الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويؤيده لأنّ ضمير عنده عليه رأجع لله كما في الأولى على هذا التأويل، والأصل توافق القراءتين. قوله:(وعلى الأوّل) أي على الوجه الأوّل، وقوله ويجوز إشارة إلى أنّ الراجح أعمال الظرف إذا اعتمد، وقوله وهو متعين أي كون الظرف خبراً مقدما متعين للقراءة الثانية بمن الجارة، وقوله على الحرف أي من الجارة والبناء للمفعول أي علم فعل ماض مبني للمجهول، ومعناها أمره بالاحتجاج بشهادة الله على رسالته صلى الله عليه وسلم، وأنّ علم القرآن، وما هو محتو عليه لا يكون إلا منه. قوله:(من قرأ سورة الرعد الخ) هذا الحديث مروي عن أبيئ رضي الله عنه، وهو موضوع، واعلم أنّ هذه السورة
مدارها كما في الكشف على بيان حقية الكتاب المجيد، واشتماله على ما فيه صلاج الدارين، وأنّ السعيد من تمسك بحبله والشقي من أعرض عنه إلى آخر ما فصله اللهم اجعلنا ممن تمسك بعروته الوثقى، واهتدى بهداه حتى لا يضل ولا يشقى ببركة من أنزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وأصحا به، وأزوا جه، وذزيته أجمعين.
سورة
إبراهيم
عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (مكية) يعني كلها عند الجمهور، وفي رواية هي مكية إلا قوله ألم تر إلى الذين بدلوا إلى قوله النار وقال الإمام إذا لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام فنزولها بمكة، والمدينة سواء إذ لا يختلف الغرض فيه إلا أن يكون فيها ناسخ، ومنسوخ فتظهر فائدته يعني أنه لا يختلف الحال، وتظهر ثمرته إلا بما ذكر فإن لم يكن ذلك فليس فيه إلا ضبط زمان النزول، وكفى به فائدة. قوله:(وهي إحدى وخمسون آية) وقال الداني خمسون في البصري، واثنتان في الكوفي، وأربع في المدني، وخمس في الشامي. قوله:(اي هو كتاب) إشارة إلى إختيار أنّ الراسم للسورة لما مر في البقرة من أن كون التقدير هذه لم أرسخ عرقا في البلاغة وكون ذلك الكتاب مقرّرا للأوّل شاداً من عضده فكذلك ما نحن فيه كذا في الكشف إذ قدره الزمخشري هكذا، وقيل ينتظم الاحتمالات الثلاثة كون الر تعديداً للحروف، وكتاب خبر مبتدأ محذوف، وكونه اسم السورة، وهو خبر مبتدأ محذوف، وكذا كتاب، وأن يكون كتاب خبر الر، وهو كناية عنه وذكر باعتبار الخبر، واستبعد هذا الأخير فهو إما للسورة أو للقرآن الذي هذه السورة منه. قوله:) بدعائك إياهم إلى ما تضمنه (أي بدعوتك الناس إلى اتباع ما تضمنه الكتاب من التوحيد، وغيره وانزاله ليكون حجة لرسالته بإعجازه، وقوله من أنواع الضلال إشارة إلى أنّ الظلمة مستعارة للضلال كما أنّ النور مستعار للهدى، وان جمعه لأنّ الضلال أنواع كعبادة الأصنام، والملائكة، والكواكب وغير ذلك والحق واحد مؤسس على التوحيد فلذا وحده. قوله: (بتوفيقه وتسهيله مستعار من الإذن الخ) في قوله الإذن الذي هو تسهيل الحجاب مسامحة أي الذي يوجب تسهيله، وهو استعارة مصرحة شبه توفيق الله وتسهيله بالإذن لرفع المانع، وإن صح أن يكون مجازاً مرسلا بعلاقة اللزوم فإذن الله توفيقه، وقال محيي السنة أمره، وقيل علمه، وقيل إرادته، وهي متقاربة ففيه ثلاث استعارات للظلمة والنور والإذن، وقيل إنه يحتمل أن تكون كلها استعارة مركبة تمثيلية بتصوير الهدى بالنور، والضلال بالظلمة، والمكلف المنغمس في ظلمة الكفر بحيث لا يتسهل له الخروج إلى نور الإيمان إلا بتفضل الله بإرسال رسول بكتاب يسهل ذلك عليه بمن وقع في تيه مظلم ليس منه خلاص فبعث ملك
توقيعا لبعض خواصه في استخلاصه، وضمن تسهيل ذلك على نفسه، ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك فقيل كتاب أنزلناه الخ، وهدّا مع بلاغته وحسنه لا يخلو من بعد. قوله:(أو حال من فاعله أو مفعوله) أي آذنا لهم أو مأذوناً لهم، وقيل كونه حالاً من الفاعل يأباه إضافة الرب إليهم دونه، ورد بأنّ فيه نكتة، وهي الإشارة إلى أن أذنه له بإخراجهم لكونهم عبادة الذين رباهم (قلت) هذا غريب منه فإنه إنما أباه لأنه مضاف لفاعله، وإذا كان حالاً من الفاعل يكون آذنا فينبغي أن يقدر متعلقه خاصا أي مخرجاً لهم بإذن ربهم، وما ذكره لا يفيده شيئاً. قوله:(بدل من قوله إلى النور الخ) يعني صراط بدل من النور وأعيد عامله، وكرر لفظا، والا فكل بدل على نية
تكرار العامل ليدل على البدلية، ولو جعل الجار، والمجرور بدلاً من الجار والمجرور كان أظهر، وفي هذا كلام في الرضي، وغيره ولا يضر الفصل بين البدل، والمبدل منه بما قبله لأنه غير أجنبيّ إذ هو من معمولات العامل في المبدل منه، والوجه الثاني أنه متعلق بمحذوف على أنه جواب سائل إلى أيّ نور فقيل إلى صراط الخ.
قوله: (وإضافة الصراط إلى الله إما لأنه مقصده) أي محل قصده، واسم إنّ ضمير الله، وضمير مقصده وله للصراط، وفي نسخة مقصوده بصيغة اسم المفعول. قوله:(وتخصيص الوصفين) أي العزيز الحميد، وكونه لا يذل سالكه لأنّ من سلك طريق العزيز فهو عزيز لا يذل وكذا عدم خيبة من سلكه أو سأل فيه لأنّ المحمود سبيله محمود موصل لكن مقصود، وسابله بالباء الموحدة بمعنى سالك سبيله، وفي نسخة سائله بالهمزة من السؤال، والإضافة بمعنى في أي السائل فيه، ولو عاد الضمير إلى الله لأنه معلوم من السياق لم يبعد، وقيل في وجه التخصيص أنه لما ذكر قبله إنزاله تعالى لهذا الكتاب، واخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ناسب ذكر هاتين الصفتين صفة العزة المتضمنة للقدرة، والغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب المعجز الذي لا يقدر عليه سواه وصفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. قوله:(على قراءة نافع) أي بالرفع فهو مبتدأ، والذي خبره أو خبر مبتدأ محذوف، والذي صفته، وعلى قراءة الباقين بالجر هو عطف بيان أو بدل من العزيز الحميد، ومن جوز تقديم الصفة على الموصوف يقول إنه صفة مقدّمة لكنه قول ضعيف. قوله: (لآنه كالعلم لاختصاصه بالمعبود الخ الم يجعله علماً على ما ارتضاه في الفاتحة، وليس جعله
كالعلم بالغلبة كالثريا بناء على أنه يراها شرطا في عطف البيان حتى ينافي ما ذكره في البيت الحبرام من أنه عطف بيان كما توهم بل لأن عطف البيان شرطه إفادة زيادة إيضاح لمتبوعه، وهي هنا بكونه كالعلم في اختصاصه بالمعبود بحق، وقد خرج عن الوصفية بالغلبة فليس صفة كالعزيز الحميد وفي قوله على الحق ركاكة، والظاهر بحق، وقوله بالكتاب بيان لارتباطه بما قبله. قوله:(والويل نقيض الوأل وهو النجاة) الوأل بالهمز معناه النجاة، ونقيضه الويل فهو الهلاك، وعدم النجاة فمن بيانية، والجار والمجرور حال أو صفة لويل قالا الراغب: قبوج، وقد تستعمل للتحسر ووشى استصغار وويح ترحم، ومن قال ويل واد في جهنم لم يرد أنه اسم له بل أن من قال الله له ذلك فقد استحق، وثبت له مقر من النار، وفي الكشاف أنه اسم محنى كالهلاك إلا أنه لا يشتق منه فعل إنما يقال ويلا له فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات فيقال ويل له كسلام عليك ولما ذكر الخارجين من الظلمات إلى النور توعد الكافرين بالويل، واتصل قوله من عذاب بالويل لأنّ المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد، ويضجون منه ويقولون يا ويلاه قال المدقق: يعني أنّ الويل من الذنوب لا من العذاب ألا ترى قوله فويل لهم مما كتبت أيديهم، وأمثاله فأشار إلى أن الاتصال معنوي لا من ذلك الوجه فإنه هناك جعل الويل نفس العذاب وهنا جعله تلفظهم بكلمة التلهف من شدة العذاب، وكلاهما صحيح، ولم يرد أن هناك فصلَا بالخبر لقرب ما مرّ في قوله سلام عليكم بما صبرتم، واعترض عليه بأنه لا حاجة لما ذكر من التكلف لأنّ اتصاله به ظاهر لا يحتاج إلى صرفه للتلفظ بتلك الكلمة، ومن بيانية كما مرّ لا ابتدائية كما ذكره حتى يرتكب ما ذكر ورد بأن الويل حينئذ عدم النجاة فالإضافة معتبرة في مفهومه، والمضاف إليه خارج فاتصاله به باعتبار المضاف إليه لا يمكن، وهذا خبط فإنّ من إن كانت ابتدائية عنده كما في شرح العلامة فابتداء عدم النجاة متصل بالعذاب، وناشىء عنه، وأن كانت بيانية فهو بمعنى الهلاك فيصح بيانه به، ويتصل به اتصال المبين بالمبين فالحق ورود ما ذكر عليه فتأمل فيه. قوله:(يختارونها عليها فإنّ المختار للشيء الخ) هو بيان لأنه مجاز، وأنّ العلاقة فيه اللزوم في الجملة فلا يضر وجود أحدهما بدون الآخر كاختيار المريض الدواء المر لنفعه وترك ما يحبه، ويشتهيه من الأطعمة اللذيذة فهو مجاز مرسل، ولذا تعدى بعلى، ولو جعل تضمينا صح، وقوله يطلب الخ معنى السين. قوله:(بتعويق الناس عن الإيمان الخ) إشارة إلى أنّ سبيل الله كالصراط المستقيم مجاز عن دينه، وتنكب بمعنى عدل، وحاد عنها، وقوله وليس فصيحا أي بالنسبة إلى اللغة الأخرى
والقراءة
الأخرى، ولا محذور في كون القراءة المتواترة أفصح من غيرها، وليس هذا مبنياً على مذهب الزمخشريّ من أن القراءة تكون برأي واجتهاد دون سماع منه صلى الله عليه وسلم، كما قيل وقوله لأنّ في صده مندوحة أي سعة عن التعدية بالهمزة، وجعله من صد صدود اللازم لأنّ تعدية صد بنفسه فصيحة كثيرة في الاستعمال مع أنّ هذه القراءة شاذة، وهي قراءة الحسن كما قاله المعرب. قوله:(ويبغون لها زيغاً الخ) قد فسره المصنف رحمه الله في أوّل هود بقوله يصفونها بالانحراف عن الحق، والصواب أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة وهذا وجه آخر، وهو أنهم يطلبون أن يروا فيها ما يكون عوجا قادحا فيها كقول من لم يصل إلى العنقود وليسوا بواجدين ذلك فلذا عقبه! وله أولئك في ضلال بعيد، والنكوب الانحراف والعدول، وقد أعرب الموصول بوجوه ظاهرة، وقد رذ أبو حيان رحمه الله كونه صفة للكافرين بالفصل بين الصفة والموصوف بأجنبيّ، وهو قوله من عذاب شديد وأنه يصير كقولك الدار لزيد الحسنة القرشي والتركيب الصحيح فيه أن يقال الدار الحسنة لزيد القرشي، وهو مبنيّ على أنّ قوله من عذاب شديد صفة وبل، وهو لم يذكره فهو إلزام له بما لا يلتزمه فيجوز أن يكون على هذا خبر مبتدأ محذوف، والجملة اعتراضية فلا يضر الفصل بها فتأمّل، وإذا كان مرفوعا على الذمّ فهو خبر مبتدأ أيضا، والفرق بينه، وبين الوجه الذي بعده أنه يعتبر أنه كان نعتاً فقطع بخلافه على الآخر، ولا يقدر فيه بئس الذين الخ كما توهم. قوله:(أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل) يعني أنّ الضلال معنويّ بمعنى البعد عن الحق شبه بمن ضل في طريقه وبعد عن مقصده وبعيد ترشيح له، ولما كان من وضحع البعد على أن يوصف به المكان أو المكاني، وقد وصف به هنا الفعل نفسه بين المراد منه، وقوله في الحقيقة للضال بالنسبة إلى الضلال فلا ينافي أنه يوصف به المكان أيضاً وفعله يعني صفته، وهي الضلال، والمبالغة بجعل الضلال نفسه ضالاً فقد أسند فيه إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازاً كجن جنونه وجد جذه، ولا يخفى ما فيه من المبالغة إلا أنّ الفرق بين ما نحن فيه وجد جذه أنه مصدر غير المسند وذاك مصدره، وليس بينا وقوله أو للأمر الذي به الضلال الباء للسببية أو الملابسة أي أمر بسببه أو ملابسته حصل الضلال يعني أنّ البعد في الحقيقة صفة للشخص باعتبار بعد مكانه عن مقصده وسبب بعده ضلاله لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه فأسند ما للشخص إلى سبب اتصافه بما وصف به فيكون كقولك قتل فلانا عصيانه، والإسناد مجازيّ، وفيه المبالغة المذكورة أيضا، والمعنى بعد الضلال لكنه اعتبر في الثاني بيان سبب البعد دون الأوّل، وفي الكشاف هو من الإسناد
المجازي والبعد في الحقيقة للضال لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق فوصف به فعله كما تقول جدّ جده، ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد أو فيه بعد لأنّ الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريباً أو بعيدا قال المدقق: الإسناد المجازي على جعل البعد لصاحب الضلال لأنّ الضال الذي يتباعد عن طريق الصواب فوصف ضلاله بوصفه مبالغة، وليس معناه إبعادهم في الضلال، وتعمقهم فيه وأما قوله، ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد فعلى هذا البعد صفة للضلال حقيقة بمعنى بعد غوره، وأنه هاوية لا نهاية لها، وقوله أو فيه بعد على جعل الضلال مستقراً للبعد بمنزلة مكان بعيد عن الجادة، وهو معنى بعده في نفسه عن الحق لتضادهما، واليه الإشارة بقوله لأنّ الضال قد يضل عن الطريق مكانا بعيداً أو قريبا، والغرض بيان غاية التضاد، وأنه بعد لا يوازن وزانه، وعلى جميع التقادير البعد مستعار من البعد المسافي إلى تفاوت ما بين الحق، والباطل أو ما بين أهلهما، وذكر في سورة الحج أنه استعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالاً فطالت وبعدت مسافة ضلاله، ثم في قوله أولئك في ضلال دون ضالون ضلالاً بعيدا دلالة على تمكنهم فيه فاشتماله عليهم اشتمال المحيط على المحاط ليكون كناية بالغة في إثبات وصف الضلال فافهم. قوله:(الذي هو منهم وبعث فيهم) إشارة إلى أنّ اللسان ليس بمعنى العضو بل بمعنى اللغة فإنه يستعمل لكل منهما، ولا ينتقض الحصر بلوط عليه الصلاة والسلام فإنه تزوّج منهم، وسكن معهم، ولا بيونس عليه الصلاة والسلام فإنه من قومه الذين أرسل إليهم كما تالوه فلا حاجة إلى أنه هنا باعتبار الأكثر الأغلب، ولا يلزم من كون
لغته لغتهم اختصاص بعثته بالعرب، وقوله ما أمروا به إشارة إلى مفعوله المقدر واليسر بمعنى السهولة عليهم. قوله:(ثم ينقلوه ويترجموه إلى غيرهم (أي ينقلوا ما أمروا به، ويترجموه بلغة أخرى إن بعث ذلك الرسول إلى غير قومه ممن لهم لسان آخر، وقوله فإنهم أولى الناس أي أقربهم إليه تعليل لعدم تعكيس الأمر، وانذار عشيرته لقوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [سورة الشعراء، الآية: 214] وقوله، ولو نزل الخ إشارة إلى سؤال وهو نبينا صلى الله عليه وسلم بعث لجميع الأمم فلو كان له كتب معجزة بجميع الألسنة كانت أدل على النبوّة فدفعه بأنه يؤذي إلى اختلاف الكلمة لاختلاف الكتب المتمسك بها المؤدّي إلى التنازع، وعدم الانقياد واضاعة فضل الاجتهاد أي بذل الجهد في فهم معانيه، واتقان لغاته وعلومه، والقرب جمع قربة. قوله: (وقرئ بلسن) كذكر، وهي لغة في لسان لكنه لا يطلق على الجارحة، وقوله وقيل الضمير في
قومه لمحمد صلى الله عليه وسلم الخ الضمير على الأوّل لرسول وعلى هذا لنبينا صلى الله عليه وسلم المفهوم من السياق وهذا قول لبعض المفسرين نسب فيه إلى الغلط كما أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله ويرده إلى آخره لأنه إذا لم يقع التبيين إلا بعد الترجمة فات الغرض مما ذكر، وضمير لهم للقوم بلا خلاف، وهم المبين لهم بالترجمة فقول المصنف رحمه الله لم تنزل لتبين للعرب فيه نظر لأنّ القائل لم يقل إنه تبين للعرب، ولم يكلفوا بالعمل بما فيها حتى تبين لهم، وقوله وقيل الخ. قال في الكشف دفعه الطيبي بأنه راجع إلى كل قوم بدلالة السياق والجواب أنه لا يدفع الإيهام على خلاف مقتضى المقام، وقوله فيخذله الخ قد مر تحقيقه وكذا مرّ تحقيق تفسير انهداية بالتوفيق، وقوله فلا يغلب شيء على مشيئته بيان لارتباطه، وكذا ما بعده وقوله، ولقد أرسلنا موسى أي كما أرسلناك كذا قال النسفي، وبه يرتبط النظم أتم ارتباط، وفي المرشد لأبي شامة رحمه الله قال السجستاني المراد بقومه العرب كلهم لقوله صلى الله عليه وسلم:" أنزل القرآن على سبعة أحرف " الحديث، وقال ابن قتيبة هم قريش لأنّ القرآن أنزل بلغتهم، ولا يجوز أن يكون فيه ما يخالفها فالقول الأوّل عظيم من قائله إلا أن يريد ما يوافق لغتهم من غيرهم اص. قوله:) أي أخرج لأنّ في الإرسال معنى القول أو بأن أخرج الخ) يعني أن إما مفسرة، وهي تفسير لمفعول مقدر فيه معنى القول دون حروفه، وهذا شرط كما بينه أهل العربية، واليه أشار المصنف رحمه الله أو مصحدرية حذف قبلها حرف الجر لأنّ أرسل يتعدى بالباء، والجار يطرد حذفه قبل أنّ، وأن وقوله فانّ صيغ الأفعال الخ إشارة إلى توجيه اتصالها بالأمر كما مرّ تحقيقه، وقوله أن الناصبة أي المصدرية لشهرة النصب بها. قوله: (بوتاثعه التي وقعت على الأمم الدارجة (أي الخالية الماضية يعني الأيام بمعنى الحروب والوقائع كما في قولهم أيام العرب فإنه مشهور بهذا
المعنى كقوله:
وأيامنا مشهورة في عدوّنا
وهذا هو المناسب للتذكير، ولذا قدمه أو المراد بأيام الله نعمه ونقمه كقوله:
وأيام لنا غرر طوال عضضنا الملك فيها اًن يدينا
وذكرهم معطوف على أخرج أو مستأنفه، وهذا أنسب بقوله لكل صبار شكور، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أياًم الله نعماؤه، وهو مثل الأوّل في عدم المناسبة لما بعده مع عدم المناسبة لما قبله أيضا وفيه نظر. قوله: (يصير على بلائه ويشكر لنعمائه فإنه إذا سمع الخ (هو جار على الوجهين في تفسير الأيام أما على الثاني فظاهر، وأمّا على الأوّل فالصبر على البلاء من التذكير بالوقائع، والشكر على النعم من الإخراج من الظلمات إلى النور فإنه تدبيل لمجموع الآية لا لقولهم ذكرهم فقط، واليه أشار بقوله فإنه الخ وقيل إنه إشارة إلى ترجيح الثاني عكس ما فهم من صيغة التمريض، ومناسبته على تفسيره بالوقائع أنها تتضمن النعم، والنقم بالنسبة إلى قوم، وقوم كقوله:
مصائب قوم عند قوم فوائد
وهو تكلف لا حاجة إليه. قوله: (وقيل المراد لكل مؤمن) فعلى الأوّل يكون الصبار، والشكور عبارتين لمعنيين، وعلى هذا عبارة عن معنى واحد على طريق الكناية كحيّ مستوي القامة بادي البشرة في الكناية عن الإنسان، وقوله عنوان المؤمن استعارة حسنة أي الظاهر من حاله
الدال على ما في باطنه من الإيمان كقولهم البشر عنوان الكرم. قوله: (أي اذكروا نعمته وقت إنجائه إياكم) يعني أنّ النعمة مصدر بمعنى الأنعام، واذ متعلقة به أو بكلمة عليكم إذا كانت حالاً لا ظرفا لغوا للنعمة لأنّ الظرف المستقر لنيابته عن عامله يجوز أن يعمل عمله أو هو على هذا معمول لمتعلقه، والنعمة على هذا يجوز كونها بمعنى العطية المنعم بها، ولا يتعين كما هو ظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى أو إذ يدل من نعمة بدل اشتمال. قوله:(أحوال الخ) وجوّز في سورة البقرة أن يكون حالأ منهما جميعا لوجود ما يربطه بهما، وتركه هنا قيل لما فيه من نوع تزاحم الاعتبارين معا ومن شائبة اختلاف العامل، وان أمكن تأويله بأنّ
العامل في آل فرعون، وان كان لفظ من في الظاهر لكنه لفظ أنجاكم في الحقيقة، وهذا الإشكال مع حله يتمشى في الأوّل، ولا يخفى سماجته فإنّ التركيب في السورتين واحد فهذا لو كان محذوراً تركه ثمت أيضاً فلا وجه! لما تكلفه، وضمير المخاطبين مفعول أفجاكم. قوله:(والمراد بالعذاب هاهنا غير المراد به في سورة البقرة الخ) جواب عما يسئل عنه وهو أنه لم عطف ويذبحون هنا ولم يعطف هو في البقرة ويقتلون في الأعراف والقصة واحدة فأشار إلى أنه حيث طرح الواو قصد تفسير العذاب، وبيانه فلم يعطف لما بينهما من كمال الاتصال، وحيث عطف كما نحن فيه لم- يقصد ذلك، والعذاب إن كان المراد منه الجنس فالتذبيح لكونه أشد أنواعه عطف عليه عطف جبريل على الملائكة عليهم الصلاة والسلام تنبيها على أنه لشدته كأنه ليس من ذلك الجنس، وان كان المراد به غيره كاسترقاقهم، واستعمالهم في الأعمال الشاقة فهما متغايران، والمحل محل العطف، وقد جوّز أهل المعاني أن يكون بمعنى، وتفسيرا فيها، وترك عطفه في تينك السورتين ظاهر، وعطفه هنا لعد التفسير لكونه أوفى بالمراد وأظهر بمنزله المغاير فلذا عطف كما في المطول وهو وجه حسن أيضا، وقوله بالتذبيح والقتل لف، ونشر لما في السورتين، ولو قال التقتيل كان أنسب، وثمة إشارة إلى الموضعين، وقوله وععطوف عليه التذبيح، وفي نسخة الذبح، وفي أخرى معطوف عليه التذبيح فهو خبر سببي، وهو ظاهر، ورابطه ضمير عليه حينئذ. قوله:(من حيث إنه بأقدار الله إياهم وإمهالهم فيه) تبع فيه الزمخشريّ وهو إنما فسره به بناء على مذهبه فلو قال من حيث إنه يخلئ الله، وايجاده، وان كان بكسبهم كان أوفى بمذهب أهل السنة، والإشارة على هذا إلى فعل م ل فرعموق بهم، وإنما عدل عنه لأنه مناسب لإمهالهم فتنبه له. قوله:(ابتلاء منه) إمّا كون قتل الأبناء ابتلاء فظاهر، وأمّا استحياء النساء، وهت البنات أي استبقاؤهم فلأنهم كانوا يستخدمونهن، ويفرّقون بينهن، وبين الأزواج أو لأنّ بقاءهن دون البنين رزية في نفسه كما قيل:
ومن أعظم الرز فيما أرى بقاء البنات وموت البنينا
قوله: (ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء والمراد بالبلاء النعمة) فإنّ البلاء هو الابتلاء
سواء كان بالنعمة أو المحنة قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [سورة الأنبياء، الآية: 35] ولذا جوّز أن تكون الإشارة إلى جميع ما مرّ الشامل للنعمة، والنقمة، وجعله إشارة لما ذكر هربا من إسناد ما فعلوا إلى الله على مذهب المعتزلة، ولذا أخره المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (من كلام موسى صلى الله عليه وسلم فهو! ، من مقول القول لا كلام مبتدأ وهو معطوف على نعمة الله أو
على إذ أنجاكم في محل نصب جار على جميع الوجوه السابقة، والإعلام بمزيد النعمة لمن شكر نعمه، واحسانه منه أيضاً، وتأذن بمعنى آذن، وهو أعلم بوعده بذلك، والتفعل أبلغ من البلاغة أو المبالغة لأنّ صيغة التفعل للتكلف كتحلم، وما يتكلف فيه يكثر إظهاره، ويبالغ فيه فلهذا يستعمل في لازم معناه فيدل على ما ذكر كما وصف الله بالمتوحد فقوله، والمبالغة معطوف على التكلف لبيان المراد منه دفعا لما يتوهم من أنه غير مناسب للمقام. قوله:(بالإيمان الا بد من تأويله بالثبات على الإيمان أو إخلاصه لأنهم كانوا مؤمنين، ولذا قيل لو صزح به كان أظهر وقيل إنه ذكر توطئة للعمل الصالح لأنه أساسه وفيه نظر وقوله نعمة إلى نعمة يفهم من زيادة النعم سبق نعم أخر فلذا فسر بما ذكر، وأيضا لفظ الشكر الدال على سبق النعم فليس الزيادة لمجرّد الأحداث فافهم. قوله: (فلعلي أعذبكم على الكفران)
فكفرتم من كفران النعم لمقابلته للشكر لا من الكفر مقابل الإيمان، وجوّز حمله عليه، وهو بعيد، وقوله ومن عادة أكرم الأكرمين الخ تصريح الوعد بقوله لأزيدنكم ظاهر، والتعريض بقوله:{إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [سورة إبراهيم، الآية: 7] دون أعذبكم أو عذابي لكم، وقيل إنه جار على عادته تعالى أيضاً في إسناده الخير للذات المقدس دون الشر وفيه نظر لأنّ عذابي مصدر مضاف لفاعله، والفرق بينه وبين صريح الإسناد محل نظر، وأكرم الأكرمين المراد به الله تعالى عبر به إشارة إلى أنّ التصريح، والتلويح المذكورين كرم منه تعالى، وليس المراد به كل من كان أكرم بناء على جواز إطلاقه على غير الله كما جوّزه بعضهم لبعده، وتكلفه، وكذا قوله فلعلي أعذبكم بصيغة الترجي الدالة على عدم القطع لمناسبته لكرمه، ورحمته لأنّ كفران النعم غير مستوجب للعذاب كغيره في عادته تعالى. قوله:(والجملة) أي قوله لئن شكرتم الخ إمّا مفعول قول مقدر منصوب على الحال سادّ معموله مسده أي قائلا أو مفعول تأذن لأنه في معنى القول على المذهبين المشهورين لنحاة البصرة والكوفة في أمثاله، وقوله من الثقلين خص العموم المستفاد من جميعا بهم لأنه غير متصوّر فيهم. قوله:(فما ضررثم بالكفران إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الأنعام) وفي نسخة عريتموها مزيد الأنعام وكان الظاهر من مزيد لكنه ضمنه معنى
حرمتموها فهما بمعنى، وهذا هو جواب الشرط في الحقيقة وما ذكر في النظم دليله، وقيل إنما ذكره المصنف رحمه الله تعالى لدفع توهم عود فائدة الشكر عليه والجواب تقديره لم يتضرر أو لم ينقص منه شيء، وما ذكر دليله فقول المصنف رحمه الله تعالى فما الخ تفريع على هذه الآية، وما قبلها لا تقدير للجواب لأنّ ضرر الكفران مستفاد مما تقدم، وانحصاره فيهم مفهوم من هذه الآية، ولا يخفى أن ما ذكره، وما قدره المعترض واحد لأنّ معنى ما ضررتم إلا أنفسكم أنّ نفعه، وضره عائد عليكم فلا يتضرر به الله فلا وجه لاعتراضه غير تكثير السواد بما لا محصل له. قوله:(من كلام موسى عليه الصلاة والسلام أو كلام مبتدأ من الله) فعلى الأوّل هو من مقول القول، وهو تذكير لبني إسرائيل بأحوال من تقدّمهم ليعتبروا بهم، وعلى الثاني هو ابتداء كلام من الله غير محكي مخاطبا به أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، بعدما ذكر إرساله تخي! بالقرآن، وقص عليهم بعضا من قصص موسى عليه الصلاة والسلام. قوله:(جملة وقعت اعتراضا) أي جملة بتمامها من المبتدأ والخبر وقعت أعتراضا في الكلام تيل عليه ليس جملة اعتراضية لأنّ الاعتراض لا يكون إلا بين جزأين يطلب أحدهما الآخر، وكذا قوله لا يعلمهم إلا الله اعتراض يرد عليه ما ذكر، ومنع بأنّ بينهما ارتباطا يطلب به أحدهما الآخر لأنه يجوز أن تكون جملة جاءتهم حالاً بتقدير قد، والاعتراض يقع بين الحال، وصاحبها فليس ما ذكر مخالفا لكلام النحاة، ولو سلم أنها ليست بحالية فما ذكروه هنا على مصطلح أهل المعاني فإنهم لا يشترطون الشرط المذكور حتى جوّزوا أن يكون في آخر الكلام كما صرّج به ابن هشام في المغني مع أنّ جملة جاءتهم رسلهم الخ مفسرة للجملة الأولى فهي مرتبطة بها معنى، واشتراط الارتباط الإعرابي عند النحاة غير مسلم أيضاً فتأمل. قوله:(أو الذين من بعدهم عطف على ما قبله) يعني الموصول أو قوم نوج، وذكر مع دخوله في الذين من قبلكم لتفسيره بقوم نوج الخ، والثاني أوفق بالمعنى، والأوّل أوفق باللفظ، وقال الطيبي: هذا أحسن لحسن موقع الاعتراض إذ حسنه أن يؤكد ما اعترض! فيه وليس في الأوّل رائحة ذلك. قوله: (والمعنى أنهم لكثرتهم الخ) أي على الوجهين لكنه يختلف عليهما مرجع الضمير في أنهم ولكثرتهم، وعددهم فهو الموصول الثاني على الأوّل، ومجموع الموصولين على الثاني، ومعنى الاعتراض على الثاني ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الذي لا يحصى كثرة فتعتبروا بها إنّ في ذلك لمعتبرا، وعلى الأوّل فهو ترق، ومعناه ألم يأتكم نبأ هؤلاء، ومن لا يحصى بعدهم كأنه يقول دع التفصيل فإنه لا مطمع فيه، وفيه لطف لإيهام الجمع بين الإجمال، والتفصيل، ولذا قدمه جار الله، وأيده بقول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم فإنه فيه أظهر. قوله:) ولذلك قال ابن مسعود رضي الله
تعالى عنه كذب النسابون الأنهم يدعون علم الأنساب، وقد نفى الله علمها عن العباد
وعن ابن عباس رضي الله عنهما بين عدنان، واسماعيل عليه الصلاة والسلام ثلاثون أبا لا يعرفون وفي الجامع اختلف في نسب النبيّ صلى الله عليه وسلم، بعد اتفاقهم أنه من ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وأنه من ولد معد بن عدنان، وإنما الاختلاف في الأسماء التي قبل عدنان، ولا يكاد يصح لأحد من الرواة رواية، ولا ضبط للأسماء، واتصال هذه الآية بما قبلها أنه بعد ذكر ما مرّ من قصة موسى عليه الصلاة والسلام، وما معه عقبه توبيخاً، وتهديداً كما ذكره الطيبي.
قوله: (فعضوها غيظاً مما جاءت به الرصل عليهم الصلاة والسلام الخ) في معنى رد الأيدي في الأفواه وجوه الأوّل إرجاع ضميري أيديهم وأفواههم إلى الكفار، وهو على أربعة احتمالات أحدها أنهم عضوها غيظا من شذة نفرتهم من رؤية الرسل عليهم الصلاة والسلام، واستماع كلامهم، وثانيها أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، تعجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم ضحكا، واستهزاء كمن غلبه الضحك، وثالثها أنهم أشاروا بأيديهم إلى جوابهم، وهو قولهم إنا كفرنا أي هذا جوابنا الذي نقوله بأفواهنا، والمراد إشارتهم إلى كلامهم كما يقع في كلام المتخاطبين أنهم يشيرون إلى أنّ هذا هو الجواب، ثم يقرّرونه أو يقرّرون، ثم يشيرون بأيديهم إلى أنّ هذا هو الجواب، وهو الوجه القوي لأنهم لما حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار جمعوا في الإنكار بين الفعل والقول، ولذا أتى بالفاء تنبيهاً على أنهم لم يمهلوا بل عقبوا دعوتهم بالتكذيب، وصدروا الجملة بأنّ ورابعها أنهم وضعوها على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكفوا عن هذا الكلام، وشسكتوا والوجه الثاني أن يرجع الضمير في أيديهم إلى الكفار وفي أفواههم إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفيه احتمالان الأوّل أنهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل عليهم الصلاة والسلام، أن اسكتوا، والآخر بأنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل عليهم الصلاة والسلام منعا لهم من الكلام والوجه الثالث أن يعود الضمير إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام ويكون المراد بالأيدي نعمهم من مواعظهم ونصائحهم، والأيدي بمعنى الأيادي كما سيحققه أو يكون ردّها إلى أفواههم مثلاً لرذها، وتكذيبها بأن شبه ردّ الكفار مواعظ الرسل عليهم الصلاة والسلام بردّ الكلام الخارج من الفم فقيل رذوا أيديهم أي مواعظهم في أفواههم، والمراد عدم قبولها، وفي هذا الوجه احتمال آخر، وهو أنّ الكفار أخذوا أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام، ووضعوها على أفواههم ليقطعوا كلامهم فحينئذ اليد، والفم على حقيقتهما وعلى الأوّل مجازان هذا حاصل ما ذكره الزمخشريّ على ما قرّره الشارح العلامة فقول المصنف رحمه الله تعالى فعضوها غيظا بناء على إرجاع الضميرين للكفار فاليد والفم على حقيقتهما، والرد كناية عن العض ولا ينافي الحقيقة كون المعضوض الأنامل كما في الآية الأخرى فان من عض موضعاً
من اليد يقال حقيقة إنه عض اليد فلا يتوهم من ردها أنه مجاز كقوله: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم} [سورة البقرة، الآية: 19] فتأمّل. قوله: (أو وضعوها عليها تعجباً الخ) فالضميران للكفار أيضا، واليد والفم على حقيقتهما، ووضعها على الفم لغلبة الضحك من الاستهزاء أو التعجب، ولا ملازمة بين الاستهزاء، والتعجب فلذا عطفه باو، وقيل الاستهزاء وان استلزم التعجب لكن التعجب لا يستلزمه فصحت المقابلة. قوله:(أو إسكاتاً للأنبياء عليهاً الصلاة والسلام) هذا كالوجه السابق في مرجع الضمير، والحقيقة، وكذا إذا كان أمر بالإطباق. قوله:(أو أشاروا بها إلى ألسنتهاً الخ) هذا هو التوجيه الراجح فاليد حقيقة، والردّ مجاز، والإشارة تقارن قولهم إنا كفرنا مع احتمال التقدم والتأخر. قوله:(أو ردوها في أفواه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ (فهما على حقيقتهما والضمير الأوّل للقوم والثاني للأنبياء عليهم الصلاة والسلام الخ وفيه معنى آخر، وهو أنه يحتمل أنهم أشاروا إلى أفواه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالسكوت، وفي بمعنى إلى كما في أدب الكاتب. قوله: (وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلَا) أي استعارة تمثيلية بأن يراد بردّ أيدي القوم إلى أفواه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعدم قبول كلامهم، واستماعه مشبها بوضع اليد على فم المتكلم لإسكانه فاليد، والفم على حقيقتهما وهذا التمثيل يجري في كون الضميرين للرسل أيضاً، ويحتمل إبقاؤه على حقيقته كما قرّرناه. قوله:(وقيل الأيدي بمعنى الأيادي) أي النعم، والمراد بالنعم نعم النصائح، والحكم، والشرائع
فإنها من أعظم النعم، وضعفه لأنّ الأيدي بمعنى النعم قليل في الاستعمال حتى أنكره بعض أهل اللغة، وان كان الصحيح خلافه، ولأنّ الرذ والأفواه يناسب إرادة الجارحة، وقوله بمعنى الأيادي إشارة إلى أنه المعروف في الاستعمال بمعنى النعم كقوله:
أيادي لم تمنن وان هي جلت
وهو جمع أيد جمع يد فهو جمع الجمع لا جمع يدكما توهم. قوله: (أي ردوا أيادي الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام، وقوله فكأنهم إشارة إلى أنه تمثيل على هذا، وأنّ الضميرين راجعان إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو الوجه الثالث، والأيادي وحدها مجاز لا الأفواه، وقيل إنه مجاز أيضا، وفيه نظر. قوله: (على زعمكم (لأنهم لا يسلمون إرسالهم فلا تنافي بين كفرهم، وذكر رسالتهم، وما أرسلوا به الكتب، والشرائع. قوله تعالى: ( {وَإِنَّا لَفِي
شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا} ) فإن قلت أنا كفرنا جزم بالكفر لا سيما، وقد أكد بأنّ فقولهم إنا لفي شك ينافيه قلت أجيب بأنّ الواو بمعنى أو أي أحد الأمرين لازم، وهو إنا كفرنا جزما فإن لم نجزم فلا أقل من أن نكون شاكين فيه، وأياما كان فلا سبيل إلى الإقرار، وقيل إنّ الكفر عدم الإيمان عمن هو من شأنه فكفرنا بمعنى لم نصدق، وذلك لا ينافي الشك أو متعلق الكفر الكتب، والشرائع، ومتعلق الشك ما يدعونهم إليه من التوحيد مثلاً، والشك في الثاني لا ينافي القطع في الأوّل، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إليه. قوله:(من الإيمان) أي المؤمن به أو في صحته إذ لا يظهر الشك في نفس الإيمان، وقوله بالإدغام أي إدغام نون الرفع في نون الضمير، وقوله موقع في الريبة فهو من أرانبي بمعنى أوقعني في الريبة، والثاني من أراب بمعنى صار ذا ريبة وهي صفة مؤكدة، وقد مز تحقيقه. قوله:(أدخلت همزة الإنكار على الظرف الخ) قيل المعنى أفي الله وحده شك لأنهم لم يكونوا دهرية منكرين للصانع بل عبدة أوثان فقوله: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} إشارة إلى برهان التمانع وقيل إنه يعم الشك في وجوده، ووحدته لأنّ فيهم دهرية، ومشركين، وقوله فاطر السماوات إشارة إلى الدليل عليهما، وتقديم في الله ليس بقصر بل للاهتمام بالمنكر المشكوك فيه لأنّ المنكر كونه تعالى محل الشك لا نفس الشك فإنه غير منكر، وقيل عليه إن تعليله يقتضي جواز التأخير لولا هذا القصد، وليس كذلك، وهو خطأ لأنّ وقوع النكرة بعد الاستفهام مسوغ للابتداء بها نحو هل رجل في الدار كما ذكره ابن مالك، وغيره فما قيل في جوابه أن المراد لم جعل هذا التركيب هكذا، وإن كان وجوبأ لا وجه له مع تعسفه، وقوله وهو لا يحتمل الشك أي احتمالاً ناشئا عن تأمل. قوله:(وشك مرتفع بالظرف الاعتماده على الاستفهام مع جواز كونه مبتدأ، ورجحه لأنّ فيه عدم الفصل بين التابع، ومتبوعه بأجنبي وهو المبتدأ بخلاف الفاعل فإنهم لم يعدوه أجنبيا لكونه كالجزء من عامله. قوله:) يدعوكم إلى الإيمان ببعثه إيانا (فعلى هذا المدعوّ له غير المغفرة، وهو الإيمان بقرينة إنا كفرنا، وعلى الوجه الثاني المدعوّ إليه المغفرة لا لأنّ اللام بمعنى إلى فإنه من ضيق العطن بل لأنّ معنى الاختصاص، ومعنى الانتهاء كلاهما واقعان في حاق الموقع فكأنه قيل يدعوكم إلى المغفرة لأجلها لا لغرض آخر، وحقيقته أنّ الأغراض آخر غايات مقصودة تفيد معنى الانتهاء، وزيادة كذا إفادة المدقق في الكشف، والحاصل أنّ المدعوّ إليه في الأوّل الإيمان، وليغفر لكم تعليل قصدا، وفي الثاني المدعو إليه المغفرة، والتعليل لازم لكن من غير
قصد، وقد قيل في الفرق بين الوجهين أن ليغفر لكم سبب غائيّ على الأوّل فتقدير المدعو إليه، وهو الإيمان لأنّ المغفرة ليست غاية لمطلق الدعوة بل للدعوة إلى الإيمان، وسبب حامل على الثاني فلا يحتاج إلى المدعو إليه، ولا يخفى أنّ العبادة تأباه. قوله:(بعض ذنوبكم وهو ما بينكم وبيته الخ) المراد بما بينهم، وبين الله حقوق الله الخالصة له، وان كان هذا التعبير يستعمل فبما خفي منها لكنه غير مراد هنا وهذا بناء على أنّ الإسلام لا يرفع المظالم، والذي صححه المحدّثون في شرح قوله صلى الله عليه وسلم:" أنّ الإسلام يهدم ما قبله " أنه يرفع ما قبله مطلقا حتى المظالم، وحقوق العباد وفيه تأمّل، والتوفيق بين الآيات الواقع فيها من وغيرها محتاج إليه لأنّ من التبعيضية مدلولها البعضية المجرّدة من الكلية لا الأعمّ منه الشامل لما هو في ضمنها، ولما تجرّد عنها كما صرّح به في التلويح، وما قيل عليه إنه محل نظر
لأنّ الرضي صرّح بعدم المنافاة بينهما مبنيّ على قول غير مرضيّ عند المحققين، وكذا ما قيل بزيادة من للتوفيق بينهما فإنه على قول الأخفش بزيادة من في الإثبات، وهو غير مقبول، ثم إنّ كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا ينافي قوله في سورة نوح عليه الصلاة والسلام في تفسير من ذنوبكم ببعض ذنوبكم، وهو ما سبق فإنّ الإسلام يجبه لا يؤاخذكم به في الآخرة حيث أخذ ما يجبه الإسلام عامّا لنوعي الذنوب فاضطرّ في توجيه البعضية إلى أن اعتبره بالنسبة لما قبل الإسلام، وما بعده من جنس الذنوب، وقوله يجبه بالجيم والموحدة أي يقطعه، ويرفع إثمه. قوله:(وقيل جيء بمن في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن الخ) هذا هو مختاره في الكشاف عكس ما قاله المصنف رحمه الله تعالى حيث قال ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين دون المؤمنين، وذكر آيات استشهد بها عليه، وأحاله على الاستقراء، ثم قالط وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد، واعترض عليه، وعلى قول المصنف رحمه الله تعالى في جميع القرآن، وقوله المعنى فيه أنّ المغفرة في خطاب الكفرة مرتبة على الإيمان، وفي خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة، وتجنب المعاصي، ونحوه فيتناول الخروج عن المظالم بأنه إنما يتم لو لم يجىء الخطاب للكفرة على العموم، وقد جاء ذلك كقوله في سورة الأنفال:{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [مورة الأنفال، الآية: 38] وقال الكلبي كتب وحشيّ قاتل حمزة رضي الله عنه، وأصحابه إنا ندمنا وسمعناك تقرأ والذين لا يدعون مع الله الهاً آخر الآية، وقد فعلنا كل ذلك فنزلت إلا من تاب فقال هذا شرط لعلي لا أقدر عليه فنزلت أنّ الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقالوا نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة فنزلت:{إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [سورة الزمر، الآية: 53] فأقبلوا مسلمين رضي
الله عنهم، وقال المصنف رحمه الله تعالى وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر، ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك قوله تعالى:{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [سورة النساء، الآية: 48] والتعليل بقوله أته هو الغفور الرحيم، وليس هذا بوارد لأنّ مراده أنه باق على العموم مع ذكر من وحذفها لأنّ الدلالة على أن بعضا آخر لا يغفر من قبيل دلالة اللقب، ولا اعتذاد بها كيف وللتخصيص فائدة أخرى، وهي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل، وءابقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان، وهذا معنى حسن لا تكلف فيه كما ذكره صاحب الك! شف، وأمّا توجيه المصنف رحمه الله تعالى فستعرف ما فيه، وأمّا الاعتراض بهذه الآيات فغير وارد لأنّ المراد ما ذكر فيه صيغة يغفر، وذنوب لا مطلق ما كان بمعناه، ولذا قال الزمخشريّ: إنه معلوم بالاستقراء، ومثله لا يخفى عليه ما أوردوه، ولا يلزم رعاية هذه النكتة في جميع الموادّ. قوله:(ولعل المعنى فيه) أي في التفرقة بين الخطابين أنها لما ترتبت في خطاب الكفرة على الإيمان لزم فهي من التبعيضية لإخراج المظالم لأنها غير مغفورة عنه، وأمّا في خطاب الصؤمنين فلما ترتبت على الطاعة، هـ اجتناب ال! معاصي التي من جملتها المظالم لم يحتج إلى ألتبعيضية لإخراجها لأنها خرجت بما رتبت عليه، وأورد عليه قوله تعالى {يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} حيث ذكرت من مع ترتبه على الطاعة واجتناب المعاصي الذي أفاده اتقوا، وقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} [سورة الصف، الآية: 0 ا] الآية لعدم ذكر من مع ترتبه على الإيمان فهذا يدل على أن وجه التفرقة ما في الكشاف لا ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى فتأمّل، وأمّا ما قيل في دفع ما ذكر فإنه غير ضارّ إذ يكفيه ترتبه في بعض المواد فيحمل مثله على أنّ القصد إلى ترتبه على الإيمان وحده بقرينة الآيات الأخر، وما ذكره يحمل على أن الأمر به بعد الإيمان فتكلف ما لا طائل تحته، وقوله إلى وقت سماه لا يلزم منه تعدد الأجل كما ذهب إليه المعتزلة كما مرّ تفصيله في قوله صلى الله عليه وسلم:" الصدقة تزيد في العمر " ونحوه. قوله: (لا فضل لكم علينا) أي لستم من جنس! آخر له فضل على جنسنا والفضيلة في بعض الجنس
على بعض لا تقتضي الوصول إلى النبوّة بزعمهم الفاسد وقوله من جن! أفضل مطلقا أو المراد الملائكة في اعتقادهم أو أفضليتهم باعتبار التجرّد، وعدم القوّة الشهوانية، وعلى كل حال فلا يلزم تفضيلهم على البشر بما ذكر حتى يكون كلامه مخالفاً لمذهب جمهور
أهل السنة، وقوله أو على صحة دعائكم قيل هذا أولى مما قبله، ولهذا اقتصر عليه في قوله الآتي حتى يأتي بما اقترحوه. قوله:(وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبؤة الخ) هذا هو مذهب أهل السنة، وليس يلزم منه نفي الفضيلة والمزية، وأنها غير لازمة للنبوّة بل أنها غير موجبة لذلك، وان كانوا جميعا لهم مزايا وخواص مرجحة لهم على غيرهم كما مرّ تحقيقه في قوله الله أعلم حيث يجعل رسالته، وقوله ليس لنا الإتيان بالآيات أي ليس مقدوراً لنا، وقوله ولا تستبده استطاعتنا أي لا تستقل به، وكان الظاهر أن يقول تستبد به، وقد تقدم تحقيقه، وقوله حتى نأتي بما اقترحتموه إشارة إلى ترجيح الوجه الثاني كما أشرنا إله. قوله:(فلنتوكل عليه في الصبر الخ (إشارة إلى دخولهم في المأمورين بالتوكل لدلالة ما بعده عليه حيث ذكر بصيغة المتكلم مع الغير، وان اختلف في دخول المتكلم في عموم كلامه كما بي في الأصول لأنّ محل الخلاف ما لم يعلم دخوله فيه بالطريق الأولى أو تقم عليه قرينة كما هنا، وقوله عمموا الأمر أي بالتوكل لأن موجبه الإيمان، وهو عام فيعمّ ما يستوجبه، وايمانهم أقوى فيقتضي أن توكلهم أعظم من توكل غيرهم، وقوله وقصدوا به أنفسهم لما مرّ فليس القصد أمر غيرهم فقط، واحتمال أن يراد بالمؤمنين أنفسهم، وما لنا التفات لا التفات إليه، والجمع بين الفاء، والواو تقدم تحقيقه في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام، وقوله أي عذر الخ إشارة إلى أنّ ما استفهامية للسؤال عن السبب، والعذر، وأن لا نتوكل بتقديو في. قوله:) التي بها نعرفه (يعني
أنّ السبل بمعنى الطرق إلى معرفة الله التي هدى الباس إليها، وقوله بالتخفيف أي بسكون الباء، وقراءة غيره بضمها، وهو الأصل فيه، وقوله أكدوا به الخ، لأنه فسر التوكل على الله بالاعتماد عليه في أمرهم بالصبر ليكون معناهما واحداً بحسب المآل. قوله:(فليثبت المتوكلون) فسره به لأنه أسند إلى المتوكل فيقتضي سبق توكله كما مرّ في نحو السلاح عصمة للمعتصم، وقوله هدى للمتقين لأنه لو لم يرد هذا كان المتوكل بمعنى مريد التوكل مجازا، وحينئذ يتكرر مع ما مرّ فلذا رجح التجوّز في المسند دفعا للتكرار إذ لا بد من التجوّز في أحد الطرفين فمن أعترض على ذكر المرجح بأنّ التكرار للاهتمام غير منكر فتأويله إنما هو لئلا يكون المتوكل بمعنى مريد التوكل فقد وهم. قوله:(حلفوا على أن يكون أحد الأمرين الخ) إشارة إلى أنّ قوله لنخرجنكم جواب القسم، ورفع لأنّ العود ليس فعل القسم فكيف يقسم على فعل الغير، وليس في وسعه لأنّ أحد الأمرين في وسعه، وقوله وهو بمعنى الصيرورة، وهي الانتقال من حال إلى أخرى إشارة إلى دفع ما يتوهم من أنّ العود يقتضي أنهم كانوا في ملة الكفر قبله، وليس كذلك فدفعه أوّلاً بأن عاد بمعنى صار وهو كثير الاستعمال بهذا المعنى فلا يقتضي ماذكر، واعترض على هذا في الفرائد بأنه لو كان عاد بمعنى صار لقيل إلى ملتنا فتعديته بفي تقتضي أنه ضمن معنى الدخول المتعدي بها أي لتدخلن في ملتنا ورد بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان في ملتنا صلة عاد أمّا إذا جعل خبراً لها لأنها بمعنى صار وهي من أخوات كان فلا يرد ما ذكر كما في نحو صار زيد في الدار نعم مما ذكره يفعهم وجه آخر، وهو جعله مجازأ بمعنى تدخلن لا تضمينا لأنه يقصد فيه المعنيان فلا يدفع المحذور، وهنا جواب آخر، وهو أنه على ظنهم، وزعمهم أنهم كانوا من أهل ملتهم قبل إظهار الدعوة كقول فرعون لموسى صلى الله عليه وسلم:{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [سورة الشعراء، الآية: 19] . قوله: (ويجوز ان يكون الخطاب لكل رسول ولمن آمن معه الخ) عطف بحسب المعنى على قوله بمعنى الصيرورة يعني أنّ الخطاب ليس للرسل عليهم الصلاة والسلام بل لهم، ولقومهم فغلبوا عليهم في نسبة العود إلميهم فإن كانوا حاضرين فظاهر، والا ففيه تغليب آخر في الخطاب كما مرّ في قصة شعيب كليه الصلاة والسلام. قوله:) على إضمار القول) أي فعل الإيحاء لا يلائم لنهلكن، وأوحى لا مفعول له أو هو مفعوله لكونه في معنى القول على المذهبين المشهورين في أمثاله، والمراد بالظالمين
المشركون لقوله تعالى إن الشرك لظلم عظيم، وهم لما أرادوا إخراجهم من ديارهم أخرجهم الله من دار الدنيا، وأورثهم أرضهم وديارهم كما في الحديث " من أذى جاره أورثه الله داره " وقوله أرضهم إشارة إلى أنّ التعريف للعهد لا عوض
عن المضاف إليه، وقوله وقرئ ليهلكن أي بالغيبة من الأفعال، وقوله ليخرجن بفتح الياء من الثلاثي، وقد تقدم تقرير هذه المسألة النحوية فيما يجوز في الفعل المذكور بعد القسم، وقوله إشارة إلى الموحى به توجيه لأفراد الضمير، وتذكيره مع أنّ المشار إليه اثنان فلا حاجة إلى جعله من قبيل {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [سورة البقرة، الآية: 68] وان صح. قوله: (موقفي وهو الموقف الذي يقيم فيه العباد الخ) يعني مقام إمّا بمعنى موقف الحساب فهو اسم مكان، واضافته إلى الله لكونه بين يديه أو مصدر ميمي بمعنى حفظي لأعمالهم ليجازوا عليها، وقيل قيامهم على القبور إذا بعثوا أو لفظ مقام مقحم أي مزيد فإنه سمع إقحامه في قوله يغيب عنه مقام الذنب لأنّ الخوف من الله. قوله:(أي وعيدي بالعذاب) فياء المتكلم محذوفة للاكتفاء بالكسرة عنها في غير الوقف، ومتعلقه محذوف أو هو بمعنى الموعود به، وقوله الموعود إشارة إلى هذا، وأنه مصدر من الوعد على وزن فعيل فيكون الوعد مستعاراً للإيعاد. قوله:(سألوا من الله تعالى الفتح على أعدائهم الخ) يعني أنّ السين للطلب، والفتح بمعنى القضاء لأنه يكون بمعناه لغة كما مرّ فقوله، والقضاء عطف تفسير، وهذا استنجاز للوعد السابق بإهلاكهم إن كان متأخراً عنه، والضمير للرسل عليهم الصلاة والسلام، وأتباعهم لأن الواو، لا تقتضي ترتيبا، وقوله لأنّ كلهم، وفي نسخة فإنّ كلهم تعليل للقولين الأخيرين، وإذا كان للكفرة فهو معطوف على قال الذين كفروا. قوله:(وقرئ بلفظ الأمر) وكسر التاء، وعطفه على لنهلكن والواو من الحكاية دون المحكي أو ما قبله لإنشاء الوعد فلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر مع أنّ مذهب النحاة تجويزه، وقوله ففتح
يعني أنه من قبيل إيجاز الحذف بحذف الفاء الفصيحة، والمعطوف عليه، وقوله فأفلح المؤمنون لازم الفتح، وذكر. لتظهر مقابلة الخيبة له لا أنه محذوف أيضا، ولو قدر لم يمنع منه مانع وعات اسم فاعل من العتوّ، وهو التجبر، وقوله معاند إشارة إلى أنّ عنيد فعيل بمعنى مفاعل كخليط بمعنى مخالط، ورضيع بمعنى مراضع، وهو كثير فصيح، وما قيل إنه يعني أنه بمعنى عاند، ولكنه فسره بمعاند لأنه اشتهر مما لا داعي له، وقوله أوقع أي أحسن لحصول ضد ما أفلوه لهم، ومطلوبهم لأعدائهم مع هلاكهم، وأمّا على الوجه الآخر فلأنّ الفتح مطلوب لهم، وان لم يستفتحوا. قوله:(من بين يدبه) يعني أن وراء هنا بمعنى قدام لأنها تطلق عليه لكونها من الأضداد أو لأنّ معناها ما توارى عنك سواء كان خلفاً أو قداما. قوله: (فإنه مرصد بها (بفتح الميم، وبالباء أي مراقب مشارف يقال رصد به إذا قعد على طريقه يترقبه، وفي نسخة مرصد لها بضم الميم، وباللام أي معدلها يقال أرصدت له العقوبة إذا هيأتها، وأعددتها، وحقيقته جعلها على طريقه كالمترقبة له، وفي نسخة مترصد بصيغة اسم الفاعل من التفعل، وبالباء، وقوله من وراء حياته أي أنه على تقدير مضاف، وهو الحياة أي بعد انقضاء عمره وما وقع في نسخة خيوبه بالخاء المعجمة من الخيبة من تحريف الناسخ، وقوله واقف على شفيرها على كونه بمعنى أمام إشارة إلى أنهم لخسرانهم بضلالهم، وان طالت أعمارهم متقاربون منها حتى كأنها حاضرة بلا فاصل، ووراء مراد به الزمان استعارة، وفي قوله واقف ومرصد إشارة إلى التجوّز فيه، وهذا على اعتبار أنها وراءهم في الدنيا فإن قدر المضاف كان بعدها فلا يلاحظ فيه ما ذكر، وقيل إنه إشارة إلى أنّ وراء بمعنى خلف. قوله: (وحقيقته ما توارى الخ) فليس من الأضداد كما قاله أبو عبيدة بل هو موضوع لأمر عام صادق عليهما، وقد مرّ تفصيله فتذكره، وقوله عطف على محذوف، وقيل على متعلق من ووائه المقدر. قوله:) عطف بيان لماء) إن جوّز وقوعه في النكرات، ومن أبا. يقول هو نعت له لأنه في الأصل صادر عن شربه أو بدل منه إن كان جامداً، ثم إطلاق الماء عليه إمّا حقيقة إن كان على التشبيه به أو مجاز لأنه بدله. قوله:(يتكلف جرعه الخ) أي تفعل دال على التكلف كتحلم، وقيل مطاوع جرّعه الماء فتجرّعه، وقيل إنه للمهلة، والتدريج كفهمته الكتاب، وعلمته أي شيئأ بعد شيء لمرارته لكن قوله فيطول عذابه يشعر بأنه لتطويل الله تعذيبه فلذا حمل على أنه متفرع عليه في الواقع، وقوله
يسيغه بضم الياء لأنه يقال ساغ الشراب كقال فأساغه غيره، وهو الفصيح، وان ورد ثلاثيه متعدّيا أيضاً على ما ذكره أهل اللغة. قوله:
(أسبابه من الشدائد) يعني أنّ المحيط به، والآتي من كل مكان له أسبابه فهو مجاز عنه أو بتقدير مضاف أو المراد بالمكان الأعضاء فإنها مكان مجازاً لذلك فليس بمعنى الجهة. قوله:(حتى من أصول شعره الخ) أي حتى يأتيه ففيه مقدر، والمراد به التعميم، وفسر ميت بمستريح لأنّ من مات استراج من ألم كان في جسده كما قيل: ليس من مات فاستراح بميت
قوله: (ومن بين يدبه عذاب غليظ البئ) يعني أنه لما هو أمامه كما مرّ، ولا يحتاج إلى
تقدير من وراء عذابه، وقوله يستقبله في كل وقت ليس تفسيراً للوراء بالزمان، وإنما هو لازم كون الوراء بمعنى الإمام لأنك إذا قلت قدامه عذاب دلّ على أنه بصدده وأنه يستقبله، وأمّا التعميم، والتأكيد فلأنّ كل وقت من أوقات تعذيبه بالصديد، وإتيان الموت من كل جانب يصدق عليه فيه أن قدّامه عذابا غليظاً هو يستقبله فلا يزال يتجدد له عذاب هو أغلظ من سابقه، والا لزم الخلف في خبر الصادق، وحبس الأنفاس أي لا يمكنه أن يتنفس لإطباق اللهب، والدخان عليه. قوله:(وقيل الآية متقطعة عن قصة الرسل عليهم الصلاة والسلام نارّلة في أهل مكة الخ) يعني قوله، واستفتحوا إلى هنا، والواو حينئذ عاطفة أمّ على قوله:{وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سورة إبراهيم، الآية: 2] أو على خبر قوله أولئك في ضلال بعيد لقربه لفظا ومعنى، وإنما ضعفه المصنف رحمه الله تعالى لعدم القرينة، وبعد العهد، وقيل الواو للاستئناف، وما أصاب قريشا من القحط بدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة معروف في السير، وقوله وأوعد إشارة إلى توجيهه على هذا التفسير، وقوله بدل إشارة إلى ما مرّ من أنه مجاز. قوله:(مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم الخ) هذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى كما مرّ، وهو أظهر الوجوه، وقوله صفتهم إشارة إلى أنّ المثل بمعنى الصفة الغريبة، وقد مرّ تحقيقه أيضاً، وقوله التي هي مثل أي كمثل إشارة إلى أنه مأخوذ منه لا من المثل بمعنى الشبه أو الشبيه. قوله:(أو قوله {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} الخ) قيل عليه أنه غير جائز لأنّ الجملة الواقعة خبراً عن المبتدأ الذي هو مثل عارية عن رابط يعود على المبتدأ، وليست نفس المبتدأ في المعنى
حتى يكون المعنى مثلهم هذه الجملة، وأجاب عنه السمين بأنه نفس المبتدا لأنّ معناه في تأويل مثل الذين أي ما يقال فيهم، ويوصفون به إذا وصفوا فلا حاجة إلى الرابط كقوله صفة زيد عرضه مصون، وماله مبذول، ولا يخفى حسنه إلا أنّ المثل عليه بمعنى الصفة، والمراد بالصفة اللفظ الموصوف به كما يقال صفة زيد أسمر أي اللفظ الذي يوصف به هو هذا كقوله هجير أبي بكر لا إله إلا الله، وهذا وان كان مجازاً على مجاز لكنه يغتفر لأنّ الأوّل ملحق بالحقيقة لشهرته وليس من الاكتفاء بعود الضمير على المضاف إليه لأنّ المضاف ذكر توطئة له كما مرّ وقد قيل إن المثل مقحم والاعتراض عليه بأنّ الأسماء لا تزاد مرّ ردّه فتذكره:
فما بالعهد من قدم
قوله: (وقيل أعمالهم بدل من المثل) هي على هذا بدل اشتمال وقوله كرماد خبر كقوله:
ما للجمال مشيها وئيدا
كذا قاله السمين، وفيه نظر وقال صاحب الكشاف أنه بدل بتقدير مثل في المبدل أي مثل أعمالهم فقال في الكشف أنه بدل كل من كل حينئذ وذلك لأنّ مثلهم ومثل أعمالهم متحدان بالذات وفيه تفخيم وقيل إنه عليه أيضا بدل اشتمال لأنّ مثل أعمالهم كونها كرماد ومثلهم كون أعمالهم كرماد فلا اتحاد لكن الأوّل سبب للثاني فتأمّل. قوله:(حملته وأسرعت الذهاب به) فاشتد من شد بمعنى عدأ، والباء للتعدية أو للملابسة، وقيل إنه يحتمل أن يكون من الشدة بمعنى القوّة أي قويت بملابسة حمله، وقوله اشتداد الريح أي قوّة هبوبها. قوله:(وصف ب زمانه للمبالغة الما كان معنى العصف الشدة لأنه من عصف الزرع بمعنى هشمه، وكسره كان صفة للريح لا لزمان هبوبها فوصفه به على الإسناد المجازي كنهاره صائم للمبالغة فيه ولم يحمله على الجرّ الجواري لأن شرطه أن يصح وصف الأوّل به، وهو لا يصح هنا لاختلافهما تعريفا وتنكيراً، وكون أصله عاصف الريح والتنوين عوض عن المضاف إليه ضعيف. قوله: (شبه صنائعهم الخ) الصنائع جمع صنيعة، وهي الإحسان يقال اصطنع إليّ زيد إذا أحسن فالتشبيه إما لأعمالهم الحسنة التي عملوها في الكفر للرياء
والسمعة من غير إخلاص لله، لأنها ضائعة لا ثواب لها أو ما عملوه لأصنامهم من القرب في زعمهم وقوله:) من معرفة الله (أي
توحيده إذ المشرك لا يعرفه حق معرفته، لأنه لو عرفه لم يشرك به، والتوجه إليه بمعنى الإخلاص وقوله:(أو أعمالهم الخ) عطف على قوله صنائعهم ولا مانع من التعميم لما يشملهما وقوله طيرته الريح مجاز عن تفريقه وقوله فذلكة التمثيل أي المقصود منه ومحصل وجهه. قوله: (إشارة إلى ضلالهم) وفي نسخة أي ضلالهم بأي التفسيرية وهما بمعنى والمراد بالضلال الكفر وما عملوه رياء وسمعة وحسبانهم أي ظنهم إحسانهم لجهلهم المركب وتزيين الشيطان وقوله: (فإنه الغاية في البعد عن طريق الحق) إذ لا يمكنهم العود إليه لظنهم أنهم على شيء واسناد البعد إلى الضلال مرّ تحقيقه. قوله: (خطاب للنبئ صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته) إنما حمله على أنّ الخطاب له صلى الله عليه وسلم شامل له، ولأمنه لقوله إن يشأ يذهبكم والمراد بالأمة أمة الدعوة لا أمة الإجابة وقوله:(على التلوين الخ) التلوين تغيير أسلوب الكلام إلى أسلوب آخر، وهو أعم من الالتفات، وأصل معناه تقديم الأنواع من الطعام للتفكه والتلذذ وإنما عبر به لأنّ فيه غير الالتفات، وهو الإفراد بعد الجمع وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. قوله ة (بالحكمة والوجه الذي يحق أن يخلق عليه) فالباء للملابسة وهو حال من المفعول أي ملتبسة بالحق والمراد بالحق الحكمة والمراد بالحكمة ما يحق لها أن تكون عليه فقوله والوجه عطف تفسير لها وقرأ حمزة خالق باسم الفاعل والإضافة وجر الأرض. قوله:(يعدمكم ويخلق خلقاً آخر مكانكم (إما من جنس البشر أو من غيره على ما مرّ في سورة النساء وقوله: (يعدمكم) من الإعدام إشارة إلى أن الإذهاب ليس المراد به النقل من عالم، أو مكان إلى آخر بقرينة ما بعده من قوله:{وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} . قوله: (رتب ذلك) أي أورده عقيبه وكونه إثباتا له ودليلا عليه يفيد تأكيده وتقريره، فلذا لم يعطف عليه لا يقال الاستدلال طلب الدليل أو تحصيل العلم بطريق الاكتساب، وذلك لا يسند له تعالى، فلا يكون مفعولاً له لاشتراط اتحادهما فاعلا على الرأجح، ولذا عدل عنه بعضهم إلى قوله إرشادا إلى طريق الاستدلال لأنا نقول استفعل يكون لغير الطلب كالصيرورة نحو استعبده أي صيره عبداً وحاصله إقامة الدليل واثباته وما ذكر من العدول لبيان المراد، والإرشاد أو هو مجاز عما ذكر وقوله:(خلق أصولهم) أي الأرض وما فيها من العناصر وما يكون فيها من الأغذية وما يتوقف عليه تخليقهم في عادة الله بمقتضى
حكمته وهو السماوات والكواكب وأوضاعها، والا فلا علية ولا شرطية بين الممكنات في الحقيقة، وتبديل الصور بجعل الغذاء- ف! ة ثم وثم وقوله بمتعذر أو متعسر أصل العزيز ما يعز ويندر وجوده والمراد ما ذكر وقوله:) فإنه قادر لذاته) أي قدرته ليست باستعانة وواسطة لا أنها عين ذاته وقوله: (لا اختصاص الخ) تفريع على القدرة الذاتية وقوله ومن كان هذا شأنه فذلكة الدليل السابق والآية. قوله: (أي يبررّون من قبورهم يوم القيامة لآمر الله الما كان معنى البروز الظهور لله الذي لا يخفى عليه خافية فسره بالبروز والخروج من القبور يوم القيامة وجعل اللام للتعليل بتقدير مضاف، وهو أمره وحسابه، فاللام ليست صلة للفعل أو صلة له بناء على زعمهم الناشئ عن جهلهم وقوله: (على ظنهم) أي في الدنيا، وأمّا في الآخرة فهو متعين، فلا غبار في كلامه كما توهم وقوله انكشفوا الخ كان الظاهر انكشفت أي الفواحش، لكنه ذكره لإسناده في النظم إليهم وبانكشافهم، وانكشاف قبائحهم ظهر أنّ الله كان مطلعاً عليهم. قوله:(الاتباع جمع ضعيف يريد به ضعاف الرأي الخ) يعني إطلاق الضعفاء على اتباعهم لضعف رأيهم، فهو تفسير واحد لا اثنان كما توهم، وقفخيم الألف إمالتها إلى مخرج الواو لا ما يقابل الإمالة المعروفة ولا ضدّ الترقيق وقوله:(فيميلها) تفسير له وكتابتها بالواو هو الرسم العثماني.
واعلم أنّ المصنف رحمه الله تبع الزمخشري في قوله إنّ الألف تفخم، فتجعل كالواو
وقد ردّه الجعبريّ رحمه الله وقال إنه ليس من لغة العرب فلا حاجة للتوجيه به لأنّ الرسم سنة متبعة وزعم ابن قتيبة أنه لغة ضعيفة فلو وجهه بأنه اتباع للفظه في الوقف بوقف حمزة كان حسنا صحيحا. قوله: (لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستنووهم) يعني انّ شأن رؤسائهم أن يجعلوهم تبعا لهم، ويحملوهم على
الغواية وهذا توطئة لقوله: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} وتقديم لكم للحصر أي تبعاً لكم لا لغيركم، وما قيل المعنى أنا تبع لكم لا لرأينا ولذا سماهم الله ضعفاء ولا يلزم منه كون الرؤساء أقوياء الرأي حيث ضلوا وأضلوا ولو حمل الضعف على كونهم تحت أيديهم، وتابعين لهم كان أحسن ليس بشيء يعتد به. قوله:(وهو جمع الخ) يعني أنه جمع فيه فاعل على فعل كخادم، وخدم، وهو من صيغ الجمع أو هو اسم جمع أو هو مصدر نعت به مبالغة بتأويل، أو بتقدير مضاف أي تابعين أو ذوي تبع وقوله:(دافعون عنا)
يشير إلى أنه من الغناء وهو الفائدة وضمن معنى الدفع، فلذا عذى بعن. قوله:) من الأولى للبيان واقعة موقع الحال الخ) إنما كان حالاً لأنه لو تأخر كان صفة، وصفة النكرة إذا قدمت أعربت حالاً، وقول أبي حيان إن من البيانية لا تتقدم على ما تبينه منعه غيره من النحاة تبعاً لمن جوّزه ففيه اختلاف والأصح جوازه، وإنما يفوت. بتقديمه كونه صفة لا بياناً وإنما تقدم الحال على صاحبها المجرور، وان منعه بعض النحاة فقد جوّزه كثير كابن كيسان، وغيره فيكفي مثله سنداً، وأما كونه حالاً عما سذ من شيء مسده، وهو بعض لا من المجرور فبعيد معنى، وصناعة مع أنّ قول المصنف رحمه الله بعض الشيء الخ لا يلائمه لأنه جعله بيانا للمضاف إليه فيكون حالاً من المجرور، وإن ص! ء تطبيقه عليه لأن بيان الشيء بيان لبعضه فمحصل المعنى هل يدفعون عنا بعض شيء، وهو العذاب. قوله:(ويجوز أن تكونا للتبعيض أي بعض شيء وبعض عذاب الله) ضمير هو عائد على شيء، وقيل إنه للبعض دون شيء حتى يكون المعنى بعض شيء هو أي ذلك الشيء بعض عذاب الله كما في الكشاف، ولا معنى لقوله هل أنتم مغنون عنا بعض بعض عذاب الله، وعلى هذا يكون من عذاب الله حالاً مما سد مسذه من شيء من غير خلل وفيه نظو لإنّ قوله لا معنى الخ مردود بأنه يفيد المبالخة في عدم الغناء كقولهم أقل من القليل. قوله:) والإعراب ما سبق الخ (أي الجار والمجرور الأوّل واقع موقع الحال، والثاني واقع موقع المفعول، والكلام فيه ما تقدم، وقيل إنه بدل ويأباه اللفظ والمعنى كما في الكشف، وأورد على الأوّل أنّ المحقق السعد قال في قوله تعالى: {كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً} [سررة. البقرة، الآية: 168] في البقرة إن كون التبعيضية ظرفا مستقرّاً، وكون اللغو حالاً مما يأبا. النحاة، وأن كلام المصنف رحمه الله يخالفه ومخالفته ظاهرة إلا أنه محل بحث. قوله: (ويحتمل أن تكون الأولى مفعوفي! و، لمانية مصدرا) كون الثانية مصدراً بمعنى أنها.، صفة مصدر سادّ مسده، وشيء عبارة عن إغناء مّا، ويلزم منه أن يتعلق حرفان من جنس واحد بمتعلق! واحد دون ملابسة بينهما تصحح النسبة، وفيه نظر لأنه لكون أحدهما في تأويل المفعول به والآخر في تأويل المفعول المطلق صع العمل، ولم يكونا من جنى واحداً، وتقييده بالثاني بعد اعتبار تقييله بالأول على حد ثئما. رزقوا منها من ثمرة ررّقا} [سورة البقرة، الآية: 25] وقيل إنّ من الثانية على هذا مزيدة في الإثبات والأصل إغناء شيئا والبعضية مستفادة من شيء المنكر لا لأنّ من تبعيضية، ولا يخفى ما فيه، وقوله في الإثبات لا وجه له لأن أفي ستفهام هنا في معنى النفي، ومن تزاد بعده. قوله:(جواباً عن معاكبة الاتباع) يشير إلى أنّ
قولهم هل أنتم مغنون للتبكيت فينطبق عليه جوابهم، وقوله اخترنا لكم الخ يعني أنّ هذا هو النصح لكنا قصرنا في رأينا لا أنهم أحالوا ضلالهم، واضلالهم على الله كما ذهب إليه الزمخشريّ، وقوله سدد تفعيل من السذ لا من السداد. قوله:(مستويان علينا الجزع والصبر) يعني أجزعنا أم صبرنا في تأويل مصدر هو مبتدأ، وسواء بمعنى مستو خبره، وأفرد لأنه مصدر في الأصل كما مرّ تفصيله، وتحقيقه في سورة البقرة وما لنا من محيص جملة مفسرة لما قبلها، والجزع حزن يصرف عما يراد فهو أبلغ من الحزن، وضمير علينا وجزعنا، وصبرنا للمتكلم منهم أو للمستكبرين أو لهم، وللضعفاء معا كما سيصرح به، وهو بيان لاتصاله بما قبله كما فصله في الكشاف، واتصاله على الأخيرين ظاهر، وعلى الآخر بالنظر إلى أوّل الكلام لأنّ قولهم هل أنتم مغنون عنا جزع منهم، وكذا جوابهم باعترافهم بالضلال. قوله: (منجا ومهرب من العذاب الخ (معنى حاص جاء وفرّ فالمحيص إمّا اسم مكان أي ليس لنا محل ننجو فيه من عذابه، والمعنى لا نجاة على الكناية فهو، والمصدر الميمي بمعنى، ورجح كونه من كلام الفريقين لشدّة اتصاله بما قبله عليه، وأيده بالرواية المذكورة ووجه التأييد ظاهر لأنّ احتمال كونه كلام أحد الفريقين بعيد، وعلى تفسيره الأوّل فهو من كلام القادة
فقط، واتصاله ظاهر، وسكت عن كونه من كلام الاتباع المذكور في الكشاف للفاصل بينهما، وأن وجهه بأنّ عتابهم لهم جزع فمن ادّعى أنّ الوجوه الثلاثة مندرجة في كلامه لا حجة له، وفيه ردّ على الزمخشري إذ جعل الأثر مؤيداً لكونه من كلام كبرائهم ووجهه أنه جنح إلى أنهم الآمرون لهم، وجزعهم رجاء لرحمة الله وكذا صبرهم. قوله:(وقال الشيطان) وهو خطيب جهنم روى القرطبيّ رحمه الله تعالى أنهم يقولون له اشفع لنا فإنك أضللتنا فيقوم خطيبا فيهم، ويقول إنّ الله وعدكم وعد الحق الخ. وقوله وعدا من حقه الخ إشارة إلى أنه من إضافة الصفة إلى موصوفها بالتأويل المشهور، وقوله أو وعدا أنجزه فهو بمعناه المصدري وقيل مراده أنّ الوعد لا يتصف بالحق إلا وقت إنجاز.، وعلى الأوّل يتصف به وقت صدوره، وكلا المعنيين يناسب معناه اللغوي،
والثاني أنسب به، وقيل إنه على الثاني مقابلة فأخلقتكم، وعلى الأوّل مقابفه محذوف بقرينة الكلام الثاني أي فوفى، وأنجز كما أنّ مقابل وعد الحق محذوف من الثاني لقرينة الأوّل وهو من الإيجاز البليغ فتأمل، وقيل الأوّل باعتبار استحقاقه للإنجاز، والثاني لاتصافه بالإنجاز بالفعل. قوله:(وعد الباطل) فسره به لدلالة مقابله، ودلالة قوله فأخلفتكم عليه، وقوله جعل تبين خلف وعده يعني أنه استعير الإخلاف لعدم تحقق ما أخبر به وكذبه، ولو جعل مشاكلة لصح أيضا، وقوله تسلط فهو مصدر وهو تبرّ منهم، ومنهم من فسره بالحجة، وهو حسن. قوله:(وهو ليس من جنس السلطان) أي حقيقة ولكته من جنسه ادعاء فلذا كان الاستثناء متصلا من تأكيد الشيء بضد. كقوله:
وخيل قددلفت لهابخيل تحية بينهم ضرب وجيع
وهو من التهكم، وكونه استعارة أو تشبيهاً أو غيرهما غير صحيح كما تقدم تحقيقه في سورة البقرة فإن لم يعتبر فيه التهكم والادعاء يكون الاستثناء منقطعا على حد قوله:
وبلدة ليس بها أنيسى إلا اليعافير والا العيسى
قوله:) أسرعتم إجابتي) مستفادة من الفاء، وقيل من السين لأنها، وان كانت بمعنى الإجابة لكنه عد من التجريد، وأنهم كأنهم طلبوا ذلك من أنفسهم فيقتضي ذلك السرعة، وهو بعيد، وقوله صرح العداوة الخ. صرح يكون لازما، ومتعديا يقال صرح الشيء، وصرح هو أي انكشف قاله المرزوقيّ في قوله:
فلما صرّج السرّ فأس! ى وهوعريان
وتصريحه بقوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [سورة الأعراف، ألاية: 16] وقوله بأمثال ذلك أي لا يلام بالوسوسة بعد تبين أنه عدوّ لهم، وإنما اللوم عليهم في اتباع عدوّهم، وترك سيدهم، وخالقهم المنعم عليهم كما بينه بقوله ولوموا أنفسكم. قوله: (واحتجت المعتزلة بأمثال ذلك على استقلال العبد بأفعاله (وكونها مخلوقة له، والجواب ما ذكره المصنف رحمه
الله لا أنه من- جملام الشيطان فلا يكون- حجة لأنه ذكر من كير إنكار، وان كان عدم الإنكار لا يدل على القبول أيضا. قوله:(بمغيثكم من العذاب) إشارة إلى أنّ المصرخ من الصراخ، وهو مدّ الصوت بمعنى المغيث يقال استصرخته فأصرخني أي أغاثني، والهمزة للسلب يعني أزال صراخي والصارخ هو المستغيث قال:
فلاتصرخوا إني لكم غيرمصرخ وليس لكم عندي غناء ولانصر
قوله: (وقرأ حمزة بكسر الياء على الأصل في التقاء الساكنين) بيع أصله مصرخين ليس فأضيف، وحذفت نون الجمع للإضافة فللثقت ياء الجمع الساكنة، وياء / المتكلم، والأصل فيها السكون فكسرت لالتقاء الساكنين وأدغمت، وقد طعن في هذه القراءة الزجاج رحمه الله، واستضعفها تبعاً للفراء، وتبعه الزمخشري، والمصنف رحمه الله والإمام، وهو وهم منهم فإنها قراءة متواترة عن السلف، والخلف فلا يجوز أن يقا-ل إنها خطا أو قبيحة، وقد وجهت بأنها لغة بني يربوع كما نقله قطرب، وأبو عمرو ونحاة الكوفة فإنهم يكسرون ياء المتكلم إذا كان قبلها ياء أخرى، ويوصلونها، يياء كعلمى ولدحي، وقد يكتفون بالكسرة قال الأغلب العجلي:
أقبل في ثوب معافرقي عنداختلاط الليل والعشيّ
ماض إذا ما همّ بالمضيّ قال لهاهل لك ياتافيّ
أي يا هذه فلا عبرة بمن أنكرها، وقال إنّ الشعر مجهول لا يعرف قائله، وقوله فإذا لم ئكسر، وقبلها ألف فبالحري أن لا تكسر، وقبلها ياء عين قول الزمخشريّ لأنّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث جاء قبلها ألف فما بالها، وقبلها ياء فإنه ردّ بأنه روي سكون الياءلجعد الألف، وقرأ به القراء في محياي، وما ذكره أيضا قياس مع الفارق فإنه لا يلزم من كسرها مع الياء لمجانستها كسرها مع الألف الغير المجانسة للكسرة ولذا فتحت لمجانستها وقوله مع أنّ حركة ص ياء الإضافة الفتح إن أراد أنه الأصل مطلقاً أو في كل محل فممنوع لأنّ أصل المبنيّ أن يبنى على السكون ومع الياء أجرى على الأصل، وقوله فإذا لم تكسر الخ علمت ما فيه، وقوله إجراء لها الخ لكونها ضميرا مفردا فقد علمت من هذا صحة هذه القراءة، وأنها لغة فصيحة، وقد تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث بدء اللوحي فلا وجه لإنكارها، ولا لما قاله المصنف رحمه الله تبعا للزمخشري، وقد علصت ردّه. قوله:(ما إمّا مصدرية ومن متعلقة الخ) المعنى
على المصدرية كفرت بإشراككم إياي لله في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر كما يطاع الله في أعمال الخير فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به، وتنزيلها منزلته أو لأنهم لما أشركوا الأصنام، ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه، وقوله كفرت اليوم لأنه حمله على إنشاء التبري منهم في يوم القيامة لأنه الظاهر، وقد جوز فيه النسفيّ رحمه الله أن يكون إخباراً عن أنه تبرّ منهم في الدنيا فيكون من قبل متعلقاً بكفرت أو متنازعا فيه، وقوله بمعنى تبرأت منه فالكفر مجاز عن التبري منه مما هم عليه. قوله:(أو موصولة بمعنى من نحو ما في قولهم الخ) يعني ما موصولة بمعنى من إذا وقعت على ذوي العلم كما في المثاو / المذكور إذ هي واقعة عليه تعالى بحسب الظاهر، وان جوّز فيها أن تكون مصدرية بتقدير مضاف أي سبحان موجد أو ميسر تسخيركن لنا، والضمير للنساء، وسبحان للتعجب تعجب من تسخير الله النساء للرجال مع مكرهن وكيدهن، وفي قوله نحو ما لطف إذ يحتمل لفظها، والموصولية، وقال الطيبي رحمه الله ما لا تستعمل في ذوي العلم إلا باعتبار الوصفية فيه، وتعظيم شأنه كما في هذا المثال أي سبحان الذي سخركن أي قادكن وأمثالكن لنا أو خلقكق لأجلنا. قوله:(اي كفرت بالذي أشركتمونيه) فالعائد مقدر فعلى هذا يكون ذلك من إبليس إقراراً بتقدم كفره، وانّ خطيئته سابقة عليهم فلا إغاثة لهم منه، وعلى الأوّل نفي لامتنانهم عليه باتباعه في الضلال، وقوله منقول من شركت زيداً للتعدية تعليل للنقل، وأنّ همزته للتعدية للمفعول الثاني، وقوله أو ابتداء كلام يؤيده قراءة أدخل بصيغة المتكلم، ووجه الإيقاظ، التدبر ظاهر إذ لم يفدهم ولم ينفعهم غير الله. قوله:(بإذن الله تعالى وأمره) عطف أمره عليه عطف تفسيريّ لأنه المراد منه على طريق الاستعارة كما تقدم تحقيقه في هذه السورة، وقوله ب! ذن ربهم متعلقاً بقوله تحيتهم لم يعلقه بأدخل مع أنه سالم من الاعتراض، ومع أنه يشتمل حينئذ على الالتفات أو الخريد، وهو من المحسنات لأنّ قولك أدخلته بإذني كلام ركيك لا يناسب بلاغة التنزيل، والالتفات،
والتجريد حاصل إذا علق بما بعده أيضا وتعلقه بخالدين لا يدفع الركاكة كما في الكشف لأنّ الإذن إنما يكون للدخول لا للاستمرار بحسب الظاهر فمن قال لا محذور فيه لم يأت بشيء، وكون المراد بمشيئتي، وتيسيري لا يدفعه عند التأمل الصادق، وقد اعترض أبو حيان على هذا بأنّ فيه تقديم معمول المصدر المنحل بحرف مصدريّ، وفعل عليه، وهو غير جائز ورد بأنه غير منحل إليهما هنا لأنه ليس المعنى المقصود منه أن يحيوا فيها بسلام فالظاهر أنه غير منحل ولو سلم فمراده التعلق المعنوي فالعامل فيه فعل مقدر يدل عليه تحيتهم أي يحيون بإذن ربهم، وفي قول المصنف رحمه الله أي تحييهم الملائكة إشارة إليه. قوله:(كيف اعتمله ووضعه) وفي نسخة اعتمده بالدال وقد سبق في سورة البقرة أنّ ضرب المثل اعتماله من ضرب الخاتم، وأصل الضرب وقع شيء على آخر، وقد مرّ هناك تحقيقه بما لا مزيد عليه فإن أردته فراجع ما قدمناه ثمة وقوله ووضعه عطف تفسيريّ لاعتمله. قوله:(أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة الخ) فكلمة على هذا منصوبة بفعل مضمر، وهو جعل، والجملة تفسير لقوله ضرب الله مثلاً كقولك شرّف الأمير زيداً كساه حلة، وقيل فيه تكلف إضمار لا داعي له وردّ بأنه
محتاج إليه في أداء هذا المعنى، وفيه تأمّل فالمثل بمعنى التشبيه التمثيلي لا الاستعارة.
قوله: (ويجوز أن تكون كلمة بدلاً من مثلَا) قيل عليه أنه لا معنى لقولك ضرب الله كلمة
طيبة إلا بضم مثلا إليه فمثلاً هو المقصود بالنسبة فكيف يبدل منه غيره، وهذا بناء على ظاهر قول النحاة إن المبدل منه في نية الطرح، وهو غير مسلم، وهذا الوجه مبنيّ على تعدي ضرب إلى مفعول واحد، والبدل قيل إنه بدل اشتمال، ولو جعل بدل كل من كل لم يبعد، وقوله وأن تكون أوّل مفعولي ضرب الخ بناء على أنها تتعدى إلى مفعولين كما مرّ تفصيله إمّا لكونه بمعنى جعل، واتخذ أو لتضمنه معناه، ولا يرد عليه بأنّ المعنى أنه تعالى ضرب لكلمة طيبة مثلا لا كلمة طيبة مثلاً لأنّ المثل عليه بمعنى الممثل به، والتقدير ذات مثل أولها مثلاً. قوله:(وقد قرئت) أي كلمة بالرفع على الابتداء لكونها نكرة موصوفة، والخبر كشجرة، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف أيضا وكشجرة صفة أخرى، والجملة خبر لمبتدأ مقدّر، وهي تفسير لقوله ضرب الله مثلاً عليهما، وقوله ضارب بعروقه فيها تفسير للأصل بالعروق الداخلة في الأرض فضارب من ضرب في الأرض إذا سار فيها تجوز به عن الدخول، وقوله وأعلاها تفسيره
بالأعلى لتفرّعه على الأصل من قولهم فرع الجبل إذا علاه وتوجيه لإفراد. مع أنّ كل شجرة لها فروع بأنه أفرد لأنه أريد به الأعلى أو المراد به الفروع لأنه مضاف والإضافة حيث لا عهد ترد للاستغراق فاكتفى بالواحد أو لأنه مصدر بحسب الأصل، واضافته تفيد العموم، وكلام المصنف رحمه الله يحتملهما، وأفنان جمع فنن بفتحتين، وهو الغصن، والشعبة من الشجر والسماء بمعنى جهة العلو لا المظلة. قوله:(والأوّل على أصله ولذلك قيل إنه أقوى ولعل الثاني أبلغ) كون الأوّل على الأصل الأقوى لإثباته لمن هو له قال ابن جني رحمه الله لأنك إذا قلت ثابت أصلها فقد أجريت الصفة على غير ما هي له، وهو الشجرة إذ الثبات إنما هو للأصل، والصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سببه قد تجري عليه لكنها أخص بما هي له لفظا، ومعنى فالأحسن تقديم الأصل عناية به مع ما فيه من حسن التقابل، والتقسيم، وقولك مررت برجل أبوه قائم أقوى من قولك قائم أبوه لأنّ المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب لا الرجل مع ما فيه من تكرّر الإسناد، وكون الثاني أبلغ أي أكثر مبالغة لجعل الشجرة بثبات أصولها ثابتة بجميع أغصانها، وقوله تعطي ثمرها تفسير له، ونسبة الإعطاء إليها مجازية. قوله:(وقتة الله تعالى لإلمارها) وفيه نسخة أقته بالهمزة، وهما بمعنى قيل إذا كان المراد من الشجرة النخلة على ما روي فكلها الطلع، والبسر والرطب، والتمر وهو دائم لا ينقطع فلا حاجة إلى التقييد بهذا القيد، ولا يخفى أنه تقييد للإيتاء لا ل! ل فلا بد من تخصيصه بما ذكر، وقوله بإرادة خالقها، وتكوينه مر تحقيقه. قوله:(لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير الخ الأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس، والخيال، والوهم فإذا ذكر ما يلائمها من المحسوسات ترك الحس، والخيال المنازعة، وانطبق المعقول على المحسوس فحصل به الفهم التام، وقد مرّ تفصيله. قوله: (كمثل شجرة) يعني فيه مضاف مقدر، والمثل بمعنى الصفة القريبة وقوله استؤصلت بالهمزة، وتبدل واواً أي قلعت من أصلها، واجتثت مأخوذ من الجثة، وهي البدن يقال اجم! مت الشيء بمعنى اقتلعته فهو افتعال من الجثة كما أشار إليه المصنف رحمه الله قال لقيط الأيادي: هو الجلاء الذي يجتث أصلكم فمن رأى مثل ذا آت ومن سمعا
وقوله بالكلية إشارة إلى أنه عبارة عن ذلك، وقوله لأنّ عروقها قريبة منه أي من الفوق فكأنها فوق بدليل ما بعده، وقوله ما أعرب أي دل وأظهر، وقوله فالكلمة أي على تعميمها المراد بها ما ذكر، وقوله وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة فيكون المقصود تشبيه الكلام الحق بها كما شبه بها (المؤمن) في الحديث ووجه الشبه ثباتها، وعدم تغيرها بحسب الفصول، وطيب ثمرتها. قوله:(وروي ذلك مرفوعاً الخ) قال الحافظ في الدر المنثور أخرجه الترمذقي والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من بسر فقال: " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة حتى بلغ ثؤتي كلها كل حين بإذن ربها قال هي النخلة، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة حتى بلغ ما لها من قرار قال هي الحنظلة، والكشوت " بالفتح، وتضم والأكشوث بالكاب، والشين المعجمة، والثاء المثلثة
نبت متعلق بالأغصان له عرق في الأرض، وقال الخليل بن أحمد أنه من كلام أهل السواد وليس بعربيّ محض، وتشبيه الكلمة الخبيثة به لعدم ثباتها، ونفعها، ولذا يشبه به الرجل الذي لا حسب له، ولا نسب كما قال الشاعر:
فهوالكشوث فلا أصل ولا ورق ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر
واطلاق الشجر على الحنظل، والكشوث للمشاكلة إذ هو نجم لا شجر، وقوله وبشجرة
في الجنة معطوف على قوله بالنخلة، وهذا مرويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو أنسب بقوله تؤتي أكلها كل حين، وكذا تفسيرها بالحنظل مروفي عن النبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مرّ. قوله:(الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم) بالقول جوّزوا تعلقه بيثبت، وآمنوا وفي الحياة متعلق
بيثبت أو بالثابت فإذا تعلق بآمنوا فالباء سببية، والمعنى آمنوا بالتوحيد الخالص فوجدو.، ونزهوه عما لا يليق بجنابه فإذا تعلق بيثبت فالمعنى ثبتهم بالبقاء على ذلك أو ثبتهم في سؤال القبر به، وقوله فلا يزالون أي يتحوّلون عما هم عليه إذا قيض لهم من يقيهم، ويحاول زللهم عنه، وزكريا ويحى معروفان وجرجيس من الحوارفي من أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام علمه الله الاسم الأعظم الذي يحيي به الموتى، وكان بالموصل وبها ملك جبار كافر فدعاه جرجيس إلى عبادة الله ونهاه عن عبادة الأصنام فأمر به فشد يداه، ورجلا. ومشط بأمشاط من حديد ثم صب عليه ماء الملح فصبره الله على ذلك، ثم سمر عينيه وأذنيه بمسامير من حديد فصبر عليه، ثم دعا بحوض نحاس فأحمى، ثم ألقي فيه وأطبق رأسه عليه فجعله الله عليه برداً وسلاماً، وزاده حسناً وجمالاً، ثم قطع إربا إربا فأحياه الله، ثم دعاهم إلى الله، وأحيا الموتى فلم يؤمن الملك فأمره الله بأن يعتزلهم، ثم خسف بهم الأرض وشمعون كان من زهاد النصارى، وكان يحارب عبدة الأصنام من الروم فاحتالوا بأنواع الحيل عليه فلم يقدروا على قتله إلى أن خدعته امرأته بوعدها بأموال كثيرة، ونحوها فسألته في خلوة له كيف يغلب عليه فقال إن أشد بشعري إذا لم أكن طاهرا فإني لا أقدر على حله فأخبرتهم ففعلوا به ذلك، وألقوه من مكان عال فهلك، وقوله والذين فتنهم أصحاب الأخدود معطوف على زكريا، وستأتي قصرتهم في سورة البروج، وتلعثم بمعنى تأخر وتوقف عن الإجابة. قوله:(وروي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن الخ)(1) هذا الحديث أخرجه أبو داود والحاكم عن البواء بن عازب رضي الله عنه وصححوه، وهذا الحديث يدلّ على أنّ المراد من الآخرة القبر لأنه أول منزل من منازلها، وقد سماه بعض الأدباء دهليز باب الآخرة، واعادة الروح في القبر عند السؤال كما في حال.
الحياة، وقيل كحال النوم، ولعل المنادي من السماء ملك مأمور بذلك، وقوله بالاقتصار على التقليد أي تقليد أهل الضلال بقرينة المقام لا مطلق التقليد بدليل ما فرع عليه. قوله:(أي شكر نعمته كفرا بأن وضعوه مكانه الخ) فعلى الأوّل التبديل التغيير في الوصف، وهو على تقدير مضاف، والتبديل لغويّ، وعلى الثاني التبديل في الذات إذا زالت النعمة، وحل في محلها الكفر، وقوله فصاروا تاركين لها فالتبديل بين نفس النعمة وكفرانها، وقوله فقحطوا أي أصابهم القحط والغلاء، وقحطوا كسمعوا، ويقال قحطوا وأقحطوا بضمهما على قلة، وقوله إلا فجران أي الحيان إلا فجران وقوله فمتعوا إلى حين أي بقوا ولم يفنوا. قوله:(الذين شايعوهم) أي تابعوهم في الكفر، وهو صفة للقوم وضمير شايعوا لهم وهم للذين، وهم صناديد مكة، ودار الهلاك جهنم وحملهم على الكفر كونهم دعوهم له. قوله:(داخلين فيها مقاسين لحرّها) تفسير له على الوجهين وقيده بمقاسين لتتم الفائدة لأنّ الدخول فهم من قوله أحلوا ولو اقتصر على الثاني كان أحسن، وأفيد فإن صلى النار معناه قاسى حرّها، وقوله وبئس المقر جهنم إشارة إلى أنّ المخصوص بالذم محذوف. قوله:(وليس الضلال ولا الاضلال الخ) يعني أنه من الاستعارة التبعية كما في قوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [سورة القصص، الآية: 8] شبه ما يترتب على فعل الشخص بالعلة الباعثة فاستعمل له حرفه، وقد قيل عليه إنّ كون الضلال نتيجة للجعل لله أندادا غير ظاهر إذ هو متحد معه أو لازم لا ينفك عنه إلا أن يراد الحكم به
أو دوامه وردّ بأنهم مشركون لا يعتقدون أنه ضلال بل يزعمون أنه اهتداء فقد ترتب على اعتقادهم ضده على أنّ المراد بالنتيجة ما يترتب على الشيء أعمّ من أن يكون من لوازمه أولاً، وقوله جعل كالغرض أي أدخل عليه اللام التي تدخل عليه، وقد مرّ تفصيله في سورة الأنعام، ولا يخفى أنّ ما يترتب على الشيء يكون متأخرا عنه في الوجود، وهذا ليس كذلك
فلا بد من التأويل المذكور، وما ذكره مكابرة. قوله:(بشهويكم أو بعبادة الأوثان الخ) يعني معموله مقدر، والمراد بالشهوات الشهوات المعروفة في المآكل والملابس، والمساكن والمناكح، ونحوها أو المراد بها عبادة الأوثان لأنهم لضلالهم يتلذذون بها لعنادهم فشبهت بالمشتهيات المعروفة لأنّ التمتع لا يكون إلا بها. قوله:(وفي التهديد بصبغة الأمر لىلذان بأنّ المهدد الخ) في الكشاف تمتعوا إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر، وأنهم لا يعرفون غيره، ولا يريدونه مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع لا يسعهم أن يخالفوه، ولا يملكون لأنفسهم أمرا دونه، وهو أمر الشهوة، والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة فإنّ مصيركم إلى النار، ويجوز أن يراد الخذلان والتخلية، والوجهان مشتركان في التهديد، وسيأتي له تفصيل في سورة العنكبوت، وهكذا كقول الطبيب لمريض يأمره بالاجتماء فلا يحتمي كل ما تريد فإنّ مص! يرك إلى الموت وهو استعارة، وقوله لإفضائه أي لإيصال المهدد عليه، وهو التمتع إلى المهدد به، وهو النار، وأنّ الأمرين أي التمتع ومصيرهنم إلى النار كائنان لا محالة فلذا استعمل له صيغة الأمر تشبيها له بآمر مطاع لمأمور مطيع في تحقيق ذلك فهذا وجه الشبه بينهما كما أشار إليه المصنف رحمه الله، وقوله ولذلك علله أي الإنذار المذكور فقوله فإنّ مصيركم تعليل لما قبله، وهو قريب من جعله جواب شرط مقدر أي إن دمتم على ما أنتم عليه فإنّ الخ ومصير مصدر صار بمعنى رجع، والى النار خبره. قوله:(خصهم بالإضافة ئنويهاً لهم) أي رفعاً لهم وتشريفا، والا فالأمر شامل لهم، ولغيرهم بناء على أنّ الكفار مخاطبون بالفروع، ولما هدد الكفار بأنهماكهم في اللذة الفانية أمر خلص عباده بالعبادة المالية، والبدنية وخصهما لأنهما أمّ العبادات. قوله:(ومفعول قل محذوف دلّ عليه جوابه الخ) وفي نسخة مقول قل وجوابه يقيموا الخ وقوله فيكون إيذانا الخ اسم كان ضمير مستتر عائد إلى جعل يقيموا أو ينفقوا جواباً للأمر، وفي جزمه على الجوابية قولان أحدهما أنه جواب قل، وهو قول الأخفش، والمبرد، وأورد عليه أنه لا يلزم من قوله أقيموا وأنفقوا أن يفعلوا وكم مرّة يخلف أمره، ورد بأنّ المراد بالعباد خلص المؤمنين، ولذا أضافهم إليه تشريفا وهم متى أمروا اتثلوا، وإلى هذا أشار المصنف رحمه الله بقوله لفرط مطاوعتهم، ومنه يعلم نكتة حذف المقول إيهاما
لأثهم يفعلون بدون أمر مع أنّ مبناه على أنه يشترط في السببية التامة، وقد منع فقوله جوايه الضمير لقل لا للمقول حتى يكون هو القول الآخر الثاني أنه مجزوم في جواب الأمر المقول المحذوف، والتقدير قل لعبادي أقيموا، وأنفقوا يقيموا، وينفقوا وعزى هذا للمبرد أيضاً، وقيل عليه إنه فاسد لوجهين أحدهما أنّ جواب الشرط لا بد أن يخالف فعل الشرط إمّا في الفعل أو في الفاعل أو فيهما فإذا اتحدا لا يصح كقولك قم يقم إذ التقدير أن يقيموا يقيموا، والثاني أنّ الأمر المقدّر للمواجهة وهذا للغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً قيل أمّا الأوّل فقريب، وأمّا الثاني فليس بشيء لأنه يجوز أن يقول قل لعبدك أطعني يطعك، وان كان للغيبة بعد المواجهة باعتبار حكاية الحال، وقيل إنه فيه شرط مقدر، وهذا مجزوم في جوابه، وقيل يقيموا خبر في معنى الأمر وردّ بحذف النون، وان وجه بتوجيهات ضعيفة، وقيل مقول القول الله الذي الخ، ولا يخفى ما فيه، وقوله لا ينفك فعلهم عن أمره الأمر هنا مصدر بمعنى قوله أقيموا، وأنفقوا. قوله:) ويجورّ أن يقدرا بلام الأمر الخ) هذا معطوف على ما قبله بحسب المعنى أن يجعل جزمهما بلام أمر مقدرة اي ليقيموا، وينفقوا كما في البيت المذكور، ويكون هو مقول القول قالوا، وأنما جاز حذف اللام هنا لأنّ الأمر الذي قبله، وهو قل عوض عنه، ودال عليه، ولو قيل يقيموا، وينفقوا ابتداء بحذف اللام لم يجز، وقد جعل ابن مالك حذف هذه اللام على أضرب قليل
وكثير، ومتوسط فالكثير أن يكون قبله قول بصيغة الأمر كما هنا والمتوسط ما تقدمه قول غير أمر كقوله:
قلت لبواب لديه دارها تيذن فإني حمؤها وجارها
والقليل ما سواه، وقوله ليصح تعلق القول بهما أي يكونان مقولاً له لا أنّ مفعوله محذوف كما في الإعراب الأوّل، وقوله وإنما حسن الخ قد علمت وجهه مما نقلناه عن ابن مالك رحمه الله. قوله:
(محمدتفدنفسك كل نفس إذاماخفت من أمرتبالا (
تيل إنه للأعشى من قصيدة مدح بها النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومحمد منادى حذف حرف النداء وأراد
لتقد فحذف لام الأمر، والتبات والتبال بفتح أوّلهما متقاربان قال الجوهريّ: تبلهم وأتبلهم بمعنى أهلكهم، والمعنى لتفد نفسك يا رسول الله كل نفس أي تكن فداء لها فإذا خفت هلاكا من شيء فليصب غيرك. قوله:(وقيل هما جواباً أقيموا الخ) تفدم أنه قول لبعض النحاة، وأنه
عزى للمبرد رحمه الله، وقوله مقامين مقامهما بضم الميمين، والأوّل اسم مفعول! هـ والثاني اسم مكان فيكونان داخلين في مقول قل، وقوله لأنه لا بد من مخالفة الخ. يعني لا بد من تخالفهما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما كما مرّ تحقيقه نحو ائتني أكرمك، وأسلم تدخل الجنة، وقم أقم، وقيل عليه لم لا يجوز أن يكون من قبيل:(من كانت هجرقه إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)(1) أي أن يقيموا يقيموا إقامة مقبولة نافعة ولا يخفى أنّ هذا إذا ذكر أو قامت عليه قرينة، وهنا ليس كذلك فهو دعوى بلا شهود، والعقل قاض بخلافها. قوله:(ولأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحدا) إنما قيده باتحاد الفاعل لانه عند الاخلاف يجوز نحو أقيموا يقيموا، وقد سمعت قوله في الدرّ المصون أنه يجوز وإن اتحدا كما مرّ، ولذا قيل إنه إن أراد أنه إذا كان محكيا بالقول فغير مسلم فإنه يجوز فيه تلوين الخطاب نظراً للأمر، والمأمور وان أراد بدونه كلا يفيد. قوله:(منتصبان عنى المصدر) أي أصله إنفاق سر فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه أو هو صفة له قامت مقامه، وإذا كان حالاً فيؤول بالمشتق أو يقدر له مضاف أو منصوب على الظرفية أي في السرّ، والعلانية، وبينه! بمانّ نفقة السرّ في التطوّع، والعلانية في الواجب كالزكاة. قوله:(ولا مخالة الخ) يعني الخلال مصدر بمعنى المخالة، وهي المصاحبة، والمصادمة يقال خاللته مخالة، وخلالاً قال:
ولست بمقلي الخلال ولا قالي
وقيل إنه جمع خلة كبرمة وبرام، وقوله قبل هذا فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره أو يفدي به نفسه إشارة إلى أنه متعلق بقوله ينفقوا، وقيل إنه متعلق بالأمر المقدر لعدم الفائدة في تعلقه بينفقوا، وليس بشيء لأنّ المحنى ينفقوا نفقة مطلوبة لهم مفيدة مثمرة فإنّ القصد منه الحث على الإنفاق لوجه الله من قبل أن يأتي يوم ينتفع المنفقون بإنفاقهم، ولا ينفع الندم لمن أمسك والعدول إلى قوله:{لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} ليفيد الحصر، وانّ ذلك هو المنتفع به، ولفيد المضادّة بين ما ينفع عاجلا، وآجلا، وقد مرّ في قوله:{مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ} [سورة البقرة، الآية: 254] أنّ المعنى من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع فيه حتى يبتاع ما ينفق، ولا أخلاء يبذلون ما ينفق لهم، وفرق
صاحب الكشف بينهما، وبين وجه اختصاص كل من التفسيرين بمحله، وقوله ولا مخالة معناه، ولا مخالة نافعة بذاتها في تدارك ما فات فلا ينافي قوله تعالى {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} لأنه أثبت فيه المخالة، وعدم العداوة تبين المتقين، ولم يذكر فيها أنهم يتداركون لهم ما فاتهم فما قيل في التوفيق بينهما أنّ المراد لا مخالة بحسب ميل الطبع، ورغبة النفس وتلك المخالة في الله مع أنّ الاستثناء من الإثبات لا يلزمه النفي، وان سلم لزومه فنفي العداوة لا يلزم منه وجود المخالة. قوله: (أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى} على الوجه الأوّل المنفي البيع، والخلال في الآخرة، والمعنى لا يجد في ذلك اليوم ما يبتاع ليتدارك به ما فرط فيه، ولا خليلا يبذل ذلك، وعلى هذا المراد نفي البيع، والخلة اللذين كانا في الدنيا بمعنى نفي الانتفاع بهما من حيث ذاتهما، والانتفاع بما كان منهما لوجه الله ففيه ظرف للانتفاع المقدر
والبيع، والخلال في الآخرة للمتقين، والمراد باليوم يوم القيامة، وقوله على النفي العام إشارة إلى أنه يفيد استغراق النفي فانه نص فيه بخلاف ما إذا رفع على ما مرّ تحقيقه، وفيه ليس متعلقا به والا لزم نصبه فتدبر. قوله:(تعيشون) أي تنتفعون به في المعاس، وهذا مأخوذ من اللام، وقوله وهو يشمل الخ إشارة إلى أنه بمعناه اللغوي وهو كل ما ينتفع به، وقوله ومن الثمرات بيان له بناء على جواز تقدّم من البيانية على ما تبينه ما مرّ أنه ذهب إليه كثير من النحاة فلا يرد عليه ما قيل إنّ من البيانية إنما تأتي بعد المبهم الذي تبينه، ولا حاجة إلى دفعه بأنه بيان بحسب المعنى لا الإعراب. قوله:(ويحتمل عكس ذلك) أي تكون من بمعنى بعض مقول أخرج ورزقا بيان للمراد من بعض الثمر لأنّ منها ما ينتفع به فهو مرزوق، ومنها ما ليس كذلك، وهو على هذا حال منها بمعنى المرزوق، وفي الوجهين الأخيرين هو مصمدر فهما منصوبان على أنه مفعول له أي أخرجها لأجل الرزق، والانتفاع بها أو مفعول مطلق لأخرج لأنّ أخرج الثمرات في معنى رزق فيكون مثل قعدت جلوسا. قوله:( {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ} الخ) الفلك يكون واحداً وجمعاً، والمراد به الجمع هنا بدليل تأنيث تجري، واندرج في تسخيرها تسخير البحار والرياح، وقوله بمشيئتة تفسير للأمر وفسره في الكشاف بقوله كن، ولا يناسبه تفسيره بالتكوين بناء على مذهبنا لأنه المراد من التسخير، وقوله إلى حيث توجهتم قيده به ليظهر معنى التعليل
فيه، وجرّ حيث بإلى مسموع في كلام العرب كقوله:
إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
وقوله لانتفاعكم أي بالشرب منها والتصرف فيها بإخراجها للسائلين ونحوه، وقوله تسخير هذه الأشياء أي الفلك والأنهار وتعليم كيفية اتخاذها بإلهامهم، واقدارهم وتمكينهم من صنعة السفن، واجراء المياه بالسواقي، والقنى وما يترتب عليه. قوله:(يدأبان في سيرهما وإنارتهما الخ) إن كان دائبين بمعنى دائمين في الحركة فهو حقيقة، وان كان بمعنى مجدين تعبين فهو على التشبيه، والاستعارة، والدأب العادة المستمرة، وقوله لسباتكم أو سكونكم، وانقطاعكم عن العمل، ومنه السبت، واصلاح ما يصلحانه كالثمار بإنضاجها وتلوينها. قوله:(بعض جميع ما سألتموه الخ) يعني من كل مفعول ثان لآتي بمعنى أعطى ومن تبعيضية وقيل عليه كل للتكثير، والتفخيم لا للإحاطة، والتعميم كما في قوله تعالى:{فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [سورة الأنعام، الآية: 44، وحمل من على التبعيض لا ابتداء الغاية يفضي إلى إخلاء لفظ كل عن فائدة زائدة لأنّ ما نص في العموم بل يوهم إيتاء البعض من كل فرد متعلق به السؤال، ولا وجه له، ودفع بأنه بعد تسليم كون ما نصا في العموم هنا عمومان عموم الأفراد، وعموم الأصناف بمعنى كل صنف صنف، وهما مقصودان هنا والى الأوّل أشار المصنف بلفظ الجميع، والى الثاني بقوله كل صنف صنف والمعنى من جميع أفراد كل صنف سألتموه فإنّ الاحتياح بالذات إلى النوع، والصنف لا لفرد بخصوصه. قوله:(يعني من كل شيء سألتموه شيئاً) بيان لأصل المعنى لا ل! عراب أي من كل أفراد شيء سألتموه شيئا أو من أفراد كل شيء سالتموه شيئا فقوله شيئاً هو المستفاد من كلمة التبعيض، ومن في من كل شيء في عبارة المصنف لابتداء الغاية. قوله:(فإنّ الموجود من كل صنف بعض ما في قدرة الله تعالى) يعني أنّ من التبعيضية دالة على أنّ كل ما يحتاجون إليه، ويطلبونه فيعطيهم بفضله بعض مما في قدرته لأنه يقدر على إفراد أخر منه إلى غير النهاية فما قيل إنه أتى في تعليله بما لا يناسب المعلل لأنّ الكلام في أنّ الحاصل بعض المسؤول فكونه بعض المقدور لا يجدي نفعا في بيانه ليس بشيء لأنّ بعض المسؤول هو بعض المقدور، وأحدهما مستلزم للأخر فليس بينهما فرق كبير كما ظنه المعترض، والمراد الامتنان، وبيان أنّ في القدرة ما هو أكثر مما أنعم به فهو بعض من كل، وقليل من كثير فما قيل إنه ليس فيه كثير معنى، وهم. قوله: (ولعل المراد بما
سألتموه ما كان حقيقاً الخ) يعني المراد بالمسؤول ما من شأنه أن يسئل فهو بمعنى المحتاج إليه وهو لا ينفي إيتاء ما لا حاجة إليه مما لا يخطر بالبال، وقيل إنه جواب عق سؤال مقدر، وهو أنّ الإنسان قد يسأل شيئا فيعطيه الله ذلك الشيء بعينه فكيف هذا مع من التبعيضية فأشار إلى أنّ المراد الصنف الذي يحتاج إليه لا فرد منه. قوله:(وما يحتمل الخ) على المصدرية ضمير سألتموه لله
والمصدر بمعنى المفعول أي مسؤولكم، وقوله من كل شيء إشارة إلى أنّ التنولن عوض عن المضاف، وقوله سألتموه بلسان الحال هو ما يحتاج إليه، وهو إشارة إلى المعنى السابق، وقوله ويجوز أي على هذه القراءة أن تكون ما نافية إشارة إلى أنه لا يجوز على الإضافة، وعبر بالجواز إشارة إلى مرجوحيته لأنه خلاف الظاهر، ووجهه أنها تخالف القراءة الأولى، والأصل توافق القراءتين، وان فهم منها إيتاء ما سألتموه بطريق الأولى. قوله:(لا تحصروها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلَا عن أفرادها الخ) أوّل الإحصاء بالحصر، وأصل معناه العد بالحصا كما كان عادة العرب ولذا قال الأعشى:
ولست باكثرمنهم حصى وان! ما العزة للكاثر
فاستعمل لمطلق العد لئلا يتنافى الشرط، والجزاء إذ أثبت في الشرط العدّ، ونفي في الجزاء، ولو تأوّل إن تعدوا بمعنى أن تريدوا العد اندفع السؤال أيضا، وقال بعض الفضلاء المعنى أن تشرعوا في عدّ أفراد نعمة من نعمه تعالى لا تطيقوا عدها، وإنما أتى بأن، وعدم العد مقطوع به نظراً إلى توهم أنه يطاق، وفيه مخالفة لكلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو أدق منه إذ فيه إشارة إلمى أنّ النعمة الواحدة لا يمكن عد تفاصيلها فتدبر. قوله:(وفيه دليل على أنّ المفرد الخ) أورد عليه أنّ الاستغراق ليس ماخوذاً من الإضافة بل من الحكم بعدم العد والإحصاء، وفيه نظر لأنّ الحكم المذكور يقتضي صحة إرادته منه ولولاه تنافيا. قوله تعالى:( {إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} ) قيل إنه تعليل لعدم تناهي النعم، ولذا أتى بصيغتي المبالغة فيه، والظاهر أنه جواب سؤال مقدّر، وتقديره لم لم يراعوا حقها أو لم حرمها بعضهم، ولذا فسره المصنف رحمه الله تعالى بما ذكره لأنه المناسب لما قبله، وقوله يعرضها أي النفس للحرمان بترك الشكر وقوله يجمع، ويمنع أي يجمع المال، ويمنعه من مستحقه فذاك كالحد جامع مانع. قوله:(بلد مكة) فتعريفه للعهد، وقوله ذا أمن إشارة إلى أنّ الآمن أهل البلدة لا هي
فجعله من باب النسب كلابن وتامر، ويجوز أن يكون الإسناد فيه مجازيا من إسناد ما للحالّ إلى المحل كنهر جار. قوله:(والفرق بينه وبين قوله {اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} ، الضى) جواب سؤال مقدر، وهو أنه لم عرّف البلد هنا، ونكر كي البقرة، وكي الكشاف أنه سال! في الأوّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدّها من الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا، وتحقيقه إنك إذا قلت اجعل هذا خاتما حسناً فقد أشرت إلى المادّة أن يسبك منها خاتم حسن، وإذا قلت اصل الخاتم حسناً فقد فصدت الحسن دون الخاتمية، وذلك لأنّ محط الفائدة هو المفعول الثاني لأنه بمنزلة الخبر، وفيه أنّ الزمخشريّ قدره في البقرة هذا البلد بلداً آمنا فلا فرق بينهما، وأجيب بأنّ المسؤول البلدية مع الأمن وما قدره إشارة إلى الحاضر في الذهن لا في الخارج بخلاف ما نحن فيه، واستشكل هذا التفسير بأنه يقتضي أن يكون سؤال الب! لدية سابقاً على االسؤال المحكي في هذه السورة، وأنه يلزم أن تك! ون الدعوة الأولى غير مستجابة، ودفع بأدط المسؤول أولاً صلوحه للسكنى بأن يؤمن فيه في أكثر الأحوال كما هو شأن البلاد، وثانياً إزالة! وف عرض كما يعترض البلاد أحياناً أو يحمل على الاستدامة أو بتنزيله منزلة العاري عنه مبالغة أو أحدهما من الدنيا، والآخر من الآخرة أو يقال الدعاء الثأني صدر قبل استجابه الأوّل، وذكر بهذه العبارة إيماء إلى أن المسؤول الحقيقي هو الأمن، والبلدية توطئة لا أنه بعد الاستجابة عراه خوف، وقد بني الكلام على الترقي فطلب أولاً أن يكون بلداً آمناً من جملة البلاد التي هي كذلك، ثم لتأكيد الطلب جعله مخوفا حقيقة فطلب الأمن لأنّ دعاء! المضطر أقرب إلى الإجابة، ولذا ذيله بقوله:{إِنِّي أَسْكَنتُ} [سورة إبراهيم، الآية: 37] الخ وهذا مبنيّ على تعدد السؤال، وهو الظاهر من تغاير التعبير في المحلين، وان قيل باتحادهما لججعل الإشارة في هذه السورة إلى ما في الذهن بعد تحقق البلدية أو قبلها، وجعل هذا بلدا آمناً مثل كن رجلاً صالحا قيل، وهو الملائم لقوله:{إِنِّي أَسْكَنتُ} [سورة إبراهيم، الآية: 37] الخ إلا أنه لا يخفى ما فيه، والحاصل أنه دعا أولاً بأن يكون بلداً وتكون آمنة، - وكانياً دعا للبلد بالأمن لتحقق بلديتها ويشهد له تنكيرها، وتعريفها.
قوله: (بعدتي وإياهم الخ) أصل التخنب أن يكون الرجل في جافب غير ما عليه غيره، ثم استعمل بمعنى البعد وفيه ثلاث لغات جنبه، وأجنبه وجنبه، وهي بمعنى، وقوله وقرئ، وأجنبي أي بقطع الهمزة بوزن أكرمني والمراد طلب الثبات، والدوام على ذلك، وقوله فيقولون جنبني أي من التفعيل، وقوله وفيه دليل الخ لأنه لو كان بغير ذلك أي بأمر طبيعيّ لم يفد طلبه. قوله:(وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذزيته) المراد
بالأحفاد أولاد الأولاد حتى لا يكون من نسله من عبدها كما قاله ابن عيينة لأنّ الواقع بخلافه فقوله، وجميع ذرّيته عطف تفسيريّ، وإنما كان كذلك لأنّ المتبادر من بنيه من كان من صلبه فلا يتوهم أنّ الله لم يستجب دعاءه حتى يجاب بانّ المراد من كان منهم في زمنه أو أنّ دعاءه استجيب في بعض دون بعض، ولا نقص! فيه. قوله:(وزعم ابن عيينة رحمه الله تعالى أنّ أولاد إسماعيل عليه الصلاة والسلام لم يعبدوا الصنا محتجاً به) أي بهذا النص وقيل عليه إنّ ظاهر الآية أنه أراد بنيه من غير واسطة ولو سلم فأين دليل الإجابة حتى يستدل بقوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} مع أنّ قوله: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فيه دليل على أنّ فيهم من هو كذلك، وكذلك قوله:{وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} [سورة البفرة، الآية: 26 ا] مع أنه تعالى حكى عن قريش عبادتهم الأصنام في مواضع جمة فهو يدل على أنه المراد من كفرهم لأنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً فلا يرد عليه أنّ كفرهم لا يستلزم عبادة الأصنام مع أنه في الواقع كذلك. قوله: (ويسمونها الدوار) هو بضم الدال، وفتحها وتخفيف الواو، وتشديدها قال ابن الأنباري رحمه الله تعالى هي حجارة كانوا يدورون حولها تشبيهاً بالطائفين بالكعبة شرفها الله، ولذا كره الزمخشري أن يقال دار بالبيت بل يقال طاف به، وهو من الآداب فلا ينافي وروده في بعض الآثار كما قاله النوويّ رحمه الله تعالى. قوله:(باعتبار السببية) يعني أنّ إسناد الأضلال إلى الأصنام مجازيّ، والمضل في الحقيقة هو الله، وقيل إنهم ضلوا بانفسهم، وليس كل مجاز له حقيقة، وفيه نظر، وقوله أي بعضي لا ينفك عني في أمر الدين يعني أنّ من تبعيضية على التشبيه أي كبعضي في عدم الانفكاك، ويجوز حملها على الاتصالية، ولا ينافيه التصريح بالبعضية كقوله:{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} وبه جزم الطيبي رحمه الله تعالى. قوله: (وفيه دليل على أن كل ذشب الخ) أي يجوز عقلا كما تقرّر في الأصول أن يغفر كل ذنب حتى الشرك لكن الدليل السمعي منع من مغفرة الكفر لقوله: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [سورة النساء، الآية: 48] الآية، وقيل إنّ معنى غفور بستره عليه، ورحيم بعدم معاجلته بالعذاب كقوله:{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [سورة الرعد، الآية: 6] فلا دليل فيه على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى مع أنه لم يدر أنه بالترديد الذي ذكره قد هدم مبنى الدلالة، ولا يدفعه أنّ الدلالة في
احتمال أن تكون المغفرة ابتداء كما قيل، وقيل إنّ أو للتنويع، والتعميم لا للترديد يعني أنه مطلق يتناول الوجهين والعصيان ففيه دليل على جواز مغفرة الشرك لكن الوعيد دلّ على عدم وقوعه، وهذا هو المناسب للمقام، وقد مرّ تحقيقه في آخر المائدة، وقال النوويّ في شرح مسلم أنّ مغفرة الشرك كانت في الشرائع المتقدمة جائزة في أممهم، وإنما امتنعت في شرعنا، ولا ينافيه كلام المصنف رحمه الله تعالى لأنّ الوعيد جاء في القرآن ووجه الدلالة قوله غفور رحيم لأنه في حق الكفرة رجاء منه. قوله:(أي بعض ذريتي أو زية من ذزيتي الخ) أي من بمعنى بعض، وهي في تأويل المفعول به أو المفعول به محذوف، ومن ذريتي صفته سدت مسدّه ومن يحتمل التبعيض، والتبيين، وقوله وهم إسماعيل ومن ولد منه على الوجهين، وقوله ولد منه عممه لقوله ليقيموا الخ، والإسكان له حقيقة ولأولاده مجاز فهو من عموم المجاز، وقوله فإنها حجرية أي كثيرة الحجارة، وقليلة المياه، وهذا باعتبار الأكثر الأغلب فيها، وقوله غير ذي زرع كقوله:{قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} يفيد المبالغة في أنه لا يوجد فيه ذلك لأنّ معناه ليس صالحا للزرع، وليس صالحاً للعوج فلذا عدل عن مزروع، وأعوج مع أنه أخصر، وهذا مما ينبغي التنبه له، وأشار إليه في الكشاف، وشروحه. قوله:(الذي حرّمت التعرّض له الخ) قال الزمخشري وقيل للبيت المحرم لأنّ الله حرّم التعرض له، والتهاون به وجعل ما حوله حرما لمكانه أو لأنه لم يزل ممنعا عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحزم الذي حقه أن يجتنب
أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا فذكر في وجه تسميته به أربعة وجوه بناء على أنّ الحرمة التعظيم أو الحرمة الشرعية، وأنه حقيقة فيه أو باعتبار أمر آخر، والمصنف رحمه الله تعالى لما رأى تقاربها أدرجه فيما ذكر، وقوله ولذلك سمي عتيقاً أي لأنه أعتق من الطوفان، وقيل لقدمه. قوله:(ولو دعا بهذا الدعاء الخ) جواب لو قوله فلعله بناء على أنه قد يقترن بالفاء أي إن ثبت أنه دعا الخ فلعله، وفي نسخة ودعا بدون لو وهي ظاهرة، والمقصود توجيه قوله صلى الله عليه وسلم عند بيتك المحرم فإنه إنما بني بعد ذلك فلا يكون الإسكان عنده، وحاصله أنّ الإسكان عند موضعه وكونه موضعا إما باعتبار ما كان لأنه كان مبنياً قبله لكنه رفع وقت الطوفان أو باعتبار ما سيؤول إليه لأنه بناه بعد ذلك في مكانه الآن. قوله:(روي أن هاجر الخ) هو بفتح الجيم اسم أم إسماعيل عليه الصلاة
والسلام، وقوله كانت لسارة أي ملكاً، وجارية لها، وسارة امرأة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقوله فغارت بالغين المعجمة من الغيرة، وهي معروفة، وقوله فناشدته أي أقسصت عليه أو طلبت منه الحلف على ذلك فحلف لها، واخراجها كان يوحي من الله لا بمجرّد رعايتها، وجرهم بضم الجيم والهاء، وسكون الراء المهملة حيّ من اليمن، وهم أصهار إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وكانوا خرجوا من ديارهم لقحط أو وباء، وقصتهم وقصة زمزم مفصلة في أوّل سيرة ابن هشام، وهذا مرويّ كأ البخاري بمعناه أيضا. قرله:(وهي متعلقة بأسكنت أي ما أسكت! هم بهذا الوادي الخ) أي الجار والمجرور، متعلق بأسكنت المذكور بدليل قوله، وتوسيطه الخ وعلى هذا فالحصر مستفاد من السياق لأنه لما قال بواد غير ذي زرع نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة، ولما قال عند بيتك المحرم أثبت أنه مكان عبادة فلما قال ليقيموا أثبت أنّ الإقامة عنده عبادة، وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر مع ما في تكرير ربنا من الإشارة إلى أنه هو المقصسود، وهذا معنى لطيف، ولا ينافيه الفصل بقوله ربنا لأنه اعتراض لتأكيد الأوّل، وتذكيره فهو كالمنبه عليه فلا حاجة إلى ما قيل إنه متعلق بأسكنت مؤخر مقدر غير الأوّل، وأنّ الحصر مستفاد من تقديره مؤخراً كما رجحه بعض الشراج، وعند مالك رحمه الله تعالى أنّ التعليل يفيد الحصر فانه استدل بقوله لتركبوها على حرمة أكلها كما بين في أصولهم، والبلقع القفر الذي لا شيء فيه، وقوله من كل مرتفق ومرتزق متعلق بالبلقع لتضمنه معنى الخالي، وهما يحتملان المكان، والمصدرية، والارتفاق الانتفاع كما يقال بكرمك أثق، وعلى سوددك أرتفق، ومرافق الدار المتؤضأ والمطبخ. قوله:(وقكلرير النداء وتوسيطه الخ) اعتذار عن إعادته، والفصل الذي تمسك به من قدر له متعلقا آخر إشارة إلى أنّ النداء لتأكيد الأوّل فلا يمنع التعلق، ولا يرد ذلك أنّ النداء له صدر الكلام فكيف تعلق ما بعده بما قبله، ولا بد من تكرر النداء للإشعار بما ذكره فإنه لو توسط من غير أن يذكر أولاً لم يشعر بأنها المقصودة من الدعاء السابق، وكذا لو لم يتوسط. قوله:(وقيل لام الأمر الخ) هي على الأوّل جارة، والفعل منصوب بأن المقدرة بعدها، وعلى هذا هي لام الأمر الجازمة، والأمر للدعاء، وقوله كأنه طلب منهم الإقامة إنما قاله لأنه شامل لغير الموجودين كما في سائر الأمور، وأيضا المدعوّ هو الله فكان الظاهر إسناده له، والسؤال من الله مأخوذ من قوله ربنا فكأنه قال يا ربنا وفقهم لإقامة
الصلاة، وخصها لأنها عمود الدين. قوله:(أي أفئدة من أفئدة الناس ومن للتبعيض) قدم هذا لأنه أظهر، وقدر من أفئدة الناس ليدل على عدم العموم المذكور بعده لأنّ جميع الأفئدة بعض الناس لا بعض أفئدة الناس وقوله لازدحمت بناء على الظاهر من إجابة دعائه، وكون الجمع المضاف يفيد الاستغراق. قوله:(أو للابتداء كقولك القلب مني سقياً) أي المعنى نشأ سقم هذا العضو من جهتي، وقيل عليه إنه لا يظهر كونها للابتداء لأنه لا فعل هنا مبتدأ منه لغاية ينتهي إليها إذ لا يصح ابتداء جعل الأفئدة من الناس ورد بأنّ فعل الهوى للأفئدة مبتدأ به لغاية ينتهي إليها ألا ترى إلى قوله إليهم، وإن لم يتعين كون من في الآية، والمثال لاحتمال التبعيض احتمالاً ظاهراً، وأورد عليه أنّ الابتداء في من الابتدائية إنما هو من متعلقها إلا مطلقا، وان جعلناها
متعلقة بتهوي لا يظهر لتأخيره، ولتوسيط الجار فائدة، واعلم أنه قال في الإيضاح أنه قد يكون القصد إلى الابتداء دون أن يقصد انتهاء مخصوص إذا كان المعنى لا يقتضي إلا المبتدأ كأعوذ بالله من الشيطان وزيد أفضل من عمرو، وقد قيل إنّ جميع معاني من دائرة على الابتداء، والتبعيض هنا لا يظهر فيه فائدة كما في قوله:{وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} [سورة مريم، الآية: 4] فإن كون قلب الشخص، وعظمه بعض منه معنى مكشوف غير مقصود بالإفادة فلذا جعلت للابتداء، والظرف مستقر للتفخيم كأنّ ميل القلب نشأ من جملته مع أنّ ميل جملة كل شخص من جهة قلبه كما أنّ سقم قلب العاشق نشأ منه مع أنه إذا صلح صلح البدن كله، والى هذا نحل المحققون من شراح الكشاف لكنه معنى غامض فتدبره، وقوله أفئدة ناس نكرة إشارة إلى أنّ تعريفه للجنس فهو في معنى نكرة، والمعين لذلك تنكير أفئدة. قوله:(وقرأ هشام أفئدة بخلف عنه) بضم الخاء، وسكون اللام أي باختلاف الرواية عنه، وقراءة العامة أفئدة بالهمزة المكسورة جمع فؤاد كغراب، وأغربة وهي ظاهرة، وقرأ هشام عن ابن عامر بياء بعد الهمزة فقيل إنها إشباع كقوله:
أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب
فقال بعضهم أنّ الإشباع مخصوص بضرورة الشعر فكيف يقرأ به في أفصح الكلام، وزعم أنه قرأ بتسهيل الهمزة بين بين فظنها الراوي زيادة ياء بعد الهمزة، وليس بشيء فإنّ الرواية أجل من هذا. قوله:(وقرئ آفدة) أي بهمزة ممدودة بعدها فاء مكسورة بوزن ضاربة، وهي محتملة أن تكون قدمت فيها الهمزة على الفاء فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة فقلبت ألفاً
فوزنها أعفلة كما قيل في أدور جمع دار قلبت فيه الواو المضمومة همزة، ثم قدمت وقلبت ألفاً فصار آدرا أو هي اسم فاعل من أفد يأفد بمعنى قرب، ودنا ويكون بمعنى عجل، وهو صفة جسماعة أي جماعة آفدة، وقوله أفدت الرحلة أي الارتحال، وعجلت مبني للمجهول. قوله:(وأفدة) أي بفتح الهمزة من غير مد، وكسر الفاء بعدها دال، وهو إمّا صفة من أفد بوزن خشنة فيكون بمعنى آفدة في القراءة الأخرى أو أصله أفئدة فنقلت حركة الهمزة لما قبلها، ثم طرحت. قوله:(وإن كان الوجه فيه إخراجها بين بين الخ) تبع فيه الزمخشريّ، وقد قيل إنه مخالف لأهل الصرف والقرا آت أما الأوّل فلأنهم قالوا إذا تحركت الهمزة بعد ساكن صحيح تبقى أو تنقل حركتها إلى ما قبلها وتحذف، ولا يجوز جعلها بين بين لما فيه من شبه التقاء الساكنين، وأمّا الثاني فلقوله في النشر الهمزة المتحركة بعد حرف صحيح ساكن كمسؤولاً، وأفثدة وقرآن، وظمآن فيها وجه واحد، وهو النقل وحكي فيه وجه ثان، وهو بين بين، وهو ضمعيف جداً وكذا قاله غيره. قوله:(تسرع إليهم شوتاً وودادا الخ) تهوي هو المفعول الثاني لأجعل، ومعناه تسرع، وتعديته باللام، وإنما عدى لإلى لتضمته معنى تميل، وهو معنى النزوع أي الميل، وهو متعد وفيه نظر لأنّ مصدره النزاع قال الصولي نزعت عن الأمر نزوعاً إذا كففت ونزعت الشيء نزعا إذا أخرجته، ونزعت إلى أهلي نزاعا إذا اشتقت وملت، ولذا عيب على أبي نواس قوله:
وإذانزعت عن الغواية فليكن لله ذاك النزع لا للناس
وقوله مع سكناهم الخ إشارة إلى أنّ المقصود جلبها من غير بلادهم.
تنبيه: في هذه الآية بلاغة عجيبة حيث جعل القلوب نفسها تهوي، وفي معناه قلت:
كل امرئ يبذل إنعامه يمشي إليه القلب قبل القدم
قوله: (تعلم سرنا كما تعلم أعلتنا) يشير إلى أنّ ما مصدرية وأنّ ذكر العلن بعد علم السر
ليس بمستدرك لأنّ المراد استواؤهما في علمه تعالى كما مرّ تحقيقه غير مرّة، وهذا معنى قول الزمخشري تعلم السر كما تعلم العلن علما لا تفاوت فيه لأنّ غيبا من الغيوب لا يحجب عنك
لا خلاف بينهما كما توهم، وقوله والمعنى أي المقصود من فحوى النظم هذا، وقوله مناصلة أعلم لا ناقد نغفل، وقد لا تعرف المصلحة، وكونه مطلعاً على أحوالنا يقتضي عدم الحاجة إلى الطلب لأنّ ظهور الحال يغني عن السؤال كما قال السهروردي:
ويمنعني الشكوى إلى الناس أنني عليل ومن أشكو إليه عليل
ويمنعني الشكوى إلى الله أنه عليم بما أشكوه قبل أقول
قوله: (وقيل ما نخفي من وجد الفرقة الخ) فما موصولة، والعائد محذوف، والوجد
بفتح فسكون الحزن والغمّ، وقوله والتوكل أي ذكره أو أثره لأنه بمعناه لا يحسن، واللجأ بفتح اللام، والجيم، والهمز مقصور بمعنى الالتجاء وقوله تعالى:{وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ} الخ ما اعتراض من كلامه تعالى أو من كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الالتفات، وهو كالدليل على ما قبله أي لا يخفى عليه كل معلوم فيعلم السر، والعلن، وقوله بعلم ذاتي فلا يتفاوت بالنسبة إليه معلوم دون معلوم كالبشر والملك. قوله:(أي وهب لي وأنا كبير) يشير إلى أنّ على بمعنى مع وأنّ الجار والمجرور حال كقوله:
إني على ماترين من كبر أعرف من أين يؤكل الكتف
ويصح جعل على بمعناها الأصلي، والاستعلاء مجازفي كما قاله أبو حيان وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتمله، ومعنى استعلائه على الكبر أنه وصل غايته فكأنه تجاوزه، وعلا ظهره كما يقال على رأس السنة أي في آخرها فلا يرد عليه أنّ الأنسب حيئذ جعل الكبر مستعلياً عليه كعليّ دين، وذنب لظهور أثره في الرأس باشتعال شيبه، ويصح إبقاؤها على معناها بمعنى مستمرا متمكناً عليه، وقوله لما فيها في نسخة فيه أي الكبر، وقوله آلائه أي نعمه، والضمير المضاف إليه لله وقوله روي الخ هو وواية، وقيل لأربع وستين وايسحق عليه الصلاة والسلام لسبعين، وقيل لم يولد له إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة. قوله:(أي لمجيبه) فهو مجاز كما في سمع الله لمن حمده فإن السمع بمعنى القبول، والإجابة، وقوله وهو من
أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل هذا مذهب سيبوبه رحمه الله تعالى إذ جعل أمثلة المبالغة تعمل عمل امسم الفاعل وخالفه كثير من االنحاة فيه فهو مضاف لمفعوله إن أريد به المستقبل، وقيل إنه غير عامل لأنه قصد به الماضي أو الاستمرار وجوّز الزمخشريّ، وتبعه المصنف رحمه الله تعالى أن يكون مضافاً لفاعله المجازي فأصله سميع دعاؤه بجعل الدعاء نفسه سامعا، والمراد أنّ المدعو، وهو الله سامع قيل، وهو بعيد لاستلزامه أن تصاغ الصفة المشبهة من الفعل المتعدّي، وهو قول للفارسي لكنه شرط في إضافتها إلى الفاعل عدم اللبس نحو زيد ظالم العبيد إذ! علم أنّ له عبيداً ظالمين، وهنا فيه الإلباس منتف لأنّ المعنى على الإسناد المجازي، وهو كلام واه لأنّ المجاز خلاف الظاهر فاللبس فيه أشدّ، وكذا ما قيل إنّ عدم اللبس إنما يشترط في إضافته إلى فاعله على القطع، وهو ضعيف جدا، وقوله وفيه إشعار أي في قوله سميع الدعاء بمعنى مجيبه وذلك قوله:{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} في آية أخرى وذكر حمده بيان لأنه كان من الشاكرين، وقوله ليكون متعلق بقوله وهب، وتعليل لكونه بعد اليأس. قوله:(معدلاً لها) يكون مجازاً من أقصت العود إذا قوّمته، ومواظباً من قامت السوق إذ أنفقت فأقمتها كما مرّ في سورة البقرة، ولذا قيل لو عطفه بأو كان أولى ورد بأنه جعله قيدا للمعنى الأوّل مأخوذا من صيغة الاسم، والعدول عن الفعل كما أنّ الأوّل من موضوعه فلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين مجازيين. قوله:(عطف على المنصوب) أي مفعول اجعل الأوّل، وهو في الحقيقة صفة للمعطوف أي بعضاً من ذريتي، ولولا هذا التقدير كان ركيكاً وقوله تقبل عبادتي فالدعاء بمعنى العبادة لكنه كان الأنسب أن يقال فيه دعاءنا حيمثذ. قوله:(وقد تقدم عنر استغفاره لهما الخ) قد مرّ تفصيله في آخر التوبة لكنه قيل عليه أنّ الذي مرّ استغفار. لأبيه فقط، وقد قال الحسن رحمه الله تعالى إنّ أمّه كانت مؤمنة فلا يحتاج الاستغفار لها إلى عذر، وقيل إنّ المصنف رحمه الله تعالى لم يثبت عنده ذلك وأنّ مراده أنّ عذر استغفاره لهما هنا علم مما مرّ في العذر عن استغفاره لأبيه، وكون المراد بوالديه آدم، وحوّاء في غاية البعد فإنه النسب الواسع. قوله:(يثبت الخ) أي القيام مجاز عن التحقق، والثبوت إمّا مرسل أو استعارة من قام السوق، والحرب ونحوه أو شبه الحساب برجل قائم على الاستعارة المكنية، وأثبت له القيام على التخييل أو المراد يقوم أهل الحساب فحذف المضاف أو أسند إليه ما لأهله مجازا، وقوله وأسند إليه كذا وقع في النسخ، والظاهر أن يقول
أو أسند لأنه إذا اعتبر الحذف لا يكون المجاز
في الإسناد أو الواو بمعنى أو ووقع في نسخة أو، وهي ظاهرة.
قوله: (خطاب لرسول الله الخ) ذكر في هذا الخطاب وجهين الأوّل أن يكون للنبيّ صلى الله عليه وسلم وقدمه لأنه الأصل المتبادر لكن لما كان عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بالله فهو لا يتصوّر منه جواز الغفلة أوّله الزمخشري بوجهين، وهي في الحقيقة ثلاثة أوّلهما أنّ المواد به تثبيته على ما هو عليه من عدم ظن أنّ الغفلة تصدر من الله كقوله:{وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [سورة القصص، الآية: 88] أي دم على ذلك، وهو مجاز كقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [سورة البقرة، الآية: 04 ا] ولا يخفى ما فيه لأنه لا يتوهم منه عدم الدوام عليه، ولذا قال المدقق في الكشف: إنّ فيه ركاكة يصان التنزيل عنها، وثانيهما اًن المراد منه على طريق الكناية أو المجاز بمرتبتين الوعيد، والتهديد والمعنى لا تحسبن الله يترك عقابهم للطفه، وكرمه بل هو معاقبهم على القليل، والكثير أو هو استعارة تمثيلية أي لا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون فإنه يعاملهم معاملة الرقيب المحاسب على النقير والقطمير فقوله، والوعيد الخ. هو الوجه الثاني فإما أن تكون الواو فيه بمعنى أو كما قيل أو تبقى على ظاهرها بناء على أنه لاحظ ركاكة الوجه الأوّل في الكشاف لعدم مناسبته لمقام النبوّة فجعله مع الوجه الثاني وجهاً واحدا ليتم بأن تجوز بلا تحسبن عن دم على عدم الحساب، ثم جعله كناية عن الوعيد لأنه لا ينهي عما لا يتصوّر منه كما ذكره بعض المتأخرين وهو الأحسن. قوله:(من أنه مطلع الخ) بيان لما أي من تيقن أنه مطلع وقوله بأنه معاقبهم إشارة إلى ما مرّ، وقوله لا محالة مأخوذ من التأكيد بالنون المشدّدة. قوله:(أو لكل من توهم غفلته) عطف على قوله لرسول الله أي الخطاب ليس للرسول صلى الله عليه وسلم بل لكل من يتوهم ذلك فهو لغير معين، ولا يحتاج حيحئذ إلى تأويل الغفلة لجريها على ما في أنفسهم، وقوله وقيل إنه تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم فالخطاب أيضاً لغير معين لأنّ الناس بين ظالم، ومظلوم فإذا سمع المظلوم أنه تعالى عالم يفعل الظالم منتقم منه تسلى بذلك، وإذا سمعه الظالم ارتاع عما هو فيه، وفي الكشف أنه تأييد للوجه الثاني، ويجوز جريانه على الأوجه إذ تقدير اختصاص الخطاب به عليه الصلاة والسلام أيضاً لا يخلو من التسلية، والتهديد للفريقين وفيه بحث، وقوله يؤخر عذابهم أي إيقاع التأخير مجاز، أو هو بتقدير مضاف. قوله:(تشخص فيه أبصارهم الخ) يعني أنّ الألف، واللام للعهد لا عوض عن المضاف قيل ولو حمله على العموم كان أبلغ في التهويل، وأسلم من التكرير ووجهه أنّ قواسه لا يرتدّ إليهم طرفهم على تفسيره بمعناه فإذا جعل الأوّل لبيان حال الناس كلهم، والثاني لبيان
حال هؤلاء خاصة كان في ذكره فائدة وان كان لا يسلم من التكرار رأسا وكان المصنف رحمه الله تعالى اختاره لأنه المناسب لما بعده، وأنّ التكرير للتأكيد لازم عليهما كما قيل، وسيأتي ما يردّه. قوله:(فلا نقر في أماكنها من هول ما ترى) الظاهر أنه جعله مأخوذاً من شخص الرجل من بلده إذا خرج منها، وهو أحد معانيه المذكورة في اللغة فإنه يلزمه عدم القرار فيها أومن شخص بفلان إذا ورد عليه أمر يقلقه كما في الأساس فما ذكره بعده من كونها لا تطرف المقتضي لقرارها يكون بيانا لحال آخر، وأنهم لدهشتهم تارة لا تقرّ أعينهم، وتارة يبهتون فلا تطرف أبصارهم، وجعل تلك الحالتين المتنافيتين لعدم الفاصل كأنهما في حال واحد كقول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معا ~ كجلمود صخر حطه السيل من عل
كما بين في شرحه فاندفع ما قيل إنّ الظاهر أنّ القرار ضد الحركة فيكون منافياً للحاق مع
أنّ أهل اللغة لم يفسروا الشخوص به، وبهذا اندفع التكرار، وعلم ما أراد. المصنف رحمه الله تعالى. قوله:(مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم الخ) أي بذلة كالأسير الخائف ومهطعين، ومقنعي حالان إما من مضاف محذوف أي أصحاب الأبصار بناء على أنه يقال شخص زيد بصره أو الأبصار تدل على أصحابها فجاءت الحال من المدلول عليه قالهما أبو البقاء رحمه الله تعالى، وقيل مهطعين منصوب بفعل مقدر أي تبصرهم مهطعين ويجوز في مقنعي أن يكون حالاً من المستتر فيه فهي حال متداخلة، ومقنعي إضافته غير حقيقية فلذا وقع حالاً، وقيل الأولى أنها حال مقدرة من مفعول يؤخرهم، وقوله تشخص الخ. بيان حال عموم
الخلائق وأوثرت الفعلية لعدم استمراره فلا يرد عليه توهم التكرار، وقد مرّ ما يعلم منه ما فيه والإهطاع معنا. الإسراع في الشيء قال:
إذا دعانا فاهطعنا لدعوته
واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله مسرعين إلى الداعي، وقيل معناه الإقبال بالنظر كما ذكره الراغب، واليه أشار بقوله أو مقبلين الخ وقال الأخفش رحمه الله تعالى أنه الإقبال على الاستماع لقوله:
ندخله مهطعين إلى السماع
وسمع فيه أهطع وهطع وكل معانيه تدور على الإقبال كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى
لأنه لا ينفك عنه. قوله: (رافعيها) هذا هو المشهور، وقيل إنه من الأضداد فيكون بمعنى رفع رأسه، وطأطأها، وقوله بل بقيت عيونهم شاخصة لا تطرف الخ. الطرف في الأصل تحريك
الجفن، ثم تجوّز به عن النظر والعين نفسها، ولما كان الناظر يوصف بإرسال الطرف وصف برد الطرف، والطرف بالارتداد كما سيأتي في سورة النمل فعدم ارتداد الطرف إما عدم ارتداد تحريك الجفن فالطرف بمعناه الحقيقي، وهو كناية عن بقاء العين مفتوحة على حالها أو بمعنى عدم ارتداد النظر إلى أنفسهم فهو بالمعنى المجازي. قوله تعالى:( {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء} ) يعني بالهواء الخالي، وهو مصدر ولذا أفرد والمراد انهم لدهشتهم خلت قلوبهم من العقل، والفهم كما يقال هواء لقلب الجبان لخلوّه من الرأي، والقوة وتفسيره المصدر باسم الفاعل بيان للمعنى المراد منه المصحح للحمل فلا ينافي المبالغة في جعله عين الخلاء. قوله:(من الظلمان جؤجؤه هواء) هو من قصيدة لزهير وأوّله:
كأنّ الرحل منها فوق صعل
يصف ناقته بالسرعة في السير وتشبيهها بالنعام، وهو يوصف بالجبن والخوف، وسرعة المشي فإذا خاف كان أسرع، وأجد في السير، وقيل إنه يصفها بعدم القوّة، والظلمان بالظاء المعجمة كغلمان جمع ظليم ويضم وهو ذكر النعام وجؤجؤ بجيمين مضمومتين، وهمزتين أو واوين الصدر، والصعل بالصاد والعين المهملة الصغير الرأس، وهو من صفة النعام، ورحل الناقة، وقول! وقيل الخ مرّضه لأنّ الأوّل أنسب بمقام الحيرة، والدهشة. قوله:(وهو مفعول ثان) أي هو له، وما فيه فالإيقاع عليه مجازيّ أو هو بتقدير مضاف وقوله بالشرك لأنّ الشرك ظلم عظيم، والتكذيب هو تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام وقوله أخر العذاب يشي أنه تجوز في النسبة أو فيه تقدير مضاف، وهو ناظر إلى كون المراد باليوم يوم القيامة، وقوله ورذنا إشارة إلى أنه تضمن معنى الردّ وأنّ المراد بالأجل مقدار من زمن الحياة في الدنيا وقوله، وأمهلنا الخ عطف تفسير عليه، وقوله أو أخر آجالنا ناظر إلى أن المراد يوم الموت، وقوله ونظير. أي في المعنى لا في الإعراب. قوله:(على إرادة القول) أي على تقدير القول،
والمعطوف عليه بالواو، وقبل قوله أو لم لا قبل ما لكم كما يتوهم، والتقدير فيقال لهم أطلبتم الآن هذا، ولم تطلبو. إذ أقسمتم، والقائل هو الله أو الملائكة توبيخا لهم، والقول بأنهم أقسموا إئا على ظاهره لأنهم قالوه من الجهل، والغرور أو هو بلسان الحال، ودلالة الأفعال كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وقوله وما لكم جواب القسم وقيل هو ابتداء كلام من الله جواباً لقولهم ربنا أخرنا أي ما لكم من زوال عن هذه الحال، وجواب القسم لا يبعث الله من يموت، وقوله دل الخ فلا قسم حقيقة، وقوله وقيل الخ فيكونون دهرية منكرين للبعث والزوال المراد به الزوال عما بعد الموت لا عن الدنيا كما في الأوّل، وقوله على المطابقة الخ أي أتى بالخطاب في لكم لمطابقة الحكاية وقوله أقسمتم، ولو روعي المحكي لقيل ما لنا وهما جائزان. قوله: (وأصل سكن أن يعدى بفي الخ (أي أصل معناه قرّ، وثبت من السكون فيتعدى بفي لكنه نقل إلى سكون خاص فتصرف فيه وجعل متعديا بنفسه كتبوّأ الدار، واستوطنها وغنى كعلم بمعنى أقام، ومنه المغني فقوله وأقام عطف تفسير له. قوله: (وتبين لكم كيف فعلنا بهم (تبين فاعله مضمر يعود على ما دل عليه الكلام أي حالهم أو خبرهم، ونحوه وكيف في محل نصب بفعلنا، وجملة الاستفهام ليست معمولة لتبين لأنه لا يطق وقيل الجملة فاعل تبين بناء على جواز كونه جملة، وهو قول ضعيف للكوفيين، وقد مز في قوله تعالى:{ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} [سورة يوسف، الآية: 35] وقوله من أحوالهم أي بينا لكم من أحوال الأمثال فالأمثال
جمع مثل بمعنى الشبيه، وهو تشبيه للحال بالحال، والمقصود تشبيه ذويها بذويها، وقوله أو صفات الخ فالأمثال جمع مثل بمعنى الصفة الغريبة العجيبة كما مرّ وقوله فعلوا، وفعل بهم أي في الدنيا. قوله: (المستفرغ قيه جهدهم (يقال استفرغ جهده إذا بذل طاقته، ومقدوره فهو استعارة، ومكرهم منصوب على أنه مفعول مطلق لأنه لازم فدلالته على المبالغة لقوله:{وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} الخ لا لأن إضافة المصدر تفيد العموم أي أظهروا كل مكر لهم أو لأنّ إضافة كلا إضافته، وأصل التنكير لإفادة أنهم معروفون بذلك وقوله لإبطال الحق
لأنّ المكر لا يكون في الخبر. قوله: (فهو مجارّيهم) لأنّ ذكر علم الله، ونحوه من كتابة الأفعال، وغيرها يكنى به عن المجازاة، وقوله ما يمكرهم فهو مصدر مضاف للمفعول لكن أبو حيان رحمه الله تعالى اعترض عليه باًن مكر لازم لم يسمع متعدّيا، وقد صرّح أهل اللغة بأنه إنما يتعدى بالباء بخلاف الكيد فإنه متعد بنفسه، وقد يقال إنه متجوّز به أو مضمن معنى الكيد أو الجزاء، واطلاق المكر على الله حينئذ إمّا مشاكلة أو استعارة لجزائهم من حيث لا يشعرون، وقوله وابطالاً له لم يجعله وجها آخر لإمكان إرادتهما معا فتأمّل. قوله:(مسوّي لإزالة الجبال) وفي نسخة، ومعداً لذلك اعلم أنّ العامّة قرؤوا بكسر اللام، ونصب تزول، والكسائيّ بفتحها، ورفع تزول فالكسر إمّا لأنّ أن نافية واللام لام الجحود الواقعة بعد كان المنفية، وكان إمّا تامّة، والمعنى تحقير مكرهم، وأنه ما كان لتزول منه الشرائع التي هي كالجبال في الثبات، والقوّة ويؤيده قراءة ما كان مكرهم أو ناقصة وخبرها محذوف أو الجارّ، والمجرور على الخلاف فيه أو أن مخففة من الثقيلة، وقيل إنها شرطية وجوابها محذوف أي إن كان مكرهم معدّاً لإزالة الجبال فإنه مجازيهم عليه ومبطله، وأمّا الفتح ففيه وجهان الأوّل أنّ إن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، والثاني أنها نافية، واللام بمعنى إلا، وقرئ كاد بالدال، وقرئ لتزول بفتح اللامين، وخرجت على لغة جاءت في فتح لام كي هذا حاصل ما ذكره المعربون هنا فقوله مسوّي اسم مفعول من سواه بمعنى صنعه، وأصل معناه جعله سواء إشارة إلى أنّ كان ناقصة محذوفة الخبر، والجاز، والمجرور متعلق به، وقد مرّ جواز كونها تامّة، والظاهر أنّ أن عنده شرطية وصلية على الاختلاف في واوها وتقدير جوابها، وغيره ذهب إلى أنها مخففة من الثقيلة، والمعنى أنه عظم مكرهم، واشتد فضرب زوال! الجبال منه مثلاً لشدته أي، وان كان مكرهم معداً لذلك كما في الكشاف، وفال ابن عطية رحمه الله تعالى يحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة تعظيم مكرهم أي وان كان شديداً يفعل لتذهب به عظام الأمور فإن عندهما مخففة من الثقيلة كما في الدرّ المصون، واللام مؤكدة للنفي فهي لام الجحود كما أشار إليه بالآية المذكورة، وقوله ونحو. أي من الشرائع، والتوحيد وزوال الجبال مثل أي استعارة تمثيلية تنبيه على أنه في الرسوخ، والثبات كالجبال الراسية، وعلى الأوّل الجبال بمعناها المعروف فالجبال استعارة، وقوله وقرأ الكسائيّ أي بفتح اللام الأولى، ورفع الثانية فالجبال على حقيقتها، وقوله الفاصلة أي الفارقة بين أن المخففة، والنافية كما بين في النحو. قوله: (ومعناه
تعظيم مكرهم الخ) كما في الشرطية، وقد مرّ تقريره وبقية كلامه ظاهر مما قرّرناه لك فإن قلت كونها نافية ينافي قراءة الكسائيّ المثبتة لدلالتها على عظم مكرهم، ودلالة كونها نافية على حقارته قلت أجيب عنه بأنّ الجبال في قراءة الكسائيّ يشار بها إلى ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم من الحق وفي غيره على حقيقتها فلا تعارض إذ لم يتوارد على محل واحد نفياً، وإثباتا ورد بأنه إذا جعل آيات الله شبيهة بالجبال في الثبات كانت مثلها بل أدون منها فإذا نفى إزالته إياها انتفى إزالته جبال الدنيا بالطريق الأولى فتنافي إزالته إياها الثابتة بقراءة الكسائيّ فالإشكال باق بحاله (قك) هذا غير وارد لأنّ المشبه لا يلزم أن يكون أدون من المشبه به في وجه الشبه بل قد يكون بخلافه لكون المشبه به أعرق بوجه الشبه، وهنا كذلك لأنّ ثبوت الجبل يعرفه الغبيّ، والذكيّ بخلاف الحق، ولو سلم فقد يقدر على إزالة الأقوى دون الآخر لمانع كالشجاع يقدر على قتل أسد، ولا يقدر على قتل رجل مشبه به لامتناعه
بعدة أو حصن، ولا أحصن، وأحمى من تأييد الله للحق بحيث تزول الجبال يوم تنسف نسفا، ولا يزول وهذا ظاهر لكل ذي بصيرة. قوله:(مثل قوله إنا لننصر وسلنا الخ) بيان لتحقق الوعد ووروده، وقيل المراد بالوعد السابق في قوله، وعند الله مكرهم إذ معناه المجازاة عليه كما مرّ. قوله:(لىلذافاً بأنه لا يخلف الوعد أصلَا كقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [سورة الرعد، الآية: 31] ) كذا في الكشاف، وقيل عليه إن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع احتمال إطلاقه، وهو هنا كذلك فليس تقديم الوعد دالاً على إطلاق الوعد بل على العناية والاهتمام به لأنّ الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعد الله على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، فالمهمّ ذكر الوعد، وكونه على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يتوقف عليه التهديد، والتخويف، وقيل إنه قوفي لكن ما ردّه هو القاعدة عند أهل البيان كما قال عبد القاهر في قوله:{وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ} [سورة الأنعام، الآية: 100] إنه قدم شركاء للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ لله شركاء مطلقا، ثم ذكر الجن تحقيراً فإذا لم يتخذ من غير الجن فالجن أحق بأن لا يتخذوا، وهذا لا يدفع السؤال بل يؤيده، وكذا ما ذكره الشارح الطيبي رحمه الله تعالى فإنه مع تطويله لم يأت بطائل فالوجه ما في الكشف من أنّ تقديمه يقتضي الاعتناء به، وأنه المقصود بالإفادة، وما ذكره ممن وقع الوعد على لسانه إنما ذكر بطريق التبع للإيضاح، والتفصيل بعد الإجمال، وهو من أسلوب الترقي كما في قوله:{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [سورة طه، الآية: 25] وقد أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله
فكيف يخلف رسله وتوهم صاحب الانتصاف هنا كتوهم صاحب التقريب هناك فتدبر؟ وقوله غالب لا يماكر الخ بيان لارتباط الخاتمة بالفاتحة، وكذا ما بعده. قوله:(بدل من يوم يأتيهم) بدل كل من كل أو عامله مقدر باذكر أو لا يخلف وعده بقرينة مخلف وعده، وقوله ولا يجوز الخ تبع فيه أبا البقاء رحمه الله تعالى إذ منع كونه معمول مخلف أو وعده لما ذكر ورد بأنّ الجملة اعتراضية فلا تعذ فاصلا والعجب فإنه إذا كان بدلاً يكون العامل فيه أنذر فيلزم عليه عمل ما قبل إن فيما بعدها فكأنه ذهب إلى أنّ البدل له عامل مقدر، وهو ضعيف قال أبو حيان رحمه الله تعالى والظاهر أنه استئناف. قوله:(والتبديل يكون في الذات كقولك بدلت الدراهم بالدنانير الخ) كون التبديل شاملاً للقسمين مما لا كلام فيه كما فصله في الكشف إلا أنه ذكر في قوله: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [سورة النساء، الآية: 56] أن المعنى خلق جلوداً أخر غير الأولى لأنه المتبادر من قوله غيرها، ولا يلزمه تعذيب غير المجرم فإنه مع كونه غير ممتنع غير وارد لأنّ المعذب الروح، والبدن ا-لة لها، وقد اختار في سورة النساء أنه من تبديل الصفة بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صفة أخرى كتبديل الخاتم قرطاً أو بأن يزال عنه أثر الإحراق ليقوي إحساسه للعذاب، ولكل وجهة. قوله:(وعليه قوله {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} ) هذا بناء على ما سيأتي في الفرقان من أنّ المعنى أنه يثبت لهم بدل كل عقاب ثواباً جزاء لما عملوه من مآثر الجاهلية سمعة، ورياء بعدما أسلموا فهي حسنات باقية بعينها بعدما أزيل عنها صفة السوء، وهي الرياء، وسيأتي فيها وجوه أخر منها ما هو على أنه تبديل في الذات، وقوله والآية تحتملهما سيأتي تفصيله فما روي عن عليّ كرّم الله وجهه يدلّ على أنه تبديل في الذات، " وكذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه ظاهر فيه وما روي عن ابن عباص رضي الله تعالى عنهما "(1) صريح في تبديل الصفة، والأديم الجلد والعكاظي منسوب إلى عكاظ، وهو محل
معروف كان يعمل فيه أو يباع فيه كذلك. قوله: (ارضاً وسماء على الحقيقة) أي من أفراد ذلك الجنس حقيقة كما أنه يجوز أن يكون غيره، وقوله ولا يبعد على الثاني أي تبديل الصفة قيل بل هو بعيد لأنه يلزم أن تكون الجنة، والنار غير مخلوقتين الآن، والثابت في الكلام، والحديث خلافه، وأجيب بأنّ الثابت خلقهما مطلقا لا خلق كليهما فيجوز أن يكون الموجود الآن بعضهما، ثم تصير السماوات والأرض! بعضا منهما، وهذا وان صححه لا يقر به، ووجه دلالة الآيتين أنهما في جهة علو، وسفل وتعبير. بأشعر يقتضي أنه خفيّ مع أنّ وجه الإشعار فيه نظر، وأغرب منه جعل الإمام هذا دليلَا عليه، وقوله لمحاسبته يعني أنه على تقدير مضاف لظهورهم له قبل ذلك. قوله:(للدلالة على أن الآمر في غاية الصعوبة) أي أمر يوم الحساب، والجزاء لأنهم إذا كانوا واقفين عند ملك عظيم
قهار لا يشاركه في الأمر غيره كانوا على خطر إذ لا مقاوم له، ومجبر ولا مغيث سواء، وشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكونها بإذنه منه أيضاً فلا ينافي ما ذكر ثبوت شفاعتهم للعصاة. قوله:(مقزنين) هو حال إن كانت رأي بصرية، ومفعول ثان إن كانت علمية، وفي الأصفاد متعلق به أو بمحذوف على أنه حال أو صفة له، والمقرّن من جمع في قرن، وهو بفتحتين الوثاق الذي يربط به، وقوله قرن بعضهم بالتشديد والتخفيف، وقوله بحسب مشاركتهم في العقائد أي بضم كل لمشاركه في كفره وعمله كما في المثال:
إنّ الطيور على أشباهها تقع
وقوله: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [سورة التكوير، الآية: 7] فمعناه قرنت مع نوعها زوجا زوجا وسيأتي لها تفسير آخر، وقوله أو قرنوا مع الشياطين لقوله فوربك لنحشرنهم والشياطين،
وقوله مع ما اكتسبوا أي مع جزائه أو كتابه أو أعماله تجسم، وتقرن بهم كما قيل به أو هو تمثيل بأن شبه جزاء ما اكتسبته جوارحهم باقترانهم، وتلبسهم بها وذكر الأيدي، والأرجل مضمومة للرقاب وارد في الأثر فإذا ذكره المصنف رحمه الله تعالى. قوله:) متعلق بمقرّنين (فهو ظرف لغو وهذا لكونهم مقرنين مع غيرهم وكونه حالاً مستقرّ ناظر إلى كون أيديهم، وأرجلهم قرنت برقابهم ففيه لف، ونشر. قوله: (والصفد القيد (أي الذي يوضع في الرجل، والغل بالضم هو ما في اليد، والعنق وما يضم به اليد، والرجل إلى العنق، ويسمى جامعة، وهو المذكور في الشعر فمن قال في تفسيره إنّ قوله يعض خبر زيد بعد خبر أو صفة صفادا، وحال من ضمير لاقى أي زيد يعض على ساعده تارة، وعلى ساقه أخرى ليتخلص من الوثاق فلا شاهد فيه حينئذ لم يصب إذ المراد أن الغل جمعهما جمعا مثبتا حتى كأنه يؤلمه بعض ساعده، وساقه، وزيد الخيل زيد بن مهلهل الطائي أضيف إلى الخيل لفروسيته، وهو صحابيئ رضي الله تعالى عنه " قدم على النبتي صلى الله عليه وسلم فسماه زيد الخير وقال له ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته إلا دون صفته غيرك " ومن هذا أخذ الشاعر قوله:
حتى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأطيب مما قدرأي بصري
وقد وقع للزمخشريّ، والشريف ابن الشجري فييته قصة مذكورة في طبقات النحاة.
قوله:) وجاء قطران وقطران) استغنى عن ضبط قراءة العامّة التي ابتدأ بها على عادته، وهي بفتح القاف، وكسر الطاء لأنّ شهرتها قراءة ولغة تغني عن التصريح بها ثم ثنى بفتح القاف، وسكون الطاء بوزن يى محران وثلث بكسر القاف وسكون الطاء بوزن سرحان، وقوله وجاء أي في اللغة إذ لو أراد غيره لقال قرئ على عادته فلا يرد عليه أنّ الأخيرة لم يقرأ بها كما في الدر المصون، ولا ألغاز في كلامه كما قيل. قوله:(وهو ما يتحلب من الأبهل) أي يتقاطر منه كالصمغ، والأبهل بضم الهمزة، والهاء وباء ساكنة بينهما اسم شجر قيل هو العرعر وقيل غيره،
والزفت نوع منه كما شاهدناه في الديار التي يصنع فيها، وقوله فتهنأ بضم التاء الفوقية، وسكون الهاء، وفتح النون وفي آخر. همزة مقصورة من الهناء كالطلاء لفظا ومعنى، ومنه المثل يضع الهناء مواضع النقب لمن يضع الشيء في محله، وهو معروف، وقوله كالقميص إشارة إلى أنّ سرابيلهم من التشبيه البليغ وقيل إنه استعارة هنا، وفيه نظر، وقوله ووحشة لونه أي قباحته، وهو استعمال عامّي يقولون فلان وحش أي قبيح كما قال بعض المتأخرين رحمه الله تعالى عليهم:
ووحشة بيننما يحرّكها مرّالنوى فهي دائما وحشة
وكذا ما في قوله من الهيئات الوحشة بكسر الحاء صفة منه، وأصل معنى الوحشة الانفراد، والهمّ من الوحش، وهو القفر، وقوله التفاوت بين القطرانين أي قطران الدنيا، والآخرة. قوله:(ويحتمل أن يكون تمثيلَا لما يحيط بجوهر النفس الخ) فشبه النفس المتلبسة بالملكات الرديئة كالكفر، والجهل، والعناد والغباوة بشخص لبس ثيابا من زفت، وقطران، ووجه الشبه تحلى كل منهما بأمر قبيح مؤذ لصاحبه يستنكره عند مشاهدته، ويستعار لفظ أحدهما للآخر استعارة تمثيلية مركبة، وقوله فيجلب الخ إشارة لوجه الشبه. قوله:) وعن يعقوب) أي روي عن يعقوب رحمه الله تعالى، وهو أحد القرّاء المعروفين أنه قرأ من قطران على أنهما كلمتان منونتان أولاهما قطر بفتح القاف، وكسر الطاء كما في الدرّ المصون
وهو النحاس مطلقا أو المذاب منه، وآن بوزن عان بمعنى شديد الحرارة كقوله:{وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [سورة الرحمن، الآية: 44] ويقال فيه قطر بكسر فسكون، والصفر بضم الصاد المهملة، وسكون الفاء نوع من النحاس. قوله:(والجملة حال ثانية أو حال من الضمير في مقزنين) أي جملة سرابيلهم من قطران حال ثانية من المجرمين، والحال الأولى مقرّنين، وهذا إذا كان في الأصفاد متعلق بمقرّنين، وألا فهي ثالثة أو هي حال من الضمير المستتر في مقرّنين فهي حال متداخلة، وجوّز فيها أن تكون مستأنفة، وحالاً من نفس مقزنين، وكونها حالاً، وهي اسمية غير مقترنة بالواو بناء على غير مختاره أو على تأويلها بمفرد أي متسربلين، وقد أشبعنا الكلام فيه في سورة الأعراف، وما ذكرناه هو ما ذكره المعربون، وكلام المصنف رحمه الله ظاهر فيه، وقيل إنه يعين أنها حال ثانية من ضمير مقرّنين، والأولى في الأصفاد أو حال ابتدائية مته، وفي الأصفاد ظرف لغو متعلق به فقوله من الضمير تنازع فيه حال، وحال. قوله:(وتتغشاها) عطف تفسير، وفي نسخة أي، وذكر وجه النص على تعذيبها لأنها لم تسجد لله، ولم تعمل الحواس
في معرفتة، وقوله كما تطلع على أفئدتهم هو أحد التفاسير فيه كما سيأتي في سورة الهمزة. قوله:(يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة) يعني أنّ متعلق الجارّ، والمجرور يقدر كما ذكر، والنفس مخصوصة بالنفس المجرمة بقرينة المقام أو عامّ لأنه إذا خص المجرمين بالعقاب علم اختصاص غيرهم بالثواب مع أنّ عقاب المجرمين، وهم أعداؤهم جزاء للمطيعين أيضا كماقيل:
من عاس بعد عدوّه يومافقدبلغ المنى
وعلى هذا يجوز تعلقه بقوله، وبرزوا ويكون ما بينهما اعتراضاً فلا اعتراض، وأورد عليه أمران الأوّل أنه لا حاجة لما تكلفه بقوله لأنه الخ. لأنه إذا أبقى على عمومه يدخل فيه المجرمون دخولاً أوليا الثاني أنّ الظاهر أنّ فاعل برزوا ضمير المعاندين للرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو المناسب لمقام الوعيد، وهو متعين إذا فسر البروز بأنه على زعمهم كما مرّ فكيف يتعين التعميم على تعلقه به، ولا ورود لهما أمّا الأوّل فلأنّ ما قدره بقرينة ما قبله إنما هو فعل العذاب لا الجزاء مطلقا فلا بد من ذكره وأمّا الثاني فلأنّ ظاهر تفسيره السابق للبروز من القبور إنه شامل لجميع الخلائق كما صرّح به بعض المفسرين، وجعل الجملة حالية، ويجوز تعلقه بتري، وما ذكر يحتمله. قوله:(لأنه لا يشغله حساب عن حساب) فاللام للاستغراق، وقال بعض المتأخرين لأنه لا يشغله فيه تأمّل، وتتبع، ولا يمنعه حساب عن حساب حتى يستريح بعضهم عند الاشتغال بمحاسبة الآخرين فيتأخر عنهم العذاب، وبهذا التفصيل تبين إصابة هذا التذييل محزه. قوله:(إشأرة إلى القرآن أو السورة) والتذكير باعتبار الخبر وقوله أو ما فيه إشارة إلى توجيه الأفراد، والتذكير على هذا، وقوله من قوله من ابتدائية أي إلى هنا، وقوله كفاية أصل معنى البلاغ التبليغ، ويطلق على الكفاية كما هنا صرّح به الراغب. قوله:(عطف على محطوف الخ) ذكروا في إعرابه وجوهاً منها أنه معطوف على علة أخرى متعلقة بقوله بلاغ محذوفة ومنها أنّ له متعلقاً هو المعطوف، ومنها أنّ الواو زائدة، وقيل اللام لام أمر قيل، وهو حسن لولا قوله، وليذكر وتعلقه بمحذوف تكلف. قوله: (وقرئ بفتح
الياء من نذر به إدّا علم به واستعدّ له) وهذه قراءة السلمي، وغيره من نذر بمعنى علم واستعد فالوا، ولم يسمع لنذر بمعنى علم مصدر فهي كعسى، وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها، وقيل إنهم استفنوا بأن، والفعل عن صريح المصدر، وفي القاموس نذر بالشيء كفرح علمه فحذره، وأنذره بالأمر إنذارا ونذراً ويضم، وبضمتين ونذيرا أعلمه وحذره، وقوله يحظيهم بالظاء المعجمة أي ينيلهم الحظوة، وهي قبول الفضل والمحاسن، وقوله تكميل بالنصب، وكذا ما بعده بدل من ثلاث، ومرفوع خبر الحكم، وهو بيان لما قبله من الثلاث أيضا، وتكميل الرسل عليهم الصلاة والسلام بالإنذار، واستكمالهم من قوله، وليعلموا الخ والاستصلاج من قوله، وليذكر وقوله منتهى كمالها التوحيد المراد بالتوحيد ما يتعلق بمعرفة الله مطلقاً، ولذا يسمى الكلام علم التوحيد فلا يرد عليه ما قيل إنّ التوحيد أوّل مراتب الإيمان، ومنتهاها معرفة الصفات الإلهية، والآيات المبينة في الآفاق، والأنفس. قوله: (وعن النبني صلى الله عليه وسلم الخ (هذا الحديث رواه ابن مردويه والثعلبيّ والواحدقي، وهو موضوع أيضا كما ذكره العراقي رحمه الله تعالى.