المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: جهود العلماء في التأليف والدفاع عن حجية خبر الآحاد - حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام - محمد جميل مبارك

[محمد بن جميل مبارك]

الفصل: ‌المبحث الثاني: جهود العلماء في التأليف والدفاع عن حجية خبر الآحاد

‌المبحث الثاني: جهود العلماء في التأليف والدفاع عن حجية خبر الآحاد

يتسم أسلوب العلماء في دفاعهم عن حجية خبر الآحاد بالإسهاب والإيعاب والقوة، مما ينبئ عن كثرة الدوافع التي دفعتهم للإفاضة في الاستدلال، وأهم هذه الدوافع ثلاثة.

الأول: قوة الخلاف وكثرة التشغيب اللذان يوردهما المخالفون.

الثاني: رغبة هؤلاء العلماء في استئصال تشغيب المخالفين المنكرين لحجية خبر الواحد مطلقاً، أو لحجيته في العقائد.

الثالث: خطورة الأثر الذي يخلفه القول بعدم حجية خبر الواحد من حيث إفضاؤه إلى إنكار معظم السنة، فإذا ترك هذا القول دون تفنيد فربما يغتر به الكثيرون في رد السنن.

ويتعين استحضار هذه الدوافع أثناء تتبع استدلالات العلماء، حتى إذا نبتت نابتة جديدة تدعو إلى رفض خبر الواحد جملة أو إلى رفضه في العقائد ووجهت بهذه الأدلة الموعبة، وأضيفت إليها أدلة أخرى قد تستنبط بالنظر في نصوص أخرى في الشرع.

وأكثر من أفاضوا في الاستدلال لحجية خبر الواحد من السلف: الإمام الشافعي رحمه الله، ثم الإمام البخاري، وسار كثير من العلماء على منوالهما كالإمام ابن حزم في ((الإحكام)) ، وكالحافظ ابن عبد البر في كتابه:"جامع بيان العلم وفضله.." وفي مناسبات في كتاب "التمهيد"

ص: 10

وفي كتابه الذي ألفه في الموضوع بعنوان: "الشواهد في إثبات خبر الواحد" الذي قال عنه في مقدمة كتابه "التمهيد": "وقد أفردت لذلك كتاباً موعباً كافياً، والحمد لله"(1) .

وكالخطيب البغدادي في كتابه: "الدلائل والشواهد على صحة العمل بخبر الواحد"(2) وفي كتابه: "الكفاية في علم الرواية" الذي عقد فيه باباً لصحة العمل بخبر الواحد.

وألف الإمام السيوطي (ت: 911هـ) كتابا في الاحتجاج بالسنة سمَّاه: "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة".

أما الإمام الشافعي فقد أطال في الاحتجاج لخبر الواحد في ثلاثة من كتبه هي:

- ((كتاب الرسالة))

- ((كتاب اختلاف الحديث))

- ((كتاب جماع العلم))

وذكر الزركشي أن الشافعي صنف كتاباً في إثبات العمل بخبر الواحد أورد فيه نحواً من ثلاثمائة حديث، وذكر وجوه الاستدلال فيها (3) .

(1) التمهيد 1/2 وكرر ذكره في الجزء الخامس ص 116.

(2)

ذكره في كتابه الكفاية في علم الرواية ص 66.

(3)

انظر البحر المحيط 1/261، قال ذكر في أوله الحديث المشهور: (رحم الله امرأً سمع مقالتي

) فاعترض أبو داود وقال: أثبت خبر الواحد بخبر الواحد، والشيء لا يثبت بنفسه

قال الأصحاب: هذا الذي ذكره باطل، فإن الشافعي لم يستدل بحديث واحد، وإنما ذكر نحوا من ثلاثمائة حديث وذكر وجوه الاستدلال فيها فالمجموع هو الدال عليه

" البحر المحيط 1/261.

ص: 11

وقد ساق في هذه الكتب عشرات الأدلة في حجية خبر الواحد، معظمها من السنة، وبعضها من القرآن الكريم دون استقصاء للأدلة كما يفهم من قوله:"وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها"(1) .

أما الإمام البخاري فقد ساق في صحيحه اثنين وعشرين حديثا لإثبات حجية خبر الواحد، واحد وعشرون حديثا مسندا، وواحد معلق عن ابن عباس، وهي موزعة على ستة أبواب، وكل باب مترجم بما يفيد وجوب العمل بخبر الواحد وهي:

1 – باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق

2 – باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم الزبير طليعة وحده.

3 – باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب: 53] فإن أذن واحد جاز.

4 – باب ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد.

5 – باب وصاة النبي صلى الله عليه وسلم ود العرب أن يبلغوا مَنْ وراءهم.

(1) الرسالة ص 453.

ص: 12

6 – باب خبر المرأة الواحدة.

وتعدد هذه الأبواب قد يؤيد ما في نسخة الصغاني من ترجمته كتاب أخبار الآحاد، وتخصيص كتاب لأخبار الآحاد دليل على شدة اهتمام البخاري بإقامة البراهين على حجية خبر الواحد، وعلى القول بأنها أبواب ضمن كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة"، فإنَّ ذِكْرَه لهذه الأبواب تحت هذا الكتاب إشارة إلى أن من وسائل الاعتصام بالكتاب والسنة تثبيت حجية خبر الواحد.

وأضاف ابن حزم رحمه الله أدلة أخرى بطريقته الحجاجية القوية من مثل قوله: "من نشأ في قرية أو مدينة ليس بها إلا مقرئ واحد أو محدث واحد أو مفت واحد فنقول لمن خالفنا: ماذا تقولون: أيلزمه إذا قرأ القرآن على ذلك المقرئ أن يؤمن بما أقرأه، وأن يصدق بأنه كلام الله

؟ " (1) .

وتتابع العلماء بعدهم في إثبات حجية خبر الواحد بتضمين كتبهم أدلة حجية خبر الواحد، كما نجد عند ابن القيم في كتابه:"الصواعق المرسلة" فقد ضمنه مباحث في الاحتجاج بالسنة عامة، وفي الاحتجاج بخبر الواحد خاصة في مجال إثبات العقائد.

وللإمام أبي الحسن الأشعري (ت: 324هـ) إشارات إلى القضية في كتابه "الإبانة" ونجد عند معظم شراح كتب الحديث وقفات ينبهون فيها

(1) الإحكام 1/99.

ص: 13

على حجية خبر الواحد، كما نجد عند ابن عبد البر في التمهيد، وعند النووي في "شرح مسلم"، وعند الحافظ ابن حجر في "فتح الباري".

فلا يتركون فرصة لإثبات حجية خبر الواحد من خلال شرح الأحاديث إلا انتهزوها، فابن عبد البر مثلا يجعل من فقه حديث أم سلمة (1) : "إيجاب العمل بخبر الواحد الثقة ذكراً كان أو أنثى، وعلى ذلك جماعة أهل الفقه والحديث وأهل السنة، ومن خالف ذلك فهو عند الجميع مبتدع

" (2) .

والنووي وابن حجر جعلا مِنْ فقه حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قبول خبر الواحد والعمل به.

أما الأصوليون فقد أبلَوا البلاء الحسن في الدفاع عن السنة، وعن خبر الآحاد خاصة، وقد عبر إمام الحرمين عن حسن بلائهم بقوله:"وقد أكثر الأصوليون، وطوَّلوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين"(3) .

ولم يغفل المفسرون استثمار بعض الآيات لتثبيت حجية خبر الواحد، كالآيات التي استدل بها جمهور العلماء على حجية خبر الواحد (4) ، والتي سيأتي بعضها في المبحث الثالث.

(1) وهو حديث: أن رجلاً قَبَّل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله (يقبل وهو صائم، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك

الحديث بطوله.

(2)

التمهيد 5/115.

(3)

البرهان 1/600.

(4)

انظر مثلا: روح المعاني 26/146 وقارن بأحكام القرآن للجصاص 5/279.

ص: 14

وللعلماء والباحثين المعاصرين جهود طيبة في الدفاع عن حجية خبر الآحاد، كما أن الجدل قد أثير حوله في هذا العصر. ومن أبرز الأمثلة لهذه الجهود:

1 – وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

2 – فتح الغني الماجد ببيان حجية خبر الواحد للشيخ عبد الله بن الصديق الغماري.

3 – خبر الواحد في السنة أثره في الفقه الإسلامي، للدكتورة سهير رشاد مهنا.

4 – خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته للقاضي برهون.

5 – الأدلة والشواهد على وجوب الأخذ بخبر الواحد لسليم الهلالي.

6 – رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد لعبد العزيز بن راشد.

7 – حديث الآحاد لخليل إبراهيم ملا خاطر.

8 – دراسة في خبر الآحاد لمحمد مبارك السيد.

ص: 15