لكونه كذبا فموافق له من جهة أنهم يرجون عفوه وصفحه ليخلصوا من العقوق، والدنيوفي بصلاح أمورهم، وهو ظاهر فلا يرد عليه أنه كيف يكون الكذب دينيا، وقوله، وكان أحسنهم فيه رأيا إذ لم ير القتل له، ولا طرحه في أرض خالية قفراء بل في بئر يحتاج إليها السابلة، وتشرب من مائها فإنه أقرب لخلاصه،
وقوله وكان أي يهوذاً أو المشير بذلك، وقوله:{وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ} يتضمن النهي عن إلقائه في الأرض الخالية بعد النهي عن قتله صريحا، وفيه من حسن الرأي ما لا يخفى ووقوع هذا منهم قبل النبوّة إن قيل به، وليس بصغيرة كما قيل، وفي قوله قائل دون التعيين بأسمائهم إذ لم يسم مخهم غير يوسف عليه الصلاة والسلام، وإنما ذكروا بعنوان إخوته، والإضافة إليه تشريف له في مقابلة ما ناله من الأذى، وستر على المسيء بعدم ذكره باسمه لما فيه من التفضيح، وأمّا القول بأنه كان على هذا ينبغي للمصنف رحمه الله تعالى أن لا يعينه فليس بشيء لأنه مقام تفسير، والقول بأنه يهوذا هو الصحيح كما يشعر به كلام المصنف رحمه الله تعالى. قوله:) في قعره سمي به لغيبوبتة الخ (الجب البئر التي لا حجارة فيها من الجب، وهو القطع، وغيابتها حفرتها، وقرارها كما قال:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي
يعني القبر وسميت الحفرة غيابة لغيبتها عن النظر، وقرئ بالإفراد، وهو ظاهر وبالجمع
لأن كل جانب منها غيابة فهو يدل على سعتها، وقوله وقرئ غيبة أي بسكون الياء على أنه مصدر أريد به الغائب منه، وقرئ أيضا غيبة بفتحات على أنه مصدر كغلبة أو جمع غائب كصانع، وصنعة فتكون كقراءة الجمع، وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتملهما، وأما قراءة الجمع بتشديد الياء التحتية فعلى أنه صيغة مبالغة، ووزنه فعالات كحمامات أو فيعالات كشيطانة، وشيطانات، وقوله وألقوه في غيابة الجبّ يعني لا تقتلوه، ولا تطرحوه في أرض قفرة بعيدة لما فيه من المشقة عليكم، والتسبب إلى الهلاك الذي فررتم منه، وتقدم أنه من حسن رأيه فيه. قوله:(بمشورتي أو إن كنتم على أن تفعلوا) أي إن كان فعلكم بمشورتي، ورأص! فألقوه الخ. أو إن كنتم عازمين مصرّين على أن تفعلوا به ما يفرق بينه، وبين أبيه، والفرق بين الوجهين أن كان باق على مضيه في الثاني دون الأوّل بناء على أنّ أن لا تقلب مضيها والأوّل محتاج إلى تقدير فلذا قيل بترجيح الثاني عليه. قوله: (لم تخافنا عليه الم يفسره به لأنّ الأمن لا يتعذى بعلى لأنّ الاستعمال على خلافه يقال ائتمنه على ماله ونفسه، وسيأتي كما أمنتكم على أخيه بل لأنهم فهموا منه الخوف، وعدم الأمن لا يستلزم الخوف ألا ترى أنّ من لم يأتمن أحداً على وديعة لم يأتمنه، ولم يخفه، ويلتقطه بمعنى يأخذه، ومنه
اللقطة، والسيارة الجماعة السائرة. قوله:(ونحن نشفق عليه الخ) كأنه جعل النصح بمعنى الشفقة، واختيار الأحسن بحاله كناية لأنه المناسب للمقام، واستنزاله عن رأيه أي تبديل رأي يعقوب عليه الصلاة والسلام في خوفه عليه منهم، وفيه استعارة، ولما تنسم متعلق بحفظه، وأصل التنسم تلقي النسيم للتروّج، وشمه فهو استعارة للإحساس أي لإحساسه بحسدهم، وما مصدرية. قوله:(والمشهور تأمناً بالإدغام الخ) قراءة العاقة لا تأمنا بالإخفاء، وهو اختلاس الحركة الضعيفة، وقرأها بعضهم بالإشمام أي ضمّ الشفتين مع انفراج
بينهما إشارة إلى الحركة مع الإدغام الصريح كما يكون في الوقف، وهو المعروف عندهم، وفيه عسر هنا قالوا، وهذه الإشارة بعد الإدغام أو قبله، وفي الثاني تأقل، وبطلق الإشمام على إشراب الكسرة شيئا من الضمة في نحو قيل، وعلى إشمام أحد حرفين شيئا من حرف آخر كما مرّ في الصراط، وقرأ الحسن رحمه الله تعالى بالإظهار لكونه من كلمتين محافظة على حركة الإعراب، وقرئ بنقل ضمة النون إلى الميم، وقرئ بكسر حرف المضارعة مع الهمزة، وتسهيلها. قوله:(نتسع في أكل الفواكه) أصل معنى الرتع أن تأكل، وتشرب ما تشاء في خصب وسعة، ولذا أطلقت الرتعة بسكون التاء، وفتحها على الخصب بكسر أوّله ضد الجدب. قوله:(بالاستباق والانتضال) أي رمي السهام يعني أنّ لعبهم ليس لعب لهو، والا لم يقرّهم عليه يعقوب عليه الصلاة والسلام، ولم يصدر منهم بل هو مباج يحسن لتمرّنهم به على الحرب، وهو المسابقة، ورمي السهام، وهو مطلوب لما فيه من إحمام النفس، وإنعاش قوّة العمل. قوله:(وقرأ ابن كثير نرتع بكسر العين الخ) فيها أربع عشرة قراءة من السبعة، وغيرها فقرأ نافع بالياء التحتية، وكسر العين، وقرأ البزفي نرتع، ونلعب بالنون وسكون العين، وقرأ قنبل بثبوت الياء بعد العين وصلا، ووقفا وفي رواية عنه إثباتها في الوقف دون الوصل وهو المروقي عن البزقي، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بالنون فيهما، وسكون العين، والباء والكوفيون بالياء التحتية فيهما، وسكون آخرهما، وقرأ جعفر بن محمد بالنون في نرتع، والياء في يلعب أي يوسف عليه الصلاة والسلام لمناسبة اللعب له لصغر سنه، ويروى عن ابن كثير رحمه الله تعالى، وقرأ ابن سيابة بالياء فيهما وكسر العين، وضم الباء على أنه مستأنف، وقرأ مجاهد وقتادة بضم النون، وسكون العين والباء، وقرأها أبو رجاء كذلك إلا أنه بالياء التحتية
فيهما والنخعيّ، ويعقوب برفع النون، ويلعب بالياء، والفعلان في هذه كلها مبنيان للفاعل، وقرأ زيد بن عليّ بالياء فيهما، والبناء للمفعول، وقرأ نرتعي، ونلعب بثبوت الياء، ورفع الباء، وقرأ ابن أبي عبلة يرعى، ويلعب فهذه أربع عشرة قراءة ست منها في السبعة، وما عداها شاذة وتوجيهها ظاهر، ونرتعي من الرعي أي ترعى مواشينا فأسند إليهم مجازاً أي تجوّز عن أكلهم بالرعي، وكسر العين لأنه مجزوم بحذف آخره، وقوله أن يناله مكروه على تقدير الجار من أو عن. قوله:( {إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} ) أن قلنا اللام لا تخلص المضارع للحال فظاهر، وان قلنا إنها تخلصه كما هو مذهب الجمهور قيل عليه إنّ الذهاب هنا مستقبل فيلزم تقدم الفعل على فاعله، وهو غير جائز لأنه أثره فلذا قيل إنّ التقدير قصد أن تذهبوا أو توقع أن تذهبوا بتقدير المضاف، وهو الفاعل وهو حال، وقيل يجوز أن يكون الذهاب يحزنه باعتبار تصوّره كما قيل نظيره في العلة الغائية، وقد قيل إن اللام فيه جرّدت للتأكيد مسلوبة الدلالة عن التخليص للحال (قلت) كذا قالوا: وأنا أظن ذلك مغلطة لا أصل لها فإنّ لزوم كون الفاعل موجوداً عند وجود الفعل إنما هو في الفاعل الحقيقيّ لا النحوقي، واللغويّ فإن الفعل يكون قبله سواء كان حالاً كما فيما نحن فيه أو ماضيا كما أنه يصح أن يكون الفاعل في مثله أمراً معدوماً كما في قوله:
ومن سرّه أن لايرى مايسوءه فلايتخذ شيئايخاف له فقدا
ولم يقل أحد في مثله أنه محتاج للتأويل فإن الحزن والغمّ كالسرور، والفرح يكون بالشيء قبل وقوعه وقد صرّج به ابن هلال في فروته، ولا حاجة إلى تأويل أو تقديرأ، وتنزيل للوجود الذهنيّ منزلة الخارجي على القول به أو الاكتفاء به فإنّ مثله لا يعرفه أهل العربية، واللسان فإن أبيت إلا اللجاج فيه فليكن من التجوّز في النسبة إلى ما يستقبل لكونه سببا للحزن الآن، والذي في شرح الكتاب للسيرافي أنّ اللام الداخلة على المضارع فيها أقوال ثلاثة أحدها أنها في خبر أنّ مقصورة على الحال، وهو ظاهر كلام سيبويه رحمه الله الثاني أنها تكون للحال، وغيره واستدلوا بقوله:{إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [سورة النحل، الآية: 124] الثالث أنها للحال إن خلت عن قرينة، ومعها تكون لغيره كالآية المذكورة ا! ، واعلم أنّ من ذهب إلى الأوّل قدره بقصد أن تذهبوا، ونحوه، ولا يلزمه حذف الفاعل لأنه إنما يمتنع إذا لم يسد مسده شيء سواء كان مضافا أو غيره فتقدير قصدكم صحيح أيضا خلافا لمن خطأه فيه لظنه أنه لا يقوم إلا المضاف إليه مع أنه يجوز
أنه بيان للمعنى لا تقدير إعراب فاعرفه. قوله تعالى: ( {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} ) وقع هذا من يعقوب عليه الصلاة والسلام تلقينا للجواب
من غير قصد، وهو على أسلوب قوله تعالى:{مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [سورة الانفطار، الآية: 6] والبلاء موكل بالمنطق، وروى الدارمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لا تلقنوا الناس فيكذبوا فإنّ بني يعقوب عليهم الصلاة والسلام لم يعلموا أنّ الذئب يأكل الناس فلما لقنهم إني أخاف أن يأكله الذئب قالوا أكله الذئب كذا في الجامع الكبير، ومذأبة بفتح الميم أي كثيرة الذئاب، ومفعلة يصاغ لهذا المعنى كثيراً كمقثأة وقوله، وقيل رأى في المنام الخ. يحذره من الحذر أو التحذير، وإنما حذره لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لمناسبتهم التامّة بعالم الملكوت تكون وقائعهم بعينها واقعة، والا فالذئب في النوم يؤوّل بالعدوّ، وشد بمعنى وثب، وحمل والذئب عينه همزة فمن قرأ بها أتى به على أصله، ومن أبدلها ياء لسكونها وانكسار ما قبلها أتى به على القياس، ومن خصه بالوقف فلأن التقاء الساكنين في الوقف جائز لكن إذا كان الأوّل حرف مذ يكون أحسن، وقوله من تذاءبت بالمذ من باب التفاعل كما في الأساس، والذي نقله أهل اللغة عن الأصمعيّ عكس ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى تبعا للزمخشري لأنهم جعلوا تذاءبت الريح مأخوذ من الذئب لأنها أتت كما يأتي، وهو أنسب، ولذا عده من المجاز في الأساب لكنه عدل عنه لأن أخذ الفعلى من الأسماء الجامدة كإبل قليل مخالف للقياس، وقوله لاشتغالكم هذا ما عند الأخوة والثاني ما في نفس يعقوب منهم. قوله:(اللام موطئة للقسم) تقدم تفسيرها، وهل يشترط أن تدخل على شرط مسبوق يقسم لفظا أو تقديراً لتوطئ الجواب المذكور بعدها، وتؤذن به، ولهذا تسمى مؤذنة أم لا، وقوله وجوابه بالجز معطوف على القسم، وهو المقصود بالذكر أي لتوطى الجواب للقسم. قوله:) ضعفاء منبونون الخ) خاسرون هنا إمّا من الخسار بمعنى الهلاك أو من خسران التجارة، وكلاهما غير مراد فهو إمّا مجاز عن الضعف، والعجز لأنه يشبهه أو سببه كما في قوله تعالى:{وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} أي عاجزون أو المراد به استحقاقهم له أو أن يدعي عليهم به، وأشار إلى أنه يجوز أخذ ذلك من عدم الربح في التجارة بقوله مغبونون، والوجوه في الكشاف أربعة هما لكون ضعفاً وعجزا أو مستحقون للهلاك لعدم غنائهم أو مستحقون لأن يدعي عليهم بالخسار، والدمار فيقال خسرهم الله، ودمّرهم إذ أكل الذئب أخاهم، وهم معه أو أنهم إذا لم يقدروا على حفظ بعضهم هلكت مواشيهم وخسروا، والمقصود إدراجها في وجهين كما يعرف بالتأقل الصادق، ولما ذكر يعقوب عليه الصلاة والسلام لهم في وجه عدم مفارقته أمرين حزنه لمفارقته، وخوفه عليه من ذئب أجابوا عن الثاني دون الأوّل لكراهتهم له لأنه سبب حسدهم له فلذا أعاروه أذنا صماء أو لترك ذكر ما يحزنه، وكأنه غير واقع لسرعة عودهم أو أنه إنما حزن
لذهابه للخوف عليه فنفي الثاني يدلّ على نفي الأوّل. قوله:) وعزموا على إلقائه فيها الخ) إشارة إلى أن أصل معنى الإجماع العزم المصمم، وأنه على حذف الجارّ من متعلقه، والأردنّ بضم الهمزة، وسكون الراء وضم الدال المهملة، وتشديد النون، وقوله في القاموس، وتشديد الدال من طغيان القلم (أقول) هكذا في النسخ كما ذكره الفاضل المحشي، وفي نسخة الشريف المعتمد عليها بديارنا بتشديد النون، ولا أدري هو إصلاج منه أو من المصنف رحمه الله تعالى، ومدين تقدّم بيانها، والقول الأخير هو الراجح، ولا وجه لما قيل إنّ الخلاف لفظيّ لإمكان التوفيق بينها. قوله:(وجواب لما محذوف الخ) وهو ما ذكره، ومنهم من قدره عظمت فتنتهم، ومنهم من قدره وضعوه فيها، وقيل الجواب أوحينا، والواو زاثدة، وقوله ليلطخوه أي بدم سخلة ذبحوها، وقوله أتواري به أي استتر وقولهم اح الأحد عشر تهكم به. قوله:(وأوحينا إليه) أي أعلمناه بإرسال ملك، والموحى إليه ما ذكر بعده لا الإيحاء المعروف بإبلاغ الشرائع حتى يتكلف له بأنه أعلمه بالتبليغ بعد زمان تأنيسا، وتسلية له، ونزول الوحي من أوائل النبوّة، ولما كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام نبئوا في سن الأربعين أشار إلى جوابه بأنه الأغلب، وقيل إنه بمعنى الإلهام وقيل الإلقاء في مبشرات المنام وقوله وفي القصص أي كتب قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وهو إمّا جمع أو مفرد، وقوله علقها بيوسف كان الظاهر
على يوسف، وقوله لعلوّ شأنك، وما بعده بيان لوجه عدم شعورهم، وهو ظاهر، والحلي بالضم، والقصر جمع حلية بالكسر هيئة الشخص، وقوله وذلك أي قوله لتنبئهم بأمرهم هذا، وهو إشارة لما سيأتي في النظم القرآني، وقوله بشره تفسير لقوله وأوحينا أي أرسلنا جبريل عليه الصلاة والسلام لتبشير. الخ. ومرّض القول بكون هذه الجملة الحالية متعلقة بأوحينا لبعده وقلة جدواه، وفي الكشاف، ويجوز أن يتعلق وهم لا يشعرون على قراءة تنبئنهم بالتاء بقوله، وأوحينا على معنى آنسناه بالوحي، وأزلنا وحشته، وهم لا يشعرون بذلك، وبحسبون أنه مستوحش لا أني! له، وقرئ لتنبئنهم بالنون على أنه وعيد لهم فقوله لا يشعرن متعلق بأوحينا لا غير، ونظر فيه بأنه يجوز أن يتعلق بقوله لننبئنهم، وأن يراد بأنباء الله إيصال جزاء فعلهم به، وهم لا يشعرون بذلك، ودفع بأنه بناء على الظاهر، وأنه لا يجتمع أنباء الله مع عدم شعورهم بما أنبأهم به إلا بتأويل كتقدير لنعلمنهم بعظيم ما ارتكبوه قبل، وهم لا يشعرون بما فيه. قوله:(آخر النهار الخ) قال الراغب العشي من زوال الشمس إلى الصباح، والعشاء من صلاة المغرب إلى العتمة، والعشاآن المغرب، والعتمة والعشا ظلمة تعرض في العين، ورجل أعشى، وامرأة عشواء، ومنه يخبط خبط عشواء، وعشى عمى وعشوت النار قصدتها ليلاً، ومنه العشوة بالضمّ، وهي الشعلة فلا تسامح في كلامه كما توهم، والذي غرّه قوله في القاموس العشاء أوّل الظلام، وكلام الكشاف مطابق لما قاله المصنف رحمه الله تعالى وهو إمام اللغة. قوله:(وقرئ عشياً) بضم العين، وفتح الشين، وتشديد الياء منوّنا وهو تصغير عشى وقد مز تفسيره. قوله:(وعشى بالضم والقصر جمع أعشى) وقيل إنه جمع عاش، وأصله عشاة كماس ومشاة فحذفت الهاء تخفيفاً، وأورد عليها أنه لا جواز لمثل هذا الحذف، وأنه لا يجمع أفعل فعلاء على فعل بضم الفاء وفتح العين بل على فعل بسكون العين، ولذا قيل كان أصله عشواً فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها لكونه حرفا صحيحا ساكنا، ثم حذفت بعد قلبها ألفا لالتقاء الساكنين، وأن قدر ما بكوا به في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان قيل، والأظهر أنه جمع عشوة مثلث العين، وهي ركوب أمر على غير بصيرة يقال أوطأه عشوة أي أمراً ملتبساً يوقعه في حيرة وبلية فيكون تأكيداً لكذبهم، وهو إمّا تمييز أو مفعول له أو يكون جمع عشوة بالضئم بمعنى شعلة النار عبارة عن سرعتهم لابتهاجهم بما فعلوا من العظيمة، وافتعلوا من العضيهة، وقوله أي عشوا من البكا إشارة إلى أنّ قياسه أن يكون على فعل كحمر، وأمّا ما مرّ من أنه بقدر هذا البكا لا يكون عشو فدفعه ظاهر لأنّ المقصود المبالغة في شدّة البكا والنحيب لا حقيقته أي كاد أن يضعف بصرهم لكثرة البكا. قوله:(متباكين) أي مظهرين بتكلف لأنه
ليس عن حزن وقوله يشترك الافتعال والتفاعل أي يكونان بمعانى كنستبق بمعنى نتسابق، وفسر الإيمان بالتصديق، وهو معناه اللغوقي، ولذا عدى باللام، وأمّا في معناه الشرعيّ فيتعدى بالباء، وقوله لسوء ظنك تعليل لكونه غير مصدق لهم، وقوله ولو كنا صادقين قيل معناه ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، ولا بد من هذا التأويل إذ لو كان المعنى، ولو كنا صادقين في نفس الأمر لكان تقديره فكيف إذا كنا كاذبين فيه فيلزم اعترافهم بكذبهم، وفيه نظر. قوله:(وفرط محبتك) فإنها داعية إلى اعتقاد عدم هلاكه، وأن لا يطمئن قلبه لما قالوه، وقوله أي ذي كذب الخ بيان لأنه وصف بالمصدر كرجل عدل فإمّا أن يكون بتقدير مضاف أو أنه وصف بالمصدر مبالغة، وقراءة النصب لزيد بن عليّ رضي الله تعالى عنهما على أنه مفعول له أو حال لكنه من النكرة على خلاف القياس لو كان من دم بمعنى مكذوباً فيه، والأحسن جعله من فاعل جاؤوا بتأويله بكاذبين، وعليه اقتصر المصنف رحمه الله تعالى، وما قيل إنّ المصدر يجيء بمعنى المفعول به، والمفعول له فلا حاجة إلى تقدير، وهم لأنه ليس بحقيقة، وهو تأويل كالتقدير لكن الثاني هو المشهور فيه فلذا اختاره المصنف رحمه الله تعالى. قوله:(وكدب بالدال غير المعجمة الخ) هذه قراءة عائشة رضي الله تعالى عنها، وليس من قلب الذال دالاً بل هو لغة أخرى بمعنى كدر أو طريّ أو ياب! فهو من الأضداد وكدر مثلثة الدال نقيض صفا، وقوله وقيل أصله
أي أصل الكدب بالدال المهملة، ومصدره الكدب بالفتح، وهو البياض في أظفار الأحداث فشبه به الدم في القميص لمخالفة لونه لون ما هو فيه فهو استعارة أو تشبيه بليغ. قوله:(وعلى قميصه في موضعالنصب على الظرف أي فوق قميصه) قيل عليه الأصح جعله ظرفا للمجيء يعني أنه العامل فيه فيقتضي أنّ الفوقية ظرف للجائين ورد بأنّ الظرفية ليست باعتبار الفاعل بل باعتبار المفعول كقوله جاء على جماله بأحمال فالظرفية كما تصح باعتبار المفعول الصريح كرميت الصيد في الحرم تكون باعتبار المتعلق أيضا، وهو مما استفدناه من هذا المقام، وقيل إنه أراد أنّ على على حقيقته، وهو ظرف لغو وفي بعض الحواشي الأولى أن يقال إنه حال من جاؤوا بتضمينه معنى الاستيلاء أي جاؤوا مستولين على قميصه، وقوله بدم حال من القميص لكن الظاهر استولوا على القميص ملتبسا بدم جائين، وهذا أولى من جاؤوا مستولين لما مرّ في التضمين، والأمر فيه سهل فإن جعل المضمن أصلاً، والمذكور حالاً كل منهما جائز وإذا اقتضى المقام أحدهما رجح، والأظهر أنه ظرف للمجيء المتعدي،
ومعناه أتوا به فوق قميصه، ولا يخفى استقامته. قوله:(أو على الحال من الدم إن جؤز تقديمها على المجرور) قال السفاقسيّ وهو الحق لكثرته في لسانهم، وقال في الكشف أنّ الخلاف في غير الظرف قال في اللباب ولا تتقدم على صاحبها المجرور على الأصح نحو مررت جالسة بهند إلا أن يكون الحال ظرفا على أنّ الحق ما اختاره ابن مالك من جوازها مطلقا. قوله:(وقال ما رأيت كاليوم ذئباً الخ) هذا مثل قول العرب ما رأيت كاليوم رجلا قال المبرد في المقتضب: المعنى ما رأيت مثل رجل أراه اليوم رجلاً أي ما رأيت مثله في الرجال ولكنه حذف لكثرة استعمالهم له، وانّ فيه دليلاً عليه انتهى فتقديره على هذا ما رأيت كذئب أراه اليوم ذئبا أي ما رأيت مثله في الذئاب ففيه حذف لما بعد الكاف، ولعامل الظرف، وهو أراه وذئبا تمييز كما أنّ رجلا في ذلك التركيب تمييز كما صرّحوا به، وأحلم صفته والمقصود منه التعجب منه إذ أكله، ولم يمزق ثيابه هذا ما صرّج به أهل العربية، وقيل أصله ما رأيت ذئبأ كالذئب الذي رأيته اليوم أي مثل الذئب فقدم الكاف على المضاف إليه فصار كذئب اليوم فحذف المضاف إليه، وهو ذئب، وقدم كاليوم على ذئباً فصار حالاً وأحلم صفة ذئبا، وقوله من هذا إشارة إلى ما في الذهن من الذئب الذي أكل يوسف، وقوله أكل بيان لقوله ما رأيت، ولا يخفى ما فيه. قوله:(ولذلك {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ} الخ (يعني لما جعلوا الدم علامة لصدقهم وسلامة القميص دالة على كذبهم علم يعقوب عليه الصلاة والسلام أنه ليس الأمر كما قالوا مع وثوقه بالرؤيا الدالة على بلوغه مرتبة علية، وإنما حزن لما خشي عليه من المكروه، والشدائد غير الموت، والتسويل تزيين النفس للمرء ما يحرص عليه، وتصوير القبيح بصورة الحسن، وأصل اشتقاقه من السول بفتحتين، وهو استرخاء في العصب، ونحوه فكأن المسؤول بذله فيما حرص عليه، وأرخاه له بتزيينه. قوله:) فأمري صبر جميل الخ (يعني أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر، وهذا الخبر، أو المبتدأ مع المصدر الذي هو بدل قيل حذفه واجب، وقيل إنه جائز. قوله:) وفي الحديث الخ) هو حديث مرسل أخرجه ابن جرير وقيده بقوله إلى الخلق لقوله بعده {أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} ولذا لما سئل عليه الصلاة والسلام
عن سبب سقوط حاجبيه على عينيه فقال: " طول الزمان وكثرة الأحزان " أوحى الله إليه أتشكو إلى غيري فقال خطيئة فاغفر لي. قوله: (على احتمال ما تصفونه الخ) أي يحمل ذلك بالصبر عليه حتى يسلو ويظهر خلافه، وقوله وهذه الجريمة أي الذنب العظيم جواب عن أنهم أنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف صدر هذا منهم، وقوله إن صح إشارة إلى أنّ فيه اختلافاً. قوله:(قريباً من الجب (قال في القاموس، والجب بالضم البئر أو الكثيرة الماء البعيدة القعر أو الجيدة الموضع من الكلأ أو التي لم تطو أو مما وجد لا مما حفره الناس وجب يوسف على اثني عشر ميلا من طبرية أو بين سنجل ونابلس، وقوله بعد ثلاث أي ثلاث ليال مضت من زمان إلقائه. قوله: (الذي يرد الماء ويستقي) عطف تفسير له، وإدلاء الدلو إرسالها لإخراج الماء يقال أدلاها إذا أرسلها
في البئر ودلاها إذا أخرجها ملأى، ولذا قال فتدلى بها يوسف عليه الصلاة والسلام أي تعلق للخروج وخرج، والدلو مؤنثة سماعية. قوله:(نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه) فيه وجهان أحدهما أنه نادى البشرى كما في قوله: {يَا حَسْرَتَى} كأنه نزلها منزلة شخص فناداه فهو استعارة مكنية وتخييلية واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله هذا أوان حضورك، وقيل المنادى محذوف كما في قوله يا ليت أي يا قومي انظروا أو اسمعوا بشراي، وأمّا جعل بشرى اسم صاحب له فضعيف لأن العلم لا تحسن إضافته في لغة العرب وقيل إنّ هذه الكلمة تستعمل للتبشير من غير قصد إلى النداء، والبشارة إمّا لنفسه أو لقومه ورفقته. قوله: (وهو لنة (هي لغة هذيل يقلبون الألف قبل ياء المتكلم ياء ويدغمونها فيها فيقولون في هواي هوقي، ويا سيدي وموليّ لأنهم لما لم يقدروا على كسر ما قبل الياء أتوا بالياء لأنها أخت الكسرة وأمّا من قراها بالسكون في الوصل مع التقاء الساكنين فيه على غير حدّه فلنية الوقف أجرى الوصل مجراه أو لأنّ الألف لمدها تقوم مقام الحركة، وعلى كل حال ففيها ضعف من جهة العربية فلذا لم يقرأ بها السبعة هنا لكنهم رووها عن قالون وورش في سورة الأنعام، ورويت هنا في بعض التفاسير واستضعفها أبو عليّ رحمه الله تعالى ورد بإجراء.
الوصل مجرى الوقف كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، ونظائره كثيرة في القرآن وغيره، وقرئ بكسر ياء الإضافة لأجل الياء المقدرة " قبلها كما سيأتي في مصرخي، وقرئ يا بشرى بغير ياء، ويقدر على ألفه ضمة إن كان نكرة مقصودة أو فتحة. قوله:(أي الواود وأصحابه من سائر الرفقة الخ) يعني أخفوا يوسف عليه الصلاة والسلام حتى لا تراه الرفقة فيطمعوا فيه، وعلى القول الثاني لم يخفوه، وإنما أخفوا أمره، وكونه وجد في البئر وهذا لا يلائمه قوله يا بشراي على أنه ناداهم إلا أن تكون البشارة لمنفسه أو يكون المراد الإخفاء عن غيررفقته من أهل القافلة فتأمّل. قوله:(وقيل الضمير لآخوة يوسف) عليه الصلاة والسلام، وهو مرويّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قيل وهو المناسب لإفراد قال وجمع ضمير أسروا وللوعيد بقوله والله عليم بما يعملون، وليس فيه اختلال في النظم كما قيل فتأمّل. قوله:) ونصب على الحال الخ) أي أخفوه حال كونه متاعا للتجارة، وفي الفرائد أنه ضمن أسرّوه وجعلوه أي جعلوه بضاعة مسرّين فهو مفعول به، وقال ابن حاجب: يحتمل أن يكون مفعولاً له أي لأجل التجارة، وليس شرطه مفقودا لاتحاد فاعلهما إذ معنا. كتموه لأجل تحصيل المال به، ولا يجوز أن يكون تمييزا والبضاعة من البضع، وهو القطع لأنه قطعة وافرة من المال تقتني لتجارة، ومنه البضع بالكمسحر كما قاله الراغب. قوله:(لم يخف عليه أسرارهم الخ) الأوّل على أنّ المسرّين من السيارة والثاني على أنهم الأخوة فهو وعيد لهم. قوله: (وبامحوه) شرى من الأضداد إذ يكون بمعنى اشترى، وباع فإن عاً د ضمير شروه على الأخوة كالن شرى بمعنى باع، وان عاد على السيارة كان بمعنى اشترى كذا في الدرّ المصون، والمصنف رحمه الله تعالى جوّز الوجهين على تقدير كونه بمعنى باع أمّا إذا كان للأخوة فظاهر وأمّ إذا كان للرفقة فبناء على أنهم باعوه لما التقطوه من بعضهم بثمن قليل، والمشتري باعه مرة أخرى بوزنه، وفي قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنّ إخوة يوسف نظروا إلى القافلة، واجتماعها على الجب فاتوهم، وكانوا يظنون أنّ يوسف عليه الصلاة والسلام مات فرأوه أخرج حياً فضربو.، وشتمو.، وقالوا هذا عبد أبق منا فإن أردتم بعناه منكم، ثم قالوا له بالعبرانية لا تنكر العبودية فنقتلك فأقرّ بها فاشتراه عالك بن ذعراء منهم بثمن بخس ا! ، وأمّا إذا كان بمعنى اشترى تعين عود الضمير إلى السيارة فتعريف الوجهين للعهد أي الوجهان السابقان في أسرّوه. قوله:(مبخوص لزيف أو نقصان) وفي نسخة
لزيفه أو نقصانه بالإضافة، والبخس بمعنى النقص مصدر والمراد به هنا المبخوس، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى تفسير للبخس لا للمراد به هنا فإنّ قوله معدودة، وتفسيره يدلّ على أنّ بخسه هنا بمعنى نقصحانه فقط، والمعدود كناية عن معنى القليل لأنّ الكثير يوزن عندهم، وهو ظاهر، والزهد فيه والرغبة عنه بمعنى، وزهدهم لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقيل لعدم علمهم بمنزلته، ولأنّ الله صرفهم عن النظر لحسنه صيانة له.
قوله: (والضمير في وكانوا إن كان للإخوة الخ (يعني إن كان ضمير كانوا للوارد، وأصحابه وهم بائعون، وهو الظاهر فزهدهم فيه لأنهم التقطوه، ويحتمل أن يكون الضمير لغيرهم من الرفقة باعوه بعد أن اشتروه من الرفقة، وقوله وإن كانوا مبتاعين الخ. أي إن كان الضمير للرفقة، وكانوا مبتاعين بأن اشتروه من بعضهم أو من الأخوة كما مرّ فزهدهم لأنه أبق والآبق لا يغالي في ثمنه فقد علم أن البيع وقع مرّتين. قوله: (وفيه متعلق بالزاهدين الخ (فيه اختلاف هنا فقال ابن مالك أنه متعلق بمحذوف دلت عليه الصلة، ومنهم من قدر أعني، وليس بجيد فعلى الأوّل يقدر زاهدين فيه من الزاهدين، وحينئذ فهل من الزاهدين صفة لزاهدين مؤكدة كما تقول عالم من العلماء أو صفة مبينة أي زاهدين بلغ بهم الزهد إلى أن يعدوا في الزاهدين لأنّ الزاهد قد لا يكون عريقاً في الزاهدين حتى يعد فيهم إذا عدوا أو يكون خبرآ ثانيا كل ذلك محتمل، وليس بدلاً من المحذوف لوجود من معه، وقال ابن الحاجب: في أماليه أنه متعلق بالصلة، والمعنى عليه بلا شبهة، وإنما فروا منه لما فهموا من أنّ صلة الموصول لا تعمل فيما قبل ا! موصول مطلقا، وبين صلة أل، وغيرها فرق فإنّ هذه على صورة الحرف المنزل منزلة جزء من الكلمة فلا يمتنع تقويم معمرلها عليها فلا حاجة إلى القول بأنه على مذهب المازني الذي جعلها حرفا للتعريف كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقوله متعلق بمحذوف إشارة إلى ما قاله ابن مالك، وليس هذا من الاشتغال في شيء، وفيه مانع آخر لم يذكره، وهو أنّ معمول المجرور لا يتقدم عليه فكأنه لم يره مانعا، والا لم يتم بما ذكره ارتفاع المانع، وأمّا لزوم عمل اسم الفاعل من غير اعتماد فساقط لأن محل الخلاف عمله في الفاعل، والمفعول به الصريح لا في الجاز، والمجرور الذي يكفيه رائحة الفعل فإن قلنا إنه يجوز في الجارّ، والمجرور التقدم لأنه يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره اندفع السؤال أيضا، وما قيل على
تقدير تعلقه بمحذوف يبينه الزاهدين أنه إن أراد أنه من قبيل الإضمار على شريطة التفسير ففيه أنه ليس منه لعدم الاشتغال عنه بضميره، وان أراد أنه جواب سؤال كأنه قيل في أفي شيء زهدوا كما في الكشاف فهو تقدير سؤال في غير أوانه فغير وأراد لما نقلناه لك عن القوم. قوله:(وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر الخ) فالعزيز وزير والذي باعه له مالك بن ذعراء، وغيره من الرفقة وقوله، وقيل كان فرعون الصحيح أنه من أولاده، وتوله والآية أي قول مؤمن من آل فرعون، ولقد جاءكم يوسف فالمعنى لقد جاء قومكم، وآباءكم أو جعل ما جاء آباءهم كأنه جاءهم، وقوله ولبث في منزل الخ. قيل هذا إمّا تغليب على مذة السجن أو السجن كان في بيته أو هو مجاز بمعنى عبوديته. قوله:) من جعل شراءه غير الآوّل) أي من جعل شراء العزيز المذكور في قوله الذي اشتراه غير الشراء المذكور سابقا في قوله: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} على أنّ الأوّل شراؤهم من الأخوة أو شراء بعضهم من بعض، وهو الأصح وفيه إشارة إلى أنه قيل باتحادهما، وإنه ضعيف لقوله من مصر فإنه يصير ضائعا، واختلف بصيغة المعلوم ومن فاعله، والقول الثاني لا يتأتى على القول باتحادهما، وقوله ملؤوه فضة، وقيل ذهبا كذا في النسخ فقيل المراد وزنه كما صزج به في بعض الروايات، وفي نسخة مثله، وهي أظهر والمراد به ذلك أيضاً، وكونه استوزره وهو ابن ثلاثين، وأوتي الحكمة، وهو ابن ثلاث وثلاثين هو الموافق لما في التفاسير، والمشهور في النسخ وفي بعضها استوزره، وهو ابن ثلاث وثلاثين فقط، وهي الموافقة لما مرّ من أنه أوحى إليه في صغره فتأمّله. قوله: (راعيل أو زليخا (الأوّل بمهملات بوزن هابيل، والثاني بفتح الزاي، وكسر اللام، والخاء المعجمة وفي آخره ألف، وهو المشهور وقيل إنه بضم أوّله على هيئة المصغر، وقيل أحدهما لقبها، والآخر اسمها. قوله: (اجعلي مقامه عندنا كريماً (المراد بكونه كريمأ أن يكون حسناً مرضيا، والمثوق محل الثواء وهو الإقامة، واكرام مثواه كناية عن إكرامه على أبلغ وجه، وأتمه لأن من أكرم المحل بإحسان الأسرة واتخاذ الفراش، ونحوه فقد أكرم ضيفه بسائر ما يكرم به أو المقام مقحم
كما يقال المجلس العالي، والمقام لسامي، ولذا قال والمعنى أحسني تعهده أي النظر فيما عهد له من لوازم إكرام الضيف. قوله:
(في ضياعنا) بكسر الضاد جمع ضيعة، وهي القرية، ونستظهر بمعنى نستعين به، وقوله نتبناه تفعل من البنوّة أي نجعله بمنزلة الولد لأنه كان عقيمأ، وقوله لما تفرس علة لما فهم منه أي تبناه لما تفرس أي فهمه منه بالفراسة، والأمور الثلاثة معروفة، وقوله:" أفرس الناس ثلافة الخ " أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة، والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه، ثم إنّ الفراسة على ما سيأتي في الحجر علم ما هو مغيب، ولو كان بأمارات بل هو الغالب فيه، والحذق والفراسة هو الانتقال منه إلى ذلك وإنما كان هؤلاء أفرس لأنّ ما تفرسوه وقع على أتم الوجوه والذي تفرسه العزيز منه أن يكون له شأن ونفع عظيم، وكذلك ابنة شعيب عليه الصلاة والسلام، والذي تفرّسه في عمر رضي الله عنه ما يكون في أيام خلافته من الصلاح، والسداد فما قاله القرطبيّ وغير. من أنه جرّبه في الأعمال، ومواظبة الصحبة وابنة شعيب عليه الصلاة والسلام كانت معها علامات ظاهرة، والعزيز عرفه لما أعلمه بنسبة ليس بشيء لأنه لا ينافي الفراسة لما يقع في المستقبل مما لا يعلمه إلا الله. قوله:(وكما مكنا محبته ني تلب العزيز الخ (أي أثبتناها فيه يعني أنّ المشبه به ما علم مما قبله، وهو إمّا تمكين محبته في قلبه أو تمكينه في منزله، ومثواه وأنجاؤه، وعطف قلب مالكه عليه والمشبه تمكينه في الأرض يتصرّف فيها على ما أراده الله تعالى له، وقوله وعطفنا يجوز تشديده، وتخفيفه، ولا وجه لما قيل هنا من أنّ المصنف رحمه الله تعالى، والزمخشريّ جعلا قوله، ويعلمك من تأويل الأحاديث كلاما مبتدأ لكونه غير معنون بعنوات الاجتباء، وهذا التفسير منهما مناف لما أسلفتاه فإنهما لم يجعلا قوله، ولنعلمه داخلاً في حيز التشبيه بل علة للمشبه فلو قلت زيد كالأسد لأنه أغار على قبيلة كذا لا يرد أنه لا دخل للإغارة في التشبيه، وهذا منه غريب، والاشتغال بدفعه أغرب منه مع أن ما سبق ليس بمسلم. قوله: (أي كان القصد في إنجائه وتمكينه إلى أن يقيم العدل الخ) إلى متعلق بالقصد، واقامة العدل، والتدبير
مأخوذ من المعطوف عليه المقدر، وقد طوى في كلامه الإشارة إلى الوجوه الثلاثة السابقة في قوله كذلك لكنه لم يأت بها على الترتيب فإنجاؤه إشارة إلى الثالث، وتمكينه إلى الأوّلين لاً نه شامل لتمكينه بالمحبة في قلبه، ولتمكينه في منزله، ومن لم يتنبه لهذا قال إنه يشير إلى اختياره للوجه الثالث منها، وقوله كما فعل بسنيه بكسر السين، والنون، وتشديد الياء جمع سنة بمعنى القحط أو بمعنى العام، والإضافة إليه لأدنى ملابسة وقوله أحكامه أي أحكام الله، وتعبير معطوف على معاني وفي نسخة يعبر فهو معطوف على يعلم. قوله:(لا يردّه شيء ولا ينارّعه فيما يشاء الخ) يعني ضمير أمره إمّا لله فالمعنى أنه لا يمنع عما يشاء، ولا ينازع فيما يريد أو ليوسف عليه الصلاة والسلام، والمعنى أنه يدبره ولا يكله إلى غيره فلا ينفذ فيه كيد إخوته، ولا كيد امرأة العزيز، ولا غيرهم كما قص في قصته، وقوله أراد به إخوة يوسف الخ. أتى به على طريقة التمثيل، ولذا أظهر في محل الإضمار. قوله:(إنّ الآمر كله بيده الخ) هذا ناظر إلى التفسير الأوّل في أمره، والعموم مأخوذ من إضافة المصدر لأنّ المصدر المضاف من طرق العموم، وقوله أو لطائف صنعه ناظر إلى الثاني، واقتصر الزمخشري بعد ذكر الوجهين على قوله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنّ الأمر كله بيد الله لشموله لتدبير أمر يوسف عليه الصلاة والسلام، وغيره فلا يرد عليه أنه لا يظهر تعلق الاستدراك بهذا المعنى بقوله:{وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} كما توهم. قوله: (منتهى اشتداد جسمه وقؤته وهو سن الوقوف) يعني الوقوف عن النموّ لأنّ الإنسان ينمو جسمه في ابتداء أمره إلى تمام الشباب، وبعده يقف عن النمو، والانحطاط إلى زمان الشيخوخة، وسن الانحطاط والهرم، والأشد بفتح الهمزة، وقد تضم فيه قولان فقيل هو سن الوقوف وقيل سن النموّ، واختلف فيه على أقوال هل هو مفرد على بناء ندر في المفردات أو جمع لا واحد له أو له واحد، وهو شدة كنعمة، وأنعم أو شد كضل، وأضل أو شد بالفتح ككلب، وأكلب، وهذا المفرد تقديريّ أيضاً لأنه لم يستعمل بهذا المعنى، وكما أنّ سن الوقوف يقف فيه البدن تقف فيه القوى، والشمائل والأخلاق، ولذا قيل:
إذا المرء وفي الأربعين ولم يكن له دون ما يهوى حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى وان جرّأسباب الحياة له العمر
وقوله منتهى بمعنى زمان انتهائه إن كان أشد بمعنى الزمان، وإن كان بمعنى الانتهاء فهو مصدر، وفي الآية مضاف مقدر أي زمان أشده، وما بين الخ عطف بيان أو بدل من سن، وقوله ومبدؤه بلوغ الحلم، وهو والاحتلام بمعنى البلوغ المعروف عرفا. قوله: (حكمة الخ (
الحكم يكون بمعنى الحكمة، وهو في لسان الشرع العلم النافع لكن بشرط العمل، ولذا قال المصنف رحمه الله المؤيد ولم يقل العلم، والعمل لأنها بدونه لا يعتد بها، ومن عمل بخلاف علمه يسمى سفيهاً لا حكيما، وقوله يعني علم تأويل الأحاديث المراد بالأحاديث كما مرّ الرؤيا أو الكتب الإلهية فخص بالذكر لأنه غير داخل فيما قبله أو أفرد بالذكر لأنه مما له شأن وليوسف به اختصاص تامّ، وعلى تفسير الحكم بالحكومة فهو ظاهر، ولذا فسر الزمخشري علم هذا بعلم الدين. قوله:(تنبيه على أنه تعالى إنما آثاه ذلك جزاء الخ) كونه جزاء الإحسان لأن التعليق بالمشتق يقتضي عليه مأخذ الاشتقاق، وفيه إشارة إلى أنّ المراد بالإحسان الإحسان في العلم، والعمل لا يقال إحسان العمل لا يكون إلا بعد العلم به فلو كان العلم المؤيد بالعمل للإحسان في العمل لزم الدور لأنه قيل إحسان العمل يمكن بطريق آخر كالتقليد، والتوفيق الإلهي فيكون سبباً للعلم به عن دليل عقليئ أو سمعي أو المراد تحسين الأعمال الغير المتوقفة على السمع فهو السبب للعلم بما شرع له من لأعمال والظاهر تغاير العلمين كما في الأثر من عمل بما علم يسر الله له علم ما لم يعلم. قوله:(طلبت منه وتمحلت أن يواقعها الخ (التمحل الطلب بحيلة، وتكلف والفعلان تنازعا في أن يواقعها، والمواقعة المجامعة، وهو مأخوذ من راد إذا جاء، وذهب في طلب، وهو يدل على الجذ في الطلب فلذا ذكر أخذه منه، ومن راد الرائد، وهو الذي يرسل لطلب الماء، والكلا، والإرادة مأخوذة منه أيضا، وقوله التي هي في بيتها دون امرأة العزيز مع أنه أخصر، وأظهر لأنه أنسب في الدلالة على الداعي لها. قوله.) قيل كانت سبعة والتشديد للتكثير) يعني أنه للتكثير في المفعول إن قلنا بتعذدها فإن التفعيل يكون لتكثير الفاعل، والمفعول فإن لم نقل به فهو لتكثير الفعل فكأنه غلق مرّة بعد مرة أو بمغلاق بعد مغلاق، وجمع الأبواب حينئذ إفا لجعل كل جزء منه كأنه باب أو لجعل تعذد أغلاقه بمنزلة تعدده، وما قيل إن التشديد للتعدية لا! غلقت الباب لغة رديئة كما في الصحاح، وجعله للتكثير أو للمبالغة في الإيثاق، وهم رذ بأنّ إفادة التعدية لا تنافي إفادة التكثير معها، ولذا قال الجوهري: إنها للتكثير، ولم يتنبه الراذ لأن ما نقله عليه لا له لأن الرديء الذي ذكره اللغويون إنما هو استعمال الثلاثيّ منه لا أن له ثلاثيا لازما حتى يتعين كون التفعيل للتعدية فتعذيه لازم في الثلاثي، وغيره سواء أكان رديئأ أو فصيحا فتعين أنه للتكثير، وقد سبق المصنف رحمه الله غيره فيما ذكر فالواهم ابن أخت خالته فتدبر. قوله:) {هَيْتَ لَكَ} (قال صاحب النشر قرأ المدنيان، وابن ذكوان بكسر الهاء، وفتح التاء من غير همز، وعن هشام
بالهمز، وقال الداني رحمه الله تعالى إنه وهم لكونه فعلَا من التهيؤ فلا بد من ضم تائه حينئذ، وقد تبع في هذا الفارسيّ في الحجة حيث قال إنه وهم من الراوي لأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يتهيأ لها بدليل قوله وراودته الخ. وتبعه جماعة، وهي صحيحة، ومعناها تهيا إليّ أمرك لأنها لم تتيسر لها الخلوة قبل ذلك أو حسنت هيأتك، ولك بيان أن أقول لك، وهي صحيحة نقلاً مروية عن هشام رحمه الله من طرق، وعنه أيضا بكسر الهاء، والهمزة وضم التاء، وانفرد الهذلي عن هشام بعدم الهمزة، وقرأ ابن كثير رحمه الله بفتح الهاء وضم التاء بغير همز، والباقون بفتح الهاء، والتاء من غير همز وورد فيها كسر الهاء، وضم التاء من غير همز، وفتح الهاء، وكسر التاء من غير همز قراءة الحسن ورويت عن ابن عباس رضي الله عنهما، والصواب أنّ هذه السبع قراآت كلها لغات فيها، وهي اسم فعل بمعنى هلم، وليست التاء ضميراً وقال الفراء والكسائي هي لغة أهل الحجاز ومعناها تعال، وقال أبو حيان لا يبعد أن يكون مشتقا من اسم كحمدل، ولا يبرز ضميره بل يبين بالضمير المجرور باللام، ويختلف بحسبه
اهـ، وقد اختلفوا في هذه الكلمة هل هي عربية أم معرّبة، وهل معناها تعال ولذا قال مجاهد رحمه الله أنها كلمة حث، وإقبال أو غير ذلك وهل هي اسم أو فعل، وقيل إنه في بعض اللغات يتعين اسميتها، وفي بعضها فعليتها، وقد رويت القراءة فيها على أنحاء كثيرة منها ما هو في السبعة، ومنها شواذ، والمعتمد لك ما مرّ والمصنف رحمه الله قدم القراءة المشهورة، وجعله فيها اسم فعل، وذلك الفعل إمّا إنشائيّ كبادر، وأقبل لأنها تدل على الحث كما مرّ أو خبري كهيهات بمعنى بعد، وليس تفسيره بتهيأت على أنّ الدال على التكلم التاء التي من بنية الكلمة بل لأنها لما بينت التهيؤ بأنه له لزم كونها هي المتهيئة كما إذا قيل لك قرّبني منك فقلت هيهات فإنه يدل على معنى بعدت بالقرينة فلا يرد عليه ما قيل إنها إذا كانت بمعنى تهيأت لا تكون اسم فعل بل فعلأ مسنداً إلى ضمير المتكلم، ولو كان كذلك لم يصح تفسيره به على قراءة الفتح. قوله:(واللام للتبيين كالتي في سقيا لك) كأنه قيل لمن التهيؤ فقيل لك فهو متعلق بمحذوف أي هو كائن لك أو يقدر السؤال لمن تقولين فقيل أقول لك، ولم يجعل على كونه بمعنى تهيأت متعلقا بهيت لأنّ اسم الفعل لا يتعلق به الجارّ، وعيط بكسر العين المهملة، وسكون الياء، وفتح الطاء المهملة اسم صوت من العياط، وهي كلمة تقولها الصبيان، ويتصايحون بها في اللعب، وجير بمعنى نعم مبنيّ على الكسر، وأوّله مفتوح. قوله: (وهئت كجئت الخ (تقدم أنّ هذه القراءة مروبة عن هشام، وما أورده أبو علي في الحجة عليه ورذ صاحب النشر له فتذكره:
فما بالعهد من قدم
وقوله، وعلى هذا الإشارة إلى القراءتين على حد {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [سورة البقرة، الآية:
68] وسقط من بعض النسخ قوله، وقرئ هيئت، وهو ظاهر واعلم أنه قال في المغني هيت لك من قرأ بهاء مفتوحة، وياء ساكنة، وتاء مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة اسم فعل ماض أي تهيات واللام متعلقة به كما تتعلق بمسماه لو صرّج به، وقيل مسماه فعل أمر بمعنى أقبل، واللام للتبيين أي إرادتي لك أو أقول لك! من قرأ هئت مثل جئت فهو فعل بمعنى تهيأت، واللام متعلقة به، ومن قرأ كذلك، وجعل التاء ضمير المخاطب فاللام للتبيين مثلها في اسم الفعل، ومعنى تهيؤه تيسر انفرادها به لا أنه قصدها بدليل قوله، وراودته فلا وجه لإنكار الفارسيّ مذه القراءة مع ثبوتها، وظهور وجهها، وهيا بكسر الهماء، وفتحها وتشديد التاء المثناة التحتية، وهي لغة بمعنى هيت. ضلمه ش (أعوذ بالله معاذا) إشارة إلى أنه منصوب على المصدرية بفعل محذوف، وأنّ أصله التكثير، وأحسن مثواي تقدّم تفسيره، والرب على الأوّل بمعنى الس! يد، وموله والضمير لله والرب عليه بمعنى الخالق، والضمير عنى الأوّل للشأن، ويجوز جعله ضمير شأن على هذا كما في الكشاف فالجملة خبر، وإذا كان لله فأحسن خبر آخر، ولذا عطفه المصنف رحمه الله با! لواو والمحسن لمثواه زليخا فإسناده لقطفير لأنه الآمر به، ولله لأنه مسبب الأسباب بعطف قلبه عليه. قوله:(المجازون الحسن بالسيئ الأنه وضمع للشيء في غير موضعه، والحسن إكرامه، والسيئ قصد أهله بسوء، وإذا فسر الظالمون بالزناة فظلمه ما ذكر والمزني اسم مفعول، وضمير بأهله يعود على أل الموصولة. قوله: (قصدت مخالطته وقصد مخالطتها الخ) الهمّ بمعنى الإرادة، والقصد مطلقاً، وهو لا يتعلق بالذوإت فلذا قدر ما ذكر، وهو على ما قاله محيي السنة رحمه الله همان همّ ثابت معه عزم، وعقد ورضا كهم زليخا، وهو مذموم مؤاخذ به، وهمّ بمعنى خاطر، وحديث نفس من غير تصميم، ولا اختيار، وهو غير مذموم، ولا معاقبة عليه كهم يوسف عليه الصلاة والسلام، ويؤلده حديث الصحيحين " إنّ الله تجاوز عن أمّتي ما حدّثت به النفس ما لم يعملوا أو يتكلموا "(1) وقال الإمام الصراد بالهمّ في
الآية خطور الشيء بالبال أو ميل الطبع كالصائم في الصيف يرى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه، وطلب شربه، ولكن يمنعه دينه عنه وكالمرأة الفائقة حسنا، وجمالاً تتهيؤ للشاب النامي القوي فتقع بين الشهوة، والعفة وبين النفس، والعقل مجاذبة، ومنازعة فالهم هنا عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان جواذب الحكمة، وهذا لا يدل على حصول الذنب بل كلما كانت هذه الحال أشد كانت القوّة على لوازم العبودية أكمل إذا عرفت هذا فالمختار أنّ يوسف عليه الصلاة والسلام إن كان ما نسب إليه من الهنم واقعا بناء على أنه لا يقدر
على دفعه، ونظيره جواب لولا فهو بهذا المعنى الذي لا يعدّ سيئة بل حسنة كما سمعت، ولذا غاير بين العبارة في الهمين، ولم يقل هما وأكد الأوّل دون الثاني وأن لم يكن واقعاً كما اختاره في البحر، وقال لم يقع منه همّ البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول لقد قارفت الإثم لولا أنّ الله عصمك، ولا تقول إنّ جواب لولا يتقدم عليها، وان لم يقم دليل على امتناعه بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف فيها حتى ذهب الكوفيون، وأعلام البصريين إلى جواز ققدّمه بل تقول هو محذوف لدلالة ما قبله عليه لأنّ المحذوف في الشرط يقدّر من جنس ما قبله، والبرهان ما عنده من العلم الدال على تحريم ما همت به وأنه لا يمكن الهمّ فضلا عن الوقوع فيه هذا هو الذي يجب اعتقاد.، والحمل عليه، وكلام المصنف رحمه الله راجع إليه كما ستراه فقوله، والهمّ بالشيء قصده، والعزم الخ بناء على أنه ليس مطلق القصد، وان هذا أصله فهو في حقها على حقيقته، وأمّا في حقه فبمعنى آخر، وقوله أمضاه أي فعله. قوله:(والمر! بهمه ميل الطبع الخ) مبني على الطريقة الأولى المثبتة للهم له وجعله بمعنى الميل الطييعى كميل الصائم للماء البارد وما فسر به الهم فبله إن كان حقيقة كما هو الظاهر من كلامه فإطلاقه على هذا استعارة أو مشاكلة أو من مجاز المشارفة. قوله: (أو مشارفة الهم كقولك كعلتة لو لم أخف الله) هذا على إثبات الهم له وتاويله بالقرب من الهم كما في المثال المذكور إذا قصد بقتلته شارفت قتله بضرب أو نحوه، وقد مرّ له جواب آخر فلا يرد عليه ما قيل إنه ما الموجب لإخراج قتلته عن حقيقته فإنه دليل الجواب إذ لم نجوّز تقديمه ولو للامتناع فالمعنى امتناع القتل لامتناع عدم الخوف منه تعالى، وهو معنى صحيح إذ المناقشة في التمثيل ليست دأب أرباب التحصيل، وقيل معنى همت به، وهمّ بها أنها اشتهته، واشتهاها، وإنه أحسن الوجوه. قوله:(في قبح الزنا وسوء مغبته الخ) المغبة بفتح الميم، والغبن العاقبة، وقوله لخالطها هو الجواب المقدر للولا بدلالة ما قبله لأنّ الهم من لوازم المخالطة، والشبق،
والغلمة بالضم شد الشهوة، وهذا منفي عنه لدخوله في حيز لولا لكن كان التعبير بغيره أولى، وأنسب بسلوك طريق الأدب، والظاهر أنّ مراده لشبق غلمة زليخا ومبالغتها في مراودته التي تدعو إلى مخالطته لولا أن رأى برهان ربه، وهو ما علمه من تحريمه لما ذكر، وقوله ولا يجوز تقدم أنّ النحاة أكثرهم جوّزه، وقوله في حكم أدوات الشرط أي الجازمة. قوله:(بل الجواب محذوف يدل عليه) وهو قوله لخالطها كما قررناه لك لا إنه مقدر بغير المذكور كما توهم حتى يرد عليه ما قيل عليه إنه حينئذ لا يحتاج إلى تقدير خالطها في مقام الجواب، ولا يحتاج إلى إخراج الهم عن معناه وارتكاب المجاز كما اختاره. أو تقدير الكلام على هذا لولا أن رأي برهان ربه لقصد مخالطتها وعزم عليها، والمذكور قبل الشرط إنما أتى به ليكون دليلا على الجواب المحذوف لا أنه مقصود بالإفادة في الكلام. قوله:(وقيل وأى جبريل عليه الصلاة والسلام الخ) هذا مع ما في القصص ونحوه مما لا يليق ذكره، وتركه أحسن منه كله مما لا أصل له والنص ناطق بخلافه. قوله:(أي مثل ذلك التثبيث الخ) يعني أنه في محل نصب صفة مصدر فعل محذوف، وذلك إشارة إلى المصدر أو خبر مبتدأ مقدر وفيه وجوه أخر، وقوله إنه من عبادنا المخلصين قيل فيه إنّ كل من له دخل في هذه القصة شهد ببراءته فشهد الله تعالى بقوله لنصرف الخ. وشهد هو على نفسه بقوله:{هِيَ رَاوَدَتْنِي} ونحوه، وشهدت زليخا بقولها:{وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ} وسيدها بقوله: {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} وابليس بقوله: {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} فتضمن إخباره بأنه لم يغوه ومع هذا كله لم يبرئه أهل القصص فكان كما قيل:
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي
وقوله إذا كان في أوّله الألف واللام هذا التخصيص ينافي ما ذكره في سورة مريم في
قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا اً} [سورة مريم، الآية: 51] وهو المصرح به في القرا آت، وأخلصهم الله لطاعته أي اختارهم. قوله:(تسابقاً إلى الباب) أي قصد كل سبق الآخر إلى الباب فيوسف عليه الصلاة والسلام ليخرج، وهي لتمنعه
من الخروج، ووحد الباب
هنا مع جمعه أوّلاً لأنّ المراد الباب البرّاني فإن قلت كيف يستبقان إلى البراني ودونه أبواب جوّانية قلت أشار الزمخشريّ إلى دفعه بما روي أنّ أقفالها كانت تتناثر إذا قرب يوسف عليه الصلاة والسلام إليها وتنفتح، وقوله فانقذ قميصه قالوا من جيبه، وأعلاه، والاجتذاب افتعال من الجذب، والفرق بين القذ والقط مذكور في كتب اللغة ومنه قط القلم، وقيل القذ مطلق الشق، ويؤيده أنه قرئ وقطت، وقال يعقوب القط في الجلد، والثوب الصحيحين.
قوله:) وصادفا زوجها الخ) الذي في كتب اللغة أنّ الفي بمعنى وجد، وهو قريب مما
ذكر، والمراد بالسيد الزوج لأنهم كانوا يستعملونه بهذا المعنى لملكه التصرف فيها، ولذا لم يقل سيدهما، وقيل لأنه لم يكن مالكا له حقيقة لحرّيته، وقوله إيهاماً مفعول له لقالت أي قالت ما ذكر لذا، وتغييره بالغين المعجمة معطوف على إيهاما أي لتغيير زوجها، واعتقاده فيه والمفعول له يكون معرفة ونكرة، وقوله إلا السجن بفتح السين مصدر سجنه إذا حبسه، وقوله أو عذاب أو للتنويع عطفت المصدر الصريح على المؤوّل، وقرئ بالنصب بتقدير فعل، وعلى جعل ما استفهامية فجزاؤه مبتدأ أو خبر ومن موصولة أو موصوفة. قوله:) طالبتني بالمواتاة الخ (يعني قال هذا لدفع الضرر عن نفسه لا لتفضيحها، ولذا قال هي، ولم يقل هذه مشافها لها بما تكر.، وقوله دفعاً لما عرضته التعريض في قولها ما جزاء من أراد بأهلك سواء إلا أن يسجن حيث لم تقل هذا أراد بأهلك السوء، وجزاؤه السجن بل قصدت العموم، وأجملت حياء، وحشمة لبعلها وكبت بالسوء عن الفاحشة كما قالت ابن شعيب عليه الصلاة والسلام:{إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [سورة القصص، الآية: 26] ولم تقل إنه قوقي أمين حياء من أبيها فجعل ذلك كناية عما ذكر وتعريضاً به، وقوله ولو لم تكذب عليه لما قاله هذا لا ينافي قوله دفعاً للضرر لأنه يقتضي أنه قاله لكذبها عليه فينافي الحصر الذي قاله لأنّ القصر الأوّل إضافيّ أي قاله لدفع الضرر لا للتفضيح فلا ينافي كونه لكذبها، وأيضاً معنى قوله لكذبها الدفع كذبها، وما يترتب عليه لو صدقت فهو داخل في الدفع المذكور فتنبه. قوله: (قيل ابن عم لها الخ (صبياً راجع إلى ابن العم، وابن الخال، وقيل إنه قيد للثاني، وترك كون الشاهد حكيماً كان عنده المذكور في الكشاف، وقوله ومن النبني صلى الله عليه وسلم تكلم أربعة الخ اعترض! عليه الطيبي بأنه يرد على الحصر ما
رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:" لم يتكلم في المهد إلا عيى ابن مريم علبه الصلاة والسلام وصاحب جريج وساق قصته وبينا صيئ يرضع أمّه مو رجل على دابة فارهة وشارة حسنة فقالت أمّه اللهمّ اجعل ابني مثل هذا فترك الثدي، وقال اللهتم لا تجعلني مثله "(1) يعني أنّ الحصر في الثلاثة المذكورة أخرج الماشطة وشاهد يوسف من الحكم، وأثبت بدلهما الرضيع المذكور، وسيأتي سادس في سووة البروج، وما وفق به من أنه يجعل قوله في المهد قيداً، وتأكيدا لكونه في مبادي الصبا، وفي هذه الرواية يحمل على الإطلاق أي سواء كان في المبادي أو بعيدها بحيث يكون تكلمه من الخوارق لا يخفى بعده، وقيل على الطيبيّ أنّ هذا على عادته من عدم الاطلاع على الأحاديث فإنّ الحديث الذي أووده المصنف رحمه الله تعالى صحيح أخرجه أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال إنه على شرط الشيخين فصاروا خمسة، وهم أكثر ففي صحيح مسلم تكلم الطفل في قصة الأخدود أيضا، وقد جمعها السيوطي فبلغت أحد عشر ونظمها في قوله:
قكلم في المهد النبيّ محمد ويحيى وعيسى والخليل ومريم
ومبري جريج ثم شاهد يوسف وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مربالأمة التي يقال لهاتزني ولاتتكلم
وماشطة في عهد فرعون طفلها وفي زمن الهادي المبارك يختم
(قك الم يرد الطيبي الطعن على الحديث الذي ذكره المصنف رحمه الله كما توهم،
وانما أراد أنّ الحصر في الأحاديث متعارض يحتاج إلى التوفيق، وهو كما قال. قوله:(ابن ماشطة فرعون) قال ابن الجوزي:
ماشطة إبنة فرعون لما أسلمت أخبرته ابنته بإسلامها فأمر بإلقائها وأولادها في البقرة التي اتخذها من نحاس تحمى، ويعذب بها من أسلم فلما بلغت النوبة آخر أولادها، وكان مرضعاً قال اصبري يا أمّاه فإنك على الحق (2) فقوله ماشطة فرعون الإضافة لأدنى ملابسة. قوله:(وصاحب جريج) بجيمين مصغر كان عابدا يعبد الله في صومعة فقالت بغيّ منهم أنا أفتنه فتعرّضت له فلم يلتفت إليها فمكنت من نفسها راعي غنم كان يأوي إلى صومعته فلما ولدت منه غلاما قالت هو من جريج فضربوه، وهدموا صومعته فصلى ودعا
وانصرف إلى الغلام فوكزه، وقال له بالله يا غلائم سير! أبوك فقال أنا ابن الراعي. قوله:(وإنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها الخ) تعبيره بإلقاء الشهادة لكونه صبياً لا يتعمدها فما قيل إنّ الأولى أن يذكره بعد قوله ابن عمها لاختصاصه بشهادة الرجل فإنّ شهادة الصبيّ حجة قاطعة لا فرق فيها بين الأقارب وغيرهم بخلاف الرجل فإنّ ظاهر القريب الشهادة لقريبه لا عليه، ولا يخفى ما فيه، وهو مبنيّ على جعك القيد للثاني، والقريب مطلقاً أقوى بلا شبهة فتدبر. قوله:(لأنه يدل على أتها قذّت الخ) وفي الكشاف دلالة قد الدبر على كذبها لأنها تبعته، وجذبت ثوبه فقدته، ودلالة قد القبل على صدقها من وجهين إنه تبعها، وهي دافعته عن نفسها فقدت قميصه من قدامه بالدفع أو أنه أسرع خلفها ليلحقها فتعثر في مقادم قميصه فشقه، واعترض عليه بأنه يمكن مثله في اتباعها له بل هذا أظهر لأنّ الموجب للقد غالباً الجذب لا الدفع، وقيل إنه من قبيل المسامحة في أحد شقي الكلام لتعين الآخر بتنزيل المحتمل منزلة الظاهر لأنّ الشق بالجذب في هذا الشق أيضاً محتمل، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى غفلة عنه، وقيل أيضا في دلالة الإمارتين على ذلك نظر إمّ دلالة قد القميص! من دبره على كذبها فلجواز أنه قصدها فغضبت عليه وأرادت ضربه ففرّ منها فتبعته، وجذبته للضرب فقدّت قميصه من دبر، وهي صادقة، وأمّا قد القيل فمعارض بمثله لأنّ الخرق بالدفع معارض! بالخرق يالجذب من خلف جذبا عنيفا ينخرق به من قذامه، ولأنه ربما تعثر في الفرار فانقد قميصه من قذامه فالعثار في الاتباع معارض بالعثار في الفرار، ودفع بأن هذه الاحتمالات لا تضرّ في شهادة الشاهد على براءته لأنه متعين الصدق في نفسه، ومجرّد الاحتمال غير قادح فيه وكان ما علم من نزاهته، وحالها دافعاً لهذه الاحتمالات، وقيل الحق أنّ الشاهد إن كان صبيا في المهد فالبراءة بمجزد كلامه، وتعيين ما عينه من غير نظر في الإمارة المذكورة تذعن لحاله، وان كان رجلا من أهلها أو من غيرهم كالحكيم فمراده تصديق يوسف عليه الصلاة والسلام، وتكذيبها لما شاهده لكن لم يرد فضاحتها بذا، والحاصل أنه لو شهد من غير ذكر إمارة، وقال رأيته فرّ منها، وهي تبعته، وجذبت قميصه فانقدّ من دبره لصدق لكنه ذكر امارات تلويحا لما رآه ستراً عليها فتأمّله. قوله:(والشرطية محكية على إرادة القول الخ) يعني أن الشرطية مضمونها هو المشهود به، ولكنها في اللفظ كيف تتعلق به فقال إنه على تقدير القول أي فشهد فقال أو قائلا إن كان الخ. أو الشهادة لما كانت في معنى القول جاز أن تعمل في الجمل، وهو جار في كل ما شابهه، هما قولان لنحاة البصرة، والكوفة، وقوله وتسميتها شهادة لأنها أدّت مؤدّاها دفع لما يقال إنه أمر معلق على شرط، وليس تعيينا حتى يكون شهادة به بأنه دل على صدقه فكان في معنى
الشهادة له. قوله: (والجمع بين إن وكان على تأويل أن يعلم الخ) هذا مبنيّ على إن كان قوية في الدلالة على الزمان فحرف الشرط لا يقلب ماضيها مستقبلا، والا فكل ماض! دخل عليه الشرط قلبه مستقبلا من غير حاجة إلى التأويل نحو إن قام زيد قام عمر، وفعلى هذا القول كونه كذلك، وكذلك جعله إمارة صدقها أو كذبها، والجزأن على كونه كذلك، والمعلق عليه من الصدق والكذب واقعان فأوّل بمعنى حدوث العلم أي أن يعلم أو يظهر أنه كذلك فقد ظهر الصدق أو الكذب قال في الكشف، وهذا بين، وفيه إنك جعلت ما لا يعرف كونه كأنه ليس بكائن، وفيه دقة فكأنه يريد أنه ليس من باب التقدير لتكلفه، ولا التجوّز في كان يجعلها بمعنى علم لأنه يعود على المدعي بالنقض بل يبقى على حاله وينزل استقبال علمه منزلة استقباله لما بينهما من التلازم كما قيل أي شيء يخفى فقيل ما لا يكون فتدبره.
قوله: (ونظيره قوله إن أحسنت إلئي اليوم فقد أحسنت إليك من قبل) ووجه التنظير أنه ليس مستقبلا لتقييده بما ذكر بل هو لتعليق الأخبار على سبيل الامتنان بمثله فيؤول إلى ما ذكره، وتمنن من المن أو الامتنان، وقيل كان بمعنى ثبت، والثبوت ليس بحاص! ، قبله. قوله:) وقرئ من قبل ومن دبر بالضم الخ (أشار أوّلاً إلى قراءة العامّة بضم الباءين مع جره، وتنوينه لأنه بمعنى خلق يوسف عليه الصلاة والسلام أو الفميص وقدامه، وقرأ الحسن وأبو عمرو، في رواية عنه بتسكين العين تخفيفا وتنوينه، وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحق، والعطاردي، والجارود بثلاث ضمات، وروي أيضا بضم الآخر مع السكون، ووجه بأنهم بنوهما على الضم كقبل، وبعد إذا قطعا عن الإضافة، وتال أبو حاتم أنه ضعيف في العربية لأنه مخصوص بأسماء الظروف، وقرأ ابن إسحق بفتحهما، ووجه بأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما من الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار الجهة، وكأنه علم جنس، وفيه نظر. قوله:) آن قولك ما جزاء من أراد الخ) أي الضمير راجع إلى ما قبله من القول أو السوء لكنه قيل إنّ السوء ليس نفسه حيلة، ولكنه يلازمها ففيه مجاز، وهو لهذا الأمر وهو طمعها في يوسف علبه الصلاة والسلام وقد القميص وجعله من الحيلة مجاز كالذي قبله والمكر، والكيد، والحيلة متقاربان، ولذا فسره به. قوله:) والخطاب لها ولآمثالها) يعني بالخطاب ضمير النسوة في كيدكت، ولسائر النساء عطف على لأمثالها، وقال الزمخشريّ لها ولأمّتها أي جماعتها أي من جواريها، وهو أولى. قوله:) فإن كيد النساء ألطف
وأعلق الخ) يعني ألطف من كيد الرجال، وأعلق أي أكثر علاقة بالقلب منهم، وأكثر من ذلك، وأشد تأثيراً منهم، وكيد الشيطان ضمعيف بالنسبة لكيدهن أيضا، واليه أشار المصنف رحمه الله بقوله لأنهن يواجهن به، والشيطان كيده وسوسته، ومسارقته، ولذا قال بعض العلماء إني أخاف من النساء أكثر من الشيطان لأنّ الله يقول إنّ كيد الشيطان كان ضعيفا، وقال في كيدهن أنه عظيم، وقيل عليه إنّ ضعف كيد الشيطان في مقابلة كيد الله، وعظم كيدهن بالنسبة للرجال، وهو ليس بشيء لأنه استدل بظاهر إطلاقهما، ومثله مما تنقبض له النفس، وتنبسط يكفي فيه ذلك القدر، وكذا ما قيل إنه محكيّ عن قطفير لأنه قص من غير نكير. قوله:(حذف منه حرف النداء الخ) يعني ذكريا إمّا لبعده حقيقة أو حكماً ككونه غافلا أو غير فطن، وكلاهما منتف هنا فحذفه لهذه النكتة من الإيجاز الحسن، وقرئ بفتح الفاء من غير تنوين فقيل إنها غير ثابتة، وقيل إنها حركة إعراب فهو منصوب وقيل أجرى الوقف مجرى الوصل، ونقل له حركة الهمزة، وقرئ أعرض ماضيا وكلها شاذة، وقوله اكتمه قيل إنه يدل على عدم الغيرة، وهي لطف من الله تعالى بيوسف عليه الصلاة والسلام، وقال أبو حيان إنه مقتضى تربة مصر. قوله:(من خطئ إذا أذنب متعمداً والتذكير للتنليب) يقال خطئ يخطأ خطأ وخطأ إذا تعمد خلاف الصواب، وأخطأ إذا فعله من غير تعمد، ولهذا يقال أصاب الخطأ، وأخطأ الصواب وأصاب الصواب، وتغليبه كما مرّ تحقيقه في قوله من القانتين، وهو أبلغ من إنك خاطئة. قوله:(هي اسم لجمع امرأة) المشهور أنه جمع تكسير كصبية وغلمة، وقيل إنه اسم جمع وعلى كل فتأنيثه غير حقيقيّ، ولذا لم يؤنث فعله وليس له واحد من لفظه بل من معناه، وهو امرأة والمشهور كسر نونه وقد تضم وهو اسم جمع حينئذ بلا خلاف، ويكسر على نساء، ونسوان، وفي المدينة صفته، وهو الظاهر، وتعلقه بقال خلاف الظاهر ولذا أوّله المصنف رحمه الله تعالى بأنّ معنى كون قولهن فيها إشاعته وافشاؤه وقوله بهذا الاعتبار أي باعتبار الجمعية لأنّ الجمع، واسمه من حيث هو كذلك، وان نظر لمفرده فهو مؤنث حقيقي، ولم ينظر إليه لأنّ التأنيث المجازي لطروه أزال الحكم الحقيقيّ كما أزال التذكير وفيه نظر، وبالضم قرأ المفضل، والأعمش والسلمي كما قال القرطبيّ رحمه الله: فلا عبرة بمن أنكرها، وكونهن خمساً رواية مقاتل رحمه الله ورواية الكلبي أنهن كن أربعا بإسقاط امرأة الحاجب. قوله: (تطلب مواقعة
غلامهاللاها) تقدم أنّ المراودة الطلب بتمحل، وحيلة، وأنه يتعلق بالمعاني لا بالذوات، + وفالى غلامها لأنه كان يخدمها، وقيل إنّ زوجها وهبه لها، وقوله العزيز بلسان العرب الملك،، فيلبته على أهل مملكتة، وقيل إنه غلب على ملك مصر
والإسكندرية لكنه فيل عليه إنّ مارزكزه صتنافي ما مر من أنّ قطفير كان على خزائن "! صز، ومككها الريان وفنى يائيّ بدليل تث! نيته! لأنها تردّ الأشياء لأصولها فالفتوة على هذا شاذة، وقيل إنه يائيّ وواوي ككنوت وكنيت، وله نظائر كثيرة. قوله:(شق شغاف قلبها الخ) الشغاف بوزن سحاب حجاب القلب، وقيل سويداؤه، والفؤاد القلب، وقوله لصرف الفعل عنه أي محوّل عن الفاعل، والأصل شغفها حبه، وهنأه بالهمزة بمعنى طلاه بالقطران، ومعنى إحراقه أنه أثر في جلده، وهذا أصله، والشغف والشعف تاثير الحب وهما متقاربان، وقد فرق بينهما. قوله:(باغتيابهق وإنما سماه مكرا الخ) يعني أنّ المكر استعير للغيبة لشبهها له في الإخفاء كما أشار إليه، وعلى الوجه الثاني هو حقيقة، وكذا على الأخير لأنهت مكرن بها في إظهار كتمان السرّ حتى أطلعن على أمرها، وقوله لتريهن أي زليخا، وفي نسخة ليرين أي النسوة من الثلاثيّ. قوله:(تدعوهن) أي للضيافة مكرا بهن لما سيأتي، ويبهتن مجهول أي يتحيرن، وأما بهته فبمعنى افترى عليه، ويقطعنها أي الأيدي من قطع الثلاثيّ، وكونه من الأفعال بمعنى يجعلنها قاطعة لها ركيك ويجوز أن يكون من التفعيل، ويبكتن من التبكيت، وهو الغلبة أي يغلبن بالحجة التي لها مما له من الجمال الذي لا يمكن صبر النساء معه ويهاب عطف على يبهتن أي يخاف يوسف عليه الصلاة والسلام فينقاد لها وهو مناف للمقام، ولذا لم يجعله في الكشاف وجها، وجمع بين المكرين. قوله:(متكأ طعاماً) هو على الثاني اسم مكان أو ا-لة بمعنى الوسادة، وهو مستعمل في حقيقته، وقوله فإنهم كانوا يتكؤون الخ بيان لوجه إطلاقه عليهما، وعلى الأوّل هو اسم للطعام، وهو اسم مفعول أو مصدر جعل كناية أو مجازا عنه، والظاهر الثاني أي اتكاء أو متكأ له، واستشهد بالبيت للأوّل، وأنه لو فعل لأنه المحتاج للإثبات، وأما الثاني فهو اسم مكان لا حاجة لإثباته، والتترف كالترفه
التنعم، وقوله ولذلك، أي لكونه فعل المترفين المتكبرين نهى عنه في الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة عن جابر رض! ي الله تعالى عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:" نهى أن يثل الرجل بشماله وأن يثل متكئاً) (11 لكن الواقع! في الحديبن النهي عن اكل، والنهي عن الهشرب ثبت بدلالة القياس، ولذا صرّحوا به قال العلافمه في قوله، وآتت كك، وإحدة- تف! يره " اعتدف لهرهـ متكأ فجئن و! دن وآتت كل واحدة الخ، ولا يبعد أن تسمى هذه الواو فصيحة فاحفظه. قوله:(قال جميل) هو من شعراء العرب الإسلامية، وهو مشهور، والبيت من قصيدة له من يحر الخفيف، وعروضها مختلف، وأوّلها:
رسا.! اروقفت في طلمله كخدت أقضي الصيا؟ غ مثن جلله
موحشاً ما ترى به أحداً تنسج الترب ريح معتدله
ومنها:
فظللنابنعمة واتكأفا وشربنا الحلال من قلله
قال ابن قتيبة معنى اتكأنا أكلنا، وطعمنا والقلل جمع قلة، وهي الجرّة، والحلال أراد به النبيذ. قوله:(وقيل المتكأ طحم. يحزحزا) بألحاء المهملة أي يقطع، وكونه بالجيم جوّزه بعضهم لأنّ معنا. قريب منه والأوّل أولى لأنه المعروف، وأمّا الجز فأستعماله في قطع / الصوف، ونحو.، وهذا مخالف للأوّل لأنه مطلق الظ! ط بخ! ، وهذا مخصوص باللخم.،. ونن! هـ. قوله:(وقرئ متكاً بحذف الهمزة) أي وضم الميم، وتشديد التاء مفتعا من أوكيت القربة إذا شددت فاها بالوكاء، والمعنى اعتدت شيئا يستندن عليه بالاتكاء أو بالقطع، وقرئ بالمدّ على أنه إشباع كما قالوا في منتزح، وهو البعيد، منتق اح، وقرئ متكا بضم! الميم، وسكون التاء
والتنوين، وروي فيه الضم، والفتح، وهو الأترج بضم الهمزة، والراء المهملة، وبينهما تاء ساكنة وفي آخره جيم مشددة، ويقال اترنج وترنج، وهو ثمر معروف، وقيل ما يقطع من المأكولات من متكه، وهو وبتكه بمعنى قطعه، والباء والميم تتعاقب كثيرا كلازم ولازب، وقيل إنه طعام يقالط له زما ورد وقرئ متكأ بفتح فسكون، وفي آخره همزة من تكىء بمعنى اتكأ، ومعناه كمعنى متكأ. قوله:(عظمته الخ) فأكبر. بمعنى كبره أي عظمه، وقيل أكبرن بمعنى حضن، والإكبار يكون بمعنى الحيض، وأنشدوا عليه بيتاً قيل إنه مصنوع، وسمي الحيض إكباراً لكون البلوغ يعرف به كأنه يدخلهم سن الكبر فيكون
في الأصل كناية أو مجازاً، وهذا منقول عن قتادة والسديّ. قوله:(وعن النبئ صلى الله عليه وسلم الخ) أخرجه ابن جرير، والحاكم، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وقوله والهاء ضمير للمصدر فكأنه قيل أكبرن إكباراً، والحامل عليه أنه غير متعد أو هو ليوسف عليه الصلاة والسلام على إسقاط حرف الجرّ أي حضن لأجله، وترك القول بأنها هاء سكت لأنه ردّ بأنها لا تحرّك، ولا تثبت في الوصل، واجراء الوصل مجرى الوقف، وتحريكها تشبيهاً لها بالضمير كما في قوله:
وأحرّ قلباه ممن قلبه شبم
على تسليم صحتة ضعيف في العربية، ونزع الخافض، والتأكيد بضمير المصدر أقرب، والقول بأن الأوّل يختص بالصفات، والظروف، والصلات، والثاني لا يصح ممنوع. قوله:(كما تال المتنبي) هو من قصيدة مدح بها الحسين بن إسحق التنوخي أوّلها:
هو البين حتى ما تأنى الحزائق ويا قلب حتى أنت ممن أفارق
ومنها:
خف الله واسترذا الجمال ببرقع فإن لحت حاضت في الخدور العواتق
قال الواحدي روي ذابت أي من شوقها إليك، وروي حاضت لأنّ المرأة إذا اشتدت
شهوتها حاضت والعواتق جمع عاتق، وهي المرأة الشابة، وذا الجمال بنصب الجمال نعت ذا اسم الإشارة، وجوّز فيه أن يكون ذا بمعنى صاحب، والجمال مجرور بالإضافة، والمراد بذي الجمال الوجه، والأوّل أولى رواية، ودراية والخدور جمع خدر بالكسر، وهو ستر يمد في جانب البيت للنساء، وقوله جرحنها يعني أنّ القطع ليس بمعنى الإبانة كما قيل لأنه خلاف الظاهر، وهذا معنى حقيقيّ له أيضا، وقال صاحب الكشف الأصح أنه مجاز. قوله:(تنزيهاً له من صفات العجز الخ) تعليل لقولهن هذا لا تفسير له، وسيأتي تفسيره، وفي شرح التسهيل الاستعمال على أنهم إذا أرادوا تبرئة أحد من سوء ابتدؤوا بتنزيه الله سبحانه، وتعالى من السوء ثم يبرؤون من أرادوا تبرئته على معنى أنّ الله منزه عن أن لا يطهره مما يضيمه فيكون آكد وأبلغ كما في هذه الآية وقوله في الدرج فيه مخالفة للكشاف، واشارة إلى أنّ في كلامه قصوراً. قوله:(وهو حرف يفيد معنى التنقله) وفي نسخة التبرئة، المعنى فيهما واحد يعني أنه حرف وضع للاستثناء، والتبرئة معا ثم بعد ذلك اقتصر فيه على معنى التبرئة فاستعمل له في غير الاستثناء كما هنا، وقال النحاة إنه أداة متردّدة بين الحرفية، والفعلية فإن جرّت فهي حرف وان نصبت فهي فعل، وهي من أدوات الاستثناء، ولم ير سيبويه رحمه الله تعالى فعليتها، وذكر الزمخشريّ رحمه الله تعالى أنها تفيد في الاستثناء التنزيه أيضا، وأنها حرف جرّ وضع موضع التنزيه ورده أبو حيان رحمه الله بأنّ إفادتها التنزيه في الاستثناء غير معروف، ولا فرق بين قولك قام القوم إلا زيداً وحاشا زيداً، وعدم ذكر النحاة له لا يدل على ما ذكره لأنه وظيفة اللغويين لا وظيفتهم وقال المبرد يتعين فعليتها إذا وقع بعدها حرف جرّ كما هنا ففاعله ضمير يوسف عليه الصلاة والسلام بدليل مجيء المضارع منها في قوله:
ولا أحاشي من الأقوام من أحد
قوله: (فوضع موضع التنزيه) أي جرد له ووضع موضعه فيما لا يكون فيه استثناء فجعل
اسما بمعنى التنزيه بعد أن كان حرف استثناء، ولم ينوّن مراعاة لأصله المنقول عنه، وهو يقتضي أنه نقل من الحرفية إلى الاسمية، واعترض عليه بأنّ الحرف لا يكون اسماً إلا إذ! نقل، وسمي به، وجعل علما، وحينئذ يجوز فيه الحكاية، والإعراب، ولذا جعله ابن الحاجب رحمه الله تعالى اسم فعل، وكون المعنى على المصدرية لا يرد عليه لأنه قيل إن أسماء الأفعال موضوعة لمعاني المصادر، وهو منقول عن الزجاج رحمه الله تعالى، وقوله واللام للبيان فهي متعلقة بمحذوف، ومن جعلها مصدراً أو فعلاً جعلها متعلقة به. قوله:(وقرئ حاشا الله بغير لام الخ) قرأ بها أبيّ وعبد الله على الإضافة كسبحان الله لنقله إلى الاسمية، وقال الفارسي إنها
حرف جرّ مراد به الاستئناء ورد بإفه لم يتقدّمه- ما يستثنى منه، والتنوين لنقله إلى الاسمية، وفيه ما مرّ. قوله:(وقيل حاشى فاعل) بفتح العين أي فعل كقاتل من المحاشاة، وهو مذهب المبرد، ومعناه صار في ناحية الله، والمرأد بعده عما اتهم؟ مه روتبزيهه عنه لما رؤي فيه من آثار العصمة، وأبهة النبوّة عليه الصلاة+ والسلام. قوله: (لأن هذا الجمال
غير معهود؟ للبشر الخ) يعني نفي البشرية عنه لأنّ جماله لم ير مثله فيهم، واثبات الملكية له لذلك مع الكمال، ولذا وصف بالكرم، ومشاركة ما لليس في نفي الحال هو المشهور، وقال الرضي: إنّ ليس ترد لنفي الماضي، والمستقبل فالمشاركة في مطلق النفي، وقراءة بشرى بالباء الجارة مخالفية صلرسم المصحف لأنه لم يكتب بالياء فيه، ومخالفة لمقتضى المقام لمقابلته بالملك إلا أنّ ابن عادل رحمه الله تعالى قال من قرأ بها قرأ ملك بكسر اللام فيتناسب الكلام حينثذ، وقول المصنف رحمه الله تعالى أي بعبد مثتري لئيم إشارة إلى وجه المقابلة بينهما على هذه القراءة، وقوله ولا يفوقه في نسخة لا يفوقه بدون واو فالضيير ليوسف عليه الصلاة والسلام واسنفادة فائقية الملك من كمونه مشبها به.
تنبيه: أنكر بعضهم هذه القراءة لأنها لا تناسب ما بعدها من قوله إن هذا إلا ملك كريم
ورد بأنها صحيحة رواية، ودراية أمّا الأوّل فلأنها رواها في المبهج عن عبد الوارث بسند صحيح، وأما الثاني فلأنّ من قرأ بهذه قرأ ملك بكسر اللام فتصح المقابلة أي ما هذا عبد لئيم يملك بل سيد كريم مالك، وكان على اللمصنف أن يذكر هذا إلا أنه أشار بقوله لئيم إلى ذلك وإن احتمل أنه أثبت المقابلة بوجه بينه، وبين وصفه بطريق برهانيّ ففيه خفاء افتأمّل. قوله:(فهو ذلك العبد الكنعاتى الذي لمتنني الخ) يعني ذلك خبركلمبتدأ محذوف دخلت الفاء عليه بعد حذفه، والذي صفة اسم، الإشارة، وعلى الوجه الثاني ذلك مبتدأ، والذي خبره، وتنزيله لعلوّ منزلته منزلة البعيد ظاهر كلامه أنه على الوجه الثاني فقط، ولذا عبر عنه بهذا فيه دون الأوّل لأنّ يوسف عليه الصلاة والسلام في وقت اللوم كان غير حاضر، وهو الآن حاضر فإن جعلت
الإشارة إليه باعتبار الزمان الأوّل كانت على أصلها، وجعله خبرا عن ضمير الغائب يقتضيه، وإن لوحظ الثاني كان قريباً، واحتمال أنه عليه الصلاة والسلام أبعد عنهن لثلا يزددن دهشة، وفتنة، ولذا أشير إليه بذلك بعيدا، والكنعاني منسوب إلى بلاد كنعان، وهي نواحي القدس، وفي الافتتان متعلق بلمتنني، وقوله ولو صوّرتنه يعني لو تصوّرتنه قبل المشاهدة. قوله:(فامتنع طباً للعصمة الخ) قيل عليه إنّ الامتناع للعصمة، وعلى ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى يلزم أن لا تكون العصمة حاصلة وقت ألامتناع فإنه لا يطلب الحاصل إلا أن يراد بالعصمة زيادتها أو الثبات عليها، وفي البحر الذي ذكر. التصريفيون في استعصم أنه بمعنى اعتصم، والظاهر أنّ العصمة لغة بمعنى الامتناع مطلقاً، وفي العرف ما أودعه الله فيه مما يمنع عن الميل للمعاصي كما للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومرادها الأوّل، وتعني به فراره منها فهو امتنع منها أوّلاً بالمقال، ثم لما لم يفده طلب ما يمنعه منها بالفرار فلا يرد عليه شيء، ويعاونها بتشديد النون ضمير النسوة كقولهم له أطعها، وافعل ما أمرتك به، والأنة العريكة تحويله عن الآباء، وهو مجاز معروف فيه كما يقال موطؤ ا! ناف، وأصل العريكة السنام. قوله:(ما آمر به فحذف الجاز الخ) يعني أنّ ما موصولة، والضمير عائد عليها، وأصله الذي آمر به فحذف الجارّ، واتصل الضمير، ولما كان هذا شائعاً في أمر كقوله:
أمرتك الخير فافعل ما ائتمرت به
وحينئذ فإمّا أن يكون ترك المفعول لأنّ مقصودها لزوم امتثال ما أمرت به مطلقاً أو لأن
يفعل يدل عليه ويغني عنه، ولو جعل الضمير ليوسف عليه الصلاة والسلام، والعائد محذوف، وهو به جاز أيضاً بالحذف التدريجي لكنه اختار هذا لما مرّ قال ابن المنير في تفسيره والعائد على الموصول محذوف مثل:{أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [سورة الفرقان، الآية: 41] لا يقالى ضمير المأمور به حينئذ مجرور به، ولا يحسن حذف العائد المجرور لأنا نقول هذا الجارّ مما أنس حذفه فلا يقدر العائد إلا منصوبا مفصولاً كانه قال آمر يوسف إيا. لتعذر اتصال ضميرين من جنس واحد فما عينه الزمخشريّ غير متعين، وتبعه المصنف رحمه الله تعالى، ومن قال في قوله فيكون الضمير ليوسف عليه الصلاة والسلام أي حتما لم يصب وأن كانت مصدرية فالضمير ليوسف عليه الصلاة والسلام، وفعل الأمر بمعنى فعل موجبه بالفتح على الإسناد المجازي أو تقدير المضاف. قوله:(وهو) أي الصاغر بمعنى الذليل فعله صغر كفرح،
ومصدره صغر بفتحتين، وصغر بضم فسكون وصغار بالفتح هذا في القدر، وأما في الجثة والجرم ففعله ككرم، ومصدره صغر كعنب، وفي القاموس جعل
صغاراً مصدراً لهذا، والمشهور ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وأكدت ليسجنن بالنون الشديدة لتحققه وما بعده بالنون الخفيفة لأنه غير محقق، وقرئ بالتشديد فيهما، وهو يخالف رسم المصحف بالألف كقوله:
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
فترسم بها وشبهها بالتنوين لفظا لكونه نونا ساكنة مفردة تلحق الاخر فلذا حملت في الرسم عليه، وقراءة يعقوب السجن بالفتح على أنه مصدر سجنه، وبالكسر اسم المحبس. قوله:(آ " لر عندي من مؤاتاتها رنا الخ) إنما فسره به لأنه لا محبة له لما دعون له، ولا للسجن، وكذا آثر من الإيثار أفعل تفضيل، ولا إيثار له للمؤاتاة إلا على سبيل الفرض! ، وإنما هوى السجن لكونه أهون الشرّين وقد مرّ أن فاعل أحبّ يجر بإلى، ومفعوله باللام أوفى، والمؤاتاة بمعنى المطاوعة، وزنا تمييزاً، ومنصوب بنزع الخافض، وقوله نظراً إلى العاتبة فمحبة السجن لذلك. قوله:(وإسناد الدعوة الخ) فهو على الحقيقة فيما روي أنّ كلاً منهن طلبت الخلوة لنصيحته فلما خلت به دعته إلى نفسها، وقوله إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا أي أنا أختار السجن، ولو لم يختره، ودعا الله بخلاصه من الأمرين معا سهل الله له الخلاص منهما فلا يرد عليه ما قيل إن يوسف عليه الصلاة والسلام، إنما أجاب بهذا قولها لئن لم يفعل ما آمره به ليسجنن، والتقدير إذا كان لا بد من أحد الأمرين الزنا أو السجن فهذا أولى، وما ذكر مأثوراً وروي أنه لما قال السجن أحب إليّ أوحى الله يا يوسف أنت جنيت على نفسك، ولو قلت العافية أحبّ إليّ عوفيت ذكره القرطبي، وقوله: ولذلك رد الخ. إشارة إلى ما رواه الترمذي عن معاذ رضي الله عنه عن النبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه سمع رجلَا وهو يقول اللهم إني أسألك الصبر فقال سألت الله البلاء فأسأله العافية " وقوله وإن لم إشارة إلى أنّ إلا مركبة من أن، ولا النافية
وقوله في تحبيب ذلك أي السجن. قوله: (أمل إلى جانبهق أو إلى أنفسهن الخ (مضارع مجزوم الأوّل ناظر إلى أنّ دعوتهن لاطاعتها فالميل إليهن كناية عن قبول ما قلن، وفي نسخة إجابتهن فهو بمؤاتاتها، والثاني ناظر إلى أنهن دعوته لأنفسهن فالميل لهن كناية عن المؤاتاة، وقوله بطبعي راجع إليهما، وقيل إنه متعلق بالثاني، والميل الأوّل اختياري، والثاني طبعي، وفيه أنه لا يلائم أكن من الجاهلين فتأمّل، وقرئ أصب من صببته كعلمته بمعنى عشقته فهو مضمن معنى الميل أيضا ليتعدى بإلى. قوله: (من السفهاء بارتكاب ما يدعونني الخ الما كان عدم الصرف لا يترتب عليه الجهل بمعناه المعروف أشار إلى أنّ الجهل هنا بمعنى فعل ما لا يليق، وهو أحد معنييه كقوله:
ونجهل فوق جهل الجاهلينا
واطلاق الجهل عليه لأنه لا يفعله الحكيم العالم بل السفيه فالجهل بمعنى السفاهة لا ضد
العلم بل ضد الحكمة وعلى الوجه الثاني جعل عدم العمل أو العمل بخلاف ما يعلم جهلا لأنّ العلم حينئذ بمنزلة العدم. قوله: (الذي تضمنه قوله وإلا تصرف الأنه في قوّة قوله رب اصرفه عني، وقوله فثبته بالعصمة يحتمل التفسير والتفريع أي ثبته بسبب عصمته له عن الميل إلى الشهوات حتى وطن نفسه أي ثبتها كما يثبت الشيء في وطته على تحمل مشقة السجن، وايثار تلك المشقة على اللذات المتضمنة للمعاصي. قوله: (ثم بدا لهم من بعد الخ) قيل إنّ القطع، والاستعصام ليسا من الشواهد الدالة على البراءة في شيء، وأجيب بأق الاستعصام عنهن بدعوتهن لاً نفسهن إمارة دالة على براءته مما ادّعته راعيل، والعزيز، وأهله سمعوا ذلك وتيقنوه حتى صار كالمشاهد لهم، وفيه نظر إما دلالة الاستعصام المعلوم لهم، وهو امتناعه، واباؤه فظاهرة وأمّا دلالة القطع فلأنّ حسنهءلمجف الفاتن للنساء في مجلس واحد، وفي أوّل نظرة يدل على فتنتها بالطريق الأولى، وأنّ الطلب منها لا منه، وما قيل من أنه نشأ من فرط الدهثة مما شاهدن من نور النبوّة، وأبهة الملك لا مدخل له في ذلك قطعا. قوله:) وفاعل بدا مضمر
يفسره) وفي نسخة تفسيره ليسجننه الخ قال بعض النحاة: إنّ الجملة قد تكون فاعلاً نحو يعجبني يقوم زيد وبدا له ليفعلن كذا، والصحيح خلافه فقال المازني: فاعله مضمر في الفعل والمعنى، ثم بدا لهم بداء فأضمر لدلالة الفعل عليه وحسن، وان لم يحسن ظهر لي ظهور لأنّ بداء قد استعمل في غير المصدر فقالوا بدا له بداء أي ظهر له رأي، ويدلّ عليه قوله:
لعلك والموعود حق لقاؤه بدالك في تلك القلوص بداء
وجملة ليسجننه تحتمل ثلاثة أوجه أن تكون مفعولاً لقول مضمر، والتقدير قالوا ليسجننه، واليه ذهب المبرد، وأن تكون مفسرة للضمير المستتر في بدا فلا موضع لها، وهو الذي ذكره المصنف، والضمير إما للبدأء بمعناه المصدري أو بمعنى الرأي أو للسجن بالفتح المفهوم من الكلام، وأن تكون جواباً لبدا لأنّ بدا من أفعال القلوب، والعرب تجريها مجرى القسم، وتتلقاها بما يتلقى به ففي الفاعل له أقوال، واختار أبو حيان رحمه الله تعالى أنه للسجن، وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتمله أي ظهر لهم سجنه، وقوله لأنها خدعت الخ روي أنها لما أيست منه قالت للعزيز إنّ الغلام فضحني فاحبسه، وقصدها أن يطول السجن لعله ي! اعد ما على ما أرادت، وهو معنى قوله حتى تبصر. قوله:(أي أدخل يوسف السجن واتفق ثخ) اضار بقوله اتفق إلى أنّ الدخول ليس باختيار لهم، وبقوله حينئذ إلى أنّ مع تدل على! صحبه، والمقارنة لفاعل الفعل في ابتداء تلبسه بالفعل، ونقض هذا بقوله تعالى:{وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} إذ ليس إسلامها مقارناً لابتداء إسلام سليمان، وأجيب بأنّ ذلك يحمل على التخصيص للصارف الدال عليه، ولذا قال الزمخشريّ في قوله تعالى {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أنه لا يصح تعلقه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معا حدّ السعي، ولا بالسعي لأنّ صلة المصدر لا قتقدّم عليه فبقي أن يكون بياناً كأنه لما قال فلما بلغ السعي أي الحد الذي يقدر فيه على السعي عيل مع من فقال مع أبيه فمع هاهنا جار على الحقيقة حال من فاعل دخل، وفيد للفعل فيكون حكرثها مع حدوث الفعل، ويحمل على الحقيقة إذ لا صارف عنها، وقيل عليه أنه لا تتعين المعية في الفعل للفاعل فجاز أن يراد أسلمت لله، ولرسوله وتقديم مع للإشعار بأنها كانت تظن أنها كانت على دين في عبادة الشمس، وان حمل على معية الفاعل لم يكن بد من محذوف نحو صع بلوغ دعوته أو إظهار معجزته لأنّ الفرق بين المعية ومطلق الجمع معلوم بالضرورة،
وتابعه على ذلك الفأضل المحشي، والفرق بين الفعل الممتدّ كالإسلام، وغيره كالدخول بانّ الأوّل لا يقتضي مقارنتهما في ابتدائه بخلاف الثاني راجع إلى الجمع، وليس من المعية في شيء على أنه حينئذ لا يحتاج إلى تأويل في السعي فتأمّل، وشرابيه منسوب إلى الشراب أي ساقيه، ويسمانه بمعنى يجعلان السم في طعامه، وشرابه، وقوله حكاية حاله ماضية، وأصله رأيت في المنام، وكون العنب يؤول إلى كونه خمرا ظاهر لكن الذي يؤول إليه ماؤه لا جرمه، ومثله لا يضر لأنه المقصود منه فما عداه غير منظور إليه فليس فيه تجوزان بالنظر إلى المتعارف فيه، وقيل العنب يسمى خمراً في لغة، وقوله تنهس فيه بالمهملة والمعجمة أي تأخذ منه، وتقضم بمقدم الفم، وفعله على مثال مغ كما في التحبير، وقوله من عبيد الملك أي الملك الأعظم وهو الريان حكى أنّ بعض أهل مصر ضمن لهما مالاً على أن يسماه في طعامه، وشرابه فأجاباه، ثم إنّ الساقي لم يفعله، وفعله الخباز فلما حضر الطعام قال الساقي للملك لا تأكل منه فإنه مسموم فقال الخباز لا تشرب فإنّ شاربه مسموم فقال الملك للساقرلأ اشرب فشرب، ولم يضره، وقال للخباز كل فأبى فجرّب في داية فهلكت فأمر بسجنهما. قوله- (من الذين يحسنون قأويل الرؤيا العلمهم بذلك إذ عبر لبعضهم رؤياه أو المراد من العالمين كما في قولهم قيمة المرء ما يحسن أي يعلم أو المراد بالإحسان إلى أهل السجن لأنه كان يعود المريض منهم، ويجمع للمحتاج ما يقوم به منهم، وقوله إن كنت تعرفه لأنّ قولهما نراك من المحسنين فراسة فتناسب التعليق بالشرط لأنهما لم يتيقناه. قوله: (أي بتأويل ما قصصتما علئ الخ) فالمراد بالتأويل تعبير الرؤيا لكنه يقتضي أن يكون الطعام المرزوق ما رأياه في النوم، ولا يخفى ما فيه ولذا لم يتعرّض لهذا في الكشاف فتامّله. قوله:(بيان ماهيته وكيفيتة فإنه يشبه تفسير المشكل الخ) فالمراد بالطعام ما يبعث إلى أهل السجن، وتأويله ذكر ما هو بأن يقول يأتيكما طعام كيت، وكيت فيجدانه كذلك، وقوله فانه يشبه الخ. إشارة إلى أنّ حقيقة التأويل تفسير الألفاظ المراد منها خلاف ظاهرها ببيان المراد فإطلاقه على تعيين ما سيأتي من الطعام مجاز ففيه استعارة، ومشاكلة محسنة لها. قوله:(كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد الخ) بيان لارتباط الجواب بالسؤال فإنهما سألاه تعبير رؤياهما فذكر لهما إخباره بالمغيبات، وما ذهب إليه من التوحيد، وعرضه عليهما، ثم أتى بالجواب فكان غير
مطابق ظاهرا فبين أنه أراد أن يعرض عليهما التوحيد لاقتراضه عليه، وجعل العلم بما ذكر مقدّمة له ووسيلة لتخليصه لما أراد كالتخلصات المعروفة عندهم أي كأنّ يوسف عليه الصلاة والسلام أراد بقوله هذا الذي قدّمه
على جواب سؤالهما. قوله: (أن يسعف إلى ما سألاه) أي يساعد، وهو يتعدى بالباء فعداه بإلى لتضمينه معنى التوجه، والقصد إليه. قوله:(أي ذلك التأويل) المراد بالتأوبل كشفه عن الطعام قبل مجيته لأنه لما ذكره لهما قالا له هذا كهانة أي سحراً وتنجيم أي استخراج له بما علم من علم النجوم فقال لا بل هو مما علمني الله بوحيه، والهامه. قوله:(تعليل لما قبله الخ) أي هذه الجملة مسوقة لبيان علة تعليم الله له بالوحي، والإلهام أي خصني بذلك لترك الكفر، وسلوك طريق آبائي المرسلين، وقوله أو كلام مبتدأ أي مستأنف أي الجملة الأولى ذكرت تمهيداً للدعوة، والثانية إظهاراً لما ذكر لتقوى الرغبة فيه، وقوله والوثوق عليه ضمنه معنى الاعتماد، ولذا عداه بعلى دون الباء أي الاعتماد عليه. قوله:(وتكرير الضمير للدلالة على اختصاصهم) أي تكريرهم مع إمكان أداء المعنى بقوله، وبالآخرة كافرون أو الاكتفاء بذكره مرّة واحدة يريد أنّ ضمير الفصل، وهو الثاني بناء على مذهب الزمخشري من عدم اشتراط تعريف الخبر معه لتخصيص الكفر بهم دون الكنعانيين، والأوّل لتأكيد كفرهم بتكرر الإسناد، وقال أبو حيان للدلالة على أنهم خصوصآ كافرون بالآخرة وغيرهم مؤمنون بها، وليست هم عندنا تدل على الخصوص قال المعرب لم يقل الزمخشري إن هم تدل على الخصوص، وإنما قال التكرير يدل على الخصوص، وهو معنى حسن عند أهل البيان اهـ (أقول) هذا عجيب منهما فإنّ هم إذا لم تفد تخصيصا عند أبي حيان فكيف قال إنهم خصوصاً كافرون، والتكرار إنما يفيد التأكيد فمن أين ما يفيد التخصيص فالصواب أنه من ضمير الفصل، والتقديم فإن قلت قول القاضي تعليل أو كلام مبتدأ وقول المعرب إنه على الوجهين لا محل للجملة ما وجهه قلت التعليل استئناف بيانيّ إلا أنّ عبارة المصنف رحمه الله تعالى مغلقة فاعرفه، وقوله إني تركت أي أظهرت الترك فلا يلزم اتصافه بذلك. قوله:(ما صح لنا معشر الأنبياء (خصه بهم مع أنه لا يصح من غيرهم أيضا لأنه يثبت بالطريق الأولى أو المراد نفي الوقوع منهم لعصمتهم، وقوله أيّ شيء كان يعني أنّ من زائدة في المفعول به لتأكيد العموم أي لا نشرك به شيئا من الأشياء قليلا أو حقيراً صنماً أو ملكا أو جنيا أو غير ذلك. قوله: (ذلك أي التوحيد) جعل المشار إليه التوحيد المأخوذ من
نفي صحة الشرك لقربه قال الزمخشري: ذلك التوحيد من فضل الله علينا، وعلى الناس أي على الرسل، وعلى المرسل إليهم لأنهم نبهوهم عليه، وأرشدوهيم إليه ولكن أكثر الناس المبعوث إليهم لا يشكرون فضل الله فيشركون، ولا يتنبهون، وقيل إن ذلك من فضل الله علينا لأنه نصب لنا الأدلة التي ننظر فيها ونستدلّ بها، وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس من غير تفاوت، ولكن أكثر الناس لا ينظرون، ولا يستدلون اتباعا لإهوائهم فيبقون كافرين غير شاكرين ففضل الله على هذا عقليّ، وعلى الأوّل سمعي، وحاصله أنّ ذلك المراد به التوحيد، وكونه مبتدأ من فضل الله لأن من ابتدائية على أنّ المراد به إمّا الوحي بأقسامه أو نصب الدلائل العقلية، وانزال المعجزات الملزمة عقلاً فعلى الأوّل معنى كون أكثر المبعوث إليهم غير شاكرين أنهم غير متبعين لهم، وعلى الثاني أنهم غير ناظرين للأدلة، ولا مصدقين بالمعجزات الباهرة فتضمن ذلك جعل بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لإرشاد الكافرين، وتثبيت المؤمنين، ونصب الدلائل، واقامة المعجزة نعمة مسوقة لهم، وعدم الاتباع كفرانا بها بعد ما حق عليهم شكرها، واليه أشار المصنف بقوله كمن يكفر الخ فلا مخالفة بين كلام الشيخين فلا غبار عليه كما توهم بعض الناظرين فأثار العجاج دون قتال، ولا غنيمة. قوله:(يا ساكنيه أو صاحبئ فيه الخ) يعني جعلهما صاحبي السجن، وصاحبه الملك أو السجان إمّا على أنّ الصحبة بمعنى السكنى كما يقال أصحاب النار لملازمتهم لها أو المراد صاحبيّ فيه فجعل الظرف توسعاً مفعولاً به كسارق الليل ولما ذكر ما هو عليه من الدين القويم تلطف في الاستدلال على بطلان ما عليه قومهما من عبادة الأصنام فوصفهما بالصحبة الضرورية المقتضية للموذة، وبذل النصيحة، وان كانت تلك الصحبة كما قلت:
ماصحبة الغارياخليلي كصحبة ال! سجن والسفينة
وليس في الإضافة على الأوّل اتساع، وقيل إنها على الاتساع، وأنه أضافهما إلى السجن
دونه لكونهما كافرين، وانّ قوله أهل الدار مفعول سارق، والأصل متاع أهل الدار أو مفعول لمحذوف بتقدير احذر أهل الدار وهو وهم كما مرّ تقريره في الفاتحة. قوله: (شتى متعدّدة
متساوية الأقدا،) حمل التفرّق على معنى التعدد، وقيل المراد مختلفة الأجناس، والطبائع ففيه إشارة إلى عدم صلاحيتها للربوبية، وأمّا قوله متساوية أي في عدم النفع، واللياقة لذلك فقيل إنه بيان للواقع إذ لا دلالة للكلام عليه، وقيل إنه ماخوذ من قوله القهار، ولو قيل إنه ماخوذ من قوله ما تعبدون من دونه إلا أسماء كان أظهر، وقوله المتوحد بالألوهية حمله عليه لقوله الله فيكون توصيفه به مفيداً. قوله:(أي إلا أشياء باعتبار أسام أطلقتم الخ) قيل إنه إشارة إلى أنّ -؟ لتسمية بمعنى الإطلاق لا وضع الاسم، وانّ الأسماء عبارة عما يطلق عليها إلا أنّ قوله فكأنكم الخ. ظاهر في أنه بمعناه المتبادر منه، وإنه استعارة إلا أن يجعل الأوّل بياناً لحاصل المعنى، وفيه نظر وقوله أطلقتم عليها أي على الأشياء، وقوله من غير حجة لأنه لا يدل عليه عقل، ولا نقل فإن الإله وضع لمستحق العبادة، وما سموه ا-لهة لا دليل على استحقاقها لها، وقوله في أمر العبادة أي شأنها، وصحتها فلا تكون إلا للإله أو لمن يأمر بعبادته، وهو لا يأمر بذلك، ولا يجعله لغيره لأنه أمر أن لا تعبدوا إلا إياه، وقوله الذي بدل من الضمير. قوله:(الحق وأنتم لا تميزون هخ) إشارة إلى أنّ القيم كالمستقيم بمعنى الحق، والصواب، وقوله وأنتم لا تميزون مأخوذ من الحصر أي هو المس! كيم لا غيره مما أنتم عليه، وفوله على طريق الخطابة بفتح الخاء يعني قوله تعدّد الآلهة، وتشعبها خير أم وحدتها أمر خطابيّ لا برهاني، وقوله برهن أي استدل قال في الأساس برهن مولد، وأثبته بعض أهل اللغة، وقوله فإن استحقاق العبادة بناء على أنّ العبادة، والإلهية متحدان أو متلازمان، وقوله الذي لا يقتضي العقل غيره لأنّ معنى القويم كما قاله أبو حيان الثابت الذي دلت عليه البراهين فهم الذين ليسوا بعقلاء، ولا عقيدتهم بعلم، وقوله فيخبطون في جهالاتهم من قولهم خبط خبط عشواء. قوله: (كما كان يسقيه قبل
ويعود إلى ما كان عنيص) من منزلته عند الملك فلا تكرار فيه وقوله فقالا كذبنا بناء على أنهما قصدا تجربته، وليست رؤيا حقيقة، وقيل رأي الشرابي، والآخر تحالم. ترله.:(ولذلك وحده) أي لكونه بمفى ما يؤول إليه أمركما فإنه المقصود من االمسؤول عنه، وليسا المراد ما اتهما به من التسميم كما في الكشل!؟ فيحتاج إلى تقدير مضماف، برهو عاقبة، وقال أمركما بالخطاب جرياً على ما وقع في النظم، وقوله قطع الأمر قيل إنه مخصوص به لأنه علم بالوحي، ؤالمشهور أن الرؤيا تقع كما تعبر وسيأتي، ولذا قيل الرؤيا علي جناج طائر إذا! ى وقع، وقوله لكنهما أراد استبانة عاقبة ما لمزل بهما لا يخالف قوله كذبنا لأنهما قالاه له، ههو يكفي للنكتة مع احتمال الكذب في قولمهما " كذبنا. قوله:(الظانّ يوصف عليه الصلاة والسلام إن ذكر ذلك عن اجتهاد) بمقتضى علم التعبير، وقيل عليه أنّ قوله قضي الأمر ينافيه إلا أن يؤول بأنّ المراد أنه مقتضى علمي، وما عندي خلافه، والعلم عند الله أو يكو) حلى أالظن مستعملاً بمعنى اليقين فإنه ورد بمعنا. كثيراً، والتعبير به إرخاء " ل! ل! نان، وتأدّب مع الله، وقوله فهو ضمير يحود إلى الظانّ أي فالظانّ هو الفتى الناجي لا يوسف عليه الصلاة والسلام إلا إذا جعل الظن بمعنى اليقين، وهو المناسب للسياق، وقولها لذكر حالي أي صفتي، وعلمي بالرؤيا، وما جرى عليّ. قوله:: (فأنسى الشرابئ أن يذكره لربه الخ) قدمه لأنه المناسب لقوله الآتي، وا! ير بعد أمّة، ولأنه المناسب لذكر الفاء، ومقتضى الظاهر على الثاني العكس فإضافة ذكر للمذكور له للملابسة أو هو مضاف للمفعول بتقدير مضاف. قوله: (أو أنسى يوسف عليه الصلاة والسلام الخ) وانساء الشيطان ليس من الإغواء في شيء بل ترك الأولى بالنسبة لمقام الخواص الرافعين للأسباب من البين، وتأييد الحديث له بحسب ظلبره فلا يرد عليه أنه كلا تأييد فيه لإ، رجاع الضمير ليوسف عليه الصلاة والسلام فإنه لو عاد على الشرابيّ لكان صمدق " الحديث على حاله إذ يكون المعنى لومخليبم يقل أذكرني عند ربك ما لبث في السجن بضع سنين
بمانساء الشرابيّ ذكر ربه. قوله: (رحم الله أخي يوسف الخ)(1) هذا الحديث أخرجه المنذري، وابن أبي حاتم،
وابن مردويه بلفظ ما لبث في السجن طول ما لبث، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى يدلّ على أن لبثه في السجن اثنتا عشرة سنة، وقوله تعالى فلبث في السجن بضع سنين حينئذ لا ينافيه لأنه يكون بيانا للبثه بعد قوله للشرابيّ لا للمدة كلها لكن الذي صححوه أنّ مدة لبثه كلها سبع سنين، ولبثه بعد القول سنتان وعلى هذه الرواية قوله في قوله ليسجننه أنه مكث سبع سنين فلا منافاة بينهما كما قيل.
قوله: (والاستعانة بالعباد في كشف الشدائد الخ (إشارة إلى أنه كيف أنكر على يوسف الاستعانة بغير الله مع قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [سررة المائدة، الآية: 2] وغيره مما وقع في الأحاديث، والآيات فأشار إلى أنه أمر محمود أيضا، ولكن اللائق بخصوص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تركه. قوله: (لما دنا فرجه الخ) يعني أنّ رؤيا الملك الأعظم وهو الريان لهذه الرؤيا جعلها الله سببا لتخليصه وعلوّ منزلته الذي قدره له في علمه الأزلي، والسمان جمع سمينة، وهي الممتلئة لحما وشحماً وضدها العجاف جمع عجفاء بمعنى مهزولة، وقوله قد انعقد حبها لأن الخضرة قد تكون قبل الانعقاد، وهو غير مناسب للمقام. قوله:) وسبعاً أخر يابسات) تصريح بكونها سبعأ كالخضر فيكون العدد محذوفا لقيام القرينة عليه قال في الكشاف فإن قلت هل في الآية دليل على أنّ السنبلات اليابسة كانت سبعاً كالخضر قلت الكلام مبنيّ على انصبابه إلى هذا العدد في البفرات السمان والعجاف، والسنابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الآخر السبع، ويكون قوله، وأخر يابسات بمعنى وسبعا أخر فإن قلت هل يجوز أن يعطف قوله، وأخر يابسات على سنبلات خضر فيكون مجرور المحل قلت يؤذي إلى تدافع، وهو أنّ عطفها على سنبلات خضر يقتضي أن تدخل في حكمها فتكون معها مميزاً للسبع المذكورة، ولفظ الآخر يقتضي أن تكون غير السبع بيانه أنك تقول عندي سبعة رجال قيام، وقعود بالجرّ فيصح لأنك ميزت السبعة برجال موصوفين بالقيام، والقعود على أنّ بعضهم قيام، وبعضهم قعود فلو قلت عنده سبعة رجال قيام وآخرين قعود تدافع ففسد، وهو كلام حسن، وتوضيحه أمّا الأوّل فلأنه يلزم من وصف التمييز وصف المميز، ولا يلزم من وصف
المميز وصف التمييز فإذا قلت عندي أربعة رجال حسان بالجرّ معناه أربعة من الرجال الحسان فيلزم حسن الأربعة لأنهم بعض الرجال الحسان فإن رفعت حسان فمعناه أربعة من الرجال حسان فليس فيه وصف الرجال بالحسن، والثاني معناه أنّ أسماء العدد لا تضاف إلى الصفات إلا في الضرورة، وإنما يجاء بها تابعة لأسماء العدد وورد عليه أصحاب، وفرسان فأجاب عنه بأنهما جريا مجرى الجوامد، والثالث أنه إنما امتنع ضخام ونحوه لأنه لا يعلم موصوفه بخلاف ما في الآية الكريمة، ولذا لم يصرّح به والرابع أنه وصف سبع بعجاف ولم يضف إليه لأن العدد لا يضاف للصفة كما تقدم. قوله:(قد أدركت) أي نضجت، وقوله فالتوت أي التفت عليها حتى علين عليها أي عصرنها حتى أذهبنها ولم يبق منها شيء كما أكلت السمان العجاف، واليه أشار بقوله، وإنما استغنى عن بيان حالها أي من عددها، واذهابها للخضر لأنه يعلم من البقرات، وحالها لأنها نظيرتها. قوله:(وأجرى السمان على المميز الخ) المميز الأوّل بلفظ اسم الفاعل، والثاني بوزن اسم المفعول، وحاصله أنه جعل الوصف للتمييز دون العدد المميز فلم يقل سمانا بالنصب لأنّ وصف تمييزه وصف له معنى لكن الفارق المرجح لما في النظم مع تساويهما في المعنى أنه إذا وصف التمييز به كان التمييز بالنوع، وأذا وصف المميز به كان التمييز بالجنس ولا شك أنّ الأوّل أولى، وأبلغ لاشتمال النوع على الجنس فهو أزيد في رفع الإبهام المقصود من التمييز وقوله لأنّ التمييز بها أي لأنّ كمال التمييز حاصل بها. قوله:(ووصف السبع الثاني بالعجاف لتعذر التمييز بها مجرّدا عن الموصوف فإنه لبيان الجنس) يعني لم يقل سبع عجاف بالإضافة، وجعله صفة للتمييز المقدر على قياس ما قبله لأنّ التمييز لبيان الجنس، والحقيقة والوصف لا يدل عليه بلى على شيء ماله حال وصفة فلذا ذكروا أنّ التمييز يكون باسم الجنس الجامد، ولا يكون بالوصف المشتق في فصيح الكلام فتقول عندي ثلاثة قرشيون، ولا تقول قرشيين بالإضافة، واعترض! عليه بأنّ الأصل في العدد
التمييز بالإضافة فإذا وصف السبع فلا بد من تقدير المضاف إليه وكل واحد من الوصف وتقدير المضاف إليه خلاف الأصل أمّا إذا أضيف كانت الصفة قائمة مقام الموصوف فقولنا سبع عجاف في قوّة قولنا سبع بقرات عجاف فالتمييز المطلوب حاصل بالإضافة إلى الصفة لقيامها مقام الموصوف ولا يجوز سبع بقرات عجاف، ويجوز سبع عجاف، وإنما لم يضف لأنه قائم مقام البقرات، وهي موصوفة بعجاف فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو غير فصيح، وقيل هب أنّ الأصل في العدد التمييز بالإضافة لكن لما سبق ذكر سبع بقرات سمان تبين أنّ السبع العجاف بقرات فهذا السبع مميز بما تقدم فقد حصل التمييز بالإضافة فلو أضيف إلى العجاف لكان العجاف قائما مقام البقرات في التمييز فيكون التمييز بالوصف، وهو خلاف الأصل وافا أنّ
السبع قائم مقام البقرات فإنما يكون إذا وصف بالعجاف أما إذا أضيف بكون العجاف قائمة مقام البقرات فلا يلزم إضافة الموصوف إلى الصفة، وفيه تأمّل فقوله وصف السبع يعني لم يضف إليه، وقوله مجرّدا عن الموصوف، وهو بقرات للاستغناء عنه وقوله فإنه لبيان الجنس مر تقييد.. قوله:(وقياسه صف الخ) أي القياس فيه ذلك كحمراء، وحمر لكنه حمل على سمان لأئه نقيضه، ومن دأبهم حمل ا! نقيض كما يحمل النظير على النظير، والعجف شذة الهزال. قوله: " ن كنتم عالمين بعبارة الوؤيا) أي بتفسيرها، وت! ويلها، ومنه إطلاق العبارة على اللفظ لدلالته على المعنى، وتفسيره له، وقوله عبروها بالتشديد جرى على المشهور، وان كان الفصيح خلافه كما سياتي، ولما كان! من العبور، وهو المجاوزة بين المناسبة بينهما بأنّ فيها انتقالاً، وعبوراً من الصور الخيالية الى المعاتي النفسانية كما مرّ تحقيقه قال الراغب: أصل العبر تجاوز صن حال إلى حال، وأمّا العبور فصختص بتجاوز الماء إمّا بسباحة أو في سفينة أو على بعير أو قنطرة، ومنه عبر النهر لجانبه، وقيل عابر سبيل، وأمّا العبارة فهي مختصة بالكلام العابر من لسان المتكلم إلى سمع السامع. قوله:(وعبرت الرؤيا عبارة أثبت من عيرتها تعبيرا) يعني ال! تخفيف أقوى، وأعرف عند أهل اللغة من التشديد، وكذا المعروف عابر لا معبر ق! ل الزحخشريّ عبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات، ورأيتهم ينكرون عبرت بالتشديد، والتعبير، والمعبر وقد حرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الإعراب، وهو: رأيت رؤيا ثم عبرتها وكنت للأحلام عبارا
قال هما لغتان جمعهما الشاعر، ونقله المبرد فعلم منه أنه يقال عبر بالتخفيف وعبر بالتشديد فلا عبرة بمن أنكر التشديد لكن التخفيف لغة القرآن الفصيحة، وقل من ذكر. من أهل اللغة. قوله: (واللام للبيان أو لتقوية العامل الخ الما كان عبر متعدياً بنفسه، 1 وقد اقترن هنا باللام أوّله بثلاثة أوجه الأوّل أنه ليس صلة له بل هو متعلق بمحذوف، والمقصود به البيان كأنه لما قيل تعبرون قيل لأيّ شيء قاك للرّؤيا كما في سقيا لك لكن تقديم البيان على المبين لا يخلو من شيء، والثاني أنه لتقدمه ضعف عامله فزيدت فيه لام التقوية وهي تدخل على المعمول إذا تقدم وعلى معمول غير الفعل إذا تأخر كما قرّره النحاة أو ضمن معنى فعل قاصر، والانتداب افتعال من ندبه للأمر، إذا دعاه فافتدب له أي أجاب فهو مطاوع له. قوله: (أي هذه
أضغاث أحلام الخ) ني الكشاف أضغاث أحلام تخاليطها، وأبطيلها، وما يكبرن منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان، وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات، وحزم الواحد ضغث فاستعيرت لذلك والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام، والمعنى هي أضغاث أحلام، وأوردوا عليه أنّ الأضغاث إذا استعيرت للأحلام الباطلة، والأحلام مذكرة، ولفظ هي المقدر عبارة عن رؤيا مخصوصة فقد ذكر المستعار له، والمستعار وهو مانع من الاستعارة على الصحيح عندهم، ولنا في تقريره وجهان الأوّل أنه يريد أنّ حقيقة الأضغاث أخلاط النبات فشبه به التخاليط، والأباطيل مطلقاً سواء كانت أحلاما أو غيرها ويشهد له قول الصحاح، والأساس وضغث الحديث خلطه، ثم أريد هنا بواسطة الإضافة أباطيل مخصوصة فطرفا الاستعارة أخلاط النبات، والأباطيل الملفقات فالأحلام، رؤيا الملك خارجان عنهما فلا
يضرّ ذكرهما كما إذا قلت رأيت أسد قريش فهو قرينة أو تجريد فقوله تخاليطها تفسير له بعد التخصيص وقوله فاستعيرت لذلك إشارة إلى التخاليط الثاني أنّ الأضغاث استعيرت للتخاليط الواقعة في الرؤيا الواحدة فهو أجزاؤها لا عينها فالمستعار منه حزم النبات، والمستعار له أجزاء الرؤيا فهذا كما إذا استعرت الورد للخدّ ثم قلت شممت ورد هند مثلاً فلا يقال إنه ذكر فيه الطرفان قال في الفرائد: أضغاث الأحلام مستعارة لما ذكر، وهي تخاليطها، وأباطيلها، وهي قد تحقق في رؤيا واحدة، وقد وقع للشراح، وأرباب الحواشي هنا أجوبة غير منتجة منها أنّ المراد بالاستعارة معناها اللغوي فلا يضرّ كونه من قبيل لجين الماء، وهو مع تعسفه: يردّه قوله في الأساس، ومن المجاز أضغاث أحلام، وهو ما التبس منها، وضغث الحديث خلطه لأنّ المتبادر منه المجاز المتعارف وإن كان يطلقه على غيره فيه، ومنها أنّ الأحلام وان تخصصت بالباطلة فالمراد بها هنا مطلق المنامات والمستعار له الأحلام الباطلة، وهي مخصوصة، والمذكور هنا المطلق وليس أحد طرفيها قال العلامة فإن قلت شرط الاستعارة أن لا يكون المشبه مذكورا، ولا في حكم المذكور، والتقدير كما ذكرت هي أضغاث أحلام فلا يكون استعارة قلت هذه والاستعارة ليست استعارة أضغاث الأحلام للمنامات بل استعارة الأضغاث لأباطيل المنامات، وتخاليطها، وهي غير مذكورة، والحلم بضم اللام، وسكونها والرؤيا بمعنى واحد، وهو ما يراه النائم في النوم هذا بحسب الأمر الأعمّ كما في أضغاث أحلام فإنّ المراد بها المنامات أعم من أن تكون باطلة أولا إذ الأضغاث هي الأباطيل مضافة إلى الأحلام بمعنى من، وقد تخصص! الرؤيا بالمنام الحق، والحلم بالمنام الباطل اهـ، وهذا وان سلم أنّ ذكر المشبه بأمر أعم لا ينافي الاستعارة لا تسلم صحته هنا لأنّ المبتدأ المقدّر رؤيا مخصوصة فقد وقع فيما فرّ منه على أنّ إضافة ة العام إلى الخاص لا تخلو من الكدر، إذ المعهود عكسها فإن أراد أنّ الضمير راجع إلى الرؤيا من غير اعتبار كونها مخلطة، وباطلة كما قالوه في نهاره صائم إذا جعلا مجازا من أنّ ذكر الطرفين مطلقاً لا ينافي الاستعارة بل إذا كان
على وجه ينبئ عن التشبيه سواء كان بالحمل كزيد أسد أو الإضمافة كلجين الماء على أنّ المشبه هنا هو شخص صائم مطلقا، والضمير لفلان من غير اعتبار كونه صائماً وهو محل كلام لكن العلامة في تفسير قوله في مقام أمين في سورة الدخان أشار إلى أنّ ذكر الأعم لا ينافي الاستعارة فانظره، وقد أورد على المصنف رحمه الله ما أورد على الزمخشري، وأجاب عنه المحشي بما ذكر ففيه ما فيه. قوله:(وإنما جمعوا للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان (في الكشاف أنه كما يقال فلان يركب الخيل، ويلبس عمائم الخز لمن لا يركب إلا فرسا واحداً، وما له إلا عمامة فردة تزيدا في الوصف فهؤلاء أيضاً تزيدوا في وصف الحلم بالبطلان فجعلوه أضغاث أحلام، وأباطيل، وفي الفرائد لما كانت أضغاث الأحلام مستعارة لما ذكر، وهي تخاليطها وأباطيلها، وهي قد تتحقق في رؤيا واحدة إذا كانت مركبة من أشياء كل واحد منها حلم فكانت أحلاما فلا افتقار إلى ما ذكره من التكلف، وهو كلام واه وان استحسنه الشارح الطيبي نعم ليس هذا من إطلاق الجمع على الواحد لوجود ذلك في هذا الجنس إذ الإضافة على معنى من، وقد أشار إليه صاحب الكشف في سورة آل عمران، واعلم أنّ الرضي قال في شرح الشافية إن جمع القلة ليس بأصل في الجمع لأنه لا يذكر إلا حيث يراد بيان القلة فلا يستعمل لمجرّد الجمعية، والجنسية كما يستعمل له جمع الكثرة يقال فلان حسن الثياب في معنى حسن الثوب، ولا يحسن حسن الأثواب، وكم عندك من الثوب أو من الثياب، ولا يحسن من الأثواب أص، وقد ذكره الشريف رحمه الله في شرح المفتاح، وهو مخالف لما ذكروه هنا فتأمّله، وقوله أو لتضمنه أشياء مختلفة يعني أنّ الأضغاث بمعنى التخاليط، وهي تقع في الرؤيا الواحدة، وأضافها للأحلام لا على أنها أحلام حتى يلزم إطلاق الجمع على الواحد بل على أنها من جنسها، وهذا ما ذكره صاحب الفرائد. قوله: (يريدون بالأحلام المنامات الباطلة) الرؤيا، والحلم عبارة عما يراه النائم لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير، والشيء الحسن وغلب الحلم على خلافه كما في الآية " وفي الحديث الرؤبا من الله والحلم من الشيطان " قال التوربشتي
الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا، والتفريق من الاصطلاحات التي ستها
الشارع للفصل بين الحق، والباطل كأنه كره أن يسمى ما كان من الله، وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح منها لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان لأنّ أصل الكلمة لم تستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له وفي كتاب الأحكام للجصاص هذه الرؤيا كانت صحيحة لا أضغاثاً لتعبير يوسف عليه الصلاة والسلام لها بالخصب، والجدب، وهذا يبطل قول من يقول إن الرؤيا تقع على أوّل ما تعبر به لأنهم قالوا إنها أضغاث أحلام، ولم تكن كذلك فدل على فساد القول بأنها على جناح طائر إذا فسرت وقعت اهـ، وفيه نظر لما رواه أبو داود، وابن ماجه عن أبي رزين:" الرؤيا على جناج طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ولا تقصها إلا على واذ أو ذي رأي " اهـ فتفسيره بما ذكر لأنه مخصوص به في عرف الشرع، وقيل لما كان المناسب لما تقدم في الجواب أن يقال، وما نحن بتأويل الأضغاث بعالمين حتى يكون عذراً لهم في جهلهم بتأويلها كأنه قيل هذه رؤيا باطلة، وكل رؤيا كذلك لا يعلم تأويلها أي لا تأويل لها حتى نعلمه على حذ قوله:
علي لا حب لا يهتدي بمناره
حمل تعريف الأحلام على العهد، وقوله كأنه مقدمة أي كبرى للقياس الذي ذكرناه، ولم يجعله للجنس كما في الكشاف حتى يكون المعنى على نفي علمهم بتأويل المنامات لئلا يضيع قوله أضغاث أحلام إذ لا دخل له في ألعذر إلا أن يقال المقصود إزالة خوف الملك من تلك الرؤيا وقد يجعل هذا جوابا مستقلاً، والحاصل أنه يحتمل أن يكون نفيا للعلم بالرؤيا مطلقأ، وأن يكون نفيا للعلم بتأويل الأضغاث منها خاصة. قوله: (وتذكر يوسف عليه الصلاة والسلام بعد جماعة من الزمان الخ (يعني أنّ أمة بلفظها المعروف بمعنى مذة، وطائفة من الزمان، وان غلب استعماله في الناس، وقرأ العقيلي أمة بكسر الهمزة، وتشديد الميم، ومعناها نعمة بعد نعمة، وهو خلاصه من القتل، والسجن، وانعام ملكه عليه كقوله:
ثم بعدالفلاح والملك والأفة وارتهم هناك القبور
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما، وغيره أمه بفتح الهمزة والميم المخففة وهاء منونة من
الأمة، وهو النسيان وروي عن مجاهد وعكرمة في هذه سكون الميم فلا عبرة بمن أنكرها. قوله:. (والجملة اعتراض) أقي / جمملة وادّكر أي تذكر، وهذا هو الظاهر، وجوّز فيها الحالية بتقدير قد والعطف على الصلة، وتذكره ليوسف عليه الصلاة والصلام تذكر علمه بالرؤيا أو ما وصاه به من قوله اذكرني عند ربك، وقيل إنه لم يذكره مخافة عليه لدينه، وهو مخالف للظاهر، وهذا مناسب لأحد الوجهين في قوله فأنساه الشيطان كما مرّ. قوله:(أنا أنبئكم بتأويله) أي / أخبركم بمن عنده تأويله أو أثلكم عليه أو أخبركم إذا سألته عنه، وقوله وعرف صدقه هذا يدل على أنهما لم يكذبا على يوسف في منامهما، وأنهما كذبا في قولهما كذبنا إن ثبت، ولا يقال صديق إلا لمن شوهد منه الصدق مراراً لأنه صيغة مبالغة، وقوله أفتنا في سبع الخ. لم يغير لفظ الملك لأنّ التعبير يكون على وفقه كما بينوه، وقوله إذ قيل الخ تعليل للوجه الثاني، وقوله تأويلها الخ الأوّل يناسب الوجه الأوّل في تفسير تذكره، والثاني الثاني، ومكانك مجاز بمعنى قدرك،، ورفعتك عند الله. قوله:) وإنما لم يبت الكلام) أي لم يقطع به بل قال لعلي، ولعلهم لما ذكر، واخترم بصيغة المجهول من اخترمه الموت إذا قطع عمره مفاجأة، وقوله جازماً من الرجوع أي واثقا منه، وقيل إنه لما رأى عجز الناس خاف عجزه أيضاً وعدم وثوقه بعلمهم إمّا لعدم فهمهم أو لعدم اعتمادهم. قوله:(أي على عادتكم المستمرّة الخ) أصل معنى الدأب التعب، ويكنى به عن العادة المستمرّة لأنها تنشأ من مدإومة العمل اللازم له التعب فهو إمّ حال بمعنى دائبين أو ذوي دأب، وأفرد لأنّ المصدر الأصل فيه الأفراد أو مفعول مطلق لفعل مقدر، وجملته حالية أيضا. قوله:(وقيل تزرعون أمر الخ) وفي نسخة قيل بدون الواو، والظاهر الأوّل لأنه عطف على ما قبله بحمسب المعنى لأنه في قوّة، وهو خبر، وعلى هذه فهو مستأنف، ولا بعد فيه أيضا، والدال على أنه خبر لفظا، ومعنى قوله على عادتكم الخ فإن المعتاد لا يحتاج إلى الأمر به، وقائله الزمخشريّ، ووجه المبالغة فيه
أنه بولغ في إيجاب إيجاده حتى كأنه وقع وأخبر عنه، وأيده بأنّ قوله فذروه يناسب كون الأوّل أمراً مثله قيل يعني
أنّ الفاء جوابية فينبعي أن يكون تزرعونلأ في! معنى الأمر حتى يكون خما، حصدتم جواباً له، وه! ووهم منه لأنّ عبارة الكشاف، والدليل على كونه في معنى الأمر قوله فذروه، وما حصدتم جمله شرطية لا يصح أن تكون جوابا للأمر، وكون الأمر الغير الصريح يكون له جوإب مصدر بالفاء لا وجه له، ووجه تمريضه أنه لا يناسب المقام، وكونه تعبيرا للرّؤيا الدالة على وقوع الخصب بالزراعة، والأمر بتركه في سنبله لا يدل على أنّ تزرعون بمعنى ازرعوا ابل تزرعون إخبار بالغيب عما يكون منهم من توالي الزرع سبع ستين، وأمّا ذروه فأمر لهم بما ينبغي أدط يفعلوه، وهم يزرعون على عادتهم من غير حاجة إلى الأمر بخلاف تركه في سنبله فإنه غير معتاد. قوله:(وهو على الأوّل نصيحة خارجة عن العباوة) أي على كونه خبرا هو زائد على تأويله للرّؤيا لنصحهم، وبيان ما يليق بهم، وفيه إشارة إلى دخع ما تمسك به الزمخشريّ من. أنه لو لم يؤوّل بالأمر لزم عطف الإنشاء على الخبر لأنّ ما إمّا شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط، وعلى كل حال فلكون الجزاء أمراً تكون الجملة إنثائية معطوفة على الخبرية بأنها ليست من جملة التعبير بل جملة مستانفة لنصحهم أو هي جواب شرط مقدر أي إن زرعتم فما حصدتم الخ. مع احتماله للعكس بأن يكون ذروه بمعنى تذرونه، وأبرز في صورة الأمر لأنه بإرشاده فكأنه أمرهم به مع أنه يعارضه قوله، ثم يأتي فإنه يقتضي عدم تأويله، وفيه نظر لأنه يقتضي أنّ الشرطية التي جوابها إنشائيّ إنشائية، وهو غير مسلم. قوله:(خارجة الخ) قيل، وعلى الثاني؟ غير خارجة عنها فإنّ أكل السبع العجاف السبع السمان، وغلبة السنبلات اليابسات الخضر دال على أنهم يأكلون في السنين المجدية ما حصل في السنين المخصبة، وطريق بقائه تعلموه من يوسف عليه الصلاة والسلام فبقي لهم في تلك المدّة، وقيل إنه على التقدير الثاني قوله تزرعون بمعنى ازرعوا خارج عن العبارة أيضا، والتحقيق ما في الكشف من أن تزرعون على ظاهره لأنه تاويل للمنام بدليل قوله يأتي، وقوله فما حصدتم فذروه اعترإض اهتماما منه بشأنهم قبل تتميم التأويل وفيه ما يؤكد السابق، واللاحق فهو يامرهم بما فيه صلاحهم، وهذا هو الذي يلائم النظم المعجز اهـ. قوله:(فأسند إليهق على المجاز تطبيقا الخ) يعني لما عبر البقرات بالسنين نسب اكل إلى السنين كما رأى في الواقعة البقرات ياكلن حتى يحصل التطابق بين المعبر، وهو المرئيّ في المنام، والمعبر به، وهو تأويله ولا يتعين المجاز لأنه يؤكل فيها فيكون كقوله:{النَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67] الجواز أن يكون مشاكلة حينئذ، وقوله سبع شداد أي سبع سنين حذف التمييز لدلالة الأوّل عليه. قوله: (تحرزون لبذور الزراعة (البزر بالزاي، والبذر بالذال بمعنى كما في العين، وهو الحب الذي يجعل في الأرض لينبت وفرق ابن دريد
بينهما على ما في المجمل فقال البذر في البقول والبزر خلافه وجمعه بزور. قوله: (يمطرون (بصيغة المجهول من الثلاثي أو المزيد وكون المزيد في العذاب ليس بكليّ، وقوله من الغيث فهو ثلاثيّ يائيّ، ومنه قول الإعرابية غثنا ما شئنا وقول بعضهم أذى البراغيث إذا البراغيث، وإذا كان من الغوث فهو واويّ ربافي. قوله: (ما يعصر كالعنب والزيتون الخ) يعني أنه من العصر بمعناه المعروف فهو إمّا عصر الثمار التي من شأنها أن تعصر وترك مفعوله يدلط على شموله، وعمومه، ولذا قدّر المصنف رحمه الله مفعوله بقوله ما يعصر أو هو بمعنى الحلب لأنّ فيه عصر الضرع ليخرج الدز، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي لأنه الذي خاطبه وما عداه غيب وكذا ما قبله من قوله يغاث الناس فكان الظاهر تعصر، ولم يذكر الالتفات في قوله تزرعون مع أنّ الظاهر أنه التفات أيضا لكنه جرى على أنه ليس التفاتا لأنه لما أشركهم معه في التكلم في قوله أفتنا جعلهم حاضرين فجرى الخطاب على ظاهره من غير التفات، وهو المناسب. قوله: (وقرئ على بناء المفعول من عصره إذا أنجاه (أي ينجيهم الله والعصر يرد بمعنى النجاة ومنه قوله:
لوبغيرالماءحلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري
واذا كان المبنيّ للفاعل منه فهو بمعنى ينجي بعضهم بعضاً، ومنه خبريكون لا المبني
على أنّ اسمها ضمير راجع
إلى يعصرون لما فيه من التكلف، وقوله يغيثهم الله معنى يغاث الناس، ويغيث بعضهم بعضاً معنى، وفيه يعصرون على البناء للفاعل فيكون كل منهما للإغاثة، والتغاير بينهما بما ذكر، ويحتمل أن يكون الأوّل من الغيث بفتح ياء يغيثهم في عبارته، وقيل يغيثهم الله تفسير للمبنيّ للمفعول، وما بعده تفسير للمبنيّ للفاعل.
قوله:) أو من أعصرت السحابة عليهم) أي حان وقت عصر الرياج لها لتمطر فعلى صلتها كما في عصرت الليمون على الطعام فحذفت على، وأوصل الفعل بنفسه أو تضمن معنى مطر فيتعدّى، وقد ذكره الجوهرقي في معنى عصر، وظاهره أنه موضوع له فلا يحتاج إلى التضمين عليه، وقوله معنى المطر بسكون الطاء مصدر مطره. قوله: (ولعله علم ذلك بالوحي (
إنما ذكر هذا لأنّ الرؤياً تدل على سبع مخصبة، وسبع مجدبة ولا دلالة فيها على العام الثامن، وإنما قدم كونه بالوحي لرجحانه لأنّ تفصيل ما فيه يقتضي ذلك، ولو كان جاريا على العادة أو السنة الإلهية أجمله، وحصر الجدب يقتضي تغيره بعدها بخصب ما لا على ما ذكره خصوصا إغاثة بعضهم لبعض لأنها لا تعلم إلا بالوحي، ولذلك اقتصر عليه في الكشاف. قوله:(تأنى في الخروج) أي توقف، وهو تفعل من أنى الشيء إذا جاء أوانه وزمانه، وحقيقته انتظار حينه، وأوانه وقوله لتظهر براءة ساحتة أي قبل اتصاله بالملك الداعي للحسد فلذلك اهتم بتقديمه فلا يقال هو يحصل بتأخيره أيضا. قوله:(وفيه دليل على أنه ينبغي الخ) الأوّل من صريح النظم لأنّ المبادرة إليه وتقديمه على خلاصه اجتهاد فيه، والثاني لازم له، وقال ينبغي لأنه دلالة على الوجوب فيها، ومواقعها بالعين أو الفاء. قوله:(وعن النبئ صلى الله عليه وسلم الخ) هذا الحديث أخرجه الطبراني، وابن راهويه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود رضي الله عنه، ووقع في الصحيحين مختصرا، وأوّله لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف، والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة، وبادرتهم الباب، ولما ابتغيت العذر إن كان حليماً ذا أناة قال البغوفي وصفه بالأناة، والصبر حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه الرسول بالعفو عنه مع طول سجنه بل قال ارجع الخ إقامة للحجة على ظلمه، وإنما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعا منه لا أنه لو كان مكانه بادر، وعجل، والا فحلمه صلى الله عليه وسلم، وتحمله معلوم، وقوله والله يغفر له لتوقيره، وتوقير حرمته كما يقال عفا الله عنك ما جوابك في كذا، وقيل إنه إشارة إلى ترك العزيمة بالرخصة، وهو تقديم حق نفسه على تبليغ التوحيد، وقيل إنّ ما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام صبر عظيم، وما رآه النبي صلى الله عليه وسلم رأى آخر، وهو الأخذ بالحزم، وانتهاز الفرصة فإنه ربما عن أمر منع من إخراجه فهذا تعليم للناس. قوله:(وإنما قال فاسأله ما بال النسوة الخ) يعني أنّ السؤال عن
شيء ما يهج الإنسان، ويحرّكه لاليحث عنه لأنه يأنف من جهله، وعدم علمه به، ولو قال سله ب! ن ايقتش لكان تهييجا عن الفحص عنه، وفيه جراءة عليه فربما امتنع منه، ولم يلعخت إليه، وقوله وتحقيق الحال إشارة إلى أنّ البال بمعنى الأقى، والحال، وترك ذكر امرأة العزيز تأدّباً، وتكرّماً، ولتا حملها ذلك على الاعتراف بتزامته، وبراءة ساحته، وضمّ نون النسوة تقدّم بيانه، واعلم أنّ من جرّ إليه هذا شبع الخمس النسوة، والعزيز، وامرأته، وأنّ المرتي في الوافعة سبعة أشياء، وحبسه في: السجن سبع سنين على الصحيح فكانت سنو الجدب سبعاً جزاء على سني مكثه في السجن فتنبه لذلك. قوله: (وفيه تعظيم كيدمن) قال الزمخشريّ أراد أنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لبعد غوره أو استشهد بعلبم-يمثه عالى أنهن كدنه، وأنه بريء مما قرف به أو أراد الوعيد لهن أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه فذكر وجوهاً ثلانة، والحصر من تخصيصه بالذكر لصلوحه لإفادت عند بعضهم أو من اقتضاء المقام لأنه حمله على المسمؤال، ثم أضاف علمه إلى أالله فدلّ علي عظمه، هأنّ كنهه غير مأمول الوصو! إليه لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وهذا هو الوجه، وفيه تشويق وبعث على معرفته فهو تتميم لقوله اسأله الخ. والكيد علي هذا ما كدنه به، وعلى االماني محو الاستشهاد بالله على أنهن كدنه، وأنه بريء
فيكون تذييلاً لمما حمله على التعرف ل! ميين نله ألبراءة فإنّ الله يعلم ذلك وأنه كيد منهت فيكون بريئا لا محالة و! يد يمعنى الجدل فكأنه كأنه قال الله شاهد، وعلى الثالث يحتملهما، والمراد حث الملك على ألغضب والانتقام له لي! لاعم االكلام لكنه لا يطابق كرمه فالوجه هو الأوّل، ثم الثاني كذا حقق في الكشف، وهذا مراد المصنف رحمه الله تعالى لكن الواو فيه بمعنى أو أو على ظاهرها. قوله:(قال الملك الخ) الخطب الأمر العظيم لأنه مخاطب به أو يخطب له كما في الدرّ المصون، والمراودة وحلاص لله تقدّم تحقيقهحا، وقوله تنزيه له ويلزمه تنزبه يوسف عليه الصلاة والسلام كما مرّ قحقيقه مما نقلناه عن شرح التسهيل. قوله:(ثبت واستقر الخ) الآدط صتعلق بحصحص، وحصحص معناه ظهر بعد خفاء كما قاله الخليل، وهو من الحصة أي لجانت حصة الحق من حصة الباطل، والمراد تميز، وقيل معناه ثبت من حصحص البعير إذا برك، وحص وحصحص ككف، وكفكف وحصه قطعه، ومنه الحصة، والقطع إمّا بالمباشرة أو الحكم، والمبارك بفتح الميم جمع مبرك، وهو ما يبرك به، ويلصق بالأرض، وقوله ليناخ من قولهم
أنخت الجمل أبركته، ويقال أيضا أناخ الجمل نفسه أي برك، وقال ابن الأعرابي يقال أناخ، ولا يقال ناخ، وكذا قال في الأفعال. قوله:
(فحصحص في صتم الصفاثفناته وناءبسلمى نوأة ثم صمما)
هو من قصيدة لحميد بن ثور الهلالي، والضمير المستتر في حصحص للبعير، وثفناته مباركة الخمس المعروفة وصمّ الصفا جمع أصمّ، وهو الصلب من الحجارة، والصفا الحجارة لا اسم موضع كما توهم، وقد وقع في نسخة الحصا، وناء بمعنى أثقل ونهض، والتصميم المضي في الأمر يعني أنها ركبت عليه، وقام بها ومضى في سبيله، وألف صمم للإطلاق، والإشباع والمراد تحزنه على فراق محبوبته. قوله تعالى:( {أَنَاْ رَاوَدتُّهُ} الخ (قالته بعد اعترافها تأكيدا لنزاهته، وقولها إنه لمن الصادقين اعترفت به قبل السؤال توخيا لمقابلة الاعتراف بالعفو، وقيل إنها لما تناهت في حبه لم تنال بانتهاك سترها وظهور سرّها، وقوله في قوله متعلق بمقدر أي صادق في قوله بعد جعله من الصادقين فهو إثبات له بطريق برهانيئ، ولا يتعلق بالصادقين لفساده. قوله: (قاله يوسف عليه الصلاة والسلام لما عاد إليه الرسول الخ) أي أنه من قول يوسف عليه الصلاة والسلام لا من قول امرأة العزيز، وذلك إشارة إلى التثبت، وما تلاه من القصة أجمع، ولذلك جمع الخائنين أي ذلك التثبت لظهور البراءة فتعين أنه من كلامه، وأنه فذلكة لما مرّ من طهارة ذيله، وبراءة ساحته، وفيه إيجاز أي فرجع فأنهى مقاله عليه الصلاة والسلام فأحضرهن سائلاً ما خطبكن، ورجع إليه الرسول قائلا فتش الملك عن كنه الأمر فبان له جلية الحال من عصمتك فقال عليه الصلاة والسلام " ذلك ليعلم " الخ. أي لم يكن مني خيانة، وفيه من كثرة التقدير ما يبعده، وقوله لما عاد ردّ لأنه من كلامه متصل بقوله فاسأله، وقيل إنه من قول امرأة العزيز داخل تحت قوله قالت بدليل الاتصال الصوري لا قوله إذ لم يكن حاضرا وقت سؤال الملك النسوة، وهو الذي وجهه الزمخشري. قوله: اليعلم العزيز) أي ليظهر علمه بذلك إذ كان علمه حين شهد شاهد من أهله وقيل الضمير للملك أي ليعلم الملك أني لم أخن العزيز أو لم أخن الملك لأن خيانة وزيره خيانة له. قوله:) بظهر الغيب الخ (هذا تفسير له على الوجوه، وظهر الغيب استعارة، والباء إمّا للملابسة أو للظرفية، وعلى الأوّل هو إمّا حال من الفاعل أي وأنا غائب عنه أو من المفعول أي، وهو غائب عني، وهما متلازمان،
وجوّز ابن المنير كونه حالاً منهما وفيه نظر وعلى الظرفية فهو ظرف لغو ويحتمل الحالية أيضاً. قوله: (لا ينفذه ولا يسدّده الخ) فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه، وعلى الوجه الثاني المراد لا يهدي الخائنين بسبب كيدهم فأوقع الهداية المنفية على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوّزاً للمبالغة لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى، والمراد بالفعل الهداية لأنها وان كانت منفية لكن النفي يقتضي تصوّر الإثبات، وتقديره فلا يرد أنه ليس فيه إيقاع بل نفي، وقوله بكيدهم متعلق بيهدي، وتعليل لنفي الهداية، وجوّز تعلقه بالخائنين وأنّ فيه تنبيهاً على أنه يهدي كيد من لم يقصد به الخيانة ككيد يوسف بإخوته عليهم الصلاة والسلام. قوله: (وفيه تعريض براعيل في خيانتها (أي لو كنت خائنا ما نفذ كيدي، وسدده، وأراد بكيده فحصه
عن الحال، وسماه كيداً مشاكلة كما في الكشف، وفيه نظر، وقوله وتوكيد لأمانته الخ بالواو دون أو إذ لا مانع من اجتماع التعريض، والتوكيد، وقوله تنبيها على أنه الخ وقيل فيه إشارة إلى أن عدم التعرّض لم يكن لعدم الميل الطبيعي بل لخوف الله. قوله:( {وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي} ) أي أزكيها فمعنى لم أخنه أي بفعل قبيح. قوله: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما (ذكر هذا في كثير من التفاسير فإمّا أن يراد الميل الطبيعي كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بعده أو أنه صغيرة تجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل النبوّة، وقوله قال له جبريل عليه الصلاة والسلام أو ملك آخر. قوله: (من حيث إنها بالطبع مائلة الخ (يعني الأمر مجاز عن الهمّ أي القصد، والعزم الذي يتبعه استعمال القوى، والجوارج غالبا، وهو إشارة لوجه الشبه فإنّ في الأمر استعمالاً لها بالقول، وفي الهمّ استعمال لها بالحمل عليه، وكونه في كل الأوقات مأخوذ من صيغة المبالغة. قوله: (كل الأوقات) إشارة إلى أنه استثناء من أعنم الأوقات، وما ظرفية مصدرية زمانية فهو منصوب على الظرفية لا على الاستثناء كما توهم لكن فيه التفريغ في الإثبات أي هي أمّارة بالسوء في كل الأوقات إلا في وقت مخصوص، وهو وقت رحمة الله. قوله: (أو إلا ما رحمه الله فالاستثناء من النفس أو من الضمير المستتر في إمارة أو من مفعوله المحذوف أي أمّ رة صاحبها إلا ما رحمه الله، وفيه وقوع ما على ما يعقل، وهو خلاف الظاهر، ولذا أخره وقوله من النفوس ظاهر في الأوّل، وأورد على الوجه الأوّل أن المعنى حينئذ كل نفس أمّارة بالسوء في كل الأوقات إلا وقت رحمته، والمقصود إخراج نفس
يوسف، وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا يلزم دخولها في أكثر الأوقات إلا أن يحمل على ما قبل النبوّة بناء على جوازه قبلها أو المراد جنس النفس لا كل واحدة (قلث (أمّا الأخير فغير ظاهر لأنّ الاستثناء معيار العموم، ولا يرد ما ذكر رأساً لأنّ المراد هضم النوع البشري اعترافاً بالعجز لولا العصمة على أن وقت الرحمة قد يعم العمر كله لبعضهم فتأقله. قوله:) ولكن رحمة ربي الخ) فكل نفس آمرة بالسوء أي تهمّ به سواء كان مع العزم والتصميم كما في أكثر الناس أو بدونه كما في المعصومين، وقد أشرنا لتحقيق ذلك قبيله. قوله:(والمستثنى نفس يوسف عليه الصلاة والسلام (هذا من جملة المحكي، وهو على المعنى الثاني، وأمّا على الأوّل فنفس راعيل، والمراد الوقت الذي تابت فيه، وقوله عن ابن كثير في رواية البزي، ونافع في رواية قالون. قوله: (يغفر هنم النفس (أي إن كان ذنبا وهو ناظر إلى كونه من كلام يوسف عليه الصلاة والسلام، وكذا قوله يرحم من يشاء بالعصمة، وفيه إشارة إلى أنها محض لطف من الله تعالى، وقوله أو يغفر للمستغفر ناظر لكونه من قول راعيل أو عام للأقوال. قوله:) وقال الملك ائتوني الخ) قال أوّلاً ائتوني به لأجل الرؤيا فلما تبين حاله طلب أن يجعله خالصا لنفسه مختصاً به فلما كلمه أكرمه بقوله إنك اليوم لدينا مكين أمين، وفاعل كلمه ضمير الملك أو يوسف عليه الصلاة والسلام، وقوله فلما أتوا الخ يشير إلى أن في الكلام إيجازاً لاقتضائه ما ذكر، والدهاء بفتح الدال المهملة، والمد كثرة العقل وجودة سرعة الرأي، وجددا بضمتين جمع جديد كسرير، وسرور وقوله من خيره أي خير الملك، وقوله سلم عليه قيل إنه سلم عليه بالعبرية فقال له ما ذكر، وقوله فكلمه بها أي بالسبعين، وقوله فأجلسه أي بعد قص الرؤيا، وتأويلها وقيل كان قبله، وأمّا جعله على خزائن الأرض فقيل كان بعد سنة إذ لم يعلقه بمشيئة الله، وقوله وقيل توفي الخ، وعلى الأوّل ظاهره أنه جعله ملكاً مكانه وقيل عزل قطفير، وجعله مكانه، ولما كان من أذى جاره أورثه الله داره أورثه الله منصبه، وزوجته،
وتزوّج راعيل على الفور بناء على أنه لم تكن العدة من دينهم، وقال القرطبي: إنه بعد مدة طويلة. قوله: (وقيل توفي قطفير الخ) قال ابن المنير في تفسيره وكان قطفير عنيناً وجمالها فاتنا فكان يصانعها على عنته مع جمالها الفاتن، ومن العجب ما رواه القصاص أنها كانت عذراء، وكذا وجدها يوسف عليه الصلاة والسلام عندما أعيد إليها شبابها وتزوّجها بسابقة الكتاب انتهى، وفيه إشارة إلى رد قول إنها عادت شابة بكرأ إكراما له بعدما كانت ثيباً. قوله:) ولني أمرها) إشارة إلى أن على متعلقة بمسؤول مقدر قيل إنه لما كلمه، وعبر رؤياه قال له ما ترى أيها الصديق قال تزرع في سني الخصب زرعا كثيرأ فإنك لو زرعت فيها على حجر نبت
وتبنى الخزائن، وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنون بعتها فيحصل مال عظيم فقال له من لي بهذا قال اجعلني على خزائن الأرض، وتحل بكسر الجيم بمعنى تعظم، وقوله إذا علم قيد لطلب التولية، والتولي من الكافر، ومثله السلطان الجائر جائز، وهو المذكور في كتب الفقه، وقوله وعن مجاهد فلا يكون فيه دليل على ذلك. قوله:(وكذلك مكنا الخ (التمكين إمّا من المكنة بمعنى القدرة أو من المكان يقال مكنه ومكن له، والمعنى مثل ذلك التمكين، والأقدار في نفس الملك أو السلطنة أعطيناه القدرة في أرض! مصر أو كما جعلنا لمحبته مكاناً في طلب الملك جعلنا له مقرّآ فيها أو ومثل ذلك الأنعام بتقريبه، وانجائه وجملة يتبوّأ حال من يوسف عليه الصلاة والسلام، ومنها متعلق بيتبوّأ وحيث ظرف له، وقيل مفعول به، وقيل حال وضمير يشاء ليوسف عليه الصلاة والسلام، ويجوز أن يكون لله ففيه التفات، وعلى قراءة ابن كثير لله. قوله: (في الدنيا والآخرة) عممه، وهو الظاهر لقول سفيان المؤمن يثاب على حسناته في
الدنيا، والآخرة والكافر يعجل له الخير في الدنيا، وتلا هذه الآية كذا قيل، ولا دلالة في كلام سفيان رحمه الله عليه لأنه مأخوذ من مجموع الآية، ولذا ذكره الزمخشريّ أيضا، وكذا عمم في الدّي بعده بقوله عاجلا، وآجلا والزمخشريّ خصه بالدنيا ليكون ما بعده مصرحا فيه بأجر الآخرة فيكون تأسيساً، وأمّا ذكر المتقين فتخصيصهم بالخيرية لا بالأجر مطلقا، وقيل التخصيص بالذكر لا يقتضي الاختصاص فما قيل إنه لا داعي له لا داعي له، وقوله لعظمه، ودوامه متعلق بقوله خير، وقوله برقابهم بأن يملكهم، وهو مما كان يصح في شرعهم وقوله فأعتقهم، والحكمة إظهار قدرته وكرمه، وانقيادهم بعد ذلك لأمره حتى يخلص إيمانهم، ويتبعوه فيما يأمرهم به فلا يقال ما الفائدة في تحصيل ذلك المال العظيم، ثم إضاعته، والميرة بكسر الميم، وسكون الياء التحتية، والراء المهملة طعام يمتاره الإنسان أي يجلبه من بلد إلى بلد أخرى، وكنعان بلاد معروفة سميت باسم بانيها، وهو من أولاد نوح عليه الصلاة والسلام كما مرّ في سورة هود وذكره توطئة لما بعده من تفسير الآية. قوله:(أي عرفهم يوسف عليه الصلاة والسلام ولم يعرفوه لطول العهد) أي إنّ يوسف يرو عرفهم من غير تعرف لعدم المانع منه كما كان لهم لأنهم لم يعرفوه لهذه الأمور، وقال الحسن رحمه الله ما عرفهم يوسف حتى تعرّفوا له، وقد كان كثير الفحص عنهم، وهم لم يعرفوه لأنه عليه الصلاة والسلام أوقفهم موقف ذي الحاجات بعيداً منه، وكلمهم بالواسطة، ولم يكتف بطول العهد لاشتراكه معهم فيه، وقوله ونسيانهم إياه قيل الأظهر أن يقول، ولم يعرفوه لنسيانهم إياه بطول العهد، ويجعل النسيان معللاً بطول العهد وما عطف عليه، والأمر فيه سهل. قوله: (أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لآجله (قال الراغب: الجهاز ما يعد من متاع وغيره والتجهيز حمل ذلك وبعثه، وضرب البعير بجهازه إذ ألقاه في رحله، والركائب جمع ركاب أو ركوبة، وهي الإبل المعذة للحمل، والركوب، والوقر بالكسر الحمل الثقيل، والجهاز الذي جاؤوا له الطعام والميرة، والجهاز بالفتح، والكسر للميت، والعروس، والمشافر ما يحتاج إليه. قوله: (ائتوني بأخ لكم (لم يقل بأخيكم تنكراً منهم فكأنه لا يعرفه، ولو أضافه اقتضى معرفته لإشعار الإضافة به، وقوله روي الخ. قيل يضعفه بهت إخوته بجعلهم جواسيس فلعله بوحي، والعيون جمع
عين وهو الجاسوس، وقوله فاقترعوا أي فعلوا القرعة ليتعين من خرجت له لكونه رهينة، ولم يقل في شمعون، وكان أحسنهم رأيا كما في الكشاف لأنه ينافي قوله سابقا إن يهوذا أحسنهم رأيا، وان وفق بينهما، ومراده من ذكر الرواية بيان سبب طلبه لأخيه منهم، وما فسر به ائتوني بأخ الآية تغ فيه الزمخشري وغيره، وقال ابن المنير رحمه الله تعالى إنه غير صحيح لأنه إذا ظنهم جواسيس كيف يطلب منهم واحداً من إخوتهم، وما في النظم يخالفه، وأطال فيه، وليس بشيء لأنهم لما قالوا له أنهم أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام طلب أخاهم، وبه يتضح الحال. قوله:) ألا ترون الخ) تحريض لهم على الإتيان به وقوله فلا كيل أي في المرة الأخرى إيعاد لهم على عدم الإتيان به، وللضيف متعلق بالمنزلين والنزل الضيافة، وقوله ولا تقربوني إشارة إلى أن الياء محذوفة، والنون نون الوقاية، وأنّ المراد منه عدم
دخول دياره، وقوله معطوف على الجزاء يحتمل عوده إلى الثاني فعلى الأوّل يكون مستأنفا لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر، ويحتمل عوده إليهما، والعطف مغتفر فيه لأنّ النهي يقع جزاء، وأمّا كونه نفيا بمعنى النهي فخلاف الظاهر، ولا داعي حينئذ لحذف نونه فلذا لم يذكره المصنف رحمه الله تعالى، وان ذكره في الكشاف وقوله سنجتهد الخ لما مرّ بيانه. قوله:) ذلك لا نتوانى قيه) يعني مفعوله ذلك، وهو إشارة إلى المراودة المفهومة من الفعلى أو الإتيان به فيكون ترقيا إلى الوعد بتحصيله بعد المراودة، وعبروا بالفاعل الدالّ على تحققه لأنه كما في الكشاف فسر بأنا لقادرون عليه لا نتعايا به أو إنا لفاعلون ذلك لا محالة لا نفزط فيه ولا نتوانى يعني أنه إفا للحال فيكون بمعنى القدرة لأنهم ليسوا بمراودين في الحال، ولا نتعايا بمعنى لا نعجز، وامّا بمعنى الاستفبال فيكون تأكيدأ للوعد، وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتملهما، ومنهم من خصه بالثاني، وقيل إن قوله وقال لفتيته قبل تجهيزهم ففيه تقديم، وتأخير ولا حاجة إليه، وقوله جمع فتى أي جمع قلة، وقد مرّ أنه قيل إنه اسم جمع. قوله: اليوافق قوله اجعلوا الخ)
لأنّ الرحال جمع كثرة، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد فينبغي أن يكون مقابله صيغة جمع الكثرة، وهم كانوا أحد عشر أو اثني عشر وعلى القراءة الأولى يستعار أحد الجمعين للاخر، وأدما بضم الهمزة، وفتحها جمع أدم، وهو الجلد المدبوغ. قوله:(وإنما فعل ذلك ثوسيعاً الخ) أي جعل بضاعتهم في رحالهم لما ذكر، وقيل لأنّ ديانتهم تحملهم على العود ليعطوا ثمن ما أخذوه أوّلاً لاحتمال أنه لم يقع قصداً أو قصدا للتجربة، ويؤيده ما بعده. قوله:(لعلهم يعرفون حق ردّها) يعني إن أبقى لعل على ظاهرها ففي الكلام مضاف مقدر، وهو حق ردّها بخلاف ما إذا جعل بمعنى لكي فإنه حينئذ لا يحتاج إلى تقدير فإنّ المقصود من وضعها في الرحال أن يعرفوها ويعودوا لردّها. قوله:(لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع) إشارة إلى أنّ هذا مسبب عما قبله وأنّ رجوعهم بسبب معرفتها أو معرفة حق رذها، وأنه وكل ذلك إلى فهم السامع، وقيل رجع هنا متعد والمعنى يرجعونها أي يردّونها. قوله:(حكم بمنعه بعد هذا الخ الما رجعوا إلى أبيهم بادروا إلى الشروع في طلب إرسال أخيهم معهم، وأوّل منع بحكم مجازا لا كناية لأنه لم يقع، والحكم بقوله لا كيل لكم، وقيل إنه على حقيقته، وأنّ المراد منع من أن يكال لأخيهم الغائب حمل آخر ورد بعيره غير محمل بناء على رواية أنه لم يعط له، وسقا بدليل قراءة يكتل بالتحتية. قوله: (نرفع المانع من الكيل ونكتل الخ) قيل إنه يريد أنه جاء بآخر الجزاءين مرتبا دلالة على أوّلهما مبالغة، وقيل إن هذا جواب الأمر فوضع موضع نكتل لأنه لما علق المنع على الكيل بعدم إتيان أخيهم كان إرساله رفعا لذلك المانع فوضعه موضع نكتل لأنه المقصود، ووزن نكتل نفتل، وأصله نكتيل بوزن نفتعل، ولذا خطئ المازني رحمه الله لما سئل عنه فقال وزنه نفعل. قوله:(على إسناده إلى الأخ الني) في الكشاف قرئ يكتل بمعنى يكتل أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا أو يكن سببا للاكتيال فإن امتناعه بسببه يعني أنه يحتمل أن يراد اكتيال الأخ فيكون حقيقة، وأن يراد مطلق الاكتيال فيكون إسناده إلى الأخ مجازاً لأنه سببه كذا قال الشارح العلامة رحمه الله تعالى وتبعه من أرجع عبارة المصنف رحمه الله تعالى إلى الوجهين، وكأنّ نسخته أو يكتل بعطفه بأو
الفاصلة لا بأي التفسيرية، وعلى النسخة الثانية قيل إن كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى الردّ على من قال المراد على هذه القراءة اكتيال الأخ فقط لأنّ اكتيالهم ملحوظ أيضاً كيف لا وقد قال يوسف عليه الصلاة والسلام فلا كيل لكم، وقالوا لأييهم عليه الصلاة والسلام منع منا الكيل ولم يذكر ما في الكشاف من المجاز لأت- يلزمه ترك ذكر اكتياله لنفسه، وأمّا على قراءة النون فيدخل ذلك فيه، وليس بشيء لأنه سبب لتمام الكيل أو لمجموعه فيدخل فيه على كل حال، وقد عرفت من أين نثأ كلامه فتأمّل. قوله:(هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم) حال اً ونعت مصدر محذوف شبه ائتمانه على هذا بائتمانه على ذاك، وآمنكم بالمد، وفتح الميم ورنجع النون مضارع من باب علم وآمنه، وأتمنه بمعنى
والاستفهام إنكاري في معنى النفي، ولذا وقع بعده الاستثناء المفرغ، ولم يصرّح بالمنع لما فيه من المصلحة بل فوّض! أمره إلى الله، ولذا روي أنّ الله تعالى قال: وعزتي وجلالي لآرذهما عليك إذ توكلت علئ وقوله: وقد قلتم يحتمل دخوله في التشبيه لأنهم قالوا ذلك له في حقهما.
قوله:) وانتصاب حفظا على التمييز الخ) حافظا مبتدأ، ونصبه على الحكاية، ويحتمله أي التمييز خبره، والحال بالنصب معطوف على مفعول يحتمل وقوله كقوله مثال للتمييز، واعترض على الحالية بأنّ فيه تقييد الخبرية بهذه الحال ورد بأنها حال لازمة مؤكدة لا مبينة، ومثلها كثير مع أنه قول بالمفهوم، وهو غير معتبر، ولو اعتبر ورد على التمييز، وفيه نظر وقراءة خير حافظ بالإضافة قراءة الأعمش، وقراءة رذت بكسر الراء بنقل حركة الدال إليها كما في قيل ونحوه من المعتل وقوله ماذا نطلب فما استفهامية مفعول مقدم لنبغي وقوله هل من مزيد إشارة إلى أن الاستفهام في معنى النفي أي لا مزيد على ما فعل لأنه أكرمنا، وأحسن مثوانا بإنزالنا عنده ورذ الثمن علينا والقصد إلى استنزاله عن رأيه. قوله:(أو لا نطلب وراء ذلك الخ) يعني ما إما استفهامية، ونبغي بمعنى نريد ونطلب أو نافية، ونبغي بهذا المعنى أيضاً ومفعوله محذوف، وقوله وراء بمعنى غير مجازاً أو هو من البغي بمعنى مجاوزة الحدّ، وبقال بغى عليه إذا كذب، والمراد لا نكذب، وقيل المعنى ما نطلب بضاعة أخرى. قوله:(ولا نتزيد فيما حكينا لك)
مضارع من التزيد على وزن التفعل، وفي نسخة لا نزيد على أنه مصدر منه مبنيّ مع لا، والمعنى لا نكذب قال أبو علي يقال تزيد في الحديث إذا كذب فما قيل إنه لا احتمال لكذبهم رأسا، ولذا نفي الزيادة لا وجه له، وقوله أي شيء فما استفهامية، وجوّز فيها أن تكون تامّة على هذه القراءة أيضا. قوله:) استئناف موضح لقوله ما نبغي) أي على جميع المعاني السابقة في قوله ما نبغي، وإنما الكلام فيما بعده. قوله:(معطوف على محذوف الخ (أي هو، وما بعده لا على جملة ما نبغي لاختلافهما خبرية، وانشائية مع عدم الجامع، والمعطوف عليه تقديره هذه بضاعتنا نستظهر بها أي نستعين، ونتقوّى بها على معاشنا، وقيل عليه أنّ الاستفهام هنا راجع إلى النفي، واجتماع هذين القولين في الوجود واتحاد القائل، والغرض، وهو استنزال يعقوب عليه الصلاة والسلام عن رأيه يكفي للجامعية، ووسق بفتح فسكون بمعنى ما يحمله، وعن الخليل رحمه الله الوسق حمل البعير والوقر حمل البغل والحمار، ولعله أغلبيّ، وقوله باستصحاب أخينا لأنه كان يعطي لكل واحد وسقاً كما مرّ. قوله: (هـ! ذا إذا كانت) أي ما استفهامية، وهذا إشارة إلى تعين العطف على محذوف، وقوله احتمل ذلك أي العطف على محذوف وهو جار فيما إذا كان البغي بمعنى الطلب أو الكذب، وقوله لا نبغي فيما نقول الخ يعني اجتمع أسباب الأذن في الإرسال، وما ينبغي كالتمهيد والمقدمة للبواقي، والتناسب من حيث تشارك الكل في توقف المطلوب عليها بوجه ما مصحح للعطف مع أن الاجتماع في القولية كاف، واعترض على المصنف رحمه الله تعالى بأن كلامه يشعر باختصاص العطف على ما نبغي بكونه بمعنى الكذب، ولا وجه له، وعلى كونه بمعنى الكذب جملة، وغير تذييلية اعتراضية كقوله فلان ينطق بالحق، والحق أبلج هذا محصل ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وقرّره من كتب عليه، والذي في الكشاف فإن قلت هذا إذا فسرت البغي بالطلب، وأما إذا فسرته بالكذب، والتزيد في القول كانت الجملة الأولى، وهي قوله هذه بضاعتنا الخ بيانا لصدقهم، وانتفاء التزيد عن قيلهم فما تصنع بالجمل البواقي قلت أعطفها على قوله ما نبغي على معنى لا نبغي فيما نقول،. وغير أهلنا، ونفعل كيت وكيت، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ كقولك وينبغي أن نمير أهلنا كما تقول سعيت في حاجة فلان، واجتهدت في تحصيل غرضه، ويجب أن أسعى، وينبغي لي أن لا أقصر، ويجوز أن يراد ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيرنا مع أخينا، ثم قالوا هذه بضاعتنا نستظهر بها، وغير أهلنا ونفعل، ونصنع بيانا لأنهم لا يبغون في رأيهم، وأنهم مصيبون فيه، وهو وجه حسن واضح اهـ وهو دائر
على جعله بمعنى الطلب والكذب، وكون هذه الجمل بيانا أو غير بيان، ولا تعلق له بالنفي والاستفهام الذي ذكر. المصنف، ولذا قال العلامة في شرحه: تقدير السؤال إن قوله ما نبغي إذا فسر بلا نطلب شيئا زائداً
على ما حصل لنا فمن الظاهر أنّ الجمل المذكورة بعده بيان له، وأفا قوله:{نَمِيرُ أَهْلَنَا} الخ. فما موقعها فأجاب بثلاثة أجوبة، وتحرير الجواب الأخير أنهم كما تكلموا في فضل الملك، واحسانة تكلموا في تجهيزهم مع أخيهم وتلك الجمل إنما لا تصلح أن تكون بيانا لقولهم ما نبغي بمعنى لا نكذب لو كان المراد به الصدق في فضل الملك أمّا إذا أريد به الصدق في التجهيز صحت لبيانه، وهو ظاهر اهـ فبين الكلامين بون بعيد، والشراح لم يوضحوه وهو محل نظر، وتأمّل فتدبره. قوله:(استقلوا ما كيل لهم فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك الخ) يعني أنه من كلام الأخوة لاتصاله بما حكي عنهم، والكيل مصدر بمعنى المكيل، والمراد به ما كيل لهم أوّلاً أي أنه غير كاف لنا فلا بد لنا من الرجوع مرة أخرى، وأخذ مثل ذلك مع زيادة، ولا يكون ذلك بدون استصحاب أخينا أو الإشارة إلى كيل البعير الزائد على مكيلهم، وأنّ يوسف عليه الصلاة والسلام لا يأباه أو هو من كلام يعقوب عليه الصلاة والسلام، وذلك إشارة إلى الكيل الزائد كما مرّ نظيره في قوله ذلك ليعلم لكن على هذا كان الظاهر تقديمه، وذكره مع مقوله أو تأخيره عن قوله قال ولكونه خلاف الظاهر أخره المصنف رحمه الله تعالى قيل، ولو قال ويزدادوا بالواو ليكون مع ما قبله وجها واحداً كان أحسن واستقلال عشرة أحمال، وتكثيرها بحمل واحد بعيد، وليس بشيء، وقوله جواب القسم أي الذي تضمنه الكلام ولداً قرن باللام قوله:(حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله) يعني أنّ الموثق مصدر ميمي بمعنى المفعول، وقوله عهداً الخ يعني الحلف بالله بدليل قوله لتأتنني به فإنه جواب قسم مضمر أي تحلفون به وتقولون، والله لنأتينك به. قوله: (1 لا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك الخ (يعني أنه استعارة كقولهم أحيط بفلان إذا قرب هلاكه، وأصله من أحاط به العدوّ إذا سذ عليه مسالك النجاة، ودنا هلاكه فقيل كل من هلك أو غلب أحيط به، وأوفى كلام المصنف للتقسيم، والتنويع أي إلا أن لا تقدروا على الدفع، وذلك إمّا بالغلبة التامّة أو الهلاك، والأوّل تفسير قتادة، والثاني تفسير مجاهد، والمصنف رحمه الله تعالى جمع بينهما لأنّ المراد منهما عدم القدرة على الدفع فلا يرد عليه أنه يلزم على الثاني كونهم خائنين إذ لم يأتوا به من غير أن يهلكوا جميعاً، وأنه لا وجه للقسم بهذا مع احتمال أن يغلبوا فلا يأتوا به،
وان لم يهلكوا فالوجه هو الأول. قوله: (وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال الخ (قال أبو البقاء وردّ بأنّ المصدر من أن والفعل لا يقع موقع الحال كالمصدر الصريح فيجوز جئتك ركضاً أي راكضا ولا يجوز جئتك أن أركض وان كان في تأويله لأنّ الحال يلزمها التنكير، وأن مع ما في حيزها معرفة في رتبة المضمر ورد بأنه ليس مراده بالحال الحال المصطلح يعني أنه أراد في كل حال إلا في حال الإتيان وهذا أيضا مبنيئ على جواز نصب المصدر المؤوّل على الظرفية كالصريح في نحو أتيتك خفوق النجم، وصياج الديك، وللنحاة فيه خلاف فهو أهون الشرّين، وفيه تأمّل. قوله: (أو من أعم العلل على أن قوله لتأتنني به في تأويل النفي الخ (أورد عليه أن ظاهره أنّ الاستثناء إذا كان من أعمّ الأحوال لا يحتاج إلى تأويله بالنفي مع أنه استثناء مفرغ، وهو لا يكون في الإثبات أيضا إلا إذا صح، وظهر إرادة العموم في الإثبات نحو قرأت إلا يوم الجمعة لا مكان القراءة في كل يوم غير الجمعة، وهو هنا غير صحيح لأنه لا يمكن لإخوة يوسف عليه الصلاة والسلام أن يأتوا ببنيامين في كل وقت وعلى كل حال سوى وقت الإحاطة بهم لظهور أنهم لا يأتون به له، وهو في الطريق أو في مصر وقد دفع بما لا يجدي، وقد يقال إنه من هذا القبيل، وأن العموم والاستغراق فيه عرفيئ أي في كل حال يتصوّر الإتيان فيها أو يقال إنّ قوله في تأويل النفي قيد لما قبله من الوجهين، وتصويره في الوجه الأخير لقربه لا لاختصاصه به فذكر أحدهما ليقاس عليه الآخر. قوله:) كقولهم أقسمت بالله إلا فعلت) قال ابن هشام إذا وقع بعد الأفعل تصيد من لفظه اسم يكون هو المستثنى في المعنى فقال سيبويه مصدر، وقال المبرد اسم مشتق والأوّل أولى لقوّة دلالة الفعل على مصدره بالاشتقاق فإن كان قبل إلا نفي ظاهر فالكلام على ظاهره، وإن كان إثباتا أوّل بالنفي لأنه استثناء مفرغ من متعلق الفعل العامّ إمّا من مفعوله العائم أو من أحواله المقدّرة، والمفرغ لا يكون إلا بعد النفي ليفيد مثال الأوّل ما يقوم
زيد إلا ضحك، وما يقوم إلا بكى تقديره عند سيبويه رحمه الله ما يقوم على حال إلا الضحك، وعند المبرد ما يقوم إلا ضاحكا والمعنى عليهما واحد، ومثال الثاني نشدتك الله إلا فعلت، وأقسمت عليك إلا فعلت أي ما أطلب إلا فعلك، وما أسألك إلا فعلك لأن نشد بمعنى سأل وطلب، ومثله في تأويله بالنفي لتأتنني به إلا أن يحاط بكم أي لا تمتنعن من الإتيان به لعلة من العلل إلا لعلة الإحاطة أو في كل زمان إلا زمان الإحاطة فهو استثناء من عام إمّ عام في العلل أو الأزمان أو الأحوال، والاستثناء الذي هو كذلك لا يكون إلا في النفي لفظاً أو حكما، وقال ابن يعيش إنما جاز وتوع فعلت في قولك أنشدك الله إلا فعلت من حيث كان دالاً على مصدره كأنهم قالوا ما أسألك إلا فعلك، ونظيره قوله:
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو
إذ أوقع الفعل موقع المصدر لدلالته عليه، وعلل الأخفش وقوع الفعل بعدا لا بأنه كلام
في معنى الشرط فأشبه الشرط فلذا وقع بعده الفعل ألا ترى أنّ معنى لا يصيبهم ظمأ إلا كتب لهم إن أصابهم ذلك كتب لهم. قوله: (رقيب مطلع) فسره به لأنّ الموكل بالأمر يراقبه، ويحفظ، والمراد مجاز عليه، وقوله لأنهم الخ تعليل للنهي وبيان لحكمته، والأبهة بضم الهمزة، وتشديد الباء المفتوحة بمعنى المهابة، والرواء ولا يناسب تفسيرها بالكبر هنا، وإنما ضم اشتهارهم لذلك توطئة لما سيأتي من تخصيص التوصية بالمرّة الثانية، وكوكبة بمعنى جماعة أي مجتمعين، ويعانوا مجهول من عانه إذا أصابه بالعين كركبه إذا أصاب ركبته. قوله:(ولعله لم يوصهم في الكرّة الأولى لأنهم كانوا مجهولين الخ) قيل عليه إن تعبيره بلعل يقتضي أنه من بنات أفكاره مع أنه مسبوق بالوجه الأوّل، وكونه بالنظر إلى الوجه الثاني بعيد، ومن تتبع كلامه وجده يعبر بلعل كثيرا فيما سبق إليه، وإنما يعبر به فيما يكون تأويلا غير منقول عن السلف تأدبا لئلا يجزم بأنه مراد الله. قوله: (وللنفس آثار منها العين الخ الو استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: " العين حق " فإنه حديث متفق عليه لكان أولى، وفيه أيضاً العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا وأخذ الجمهور بظاهره، وأنكره بعض المبتدعة وزعم بعض أهل الطبائع أنه تنبعث من عينه قوّة سمية تؤثر فيما نظره، وهل هو مجرّد تلك القوّة حتى يرد بأنّ العرض! لا يؤثر أو بأجزاء سمية لطيفة تنفصل من عينه لكنها لا ترى أو بخلق الله تعالى ذلك عند نظره من غير انفصال، واختلف هل يجب على العائن أن يغتسل بماء، ثم يعطي الماء للمعيون ليغتسل به كما فصله في نهاية الحديث فقال المأزري يجب، ويجير عليه لظاهر الحديث، ولأنه جرّب وعلم أنّ البرأ به ففيه تخليص من الهلاك كإطعام المضطر، وفي شرح مسلم عن القاضي أنه ينبغي للإمام منعه من مخالطة الناس، ولزوم بيته فإن كان فقيراً رزقه من بيت المال ما يكفيه، وله تفصيل في كتاب الروح، وقوله منها العين الخ العين هنا بالمعنى المصدري، وهو مصدر عانه يعينه عيناً إذا أصابه بنظره، وقال الإمام تأثير النفس مبنيّ على قواعد الفلسفة فإنهم قالوا ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات
المحسوسة من الحرارة، والرطوبة، وضدهما بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا ألا ترى الإنسان يمشي على خشبة غير عريضة فإذا ارتفعت لا يقدر على ذلك، وأنه إذا غضب أو خاف سخن بدنه فإذا جاز أن يتأثر بدنه لم يبعد تعدي أثره للغير، وقال الجاحظ: إنّ العين بانفصال أجزاء سمية من عينه تتصل بما استحسنه لأنه يطلب إزالة ما يستحسن به كما قاله البلخي: قيل وهو منظور فيه، والحق عند أهل السنة أنه لا تأثير للعين حقيقة بل المؤثر إنما هو الله عند رؤية ذلك المستحسن، ولا مانع من كون فعل الله مبنياً على أسباب خلقها في العين فقوله إنّ المصنف رحمه الله تعالى تبع الفلاسفة غير مسلم. قوله:) في عوذته الخ) العوذة بضم العين، وبالذال المعجمة كالرقية لفظاً، ومعنى وهذا الحديث رواه البخاري وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: " أعيذكما بكلمات الله التامّة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لائة، ويقول إن أباكما إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل، واسحق عليهم الصلاة والسلام " قال ابن الأثير: الهافة واحدة الهوامّ وهي الحيات، وكل ذي سمّ يقتل، وما لا يقتل، وشممّ هو السوامّ جمع سامة كالزنبور، وتطلق الهوامّ على كل
ما يدب من الحيوان، واللامة ذات اللمم وهو الضرر من ألم، ولم يقل ملمة للازدواج، والمشاكلة بهامة ويجوز أن يكون على ظاهره من لمه بمعنى جمعه أي جامعة للشرّ على المعيون. قوله:(مما قضى عليكم الخ) تفسير لقوله من الله ففيه مضاف مقدر أي قضاء الله، وقوله بما أشرت يعني قوله: ادخلوا من أبواب الخ وهو متعلق بأغنى، وقوله فإنّ الحذر هو من حديث رواه أحمد والحاكم والبزار " لا يغني حذر من قدر ". قوله:) يصيبكم لا محالة إن قضى عليكم سوءا (فاعل يصيبكم ضميريعود إلى قوله ما قضى عليكم، ويصلح أن يعود على سوءأ على التنازع فيه، وقوله ولا ينفعكم ذلك أي ما وصيتكم به فحينئذ فائدة التوصية احتمال أنه قضاء غير مبرم بل معلق بشرط ولهذا يسعى العبد، ويجتهد مع العلم بأن المقدر كائن، ويحتمل أن الأوّل جار على هذا، وقوله إن الحكم إلا لله إشارة إلى مرتبة الخواص في التفويض التام. قوله:) جمع بين الحرفين (يعني الواو والفاء، وقوله لتقدم الصلة
بيان لمصحح الجمع، وقوله للاختصاص علة للتقدّم يعني إنّ قصد الاختصاص أوجب تقديم الصلة عليه، وقد دخل عليها العاطف فلما قصد تسبب توكلهم على توكله لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقتدى بهم وجب دخول الفاء لبيان التسبب لا للعطف ولو قيل فعليه لتتوكلوا أفاد تسبب الاختصاص لا أصل التوكل، وهو المقصود وفيه نظر، وقوله كأنّ الواو الخ. اعتذار عنه بعدم توالي عاطفين في جملة، وبيان لفائدة اجتماع الحرفين، ولم يجزم به لاحتمال أن يعطف على مقدر أو أن يكون جواب شرط مقدر أو متوهم، ولا بد من القول بزيادة الفاء وافادتها السببية، ويلتزم أنّ الزائد قد يدل على معنى غير التوكيد، وفيه ما فيه. قوله:(أي من أبواب متفرّقة) فحيث للمكان، ويلزمه كونهم متفرّقين فلذا فسره الزمخشري به لا أنه جعله بمعنى الجهة كما قيل وقوله، واتباعهم له هو دخولهم متفرّقين المذكور قبله، ولذا زاده هنا ولم يذكره أوّلاً، وقد قيل إنّ العين دفعت عنهم، وهو المراد من رأيه لدفع عين الكمال فكيف قيل إنه لم يغن عنهم شيئاً، وأجيب بأنه أراد بدفع العين أنه لا يمسهم سوء ما وإنما خصت إصابة العين لظهورها، وأما ادعاء أنّ هذا من العين أيضا فقد تخلف ما أراده عن تدبيره فتكلف، والظاهر أنّ المراد أنه خشي عليهم شر العين فأصابهم شز آخر لم يخطر بباله فلم يفد دفع ما خافه شيئاً كما في المثل قد أخاف عليه لآخر، واستدل بهذه الآية على أنّ لما حرف جواب إذ لو كانت ظرفاً عمل فيها جوابها، وهو ما كان، وما النافية لا يتقدم معمول ما في حيزها عليها، ولذا قيل إنّ جوابها محذوف كامتثلوا وقضوا حاجة أبيهم، وقيل آوى جواب للما الأولى، والثانية ومن في من شيء زائدة في الفاعل أو المفعول، وسرّقوا مجهول مشذد بمعنى نسبوا للسرقة. قوله:(اسثشاء منقطع الخ) وذكر الطيبي أنه يجوز أن يكون متصلاً على حد قوله:
ولا عيب فيهم غيرأنّ سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
أي ما أغنى عنهم ما وصاهم به يعقوب عليه الصلاة والسلام شيئا إلا شفقته التي في نفسه عليهم، والشفقة لا تغني شيئا مع ما قدره الله، وجملة قضاها صفة حاجة على هذا وعلى كونه منقطعاً، ويجوز أن يكون خبر إلا لأنها بمعنى لكن وهي يكون لها اسم، وخبر فإذا أوّلت بها
قد يقدر خبرها، وقد يصرح به كما نقله الطيبي رحمه الله عن ابن الحاجب وفيه إنّ عمل الا بمعنى لكن عملها لم يقله أهل العربية، والشفقة الترحم ورقة القلب ولذا صرح باسم يعقوب عليه الصلاة والسلام لاشتهاره بالحزن، والحرازة بفتح الحاء، والراء المهملة والزاي المعجمة بمعنى الاحتراز وفسر قضاها بالإظهار والتوصية لأنه الواقع فقط. قوله: (على الطعام أو في المنزل (هما روايتان عن السلف، ولذا عطف بأو مع عدم المانع عن الجمع بينهما كما صرح به في الرواية المذكورة، وقوله أتحب الخ لم يذكر أنه صرّح به بأنه أخوه حقيقة كما روي لاختلافهم فيه فاقتصر على المتفق هنا، وقوله مثنى مثنى كما وقع في الحديث صلاة الليلى مثنى مثنى، وقد قيل فيه إنّ مثنى بمعنى اثنين وقيل بمعنى اثنين اثنين فيكون الثاني تأكيدا، وكون بنيامين وحيد الأجل أن يضمه إليه، وقوله أن أكون أخاك أراد الأخوة الحقيقية، وبنيامين حملها على غيرها لعدم علمه به، وقوله افتعال من البؤس قال
الراغب البؤس والبأس، والبأساء الثدة، والمكروه لكن البؤس كثر في الفقر والحزن، والمراد الثاني كما ذكره المصنف رحمه الله. قوله:) في حقنا الخ (أي من الحسد، وصرف وجه أبينا وتفسير تبتئس بتخف الحسد بإقبالي عليك يأباه كان ظاهراً، والمشربة بكسر الميم ما يشرب به الماء، وأما المشربة بفتح الميم فهو بمعنى الغرفة كما في شرح الكشاف، وهو القياس، وقد نقل في الأوّل الفتح لكونه محلا للماء المشروب، وقوله صاعاً أي مكيالاً والصاع يطلق عليه وعلى ما فيه، وقوله على حذف جواب فلما وقيل الواو زائدة. قوله: (ثم اذن مؤذن نادى مناد) تبع فيه الزمخشري، وأورد عليه أنّ النحاة قالوا لا يقال قام قائم لأنه لا فائدة فيه، وأجيب بأنهم أرادوا أن ذلك المنادي من شأنه الأعلام بهذا بمعنى أنه موصوف بصفة مقدرة تتم بها الفائدة أي أذن رجل معين للأذان فتأمل. قوله: (لعله لم يقله بأمر يوسف عليه الصلاة والسلام (يعني نسبة السرقة إليهم غير واقعة فهي كذب لا تليق بيوسف عليه الصلاة والسلام، ولا بالنبوة والملك، والتعبية
جعل شيء في أثقاله وأحماله، وكونه برضا بنيامين قيل عليه أنه لا يدفع ارتكاب الكذب، وإنما يدفع تأذي أخيه منه إلا أن يقال إذا تضمن لكذب مصلحة رخص فيه وأمّا سرقة يوسف عليه الصلاة والسلام لخى التأويل أي أخذتم يوسف عليه الصلاة والسلام من أبيه على وجه الخيانة كالسرّاق، واختير هذا على وجه التورية، وقيل المعنى على الاستفهام أي أئنكم لسارقون، ولا يخفى بعده فهو في عبارة المصنف رحمه الله أئنكم بهمزتين، ومن لم يعرفه اعترض بأنه مكرر لعلمه مما قبله. قوله:) والعير القافلة وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال (وأصل معنى قافلة راجعة أي طائفة راجعة من السفر فأطلقت على الذاهبة تفاؤلاً، والعير من عار بمعنى تردد اًي جاء وذهب، وهو اسم جمع للإبل لا واحد له فأطلق على أصحابها. قوله:) كقوله عليه الصلاة والسلام: " يا خيل الله اركبي "(وهو من أحسن المجاز وألطقه كما في الآية، والخيل في الأصل الإفراس، وششعمل للفرسان، والحديث الصحيح مروقي عن سعيد بن جبير وضي الله عنه وروي في سيرة ابن عائذ عن قتادة رضي الله عنه أن النبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ينادي يوم الأحزاب يا خيلى الله اركبي، وأخرجه العسكركما في الأمثال عن أن! بن حارثة بن النعمان أنه قال للنبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله لي بالشهادة فدعا له فنودي يا خيل الله اركبي فكان أوّل راكب وأؤل فارس استشهد رضي الله عنه، وفي الآية، والحديث مجاز أو تقدير لكن في الآية نظر إلى المعنى المراد بقوله: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} ولم ينظر إليه في الحديث إذ قيل اركبي دون اركبوا. قوله: (وقيل جمع عير (بفتح العين وسكون الياء، وهو الحمار، وعلى هذا أصله عير بضم العين، والياء فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم كسرت العين لثقل الياء بعد الضمة كما فعل في بيض جمع أبيض، وقوله تجوّز به لقافلة الحمير مخالف لما في الكشاف حيث قال وقيل هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير فتأمله. قوله: (أيّ شيء ضاع منكم والفقد غيبة الشيء الخ) إشارة إلى أنّ ماذا في محل نصب بتفقدون قال الراغب: الفقد عدم الشيء بعد وجوده فهو أخص من العدم فإنه يقال له، ولما لم يوجد أصلا، والتفقد والتعهد بمعنى لكن حقيقة التفقد تعزف فقدان الشيء، والتعهد تعرف العهد المقدم، وما ذكره حاصل المعتى، وماذا تقدم الكلام فيها، وقوله والفقد غيبة الشيء مخالف لما ذكرناه لكنه فسره به لأنه المناسب للحال، وجعله بمعنى الغيبة على أنه مصدر المجهول أو أريد به الحاصل بالمصدر
فلا يرد عليه أنّ الفقد العدم أو طلب ما غاب، وما ذكره المصنف رحمه الله ليس بشيء منهما، وقوله إذا وجدته فقيداً فالأفعال للوجدان، وهو أحد معانيه، وجملة أقبلوا حالية بتقدير قد. قوله:(وفرئ صاع وصوع بالفتح والضم الخ) والعين يذكر ويؤنث، وقراءة العامة، وهي التي بنى عليها المصنف رحمه ألله كلاه أوّلاً صواع بوزن غراب والعين المهملة، وقراءة ابن جبير والحسن كذلك إلا أنهما أعجماه، وقرئ صواع بكسر الصاد، وقرئ صاع ففيه ثمان قرا آت، والمتواتر منها واحدة، وهي الأولى، وقوله وصواغ من الصياغة أي قرئ بالألف والضم، والإعجام، وكذا القرا آت على الأعجام كلها من الصياغة، وعلى قراءة صوغ بالفتح فهو مصدر أريد به
المصوغ. قوله:) جعلا له (الجعل بالضم ما يعطى للشخص في مقابلة عمله، والجعالة بتثليث الجيم الشيء الذي يعطى، ومعنى لمن جاء به من دل على سارقه، وفضحه أو من أتى به مطلقا، ولو كان السارق نفسه، ويناسبه قول المصنف رحمه الله أؤذيه إلى من رذه، وهو بمهمزتين بمعنى أعطيه من الأداء، وليس فيه أنّ الرّاد له هو من علم أنه سرقة حتى يقال إنه دفع لما قيل إنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رذ السرقة فلعله جائز في ديتهم.
قوله:) وفيه دليل على جوارّ الجعالة وضمان الجعل قبل تمام العمل (استدل بهذه الآية
عاقة مشايخنا رحمهم الله على جواز تعليق الكفالة بالشروط كما في الهداية، وشروحها لأنّ مناديه علق الالتزام بالكفالة بسبب وجوب المال، وهو المجيء بصواع الملك، ونداؤه بأمر يوسف، وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا مضت من غير إنكار، وأورد عليه أمران أحدهما ما قاله بعض الشافعية من أن هذه الآية محمولة على الجعالة لمن يأتي به لا لبيان الكفالة قهو كقول من أبق عبده من جاء به فله عشرة دراهم فلا يكون كفالة لأن الكفالة إنما تكون إذا التزم عن غيره، وهنا قد التزم عن نفسه الثاني أنّ الآية متروكة الظاهر لأنّ فيها جهالة المكفول له، وهي تبطل الكفالة، وأجيب عن الأؤل بأنّ الزعم حقيقة في الكفالة، العمل بها مهما أمكن واجب فكان معناه قول المنادي للغير أنّ الملك قال لمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم فيكون ضامنا عن الملك لا عن نفسه فتتحقق حقيقة الكفالة، وعن الثاني بأنّ في الآية ذكر أمرين الكفالة مع الجهالة للمكفول له، واضافتها إلى سبب الوجوب، وعدم جواز أحدهما بدليل لا يستلزم عدم جواز الآخر، وقال السكاكي إنه كان مستأجراً والمستأجر ضامن الأجرة سواء كان أصلا أم كفيلاً، وإذا كان ضامنا عن نفسه بحكم عقد الإجارة لا يكون كفيلا إذ الكفيل معناه من يكون ضامنا عن الغير فمعنى قوله أنا به زعيم أنا ضامن الأجر بحكم الإجارة لا بحكم الكفالة، وكذا قال الجصاص في كتاب الأحكام روي عن عطاء الخراساني زعيم بمعنى كفيل فظن بعض
الناس أنّ ذلك كفالة إنسان، وليس كذلك، وذلك لأنّ قائله جعل حمل بعير أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله، وأنا به زعيم أي ضامن فألزم نفسه ضمان الأجرة لرذ الصاع، وهذا أصل في جواز قول القائل من حمل هذا المتاع لموضع كذا فله درهم، وإنه إجارة جائزة وان لم يشارط رجلا بعينه، وكذا قال محمد بن الحسن في السير الكبير وفيه دلالة على صحة هذه الإجارة وان لم يقاوله باللسان، وكان حمل البعير قدراً معلوما فلا يقال إن الإجارة لا تصح إلا بأجر معلوم فإن قلت هذا يدل على الالتزام دون اللزوم، والنزاع إنما هو فيه قلت لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى اللزوم في الجعالة بل الجواز فيها، وفي الضمان أيضاً فإن دل الضمان على لزوم ما ضمنه فهو مصرّح به في النظم لأنّ زعيم بمعنى كفيل، والكفالة ضمان فتأمّل، وفيه رذ على من قال الكفالة قبل لزوم الحق غير صحيحة. قوله:(قسم فيه معنى التعجب) أي تعجبوا من رميهم بما ذكر مع ما شاهدوه من حالهم، والتاء بدل من الباء والمشهور أنها بدل من الواو وقيل إنها أصلية، وقال الزمخشري: في غير هذا المحل الواو بدل من الباء، والتاء بدل من الواو، ويكثر استعمالها في التعجب نحو تالله تفتؤ، واختصاصها بالجلالة غير مسلم لدخولها على رلت مطلقا أو مضافا للكعبة وعلى الرحمن، وقالوا تحياتك فلعله باعتبار المقيس، واكثر. قوله:(اسش! هدوا بعلمهم على براءة أنفسهم الخ) يعني أن الكلام ليس على ظاهره باًن يحلفوا على علمهم بذلك لأنه غير معلوم لهم بل المراد بذكر علمهم الاستشهاد، وتأكيد الكلام، ولذا أجرته العرب مجرى القسم كقوله:
ولقدعلمت لتأتين منيتي إنّ المنايالاتطيش سهامها
وأنّ قوله ما كنا سارقين هو الجواب للقسم في الحقيقة لأنّ الظاهر أن حلفهم على فعلهم
لا على علم الغير وفعله فيكونون أقسموا على شيئين نفي الفساد ونفي السرقة، وقوله ما جئنا يجوز أن يكون متعلق العلم وأن يكون جواب القسم أو جواب العلم لتضمته معناه كما ذكرنا، وكعم بفتح الكاف، وسكون العين المهملة ربط فمها لئلا تعض أو تأكل وقريب منه العكم للشد، ومنه العكام وكانوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المدينة والسرق بفتح السين المهملة، وفتح الراء وكسرها، وسكونها مصدر بمعنى السرقة. قوله:) فما جزاء السارق)
جوّز في مرجع الضمير ثلاثة أوجه، وأشار إلى أنه إذا رجع للصواع، وهو الظاهر لاتحاد الضمير يحتاج إلى تقدير مضاف كسرقه، وأخذه، وإذا رجع إلى السارق لا يحتاج إلى تقدير لأنّ جزاء السارق بمعنى جزاء سرقته لأنّ الجزاء يضاف إلى الجناية، والى صاحبها مجازاً فلا وجه لما قيل إن
التخصيص بالأخير لا يظهر له وجه فتأمّل. قوله: (أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله (تفسير له على الوجو. السابقة، وقوله أخذ الخ إشارة إلى أنه لا بد من تقدير مضاف قبل من لأنّ المصدر لا يكون خبراً عن الذات، ولأنّ نفس ذاته ليست جزاء في الحقيقة، والمضاف المقدر إمّا أخذه أو استرقاقه أي جعله رقيقا، والمصنف رحمه الله تعالى جمع بينهما، وجعل الثاني تفسيراً للأوّل لأنه المراد بالأخذ إذ الأخذ بمجرّده ليس جزاء. قوله: (واسترقاقه) وفي نسخة سبيه كما في الكشاف هكذا كان شرع يعقوب عليه الصلاة والسلام، وكان دين الملك أن يأخذ ضعف ما سرقه بعد ضربه، وقوله أو خبر من عطف على قوله تقرير للحكم، وقوله هكذا بمعنى أنه استمرّ شرعه على هذا كما في قوله:
هكذايذهب الزمان ويفنى الى صلم فيه ويدرس الأثر
وتيل إنه كقولهم مثلك لا يبخل، وهو مبتدأ واسم كان ضميره، وشرع خبرها أو هو مرفوع اسمها، وهكذا خبرها، ولذا سألوهم ليلزموهم بشريعتهم. قوله:(خبر من والفاء لتضمنها معنى الشرط أو جواب لها الخ (يعني جزاؤه الأوّل مبتدأ، ومن إن كانت موصولة فهي مع صلتها خبره وقوله فهو جزاؤه لتقرير ذلك الحكم والزامه أي هو جزاؤه لا غيره كقولك حق زيد أن يكسى، وينعم عليه فذلك حقه أو فهو حقه لتقرّر ما ذكر من حقه، وذكر الفاء فيه لتفرّعه على ما قبله ادعاء، وإلا فكان الظاهر تركها لأنه تأكيد، ومنه يعلم أنّ الجملة المؤكدة قد تعطف لنكتة، وان لم يذكره أهل المعاني أو جملة هو جزاؤه خبرها، ودخلته الفاء لتضمه معنى الشرط، والجملة خبر جزاؤه أو من شرطية، والجملة المقترنة بالفاء جزاؤها، والشرط وجزاؤه خبره أيضاً وذكر في الكشاف وجها آخر هو أنّ جزاءه خبر مبتدأ محذوف تقديره المسؤول عنه جزاؤه ثم أفتوا بقوله من وجد في رحله فهو جزاؤه، ولخفائه تركه المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (كما هي) أي كما كانت في الموصولية وقوله على إقامة الظاهر، وهو جزاء الثاني مقام الضمير العائد إلى جزاء الأوّل الواقع مبتدأ، وهو دفع لما أورد عليه من أنه يلزم عليه خلوّ الجملة الخبرية عن عائد إلى المبتدأ لأنّ الضمير المذكور لمن لا له فلذا جعل الاسم الظاهر، وهو الجزاء الثاني قائما مقام الضمير لأن الربط كما يكون بالضمير يكون بالاسم الظاهر وقد قال الزجاج: إنّ الإظهار هنا أحسن من الإضمار لئلا يقع اللبس، ويتوهم أنه تأكيد أو عائد إلى غيره والعرب إذا فخمت شيئاً أعادت لفظه بعينه، وهذا المقام مقام التفخيم، والتهويل فلا يرد عليه ما في البحر من أنه لا يناسب لأنه إنما يفصح إذا كان المقام مقام تعظيم كما قاله سيبويه
رحمه الله، وقوله كأنه قيل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو كما تقول لصاحبك من أخو زيد فتقول أخوه من يقعد إلى جنبه فهو هو يرجع الضمير الأوّل إلى من، والثاني إلى الأخ، وهكذا ما نحن فيه، وقوله بالسرقة متعلق بالظالمين لا بنجزي. قوله:(فبدأ المؤذن الخ) بأوعيتهم متعلق ببدأ أي بتفتيشها ففيه تقدير مضاف، وكون الضمير للمؤذن ظاهر، وعليه فالتفتيش حيث وجدوا قبل الرذ إلى مصر، وعلى الثاني الضمير المستتر ليوسف عليه الصلاة والسلام، ولكن الظاهر أن إسناد التفتيش له مجازي، ويرجح رجوعه للمؤذن قرب سبق ذكره، ويدل على الثاني مقاولة يوسف فإنها تقتضي وقوع ذلك بعد رذه ظاهراً، وقوله وبقلبها همزة أي على الكسر فإن إبدال الوأو المكسورة همزة مطرد في لغة هذيل كوشاح وأشاج، وهذه قراءة ابن جبير وقوله مثل ذلك للإشارة إلى أنّ الإشارة لما بعده، وقد مر تحقيقه، وأنه ليس القصد فيه إلى التشبيه، وقوله نفياً للتهمة أي لتهمة أنهم دسوه فيه إذ لو بدؤوا به ربما ظن، ولا ينافي ذلك كون تأخيره عن البعض كافيا فيه، والصواع يذكر، ويؤنث، وفي الكشاف وجه آخر تركه المصنف رحمه الله تعالى لابتنائه على تعين ضمير بدأ، واستخرج ليوسف عليه الصلاة والسلام، وفيه نظر. قوله:(بان علمناه إياه وأوحينا به إليه) يعني أنّ
المكر، والكيد، والخديعة إن توهم غيرك خلاف ما تخفيه، وتريده، وهو على الله تعالى محال فهو محمول على التمثيل كان صورة صنع الله في تعليمه يوسف عليه الصلاة والسلام أن لا يحكم بحكم الملك، ويجري على سنتهم في استعباد السارق صورة الكيد إذ المقصود ليس 4ظاهره بل إيواء أخيه إليه، وهو لا يتم إلا بهذا ولما كان قوله ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك هو عين ذلك الكيد جعله تفسيراً له مع ما بعده، وقيل إنّ في الكيد إسنادين بالفحوى إلى يوسف عليه الصلاة والسلام، وبالتصريح إلى الله تعالى، والأوّل حقيقيّ والثاني مجازيّ، والمعنى فعلنا كيد يوسف أو يحتمل أن يكون مجازا لغويا، والمعنى علمناه الكيد أو دبرناه أو صنعناه له. قوله:(أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك (بأن تدين بدين يعقوب عليه الصلاة والسلام، والمراد ما كانوا يتدينون به بكون الله أذن له فيما ذكر لا بجعله من دين الملك كما توهم، ولعله كان يوحى إليه ما يطابق دينهم وإلا فالنبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجوز له العمل بما يدين به الكافر، ولذا قيل إلا أن يشاء الله المراد به التأبيد أي ما كان ليأخذه في دين الملك أبداً لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجل من الاتصاف بالحكم بدين الكفار فهذا كقوله: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَاّ أَن يَشَاء اللهُ} [سورة الأعراف، الآية: 89] . قوله: (فالاستثناء من أعئم الآحوال) أي ما كان ليأخذه في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله وقد
تقدم الكلام فيه قريبا، وتحقيقه فتذكره. قوله:(ويجوز أن يكون منقطعا) أي لكن أخذه له بمشيئة الله وإذنه، وان لم يكن على دين الملك إذ لم يخالفه فيه أحد لتخييره لهم، وعلى الأوّل فهو متصل، ومن قال يمكن اتصاله على هذا فقد وهم فتدبر، وقوله كما رفعنا درجته أي درجة يوسف عليه الصلاة والسلام، ومرتبته على إخوته، وقوله أرفع درجة منه أي أعلم مأخوذ من قوله فوق وصيغة عليم. قوله:) واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته) أي لا بصفة علم زائدة على الذات، وهم المعتزلة ومن حذا حذوهم في أنّ الصفات عين الذات كما بين في الأصول، وحاصل استدلالهم أنه لو كان له صفة علم زائدة على ذاته كان ذا علم أي صاحب علم لاتصافه به، وكل ذي علم فوقه عليم فيلزم أن يكون فوقه، واعلم منه عليم آخر، وهو باطل والجواب عنه بمنع الملازمة وأنّ المراد بكل ذي علم المخلوقات ذوي العلم العقلاء لأن الكلام في الخلق لا في الله وهذا إثبات لسند المنع وقوله ولأنّ العليم هو الله يعني أنه صيغة مبالغة معناها أعلم من كل ذي علم فتعين أنّ المراد به الله تعالى فما يقابله يلزم كونه من الخلائق لئلا يدخل فيما يقابله. قوله:(ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا فوق كل العلماء عليم وهو مخصوص (وجه آخر للتخصيص، وفيه جواب بطريق النقض بأنه لو صح ما ذكره المستدل لم يكن الله عالما لاتفاقهم معنا في صحة هذا المثال فيلزم على تسليم دليله إذا كان الله عالما أن يكون نرقه من هو أعلم منه فإن أجابوا بتخصيصه فالاية مثله، وهذا إنما يتم إذا كان هذا المثال مسلما عندهم كذا قيل، ويدفعه أنّ الزمخشري فسره بهذا، وذهب إلى ما ذكر فألزمه بهذا. قوله:) أن يسرق فقد سرق أخ له (أتوا بكلمة أن لعدم تحققهم له بمجرّد خروج السقاية من رحله، وقد وجدوا بضاعتهم قبل في رحالهم، ولم يكونوا سارقين، وأمّا قولهم إن ابنك سرق فبناء على الظاهر، ومدعي القوم، ويسرق لحكاية الحال الماضية، والمعنى إن كان سرق فليس ببدع
لسبق مثله من أخيه، والعرق نزاع، وقيل إنهم جزموا بذلك، وان لمجرّد الشرط، وقوله من أبيها يعني إسحق عليه الصلاة والسلام، والمنطقة بكسر الميم ما يتنطق به أي يشذ في الوسط، وتحضن بمعنى أنه في حضانتها عندها، ومحزومة بالحاء المهملة، والزاي المعجمة أي مشدودة، وشب بمعنى كبر وصار شاباً مستغنياً عن الحضانة، والعناق بفتح العين المهملة أنثى المعز وألقاه في الجيف أي على المزبلة، وقيل إنّ ما أعطاه السائل بيضة، وقوله فأعطى السائل أي أعطاها له، واعلم أن ما ذكر في تفسير أن يسرق تبع فيه غيره، وفي البحر لابن المنير رحمه الله أنه تكلف لا يسوغ نسبة مثله إلى بيت النبوّة بل ولا إلى أحد من الأشراف فالواجب تركه، واليه ذهب مكيّ، وفسره بعضهم بأن يسرق فقد سرق مثله من بني آدم، وذكر له نظائر في الحديث، وهو كلام حقيق بالقبول. قوله:) والضمير للإجابة أو المقالة الخ (يعني الضمير المنصوب المؤنث إمّا للمقالة أو للإجابة أي أضمر إجابتهم أو مقالتهم
في نفسه فلم يجبهم عنها، والوجهان متقاربان، والمقالة بمعنى القول أي المقول، وقيل إنه للحزازة التي حصلت له وكونه لنسبة السرقة ظاهر، والحاصل أنه راجع لما فهم من الكلام والمقام أو لما بعده، وقوله أنها أنثه باعتبار الخبر والكناية بمعنى الضمير لأنها تطلق عليه، ولو قيل المقصود أن لفظها صح لكنه رسم متصلا في النسخ، وقوله يفسرها قوله قال أنتم شرّ مكانا في الكشاف أنتم شرّ مكانا بدون قال، وبينهما فرق مع أنه على كلام الزمخشري لا يصح فيه البدلية إذ هو مقول القول، وتأنيثه باعتبار أنه كلمة وجملة، وكذا على كلام المصنف رحمه الله تعالى أيضا لأن قال ليس المراد به لفظه قطعاً فيكون جملة، دمابدال الجملة من الضمير غير صحيح، وإن كان في الإبدال من الضمير المنصوب خلاف فكلام الشيخين فلا يخلو من الخلل فكان الصواب الاقتصار على أنه ضمير مفسر بما بعده، ولولا قوله على شريطة التفسير حمل كلامه على أن جملة قال بدل من أسرّها، وقد سبق إلى هذا الزجاج وهو كلام مشوش، ولذا حكاه المصنف رحمه الله تعالى بقيل وقوله منزلة في السرقة يشير إلى أن المكان بمعنى المنزلة أي أثبت في الاتصاف بهذا الوصف، وأقوى فيه. قوله:(والمعنى قال في نفسه (فلا يكون هذا القول خطابا لهم بخلافه على الأوّل، وهو الأظهر، وقوله لسرقتكم أخاكم أي لخيانتكم في حقه المشبهة بالسرقة أي لا سرقة ثمة، وسوء الصنيع عقوق الوالد والكذب. قوله:) وفيه نظر (إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضميراً لشأن قيل ليس هذا من التفسر بالجمل في شيء حتى يعترض بأنه من خواص ضمير الشأن الواجب التصدير،! انما هو نظير:{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ} [سورة البقرة، الآية: 132] قيل وفي جعل المصنف رحمه الله تعالى قال بدلاً من أسرّ إثبات للكلام
النفسيّ وليس بذاك، وهذا أيضا غير صحيح لأنه ليس وزانه وزان هذه الآية لأنّ في تلك تفسير جملة بجملة، وهذه فيها تفسير ضمير بجملة لكن ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من اختصاصه بضمير الشأن ليس بمسلم. قوله:) وهو يعلأ أنّ الآمر ليس كما تصفون (فيه إشارة إلى أنّ أعلم ليس المراد به التفضيل، وقال أبو حيان رحمه الله معناه أعلم بما تصفون به منكم لأنه عالم بحقائق الأمور، وكيف كانت سرقة أخيه الذي أحلتم سرقته عليه فهو على ظاهره فإن قيل لم يكن فيهم علم، والتفضيل يقتضي الشركة قيل تكفي الشركة بحسب زعمهم فإنهم كانوا يدعون العلم لأنفسهم ألا ترى قولهم فقد سرق أخ له من قبل جزما. قوله:) في السن أو القدر ذكروا له حاله استعطافا (أي لأجل استعطافه وهو علة لهما لا للثاني وعطفهما بأو لأنهما معنيان متغايران وقوله ثكلان على أخيه أي حزين لفقده والثكلان بالمثلثة الحزين لفقد ولده مؤنثه ثكلى وتسميته هالكا بناء على ظنهم ذلك. قوله:) من المحسنين إلينا فأتمم إحسانك أو من المتعؤدين بالإحسان فلا تغير عادتك (قيل الفرق بين الوجهين بتخصيص الإحسان أو توجيهه إلى أصل الفعل وعلى الأوّل كأنهم قالوا أنت من المحسنين إلينا وما الأنعام إلا بالإتمام، وعلى الثاني كأنهم قالوا قد عم إحسانك الورى فلن يعدونا، ونحن إخوته ولكل ترجيح من وجه وهما حسنان، والحمل على أن الأوّل استئناف لبيان الموجب، والثاني اعتراض! لإثبات إحسانه على لعموم لا يلائم تقديرهم فتفوت المبالغة المشار إليها، وتوله فأتمم في الأوّل، وأجر في الثاني صريح في أنهما من أسلوب واحد، والتفاوت ما هديت إليه فهو اعتراض! عليهما، وهذا! ان تلقوه بالقبول فالظاهر خلافه لأن مقتضى الظاهر أنه إذا أريد بالإحسان الإحسان إليهم يكون مستأنفا لبيان ما قبله إذ أخذ البدل إحسان إليهم، وأمّا إذا أريد أن عموم ذلك من دأبك، وعادتك يكون مؤكداً لما قبله فذكر أمر عائم على سبيل التذييل، والاعتراض أنسب به فما ذكروه غير متجه. قوله:) فإن أخذ غيره ظلم الخ (لأنه على ما أفتوا به من شريعتهم يؤخذ السارق فأخذ غيره ولو برضاه ظلم، وقوله فلو أخذت الخ قدره لاقتضاء السياق له، ولأن إذا حرف جواب، وجزاء وإنما قيد الظلم بمذهبهم وشرعهم لأنه لكونه برضا منه لا ظلم فيه. قوله:) أو أنّ مراده إنّ الله أذن الخ) يعني كونه ظلما لأنّ الله أذن في خلافه لمصلحته، ورضا الله عليه فيكون ظلما في نفس الأمر وظن بعضهم أنّ هذا ابتداء كلام لا إشارة إلى المذهب لوقوع الواو في نسخته بدل أو فحرف لفظا، وتكلف ما لا معنى له، وقوله
كنت ظالما أي لنفسي،
وعلى الأؤل الظلم للغير فتأمّل. قوله: (يئسوا من يوسف الخ (أي استفعل بمعنى فعل وزيدت السين، والتاء للمبالغة أي يئسوا يأسا كاملا لأنّ المطلوب المرغوب يبالغ في تحصيله، والضمير المجرور ليوسف عليه الصلاة والسلام، وقوله واجابته إشارة إلى أن المراد باليأس منه اليأس من إجابته ويحتمل أنه إشارة إلى تقدير مضاف في الكلام، ولم يجعل الضمير لبنيامين كما قيل لأنهم لم ييأسوا منه بدليل تخلف كبيرهم لأجله، وقوله انفردوا إشارة إلى أنّ الخلوص من الناس عبارة عن الانفراد عنهم، وقول الزجاج انفرد بعضهم عن بعض فيه نظر. قوله:) متناجين (وإنما وحده لأنه مصدر كالتناجي بمعنى المشاورة، والتدبير فيما يقولون لأبيهم عليه الصلاة والسلام، وكان الظاهر جمعه لأنه حال من ضمير الجمع فوجهه بأنه مصدر بحسب الأصل أطلق على المتناجين مبالغة أو لتأويله بالمشتق، والمصدر، ولو بحسب الأصل يشمل القليل، والكثير أو لكونه على زنة المصدر لأنّ فعيلا من أبنية المصادر، وهو فعيل بمعنى مفاعل كجليس بمعنى مجال! أي مناج بعضهم لبعض فيكونون متناجين، وقوله وجمعه أنجية ذكره لأنه على خلاف القياس إذ قياسه في الوصف أفعلاء كغنيئ، وأغنياء لكنهم جمعوه على ذلك كقوله:
إني إذا ما القوم كانوا أنجيه
وهو يقوي كونه جامداً كرغيف وأرغفة وقوله وهو شمعون وقيل يهوذا، والثاني هو
الذي صرّح به في أوّل السورة ففيه اختلاف أشار إليه هنا، وقوله جعل حلفهم إشارة إلى أن المراد بالموثق اليمين لأنه يوثق به، وكونه من الله إمّا لأنه بإذنه فكأنه صدر منه أو هو من جهته فمن ابتدائية، ومن قيل هذا إشارة إلى أن قبل من الغايات المبنية على الضم لحذف المضاف إليه وهو هذا، وقوله قصرتم بمعنى فرطتم وفيه إشارة إلى المعنى المراد من التقصير فيه، وهو التقصير في أمره وشأنه أو أن فيه مضافاً مقدراً، وإذا كانت ما مزيدة فمن قبل متعلق بالفعل بعده، والجملة حالية، وقدمه لأنه أحسن الوجوه، وأسلمها. قوله: (ويجوز أن
تكون مصدرية) أي ما مصدرية، والمصدر في محل نصب لعطفه على مفعول تعلموا، وهو أنّ أباكم، وأورد عليه أمران الفصل بين حرف العطف، والمعطوف بالظرف وتقديم معمول صلة الموصول الحرفي عليه، وفي جوازهما خلاف للنحاة، والصحيح الجواز خصوصا بالظرف المتوسع فيه كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى في الأول، ولم يتعرّض للثاني، وقوله أو على اسم أن فيحشاج حينئذ إلى خبر لأن الخبر الأوّل لا يصح أن يكون خبراً له فلذا ذكره، ولا يخفى أنّ المقصود الإخبار بوقوع التفريط في يوسف عليه الصلاة والسلام من قبل لا كونه واقعا فيه أو من قبل، وفيه أيضا المحذوران المسابقان. قوله:) وفيه نظر لأنّ قبل الخ (هذا الرذ ذكره أبو البقاء رحمه الله، وتبعه أبو حيان فاعترض به على الزمخشريّ، وابن عطية فقال إنّ الهغايات لا تقع صلة، ولا صفة، ولا حالاً، ولا خبرا، وهذا متفق عليه وقد صرّج به سيبويه سواء جرت أو لم تجر فتقول ي! وسم السبست يوم مبارك، والسفر بعده-، ولا تقول والسفر بعد وأجاب عنه في الدرّ المصون بأنه إنما امتنع ذلك لعدم الفائدة، وعدم الفائدة لعدم العلم بالمضاف إليه المحذوف فينبغي إذا كان المضاف إليه معلوماً مدلولاً عليه أن يقع ذلك الظرف المضاف إلى ذلك المحذوف خبرا وصلة، وصفة وحالاً، والآية الكريمة من هذا القبيل، وردّ بأنّ جواز حذف المضاف إليه في الغايات مشروط بقيام القرينة على تعيين ذلمك المحذوف على ما صرّج به! الرضي فدل ذلك على أنّ الامتناع ليس معللا بهذا (قلت) ما ذكروه لميس متفقا عليه، وقد قال الإمام المرزوقي في شرح الحماسة: إنها تقع أخباراً وصفات وصلات، وأحوالاً، وضل هذا الإعراب المذكور هنا عن الرمانيّ، وغيره واستشهد له بما يثبته من كلام العرب، وفي تعريفها بالإضافة باعتار تقدير المضاف إليه ععرفة يعينه الكلام السابق عليها اختلاف فالمشهور انها معارف، وقال بعضهم أنها! كرات، وأنّ التقدير من قبل شيء كما في شرح التسهيل، والفاضل سلك مسلكا حسناً،. وهو أن المضاف إليه إذا كان معلوما مدلولاً عليه بأن يكعون مخصوصا معيناً صح الإخبار لحصول الفائدة فإن لم يتعين بأن قامت قرينة العموم دون الخصوص، وقدر ومن قبل شيء لم يصح الإخبار، ونحوه إذ ما من شيء إلا، وهوس قبل شيء ما فلا. فائدة في الأخبار فحينئذ يكون
معرفة، ونكرة، ولا مخالفة بين كلامه، وكلام الرضي مع أنّ كلام الرضي غير متفق عليه فتأقله فإنه تحقيق حقيق بأن يرسم في دفاتر الأذهان، ويعلق في حقائب الحفظ والجنان، وقوله وفيه نظر أي في كون من قبل خيراً سواء هذا الوجه، وما سبق، وبه اندفع الإشكال بأنه قبل ليس خبرا بل من قبل، وهو الجارّ والمجرور، وقوله حتى لا ينقص أي يكون ناقصاً غير صالح للخبرية، وقد أورد على أنها لا تكون صلة قوله تعالى:{كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ} [سورة الروم، الآية: 42] ودفع بأنّ الصلة قوله كان أكثرهم مشركين، ومن قبل ظرف لغو متعلق بخبر كان لامستقرّصلة.
قوله: (وأن تكون موصولة) معطوف على أن تكون مصدرية وعلى هذا الوجه التفريط
بمعنى التقديم من الفرط، وعلى الوجوه الأول بمعنى التقصير، وأورد عليه أنه يكون قوله من قبل تكراراً فان جعل خبراً يكون الكلام غير مفيد، وإن جعل متعلقا بالصلة يلزم مع التكرار تقديم مثعلق الصلة على الموصول، وهو غير جائز كما مرّ، وقوله ومحله ما تقدم أي في الإعراب من الرفع، والنصب وعائد الموصول محذوف، وأعلم أن السيرافي رحمه الله قال في شرح الكتاب قبل، وبعد مبنيان على الضمّ وفي حال الإضافة يجرّان، وينصبان فأعطيا حركة لم تسكن لهما حال التمكن، وهي الضمة فحرّكتا بأقوى الحركات لما حذف المضاف إليه، وتضمنا معنى الإضافة، وحرفها لتكون عوضا عما ذهب، وعلة أخرى، وهو أنه أشبه المنادي المفرد الذي إذا نكر أو أضيف أعرب، وإذا أفرد أو كان معرفة بني، وكذا قبل، وبعد إذا حذف المضاف إليه، وكان معرفة فإن نكرا أعربا كقوله:
فساغ لي الشراب وكنت قبلا
وأنما بنيا لأنهما صارا كبعض اسم آخره الجزء الثاني، ولذا سميتا غاية لأنهما صارتا
آخراً، ومثلهما غيرهما من الظروف، وما أشبهها كقوله:
ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء
اص. وإنما نقلناه لما فيه من الفوائد منها أنّ الغايات معارف لا يقدر ما حذف إلا معرفة
فلا يقدر نكرة كما تقدم عن بعض الحواشي فإنه ناشئ من عدم المعرفة. قوله: (فلن أفارق أرض مصر) يعني أنّ أبرح تامّة ضمنت معنى فارق، والأرض مفعوله لا ناقصة لأنّ الأرض لا يصح أن تكون خبراً عن المتكلم هنا، وليس منصوباً على الظرفية، ولا بنزع الخافض وقوله في الرجوع لأنه المستحيي منه، وقوله بخلاص أخي أي بسبب من الأسباب فذكر ثلاثة أوجه أحدها خاص، وهو إذن أبيه في الانصراف، والآخر عام، وهو حكم الله فكأنه رجع عن الأسباب وفوض! الأمر إلى الله، وقوله قفت بتشديد الفاء من قف شعره يقف إذا قام من غضب أو فزع، وفي نسخة ووقفت بواوين من الوقوف، والمراد بهما متحد، وقوله فمسه أمر في
الأوّل ماض في الثاني، وقوله لنوراً من نور يعقوب يريد أحداً من نسله صلى الله عليه وسلم بدليل أنه وقع في نسخة لبذرا من بذر يعقوب عليه الصلاة والسلام، وهو استعارة تصريحية فيهما، وقوله لأنّ حكمه لا يكون إلا بالحق بخلاف حكم غيره قد تقدم تحقيق معنى هذه الآية. قوله:(على ما شاهدناه من ظاهر الآمر) وهو خروج الصواع من رحله وكذا علمهم أيضاً مبني عليه لأنه يحتمل أن يدس عليه، ويدل على هذا قراءة سرق بالتشديد المنسوبة إلى الكسائيّ فإنها بمعنى نسب للسرقة فتتحد القراءتان، وقد استحسنت قراءة التشديد لما فيها من تنزيه بيت النبؤة عن السرقة، وقوله بأن رأينا متعلق بعلمنا أو بدل تفسيري من قوله بما، والوعاء هنا بمعنى الغرارة ونحوها، وقوله ودس عطف على سرق بالتشديد، وهو عطف تفسيري، وحافظين على الوجهين بمعنى عالمين لأنّ العلم حفظ للشيء في الذهن، ولأنه سبب للعلم أو منشؤه فصح التجوّز به عنه، ولام للغيب للتقوية، وقوله وما كنا للعواقب اعتذار لأبيهم بأنّ ما أصاب بنيامين لم يكن داخلا في الميثاق وما حلفنا عليه. قوله:(يعنون مصر) بناء على ما مر من أن المفتش لهم يوسف عليه الصلاة والسلام أو المؤذن، وقوله يعنون أي الأخوة، وفي نسخة يعني أي كبيرهم القائل له ذلك، وقوله أرسل الخ يعني أنّ فيه طيا للإيجاز، وسؤال القرية عبارة عن سؤال أهلها إمّا مجازا في القرية لإطلاقها على أهلها بعلاقة أو في النسبة أو يقدر فيه مضاف، وأمّا جواز أن يسأل القرية نفسها فتنطق على خرق العادة لأنه نبيّ جمفه، فليس مراداً ولا يقتضيه المقام لأنه ليس بصدد إظهار المعجزة، وقوله عن القصة إشارة إلى
حذف متعلقه للعلم به. قوله: (وأصحاب العير (بيان لمحصل المعنى فيحتمل تقدير المضاف، وجعله مجازأ كما مرّ في " يا خيل الله اركبي " وقيل إنه رجح المجاز هناك لاقتضاء النداء له، ورجح هنا التقدير، وقوله التي توجهنا فيهم إشارة إلى كثرتهم وأنهم كانوا مغمورين بينهم، وقوله وكنا كالتعليل له. قوله:) تثيد في محل القسم (يعني ليس المراد إثبات صدقهم بما ذكر حتى يكون مصادرة لإثبات الشيء بنفسه بل تأكيد صدقهم بما يفيد ذلك من الاسمية وأن واللام، ويحتمل أن يريد أن هنا قسما مقدراً. قوله:) فلما رجعوا إلى أبيهم الخ (بيان لاتصال الكلام بما قبله وار- تباطه بما طوى
لأن اسأل القرية قول بعض بنيه وبل سوّلت قول أبيهم عليه الصلاة والسلام ردّاً لعذرهم فلا بد من تقدير لمحصل المعنى، وبيان لأنّ فيه إيجازاً والتسويل تقدم بيانه، وقوله والا فما أدري الملك الخ يعني أنّ منشأ ظنه بهم في هذه القصة أخذه بسرقته فإنه ليس دينهم فقام ذلك عنده مقام القرينة، وأورثه شبهة لاتهامهم بقصد السوء لأخيهم فما قيل كون هذا من التسويل محل نظر من قلة التدبر، وقوله فأمري الخ يعني هو إمّا خبر أو مبتدأ كما مرّ تحقيقه، وقوله عسى الله الخ لأنه كان عرف اًنّ يوسف عليه الصلاة والسلام لم يمت لما سأل عنه ملك الموت عليه الصلاة والسلام هل قبضت روحه فقال لا ولأنه علم من تناهي الشدة أنّ بعدها فرجا عظيماً وقوله لما صادف أي لقي منهم في أمر يوسف وأخيه. قوله:(أي يا أسفي ثعال الخ) إشارة إلى ما مرّ من نداء ما لا يعقل أي ما حل به من الأسف وتوطين نفسه له حتى كأنه يطلب إقباله والأسف أشد الحزن أي على ما فات لا مطلقاً، وقوله والألف بدل من ياء المتكلم للتخفيف، وقيل هي ألف الندبة، والهاء محذوفة، وقوله رزؤهما بضم الراء المهملة، وسكون الزاي المعجمة والهمزة وهي المصيبة، وقوله لأن رزأه أي مصيبة يوصف كانت قاعدة ومبني لجميع مصيباته فكلما عرضت له مصيبة ذكرته بمصيبة يوسف عليه الصلاة والسلام لأنها في كل زمان غضة أي طرية لم تزل عن فكره أبداً، وكل جديد يذكر بالقديم، وقوله دون حياته قيل إنه ينافي ما سيأتي في تفسير قوله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، ويحتمل أنّ علمه بعد هذا، وفي أسفا ويوسف تجنيس نفيس وقع من غير تكلف. قوله:(وفي الحديث " لم تعط أمّة من الأمم! الخ (رواه الطبرانيّ وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أي أنهم لم يعلموه، ولم يوفقوا له عند نزول المصيبة بهم. قوله: (لكثرة بكائه) يعني أنه
جعل الحزن في الآية سبب ابيضاض عينه لأنه سبب للبكاء الذي بيضها فأقيم سبب السبب مقامه لظهوره، وقوله كأق العبرة بفتح العين أي الدموع محقت سوادهما يعني أن ظاهره أنه نزلت عينه غشاوة بيضتها، والقول الثاني إنه كناية عن العمى لأنه لازم لذهاب سوادها فلا وجه لما قيل إنه كان حق التعبير فقيل بالفاء لأنه ليس مقابلا لما قبله بل تفصيل له والقول الأخير قيل هو الظاهر لقوله فارتذ بصيراً، وقد مز الكلام في جواز العمى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقوله الحزن أي بفتحتين. قوله:(وفيه دليل على جواز التأسف) أي الحزن عند التفجع أي المصيبة، وهو كذلك وإنما المنهيّ عنه النياحة واللطم، وقوله: " بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث صحيح أخرجه الشيخان عن أن! رضي الله عنه، وقوله مملوء من الغيظ، وقيل من الحزن فهو فعيل بمعنى مفعول فكأنه مملوء بالغيظ ففيه استعارة مكنية وتخييلية، وقوله على ملئه أي ملآنا أو هو بمعنى فاعل أي شديد التجرّع للغيظ أو الحزن لأنه لم يشكه إلى أحد قط والجرّة بكسر الجيم، وتشديد الراء ما يجتره البعير أي يخرجه من جوفه مما أكله أوّلاً ليلوكه فكأنه يرده لجوفه مرّة بعد أخرى من غير أن يطلع أحدا عليه وهو استعارة بليغة. قوله: (لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعا عليه (القائلون إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام، وقيل غيرهم من أتباعه واستدل به على جواز الحلف بغلبة الظن، وقيل إنهم علموه منه لكنهم نزلوه منزلة المنكر فلذا أكدوه، وقوله ولا تزال تذكره عطف تفسيرقي مع الإشارة إلى حذف لا وقيل إنه فسره بلا تزال دون لا تفتر كما روي عن مجاهد، وأوّله الزمخشري بأنه جعل الفتوء، والفتور أخوين
أي متلازمين لا أنه بمعناه يعني أن فثأ بمعنى فتر وسكن ليس بالمثناة بل هو فثأ بالمثلثة كما في الصحاح من فثأت القدر إذا سكنت غليانها، والرجل إذا سكنت غضبه، وهو كما قال أبو حيان تصحيف، وخطأ ابن مالك فيه وليس كما قال فإن ابن مالك نقله عن الفزاء، وقد صرح به السرقسطي في أفعاله، ولا يمتنع اتفاق مادتين في معنى، وهو كثير وقد جمعه ابن مالك رحمه
الله تعالى في كتاب سماه ما اختلف إعجامه، واتفق إفهامه، ونقله عنه صاحب القاموس. قوله:) فقلت الخ) شاهد على حذف لا في جواب القسم، وهو من قصيدة مشهورة لامرئ القيس أوّلها:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
ومنها:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
ويمين الله يروى بالرفع والنصب على أنه مبتدأ خبره محذوف، والأوصال جمع وصل
بكسر الواو وسكون الصاد المهملة وهي الأعضاء، وقيل المفاصل، وقيل ملتقى كل عظمين في الجسد. قوله:(لأنه لا يلتبس بالإثبات) أي لأن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات كان على النفي وعلامة الإثبات هي اللام ونون التأكيد، وهما يلزمان جواب القسم المثبت فإذا لم يذكرا دلّ على أنه منفي لأن المنفيّ لا يقارنهما فلو كان مثبتاً قيل لتفتأنّ، وقوله كان على النفي أي كان المعنى على النفي أو كان الكلام مبنيا على النفي. توله 0 (مريضا مشفيا على الهلاك) أي مشرفا عليه وقريبا منه، وقيل الحرض معطوت على ما قبله بحسب المعنى ومعنى أذابه جعله مهزولاً نحيفا، وهو مصدر فلذا لا يؤنث، ولا يجمع ولا يثنى وجه ذلك أنّ المصدر يطلق على القليل، والكثير والنعت أي الصفة حرض بكسر الراء كدنف لفظأ، ومعنى وبضمتين صفة مشبهة أيضا. قوله:) أو تكون من الهالكين) أو يحتمل أن تكون بمعنى بل أو بمعنى إلى أن فلا يرد عليه أنّ حقه التقديم على قوله حتى تكون حرضا فإن كانت للترديد فهي بمعنى الخلوّ، وقدم على ترتيب الوجود كما قيل في قوله تعالى:{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [سورة البقرة، الآية.
أو لأنه أكثر وقوعاً، وما قيل إنه مقيد بعدم بلوغه إلى الهلاك سهو لأنه يتكرّر مع ما قبله. قوله:) همي الذي لا أقدر الصبر عليه (ضمن أقدر معنى أطيق فعداه بنفسه كأنّ همه ثقل يحمله فلا يطيق حمله وحده فيفرقه على من بعينه كقوله:
إذا الحمل الثقيل توزعته أكف القوم هان على الرقاب
فالبث استعارة تصريحية، وهو مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول والظاهر الثاني. قوله:
(من صنعه ورحمتة الخ (ففيه حذف مضاف، ومن بيانية قدمت على المبين، وهو ما وقد جوّزه النحاة، وعلى الثاني هي ابتدائية، وقوله وأنه لا يخيب داعيه تفسير للصخ، وقوله رأى ملك الموت الخ بيان للإلهام، وقوله علم من رؤيا يوسف وجه آخر، ويحتمل أنه أيضاً من الإلهام، واعترض! على قوله في المنام بأنه باطل رواية ودراية لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يرى الملائكة يقظة فلا حاجة إلى جعله مناما، وقد أخرج ابن أبي حاتم من النضر رضي الله عنه أنه قال بلغني أنّ يعقوب عليه الصلاة والسلام مكث أربعة وعشرين عاماً لا يدري أيوسف عليه الصلاة والسلام حيئ أم ميت حتى تمثل له ملك الموت عليه الصلاة والسلام فقال له: من أنت قال: أنا ملك الموت فقال: أنشدك بإله يعقوب هل قبضت روج يوسف قال لا فعند ذلك قال عليه الصلاة والسلام يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، وفيه نظر لأنّ مثله إنما يكون برواية. قوله: (فتعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما الخ) الشحسس تفعل من الحس، وهو الإدراك بالحاسة وقريب منه المجسس بالجيم، وقيل إنه بالحاء في الخير وبالجيم في الشر وردّ بأنه قرئ بهما هنا، وقوله التحسس طلب الإحساس هو أصل معناه والمراد لازمه، وهو التعرّف، وذكر التفحص أي التفتيش لأنه طريقه وقيل التحسس طلب الإدراك بالحس مرّة بعد أخرى، وإنما أمرهم يعقوب عليه الصلاة والسلام بالتحسس لما رأى في منامه أو أخبره به الملك أو لما تفرس من ذكر إكرامه لهم، وما هو عليه من أنه ليس من الفراعنة. قوله:) ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه (الروح بالفتح أصل معناه النفس كما قاله الراغب
ثم استعير للفرج كما قيل له تنفيس من النفس، وقرئ روج الله بالضم، وفسر بالرحمة على أنه استعارة من معناها المعروف لأنّ الرحمة سبب الحياة كالروح واضافتها إلى الله تعالى لأنها منه، وقال ابن عطية رحمه الله تعالى معناه لا تياسوا من حيّ معه روح الله الذي وهبه فإنّ كل من بقيت روحه يرجى وفي غير من قد وارت الأرض مطمع. قوله:(بالله وصفاته) لأنّ سبب اليأس عدم التصديق بالصانع وصفاته الكمالية، وليس فيه دليل على أنّ اليأس كفر بل هو ثابت بدليل آخر، وقوله بعدما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية بيان له بحسب الواقع، وقوله شدة الجوع هذا أحسن من تفسير الزمخشري له بالهزال، وهذا إشارة إلى مسالة أصولية وهي إلا من مكر الله، والياس من رحمته كبيرة أو كفر قولان
مشهوران، وفي جمع الجوامع وشروحه كلام مفصل فيها. قوله:(رديئة أو قليلة) يعني أصل معنى التزجية الدفع والرمي فكني بها عن القليل والرديء لأنه لعدم الاعتناء به يرمي ويطرج، والمراد أنّ ما أتوا به غير صالح لأن يكون ثمنا بدون محاباة وتزجية الزمان دفعه بالأمر القليل والصبر عليه حتى ينقضي كما قيل:
درّج الأيام تندرج وبيوت الهمّ لاتلج
وقد فسر الآية بهذا الزجاج فقال أي إنا جئنا ببضاعة الأيام مزجاة بها، والمصنف رحمه
الله سكت عنه، ولم يفسر به ثم إنه شرع في بيان كونها رديئة أو قليلة بقوله قيل الخ والصنوبر معروف والحبة الخضراء أيضا معروفة وليست الفستق كما قاله أبو حيان رحمه الله تعالى، والمقل هو الذي يسمونه دوماً، وهو بضم الميم وسكون القاف. قوله:) فأتم لنا الكيل) أي لا تنقصه لقلة بضاعتنا أو رداءتها، واختلف في حرمة أخذ الصدقه هل هي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم أو تعم جميع الأنبياء عليهم الصلاة والس! لام فذهب سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى إلى اختصاص ذلك بنبينا تخرر استدلالاً بظاهر هذه الآية، ومن ذهب إلى العموم، وأنّ هؤلاء أنبياء أو آل نبيّ والصدقة لا تحل لهم فسر الآية بردّ الأخ، ونحوه مما ليس بصدقة حقيقة أو يقول المحرم إنما هو الصدقة المفروضة مع أنّ الصدقة تكون بمعنى التفضل، ومنه تصدق الله على فلان بكذا، وأمّا قول الحسن رحمه الله تعالى لمن سمعه يقول اللهثم تصدّق عليّ إنّ الله لا يتصدق إنما يتصدق من يبغي الثواب قل اللهئم أعطني أو تفضل عليّ فقد ردّ بقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم:" صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " وأجيب عنه بأنه مجاز أو مشاكلة، وإنما رذ الحسن رحمه الله تعالى على القائل لأنه لم يكن بليغا كما في قصة المتوفى، وقوله أحسن الجزاء إشارة إلى أنه حث على الإحسان فإنه يجزي أحسن جزاء من الله وان لم يجزه المحسن إليه، وقوله في القصر أي في شأن القصر أي قصر صلاة المسافر والحديث في صحيح البخارقي رحمه الله
تعالى. قوله: (أي هل علمتم قبحه فثبتم) إشارة إلى المراد منه كناية أو بتقدير مضاف لأن الفعل الصادر بالاختيار لا ينفك عن العلم به والشعور، ولذا قيل إنهم عالمون بقبحه أيضاً لأنه لا يخفى على مثلهم، وإنما ذكره حثالهم على التوبة لأنّ العاقل إذا اتضح له قبح فعله لا يتوقف في الرجوع عنه، ولذا رتب عليه قوله فتبتم، وقوله إذ أنتم جاهلون قبحه متعلق بفعلتم على هذا التقدير لأنه لا يصح هل علمتم قبحه إذ جهلتموه بل المعنى هل علمتم قبحه بعدما فعلتموه جاهلين به، وهو تلقين للعذر كما في قوله تعالى:{مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} ! سورة ألانفطار، الآية: 6] وتخفيف للأمر عليهم، والمراد بعاقبته ما آل إليه أمر يوسف عليه الصحلاة والسلام والتنصيح بذل النصح تديناً لهم، وقوله لا معاتبة وتثريبا كما قيل إنه استعفام لما ارتكبوه لمخالفته لقوله لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم. قوله: (وقيل أعطوه كتاب يعقوب عليه الصلاة والسلام وصورته كما في الكشاف من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أمّا بعد فإئا أهل بيت موكل بنا البلاء أمّا جدي فشذت يداه ورجلاه، ورمى به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه برداً وسلاما، وأمّا أبيئ فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأمّا أنا فكان لي ابن، وكان أحبّ أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم، وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمّه وكنت أتسلى به فذهبوا به، ثم رجعوا
وقالوا: إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وأنا أهل بيت لا نسرق، ولا نلد سارقا فإن رددته عليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام. قوله:(أو لأنهم كانوا حينئذ صبياناً طياشين (الطيش) الخفة ورد هذا بأنه غير مطابق للواقع ولقوله، ونحن عصبة، ولذا مرّضه المصنف رحمه الله تعالى. قوله:(استفهام تقرير الخ) ولذلك أكد لأنّ التأكيد يقتضي التحقق المنافي للاستفهام، وقوله صلى الله عليه وسلم أنا يوسف تصديق لهم، وقراءة ابن كثير بحذف الهمزة والمراد بالإيجاب ما يقابل
الاستفهام كما يقال له إثبات، وقيل إنّ الهمزة محذوفة على هذه القراءة، وقوله بروائه أي برؤية منظره لأنه لم يدنهم قبل ذلك وقيل إنه كان يكلمهم من وراء حجاب وكان الظاهر أن يقول وبكلامه بلسان العبرية لقوله كلمهم به، وقوله ثناياه أي مقدم أسنانه لحسنها وانتظامها كالدر، وقوله بقرنه أي جانب رأسه، وقوله وكانت أي العلامة ولسارة ويعقوب مثلها جملة خبر كان أو اسم كان مثل وأنث لإضافته إلى المؤنث، ويجوز نصب مثلها، وقوله ذكره تعريفا لنفسه جواب سؤال وهو أنّ السؤال عنه فلم ذكر أخاه. قوله:(أي يتق الله) أبقى التقوى على ظاهرها، وعدل عن تفسير الزمخشري له بيخف الله وعقابه لأنه اعترض عليه بأنه مجاز من غير داع ولا قرينة فالوجه تفسير التقوى بالاحتراز عن ترك المأمورات، وارتكاب المنهيات، والصبر بالصبر على المحن والبلايا، وقد أجيب عنه بأنّ هذه الجملة تعليل لقوله قد من الله علينا، وتعريض لإخوته بأنهم لم يخافوا عقابه، ولم يصبروا على طاعة الله وطاعة أبيهم، وعن المعصية إذ فعلوا ما فعلوا فيكون المراد بالاتقاء الخوف وبالصبر الصبر على الطاعة، وعن المعصية ورد بأنّ التعريض حاصل في التفسير الآخر أيضا فكأنه فسره به لئلا يتكرّر مع الصبر، وفيه نظر وقرئ بإثبات ياء يتقي فقيل إنه على لغة من يجزمه بحذف الحركة المقدرة وقيل شبهت من الشرطية بالموصولة، وقوله من جمع الخ فيكون الإحسان مجموعهما. قوله:(اختارك الخ) الإيثار الاختيار، ويكون بمعنى التفضيل أيضاً، وقوله بحسن الصورة قيل المناسب للمقام ما في الكشاف بالتقوى، والصبر وسيرة المحسنين بخلاف ما نحن عليه فإنا لم نصبر على تفضيل أبينا لك، ولم نحسن حالنا وسيرتنا معك، ومع أخيك وقيل آثرك بالملك أو بالعلم. قوله:(والحال إن شأننا إنا كنا مذنبين الخ) يشير إلى أنّ الواو حالية، وان مخففة واسمها ضمير شأن وأنّ الخاطئ من تعمد الذنب، وأنّ اللام مزحلقة عن محلها. قوله:(لا تأنيب الخ) التأنيب، والتقريع اللوم بعنف، ولما لم يستعمل من هذه المادّة غير الثرب، وهو الشحم الرقيق في الجوف، وعلى الكرس جعلوه منه، وجعلوا التفعيل للسلب كالتجليد بمعنى إزالة الجلد فاستعير للوم لأنّ بإزالة الشحم يبدو الهزال، وما لا يرضى كما أنه باللوم تظهر العيوب فالجامع بينهما طريان النقص بعد الكمال أو إزالة ما به الكمال والجمال، وكذا التقريع أصله إزالة القرع، وهي البثور، وقوله يمزق العرض ويذهب ماء الوجه تفسير له بما يناسب معناه أي
التثريب الذي أصله إزالة الثرب استعير لتمزيق العرض، واذهاب ماء الوجه الدّي هو إزالة الخير والوجاهة. قوله:(متعلق بالتثريب الخ) تغ فيه الكشاف، وأورد عليه أنه يكون حينئذ شبيهاً بالمضاف نحو لا ضاوبا زيدا فيتعين نصبه بل هو خبر كقوله:
لا نسب اليوم ولا خلة
أي لا تثريب كائن في اليوم، ولذا قال أبو البقاء خبر لا عليكم أو اليوم وعليكم متعلق بالظرف أو بمتعلقه، وهو الاستقرار، ولا يجوز أن يتعلق بتثريب، وإلا لنصب لأنّ اسم لا كالمنادى إذا عمل نوّن وقال أبو حيان رحمه الله لا يجوز تعلق اليوم بتثريب لأنه مصدر فصل بينه وبين معموله بعليكم، وهو لا يجوز سواء كان خبراً أو صفة لأنّ معمول المصدر من تمامه وأيضا لو تعلق به لم يجز بناؤه لشبهه بالمضاف، ولو قيل الخبر محذوف وعليكم واليوم متعلق به أي لا تثريب كائن عليكم اليوم لكان قوياً (أقول) اتفق على هذا كلمتهم هنا وهو غريب منهم فإنه صرّح في متون النحو بأن شبيه المضاف سمع فيه عدم التنوين نحو لا طالع جبلاً ووقع في الحديث:" لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت " باتفاق الرواة فيه، وإنما الخلاف فيه هل هو مبنيّ أو معرب ترك تنوينه، وأمّا الفصل بين المصدر ومعموله فقد ردّه المعترض على نفسه من حيث لا يشعر لأنه إذا سلم جعل معمولاً لمقدر، والجملة معترضة، وبالاعتراض
سقط الاعتراض، وأمّا ما قيل إنه متعلق الظرف لا شبيه المضاف فمخالف لتصريح أهل العربية، وكذا كون الظرف متعلقا بالنفي لا بالمنفيّ، وا! المراد بتعلقه به تعلقه بالخبرية، وأنه لما فصل بينه، وبين متعلقه جاز البناء وكل هذا مما لا حاجة إليم 4، وإنما هو ضغث على إبالة لأنه كلام ناشئ من قلة الاطلاع، ولبعض الناس هنا كلمات مضطمة تركناها لافتضاح المصباح بطلوع الصباح. قوله:(والمعنى) يعني على كلا التقديرين لا أثزبكم اليوم يعني أنّ تعبيره باليوم ليس لوقوع التثريب في غيره لأنه إذا لم يثرب أول لقائه، واست حال ناره فبعده بطريق الأولى وقال الشريف المرتضى في الدرر والغرر أن اليوم موضوع موضع الزمان كله كقوله:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا واليوم نتبع من كانوالنا تبعا
أي بعد اليوم. قوله: (أو بقوله يففر الله) قال الشريف في الدرر ضعف قوم هذا الجواب
من جهة أنّ الدعاء لا ينصب ما قبله، ولم أر من صرّج به غيره قيل، وفي كلام المصنف إشارة
إلى دفعه بجعله خبر الادعاء وقال ابن المنير رحمه الله تعالى الصحيح تعلقه بتثريب أو بالمقدر في عليكم فإنه لو كان متعلقاً بيغفر لقطعوا بالمغفرة بإخبار الصديق ولم يكن كذلك لقولهم يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا فأجيب بأنّ ستر الذنب، وعدم المؤاخذة به إنما يكون في القيامة، والحاصل قبله هو الأعلام به، وطلب ما يعلم حصوله غير ممتنع بل الممتنع طلب الحاصل على أنه يجوز أن يكون هضما للنفس كما في استغفار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا فرق بين الدعاء والاً خبار هنا. قوله:(لآنه صفح عن جريمتهم حينئذ الخ) قيل إنه إشارة إلى أنه أخبار لادعاء وتعليل لفظه بغفران الله بأنه عفا عنهم، وتابوا كما أشار إلى الأوّل بقوله صفح عن جريمتهم والى الثاني بقوله واعترفوا بها فلا محالة غفروا مما يتعلق به، وبالله بمقتضى، وعد الله بقبول توبة العباد لا مما يتعلق بأبيهم إذ هو المطلوب بقولهم يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا حتى يرد أنه قطع بمغفرتهم لإخبار الصادق فيجاب بما مرّ في القولة قبل هذا، وقيل قطع بالمغفرة فيما يرجع إلى حقه دون أخيه، وفيه بحث، وقوله وهو أرحم الراحمين تحقيق لحصول المغفرة لأنه عفا عنهم فالله أولى بالعفو والرحمة لهم فإن كانت الجملة دعائية فهو بيان للوثوق بإجابة الدعاء، وقد مرّ تحقيق التفصيل فيه، وقوله فإنه يغفر الصغائر والكبائر أو لا! رحمة البشر برحمته أيضا وهي جزء من مائة جزء من رحمته قيل، ولو علله بهذا كان أولى، وقوله والكبائر أي التي لا يغفرها غيره، وتفضله على التائب بمقتضى وعده بخلاف رخماء الناس قد يقبلون التوبة، وقد لا يقبلونها ودلالة ما ذكره على الكرم إذ جعل مجيئهم إليه ليس لأجل إكرامهم بل لإكرامه هو فالمنة لهم في ذلك وحفدة جمع حفيد أو حافد، وهو ولد الولد. قوله:(القميص الذي كان عليه الخ) يجوز رفع القميص بتقدير هو، ونصبه بتقدير أعني، وضعف القول الثاني لأنّ قوله أجد ريح يوسف يدل على أنه كان لابسا له لا في تعويذته كما تشهد به الإضافة إلى ضميره، وقيل إنه القميص الذي قدمن دبر أرسله ليعلم براءته من الزنا ولا يخفى بعده، وباء بقميصي للملابسة أو للمصاحبة أو للتعدية، والتعويذ التميمة التي تعلق للحفظ من لعين ونحوها. قوله: (يرجع بصيرا أي ذا بصر (أصل معنى الإتيان المجيء فإن كان على حقيقته يكون بصيراً حالاً وان تجوّز به عن معنى الصيرورة يكون خبرها وترك الوجه الأوّل لأنه المناسب لقوله ارتد بصيراً وهو يدل على أنه ذهب بصره وفي نسخة يصر بصيراً، ومجيئه له
يدل عليه قوله، وائتوني بأهلكم كما صرّح به المصنف ولو حمل على ظاهره احتاج إلى تكلف. قوله:(أنتم وأبي) إشارة إلى ما فيه من التغليب وما قيل إنه لا حاجة إليه لأنه كان شيخا كبيراً عاجزاً فهو داخل في الأهل غير حسن لأنه متبوع لا تابع وما ذكر. وا. جدا، وقوله فصلت العير أي خرجت من قولهم فصل القوم عن المكان، وانفصلوا بمعنى فارقو.، وقوله لمن حضره أي من ولد ولده. قوله:(أوجده الله ريح ما عبق بقميصه) أي جعله الله واجدا لريحه أي رائحته وعبق يعبق كفرح يفرح بمعنى التصق، وتسامحوا فيه فجعلوه بمعنى فاح منه الرائحة، ويخص بالرائحة الطيبة والرائحة لعرقه لا للبدن نفسه ففيه تجوز واضافته لأدنى ملابسة. قوله:(تنسبوني إلى الفند) بفتحتين
وهو ضعف الرأي، والعقل من الهرم، وكبر السن وفنده نسبه إلى الفند وهو مأخوذ من الفند، وهو الحجر والصخرة كأنه جعل حجر القلة فهمه كماقال:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ~ فكن حجرا من يابس الصخر جلدا
ثم اتسع فيه فقيل فندد إذا ضعف رأيه ولامه على ما فعله، ولذا لم يقل للمرأة مفندة لأنها
لا رأي لها حتى تضعف كذا في الكشاف والأساس، وقال الشمني إنه غريب ولا وجه لاستغرابه فإنه منقول عن أهل اللغة كما في القاموس، ولعل وجهه أنّ لها عقلاً وان كان ناقصا يسدّ نقصه بكسر السين فتأمّل، وقوله ذاني أي غير عارض لهرم ونحو.، وقوله لصدقتموني أو لأخبرتكم خبره لأنه مصذق، ولكن ظنوا ما قاله من وساوس الشيخوخة، وقوله أو لقلت أنه أي يوسف قريب مكانه أو لقاؤه. قوله: الفي ذهابك عن الصواب الخ) يعني أنّ الضلال بمعنى عدم الصواب، وجعله فيه لتمكنه، ودوامه عليه، ولا يليق تفسيره بجنونك القديم وإنما قالوا هذا لظنهم أنه مات، وقوله قدما بكسر القاف وسكون الدال المهملة بمعنى قديماً كما في قوله: ثنى عطفه عن قرنه حين لم يجد مكراً وقدماكان ذلك من فعلي
كذا في النبراس وهذا مما أهمله بعض أهل اللغة كصاحب القاموس، وأمّا القدم بالضم فبمعنى التقدم كما في مثلثات البطليوسي. قوله: (روي أنه قال كما أحزنته الخ الأنه الذي
حمل إليه ذلك القميص قيل الظاهر أن تطرح الفاء أو كما من العبارة، وقوله طرج البشير ففاعله ضمير البشير وهو الظاهر من قوله فألقوه على وجه أبي أو فاعله ضمير يعقوب عليه الصلاة والسلام قيل وهو الأنسب للأدب. قوله:(عاد بصيرا) فبصيرا خبرها، ومن أنكر مجيئها بمعنى صار جعله حالاً، وانتعش بمعنى تحرّك وقوي حتى قوي قلبه، وحرارته الغريزية فأوصل نوره إلى الدماغ وأذاه إلى البصر فأبصر فلا يرد عليه أنّ الصواب أن يقال إنه معجزة ليعقوب عليه الصلاة والسلام لأن قؤة البدن لا تفيد قوّة البصر، وقوله والمقول لا تيأسوا أي إن كان الخطاب لأولاده أو أني لأجد إن كان مع من حضر، وقوله ومن حق المعترف الخ لأن قوله:{إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} تعليل لما قبله فلا وجه لما قيل إنّ المناسب لقوله يا أبانا إذ نادوه بما يقتضي العطف والشفقة أن يقال، ومن حق شفقتك علينا أن تستغفر لنا فإنه لولا ذلك لكنا هالكين لتعمد الإثم فمن ذا يرحمنا إذا لم ترحمنا، وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى هو المناسب للسياق والسباق. قوله:(أخره إلى السحر أو إلى صلاة الليل أو إلى ليلة الجمعة (قيل يأبى هذه الاحتمالات الثلاثة سوف لأنها أبلغ من السين في التنفيس فكان حقه على ما ذكر السين ورد بما في المغني من أنّ ما ذكره مذهب البصريين، وغيرهم يسوي بينهما، وهذا غير وارد حتى يحتاج إلى الدفع لأنّ التنفيس التأخير مطلقا، ولو أقل من ساعة فتأخيره إلى السحر، ومضى ذلك اليوم محل للتنفيس بسوف وإنما أخر لما ذكر لأنها أوقات الإجابة كما وردت به الأحاديث، وفي الكشاف وجه آخر، وهو أن يراد الدوام على الاستغفار قيل وهو مبنيّ على أن السين، وسوف تدل على الاستمرار في المستقبل، وفيه كلام في مغني اللبيب، وقد مرّ تحقيقه في قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء} [سورة البقرة، الآبة: 142] . قوله:) أو إلى أن يستحل لهم من يوسف عليه الصلاة والسلام أن يجعلهم في حل منه بالعفو عنهم الأوّل مبنيّ على ظن أنه لم يعف عنهم، والثاني على أنه عفا، ولكن أراد تيقنه بسماعه مته، وهذا على أن ما طلبوه عفو يوسف عليه الصلاة والسلام عما فعلوه به وعفو المظلوم شرط المغفرة فيجب على الظالم أن
يتحلل منه، وهل يجب تعيين المظلمة له وقدرها لأنها إذا علمت قد لا تطيب نفسه بالعفو أو يكفي ذكرها إجمالاً فيه اختلاف للفقهاء، وقوله ولدك بضمّ فسكون جمع ولد، وقوله وعقد مواثيقهم أي عهد على نفسه أن يعطيهم النبوّة من قولهم عقاد الألوية، وفي النهاية هلك أهل العقد يعني أصحاب الولاية على الأمصار ثم تجوز بالعقد، والحل عن فصل الأمور إثباتا ونفياً وأصله في اللواء كما عرفت، وقوله إن صح إشارة إلى الاختلاف في نبوّتهم فعلى القول بها يكون ما صدر عنهم قبل النبوّة بدليل هذه الرواية. قوله:(وجه إليه) أي إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام وقوله واستقبله
يوسف والملك يقتضي أنه لم يكن ملكاً، وإنما كان على خزائنه كالعزيز، وكأنّ الرواية مختلفة فيه فإنه قيل إنه تسلطن، وهو المشهور، والتجهيز حمله، وما معه، وفي قوله فلما دخلوا على يوسف إيجاز تقديره فرحل يعقوب عليه الصلاة والسلام بأهله أجمعين، وساروا حتى أتوا يوسف عليه الصلاة والسلام فلما دخلوا الخ. قيل وكان دخولهم يوم عاشوراء. قوله:(بضعة وسبعين رجلَا) في الصحاح إذا جاوز العدد العشرة ذهب البضع فلا يقال بضع وعشرون لكن في المغرب ما يخالفه، وقد وقع في الحديث الصحيح في البخاريّ، وغيره:" الإيمان بضع وسبعون شعبة " ورأيت بضعة وثلاثين ملكاً، ولهذا قال الكرماني رحمه الله تعالى بعدما نقل كلام الجوهرفي أنه خطأ منه لأنّ أفصح الفصحاء تكلم به وكأنّ منشأ الغلط أنهم قالوا إنه لا يطلق على العشرة، وإنما يطلق على كسورها سواء كانت قبل العشرة أو بعدها فظن أنها لا تستعمل فيما بعدها فتأمّل، والهرمى جمع هرم. قوله:(ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما نزلها منزلة الأمّ الخ) تنزيل منصوب على أنه مصدر تشبيهي أي نزل الخالة منزلة الأمّ كما نزل العم منزلة الأب بقطع النظر عن كونها زوجة يعقوب عليه الصلاة والسلام، وعلى الوجه الثاني أنه لما تزوّجها بعد أمّه صارت راية له فنزلت منزلة الأم لكونها مثلها في زوجية الأب، وقيامها مقامها، والرابة امرأة الأب غير الأم كما أنّ الولد من غيرها يسمى ربيبا واسم الخالة ليا، وقيل راحيل وقيل إنّ أمة كانت في الحياة، وما قيل إنّ الله أحياها لم يثبت،
ولو ثبت مثله لاشتهر. قوله: (والمشيئة متعلقة بالدخول المكيف بالأمن (قال صاحب التيسير الاستثناء داخل في الأمن لا في الأمر بالدخول لأنه أمر بالدخول، ووعد بالأمن والاستثناء يدخل في الوعد لا في الأمر وقال في الكشاف، إنّ المشيئة تعلقت بالدخول مكيفا بالأمن لأنّ القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم فكأنه قيل أسلموا وآمنوا في دخولكم إن شاء الله، ونظيره قولك للغازي ارجع سالما فإنما إن شاء الله فلا تعلق المشيئة بالرجوع مطلقاً، ولكن مقيداً بالسلامة والغنيمة مكيفاً بهما فقيل إنه إشارة إلى أنّ الكيفية مقصودة بالأمر كما إذا قلت ادخل ساجداً كنت آمراً بهما وليس إشارة إلى أنّ التركيب فيه معنى الدعاء إذ ليس المعنى على ذلك، وفيه نظر. قوله: (والدخول الآوّل كان في موضع خارج البلد حين استقبلهم) توفيق لما يترا أى من منافاة الأمر بالدخول للبلد بعد ذكر أنهم دخلوا عليه إذ الدخول عليه المتبادر منه أنه فيها بانّ الدخول الأوّل كان عليه في موضع الاستقبال خارج مصر فهو متقدّم على الثاني، وفي الكشاف يجوز أن يكون قد خرج في قبة من قباب الملوك التي تحمل على البغال فأمر أن يرفع إليه أبواه فدخل عليه القبة فآواهما إليه بالضمّ، والاعتناق، وقرّبهما منه، وقال بعد ذلك ادخلوا مصر، وليس فيه مخالفة للنظم كما توهم لأن قوله رفع أبويه المراد به رفعهما على سريره في مجلسه وهو شيء آخر. قوله:(تحية وتكرمة له) فإنّ السجود كان عندهم يجري مجراها دفع به السؤال بأنّ السجود لا يجوز لغير الله بأنه في غير شريعتنا، وقد كان جائزاً للتكرمة فنسخ وامّ أنه كان الأليق حينئذ سجود يوسف ليعقوب عليهما الصلاة والسلام فدفع بأنه تحقيق لرؤياه لحكمة خفية، وبأنّ يعقوب عليه الصلاة والسلام إنما فعله لتتبعه الأخوة فيه لأنّ الأنفة ربما حملتهم على الأنفة منه فيجر إلى ظهور الأحقاد الكامنة، وعدم عفو يوسف عليه الصلاة والسلام. قوله:(وقيل معناه خرّوا لآجله سجدا) قال الإمام إنه قول ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الأقرب، وفي الكشاف إن في الكلام نبوة عنه فقيل لأنه جعله تأويل رؤياه من قبل، وقد ذكر فيها رأيتهم لي ساجدين، ودفع بأنّ القائل به يجعل اللام للتعليل فيهما كما صرحوا به أو بمعنى إلى ما في صلى للكعبة أي اتخذوني قبلة وسجدوا إليّ أي إلى جهتي وكون ضمير له لله مثله في المغني وإنما المخالفة بينهما في مرجع الضمير هل هو ليوسف عليه الصلاة والسلام والمعنى خرّوا ليوسف سجداً لله أو خرّوا لله سجدا شكرا على ما لقوا من يوسف عليه الصلاة والسلام، وقوله والواو أي ضمير خروا للأبوين، والأخوة وقيل إنه للأخوة فقط أولهم، ولمن هنأه بهم، والقائل فرّ من سجود يعقوب ليوسف عليهما الصلاة والسلام إذ اللائق العكس، وقد مر توجيهه، وهذا لا يناسب تأويل
الرؤيا. قوله: (والرفع مؤخر عن
الخرور إن قدم لفظاً (لأن الواو لا تدلّ على الترتيب، وهذا دفع لقول الإمام تقوية للوجه الثاني بأنّ قوله رفع أبويه وخرّوا يدل على أنهم صعدوا ثم سجدوا ولو كان السجود ليوسف عليه الصلاة والسلام كان قبل الصعود يعني لأنه يكون تحية والمعتاد فعلها حين الدخول لا بعد الصعود والجلوس بخلاف سجدة الشكر، ومخالفة لفظه ظاهر الترتيب ظاهر المخالفة للظاهر فما قيل إن الملازمة غير بينة ولا مبينة ساقط. قوله:) رأيتها أيام الصبا) إشارة إلى أن من قبل متعلق برؤياي، وجوّز تعلقه بتأويل لأنها أوّلت بهذا قبل وقوعها، وجوّز أبو البقاء كون من قبل حالاً من رؤياي، وكون الغايات لا تكون حالاً تقدم ردّه، وقوله صدقا إشارة إلى أنّ الحق بمعنى الصدق، والرؤيا توصف به ولو مجازاً وليس في كلامه إشارة إلى أنّ جعل يتعدّى لاثنين إذ يجوز في حقاً أن يكون مصدراً لفعل محذوف كما يجوز أن يكون بمعنى ثابتاً أي حق ذلك المرئي حقاً وثبت ئبوتا. قوله تعالى:) {وَقَدْ أَحْسَنَ بَي} (أحسن أصله أن يتعدى بإلى أو باللام كقوله: وأحسن كما أحسن الله إليك فقيل ضمن معنى لطف فتعدى بالباء كقوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} وقول كثير عزة:
أسيئي بنا أوأحسني لاملومة لدينا ولامقلية إن تقلت
وقيل بل تتعدى بها أيضا وقيل هي بمعتى إلى، وقيل المفعول محذوف أي أحسن صنعه
بي فالباء متعلقة بالمفعول المحذوف، وفيه حذف المصدر دمابقاء معموله، وهو ممنوع عند البصريين، وإذ منصوب بأحسن أو بالمصدر المحذوف وفيه النظر المتقدّم، وإذا كانت تعليلية فالإحسان هو الإخراج، والإتيان أو ظرفية فهو غيرهما، وقيل إن تعدية لطف بالباء غير مسلمة بل تعديته باللام يقال لطف الله له أي أوصل إليه مراده بلطف، وهذا ما في القاموس لكن المعروف في الاستعمال تعديه بالباء وبه صرح في الأساس وعليه المعوّل، وسترى تحقيقه عن قريب. قوله:) ولم يذكر الجب لئلا يكون تثريباً عليهم) ولأنّ الإحسان إنما تم بعد خروجه من السجن لوصوله للملك وخلوصه من الرق والتهمة والبادية والبدو والبداء بمعنى قيل سميت به لأنّ ما فيها يبدو للناظر لعدم ما يواريه، وقوله أهل البدو قيل إنّ يعقوب عليه الصلاة والسلام تحوّل إلى البادية بعد النبوّة لأن الله لم يبعث نبيأ من البادية. قوله:(أفسد بيننا وحرّض الخ) الإفساد فعل الفساد، وأسنده إلى الشيطان مجازاً لأنه بوسوسته والقائه، وفيه تفاد عن تثريبهم أيضا والنزع كالنخس وهو معروف ثم استعمل مجازاً في الدخول للإفساد، وذكره لأنّ النعمة بعد البلاء أحسن موقعاً، وقوله الرابض بالراء المهملة، والباء الموحدة، والضاد المعجمة من ربض الدابة إذا رتع بها وكونه بالهمزة من الرياضة، وان صح غير مناسب. قوله: (لطيف
التدبير له) يعني اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها، والمسهل لصعابها، ولنفوذ مشيئته فإذا أراد شيئا سهل أسبابه أطلق عليه اللطيف لأنّ ما يلطف يسهل نفوذه قال الراغب اللطيف ضد الكثيف، ويعبر اللطف عن الحركة الخفيفة، وتعاطي الأمور الدقيقة فوصف الله به لعلمه بدقائق الأمور ورفقه بالعباد فقوله لما يشاء متعلق بلطيف لأنّ المراد مدبر لما يشاء لا أنه يتعدى باللام كما صرّح به في الدر المصون وقال الطيبي رحمه الله تعالى أنّ المعنى لأجل ما يشاء فليس متعديا باللام كما قيل يعني إن هذا الاجتماع ثم طيب العيش، وفراغ البال بتسهيل الله له بعد صعوبته، وقوله إنه هو العليم الحكيم أي كونه المدبر في أفعاله لكونه عليما بجميع الاعتبارات الممكنة فيسهل صعابها، ويحكم بمقتضى الحكمة، وعن قتادة رحمه الله تعالى لطف بيوسف عليه الصلاة والسلام إذ أخرجه من السجن، وأتى بأهله من البدو ونزع نزغ الشيطان مما بينهم، وما أعقك بمعنى ما أعظم عقوقك وقيل المعنى ما جعلك عاقالي بترك الصلة بالمكتوب، وعندك هذه القراطيس، وقوله أنت أبسط مني إليه أي أقرب مني وأدلّ عليه من التبسط في الملاقاة، وقوله فهلا خفتني كان الظاهر فهلا خافني لكنه خاطبه تنزيلاً له منزلة الحاضمر، وهكذا المعتاد في ذكر جناية الجاني أن يؤتى فيها بالخطاب. قوله:(بعض الملك وهو ملك مصر) الضمير إما للمضاف أو للمضاف إليه، والاحتمال الثاني لا ينافي
قوله مكنا ليوسف في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء لأنه لم يكن مستقلاً فيه، وان كان ممكنا في جميع أرضها فتأمل. قوله:(الكتب أو الرؤي) جمع رؤيا، وقوله أيضا أي كالتي قبلها، وقوله لأنه لم يؤت كل التأويل أي تأويل الكتب أو الرؤي لأنه لا يمكن أن يؤتى جميعها وإن كانت له ملكة ما لم يؤت، وقوله فاطر السماوات نعت لقوله رب أو بدل أو بيان أو نداء ثان أو منصوب بأعني، وقوله برأسه أي مستقل. قوله:(ناصري أو متولي أمري الخ) يعني الوليئ إما من الموالاة فهو بمعنى الناصر أو من الولاية فمعناه متكفل بأمره أو بمعنى المولى كالمعطى لفظاً
ومعنى أي معطي نعم الدنيا والآخرة، وقوله أقبضني لأنّ التوفي استيفاء الشيء بقبضه وأخذه فلذا أطلق على الموت قيل، وفي تفسيره بهذا ذهاب إلى أنه تمنى الموت ولذا قيل إنه لم يتمن الموت نبيّ قبله ولا بعده وقيل إنه لم يتمن الموت وإنما عدد نعم الله عليه ثم دعا بأن تدوم تلك النعم في باقي عمره حتى إذا حان أجله قبضه على الإسلام وألحقه بالصالحين والحاصل أنه بمعنى الموافاة على الإسلام لا الموت ولا يرد عليه أنّ من المعلوم أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يموتون إلا مسلمين إما لأنّ الإسلام هنا بمعنى الاستسلام لكل ما قضاه الله أو بيان لأنه، وان لم يتخلف ليس إلا بإرادة الله، ومشيئته وهو ظاهر، والحاصل أنهم اختلفوا في قوله توفني مسلما هل هو تمني الموت أو لا فكثير من المفسرين على أنه طلب الموت وبعضهم قالوا إنه طلب الوفاة في حال الإسلام وليس فيه دلالة على طلب الوفاة كقوله:{وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [سورة البقرة، الآية: 132] طلب موتهم في حال الإسلام لا موتهم. قوله: (في الرتبة والكرامة) قيل يوسف عليه الصلاة والسلام من كبار الأنبياء والصلاح أوّل درجات المؤمنين فكيف يليق به أن يطلب اللحاق بمن هو في البداية وأجيب بأنه طلبه هضما لنفسه فسبيله سبيل استغفار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ قوله في الرتبة والكرامة راجع إلى قوله آبائي وفيه بعد ودفع بأن عامة الصالحين داخل فيهم أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو يريد من الله أن ينال كرامتهم فلا يرد السؤال حتى يحتاج إلى ما ذكر من الجواب، ولا يخفى ما فيه فإن عامة الصالحين إن أريد به الأنبياء منهم فلا دلالة للفظ عليه، وان أبقى على ظاهره عاد السؤال فالحق هو الجواب الأوّل فتأمل. قوله:(ثم تاقت نفسه إلى الملك المخلد (أي اشتاقت نفسه إلى الملك المخلد وهو الآخرة رغبة وزهادة في ملك الدنيا وقوله فتمنى الموت أي بقوله توفني، وهو على أحد القولين، وقوله فتخاصم أهل مصر أي طلب كل أن يدفن في محلته والمدفن محل الدفن والصندوق بضم الصاد على الأفصح. قوله: (شرعا فيه) بفتحات بمعنى سواء كقوله:
مجدي أخير أو مجدي أوّلاً شرع
وفي شرح الفصيح قال ابن درستويه قولهم أنتم فيه شرع أي سواء كأنه جمع شارع كخدم
في جمع خادم أي كلكم يشرع فيه شروعاً ويستوي فيه المذكر والمفرد وغيره، وأجاز كراع والقزاز تسكين رائه، وأنكر. يعقوب في الإصلاح، وقال إنما شرع بالسكون بمعنى حسب اهـ، وقوله ثم نقله موسى عليه الصلاة والسلام إلى مدفن آباً ئه ببيت المقدس بعد أربعمائة سنة قيل، وأخرجه من صندوق المرمر لثقله، وجعله في تابوت من خشب، وعمره مائة وعشرون سنة نقله في اللباب عن التوراة، وقيل مائة وسبع سنين ففيه اختلاف، وقوله وهو جد يوشع عليه الصلاة والسلام الضمير لا فراثيم فكان ينبغي ذكره بجنبه ورحمة عطف عى إفراثيم وقوله ذلك إشارة وجوز فيه أن يكون اسما موصولاً، وهو مذهب مرجوج في كل اسم إشارة كما بينه النحاة. قوله:(خبران له) أي لذلك ويجوز في جملة نوحيه أن تكون حالاً، وقوله كالدليل عليهما أي على الخبرين، وهو خبر مبتدأ محذوف، وقوله حين عزموا عزمهم همهم بإلقائه في الجب أو مكرهم بيوسف إذ حثوه على الخروج معهم وبأبيهم في استئذانه. قوله:(فتعلمتة منه) وفي نسخة فتعلمه وأصله فتتعلمه، وقوله وإنما حذف هذا الشق الخ يعني أن الدال على أنه إخبار بالغيب مجموع أمرين عدم مشاهدته للقصة، وأصحابه وعدم ملاقاة من يعلمه ذلك فحذف الثاني لعلمه من ذكره في آية أخرى، وفي الكشاف وجه آخر، وهو أنه تهكم بهم إذ جعل المشكوك فيه كونه حاضرا معهم مشاهدأ لمكرهم فنفاه بقوله:{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ} الخ فلما جعل
المشكوك فيه ما لا ريب فيه دل على أنّ كونه لم يتعلم كفلق الصبح فجاء التهكم البالغ إذ حاصله أنكم أيها المكابرون علمتم أنه لم يشاهد من مضى من القرون الخالية وانكاركم لما أخبر به يفضي إلى أن تكابروا في عدم مشاهدته لهم وهذا كقوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ} [سورة الأنعام، الآية: 144، بهذا، ومنه ظهر وجه العدول عن أسلوب قوله ما كنت تعلمها أنت ولا قومك في سورة هود إلى هذا الأسلوب، وهذا أبلغ مما ذكره المصنف رحمه الله، وذكر لتركه نكتة أخرى، وهي أن المذكور مكرهم، وما دبروه، وهو مما أخفو. حتى لا يعلمه غيرهم فلا يمكن تعلمه من الغير، ولذا ترك الثاني، وهو وجه حسن. قوله: (وأما كثر الناس ولو حرصت الخ (حرص من باب علم، وضرب وكلاهما لغة فصيحة،
وجملة ولو حرصت معترضة بين المبتدأ والخبر وقوله على الأنبياء بكسر الهمزة مصدر وتعريفه للعهد أي هذا الأنباء أو للجنس، والضمير عليه عائد على ما يفهم مما قبله، وكذا إذا عاد على القرآن ومعنى عليه على تبليغه والجعل الأجرة وحملة جمع حامل وحامل الخبر من يقصه ويحكيه مجاز مشهور.
قوله: (إن هو إلا ذكر عظة) إن نافية، والذكر بمعنى التذكير والموعظة، وهو كالتعليل
لما قبله لأن الوعظ العام ينافي أخذ الأجر من البعض لأنه لا يختص بهم وقوله وكم يشير إلى أن كأين بمعنى كم التكثيرية الخبرية هنا وان وردت للاستفهام، والكلام عليها مفصل في النحو، وقوله وكأيّ عدد شئته وفي نسخة شئت إشارة إلى أنّ تمييزها مجرور بمن دائما أو أكثرياً وهي زائدة أو مبينة للتمييز المقدر، والآية هنا بمعنى الدليل الدال على ما ذكر وهي وإن كانت مفردة بمعنى الآيات لدلالة كأين على كثرتها ولذا فسرها بالجمع وقوله في السماوات والأرض صفة آية وجملة يمرّون خبر كأين وجوز العكس فيه، وعلى رفع الأرض! يكون في السماوات خبر كأين، وقوله ويشاهدونها لأنه ليس القصد إلى مجزد المرور بل مع المشاهدة وعدم الاعتبار بها، وقوله فيكون لها الضمير في عليها الأولى أن يقول فيكون الضمير في عليها لها أي للأرض! لا للآيات كما في القراءة الأخرى. قوله:) وبالنصب على ويطؤون (أي قرئ الأرض! بالنصب بفعل محذوف تقديره ويطؤون الأرض، وقوله يمرّون عليها تفسير لها فهو من الاشتغال المفسر بما يوافقه في المعنى، وجوز فيه كون يمزون حالاً من ضمير يطؤون أو من الأرض، وقوله يتردّدون أي يذهبون ويجيئون، وهذا تفسير له على القرا آت الثلاث لا على القراءة الأخيرة أو هو لها ويعلم منه حال القراءتين بالقياس، ولا مانع منه، وقوله فيرون الآثار الأمم الهالكة وقريب منه ما قيل فيشاهدون ما فيها من الآيات وليس بينهما فرق كبير كما قيل. قوله: (في إقرارهم) قيل لا يظهر لإقحام لفظ الإقرار فائدة، وقيل فائدته أنها نزلت في المشركين، والمعلوم إقرارهم لا مواطأة قلوبهم، وفيه نظر وكأنه إشارة إلى أنه إيمان لساني إذ
لا اعتداد به مع الشرك، وقوله بعبادة غيره بناء على أنها في مطلق المشركين، واتخاذ الأحبار أربابا لأهل الكتاب لأنهم اتخذوا أحبارهم أربابا من دون الله، والتبني أي اتخاذ الابن لله بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله، والقول بالنور الخالق للخير، والظلمة الخالقة للشرّ الذاهب إليه المانوية، والمجوس من الثنوية، وقوله النظر إلى الأسباب كالمال، والكسب، ونحو ذلك كالاعتماد على الخلق، وهو بيان للشرك الخفي المعنوي،، كذا نسبه الآثار إلى الكواكب، وقولهم:" مطرنا بنوء كذا " كما وقع في الحديث، وقلما ينجو من النظر إلى الأسباب أحد، ولذا قال في الحكم كلك شرك خفيّ. قوله:(وقيل الآية في مشركي مكة) أي على الاحتمال الأوّل، ولو قال فقيل كان أظهر، وكذا على الثاني يرجع إليه أيضاً، وقوله وقيل في أهل الكتاب على الاحتمال الثاني، وعلى الاحتمال الثالث فهو في الثنوية وعلى الرابع عام. قوله:(عقوبة تفشاهم وتشملهم) فسر الغاشية بالعقوبة ليظهر تأنيثها، وبالمضارع إشارة إلى دلالة اسم الفاعل محلى الاستقبال، وقوله تشملهم تفسير لتغشاهم، وأنه من الغشاوة الدالة على الشمول والإحاطة لا من الغشيان بمعنى الإتيان لتكرره، وقلة جدواه، والعقوبة نعم الدنيوية والأخروية، وفجاة بضم الفاء والمد أو بالفتح، والقصر بمعنى المفاجأة والبغتة، وقوله من غير سابقة علامة من إضافة الصفة للموصوف أو سابقة مصدر بمعنى سبق، وهو قليل وقوله غير مستعدين بالنصب إشارة إلى أنّ عدم الشعور
عبارة عن عدم الاستعداد بتوبة، ونحوها فيفيد مع قوله بغتة، ولا حاجة إلى جعله تأكيداً لها كما قيل والجملة حالية كما أشار إليه بتأويلها بغير مستعدين. قوله: (يعني الدعوة إلى التوحيد الخ (فهذه إشارة إلى الدعوة ولذا أنث، وان صح تأنيثه باعتبار السبيل أيضا لأنها مؤنثة في الأكثر كالطريق ودعوته إلى التوحيد معلومة من قوله تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ} لدلالته على أنّ كونه ذكراً لهم لاشتماله على التوحيد لكنهم لا يرفعون له رأسا ودعوتهم للإيمان معلومة من حرصه على إيمانهم فإنه بدعوتهم له، والإعداد للمعاد من التخويف من مفاجأته من غير استعداد وجعل أدعو إلى الله مفسر الماء ذكر أما
بالنسبة إلى التوحيد واما بالنسبة للإعداد فكأنه من قوله على بصيرة لأن من كان على بصيرة استعد، وحمل غيره على الاستعداد أو هو تفسير للأهم المقصود بالذات منه، ومعنى أدعو إلى الله إلى معرفته بصفات كماله ونعوت جلاله ومن جملتها التوحيد والبعث. قوله:(وقيل هو حال من الياء (وعلى الأوّل الجملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب وتمريضه لأن الحال من المضاف إليه في مثله مخالفة للقواعد ظاهراً، ولذا تكلف بعضهم فقال إنه حينئذ مفعول مصدر مقدّر أي سلوك سبيلي لا لأنها تقييد للشيء نفسه لأن تقييدها بكونها على بصيرة يدفعه. قوله: (واضحة غير عمياء) قد مرّ تحقيقه فتذكره، وقوله أو في على بصيرة أي أو للضمير المستتر في على بصيرة لأنه حال فيستتر فيه ضمير المتكلم وكذا إذا كان خبراً، وقوله عطف عليه أي على أنا في الوجه الأخير ولم يذكر عطفه على المستتر في الوجه الآخر لظهوره، وإذا عطف على المستتر ففيه تغليب كما مرّ تحقيقه في قوله:{اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [سورة البقرة، الآية: 35] ومنهم من قدر في مثله فعلا عاملا في المعطوف، وقيل معنى قوله عطف عليه على المستتر لتأكده بالمنفصل، ولا يصح عطفه على أنا لكونه تأكيداً، ولا يصح في المعطوف كونه تأكيداً كالمعطوف عليه فتأمّل، وقوله أو مبتدأ عطف على قوله تأكيد، وقوله وأنزهه تنزيهاً إشارة إلى أنه منصوب. على المصدرية بفعل محذوف هو المعطوف، وقوله من الشركاء خصه به لدلالة السياق والسباق عليه. قوله:) رذ لقولهم لو شاء ربنا لأنزل ملانكة الخ) أي نفي له كما مز في سورة الأنعام، وقيل معناه نفى استنباء النساء، وفيه اختلاف أيضاً كما مرّ وهذا التفسير منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وأمّا كونه نزل في سجاج بنت المنذر المتنبئة فلا صحة له، وإنما هو غلط من عبارة الزمخشري لأنّ ادّعاءها النبوّة كان بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم وكونه إخباراً بالغيب لا قرينة عليه وهي التي قيل فيها:
أضحت نبيتنا أنثى نطوف بها ولم تزل أنبياء الله ذكرانا
وتزوّجها مسيلمة لعنه الله ثم أسلمت بعده، وحسن إسلامها وقصتها معروفة في التواريخ. قوله:(وقرأ حفص! نوحي) بالنون وهو مناسب لقوله أرسلنا، وقوله في كل القرآن يعني هنا، وفي النحل والأوّل من الأنبياء كما في النشر وكون أهل القرى أعلم من أهل البادية وأحلم مما لا شبهة فيه، ولذا يقال لأهل البادية أهل الجفاء، ونقل عن الحسن رحمه الله أنه
قال ل! يبعث رسول من أهل البادية، ولا من النساء ولا من الجن، وأما قوله تعالى:{وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ} فقد مر أنهم ليسوا أهله، وإنما كانوا يخرجون إليه بمواشيهم، وكان مجيئهم إذ ذاك منه. قوله:) من المكذبين بالرسل والآيات الخ (المشغوفين بالغين المعجمة ويجوز إهمالها، وقوله فيقلعوا أي يكفوا يقال أقلع عن الأمر إذا كف عنه، وفي نسخة ينقلعوا والصحيح الأولى. قوله:) ولدار الحال أو الساعة أو الحياة الآخرة) إشارة إلى المذهب المختار في مثله فإن فيه مذهبين أحدهما أنه من إضافة الموصوف للصفة، والآخر أنه يقدر للصفة موصوف كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وهو خلاف مشهور بين الكوفيين، والبصريين في مثل بقلة الحمقاء، ومسجد الجامع. قوله:) يستعملون عقولهم ليعرفوا) وفي نسخة فيستعملون عقولهم بالفاء التفسيرية، وأما في النظم فسببية مزحلقة. قوله: (حملَا على قوله قل هذه سبيلي أي قل لهم أفلا تعقلون (أي أنه من مقول قل أي قل لهم مخاطبا أفلا تعقلون فالخطاب على ظاهره، وقوله وما أرسلنا إلى من قبلهم أو اتقوا اعتراض بين مقول القول، ولا ينافي الثاني كون تفسيره لقوله أفلا تعقلون على القراءتين كما توهم ولو جعل هذا التفاتا كان
أظهر. قوله: (غاية محذوف دل عليه الكلام الخ (لما لم يكن في الكلام شيء تكون حتى غاية له اقتضى ذلك تقدير أمر يكون مغيي بها، واختلفوا في تقديره، وما قدره المصنف رحمه الله تعالى مأخوذ من محصل الكلام الذي قبله، وقوله أيس إشارة إلى أنّ الاستفعال بمعنى المجرد هتا، وقوله من غير وازع بزاي معجمة وعين مهملة أي مانع وكاف. قوله: (وظنوا أنهم قد كذبوا) في هذه الآية قراآت فقرأ الكوفيون كذبوا بالتخفيف، والباقون بالتثقيل فعلى التخفيف ضطرب الناس فيها فمنهم من أنكرها، وهو مروقي عن عائشة رضي الله عنها قالوا، والظاهر أنه غير صحيح عنها فإنها قراءة متواترة، وقد وجهت بوجوه منها أنّ ضمير ظنوا عائد على المرسل إليهم لعلمهم مما قبله ولأنّ ذكر الرسل يستلزم ذكر المرسل إليهم، وضمير أنهم، وكذبوا للرّسل أي ظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا أي كذبوا فيما أرسلوا إليه بالوحي في نصرهم عليهم، ومنها أنّ الضمائر الثلاثة عائدة على الرسل عليهم الصلاة والسلام، والتقدير كما في الكشاف حتى إذا استيأسوا من النصر، وظنوا أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم أنهم ينصرون أو رجاؤهم لأنه يقال للرّجاء صادق وكاذب والمعنى إنّ مدة التكذيب والعداوة
من الكفار، وانتظار النصر من الله وتأميله تطاولت حتى استشعروا القنوط، وتوهموا أنه لا نصر لهم في الدنيا فجاءهم نصرنا قال الحلبيّ رحمه الله فجعل الفاعل المقدر إمّا أنفسهم أو رجاءهم، وجعل الظن بمعنى التوهم لا بمعناه الأصلي، ولا بالمعنى المجازي وهو اليقين، ومنها أنّ الضمائر كلها للرّسل عليهم الصلاة والسلام والظن بمعناه واليه نحا ابن عباس رضي الله عنهما، وابن مسعود وابن جبير قالوا الرسل ضعفوا وساء ظنهم، قيل ولا ينبغي أن يصح هذا عنهم فإنه لا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولذا نقل عن عائشة رضي الله عنها إنكار هذا التأويل، وقال الزمخشري، وتبعه المصنف رحمه الله تعالى إن صح هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال، ويهجس في القلب من شبه الوسوسة، وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأما الظن فلا يليق بآحاد المسلمين فضلاً عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال السمين ولا يجوز أيضاً أن يقال خطر بب لهم شبه الوسوسة فإنها من الشيطان، وهم معصومون عنها فإن ذهب ذاهب إلى أن المعنى ظن الرسل الذين وعد الله أممهم على لسانهم أنهم قد كذبوا فقد أتى بأمر عظيم لا يجوز نسبته إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل إلى صالحي الأمّة، وكذا ما أسند إلى ابن عباس فإن الله لا يخلف الميعاد، ولا مبذل لكلماته، ومنها أنّ الضمائر كلها للمرسل إليهم أي ظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوّة وفيما وعدوا به من لم يؤمن من العقاب، وهو المشهور عن ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم قالوا لا يجوز عود الضمير على الرسل عليهم الصلاة والسلام لأنهم معصومون، وحكي أنّ ابن جبير سئل عن معناها فقال معناها إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوهم فقال الضحاك وكان حاضراً لو رحلت في هذا لليمن كان قليلا، وأمّا قراءة التشديد فالضمائر فيها للزسل عليهم الصلاة والسلام أي ظن الرسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاؤوا به لطول البلاء عليهم فجاءهم نصر الله عند ذلك " وهو تفسير عائشة رضي الله عنها المتقول عنها في البخاري " فيتحد معنى القراءتين، والظن على هذا بمعناه أو بمعنى اليقين أو التوهم، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك، ومجاهد كذبوا مخففاً مبنيا للفاعل فضمير ظنوا للأمم، وأنهم قد كذبوا للزسل أي ظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوهم فيما وعدوهم به من النصر أو العقاب، ويجوز عود ضمير ظنوا للرسل، وأنهم وكذبوا للمرسل إليهم أي ظن الرسل عليهم الصلاة والسلام أن الأمم كذبتهم فيما وعدوهم به من أنهم يؤمنون بهم والظن الظاهر أنه بمعنى اليقين وقال أبو البقاء أنه قرئ مشدّدا مبنياً للفاعل، وأوّله بأن الرسل عليهم الصلاة والسلام ظنوا أن الأمم قد كذبوهم في وعدهم، ولم يقف الزمخشري على أنها قراءة فقال لو قرئ بها صح هذا خلاصة
ما قالوه في هذه الآية فلنرجع إلى كلام المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون) الضمائر في هذا الوجه وفي الثاني للرسل، ولذا قابلهما الثالث، وجعله شراج الكشاف
على هذا من باب التجريد وفيه نظر، وقوله بأنهم ينصرون ناظر إلى قوله فيما قبيله من النصر عليهم، وقوله في الثاني بوعد الإيمان ناظر إلى قوله أو عن إيمانهم، وقيل عليه إنّ تحديث أنفسهم بالنصر بوعد من الله كما سيأتي عن ابن عباس رضي الله عنهما فظن كذب أنفسهم ظن بكذب وعده تعالى، وليس بلازم أن يكون بوعد من الله إذ يجوز تحديثها لهم بأمر لم يوعدوا به كما أشار إليه في الكشف، وأمّا تحديثها ب! يمانهم فظاهر، ولا حاجة فيه إلى جعل الظن بمعنى اليقين حتى يرد عليه ما قيل إن الظن لا يستعمل بمعنى اليقين والعلم فيما يكون محسوساً فلا يقال أظنني إنسانا، ولا أظنني حيا. قوله:(وقيل الضمير للمرسل إليهم) أي الضمائر الثلاثة، وتقدم توجيه عوده إلى المرسل، والدعوة قوله إني مبعوث إليكم وأمرهم بالتوحيد. قوله:(وقيل الأول للمرسل إليهم والثاني للرّسل عليهم الصلاة والسلام الخ) المراد بالثاني ضمير أنهم ولم يذكر الثالث لعلمه من كون الثاني للرسل، والا لزم خلو جملة الخبر من العائد، وقوله وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما الخ إن صح كذا في الكشاف، ولا وجه لقوله إن صح مع أنه مروفي في البخاري والجواب بأنّ روايته فيه لا تقتضي تواتره ليس بشيء، وقوله على طريق الوسوسة اعترض! عليه بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن وسوسة الشيطان كما مرّ، وأجيب بأنه لم يقل إنه وسوسة بل على طريق الوسوسة، ومثالها من حديث النفس، وهو غير الوسوسة. قوله:) هذا وانّ المراد الخ) أي الأمر هدّا أو مضى هذا وهو توجيه آخر لكلام ابن عباس رضي الله عنهما بأنّ المراد بظنهم كذب النفس في حديثها المبالغة في التراخي، وطول المدة على طريق التمثيل أي الاسنعارة التمثيلية بأن شبه المبالغة في التراخي بظن الكذب باعتبار استلزام كل منهما لعدم ترتب المطلوب فاستعمل ما لأحدهما للآخر. قوله: (وقرأ غير الكوفيين بالشديد (في هذا الوجه الضمائر للرسل، وما في ما أو عدوهم مصدرية أي في إيعاد الرسل المرسل إليهم، وقوله عند قومهم متعلق بحدثوا، وقيل تنازع فيه كذبوا وحدثوا، وقد ذكر الزمخشريّ في هذه القراءة ثلاثة أوجه اختار المصنف رحمه الله ثانيها
لاستبعاد أوّلها ورجع الثالث إلى الثاني في المبني للمفعول. قوله:) النبي والمؤمنين) بالنصب على أنه عطف بيان لمن أو بتقدير يعني وننجي قرأها ابن عامر، وعاصم بنون واحدة، وجيم مشذدة وياء مفتوحة على أنه ماض مبني للمفعول ومن نائب الفاعل، والباقون بنونين ثانيهما ساكنة والجيم خفيفة، والياء ساكنة مضارع أنجى، ومن مفعوله، والفاعل ضمير المتكلم المعظم نفسه، وقرأها الحسن، ومجاهد في آخرين كعاصم إلا أنهم سكنوا الياء والأجود تحريكها وتسكينها للتخفيف، ومثله كثير، وقيل الأصل ننجي بنونين فأدغم النون في الجيم ورذ بأنها لا تدغم فيها، وقد ذهب بعضهم إلى جواز إدغامها وقرأها جماعة كالباقين إلا أنهم فتحوا الياء ورويت عن عاصم، وليست بغلط كما توهم لأنه مضارع منصوب، وقرأ الحسن ننجي بنونين وجيم مشذدة وياء ساكنة مضارع نجى المشذد، وقرأ نصر وأبو حيوة نجا ماضياً مخففا، ومن فاعله وقرأها ابن محيصن كذلك إلا أنه شدد الجيم، والفاعل ضمير النصر ومن مفعوله، وقد رجحت قراءة عاصم بأن المصاحف اتفقت على رسمها بنون واحدة وقال مكيّ أكثر المصاحف عليه فأشعر بوقوع خلاف في الرسم، وأما على الأخرى فلا خفاء بها ورسمت بنون واحدة تشبيها للإخفاء بالإدغام فكما حذف في الإدغام حذف فيه بل هو أولى، وقوله وإنما لم يعينهم الخ أي أنه ظاهر غير محتاج إلى التعيين لأنهم هم المستحقون للنجاة وقيل للإشارة إلى أنه بمجزد مشيئة الله من غير استحقاق له لأحد وقوله وفيه بيان المشيئين أي من شاء الله نجاتهم لأنه يعلم من المقابلة أنهم من ليسوا بمجرمين وهم المؤمنون، ومشيئين جمع مشيء كمريء اسم مفعول من شاء فهو شاء، والآخر مشيء كراء فهو راء وذاك مريء، وقيد عدم رذ البأس بالنزول لأنه قبل النزول قد يدفع ويردّ وهو ظاهر. قوله:) في قصص الآنبياء الخ) القصة ما يجري بين الناس بعضهم مع بعض كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع الأمم ويوسف مع إخوته ورجح الزمخشري التفسير الأوّل بقراءة قصصهم بكسر القاف جمع قصة، والمفتوج مصدر بمعنى المفعول وردّ بأنّ قصة