الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: الأدلة على وجوب الأخذ بخبر الآحاد في العقائد
استدل القائلون بوجوب الأخذ بأخبار الآحاد في العقيدة بأدلة كثيرة، فذكر الدكتور عمر الأشقر أن الشيخ ناصر الدين الألباني ساق عشرين وجهاً تدل على ذلك.
ولكننا نركز على أهم الأدلة التي استدلوا بها ونذكر منها ما يلي:
أولاً: الأدلة من القرآن الكريم:
1-
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةًفَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة آية:122] .
وجه الدلالة: أن الطائفة تطلق على الواحد فما فوق في اللغة. وذكر الإمام البخاري أن الرجل يسمى طائفة لقوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَاعَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات آية:9] . فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية (1) .
فأفادت الآية أن الطائفة تنذر قومها إذا رجعت إليهم، والإنذار: الإعلام بما يفيد العلم، وهو يكون بتبليغ العقيدة وغيرها مما جاء به الشرع، وإذا كان
(1) صحيح البخاري بشرح فتح الباري ج 3 / 231.
الرجل يؤخذ بما يخبر به من أمور دينه، كان هذا دليلاً على أن خبره حجة، والتفقه في الدين يشمل العقائد والأحكام، بل إن التفقه في العقيدة أهم من التفقه في الأحكام (1) .
2-
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} [النساء آية:59] .
وجه الدلالة: أجمع المسلمون على أن الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرجوع إليه في حياته والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتفقوا على أن فرض هذا الرد لم يسقط بموته، فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علماً ولا يقينا لم يكن للرد إليه وجه، (2) ولما كانت أخبار الآحاد تفيد العلم كانت حجة في العقيدة.
ثانيا: الأدلة من السنة:
1-
قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا الصلاة فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم
(1) أصل الاعتقاد/ 63. العقيدة في الله / 51.
(2)
مختصر الصواعق ج 2 / 352.
فإنه ليس بينه وبين الله حجاب (1) .
وجه الدلالة: الحديث نص في المطلوب؛ إذ إن فيه دعوة صريحة إلى التوحيد أي الإيمان بالله والرسول والإيمان بالله ورسوله من أصول العقائد وبالتالي فخبر الآحاد حجة في العقائد.
2-
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه وَرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه"(2) .
وجه الدلالة: ما ذكره الشافعي في رسالته بقوله: "دلَّ على أنه لا يأمر أن يُؤَدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدى عنه حلال، وحرام يجتنب، وحدٌّ يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا، ودل على أنه يحمل الفقه غير فقيه، يكون له حافظاً ولا يكون فيه فقيهاً. وأمرُ رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتج به في أن إجماع المسلمين لازم"(3) .
وهذا الحديث هو الحديث الأول من جملة أحاديث ساقها الشافعي للاحتجاج بأخبار الآحاد في العقائد.
وهذا الحديث عام متناول لأحاديث الأعمال والأحكام والعقائد، ولولم يكن الإيمان بما يثبت عنه صلى الله عليه وسلم من عقائد بأخبار الآحاد واجباً لما كان لهذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ حديثه مطلقاً معنى.
3-
ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن وفد عبد القيس
(1) صحيح البخاري ج 2/529. كتاب الزكاة. باب لا تؤخذ كرائم الناس في الصدقة.
(2)
سنن الترمذي ج 5 /33. كتاب العلم. باب ما جاء في الحثِّ على تبليغ السماع رقم / 2656.
(3)
الرسالة / 403.
لما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من الوفد أو من القوم؟ " قالوا: ربيعة، فقال:"مرحباً بالقوم - أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى". قالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفار مضر، فمرنا بأمر فصلٍ نخبر به مَنْ وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: "هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة - وصيام رمضان - وأن تعطوا من المغنم الخمس، ونهاهم عن أرْبع: الدباء والحنتم والمزفت والنقير" (1) قال: احفظوهن وأبلغوهن من وراءكم (2) .
وجه الدلالة: ما ذكره ابن حجر بقوله: "والغرض من قوله في آخره احفظوهن وأبلغوهن من وراءكم، فإن الأمر بذلك يتناول كل فرد فلولا أن الحجة تقوم بتبليغ الواحد ما حضهم عليه"(3) .
4-
ما تواتر من إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله وسعاته إلى الآفاق والملوك المجاورين لجزيرة العرب والقبائل لتبليغ الرسالة.
فمن ذلك أنه بعث صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم بصرى، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي بكتابه إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضمري إلى الحبشة، وعثمان بن أبي العاص إلى الطائف، وحاطب بن أبيض
(1) الدباء: هو القرع. وقال النووي المراد هو اليابس منه. والحنتم: الجرة وفي رواية إنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم. والمزفت. ماطلي بالزفت والمقير ما طلي بالقار ويقال له القير وهو نبت يحرق إذا يبس تطلى به السفن وغيرها. والنقير أصل النخلة ينقر فيتخذ منه وعاء. (فتح الباري ج 1/134) .
(2)
صحيح البخاري ج 1 / 129 كتاب الإيمان. باب أداء الخمس من الإيمان. رقم /53.
(3)
فتح الباري ج 1 / 133.
بلتعة إلى المقوقس. وغيرهم ولم يبعث هؤلاء إلا ليقيم بهم الحجة على من بعثوا إليهم ومن المعلوم أن أهم ما بعث به هؤلاء هو الدعوة إلى التوحيد (1) .
ثالثا: من العقل:
1-
أن القول بأن أخبار الآحاد لا يحتج بها في العقائد قول مخالف لجميع أدلة الكتاب والسنة التي نحتج جميعاً بها على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام الشرعية؛ وذلك لعمومها وشمولها لما جاء به رسول الله عن ربه سواء كان عقيدة أو حكماً لتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد، تخصيص بدون مخصص وذلك باطل وما لزم من الباطل فهو باطل (2) .
2-
أن القول بعدم قبول خبر الآحاد في العقائد يستلزم رد السنة؛ لندرة المتواتر، ولأن كل حكم شرعي عملي يقترن به عقيدة ولا بد أن ترجع إلى الإيمان بأمر غيبي لا يعلمه إلا الله تعالى، ولولا أنه أخبرنا به في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لما وجب التصديق والعمل ولذلك لم يجز لأحد أن يُحَرِّمَ أو يحلل بدون حجة من كتاب أو سنة قال تعالى:{وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل آية:116] . فأفادت هذه الآية الكريمة أن التحريم والتحليل بدون إذن منه كذب على الله تعالى وافتراء عليه، فإذا كنا متفقين على جواز التحليل والتحريم بحديث الآحاد وإننا به ننجو من القول على الله فكذلك
(1) خبر الواحد وحجيته د. أحمد الشنقيطي / 204- 205.
(2)
أصل الاعتقاد / 64.
يجوز إيجاب العقيدة بحديث الآحاد، ولا فرق بينهما، ومن ادعى الفرق فعليه البرهان من كتاب الله وسنة رسوله، ودون ذلك خرط القتاد (1) .
3-
أن أخبار الآحاد لولم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها، ولا يمنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمنع إثبات الأحكام الطلبية فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر؛ وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة؛ فإنها لم تزل تحتج بأحاديث الآحاد في الخبريات العلميات كما تحتج به في الطلبيات العملية، ولاسيما أن الأحكام العملية تتضمن الخبر من الله بأنه شرع كذا أو أوجبه ورضيه دينا، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم يزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام ولم ينقل عن أحد منهم ألبتة أنه جَوَّز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته.
فأين سَلَفُ المفرقين بين البابين..؟ نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ويحيلون على آراء المتكلمين وقواعد المتكلفين. فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرين فإنهم قسموا الدين إلى مسائل علمية وعملية، وسمُّوها أصولاً وفروعاً (2) .
4-
أن الخلاف في الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد مسبوق بانعقاد
(1) وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة / 20. خبر الواحد للشنقيطي / 215.
(2)
مختصر الصواعق 2/ 489. خبر الواحد في التشريع الإسلامي. أبي عبد الرحمن برهون/ 381.
الإجماع المتيقن على قبول هذه الأحاديث وإثبات صفات الرب تعالى والأمور العلمية الغيبية بها فيقول ابن القيم: "فهذا لا يشك فيه من له خبرة بالمنقول، فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقَّاها بعضهم عن بعض بالقبول ولم ينكرها أحد منهم على مرادها، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومَنْ سمعها منهم تلقَّاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك، وكذلك تابع التابعين عن التابعين. هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث، كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم وأمانتهم، ونقلهم ذلك عن نبيهم كنقلهم الوضوء والغسل من الجنابة وأعداد الصلوات وأوقاتها ونقل الأذان والتشهد والجمعة والعيدين، فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرنا، وحينئذ فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ألبتة وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل (1) .
تعقيب:
وبعد عرضنا الأدلة الدالة على وجوب الآخذ بخبر الآحاد في العقائد، فالحق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع تقبل في الأصول. وبهذا نعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم من أن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، ولا يثبت بها شيء من صفات الله، زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين وأن العقائد لا بد فيها من اليقين باطل لا يعول عليه، ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم ردَّ الروايات الصحيحة
(1) أصل الاعتقاد / 77. مختصر الصواعق 2/ 502 مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي/ 125.
الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد تحكيم العقل (1) . ولاسيما أن الذين لا يأخذون بخبر الواحد في العقائد يلزمهم أن يردوا كثيراً من العقائد التي تثبت بأحاديث الآحاد ومنها (2) :
1 -
أفضلية نبينا محمد على جميع الأنبياء والمرسلين.
2 -
شفاعته العظمى في المحشر.
3 -
شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته.
4 -
معجزاته كلها ما عدا القرآن.
5 -
كيفية بدء الخلق وصفة الملائكة والجن وصفة الجنة والنار ممالم يذكر في القرآن الكريم.
6 -
سؤال منكر ونكير في القبر.
7 -
ضغطة القبر للميت.
8 -
الإيمان بأن الله تعالى كَتَبَ على كل إنسان سعادته أو شقاوته ورزقه وأجله وهو في بطن أمه.
9 -
الصراط والحوض والميزان ذو الكفتين.
10 -
خصوصياته صلى الله عليه وسلم مما جمعه السيوطي في كتاب "الخصائص الكبرى" مثل دخوله في حياته الجنة، وإسلام قرينه من الجن.
(1) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي / 125.
(2)
أشراط الساعة يوسف الوابل / 52.