المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

جَارة الْمَوْقُوف عَلَيْهَا يحْتَمل أَن تكون تمييزاً لِإِمْكَان إِدْخَال من - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي - جـ ٣

[عبد القادر البغدادي]

الفصل: جَارة الْمَوْقُوف عَلَيْهَا يحْتَمل أَن تكون تمييزاً لِإِمْكَان إِدْخَال من

جَارة الْمَوْقُوف عَلَيْهَا يحْتَمل أَن تكون تمييزاً لِإِمْكَان إِدْخَال من عَلَيْهَا. وَيحْتَمل أَن تكون حَالا. ثمَّ إِنَّه أَخذ جَمِيع الْكَلَام الَّذِي نَقَلْنَاهُ من ابْن بري.)

وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت الْحِوَالَة عَلَيْهَا فِي الْبَيْت الَّذِي قبل هَذَا. وَبعد هَذَا الْبَيْت:

(أرضتك من حسن وَمن

دلّ تخالطه غراره)

(وسبتك حِين تبسمت

بَين الأريكة والستاره)

والغرارة بِفَتْح الْمُعْجَمَة: الغفلى كالغرة بِالْكَسْرِ. والأريكة: السرير المزين وَالْجمع أرائك.

3 -

(بَاب الْمُسْتَثْنى)

أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع عشر بعد الْمِائَتَيْنِ

(وبلدة لَيْسَ بهَا طوريّ

وَلَا خلا الْجِنّ بهَا إنسي)

على أَن تقدم الْمُسْتَثْنى على الْمَنْسُوب والمنسوب إِلَيْهِ شَاذ. وَالْأَصْل: وَلَا بهَا إنسي خلا الْجِنّ.

ص: 311

قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنه يجوز تَقْدِيم حرف الِاسْتِثْنَاء فِي أول الْكَلَام نَحْو إِلَّا طَعَامك مَا أكل زيد نَص عَلَيْهِ الْكسَائي وَإِلَيْهِ ذهب الزّجّاج فِي بعض الْمَوَاضِع وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْبَيْت وَنَحْوه. وَمنعه البصريون وَأَجَابُوا عَن الْبَيْت بِأَن تَقْدِيره: وبلدة لَيْسَ بهَا طوري وَلَا إنسي مَا خلا الْجِنّ. فَحذف إنسياً وأضمر الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَمَا أظهره تَفْسِير لما أضمره. وَقيل: تَقْدِيره: وَلَا بهَا إنسي خلا الْجِنّ. فِيهَا مقدرَة بعد لَا وَتَقْدِيم الْمُسْتَثْنى فِيهِ للضَّرُورَة فَلَا يكون فِيهِ حجَّة.

وَهَذَانِ البيتان من أرجوزة للعجاج. وَقَوله: وبلدة الْوَاو فِيهِ وَاو ربّ

والبلدة: الأَرْض يُقَال: هَذِه بَلْدَتنَا أَي: أَرْضنَا. وروى أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح نَوَادِر القالي والصاغاني فِي الْعباب: بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَالْقَاف وَقَالَ: الخفقة: الْمَفَازَة الملساء ذَات آل.

قَالَ أَبُو عبيد: هَذَا صِحَة إنشاده لِأَن قبله: وبلدة نياطها نطيّ أَي: بعيد. وَبعده: للريح فِي أقرابها هويّ والأقراب: الجوانب. وَجُمْلَة: لَيْسَ بهَا طوري صفة بَلْدَة. وطوري

ص: 312

بِمَعْنى أحد لَا يكون إِلَّا مَعَ النَّفْي كَمَا هُنَا وَهُوَ فِي الأَصْل مَنْسُوب إِلَى طور الدَّار قَالَ شَارِح النوابغ الزمخشرية: طور الدَّار بِالضَّمِّ هُوَ مَا يَمْتَد مَعهَا من فنائها وحدودها تَقول: أَنا لَا أطور بفلان وَلَا أطور طوره)

أَي: لَا أدور حوله وَلَا أدنو مِنْهُ انْتهى.

وَلَا وَجه لقَوْل أبي عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ: إِن طورياً مَنْسُوب إِلَى الطورة وَهِي فِي بعض اللُّغَات الطّيرة على وزن العنبة وَهُوَ مَا يتشاءم بِهِ من الفأل الرَّدِيء. وَقد رَوَاهُ أَبُو زيد فِي نوادره بِهَذَا اللَّفْظ. وَكَذَلِكَ صَاحب الصِّحَاح والْعباب وَغَيرهم. وَرَوَاهُ أَبُو عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ طوئي على وزن طوعي قَالَ: أَنْشدني أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي وَأَبُو بكر بن دُرَيْد للعجّاج: وبلدة لَيْسَ بهَا طوئيّ وَهُوَ بِمَعْنى طوري. وَزَاد فِيهَا لغتين أَيْضا قَالَ: يُقَال: مَا بهَا طؤويّ على مِثَال طعويّ وَمَا بهَا طاويّ غير مَهْمُوز. وَأورد فِيهَا كَلِمَات كَثِيرَة فِي هَذَا الْمَعْنى

تلازم النَّفْي كَقَوْلِهِم: مَا فِي الدَّار أحد وَمَا بهَا عريب وَمَا بهَا ديّار. وَكَأَنَّهُ وَالله أعلم استقصى فِيهَا جَمِيع هَذِه الْأَلْفَاظ.

وَقَوله: وَلَا الخ الْوَاو عطفت جملَة بهَا إنسي على جملَة بهَا طوري المنفية بليس ولَا لتأكيد النَّفْي إِلَّا أَنه فصل بَين العاطف والمعطوف بجملة خلا الْجِنّ لضَرُورَة الشّعْر. قَالَ ابْن السرّاج فِي الْأُصُول: وَحكى عَن الْأَحْمَر أَنه كَانَ يُجِيز: مَا قَامَ صَغِير وَلَا خلا أَخَاك كَبِير. وَإِنَّمَا قاسه على قَوْله:

ص: 313

(وبلدة لَيْسَ بهَا طوري

وَلَا خلا الْجِنّ وَلَا إنسي)

وَلَيْسَ كَمَا ظن أَدَاة اسْتثِْنَاء وَمثلهَا عدا يكونَانِ فعلين وَينصب مَا بعدهمَا على الْمَفْعُول بِهِ لِأَن مَعْنَاهُمَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ جَاوز وفاعلهما ضمير مصدر الْفِعْل الْمُتَقَدّم على قَول وَمِنْه فِي خلا مَا أنْشدهُ ابْن خروف وَغَيره: وَلَا خلا الْجِنّ بِالنّصب. ويكونان حرفين وينجرّ مَا بعدهمَا على أَنَّهُمَا حرفا جر وَمِنْه فِي خلا قَول الْأَعْشَى:

(خلا الله مَا أَرْجُو سواك وَإِنَّمَا

أعدّ عيالي شُعْبَة من عيالكما)

وَهَذَا كُله مَا لم تتصل بهما مَا المصدرية. فَإِن اتَّصَلت بهما فَإِن الْمُخْتَار النصب والجر قَلِيل وَتَكون مَا مَعَ مَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل مصدر مَنْصُوب نصب غير وَسوى عِنْد ابْن خروف ومصدر فِي مَوضِع الْحَال عِنْد السيرافي.

وإنسي: وَاحِد الْإِنْس بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْبشر يفرق بَينه وَبَين وَاحِد بياء النِّسْبَة كروم وروميّ.

فَقَوله: خلا الْجِنّ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع لِأَنَّهُ من غير جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ.

وترجمة العجّاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين.)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:

ص: 314

(فَإِن تمس فِي غَار برهوة ثاوياً

أنيسك أصداء الْقُبُور تصيح)

على أَنه جعل الأصداء أنيساً مجَازًا واتساعاً. لِأَنَّهَا تقوم فِي استقرارها بِالْمَكَانِ وعمارته لَهُ مقَام الأناسي.

وقوى سِيبَوَيْهٍ بِهَذَا مَذْهَب بني تَمِيم فِي إِبْدَال مَا لَا يعقل مِمَّن يعقل إِذْ قَالُوا: مَا فِي الدَّار أحد إِلَّا حمَار فجعلوه بِمَنْزِلَة مَا فِي الدَّار أحد إِلَّا فلَان.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ رصى بهَا ابْن عمّ لَهُ قتل. مطْلعهَا:

(وَإِن دموعي إثره لكثيرة

لَو أَن الدُّمُوع والزفير يرِيح)

(فو الله لَا أنسى ابْن عَم كَأَنَّهُ

نشيبة مَا دَامَ الْحمام ينوح)

إِلَى أَن قَالَ بعد أَبْيَات ثَلَاثَة:

(فَإِن تمس فِي رمس برهوة ثاوياً

أنيسك أصداء الْقُبُور تصيح)

(على الكره مني مَا أكفكف عِبْرَة

وَلَكِن أخلّي سربها فتسيح)

(فَمَا لَك جيران وَمَا لَك نَاصِر

وَلَا لطف يبكي عَلَيْك نصيح)

قَوْله: فَإِن تمس يُقَال أَمْسَى: إِذا دخل فِي الْمسَاء وَهُوَ خلاف أصبح: إِذا دخل فِي الصَّباح. قَالَ ابْن الْقُوطِيَّة: الْمسَاء مَا بَين الظّهْر إِلَى الْمغرب. والرمس: الْقَبْر قَالَ فِي الْمِصْبَاح: رمست الْمَيِّت رمساً من بَاب قتل: دَفَنته. والرمس:

التُّرَاب تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ ثمَّ سمي الْقَبْر بِهِ وَالْجمع رموس. وأرمسته بِالْألف لُغَة. ورهوة: مَكَان قَالَ ياقوت

ص: 315

فِي مُعْجم الْبلدَانِ: قَالَ أَبُو عبيد: الرهوة: الجوبه تكون فِي محلّة الْقَوْم يسيل إِلَيْهَا مَاء الْمَطَر.

وَقَالَ أَبُو سعيد: الرهو: مَا اطْمَأَن من الأَرْض وارتفع مَا حوله قَالَ: وَلَا رهوة شبه تلّ يكون فِي متون الأَرْض على رُؤُوس الْجبَال ومساقط الطُّيُور والصقور والعقبان. ورهوة طَرِيق بِالطَّائِف وَقيل هُوَ جبل فِي شعر خفاف بن ندبة وَقيل عقبَة فِي مَكَان يعرف. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: رهوة فِي وثاويا خبر قَوْله: تمس وَهُوَ مُتَعَلق برهوة يُقَال ثوى بِالْمَكَانِ وَفِيه: إِذا أَقَامَ. وأنيسك مُبْتَدأ وأصداء خَبره وَالْجُمْلَة حَال من ضمير صاويا. وَجُمْلَة تصيح صفة لأصداء وَلَا يضر إِضَافَته)

إِلَى الْمُعَرّف بِاللَّامِ لِأَن اللَّام للْجِنْس ومدخلها قريب من النكرَة. والأنيس: المؤانس وَفعله أنست بِهِ إنساً من بَاب علم وَفِي لُغَة من بَاب ضرب والأنس بِالضَّمِّ اسْم مِنْهُ واستأنست بِهِ وتأنست بِهِ: إِذا سكن الْقلب وَلم ينفر كَذَا فِي الْمِصْبَاح: والأصداء: جمع صدى بِالْقصرِ وَهُوَ ذكر البوم وَهُوَ يسكن فِي الْقُبُور وَقَالَ الأعلم: هُوَ طَائِر يُقَال لَهُ الهامة يزْعم الْأَعْرَاب أَنه يخرج من رَأس الْقَتِيل إِذا لم يدْرك بثأره فَيَقُول: اسقوني اسقوني حَتَّى يُؤْخَذ بثأره. وَهَذَا مثل وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ تحريض وليّ الْمَقْتُول على طلب دَمه. فَجعله جهلة الْعَرَب حَقِيقَة. انْتهى.

وَقَوله: على الكره مني مُتَعَلق بقوله: أكفكف يُقَال: كفكفت الدمع وَالرجل: إِذا كففته ومنعته.

وَالْعبْرَة بِالْفَتْح: الدمعة وَفعله عبرت عينه كفرحت والسرب بِفَتْح السِّين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: الطَّرِيق

ص: 316

يُقَال خلّ لَهُ سربه.

وَقَوله: فَمَا لَك جيران الخ هَذِه الْجُمْلَة جَوَاب قَوْله فَإِن تمس. وجيران: جمع جَار. ولطف بِفَتْح اللَّام والطاء الْمُهْملَة هُوَ الرَّقِيق والملاطف. وَهَذَا الْكَلَام مِنْهُ على طَرِيق التحزن والتحسر.

وَقد تقدّمت تَرْجَمَة أبي ذُؤَيْب فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ وَالله أعلم.

الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

(وَالْحَرب لَا يبْقى لجا

حمها التخيل والمراح)

(إِلَّا الْفَتى الصبار فِي النج

دات وَالْفرس الوقاح)

على أَن الْفَتى وَمَا بعده اسْتثِْنَاء مُنْقَطع بدل من قَوْله: التخيل والمراح. والجاحم بِتَقْدِيم الْجِيم على الْحَاء الْمُهْملَة: الْمَكَان الشَّديد الحرّ من جحمت النَّار فَهِيَ جاحمة: إِذا اضطرمت وَمِنْه الْجَحِيم. والتخيل: التكبر من الْخُيَلَاء. يَقُول: إِن الْحَرْب تزيل نخوة المنخو.

وَذَلِكَ أَن أَصْحَاب الْغناء يتكرمون عَن الْخُيَلَاء ويختال المتشبع فَإِذا جرّب فَلم يحمد افتضح وَسقط والمراح بِالْكَسْرِ: النشاط. أَي: أَنَّهَا تكفّ حِدة البطر النشيط والصبار: مُبَالغَة صابر.

والنجدة: الشدَّة والبأس. والوقاح بِالْفَتْح: الْفرس الَّذِي حَافره صلب شَدِيد وَمِنْه الوقاحة.

ص: 317

وَهَذَانِ البيتان قد تقدم شرحهما مفصّلاً فِي الشَّاهِد الْحَادِي والثمانين فِي اسْم مَا

وَلَا المشبهتين بليس.

وَأنْشد بعده وَهُوَ)

الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

(عَشِيَّة لَا تغني الرماح مَكَانهَا

وَلَا النبل إِلَّا المشرفي المصمم)

على أَن مَا بعد إِلَّا وَهُوَ المشرفي بدل من الرماح والنبل وَالِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع.

وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا شَاهدا على رفع الِاسْم الْكَرِيم فِي قَوْله تَعَالَى: قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله وَإِنَّمَا رفع على لُغَة تَمِيم. والحجازيون ينصبونه مُطلقًا.

وَقد جَاءَ هَذَا الْبَيْت فِي شعرين قافية أَحدهمَا مَرْفُوعَة وقافية الآخر مَنْصُوبَة. وَالْأول هُوَ الشَّائِع المستشهد بِهِ وَقد ورد فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ مغفلاً وَلم ينْسبهُ أَكثر شرَّاح شواهده.

والمنصوب جَاءَ فِي قصيدة للحصين بن الْحمام المري. أما الأول فَهُوَ لِضِرَار بن الْأَزْوَر الصَّحَابِيّ من قصيدة قَالَهَا فِي يَوْم الرِّدَّة: قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب: أكتبنا أَبُو الندى: قَالَ ضرار بن الْأَزْوَر وَهُوَ فَارس المحبّر فِي الرِّدَّة لبني خُزَيْمَة وَكَانَ خَالِد بن الْوَلِيد بَعثه فِي خيل

ص: 318

على الْبَعُوضَة: أَرض لبني تَمِيم فَقتل عَلَيْهَا مَالك بن نُوَيْرَة فَارس بني يَرْبُوع وَبَنُو تَمِيم تَدعِي أَنه آمنهُ. فقاتل يَوْمئِذٍ ضرار

بن الْأَزْوَر قتالاً شَدِيدا فَقَالَ فِي ذَلِك وبلغه ارتداد قومه من بني أَسد:

(بني أَسد قد سَاءَنِي مَا صَنَعْتُم

وَلَيْسَ لقوم حَاربُوا الله محرم)

(وَأعلم حَقًا أَنكُمْ قد غويتم

بني أَسد فاستأخروا أَو تقدمُوا)

(عصيتم ذَوي أحلامكم وأطعتم

ضجيماً وَأمر ابْن اللقيطة أشأم)

(وَقد بعثوا وَفْدًا إِلَى أهل دومة

فقبح من وَفد وَمن يتَيَمَّم)

(وَلَو سَأَلت عَنَّا جنوب لخبّرت

عَشِيَّة سَالَتْ عقرباء بهَا الدَّم)

(عَشِيَّة لَا تغني الرماح مَكَانهَا

وَلَا النبل إِلَّا المشرفي المصمم)

(فَإِن تبتغي الْكفَّار غير منيبة

جنوب فَإِنِّي تَابع الدَّين فاعلموا)

(أقَاتل إِذْ كَانَ الْقِتَال غنيمَة

وَللَّه بِالْعَبدِ الْمُجَاهِد أعلم)

ضجيم هُوَ طليحة بن خويلد وَكَانَت أمه حميرية أخيذة. وَابْن اللقيطة: عُيَيْنَة بن حصن.

وَقَوله: يَا آل ثَعْلَبَة أَرَادَ ثَعْلَبَة الحلاف بن دودان بن أَسد.

ص: 319

وَقَالَ لنا أَبُو الندى: عقرباء بِالْبَاء: أَرض بِالْيَمَامَةِ. قَالَ: وعقر مَا بِالْمِيم بِالْيمن وأتنشد لرجل من جعفي فِي قتل مالم بنمازن أحد بني ربيعَة بن الْحَارِث:)

(جدعتم بأفعى بالذهاب أنوفنا

فملنا بأنفيكم فَأصْبح أصلما)

(فَمن كَانَ مَحْزُونا بمقتل مَالك

فَإنَّا تَرَكْنَاهُ صَرِيعًا بعقرما ا. هـ)

وَقَوله: عَشِيَّة سَالَتْ هُوَ بِتَقْدِير مُضَاف أَي: لخبّرت خبر عَشِيَّة سَالَتْ. وَعَشِيَّة الثَّانِيَة بدل مِنْهَا. وجنول فِيمَا بعد هَذَا منادى وَهِي امْرَأَة.

والعشية وَاحِدَة الْعشي قَالَ فِي الْمِصْبَاح: الْعشي قيل مَا بَين الزَّوَال إِلَى الْغُرُوب وَمِنْه يُقَال لِلظهْرِ وَالْعصر صلاتا العشيّ وَقيل هُوَ آخر النَّهَار وَقيل الْعشي من الزَّوَال إِلَى الصَّباح وَقيل الْعشي وَالْعشَاء من صَلَاة الْمغرب إِلَى الْعَتَمَة. وَجُمْلَة لَا تغني الرماح الخ فِي مَحل جر بِإِضَافَة عَشِيَّة إِلَيْهَا. ومكانها ظرف لقَوْله لَا تغني وَهُوَ الْعَامِل فِيهِ. قَالَ الْعَيْنِيّ: الضَّمِير فِي مَكَانهَا للحرب يدلّ عَلَيْهِ لفظ الْجِهَاد لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا بمَكَان الحروب. وأغنيت عَنْك بِالْألف مُغنِي فلَان: إِذا أَجْزَأت عَنهُ وَقمت مقَامه.

وَحكى الْأَزْهَرِي: مَا أغْنى فلَان شَيْئا بالغين وَالْعين أَي: لم ينفع فِي مُهِمّ وَلم يكف مُؤنَة. وَقَوله: وَلَا النبل بِالرَّفْع عطفا على الرماح. والنبل بِالْفَتْح: السِّهَام الْعَرَبيَّة وَهِي مُؤَنّثَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا بل الْوَاحِد سهم. وَقَوله:

ص: 320

إِلَّا المشرفي بِالرَّفْع على لُغَة تَمِيم بدل من الرماح والنبل وَإِن لم يكن من جنسهما مجَازًا على مَا تقدم قبله. وَلَا وَجه لما نَقله ابْن الْأَنْبَارِي عَن بَعضهم: من أَن نصب المشرفي على الْمَعْنى قَالَ: كَأَنَّهُ أرادبقوله: لَا تغني الرماح أَي: لَا تستعملها وَلَا تسْتَعْمل إِلَّا المشرفي. وَهَذَا تعسف ظَاهر. والمشرفي بِفَتْح الْمِيم هُوَ السَّيْف النمسوب إِلَى مشارف قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: قَالَ الْحَرْبِيّ: والمشارف قرى من قرى الْعَرَب تَدْنُو من الرِّيف أَحدهَا مشرف. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: وَهِي مثل خَيْبَر ودومة الجندل وَذي الْمَرْوَة والرحبة.

وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي مُؤْتَة أَيْضا: وَكَانَ لقاؤهم يَعْنِي الْمُسلمين الرّوم فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا مشارف من تخوم البلقاء ثمَّ انحاز الْمُسلمُونَ إِلَى مُؤْتَة وَهُوَ مَوضِع من أَرض الشَّام من عمل البلقاء.

فالسيف المشرفي إِن كَانَ مَنْسُوبا إِلَى الأول فالنسبة على الْقيَاس لِأَن الْجمع يردّ إِلَى الْوَاحِد فينسب إِلَيْهِ وَإِن كَانَ مَنْسُوبا إِلَى الثَّانِي فالنسبة على خلاف الْقيَاس.

وَبِهَذَا التَّحْقِيق يعرف مَا فِي قَول الصَّاغَانِي وَغَيره: وَالسُّيُوف المشرفية منسوبة إِلَى مشارف الشَّام قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ قرى من أَرض الْعَرَب تَدْنُو من الرِّيف يُقَال: سيف مشرفي وَلَا يُقَال مشارفي لِأَن الْجمع لَا ينْسب إِلَيْهِ إِذا كَانَ على هَذَا الْوَزْن. انْتهى.)

وَقَالَ صَاحب الْمِصْبَاح بعد أَن نقل هَذَا وَقيل هَذَا خطأ بل هِيَ نِسْبَة إِلَى مَوضِع من الْيمن. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح

ص: 321

المفضليات عِنْد الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت: والمشرفي مَنْسُوب إِلَى المشارف وَهِي قرى للْعَرَب تَدْنُو من الرِّيف وَيُقَال: بل هِيَ منسوبة إِلَى مشرف رجل من ثَقِيف فَالْقَوْل الأول هُوَ القَوْل الأول من كَلَام الْبكْرِيّ وَيدل على الجمعية دُخُول اللَّام عَلَيْهَا فِي كَلَامهمَا. والمصمم: اسْم فَاعل من صمم قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وصمم السَّيْف: إِذا مضى فِي الْعظم وقطعه فَإِذا أصَاب الْمفصل وقطعه. يُقَال: طبّق. قَالَ الشَّاعِر يصف سَيْفا: يصمّم أَحْيَانًا وحيناً يطبق وَمثله قَول ابْن النباري: والمصمم الَّذِي يبري الْعظم برياً حَتَّى كَأَنَّهُ وَقع فِي الْمفصل من سرعَة مضائه. والمطبق الَّذِي يَقع على الْمفصل وَمِنْه قَول الْكُمَيْت يصف

رجلا شبهه بِالسَّيْفِ:

(فَأَرَاك حِين تهز عِنْد ضريبة

فِي النائبات مصمماً كمطبق)

أَي: هُوَ يمْضِي فِي نفس الْعظم ويبريه وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا طبق أَي وَقع على الْمفصل. فَهَذَا الرجل حِين يهز لما يَنُوب من الخطوب كَهَذا السَّيْف فِي مضائه أَي: يركب معالي الْأُمُور وشدادها وَلَا يثنيه شَيْء كَهَذا السَّيْف. وَإِنَّمَا كَانَت الرماح والنبل لَا تغني لِأَن الْحَرْب إِذا كَانَت بِاللَّيْلِ لَا تغني إِلَّا السيوف لاختلاط الْقَوْم ومواجهة بَعضهم بَعْضًا كَذَا قَالَ الْعَيْنِيّ. وَهَذَا من تَفْسِير العشية بِاللَّيْلِ. وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ من شدَّة الْمُحَاربَة حَيْثُ اسْتَقل عملهما فنازل بِالسَّيْفِ: وَذَلِكَ أَن أول الْحَرْب المناضلة بِالسِّهَامِ فَإِذا

ص: 322

تقاربوا فالتراشق بِالرِّمَاحِ فَإِذا الْتَقَوْا فالمجالدة بِالسُّيُوفِ.

فالشاعر يصف شدَّة الْمُحَاربَة بالتقاء الْفَرِيقَيْنِ فَلم يفد حِينَئِذٍ إِلَّا التضارب بِالسُّيُوفِ.

وَأما الثَّانِي وَهُوَ الشّعْر الْمَنْصُوب فمطلع القصيدة:

(جزى الله أفناء الْعَشِيرَة كلهَا

بدارة مَوْضُوع عقوقاً ومأثما)

(بني عمنَا الأدنين مِنْهُم ورهطنا

فَزَارَة إِذْ رامت بِنَا الْحَرْب مُعظما)

(وَلما رَأَيْت الودّ لَيْسَ بنافعي

وَإِن كَانَ يَوْمًا ذَا كواكب مظلما)

(يفلقن هاماً من رجال أعزة

علينا وهم كَانُوا أعق وأظلما)

(فليت أَبَا شبْل رأى كرّ خَيْلنَا

وخيلهم بَين الستار فأظلما)

(نطاردهم نستنقذ الجرد كالقنا

ويستنقذون السمهري المقوّما)

(عَشِيَّة لَا تغني الرماح مَكَانهَا

وَلَا النبل إِلَى المشرفي المصمما))

(لدن غدْوَة حَتَّى إِذا اللَّيْل مَا ترى

من الْخَيل إِلَّا خارجيا مسوما)

وَهَذِه القصيدة مسطورة فِي المفضليات وعدتها وَاحِد وَأَرْبَعُونَ بَيْتا.

وأفناء الْعَشِيرَة: أوباشهم يُقَال: هُوَ من أفناء النَّاس: إِذا لم يعلم مِمَّن هُوَ. ودارة مَوْضُوع: اسْم مَكَان وَكَذَلِكَ الستار وأظلم موضعان. وَقَوله: نطاردهم الخ هَذَا هُوَ الْعَامِل فِي عَشِيَّة.

وَرُوِيَ:

ص: 323

(نقاتلهم نستنقذ الجرد كالقنا

ويستودعون السمهري المقوّما)

وروى ابْن قُتَيْبَة:

(نحاربهم نستودع الْبيض هامهم

ويستودعون السمهري المقوّما)

والجرد: الْخَيل القصيرة الشُّعُور وَذَلِكَ مدح لَهَا. والسمهري: القنا. والقوّم: الْمعدل المثقف.

يَقُول: نَحن نستنقذ الْخَيل الجرد مِنْهُم وهم يستنقذون الرماح منا بِأَن نطعنهم بهَا ونتركها فيهم.

وَقَوله: لدن غدْوَة الخ ظرف لنطاردهم أَيْضا. والخارجي من الْخَيل: الْجواد فِي غير نسب تقدم لَهُ كَأَنَّهُ نبغ بالجودة وَكَذَلِكَ الْخَارِجِي من كل شَيْء. والمسوّم: الْمعلم للحرب. يَقُول: إِن النَّاس انكشفوا فِي هَذِه الْحَرْب فَلم يبْق إِلَّا أهل هَذِه الْخَيل الْأَشِدَّاء الَّذين سوّموا أنفسهم وخيلهم شجاعة وجراءة لِأَنَّهُ لَا يثبت عِنْد انهزام النَّاس إِلَّا الْأَبْطَال.

وَفِي هَذِه القصيدة بَيت من شواه سِيبَوَيْهٍ وَأوردهُ الْمرَادِي فِي بَاب إِعْرَاب الْفِعْل من شرح الألفية:

(وَلَوْلَا رجال من رزام بن مَازِن

وَآل سبيع أَو أسوءك علقما)

(لأقسمت لَا تنفك مني محَارب

على آلَة حدباء حَتَّى تندّما)

أوردهُ شَاهدا على نصب أسوءك بإضمار أَن بعد أَو. ورزام هُوَ رزام بن مَازِن ثَعْلَبَة بن سعد بن ذبيان. وَوهم الْعَيْنِيّ فَزعم أَنه أَبُو حَيّ من تَمِيم قَالَ: وَهُوَ رزام بن

مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم. وسبيع بِالتَّصْغِيرِ هُوَ سبيع بن عَمْرو بن فتية مصغر فتاة بن أمة بن بجالة بن مَازِن بن ثَعْلَبَة

ص: 324

بن سعد بن ذبيان. وَكَانَ سبيع شريفاً وَهُوَ صَاحب الرَّهْن الَّتِي وضعت على يَدَيْهِ فِي حَرْب عبس وذبيان وَلما حَضَره الْمَوْت قَالَ لِابْنِهِ مَالك بن سبيع: إِن عِنْدِي مكرمَة لَا تبيد أبدا إِن احتفظت بِهَذِهِ الأغيلمة. . وعلقم منادى مرخّم عَلْقَمَة وَهُوَ عَلْقَمَة بن عبيد بن عبد بن فتية الْمَذْكُور. . وَآل سبيع بِالْجَرِّ عطفا على مجرور من. وأسوءك مؤول بمصدر مَعْطُوف على وَقَوله: لأقسمت لَا تنفك الخ هُوَ جَوَاب لَوْلَا. وَقَوله: لَا تنفك الخ جَوَاب الْقسم. ومحارب:)

قَبيلَة وَهُوَ محَارب بن خصفة بن قيس بن عيلان. والآلة: الْحَالة والحدباء بِالْحَاء الْمُهْملَة: الصعبة. وَالْمعْنَى: لَوْلَا أَن هَؤُلَاءِ الرِّجَال أَو مساءتك لحملت على أَمر عَظِيم صَعب لَا تطمئِن عَلَيْهِ إِذا ركبته. وتندّم أَصله تتندم بتاءين فَحذف إِحْدَاهمَا.

وَأما ضرار بن الْأَزْوَر فَهُوَ مَالك بن أَوْس بن جذيمة بن ربيعَة بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة الْأَسدي. الْفَارِس الشَّاعِر الصَّحَابِيّ. أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ وأنشده:

(خلعت القداح وعفت القيا

ن وَالْخمر تقلية واستهالا)

ص: 325

(وكرّي المحبر فِي غمرة

وجهدي على الْمُسلمين القتالا)

(فيا ربّ لَا أغبنن بيعتي

فقد بِعْت أَهلِي وَمَالِي بدالا)

فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ: ربح البيع.

قَالَ ابغوي: وَلَا أعلم لِضِرَار غَيرهَا وَيُقَال: إِنَّه كَانَ لَهُ ألف بعير برعاتها فَترك جَمِيع ذَلِك وَحضر وقْعَة اليرموك وَفتح الشَّام. وَكَانَ خَالِد بن الْوَلِيد بَعثه فِي سَرِيَّة فَأَغَارَ على حَيّ من أَسد فَأخذُوا امْرَأَة جميلَة فَسَأَلَ ضرار أَصْحَابه أَن يهبوها لَهُ فَفَعَلُوا فَوَطِئَهَا ثمَّ نَدم فَذكر ذَلِك لخَالِد فَكتب إِلَى عمر رضي الله عنه فَكتب إِلَيْهِ: أَن أرضخه بِالْحِجَارَةِ فجَاء الْكتاب وَقد مَاتَ ضرار. وَقيل: إِنَّه مِمَّن شرب الْخمر مَعَ أبي جندل فَكتب فيهم أَبُو عُبَيْدَة إِلَى عمر فَكتب إِلَيْهِ عمر: أَن ادعهم فسائلهم فَإِن قَالُوا إِنَّهَا حَلَال فاقتلهم وَإِن زَعَمُوا أَنَّهَا حرَام فاجلدهم فَفعل فَقَالُوا: إِنَّهَا حرَام فجلدهم.

وَضِرَار هُوَ الَّذِي قتل مَالك بن نُوَيْرَة بِأَمْر خَالِد بن الْوَلِيد كَمَا تقدم شَرحه مفصّلاً فِي الشَّاهِد السَّادِس والثماني وَاخْتلف فِي وَفَاة ضرار فَقَالَ الْوَاقِدِيّ: اسْتشْهد بِالْيَمَامَةِ. وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة: بأجنادين. وَقيل: نزل حران فَمَاتَ بهَا. وَالله أعلم.

وَأما الْحصين بن الْحمام المري فَهُوَ جاهلي. وَهُوَ بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد

ص: 326

الْمُهْمَلَتَيْنِ. وَالْحمام بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم. وَهُوَ فَارس شَاعِر.

قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: هُوَ من بني مرّة جاهلي يعد من أوفياء الْعَرَب. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اتَّفقُوا على أَن أشعر المقلّين ثَلَاثَة: الْمسيب بن علس وَالْحصين بن الْحمام والمتلمّس.

وَهَذِه نسبته كَمَا فِي الجمهرة وَشرح المفضليات: الْحصين بن الْحمام بن ربيعَة بن مساب بِضَم)

الْمِيم وَتَخْفِيف السِّين بن حرَام بن وائلة بن سهم بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مُضر بن نزار.

الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم

بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب)

على انه عِنْد سِيبَوَيْهٍ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع جعل كالمتصل لصِحَّة دُخُول الْبَدَل فِي الْمُبدل مِنْهُ. وَبَينه الشَّارِح الْمُحَقق أحسن بَيَان.

وَقَوله: أَن سيوفهم الخ مؤول بمصدر مجرور أَي: غير كَون سيوفهم بهَا فلول الخ. والفلول: جمع فلّ بِفَتْح الْفَاء وَهُوَ كسر فِي حدّ

ص: 327

السَّيْف وَسيف أفلّ بَين الفلل يُقَال: فلّه فانفلّ أَي: كَسره فانكسر وفللت الْجَيْش أَي هزمتهم. والقراع: الْمُضَاربَة مصدر قارعه يُقَال قرعته بالمقرعة: إِذا ضَربته بهَا وقرعت الْبَاب: إِذا طرقته. والكتائب: جمع كَتِيبَة وَهِي الطَّائِفَة المجتمعة من الْجَيْش.

وَهَذَا الْبَيْت مَشْهُور قد تداوله الْعلمَاء فِي تصانيفهم وَقد أوردهُ عُلَمَاء البديع

شَاهدا لتأكيد الْمَدْح بِمَا يشبه الذمّ فَإِنَّهُ نفى الْعَيْب عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم على جِهَة الِاسْتِغْرَاق ثمَّ أثبت لَهُم عَيْبا وَهُوَ تثلم سيوفهم من مُضَارَبَة الجيوش. وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْب بل هُوَ غَايَة الْمَدْح فقد أكد الْمَدْح بِمَا يشبه الذَّم. وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة على أَن الْآيَة أشبه بتأكيد الذَّم بِمَا يشبه الْمَدْح: عكس الْبَيْت فَإِن إِطْلَاق الْحجَّة على قَول الَّذين ظلمُوا ذمّ فِي صُورَة مدح لَا أَنه مدح فِي صُورَة ذمّ.

وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا لايكون إِلَّا على معنى وَلَكِن. قَالَ النّحاس: فرق سِيبَوَيْهٍ بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله لِأَن الَّذِي قبله يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب وَالنّصب أَجود وَهَذَا الْبَاب لَا يجوز فِيهِ عِنْده غلا النصب لنه لَيْسَ من الأول فِي شَيْء. وَأَجَازَ الْمبرد فِي جَمِيع مَا فِي هَذَا الْبَاب الرّفْع وَكَذَا فِي: لَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم انْتهى.

وعَلى قَول الْمبرد فَتكون غير بَدَلا من الضَّمِير المستقر فِي الظّرْف.

ص: 328

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني مدح بهَا عَمْرو بن الْحَارِث الْأَصْغَر بن الْحَارِث الْأَعْرَج بن الْحَارِث الْأَكْبَر مُلُوك الشَّام الغسانيين وَذَلِكَ لما هرب من النُّعْمَان بن الْمُنْذر اللَّخْمِيّ من)

مُلُوك الْحيرَة. وَلَيْسَ الممدوح بهَا النُّعْمَان بن الْحَارِث كَمَا وهم شَارِح شَوَاهِد الْمُغنِي لتصريح الممدوح بهَا فِي القصيدة كَمَا سَيَأْتِي. ومطلع القصيدة:

(كليني لهمّ يَا أُمَيْمَة ناصب

وليل أقاسيه بطيء الْكَوَاكِب)

وَتقدم شرح هَذَا الْبَيْت وَسبب هروبه فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة

مفصلا. وَقَالَ بعد ثَلَاثَة أَبْيَات شرحت هُنَاكَ:

(لَئِن كَانَ للقبرين قبر بجلّق

وقبر بصيداء الَّتِي عِنْد حَارب)

(وللحارث الجفنيّ سيد قومه

ليلتمسن بِالْجمعِ أَرض الْمُحَارب)

الْبَيْت الأول من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أوردهُ بِنصب مَا بعد إِلَّا على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع لِأَن حسن الظَّن لَيْسَ من الْعلم. وَرَفعه جَائِز على الْبَدَل من مَوضِع الْعلم وَإِقَامَة الظَّن مقَام الْعلم اتساعاً ومجازاً. وَقَوله: غير ذِي مثنوية هُوَ مصدر بِمَعْنى الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين أَي: حَلَفت غير مستثن فِي يَمِيني ثِقَة بِفعل هَذَا الممدوح وَحسن ظن بِهِ.

ص: 329

وروى أَبُو عُبَيْدَة: وَمَا ذَاك إِلَّا حسن ظن بِصَاحِب وَعَلِيهِ فَلَا شَاهد فِيهِ وَالْإِشَارَة للْيَمِين. . وَجُمْلَة المصراع الثَّانِي على الرِّوَايَتَيْنِ مُعْتَرضَة بَين الْقسم وَجَوَابه. وَقَوله: لَئِن كَانَ للقبرين الخ اللَّام الدَّاخِلَة على إِن موطئة للقسم أَي: وطأت أَن الْجَواب الَّذِي بعد الشَّرْط للقسم فجملة قَوْله الْآتِي: ليلتمسن بِالْجمعِ الخ جَوَاب الْقسم. وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ جَوَاب الْقسم وَاسم كَانَ ضمير عَمْرو الممدوح الْمُتَقَدّم فِي قَوْله:

(عَليّ لعَمْرو نعْمَة بعد نعْمَة

لوالده لَيست بِذَات عقارب)

وَأَرَادَ بالقبرين المقبورين: الْحَارِث الْأَعْرَج ابْن الْحَارِث الْأَكْبَر وَهُوَ الجفني الْآتِي ذكره. يَقُول: لَئِن كَانَ عَمْرو ابْن هذَيْن الرجلَيْن المقبورين فِي هذَيْن المكانين ليمضينّ أمره وليلتمسن أَرض من حاربه. وجلّق بِكَسْر الْجِيم وَاللَّام الْمُشَدّدَة هِيَ الشَّام. وصيداء مَدِينَة بِالشَّام بالسَّاحل.

وَحَارب: مَوضِع وَقيل اسْم رجل.

وَقَوله: لِلْحَارِثِ الجفني الخ بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ جَفْنَة بن عَمْرو مزيقياء بن عَامر بن مَاء السَّمَاء وهم الْمُلُوك الَّذين كَانُوا بِالشَّام. وَقَوله: ليلتمسن هَذَا جَوَاب الْقسم مُؤَكد بالنُّون الْخَفِيفَة. وَقَوله: بِالْجمعِ أَي: بجموع العساكر والجيوش.)

وَقَالَ بَعْدَمَا ذكر:

(لَهُم شِيمَة لم يُعْطهَا الله غَيرهم

من النَّاس والأحلام غير عوازب)

(مجلتهم ذَات الْإِلَه وَدينهمْ

قويم فَمَا يرجون غير العواقب)

والشيمة: الطبيعة. وَقَوله: والأحلام الخ أَي: لَا تعزب عُقُولهمْ عَنْهُم كَمَا

ص: 330

تعزب الْمَاشِيَة عَن أَهلهَا أَي: لَا تغيب. وَقَوله: مجلتهم ذَات الْإِلَه الْمجلة بِفَتْح الْمِيم وَالْجِيم: الْكتاب لِأَنَّهُ يجلّ ويعظّم وَأَرَادَ بِهِ الْإِنْجِيل لأَنهم كَانُوا نَصَارَى. قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: قرأته على ابْن دُرَيْد: مجلتهم بِالْجِيم وَقَالَ لي: سَمِعت أَبَا حَاتِم يَقُول: رِوَايَة الْأَصْمَعِي بِالْجِيم قَالَ: وَهُوَ كتاب النَّصَارَى.

وَكَذَا كل كتاب جمع حِكْمَة وأمثالاً فَهُوَ عِنْد الْعَرَب مجلة وَمن هَذَا سمى أَبُو عُبَيْدَة كِتَابه الَّذِي جمع فِيهِ أَمْثَال الْعَرَب الْمجلة. وروى أَيْضا: محلتهم بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: مَنْزِلَتهمْ بَيت الْمُقَدّس وَأَرْض الشَّام ومنازل الْأَنْبِيَاء وَهِي الْقُدس. وروى ابْن السّكيت: مخافتهم يُرِيد يخَافُونَ أَمر الله. وَذَات الْإِلَه: كِتَابه. وقويم: مُسْتَقِيم. وَقَوله: فَمَا يرجون الخ قَالَ الْأَصْمَعِي: أَي: مَا يطْلبُونَ إِلَّا عواقب أُمُورهم فَلَيْسَ يرجون شَيْئا من أَمر الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يرجون مَا بعد الْمَوْت.

وَبعد الْبَيْت المستشهد بِهِ أَعنِي قَوْله: وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم

(تخيّرن من أزمان يَوْم حليمة

إِلَى الْيَوْم قد جرّبن كل التجارب)

وَأوردهُ ابْن هِشَام ف يالمغني على أَن من تَأتي لابتداء الْغَايَة فِي الزَّمَان

ص: 331

أَيْضا وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين والأخفش والمبرد وَابْن درسْتوَيْه بِدَلِيل: من أول يَوْم.

وَفِي الحَدِيث: فمطرنا من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة. وَهَذَا الْبَيْت. وَقيل: التَّقْدِير: من مُضِيّ أزمان وَمن تأسيس أول يَوْم. وردّه السُّهيْلي بِأَنَّهُ لَو كَانَ هَكَذَا لاحتيج إِلَى تَقْدِير الزَّمَان وتخيرن وجربن كِلَاهُمَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالنُّون ضمير السيوف. والتجارب: جمع تجربة. وكل مَنْصُوب على الْمصدر. وَإِلَى مُتَعَلقَة بقوله تخيّرن.

وَيَوْم حليمة قَالَ العسكري ف يالتصحيف: هُوَ يَوْم كَانَ بَين مُلُوك الشَّام من الغسانيين وملوك الْعرَاق قتل فِيهِ الْمُنْذر غما جد النُّعْمَان أَو أَبوهُ وَقيل فِي هَذَا الْيَوْم مَا يَوْم حليمة بسرّ انْتهى.)

وَفِي الدرة الفاخرة لِحَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ وَهِي الْأَمْثَال الَّتِي جَاءَت على وزن أفعل التَّفْضِيل وَكَذَلِكَ فِي مستقصى الْأَمْثَال للزمخشري وَاللَّفْظ للْأولِ: أعز من حليمة هِيَ بنت الْحَارِث بن أبي شمر الغساني الْأَعْرَج ملك عرب الشَّام وفيهَا

سَار الْمثل فَقيل: مَا يَوْم حليمة بسر أَي: خَفِي.

وَهَذَا الْيَوْم هُوَ الْيَوْم الَّذِي قتل فِيهِ الْمُنْذر بن الْمُنْذر ملك عرب الْعرَاق فَسَار بعربها إِلَى الْحَارِث الْأَعْرَج الغساني وَهُوَ ابْن الْحَارِث الْأَكْبَر وَكَانَ فِي عرب الشَّام وَهُوَ أشهر أَيَّام الْعَرَب. وَإِنَّمَا نسب هَذَا الْيَوْم إِلَى حليمة

ص: 332

لِأَنَّهَا حضرت المعركة محضضة لعسكر أَبِيهَا فتزعم الْعَرَب أَن الْغُبَار ارْتَفع فِي يَوْم حليمة حَتَّى سدّ عين الشَّمْس وَظَهَرت الْكَوَاكِب المتباعدة من مطلع الشَّمْس فَسَار الْمثل بِهَذَا الْيَوْم قَالُوا: لأرينك الْكَوَاكِب ظهرا. وَأَخذه طرفَة فَقَالَ:

(إِن تنوّله فقد تَمنعهُ

وتريه النَّجْم يجْرِي بِالظّهْرِ اه)

وَفِي شرح ديوَان النَّابِغَة: سَبَب ذَلِك أَن الْملك كَانَ فِي الضجاعم فَأتى رجل مِنْهُم رجلا من غَسَّان يُقَال لَهُ جذع فَسَأَلَهُ الْخراج فَأعْطَاهُ دِينَارا فَقَالَ: هَات آخر وشدد عَلَيْهِ فاستأجله فَلم يفعل فَلَمَّا ضيق عَلَيْهِ دخل جذع منزله فالتحف على سَيْفه ثمَّ خرج فَضرب بِهِ الضجعمي فَقتله.

فَقَالَ الْقَاتِل: خُذ من جذع مَا أَعْطَاك. وَوَثَبْت غَسَّان ورأسوا عَلَيْهِم رجلا ثمَّ أوقعوا بالضجاعم فَغَلَبَتْهُمْ غَسَّان وَأخذت الْملك مِنْهُم. . وَأما حليمة فَهِيَ ابْنة الغساني الَّذِي رئس عَلَيْهِم وَكَانَت من اجمل النِّسَاء فَأَعْطَاهَا طيبا وأمرها أَن تطيّب من مرّ بهَا من جنده فَجعلُوا يَمرونَ بهَا وتطيبهم فَمر بهَا شَاب فَلَمَّا طيبته تنَاولهَا فقبلها فصاحت وَشَكتْ ذَلِك إِلَى أَبِيهَا فال: اسكتي فَمَا فِي الْقَوْم أجلد مِنْهُ حِين فعل هَذَا بك واجترأ عَلَيْك فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يبلي بلَاء حسنا فَأَنت امْرَأَته وَإِمَّا أَن يقتل فَذَاك أَشد عَلَيْهِ مِمَّا تريدين بِهِ من الْعقُوبَة فأبلى الْفَتى ثمَّ رَجَعَ فزوّجه ابْنَته حليمة انْتهى.

وَفِي الْقَامُوس: وحليمة بنت الْحَارِث بن أبي شمر وَجه أَبوهَا جَيْشًا إِلَى الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فأخرجت لَهُم مركناً من طيب وطيبتهم مِنْهُ

ص: 333

والمركن

بِكَسْر الْمِيم: الإجانة الَّتِي تغسل فِيهَا الثِّيَاب وَسَببه: أَن غَسَّان كَانَت تُؤدِّي كل سنة إِلَى ملك سليح دينارين من كل رجل وَكَانَ يَلِي ذَلِك سبطة بن الْمُنْذر السليحي فجَاء سبطة يسْأَل الدينارين من جذع بن عَمْرو الغساني فَدخل جذع منزله فَخرج مُشْتَمِلًا بِسَيْفِهِ فَضرب بِهِ سبطة حَتَّى برد وَقَالَ: خُذ من جذع مَا)

أَعْطَاك. يضْرب فِي اغتنام مَا يجود بِهِ الْبَخِيل. وسليح كجريح: قَبيلَة بِالْيمن. وجذع بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة ثمَّ إِن جَيش الْحَارِث توجه إِلَى الْمُنْذر فَقَالُوا: أَتَيْنَا من عِنْد صاحبنا وَهُوَ يدين لَك ويعطيك حَاجَتك فتباشر هُوَ وَأَصْحَابه وغفلوا بعض الْغَفْلَة فَحمل ذَلِك الْجَيْش على الْمُنْذر فَقَتَلُوهُ. فَقيل فِي ذَلِك الْيَوْم: مَا يَوْم حليمة بسر أَي: بخفي. فَصَارَ يضْرب لكل أَمر مَشْهُور.

وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.

وانشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

(فَتى كملت أخلاقه غير أَنه

جواد فَمَا يبقي من لمَال بَاقِيا)

لما تقدم بله. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن قِرَاءَة عَلَيْهِ عَن أَحْمد بن يحيى قَالَ: لما أنشدته يَعْنِي ابْن الْأَعرَابِي قَول الشَّاعِر: وَلَا عيب فيهم غير أَن سيوفهم

ص: 334

قَالَ: هَذَا اسْتثِْنَاء قيس يَقُولُونَ: غير أَن هَذَا أشرف من هَذَا وَهَذَا أطرف من هَذَا. يكون

(فَتى تمّ فِيهِ مَا يسرّ صديقه

على أَن فِيهِ مَا يسوء الأعاديا)

انْقَضتْ الْحِكَايَة. وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء على إغرابه جَار مجْرى الِاسْتِثْنَاء الْمَعْهُود أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ: فَتى تمّ فِيهِ مَا يسر صديقه جَازَ أَن يظنّ أَنه مَقْصُور على هَذَا وَحده فَإِذا قَالَ: على أَن فِيهِ مَا يسوء عاديا أَزَال هَذَا الظَّن وَصَارَ مَعْنَاهُ أَن فِيهِ مَسَرَّة لأوليائه ومساءة لأعدائه وَلَيْسَ مَقْصُورا على أحد الْأَمريْنِ. فَهُوَ إِخْرَاج شَيْء من شَيْء لخلاف الثَّانِي الأول. وَكَذَلِكَ: فَتى كملت أخلاقه. . الْبَيْت لما كَانَ إِتْلَافه لِلْمَالِ عَيْبا عِنْد كثير من النَّاس اسْتثْنى هَذِه الْحَالة فأخرجها من جملَة خلال الْمَدْح لمخالفتها إِيَّاهَا عِنْدهم وعَلى مَذْهَبهم. وَلَيْسَ شَيْء يعْقد على أَصله فَيخرج عَنهُ شَيْء مِنْهُ فِي الظَّاهِر إِلَّا وَهُوَ عَائِد إِلَيْهِ وداخل فِيهِ فِي الْبَاطِن مَعَ التَّأَمُّل.

انْتهى كَلَامه.

وَأوردهُ عُلَمَاء البديع أَيْضا فِي بَاب تَأْكِيد الْمَدْح بِمَا يشبه الذَّم.

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للنابغة الْجَعْدِي رثى بهَا أَخَاهُ. وَقد أوردهَا أَبُو تَمام فِي بَاب المراثي من)

الحماسة وَهِي من قصيدة. . وَقَبله:

(ألم تعلمي أَنِّي رزئت مُحَاربًا

فَمَا لَك مِنْهُ الْيَوْم شَيْء وَلَا ليا)

ص: 335

(وَمن قبله مَا قد رزئت بوحوح

وَكَانَ ابْن أُمِّي والخليل المصافيا)

(فَتى تمّ فِيهِ مايسر صديقه

على أَن فِيهِ مَا يسوء الأعاديا)

(يَقُول لمن يلحاه فِي بذل مَاله

أأنفق أيامي وأترك ماليا)

(يدر الْعُرُوق بِالسِّنَانِ وَيَشْتَرِي

من الْحَمد مَا يبْقى وَإِن كَانَ غاليا)

قَوْله: ألم تعلمي الخ يُخَاطب امْرَأَته. ومحارب قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح نَوَادِر القالي: هُوَ محَارب بن قيس بن عدس من أَشْرَاف قومه. وَهُوَ تفجع وتوجع.

يَقُول: قد فجعنا بِهِ فأصبحنا لَا نستمتع بِهِ وَلَا ننتفع بمكانه. ثمَّ ذكر أَنه قد فجع قبله بأَخيه وحوح وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم وحوح الرجل: إِذا ردد صَوتا فِي صَدره وَهُوَ نَحْو النحنحة.

وَقَوله: فَتى كملت الخ رُوِيَ أَيْضا: فَتى كملت فِيهِ الْمُرُوءَة وَيجوز أَن يحمل الْفَتى على ابْنه وعَلى أَخِيه

قَالَ المرزباني فِي الموشح: أَخْبرنِي الصولي عَن أبي العيناء عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: أنشدت الرشيد أَبْيَات النَّابِغَة الْجَعْدِي من قصيدته الطَّوِيلَة: فَتى تمّ فِيهِ مَا يسر صديقه فَتى كملت أعراقه غير أَنه

(أَشمّ طَوِيل الساعدين سميدع

إِذا لم يرح للمجد أصبح غاديا)

فَقَالَ الرشيد: ويله لم لم يروحه فِي الْمجد كَمَا أغداه أَلا قَالَ:

ص: 336

فَقلت: أَنْت وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذَا أعلم مِنْهُ بالشعر.

وَمن أَبْيَات الْغَزل فِي هَذِه القصيدة

(بَدَت فعل ود فَلَمَّا تبعتها

تولت وبقت حَاجَتي فِي فؤاديا)

(وحلت سَواد الْقلب لَا أَنا بَاغِيا

سواهَا وَلَا فِي حبها متراخيا)

قَالَ شَارِح أَبْيَات الموشح: قَوْله فعل ذِي ود إِمَّا مصدر لبدت لِأَن المصادر وَمَا يشتق مِنْهَا يعبر عَنْهَا بلف الْفِعْل قَالَ تَعَالَى: وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون أَو لفعل مَحْذُوف أَي: بَدَت وَفعلت فعل ذِي ود أَي فاعلةً فعله. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ بِتَقْدِير: كَفعل ذِي ود وَالْمعْنَى: فعلت معي فعل ذِي محبَّة)

وَقَوله: وحلت سَواد الْقلب هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد النُّحَاة أوردوه شَاهدا على عمل لَا عمل لَيْسَ فِي الْمعرفَة وَهُوَ شَاذ. وَأجِيب عَنهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الأَصْل لَا أرى بَاغِيا فَلَمَّا حذف الْفِعْل برز الضَّمِير فباغياً حَال. وَالثَّانِي: أَن أَنا مُبْتَدأ وَالْفِعْل الْمُقدر الْمَذْكُور خَبره.

وَرُوِيَ: لَا أَنا مبتغ سواهَا وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

على أَن لَيْسَ وَلَا يكون وخلا وَعدا لَا يستعملن فِي الِاسْتِثْنَاء

ص: 337

المفرغ وَقد جَاءَ التفريغ فِي لَيْسَ كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَحْذُوف أَي: مَا ترك الصنع شَيْئا إِلَّا جلدا وأعظماً.

فالمنصوب بعد لَيْسَ خَبَرهَا وَاسْمهَا قد بَينه الشَّارِح. وَالرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ فَمَا ترك الصنع الَّذِي قد صَنعته بِالْخِطَابِ مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز أَرَادَ بصنعه تقريب ضِدّه: زيد بن أسلم وَمَا عَامل بِهِ الْأَحْوَص من الْجفَاء. وَقَوله: وَلَا الغيظ عطف على الصنع. ثمَّ ذكر الشَّارِح أَن هَذِه الْأَفْعَال لم تسْتَعْمل إِلَّا فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل. . أَقُول: قد وَردت خلا فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع كَقَوْل العجاج وَهُوَ من أبياته كَمَا مر شَرحه:

(وبلدة لَيْسَ بهَا طوري

وَلَا خلا الْجِنّ بهَا إنسي)

فَإِن قَوْله إنسي هُوَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَالْجِنّ هُوَ الْمُسْتَثْنى وجنس كل مِنْهُمَا مُغَاير لجنس الآخر.

وَالْبَيْت من قصيدة للأحوص الْأنْصَارِيّ وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز لما ولي الْخلَافَة أدنى زيد بن أسلم وجفا الْأَحْوَص فَقَالَ لَهُ الْأَحْوَص:

(أَلَسْت أَبَا حَفْص هديت مخبري

أَفِي الْحق أَن أقْصَى وتدني ابْن أسلما)

ص: 338

فَقَالَ عمر ذَلِك هُوَ الْحق قَالَ الزبير وأنشدنيها عبد الْملك ابْن الْمَاجشون

(أَلا صلَة الْأَرْحَام أقرب للتقى

وَأظْهر فِي أكفائه لَو تكرما)

(فَمَا ترك الصنع الَّذِي قد صَنعته

وَلَا الغيظ مني لَيْسَ جلدا وأعظما)

(وَكُنَّا ذَوي قربى إِلَيْك فَأَصْبَحت

قرابتنا ثدياً أجد مصرما)

(وَكنت لما أرجوه مِنْك كبارق

لوى قطره من بعد مَا كَانَ غيما)

(وَقد كنت أَرْجَى النَّاس عِنْدِي مَوَدَّة

ليَالِي كَانَ الظَّن غيباً مرجما))

(أعدك حرْزا إِن جنيت ظلامة

ومالاً ثرياً حِين أحمل مغرما)

(تدارك بعتبى عاتباً ذَا قرَابَة

طوى الغيظ لم يفتح بسخط لَهُ فَمَا)

وَهَذِه القصيدة أرسلها إِلَى عمر وَهُوَ منفي بدهلك كَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك قد نَفَاهُ لما تقدم فِي تَرْجَمته فَبَقيَ هُنَاكَ مَحْبُوسًا مُدَّة سُلَيْمَان ثمَّ ولي

ص: 339

عمر بن عبد الْعَزِيز فَكتب إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنهُ فِي الْقدوم ويمدحه فَأبى أَن يَأْذَن لَهُ. وَكَانَ فِيمَا كتب إِلَيْهِ:

(أيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن

هديت أَمِير الْمُؤمنِينَ رسائلي)

(وَقل لأبي حَفْص إِذا مَا لَقيته

لقد كنت نَفَّاعًا قَلِيل الغوائل)

(فَكيف ترى للعيش طيبا وَلَذَّة

وخالك أَمْسَى موثقًا فِي الحبائل)

وَأنْشد بعده وَهُوَ

(وكل أبي باسل غير أنني

إِذا عرضت أولى الطرائد أبسل)

على أَن غيراً تسْتَعْمل فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل. وَقد مر مافيه آنِفا.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة مَشْهُورَة للشنفرى تسمى لامية الْعَرَب مطْلعهَا:

(أقِيمُوا بني أُمِّي صُدُور مطيكم

فَإِنِّي إِلَى قوم سواكم لأميل)

(فقد حمت الْحَاجَات وَاللَّيْل مقمر

وشدت لطيات مطايا وأرحل)

(وَفِي الأَرْض منأى للكريم عَن الْأَذَى

وفيهَا لمن خَافَ القلى متغزل)

(لعمرك مَا بِالْأَرْضِ ضيق على امْرِئ

سرى رَاغِبًا أَو رَاهِبًا وَهُوَ يعقل)

(ولي دونكم أهلون: سيد عملس

وأرقط زهلول وعرفاء جيال)

(هم الْأَهْل لَا مستودع السِّرّ ذائع

لديهم وَلَا الْجَانِي بِمَا جر يخذل)

وكل أبي باسل غير أنني

(وَإِن مدت الْأَيْدِي إِلَى الزَّاد لم أكن

بأعجلهم إِذْ أجشع الْقَوْم أعجل)

(وَمَا ذَاك إِلَّا بسطة عَن تفضل

عَلَيْهِم وَكَانَ الْأَفْضَل المتفضل)

ص: 340

. وَهَذِه القصيدة قد شرحها جمَاعَة مِنْهُم الْخَطِيب التبريزي والزمخشري وَابْن الشجري وَابْن أكْرم. وَلم يحضرني الْآن غير الأول وَالثَّانِي: قَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: إِن القصيدة المنسوبة إِلَى الشنفرى الَّتِي أَولهَا: أقِيمُوا بني أُمِّي صُدُور مطيكم لَهُ هِيَ من الْمُقدمَات فِي الْحسن والفصاحة والطول. وَكَانَ أقدر النَّاس على قافية. انْتهى.)

وعدتها ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ بَيْتا وَقد اسْتشْهد الشَّارِح مِنْهَا بِسِتَّة أَبْيَات أخر فِي بَاب الْجمع وَفِي الْأَفْعَال النَّاقِصَة وَفِي رب من حُرُوف الْجَرّ وَفِي حُرُوف الشَّرْط. وَقَوله: أقِيمُوا بني أُمِّي الخ يُقَال: أَقَامَ صدر مطيته. إِذا جد فِي السّير وَكَذَلِكَ إِذا جد فِي أَمر كَانَ. يُؤذن قومه بالرحيل وَأَن غفلتهم عَنهُ توجب مفارقتهم. وبني أُمِّي: منادى وأضاف الْأَبْنَاء إِلَى الْأُم لِأَنَّهَا أَشد شَفَقَة كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن هرون: يَا ابْن أم. وأميل هُنَا بِمَعْنى مائل وَنَظِيره كثير نَحْو أكبر وأوحد.

وَقَوله: فقد حمت الْحَاجَات الخ يُرِيد تنبهوا من رقدتكم فَهَذَا وَقت الْحَاجة وَلَا عذر لكم فَإِن اللَّيْل كالنهار فِي الضَّوْء والآلة حَاضِرَة. وحمت بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة يُقَال: حم الشَّيْء بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: قدر وهيئ.

وأقمر اللَّيْل أَي: أَضَاء. والطية بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الطية النِّيَّة قَالَ الْخَلِيل: الطية تكون منزلا وَتَكون منتأى تَقول: مضى

ص: 341

لطيته أَي: لنيته الَّتِي انتواها وبعدت عَنَّا طيته وَهُوَ الْمنزل الَّذِي انتواه وَمضى لطيته وطية بعيدَة: أَي شاسعة.

وَقَوله: وَفِي الأَرْض منأى الخ المنأى: اسْم مَكَان من نأى أَي: بعد وَهُوَ مُتَعَلق قَوْله عَن الْأَذَى. والقلى بِكَسْر الْقَاف: البغض وَإِن فتحتها مددت. ومتعزل بِفَتْح الزاء: اسْم مَكَان من تعزله بِمَعْنى اعتزله.

وَقَوله: ولي دونكم الخ أورد الشَّارِح هَذَا الْبَيْت فِي بَاب الْجمع. وَدون هُنَا بِمَعْنى غير. والسَّيِّد بِكَسْر السِّين: الذِّئْب وَالْأُنْثَى سيدة وَرُبمَا سمي بِهِ الْأسد. والعملس بِفَتْح الْعين وَالْمِيم وَاللَّام الْمُشَدّدَة: الْقوي على السّير السَّرِيع. وَأَرَادَ بالأرقط النمر وَهُوَ مَا فِيهِ سَواد يشوبه نقط بيض. والزهلول بِضَم الزَّاي: الأملس وَفِي الْعباب: يُقَال للضبع عرفاء لِكَثْرَة شعر رقبَتهَا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وجيأل على وزن فيعل: اسْم للضبع معرفَة وَتَكون بَدَلا من عرفاء وَهُوَ غير منصرف للعلمية والتأنيث.

وَقَوله: هم الْأَهْل الخ أَي: مَا ذكرته من الوحوش هم الْأَهْل لَا غَيرهم. وَبَين وَجه انحصار الْأَهْلِيَّة فيهم دون من عداهم من الْإِنْس بقوله: لَا مستودع السِّرّ إِلَى آخِره أَي: السِّرّ الْمُسْتَوْدع عِنْدهم غير ذائع. والجاني: اسْم فَاعل من جنى عَلَيْهِ جِنَايَة أَي: أذْنب. وَالْبَاء سَبَبِيَّة. وجر بِمَعْنى جنى يُقَال: جر عَلَيْهِم جريرةً أَي: جنى عَلَيْهِم جِنَايَة ويخذل بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من خذلته)

وخذلت عَنهُ من بَاب قتل وَالِاسْم الخذلان: إِذا تركت نصرته وإعانته وتأخرت عَنهُ.

ص: 342

فَهُوَ آب وَأبي.

والباسل: الجريء الشجيع من بسل بسالة مثل ضخم ضخامة بِمَعْنى شجع فَهُوَ باسل.

وَقَوله: غير أنني الخ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع. وَعرضت من عرض لَهُ كَذَا من بَاب ضرب: أَي: ظهر.

وَأولى: مؤنث الأول. والطريدة: مَا طردت من صيد وَغَيره وَالْمرَاد هُنَا الفرسان ومطاردة الأقران فِي الْحَرْب إِذا حمل بَعضهم على بعض يُقَال: هم فرسَان الطراد. وأبسل: أفعل تَفْضِيل.

وَقَوله: وَإِن مدت الْأَيْدِي الخ وصف عدم شرهه على الطَّعَام وَصَبره على الْجُوع. وَهَذَا مدح عِنْد الْعَرَب. والزاد: مَا يُؤْكَل وَأَصله الطَّعَام الْمُتَّخذ

للسَّفر. وَالْبَاء فِي قَوْله: بأعجلهم زَائِدَة دخلت فِي خبر الْكَوْن الْمَنْفِيّ. وَقد اسْتشْهد لَهُ شرَّاح الألفية بِهَذَا الْبَيْت. وأجشع: أفعل تَفْضِيل من الجشع بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ أَشد الْحِرْص وَفعله من بَاب فَرح. وَأعجل الأول بِمَعْنى عجل بِفَتْح فَكسر لَا أَنه أفعل تَفْضِيل كالثاني لِأَن مُرَاده أَن يَنْفِي العجلة كَبِير مدح. وَالشّرط وَالْجَوَاب هُنَا كلهما حِكَايَة حَال مَاضِيَة وَلذَلِك صَحَّ وُقُوع لم فِي جَوَاب الشَّرْط.

وَقَوله: وَمَا ذَاك إِلَّا بسطة الخ الْإِشَارَة رَاجِعَة إِلَى عدم مد يَده إِلَى الزَّاد مستعجلاً وَقيل رَاجِعَة إِلَى مَجْمُوع مَا مدح بِهِ نَفسه. والبسطة: السعَة. والتفضل: الإنعام يُقَال: تفضل عَلَيْهِ وَأفضل إفضالاً بِمَعْنى. وَالْأَفْضَل خبر كَانَ تقدم على اسْمهَا وَهُوَ المتفضل.

والشنفرى شَاعِر جاهلي قحطاني من الأزد. وَهُوَ كَمَا فِي الجمهرة وَغَيرهَا من بني الْحَارِث بن ربيعَة بن الأواس بن الْحجر بن الهنء بن الأزد.

ص: 343

وَهُوَ بِفَتْح الشين وَآخره ألف مَقْصُورَة وَهُوَ اسْمه.

والأواس بِفَتْح الْهمزَة. وَالْحجر بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم. والهنء بِتَثْلِيث الْهَاء وَسُكُون النُّون وَبعدهَا همزَة.

وَزعم بَعضهم أَن الشنفرى لقبه وَمَعْنَاهُ عَظِيم الشّفة وَأَن اسْمه ثَابت بن جَابر. وَهَذِه غلظ كَمَا غلظ الْعَيْنِيّ فِي زَعمه أَن اسْمه عَمْرو بن براق بِفَتْح الْبَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْملَة بل هما صَاحِبَاه فِي التلصص وَكَانَ الثَّلَاثَة أعدى العدائين فِي الْعَرَب لم تلحقهم الْخَيل وَلَكِن جرى الْمثل بالشنفرى فَقيل: أعدى من الشنفرى.

وَمن حَدِيثه مَا ذكره أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ كَمَا نَقله ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح

المفضليات وَحَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي الدرة الفاخرة قَالَ: أغار تأبط شرا وَهُوَ ثَابت بن جَابر والشنفرى)

الْأَزْدِيّ وَعَمْرو بن براق على بجيلة بِفَتْح الْبَاء وَكسر الْجِيم. فوجدوا بجيلة قد أقعدوا لَهُم على المَاء رصداً فَلَمَّا مالوا لَهُ فِي جَوف اللَّيْل قَالَ لَهُم تأبط شرا: إِن بِالْمَاءِ رصداً. وَإِنِّي لأسْمع وجيب قُلُوب الْقَوْم أَي: اضْطِرَاب قُلُوبهم قَالُوا: وَالله مَا نسْمع شَيْئا وَلَا هُوَ إِلَّا قَلْبك يجب فَوضع يَده على قلبه فَقَالَ: وَالله مَا يجب وَمَا كَانَ وجاباً قَالُوا: فَلَا وَالله مَا لنا بُد من وُرُود المَاء فَخرج الشنفرى فَلَمَّا رَآهُ الرصد عرفوه فَتَرَكُوهُ فَشرب ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ: وَالله مَا بِالْمَاءِ أحد وَلَقَد شربت من الْحَوْض فَقَالَ تأبط شرا: بلَى لَا يريدونك وَلَكِن يريدونني.

ثمَّ ذهب ابْن براق فَشرب ثمَّ رَجَعَ فَلم يعرضُوا لَهُ فَقَالَ: لَيْسَ بِالْمَاءِ أحد فَقَالَ تأبط شرا: بلَى لَا يريدونك وَلَكِن يريدونني ثمَّ قَالَ للشنفرى: إِذا أَنا كرعت فِي الْحَوْض فَإِن الْقَوْم سيشدون عَليّ

ص: 344

فيأسرونني فَاذْهَبْ كَأَنَّك تهرب ثمَّ ارْجع فَكُن فِي أصل ذَلِك الْقرن فَإِذا سمعتني أَقُول: خُذُوا خُذُوا فتعال فاطلقني. وَقَالَ لِابْنِ براق: إِنِّي سآمرك إِن تستأسر للْقَوْم فَلَا تبعد مِنْهُم وَلَا تمكنهم من نَفسك.

ثمَّ أقبل تأبط شرا حَتَّى ورد المَاء فَلَمَّا كرع فِي الْحَوْض شدوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ وكتفوه بِوتْر وطار الشنفرى فَأتى حَيْثُ أمره وانحاز ابْن براق حَيْثُ يرونه فَقَالَ تأبط شرا: يَا بجيلة هَل لكم فِي خير هَل لكم أَن تياسرونا فِي الْفِدَاء ويستأسر لكم ابْن براق فَقَالُوا: نعم وَيلك يَا ابْن براق إِن الشنفرى قد طَار فَهُوَ يصطلي نَار بني فلَان وَقد علمت الَّذِي بَيْننَا وَبَين أهلك فَهَل لَك أَن تستأسر ويياسرونا فِي الْفِدَاء فَقَالَ: أما وَالله حَتَّى أروز نَفسِي شوطاً أَو شوطين.

فَجعل يعدو فِي قبل الْجَبَل ثمَّ يرجع حَتَّى إِذا رَأَوْا أَنه قد أعيا وطمعوا فِيهِ اتَّبعُوهُ ونادى تأبط شرا: خُذُوا خُذُوا فَذَهَبُوا يسعون فِي أَثَره فَجعل يُطعمهُمْ وَيبعد عَنْهُم وَرجع الشنفرى إِلَى تأبط شرا فَقطع وثَاقه فَلَمَّا رَآهُ ابْن براق قد قطع عَنهُ انْطلق وكر إِلَى تأبط شرا فَإِذا هُوَ قَائِم فَقَالَ: أعجبكم يَا معشر بجيلة عَدو

ابْن براق أما وَالله لأعدون لكم عدوا أنسيكموه ثمَّ انْطلق هُوَ والشنفرى. انْتهى.

وَمن الْمَشْهُورين فِي الْعَدو السليك بن السلكة وَهُوَ تميمي من بني سعد. والسليك بِالتَّصْغِيرِ: فرخ الحجلة والنثى سلكة بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَهِي اسْم أمه وَكَانَت سَوْدَاء وإليها نسب.

وَذكر أَبُو عُبَيْدَة

ص: 345

السليك فِي العدائين مَعَ الْمُنْتَشِر بن وهب الْبَاهِلِيّ وأوفى بن مطر الْمَازِني.)

والمثل للسليك من بَينهم فَقيل: أعدى من السليك.

وَمن حَدِيثه فِيمَا ذكره أَبُو عُبَيْدَة كَمَا نَقله حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي الدرة الفاخرة: أَن السليك رَأَتْهُ طلائع لجيش بكر بن وَائِل جاؤوا متجردين ليغيروا على بني تَمِيم وَلَا يعلم بهم فَقَالُوا: إِن علم بِنَا السليك أنذر قومه فبعثوا إِلَيْهِ فارسين على جوادين فَلَمَّا هايجاه خرج يعدو كَأَنَّهُ ظَبْي فطارداه يَوْمًا أجمع ثمَّ قَالَا: إِذا كَانَ اللَّيْل أعيا فَيسْقط فنأخذه.

فَلَمَّا أصبحا وجدا أَثَره قد عثر بِأَصْل شَجَرَة وَقد وثب وانحطمت قوسه فوجدا قِطْعَة مِنْهَا قد ارتزت بِالْأَرْضِ فَقَالَا: لَعَلَّ هَذَا كَانَ من أول اللَّيْل ثمَّ فتر فتبعاه فَإِذا أَثَره متفاجاً قد بَال فِي الأَرْض وخدها فَقَالَا: مَاله قَاتله الله مَا أَشد مَتنه وَالله لَا نتبعه فانصرفا. وَوصل السليك إِلَى قومه فأنذرهم فَكَذبُوهُ لبعد الْغَايَة وَجَاء الْجَيْش فَأَغَارُوا عَلَيْهِم.

رَجعْنَا إِلَى حَدِيث الشنفرى. روى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني وَابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: أَن الشنفرى أسرته بَنو شَبابَة وهم حَيّ من فهم بن عَمْرو بن قيس عيلان وَهُوَ غُلَام صَغِير فَلم يزل فيهم حَتَّى أسرت بَنو سلامان بن

مفرج بِسُكُون الْفَاء وَآخره جِيم رجلا من فهم ثمَّ أحد بني شَبابَة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة ففدته بَنو شَبابَة بالشنفرى فَكَانَ الشنفرى فِي بني سلامان بِفَتْح الْمُهْملَة يظنّ أَنه أحدهم حَتَّى نازعته ابْنة الرجل

ص: 346

الَّذِي كَانَ فِي حجره وَكَانَ قد اتَّخذهُ ابْنا فَقَالَ لَهَا: اغسلي رَأْسِي يَا أخية فأنكرت أَن يكون أخاها فلطمته فَذهب مغاضباً إِلَى الَّذِي هُوَ فِي حجره فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي من أَنا فَقَالَ لَهُ: أَنْت من الأواس بن الْحجر فَقَالَ: أما إِنِّي سأقتل مِنْكُم مائَة رجل بِمَا اعتبدتموني ثمَّ إِن الشنفرى لزم دَار فهم وَكَانَ يُغير على بني سلامان على رجلَيْهِ فِيمَن تبعه من فهم وَكَانَ يُغير عَلَيْهِم وَحده أَكثر وَمَا زَالَ يقتل مِنْهُم حَتَّى قتل تِسْعَة وَتِسْعين رجلا حَتَّى قعد لَهُ فِي مَكَان أسيد بن جَابر السلاماني بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين وَمَعَ أسيد ابْن أَخِيه وخازم البقمي وَكَانَ الشنفرى قتل أَخا أسيد بن جَابر فَمر عَلَيْهِم الشنفرى فأبصر السوَاد بِاللَّيْلِ فَرَمَاهُ وَكَانَ لَا يرى سواداً إِلَّا رَمَاه فَشك ذِرَاع ابْن أخي أسيد إِلَى عضده فَلم يتَكَلَّم وَكَانَ خازم منبطحاً يرصده فَقطع الشنفرى بضربة أصبعين من أَصَابِع خازم وَضَبطه خازم حَتَّى لحقه أسيد وَابْن أَخِيه فَأخذُوا سلَاح الشنفرى وأسروه وأدوه إِلَى أهلهم وَقَالُوا لَهُ: أنشدنا فَقَالَ: إِنَّمَا النشيد على المسرة فَذَهَبت مثلا. ثمَّ ضربوا يَده فقطعوها ثمَّ قَالُوا لَهُ حِين أَرَادوا قَتله أَيْن نقبرك فَقَالَ:)

(لَا تقبروني إِن قَبْرِي محرم

عَلَيْكُم وَلَكِن أَبْشِرِي أم عَامر)

(إِذا احتملت رَأْسِي وَفِي الرَّأْس أكثري

وغودر عِنْد الْمُلْتَقى ثمَّ سائري)

ص: 347

(هُنَالك لَا أَرْجُو حَيَاة تسرني

سجيس اللَّيَالِي مبسلاً بالجرائر)

وَكَانَت حلفة الشنفرى على مائَة قَتِيل من بني سلامان فَبَقيَ عَلَيْهِ مِنْهُم رجل إِلَى أَن قتل. فَمر رجل من بني سلامان بجمجمته فضرها بِرجلِهِ فعقرته فتم بِهِ عدد

الْمِائَة. . وذرع خطو الشنفرى يَوْم قتل فَوجدَ أول نزوة نزاها إِحْدَى وَعشْرين خطْوَة وَالثَّانيَِة سبع عشرَة خطْوَة

وَكَانَ حرَام بن جَابر أَخُو أسيد بن جَابر الْمَذْكُور قتل أَبَا الشنفرى وَلما قدم منى وَبهَا حرَام بن جَابر فَقيل للشنفرى: هَذَا قَاتل أَبِيك فَشد عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ سبق النَّاس على رجلَيْهِ وَقَالَ:

(قتلت حَرَامًا مهدياً بملبد

بِبَطن منى وسط الحجيج المصوت)

وَقيل فِي سَبَب قتل الشنفرى غير هَذَا وَهُوَ مسطور فِي شرح المفضليات والأغاني.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:

(فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا

يَحْكِي علينا إِلَّا كواكبها)

على أَن قَوْله كواكبها بِالرَّفْع بدل من الضَّمِير فِي يَحْكِي الرَّاجِع إِلَى

ص: 348

أحد مَعَ أَن مرجع الضَّمِير لَيْسَ مَعْمُولا للابتداء أَو أحد نواسخه. وَأما نرى فَهِيَ بصرية والمبصر هُوَ أحد وكواكبها لَا أَنَّهَا قلبية فَتكون من النواسخ خلافًا لسيبويه فيهمَا أَي: فِي اشْتِرَاط مرجع الضَّمِير أَن يكون مَعْمُولا للابتداء أَو ناسخه

وَفِي جعله نرى قلبية.

هَذَا محصلما نَقله الشَّارِح الْمُحَقق عَن سِيبَوَيْهٍ وَلَيْسَ فِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْمقَام وَاحِد مِنْهُمَا وَلَعَلَّ مَا نَقله الشَّارِح ثَابت فِي مَوضِع آخر من كِتَابه. وَأما عِبَارَته هُنَا فَهِيَ هَذِه: وَتقول مَا مَرَرْت بِأحد يَقُول ذَاك إِلَّا عبد الله وَمَا رَأَيْت أحدا يفعل ذَلِك إِلَّا زيدا. هَذَا وَجه الْكَلَام.

وَإِن حَملته على الْإِضْمَار الَّذِي فِي الْفِعْل فَقلت: غلآ زيد فَرفعت فعربي قَالَ الشَّاعِر:

(فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا

يَحْكِي علينا إِلَّا كواكبها)

وَكَذَلِكَ مَا أَظن أحدا يَقُول ذَلِك إِلَّا زيدا. وَإِن رفعت فَجَائِز حسن. وَإِنَّمَا اختير النصب هَا)

هُنَا لأَنهم أَرَادوا أَن يجْعَلُوا الْمُسْتَثْنى بِمَنْزِلَة الْمُبدل مِنْهُ وَلَا يكون بَدَلا إِلَّا من منفي لِأَن الْمُبدل مِنْهُ مَنْصُوب منفي ومضمره مَرْفُوع فأرادوا أَن يجْعَلُوا الْمُسْتَثْنى بَدَلا من أحد لِأَنَّهُ هُوَ الْمَنْفِيّ وَجعلُوا يَقُول ذَلِك وَصفا للمنفي. وَقد تكلمُوا بِالْآخرِ لِأَن مَعْنَاهُ معنى الْمَنْفِيّ إِذْ كَانَ وَصفا لمنفي. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.

وَهُوَ صَرِيح فِي عدم اشْتِرَاط وَاحِد مِنْهُمَا يدلك عَلَيْهِ عطف قَوْله: وَكَذَلِكَ مَا أَظن أحدا يَقُول ذَلِك إِلَّا زيدا على قَوْله: مَا رَأَيْت أحدا يفعل ذَلِك إِلَّا زيدا فَإِنَّهُ سوى بَين الْفِعْل القلبي وَالْفِعْل الْبَصْرِيّ وَغَيرهمَا.

ص: 349

وَمعنى قَوْله: تكلمُوا بِالْآخرِ أَي: تكلمُوا بِالرَّفْع فِي الْمُسْتَثْنى.

وَكَذَلِكَ فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ للنحاس والأعلم: قَالَ النّحاس: قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد: أبدل الْكَوَاكِب من الْمُضمر فِي يَحْكِي وَلَو أبدله من أحد لَكَانَ أَجود لِأَن أحدا منفي فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَالَّذِي فِي الْفِعْل بعده منفي فِي الْمَعْنى.

قَالَ: وَمثل ذَلِك مَا علمت أحدا دخل الدَّار إِلَّا زيدا وَإِلَّا زيد النصب على الْبَدَل من أحد وعَلى أصل الِاسْتِثْنَاء وَالرَّفْع على الْبَدَل من الْمُضمر انْتهى.

قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي الْقَاعِدَة الَّتِي يعْطى الشَّيْء فِيهَا حكم مَا أشبهه فِي مَعْنَاهُ من الْبَاب الثَّامِن: قَوْلهم إِن أحدا لايقول ذَلِك فأوقع أحد فِي الْإِثْبَات لِأَنَّهُ نفس الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي يَقُول وَالضَّمِير فِي سِيَاق النَّفْي فَكَأَن أحدا كَذَلِك وَقَالَ:

فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا فَرفع كواكبها بَدَلا من ضمير يَحْكِي لِأَنَّهُ رَاجع إِلَى أحد وَهُوَ وَاقع فِي سِيَاق غير الْإِيجَاب فَكَانَ الضَّمِير كَذَلِك.

وَقَالَ أَيْضا فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء من الْجِهَة الْخَامِسَة من الْبَاب الْخَامِس: إِن قلت مَا رَأَيْت أحدا يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد إِن رفع زيد فرفعه من وَجه وَهُوَ كَونه بَدَلا من ضمير يَقُول وَمِنْه هَذَا الْبَيْت. وَإِن نصب فنصبه من وَجْهَيْن على الْبَدَلِيَّة من أحد وعَلى الِاسْتِثْنَاء. فَإِن قلت: مَا أحد يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد فرفعه من وَجْهَيْن: كَون زيد بَدَلا من أحد وَهُوَ الْمُخْتَار وَكَونه بَدَلا من ضَمِيره ونصبه من جِهَة وَهُوَ على الِاسْتِثْنَاء وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي الشَّرْح قَرِيبا.

ص: 350

وَقد نقل الدماميني هُنَا مَا اعْترض بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق على سِيبَوَيْهٍ وَلم يزدْ عَلَيْهِ بِشَيْء.)

وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: رفع كواكبها على الْبَدَل من الْمُضمر فِي يَحْكِي وَلَوْلَا احْتِيَاجه إِلَى تَصْحِيح القافية كَانَ النصب فِيهَا أولى من ثَلَاثَة أوجه: إبدالها من الظَّاهِر الَّذِي تنَاوله النَّفْي على الْحَقِيقَة وَالثَّانِي: نصبها على أصل بَاب الِاسْتِثْنَاء كَقِرَاءَة ابْن عَامر: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَالثَّالِث: أَنه اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس كَقَوْلِك: مَا فِي الدَّار أحد إِلَّا الْخيام. وَأهل الْحجاز مجمعون فِيهِ على النصب وعَلى ذَلِك أجمع الْقُرَّاء فِي قَوْله تَعَالَى: مَالهم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن انْتهى.

وَقَوله: يَحْكِي علينا الْحِكَايَة بِمَعْنى الرِّوَايَة. وعَلى بِمَعْنى عَن وَقد يُقَال ضمن يَحْكِي معنى ينم.

قالهما ابْن هِشَام فِي الْبَاب الأول من الْمُغنِي.

وَهَذَا الْبَيْت نسبه الشَّارِح الْمُحَقق إِلَى عدي بن زيد مُوَافقَة لشراح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَلم ينْسبهُ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه إِلَى أحد وَإِنَّمَا أوردهُ غفلاً. وَقد تصفحت ديوَان عدي بن زيد مرَّتَيْنِ فَلم أَجِدهُ فِيهِ وَإِنَّمَا هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لأحيحة بن الجلاح

الْأنْصَارِيّ أثبتها لَهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني وَهِي:

(يشتاق قلبِي إِلَى مليكَة لَو

أَمْسَى قَرِيبا لمن يطالبها)

ص: 351

(مَا أحسن الْجيد من مليكَة وَال

لبات إِذْ زانها ترائبها)

(يَا لَيْتَني لَيْلَة إِذا هجع ال

نَاس ونام الْكلاب صَاحبهَا)

(فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا

يَحْكِي علينا إِلَّا كواكبها)

(ولتبكني نَاقَة إِذا رحلت

وَغَابَ فِي سربخ مناكبها)

(ولتبكني عصبَة إِذا اجْتمعت

لم يعلم النَّاس مَا عواقبها)

وبهذه الأبيات عرف أَن القافية مَرْفُوعَة.

وَقَوله: لَو أَمْسَى الخ لَو لِلتَّمَنِّي وَاسم أَمْسَى ضمير الْقلب وَمن مَوْصُولَة بِمَعْنى: الَّتِي. ومليكة بِالتَّصْغِيرِ: اسْم امْرَأَة. وَقَوله: مَا أحسن الْجيد مَا تعجبية. واللبة بِفَتْح اللَّام: مَوضِع القلادة من الصَّدْر. والترائب: جمع تريبة وَهِي عِظَام الصَّدْر مَا بَيت الترقوتين إِلَى الثدي.

وَقَالَ ابْن الشجري: اللبة: الْموضع الَّذِي عَلَيْهِ طرف القلادة. والترائب واحدتها تريبة وَقيل تريب وَهُوَ الصَّدْر وَإِنَّمَا جَمعهمَا لما حولهما كَأَنَّهُ سمّى مَا يجاور اللبة لبّة وَمَا يجاور التربية تربية كَمَا قَالُوا: شابت مفارقه. وَقَوله: يَا لَيْتَني لَيْلَة الخ صَاحبهَا خبر لَيْت وَلَيْلَة ظرف)

لصَاحِبهَا وَإِذا بدل مِنْهَا بدل اشْتِمَال والمضير مقدّر أَي: هجع النَّاس فِيهَا.

وَقَوله: فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا

الخ فِي لَيْلَة بدل من قَوْله إِذا وَجُمْلَة لَا نرى بهَا الخ صفة لَيْلَة ونرى بالنُّون يوروى بِالتَّاءِ وَهُوَ قريب. وَجُمْلَة يَحْكِي علينا: صفة أحدا. وَرُوِيَ بدله: يسْعَى علينا من سعى بِهِ إِلَى الْوَالِي: إِذا وشى بِهِ ونمّ عَلَيْهِ.

وَقَوله: تبكني هُوَ أَمر الْغَائِب. والقينة بِالْفَتْح: الْأمة مغنية كَانَت كَمَا هُنَا أَو غير مغنية.

والمزهر بِكَسْر الْمِيم: الْعود الَّذِي يضْرب بِهِ من آلَات الملاهي. والقهوة: الْخمر. وَقَوله: إِذا رحلت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول

ص: 352

من رحلت الْبَعِير رحلاً من بَاب نفع: إِذا شددت عَلَيْهِ رَحْله وَهُوَ أَصْغَر من القتب.

وَقَوله: وَغَابَ فِي سربخ الخ السربخ بِفَتْح السِّين وَسُكُون الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وفتحالموحدة وَآخره خاء مُعْجمَة: الأَرْض الواسعة. وَقَوله: مَا عواقبها مَا استفهامية مُبْتَدأ وعواقبها الْخَبَر وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع مفعولي علم المعلّق عَن الْعَمَل بالاستفهام.

وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ مُشِيرا إِلَى أَن هَذَا الْبَيْت لأحيحة بن الجلاح بقوله: وَالْبَيْت الَّذِي أنْشدهُ سيبلويه شَاهدا على جَوَاز الرّفْع من مَقْطُوعَة لرجل من الْأَنْصَار. وَرُوِيَ أَنه لما أدخلت حبابة على يزِيد بن عبد الْملك دخلت وَعَلَيْهَا ثِيَاب معصفرة وبيدها دفّ وَهِي تصفقه بِيَدِهَا وتغني بِهَذِهِ الأبيات:

(مَا أحسن الْجيد من مليكَة وَال

لّبات إِذْ زانها ترائبها)

(يَا لَيْتَني لَيْلَة إِذا هجع ال

نَاس ونام الْكلاب صَاحبهَا)

(فِي لَيْلَة لَا نرى بهَا أحدا

يَحْكِي علينا إِلَّا كواكبها)

ثمَّ قَالَ ابْن الشجري: وَوَقع فِي أَكثر نسخ كتاب سِيبَوَيْهٍ غير مَنْسُوب إِلَى شَاعِر مسمّى وَوَجَدته فِي كتاب لغويّ مَنْسُوبا إِلَى عدي بن زيد وتصفحت نسختين من ديوَان شعر عديّ فَلم أجد فيهمَا هَذِه المقطوعة بل وجدت لَهُ قصيدة على هَذَا الْوَزْن وَهَذِه القافية أَولهَا:

(لم أر مثل الأقوام فِي غبن الْأَيَّام

ينسون مَا عواقبها)

(يرَوْنَ إخْوَانهمْ ومصرعهم

وَكَيف تعتاقهم مخالبها)

(فَمَا ترجّي النُّفُوس من طلب الْخَيْر

وَحب الْحَيَاة كاذبها)

ص: 353

ثمَّ قَالَ: قَوْله: فِي غبن الْأَيَّام يدلّ على أَنهم قد استعملوا الْغبن المتحرك الْأَوْسَط فِي البيع)

وَالْأَشْهر غبنه فِي البيع غبناً بِسُكُون وَسطه والأغلب على الْغبن المفتوح أَن يسْتَعْمل فِي الرَّأْي وَفعله غبن يغبن مثل فَرح يفرح يُقَال: غبن رَأْيه وَالْمعْنَى: فِي رَأْيه. ومفعول الْغبن فِي الْبَيْت مَحْذُوف أَي: فِي غبن الْأَيَّام إيَّاهُم. وَمِمَّا اسْتعْمل فِيهِ الْغبن المفتوح الْأَوْسَط فِي البيع قَول الْأَعْشَى:

(لَا يقبل الرِّشْوَة فِي حكمه

وَلَا يُبَالِي غبن الخاسر)

وَقَوله: مَا عواقبها مَا استفهامية وينسون معلّق كَمَا علّق نقيضه وَهُوَ يعلمُونَ وَالتَّقْدِير: ينسون أيّ شَيْء عواقبها. وَمعنى قَوْله: وَحب الْحَيَاة كاذبها أَن حب النُّفُوس للحياة قد يَسْتَحِيل بغضاً لما يتَكَرَّر عَلَيْهَا من الشدائد والآفات الَّتِى يتَمَنَّى صَاحبهَا الْمَوْت كَمَا قَالَ المتنبي:

(كفى بك دَاء أَن ترى الْمَوْت شافياً

وَحسب المنايا أَن يكنّ أمانيا اه)

وَبعد أَن نسب هَذِه الأبيات صَاحب الأغاني لأحيحة بن الجلاح بيّن منشأها فَقَالَ: إِن تبّعاً الْأَخير وَهُوَ أَبُو كرب بن حسان بن تبّع بن أسعد الْحِمْيَرِي أقبل من الْيمن يُرِيد الشرق كَمَا كَانَت التبابعة تفعل فمرّ بِالْمَدِينَةِ فخلّف بهَا ابْنه وَمضى حَتَّى قدم الْعرَاق فَنزل بالمشقّر فَقتل ابْنه بِالْمَدِينَةِ غيلَة فَبَلغهُ الْخَبَر فكرّ رَاجعا حَتَّى دخل الْمَدِينَة وَهُوَ مجمع على

ص: 354

إخرابها وَقطع نخلها واستئصال أَهلهَا وَسبي الذرّية فَنزل بسفح أحد فاحتفر بهَا بِئْرا فِي الَّتِي يُقَال لَهَا إِلَى الْيَوْم: بِئْر الْملك ثمَّ أرسل إِلَى أَشْرَاف أهل الْمَدِينَة ليأتوه فَكَانَ مِمَّن أرسل إِلَيْهِ زيد بن ضبيعة وَابْن عمّه زيد بن أُميَّة وَابْن عَمه زيد بن عبيد وَكَانُوا يسمون الأزياد وأحيحة بن الجلاح فَلَمَّا جَاءَ رَسُوله قَالَ الأزياد: غنما أرسل إِلَيْنَا ليملّكنا على أهل يثرب فَقَالَ أحيحة: وَالله مَا دعَاكُمْ لخير وَكَانَ يُقَال إِن مَعَ أحيحة تَابعا من الْجِنّ يُعلمهُ الْخَبَر لِكَثْرَة صَوَابه لِأَنَّهُ كَانَ لَا يظنّ شَيْئا إِلَّا كَانَ كَمَا يَقُول فَخَرجُوا إِلَيْهِ وَخرج أحيحة وَمَعَهُ قينة لَهُ وخباء وخمر فَضرب الخباء وَجعل فِيهِ الْقَيْنَة وَالْخمر ثمَّ اسْتَأْذن على تبّع فَأذن لَهُ ة وَأَجْلسهُ على زربيّة تَحْتَهُ وتحدث مَعَه وَسَأَلَهُ عَن أَمْوَاله بِالْمَدِينَةِ فَجعل يُخبرهُ عَنْهَا فَخرج من عِنْده فَدخل خباءه فَشرب الْخمر وقرض أبياتاً وامر القينى أَن تغنيه بهَا وَجعل تبّع عَلَيْهِ حرساً وَكَانَت قَيْنَته تدعى مليكَة فَقَالَ: الأبيات الْمُتَقَدّمَة. فَلم تزل الْقَيْنَة تغنيه بذلك يَوْمه وعامّة ليلته فَلَمَّا نَام الحرس

قَالَ لَهَا: إِنِّي ذَاهِب إِلَى أَهلِي فشدّي عَلَيْك الخباء فَإِذا جَاءَ رَسُول الْملك فَقولِي: هُوَ نَائِم فَإِذا أَبَوا إِلَّا أَن يوقظوني فَقولِي: قد رَجَعَ إِلَى أَهله أَرْسلنِي إِلَى الْملك برسالة فَإِن ذَهَبُوا بك إِلَيْهِ فَقولِي: يَقُول لَك)

أحيحة اغدر بقينة أَو دع ثمَّ انْطلق فتحصّن فِي أطمه الضحيان فَأرْسل تبّع من جَوف اللَّيْل إِلَى الأزياد فَقَتلهُمْ.

وَأرْسل إِلَى أحيحة ليَقْتُلهُ فَخرجت إِلَيْهِم الْقَيْنَة فَقَالَت: هُوَ رَاقِد فانصرفوا وترددوا عَلَيْهَا مرَارًا كل ذَلِك تَقول: هُوَ

ص: 355

رَاقِد ثمَّ عَادوا فَقَالُوا: لتوقظنّه أَو لندخلن عَلَيْك قَالَت: فَإِنَّهُ قد رَجَعَ إِلَى أَهله وأرسلني إِلَى الْملك برسالة فَذَهَبُوا بهَا إِلَى الْملك وأبلغته الرسَالَة فجرّه لَهُ كَتِيبَة من خيله ثمَّ أرسلهم فِي طلبه فوجدوه قد تحصّن فِي أطمه فحاصروه ثَلَاثًا فَكَانَ يقاتلهم بِالنَّهَارِ ويرميهم بِالنَّبلِ وَالْحِجَارَة وَيَرْمِي إِلَيْهِم فِي اللَّيْل بِالتَّمْرِ.

فَلَمَّا مَضَت الثَّلَاث رجعُوا إِلَى تبع فَقَالُوا: بعثتنا إِلَى رجل يقاتلنا بِالنَّهَارِ ويضيفنا فِي اللَّيْل فَتَركه وَأمرهمْ أَن يحرقوا نخله وشبّت الْحَرْب بَين أهل الْمَدِينَة: اوسها وخزرجها ويهودها وَبَين تبّع وتحصنوا فِي الْآطَام فَخرج رجل من أَصْحَاب تبّع حَتَّى جَاءَ بني عدي بن النجار وهم متحصنون فِي أطمهم فَدخل حديقة من حدائقهم فرقي بهَا عذقاً مِنْهَا يجدّها فَاطلع إِلَيْهِ رجل من بني عدي من الأطم فَنزل إِلَيْهِ فَضَربهُ بمنجل حَتَّى قَتله ثمَّ أَلْقَاهُ فِي بِئْر فَلَمَّا انْتهى ذَلِك لى تبّع زَاده غيظاً وحنقاً وجرد إِلَى بني النجار جَرِيدَة من خيله فَقَاتلهُمْ بَنو النجار

فَبينا يُرِيد تبع إخراب الْمَدِينَة اتاه حبران من الْيَهُود فَقَالَا: أَيهَا الْملك انْصَرف عَن هَذِه الْبَلدة فَإِنَّهَا مَحْفُوظَة وَإِنَّهَا مهَاجر نَبِي من بني إِسْمَاعِيل اسْمه أَحْمد يخرج من هَذَا الْحرم. فأعجبه مَا سمع مِنْهُمَا وكفّ عَن أَهلهَا. انْتهى مَا نقلته من الأغاني مُخْتَصرا.

والأطم قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ مثل الأجم يُخَفف ويثقّل وَالْجمع آطام وَهِي حصون لأهل الْمَدِينَة والواحدة أطمة بِفَتَحَات. والضحيان بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا يَاء مثناة تحتية: اسْم حصن لأحيحة

ص: 356

وَقد بَينه صَاحب الأغاني بعد هَذَا فَقَالَ: وَكَانَ لأحيحة أطمان أَطَم فِي قومه يُقَال لَهُ المستظل وَهُوَ الَّذِي تحصن فِيهِ حِين قَاتل تبعا أَبَا كرب الْحِمْيَرِي وأطمه الضحيان بالعصبة فِي أرضه الَّتِي يُقَال لَهَا الغابة بناه بحجارة. وَكَانَت الْآطَام عزّهم ومنعتهم وحصونهم الَّتِي يتحرزون فِيهَا من عدوهم. انْتهى كَلَامه.

وَقد خَالف بَين كلاميه فَقَالَ هُنَاكَ: تحصّن بأطمه الضحيان. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: تحصن فِي أطمه المستظل.

وأحيحة هُوَ أحيحة بن الجلاح بن الْحَرِيش بن جحجبى بن كلفة بن عَوْف بن عَمْرو بن مَالك بن)

وأحيحة بضمّ الْهمزَة وبالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ: مصغّر الأحيحة وَهُوَ الغيظ وحزازة الغمّ. والجلاح بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَآخره حاء مُهْملَة وَهُوَ فِي اللُّغَة السَّيْل الجراف. والحريش بِفَتْح الْحَاء وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخره شين مُعْجَمه وَهُوَ نوع من الْحَيَّات أرقط. وجحجبى بحاء مُهْملَة سَاكِنة بَين جيمين مفتوحتين وَبعد الْمُوَحدَة ألف مَقْصُورَة وَهَذِه الْمَادَّة غير مَذْكُورَة فِي الصِّحَاح قَالَ صَاحب الْقَامُوس: جحجب الْعَدو: أهلكه وَفِي الشَّيْء: تردد وَجَاء وَذهب. وجحجب: اسْم. وجحجبى: حَيّ من الْأَنْصَار انْتهى.

وكلفة بِضَم الْكَاف وَسُكُون اللَّام.

وَكَانَ أحيحة سيد الْأَوْس فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَت أم عبد الْمطلب بن هَاشم تَحْتَهُ. وَالْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عقبَة بن أحيحة صَحَابِيّ شهد بَدْرًا وَقتل يَوْم بِئْر

ص: 357

مَعُونَة كَذَا فِي الجمهرة. وعد عَبْدَانِ فِي الصَّحَابَة مُحَمَّد بن عقبَة هَذَا لكنه نسبه إِلَى جده فَقَالَ: مُحَمَّد بن أحيحة. وَقَالَ: بَلغنِي أَنه أول من سمي مُحَمَّدًا وَأَظنهُ أحد الْأَرْبَعَة الَّذين سموا مُحَمَّدًا قبل مولد النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ. وَأَبوهُ كَانَ زوج سلمى أم عبد الْمطلب.

قَالَ ابْن الْأَثِير: من يكون أَبوهُ تزوج أم عبد الْمطلب مَعَ طول عمر عبد الْمطلب كَيفَ تكون لَهُ صُحْبَة مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ هَذَا بعيد وَلَعَلَّه مُحَمَّد بن الْمُنْذر بن عقبَة بن أحيحة الَّذِي ذكرُوا أَبَاهُ فِيمَن شهد بَدْرًا. قَالَ ابْن حجر

فِي الْإِصَابَة: وَفِيه نظر لأَنهم لم يذكرُوا للمنذر ولدا اسْمه مُحَمَّد انْتهى.

وَالصَّوَاب مَا فِي الجمهرة وَبِه يَزُول الْإِشْكَال.

قَالَ صَاحب الأغاني: وَكَانَت عِنْد أحيحة سلمى بنت عَمْرو بن زيد بن لبيد بن خِدَاش إِحْدَى نسَاء بني عدي بن النجار لَهُ مِنْهَا عَمْرو بن أحيحة ثمَّ أَخذهَا هَاشم بعد أحيحة فَولدت لَهُ عبد الْمطلب بن هَاشم وَكَانَت امْرَأَة شريفة لَا تنْكح الرِّجَال إِلَّا وأمرها بِيَدِهَا وَإِذا كرهت من رجل شَيْئا تركته.

وَكَانَ أحيحة كثير اللمال شحيحاً عَلَيْهِ يَبِيع بيع الرِّبَا بِالْمَدِينَةِ حَتَّى كَاد يُحِيط بِأَمْوَالِهِمْ وَكَانَ لَهُ تسع وَتسْعُونَ بِئْرا كلهَا ينضح عَلَيْهَا وَكَانَ لَهُ أطمان: أَطَم فِي قومه يُقَال لَهُ المستظل وَهُوَ الَّذِي تحصن فِيهِ حِين قَاتل تبعا الْحِمْيَرِي وأطمه الضحيان بالعصبة فِي أرضه الَّتِي يُقَال لَهَا الغابة بناه بحجارة سود ويزعمون أَنه لما بناه أشرف هُوَ وَغُلَام لَهُ ثمَّ قَالَ: لقد بنيت حصناً)

حصيناً مَا بنى مثله رجل من الْعَرَب أمنع مِنْهُ

ص: 358

وَلَقَد عرفت مَوضِع حجر مِنْهُ لَو نزع وَقع جَمِيعًا.

فَقَالَ غُلَامه: أَنا أعرفهُ قَالَ: فأرنيه يَا بني قَالَ: هُوَ هَذَا وَصرف إِلَيْهِ رَأسه فَلَمَّا رأى أحيحة أَنه قد عرفه دَفعه من رَأس الأطم فَوَقع على رَأسه فَمَاتَ. وَإِنَّمَا قَتله لِئَلَّا يعرف ذَلِك الْحجر أحد. فَلَمَّا بناه قَالَ:

(بنيت بعد مستظل ضاحيا

بنيته بعصبة من ماليا)

(للستر مِمَّا يتبع القواضيا

أخْشَى ركيبا أَو رجيلا غاديا)

وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَتِمَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي شرح شَوَاهِد الشافية عِنْد شرح قَوْله: أخْشَى ركيباً أَو رجيلاً غاديا. فَإِنَّهُ من شواهده وشواهد

الْكَشَّاف أَيْضا. وَلم يعرف أحد تتمته وَلَا أَصله مِمَّن كتب على الْكَشَّاف وَغَيره.

وَاعْلَم أَن جملَة من سمي بِمُحَمد فِي الْجَاهِلِيَّة ذكرهم ابْن حجر فِي شرح البُخَارِيّ. وَهَذَا كَلَامه: قَالَ عِيَاض: حمى الله عز وجل هَذَا الِاسْم أَن يُسمى بِهِ أحد قبله وَإِنَّمَا سمى بعض الْعَرَب مُحَمَّدًا قرب مِيلَاد النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ لما سمعُوا من الْكُهَّان والأحبار أَن نَبيا سيبعث فِي ذَلِك الزَّمَان يُسمى مُحَمَّدًا فَرجوا أَن يَكُونُوا هم فسموا أَبْنَاءَهُم بذلك وهم سِتَّة لَا سَابِع لَهُم. كَذَا قَالَ.

وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: لَا يعرف فِي الْعَرَب من تسمى مُحَمَّدًا قبل النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ إِلَّا ثَلَاثَة: مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع وَمُحَمّد بن أحيحة

ص: 359

بن الجلاح وَمُحَمّد بن حمْرَان بن وَسبق السُّهيْلي إِلَى هَذَا القَوْل أَبُو عبد الله بن خالويه فِي متاب لَيْسَ. وَهُوَ حصر مَرْدُود. وَقد جمعت أَسمَاء من تسمى بذلك فِي جُزْء مُفْرد فبلغوا نَحْو الْعشْرين لَكِن مَعَ تَكْرِير فِي بَعضهم وَوهم فِي بعض فتلخص مِنْهُ خَمْسَة عشر نفسا.

وأشهرهم مُحَمَّد بن عدي بن ربيعَة التَّمِيمِي السَّعْدِيّ. وَقد سُئِلَ مُحَمَّد بن ربيعَة والسائل ابْنه قَالَ لَهُ: كَيفَ سماك أَبوك فِي الْجَاهِلِيَّة مُحَمَّدًا قَالَ: سَأَلت أبي عَمَّا سَأَلتنِي فَقَالَ: خرجت رَابِع أَرْبَعَة من بني تَمِيم أَنا أحدهم وسُفْيَان بن مجاشع وَيزِيد بن عَمْرو بن ربيعَة وَأُسَامَة بن مَالك بن حبيب بن العنبر نُرِيد ابْن جَفْنَة الغساني بِالشَّام فنزلنا على غَدِير دير فَأَشْرَف علينا الديراني فَقَالَ لنا: إِنَّه سيبعث مِنْكُم وشيكاً نَبِي فسارعوا إِلَيْهِ. فَقُلْنَا: مَا اسْمه قَالَ: مُحَمَّد.)

فَلَمَّا انصرفنا ولد لكل منا ولد فَسَماهُ مُحَمَّدًا.

وَقَالَ ابْن سعد عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن مسلمة بن محَارب عَن قَتَادَة بن السكن قَالَ: كَانَ فِي بني تَمِيم مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع قيل لِأَبِيهِ: إِنَّه سَيكون نَبِي فِي الْعَرَب اسْمه مُحَمَّد فَسمى ابْنه مُحَمَّدًا. فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة لَيْسَ فِي السِّيَاق مَا يشْعر بِأَن فيهم من لَهُ صُحْبَة إِلَّا مُحَمَّد بن عدي.

قَالَ ابْن سعد لما ذكره فِي الصَّحَابَة: عداده فِي أهل الْكُوفَة. وَذكر عَبْدَانِ الْمروزِي أَن مُحَمَّد بن أحيحة بن الجلاح أول من تسمى مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَأَنَّهُ تلقى ذَلِك من قصَّة تبع لما حاصر الْمَدِينَة وَخرج إِلَيْهِ أحيحة الْمَذْكُور هُوَ والحبر الَّذِي كَانَ عِنْدهم بِيَثْرِب فَأخْبرهُ الحبر أَن هَذَا بلد نَبِي يبْعَث يُسمى مُحَمَّدًا. فَسمى ابْنه مُحَمَّدًا وَذكر البلاذري مِنْهُم مُحَمَّد بن غقبة بن أحيحة فَلَا أَدْرِي: أَهما وَاحِد نسب مرّة إِلَى أَبِيه وَمرَّة

ص: 360

إِلَى جده أم هما اثْنَان. . أَقُول: الصَّوَاب أَنَّهُمَا وَاحِد نسب مرّة إلة أَبِيه وَمرَّة إِلَى جده كَمَا تقدم بَيَانه.

ثمَّ قَالَ ابْن حجر: وَمِنْهُم مُحَمَّد بن براءالبكري ذكره ابْن حبيب. وَضبط البلاذري أَبَاهُ فَقَالَ: مُحَمَّد بن بر بتَشْديد الرَّاء لَيْسَ بعْدهَا ألف بن طريف بن عتوارة بن عَامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة وَلِهَذَا نسبوه أَيْضا العتواري.

وغفل ابْن دحْيَة فعد فيهم مُحَمَّد بن عتوارة وَهُوَ هُوَ نسب إِلَى جده الْأَعْلَى. وَمِنْهُم مُحَمَّد بن اليحمدي الْأَزْدِيّ ذكره المفجع الْبَصْرِيّ فِي كتاب المنقذ. وَمُحَمّد بن خولي الْهَمدَانِي. ذكره ابْن دُرَيْد. وَمِنْهُم مُحَمَّد بن حمْرَان بن أبي حمْرَان واسْمه ربيعَة بن مَالك الْجعْفِيّ الْمَعْرُوف بالشويعر ذكره المرزباني فَقَالَ: هُوَ أحد من سمي فِي الجاهلي مُحَمَّدًا وَله قصَّة مَعَ امْرِئ الْقَيْس. وَمِنْهُم مُحَمَّد بن خزاعي عَلْقَمَة بن حرابة السّلمِيّ من بني ذكْوَان ذكره ابْن سعد عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن سَلمَة بن الْفضل عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ: سمي مُحَمَّد ين خزاعي طَمَعا فِي النُّبُوَّة.

وَذكر الطَّبَرَانِيّ أَن أبيرهة الحبشي توجه وَأمره أَن يَغْزُو بني كنَانَة فَقَتَلُوهُ وَكَانَ

ذَلِك من أَسبَاب

ص: 361

(فذلكم ذُو التَّاج منا مُحَمَّد

ورايته فِي حومة الْمَوْت تخفق)

وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عمر بن مُغفل بِضَم أَوله وَسُكُون الْمُعْجَمَة وَكسر الْفَاء ثمَّ لَام وَهُوَ وَالِد هبيب بموحدتين مصغر وَهُوَ على شَرط الْمَذْكُورين فَإِن لوَلَده صُحْبَة. وَمَات هُوَ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَمِنْهُم مُحَمَّد بن الْحَارِث بن حديج بن حويص ذكره أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين وَذكر لَهُ قصَّة مَعَ عمر وَقَالَ: إِنَّه أحد من تسمى مُحَمَّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة. وَمِنْهُم مُحَمَّد)

الْفُقيْمِي وَمُحَمّد الأسيدي ذكرهمَا ابْن سعد وَلم ينسبهما بِأَكْثَرَ من ذَلِك. . فَعرف بِهَذَا وَجه الرَّد على الْحصْر الَّذِي ذكره القَاضِي عِيَاض.

وَعجب من السُّهيْلي كَيفَ لم يقف على مَا قَالَه القَاضِي مَعَ كَونه قَالَ قبله وَقد تحرر لنا من أسمائهم قدر الَّذِي ذكره القَاضِي عِيَاض مرَّتَيْنِ بل ثَلَاث مَرَّات فَإِنَّهُ ذكر فِي السِّتَّة الَّذين جزم بهم: مُحَمَّد بن مسلمة وَهُوَ غلط فَإِنَّهُ ولد بعد مِيلَاد النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ ففضل لَهُ خَمْسَة. وَقد خلص لنا خَمْسَة عشر وَالله أعلم. انْتهى مَا قَالَ ابْن حجر.

وَقَالَ زين الدَّين الْعِرَاقِيّ: قلت: عده أَعنِي عياضاً مُحَمَّد بن

ص: 362

مسلمة فِيهِ نظر من حَيْثُ أتنه ولد بعده بِعشر سِنِين وَلكنه صَحِيح من حَيْثُ أَنه لم يكن ظَهرت

النُّبُوَّة وَالله أعلم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

(قَلما عرس حَتَّى هجته

بالتباشير من الصُّبْح الأول)

على أَن أَبَا عَليّ قَالَ: إِن قَلما قد تَجِيء بِمَعْنى إِثْبَات الشَّيْء الْقَلِيل كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت وَالْكثير أَن تكون للنَّفْي الصّرْف. وَهَذَا كَلَام أبي عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري قَالَ: وَأما قَول لبيد: قَلما عرس حَتَّى هجته فَإِن قَوْلهم قَلما يسْتَعْمل على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون بِمَعْنى النَّفْي لَا يثبت بِهِ شَيْء وَالْآخر: أَن يكون خلاف كثر يثبت بِهِ شَيْء قَلِيل. فَمن الأول قَوْلهم: قَلما سرت حَتَّى أدخلها فتنصب الْفِعْل مَعَه بعد حَتَّى كَمَا تنصب فِي قَوْلك: مَا سرت حَتَّى أدخلها وَمِنْه: قَلما سرت فَأدْخلهَا فتنصب مَعَه الْفِعْل بعد الْفَاء كَمَا تفعل ذَلِك بِالنَّفْيِ وَمِنْه قلّ رجل جَاءَنِي إِلَّا زيد كَمَا تَقول: مَا جَاءَنِي إِلَّا زيد فَهَذَا فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِمَنْزِلَة النَّفْي.

وَلَو أردْت نفي كثر لجَاز الرّفْع فِي الْفِعْل بعد حَتَّى كَمَا تَقول: سرت قَلِيلا حَتَّى أدخلها. وَلَو أجري هَذَا الضَّرْب مجْرى الأول على معنى أَن الْقَلِيل لم يعتدّ بِهِ لقلته لَكَانَ ذَلِك قِيَاسا على كَلَامهم أَلا تراهم قَالُوا: مَا أَدْرِي أأذن أَو قَامَ فَجعل

ص: 363

الْفِعْل غير مُعْتَد بِهِ وَالْبَيْت مِمَّا قد ثَبت فِيهِ التَّعْرِيس وَلم بنفه ألبتّة يدلك على ذَلِك قَول ذِي الرّمّة:

(زار الخيال لميّ هاجعاً لعبت

بِهِ التنائف والمهرية النّجب)

انْتهى. بَيَانه: أَن ذَا الرمّةّ أَرَادَ بالهاجع المعرس نَفسه. والهاجع: النَّائِم. ولعبت بِهِ: ترامت بِهِ بَلْدَة إِلَى بَلْدَة. والمهرية بِالْفَتْح: الْإِبِل المنسوبة إِلَى مهرَة وَهِي حَيّ بِالْيمن. والنّجب: جمع نجيب:)

كرام الْإِبِل. والتعريس: الْإِقَامَة فِي آخر اللَّيْل. ومعرساً: صفة هاجعاً. أَي: زارني خيال ميّ وَأَنا معرّس نَائِم. وَجُمْلَة: فِي بَيَاض الصُّبْح وقعته صفة لقَوْله: معرساً. يُرِيد الْوَقْعَة الَّتِي ينامها عِنْد الصُّبْح لِأَن كل من سَار ليلته فَذَلِك وَقت إراحته ونومه. ويروى: وَسَائِر اللَّيْل. ومنجذب: خبر سَائِر أَي: مَاض.

وَقَوله: إِلَّا ذَاك اسْتثِْنَاء للتعريس من السّير وَهَذَا وَجه الدَّلِيل. ويروى أَيْضا: فِي سَواد اللَّيْل.

وَالتَّفْسِير فِي السّير وَاللَّيْل والسواد سَوَاء. وَهَذَا الشّعْر من قصيدة طَوِيلَة لذِي الرمة مطْلعهَا: مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب وَهَذِه القصيدة أول ديوانه.

وَاعْلَم أَن أَبَا عَليّ قد تكلم هُنَا على أقل وقلّ وقلما بِكَلَام جيد قد اخْتَصَرَهُ الشَّارِع الْمُحَقق أَحْبَبْت أَن أنقله هُنَا برمّته تتميماً للفائدة: قَالَ:

ص: 364

اعْلَم أَنهم قَالُوا: أقل رجل يَقُول ذَلِك وَأَقل امْرَأَة تَقول ذَلِك وَأَقل امْرَأتَيْنِ تقولان ذَلِك محملوا الصّفة فِيهَا على الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل لَا على أقل. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا مَوضِع تَقول ذَلِك وَتَقُولَانِ ذَلِك فَالْقَوْل فِيهِ: أَن مَوْضِعه جرّ على مَا عَلَيْهِ استعمالهم وَلَا يجوز أَن يكون مَوْضِعه رفعا لِأَنَّهُ لَو كَانَ رفعا لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون مَحْمُولا على أقل إِمَّا أَن يكون وَصفا أَو خَبرا.

فَإِن قلت: إِذا كَانَ أقل مُبْتَدأ فَمَا خَبره فَالْقَوْل فِيهِ: أَنه لَا يَخْلُو من أَن يكون مضمراً مَتْرُوك الْإِظْهَار والاستعمال كَمَا كَانَ خبر الِاسْم بعد لَوْلَا كَذَلِك. أَو

يكون قد استغني عَن الْخَبَر بِالصّفةِ الْجَارِيَة على الْمُضَاف أقل إِلَيْهِ وَصَارَ أقل لَا خبر لَهُ لما فِيهِ من معنى النَّفْي كَمَا أَن قَلما فِي قَوْلهم:

(قَلما

وصال على طول الصدود يَدُوم)

غير مُسْند إِلَى فَاعل لما فِيهِ من معنى النَّفْي فَكَمَا صَار قل غير مُسْند إِلَى فَاعل كَذَلِك أقل غير مُسْند إِلَى خبر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قد جرى مجْرى صَاحبه أَلا ترى أَنهم قَالُوا قل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا وَيَد كَمَا قَالُوا: مَا رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد وَقَالُوا: أقل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد فأبدلوا زيدا من أقل وأجروه مجْرى قل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد أَلا ترى أَنه لم يُبدل من رجل الْمَجْرُور بل أجري مجْرى قل رجل فَأَما صفة الِاسْم الَّذِي يُضَاف إِلَيْهِ أقل فَإِنَّهُ يكون فعلا أَو ظرفا لِأَن الظّرْف كالفعل وَالْفَاعِل أَلا ترى أَنه فِي صلَة الْمَوْصُول كالفعل: فِي اسْتِقْلَال الْمَوْصُول)

بِهِ وَقَالَ

ص: 365

أَبُو الْحسن: لَو قلت أقل رجل ذِي جمّة أَو نَحْو ذَلِك لم يحسن.

قَالَ أَبُو عَليّ: وَإِنَّمَا امْتنع هَذَا لِأَن أقل قد أجري مجْرى حرف النَّفْي فَلم يظْهر لَهُ خبر كَمَا أَن قل جرى مجْرَاه فَلم يسند إِلَى فَاعل. فَإِذا علمت أَنه قد أجري مجْرى حرف النَّفْي بِمَا ذكرت وبأنهم قَالُوا: قل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد كَانَ قَوْلهم: أقل رجل يَقُول ذَلِك أقل فِيهِ بِمَنْزِلَة حرف النَّفْي وحرف النَّفْي يَنْبَغِي أَن يدْخل على كَلَام تَامّ وَالْكَلَام التَّام الْفِعْل وَالْفَاعِل وَمَا حكمهمَا من الظروف وَلَيْسَ الْمُبْتَدَأ وَخَبره مِمَّا يجْرِي مجْرى الْفِعْل وَالْفَاعِل هُنَا.

أَلا ترى أَن أَبَا الْحسن يَقُول: لَو قلت أقل رجل وَجهه حسن لم يحسن. فَدلَّ

ذَلِك على أَنهم جعلُوا أقل بِمَنْزِلَة مَا وَمَا حَقّهَا أَن تَنْفِي فعل الْحَال فِي الأَصْل ويؤكد ذَلِك أَنه صفة وَالصّفة يَنْبَغِي أَن تكون مصاحبة للموصوف فَكَمَا لَا تدخل مَا فِي نفي الْفِعْل إِلَّا على فعل وفاعل كَذَلِك يَنْبَغِي أم يكون الْوَصْف الْوَاقِع بعد الِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل فعلا وفاعلاً أَو ظرفا لِأَن الظّرْف كالفعل.

وَإِذا كَانَت كَذَلِك فَلَو أوقعت جملَة من ابْتِدَاء وَخبر بعده لم يحسن لِأَن مَا فِي الأَصْل لَا تنفيها إِنَّمَا تَنْفِي الْفِعْل وَلَو أوقعت صفة لَا معنى للْفِعْل فِيهَا نَحْو ذِي جمة وَمَا أشبههَا مِمَّا لَا يشابه الْفِعْل لم يجز.

وَلَو أوقعت الصّفة المشابهة للْفِعْل نَحْو ضَارب وَصَالح لم يحسن فِي الْقيَاس أَيْضا أَلا ترى أَن هَذَا مَوضِع جملَة وَاسم الْفَاعِل لَا يسد مسد الْجُمْلَة وَلذَلِك لم تستقل الصِّلَة بِهِ وَاسم الْفَاعِل فِي صفة الِاسْم الْمَجْرُور بربّ أحسن مِنْهُ فِي صفة الِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل. لِأَن ربّ وَمَا انجر بِهِ من جملَة كَلَام أَلا ترى أَن الْفِعْل الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ مُرَاد وَإِن كَانَ قد يتْرك من اللَّفْظ كَمَا أَن مَا يتَعَلَّق بِهِ الْكَاف من قَوْلك: الَّذِي كزيد كَذَلِك: فَإِذا كَانَت كَذَلِك كَانَت فضلَة والفضلة لَا تمْتَنع أَن تُوصَف بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا تناسب الْفِعْل وَالَّتِي تناسبه

ص: 366

وَلَيْسَ صفة الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل كَذَلِك أَلا ترى أَن أقل بِمَنْزِلَة حرف النَّفْي كَمَا كَانَ قل كَذَلِك وَحكم حرف النَّفْي أَن يدْخل على جملَة.

وَجه جَوَاز وصف الِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ اقل بِصَالح وَنَحْوه هُوَ أَن هَذَا الضَّرْب قد أجري مجْرى الْجمل فِي غير هَذَا الْموضع ألاترى أَن سِيبَوَيْهٍ قد أجَاز حِكَايَة عَاقِلَة لَبِيبَة وَنَحْوهَا إِذا سمي بهَا فَجعله فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة الْجمل حَيْثُ كَانَ فِي حكمهَا من حَيْثُ كَانَ حَدِيثا ومحدثاً عَنهُ وَقد)

جرى هَذَا النَّحْو مجْرى الْفِعْل وَالْفَاعِل أَيْضا فِي الْأَسْمَاء الْمُسَمّى بهَا الْفِعْل فَكَذَلِك فِيمَا ذكرنَا.

والأقيس فِيمَا يجرّ بربّ أَن يُوصف بِفعل وفاعل لِأَن أصل رب وَإِن كَانَ كَمَا ذكرنَا فقد صَار عِنْدهم بِمَنْزِلَة النَّفْي أَلا ترى أَنَّهَا لَا تقع إِلَّا صداراً كَمَا أَن النَّفْي كَذَلِك وَأَن الْمُفْرد بعد قل دلّ على أَكثر من وَاحِد وَهَذَا مِمَّا يخنص بِهِ النَّفْي وَنَحْوه فَإِذا كَانَ كَذَلِك صَار ذَلِك الْأَمر كالمرفوض وَصَارَ الحكم لهَذَا الَّذِي

عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَال الْآن. وَقد صَار كانفي بِمَا لزمَه بِمَا ذكرنَا كَمَا صَار أقل رجل بِمَنْزِلَة ذَلِك فَكَمَا أَن حكم صفة الْمُضَاف إِلَيْهِ أقل أَن يكون على مَا ذكرنَا كَذَلِك حكم مَا انجر بِرَبّ.

وَمِمَّا يدل على أَن أقل منزل منزلَة النَّفْي امْتنَاع العوامل الدَّاخِلَة على الْمُبْتَدَأ من الدُّخُول عَلَيْهِ امتناعها من الدُّخُول على مَا لزمَه حرف النَّفْي. وَمِمَّا جرى مجْرى أقل رجل فِيمَا ذكرنَا قَوْلهم: خَطِيئَة يَوْم لَا أصيد فِيهِ أَلا ترى أَن الْكَلَام مَحْمُول على على مَا أضيف خَطِيئَة إِلَيْهِ كَمَا كَانَ مَحْمُولا على مَا أضيف أقل إِلَيْهِ وَلم يعد على خَطِيئَة مِمَّا بعده ذكر كَمَا لم يعد على أقل شَيْء مِمَّا بعده.

وَقِيَاس خَطِيئَة أَن تمْتَنع العوامل الدَّاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر من الدُّخُول عَلَيْهَا كَمَا امْتنعت من الدُّخُول على أقل لاتِّفَاقهمَا فِيمَا ذكرت

ص: 367

وَفِي الْمَعْنى أَلا ترى أَنه يُرِيد مَا يَوْم لَا أصيد فِيهِ إِلَّا الْخَطِيئَة فَصَارَ كَقَوْلِهِم أقل من جِهَة الْمَعْنى وَمن جِهَة حمل مَا بعْدهَا على مَا أضيف إِلَيْهِ من دونهَا. وَالْقِيَاس فِيهَا وَفِي أقل أَن يكون مَا جرى بعدهمَا من الْكَلَام قد سد مسد الْخَبَر وَصَارَ معنى أقل امْرَأتَيْنِ تقولان ذَلِك مَا امْرَأَتَانِ تقولان ذَلِك وَكَذَلِكَ خَطِيئَة فَحمل الْكَلَام على الْمَعْنى فَلم يحْتَج إِلَى إِضْمَار خبر كَمَا لم تحتج إِلَيْهِ فِي قَوْلك: أذاهب أَخَوَاك وَمَا أشبهه. انْتهى وَبَيت الشَّاهِد من قصيدة طَوِيلَة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ عدَّة أبياتها خَمْسَة وَثَمَانُونَ بَيْتا وَلَا بُد من ذكر أَبْيَات مُتَّصِلَة بِهِ ليتضح مَعْنَاهُ وَهِي:

(ومجود من صبابات الْكرَى

عاطف النمرق صدق المبتذل)

(قَالَ هجدنا فقد طَال السرى

وقدرنا إِن خنى الدَّهْر غفل)

(يَتَّقِي الأَرْض بدف شاسف

وضلوع تَحت صلب قد نحل)

(قَلما عرس حَتَّى هجته

بالتباشير من الصُّبْح الأول)

(يلمس الأحلاس فِي منزله

بيدَيْهِ كاليهودي المصل))

(يتمارى فِي الَّذِي قلت لَهُ

وَلَقَد يسمع قولي حيهل)

(فوردنا قبل فراط القطا

إِن من وردي تغليس النهل)

قَوْله: ومجود من صبابات الخ الْوَاو وَاو رب والمجود: الَّذِي جاده النعاس وألح عَلَيْهِ حَتَّى أَخذه فَنَامَ من الْجُود بِالْفَتْح وَهُوَ الْمَطَر الغزير

ص: 368

يُقَال: أَرض مجودة أَي: مغيثة وجيدت الأَرْض: إِذا مطرَت جوداً. وَقَالَ أَعْرَابِي: المجود: الَّذِي قد جاده الْعَطش أَي: غَلبه كَذَا فِي شرح أبي الْحسن الطوسي. وَهَذَا لَا يُنَاسب قَوْله: صبابات الْكرَى فَإِن الْكرَى النّوم وصبابته بَقِيَّته.

والجيد مَا ذكره صَاحب الْقَامُوس: من أَن الْجواد كغراب: النعاس وجاده الْهوى: شاقه وغلبه وَقَوله: عاطف النمرق صفة مجود وَالْإِضَافَة لفظية يُرِيد: عطف نمرقته وثناها فَنَامَ.

والنمرقة مُثَلّثَة النُّون: الوسادة والطنفسة فَوق الرحل وَهِي المرادة هُنَا والطنفسة مُثَلّثَة الطَّاء وَالْفَاء وبكسر الطَّاء وَفتح الْفَاء وَبِالْعَكْسِ: الْبسَاط. وَقَوله: صدق المبتذل بِفَتْح الصَّاد أَي: جلد قوي لَا يُغير عِنْد ابتذاله نَفسه وَلَا يسْقط وَلَا يجوز أَن يُقَال صدق المبتذل إِلَّا إِذا امتهن وَوجد صَادِق المهنة يُوجد عِنْده مَا يحب وَيُرَاد.

وَفِي الْقَامُوس: الصدْق: الصلب المستوي من الرماح وَالرِّجَال والكامل من كل شَيْء وَهِي صَدَقَة. والمبتذل: مصدر بِمَعْنى الابتذال وَهُوَ ضد الصيانة يُقَال: سيف صدق المبتذل أَي: ماضي الضريبة. وَقَوله: قَالَ هجدنا الخ قَالَ: هُوَ مُتَعَلق رب. والتهجيد من الأضداد. يُقَال: هجده إِذا نَومه أَي: دَعْنَا ننام وَهُوَ المُرَاد هُنَا وهجده: إِذا أيقظه. وَالْفَاء للتَّعْلِيل. والسرى بِالضَّمِّ: سير عَامَّة اللَّيْل. وَقَوله: وقدرنا أَي: وقدرنا على وُرُود المَاء وَذَلِكَ إِذا قربوا مِنْهُ.

وَفِي الْقَامُوس ة بَيْننَا لَيْلَة قادرة: هينة السّير لَا تَعب فِيهَا. والخنى بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَالْقصر: الآفة وَالْفساد أَي: إِن غفل عَنَّا فَسَاد الدَّهْر فَلم يعقنا. وَقيل: قَدرنَا أَي: على التهجيد وَقيل: على السّير. وَقَوله: يَتَّقِي الأَرْض الخ أخبر عَن صَاحبه النعسان بِأَنَّهُ يَتَّقِي الأَرْض أَي: يتجافى عَنْهَا. والدف بِفَتْح الدَّال: الْجنب. وَرُوِيَ:

ص: 369

يَتَّقِي الرّيح. والشاسف بِتَقْدِيم الْمُعْجَمَة على الْمُهْملَة: الْيَابِس ضمراً وهزالاً وَقد شسف كنصر وَضرب وكرم شسوفاً وَيكسر: إِذا يبس وَنحل جِسْمه كمنع وَعلم وَنصر وكرم نحولاً: ذهب من مرض أَو سفر.

وَقَوله: قَلما عرّس الخ مَا الْمُتَّصِلَة بقلّ كَافَّة لَهَا عَن طلب الْفَاعِل وجاعلة إِيَّاهَا بِمَنْزِلَة مَا النافية فِي الْأَغْلَب وَهنا لإِثْبَات الْقلَّة كَمَا تقدم وَمَا تتصل بِأَفْعَال ثَلَاثَة فتكفها عَن طلب الْفَاعِل وَهِي)

قَلما وطالما وَكثر مَا وَيَنْبَغِي أَن تتصل بالأولين كِتَابَة. والتعريس: النُّزُول فِي آخر اللَّيْل للاستراحة وَالنَّوْم وَمثله الإعراس. وهجته: أيقظته من النّوم وهاج يهيج يَجِيء لَازِما ومتعدياً يُقَال هاج: إِذا ثار وهجته: إِذا أثرته. وَحَتَّى هُنَا حرف جر بِمَعْنى إِلَّا الاستثنائية أَي: مَا عرس إِلَّا أيقظته أَي: نَام قَلِيلا ثمَّ أيقظته وَأكْثر دُخُولهَا على الْمُضَارع كَقَوْلِه:

(لَيْسَ الْعَطاء من الفضول سماحة

حَتَّى تجود وَمَا لديك قَلِيل)

وَقَوله: بالتباشير أَي: بظهورها والتباشير: أَوَائِل الصُّبْح وَهُوَ جمع تبشير وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا جمعا قَالَ فِي الْقَامُوس: التباشير الْبُشْرَى وأوائل الصُّبْح وكل شَيْء وطرائق على الأَرْض من آثَار الرِّيَاح وآثار بِجنب الدَّابَّة من الدبر والبواكر من النّخل وألوان النّخل أول مَا ترطب.

انْتهى.

ولكونه مُشْتَركا بَين هَذِه الْمعَانِي بَين المُرَاد بقوله: من الصُّبْح. والأول صفة التباشير وَهُوَ بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو جمع أولى مؤنث

ص: 370

الأول كالكبر جمع كبرى. وَقد جَاءَ هَذَا المصراع الثَّانِي فِي شعر النَّابِغَة الْجَعْدِي وَهُوَ:

(وشمول قهوة باكرتها

فِي التباشير من الصُّبْح الأول)

والنابغة وَإِن كَانَ عصري لبيد إِلَّا أَنه أسن مِنْهُ كَمَا بَيناهُ فِي ترجمتها وَقد عيب هَذَا الْبَيْت على النَّابِغَة قَالَ صَاحب تَهْذِيب الطَّبْع: وَأما الأبيات المستكرهة الْأَلْفَاظ المتفاوتة النسج القبيحة الْعبارَة الَّتِي يجب الِاحْتِرَاز مِنْهَا كَقَوْل النَّابِغَة الْجَعْدِي:

(وشمول قهوة باكرتها

فِي التباشير من الصُّبْح الأول)

يُرِيد بالتباشير الأول من الصُّبْح. وعابه المرزباني أَيْضا فِي كِتَابه الموشح.

وَقَوله: يلمس الأحلاس فَاعل يلمس ضمير المجود. واللمس: الطّلب وَفعله من بَابي قتل وَضرب. والأحلاس: جمع حلْس بِالْكَسْرِ وَهُوَ كسَاء رَقِيق يكون على ظهر الْبَعِير تَحت رَحْله. أَي: يطْلبهَا بيدَيْهِ وَهُوَ لَا يعقل من غَلَبَة النعاس. وَقَوله: كاليهودي المصل قَالَ الطوسي فِي شَرحه كَأَنَّهُ يَهُودِيّ يُصَلِّي فِي جَانب يسْجد على جَبينه. هَذَا كَلَامه.

واليهودي يسْجد على شقّ وَجهه وأصل ذَلِك أَنهم لما نتق الْجَبَل فَوْقهم قيل لَهُم: إِمَّا أَن تسجدوا وَإِمَّا أَن يلقى عَلَيْكُم فسجدوا على شقّ وَاحِد مَخَافَة أَن يسْقط عَلَيْهِم الْجَبَل فَصَارَ عِنْدهم سنة إِلَى الْيَوْم. وَقَوله: يتمارى فِي الَّذِي قلت لَهُ الخ)

ص: 371

هَذَا الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح فِي اسْم الْفِعْل وَهُنَاكَ يشْرَح إِن شَاءَ الله تَعَالَى. التماري فِي الشَّيْء والامتراء فِيهِ: المجادلة وَالشَّكّ فِيهِ يُقَال: ماريت الرجل أماريه مراء وممارة: إِذا جادلته والمرية: الشَّك. قَالَ الطوسي: يَقُول: قَالَ لَهُ الصُّبْح والنجاء قد أَصبَحت وَنَحْو هَذَا من الْكَلَام.

وحيهل: أَي: أسْرع وَأعجل.

قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: غرر الْفَوَائِد ودرر القلائد: قد قَالَ النَّاس فِي وصف قلَّة النّوم.

ومواصلة السرى والإدلاج وشعث السارين فَأَكْثرُوا فَمن أحسن مَا قيل فِي ذَلِك قَول لبيد.

وَأنْشد هَذِه الأبيات الْخَمْسَة وَأورد لَهَا نَظَائِر جَيِّدَة.

وَقَوله: فوردنا قبل فرّاط القطا الخ القطا: مَشْهُور بالتبكير والسبق إِلَى المَاء. وفرّاط القطا: أوائلها وَهُوَ جمع فارط يُقَال: فرطت الْقَوْم أفرطهم فرطا من بَاب نصر أَي: سبقتهم إِلَى المَاء.

وَقَوله: إِن من وردي الخ أَي: من عادتي. والتغليس: السّير بِغَلَس وَهُوَ ظلمَة آخر اللَّيْل يُقَال: غلسنا المَاء أَي: وردناه بِغَلَس. والنهل: الشربة الأولى والعلل: الشربة الثَّانِيَة. قَالَ الطوسي: قَالَ وترجمة لبيد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة ومطلع هَذِه القصيدة:

(إِن تقوى رَبنَا خير نفل

وبإذن الله ريثي والعجل)

(أَحْمد الله فَلَا ند لَهُ

بيدَيْهِ الْخَيْر مَا شَاءَ فعل)

ص: 372

(من هداه سبل الْخَيْر اهْتَدَى

ناعم البال وَمن شَاءَ أضلّ)

قَوْله: خير نفل هَذِه رِوَايَة الْأَصْمَعِي وروى أَبُو عُبَيْدَة: خير النَّفْل وَالنَّفْل: الْفضل والعطية كَذَا قَالَ الطوسي: وَاسْتشْهدَ صَاحب الْكَشَّاف بِهَذَا الْبَيْت فِي سُورَة الْأَنْفَال على أَن النَّفْل بِالتَّحْرِيكِ الْغَنِيمَة. وَأَصله الزِّيَادَة وَلِهَذَا يُقَال

هَذَا نفل أَي: فضل وَزِيَادَة وَمِنْه النَّافِلَة فِي الصَّلَاة. والريث مصدر رثت أريث: إِذا أَبْطَأت.

قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: وَمِمَّنْ قيل أَنه على مَذْهَب الْجَبْر من الْمَشْهُورين لبيد بن ربيعَة العامري وَاسْتدلَّ بقوله:

(إِن تقوى رَبنَا خير نفل

وبإذن الله ريثي والعجل)

(من هداه سبل الْخَيْر اهْتَدَى

ناعم البال وَمن شَاءَ أضلّ)

وَإِن كَانَ لَا طَرِيق إِلَى نسب الْجَبْر إِلَى مَذْهَب لبيد إِلَّا هَذَانِ البيتان فَلَيْسَ فيهمَا دلَالَة على)

ذَلِك. وَأما قَوْله: وبإذن الله ريثي والعجل فَيحْتَمل أَن يُرِيد بِعِلْمِهِ كَمَا يتَأَوَّل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: وَمَا هم بضارين بِهِ من أحد إِلَّا بِإِذن الله أَي: بِعِلْمِهِ. وَإِن قيل فِي هَذِه الْآيَة أَنه أَرَادَ: بِتَخْلِيَتِهِ وتمكينه وَإِن كَانَ لَا شَاهد لذَلِك فِي اللُّغَة أمكن مثله فِي قَول لبيد.

وَأما قَوْله: من هداه سبل الْخَيْر الخ فَيحْتَمل أَن يكون مصروفاً إِلَى بعض الْوُجُوه الَّتِي يتَأَوَّل عَلَيْهَا الضلال وَالْهدى الْمَذْكُورَان فِي الْقُرْآن مِمَّا يَلِيق بِالْعَدْلِ وَلَا يَقْتَضِي الْإِجْبَار اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مَذْهَب لبيد فِي الْإِجْبَار مَعْرُوفا بِغَيْر هَذِه الأبيات فَلَا يتَأَوَّل لَهُ هَذَا التَّأْوِيل بل يحمل على مُرَاده على مُوَافقَة الْمَعْرُوف من مذْهبه. انْتهى كَلَامه.

ص: 373

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَمَا اغتره الشيب إِلَّا اغْتِرَارًا

على أَن مَا بعد إِلَّا مفعول مُطلق مُؤَكد للْفِعْل قبله.

وَوجه الشَّارِح الْمُحَقق صِحَة التفريغ فِي الْمَفْعُول الْمُطلق الْمُؤَكّد. وَقَوله: إِن ابْن يعِيش قَالَ: أَصله وَمَا اغتره اغْتِرَارًا إِلَّا الشيب فَقدم وَأخر. فَهَذَا القَوْل إِنَّمَا هُوَ لأبي عَليّ الْفَارِسِي وَابْن يعِيش مَسْبُوق بِهِ. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: قَالَ الْفَارِسِي: إِن إِلَّا قد تُوضَع فِي غير موضعهَا مثل: إِن نظن إِلَّا ظنا. وَقَوله: لِأَن الِاسْتِثْنَاء المفرغ لَا يكون فِي الْمَفْعُول الْمُطلق التوكيدي لعدم الْفَائِدَة فِيهِ. وَأجِيب: بَان الْمصدر فِي الْآيَة وَالْبَيْت نَوْعي على حذف الصّفة أَي: إِلَّا ظنا ضَعِيفا وَإِلَّا اغْتِرَارًا ضَعِيفا.

انْتهى.

وَكَذَا قَالَ الْخفاف الإشبيلي فِي شرح الْجمل قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي أَن تكون إِلَّا فِي موضعهَا وَيكون مِمَّا حذف فِيهِ الصّفة لفهم الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: إِن نظن إِلَّا ظنا ضَعِيفا وَمَا اغتره الشيب إِلَّا اغْتِرَارًا بَينا. وَهَذَا أولى لِأَنَّهُ قد ثَبت حذف الصّفة وَلم يثبت وضع إِلَّا فِي غير موضعهَا. وَهَذَا جَوَاب ثَان لَكِن جَوَاب الشَّارِح الْمُحَقق أدق. وَهَذَا المصراع عجز وصدره:

ص: 374

أحل لَهُ الشيب أثقاله وَأحل أنزل والإحلال: الْإِنْزَال. والأثقال: جمع ثقل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَتَاع الْمُسَافِر وحشمه.

وَالْبَيْت من قصيدة للأعشى مَيْمُون وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل)

الْكتاب. وَهَذَا مطلع القصيدة:

(أأزمعت من آل ليلى ابتكارا

وشطت على ذِي هوى أَن تزارا)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ على أَن الْفراء يُجِيز النصب على الِاسْتِثْنَاء المفرغ نظرا إِلَى الْمُقدر واستدلالاً بِهَذَا الْبَيْت. فَإِن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَمَالِي نُوق إِلَّا ثمانيا. ورده الشَّارِح الْمُحَقق بِمَا ذكره.

أَقُول: هَذَا الْبَيْت من قصيدة نونية طَوِيلَة عدتهَا ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ بَيْتا لعروة بن حزَام العذري.

وَالْبَيْت قد تحرف على من اسْتشْهد بِهِ وَرِوَايَته هَكَذَا:

(يكلفني عمي ثَمَانِينَ بكرَة

وَمَا لي يَا عفراء غير ثَمَان)

وَرُوِيَ أَيْضا:

(يكلفني عمي ثَمَانِينَ نَاقَة

وَمَا لي والرحمن غير ثَمَان)

ص: 375

وعَلى هَذَا فالاستثناء على الطَّرِيقَة المألوفة.

وَهَذِه القصيدة ثَابِتَة فِي ديوانه أقل مِمَّا ذكرنَا وعدتها على مَا فِيهِ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا وأوردها بِالْعدَدِ الأول القالي فِي آخر ذيل أَمَالِيهِ وَفِي أول نوادره. وَقد ترجمنا عُرْوَة بن حزَام مَعَ عفراء العذريين وَذكرنَا حكايتهما مفصلة فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين بعد الْمِائَة.

وَالْقَصِيدَة غرامية فَلَا بَأْس بإيرادها لانسجامها ورقتها وَأَخذهَا بِمَجَامِع الْقُلُوب. قَالَ القالي فِي الذيل وَفِي النَّوَادِر. قَالَ أَبُو بكر: وقصيدة عُرْوَة النونية يخْتَلف النَّاس فِي أَبْيَات مِنْهَا ويتفقون على بَعْضهَا فَأول الأبيات الْمجمع عَلَيْهَا وَمَا يتلوها مِمَّا لَا يخْتَلف فِيهِ أَنْشدني جَمِيعه أبي رحمه الله عَن أَحْمد بن عبيد وَغَيره وَعبد الله بن خلف الدَّلال عَن أبي عبد الله السدُوسِي وَأَبُو الْحسن بن برَاء عَن الزبير بن بكار وَأَلْفَاظهمْ مختلطة بَعْضهَا بِبَعْض:

(خليليّ من عليا هِلَال بن عَامر

بِصَنْعَاء عوجا الْيَوْم وانتظراني)

(وَلَا تزهدا فِي الْأجر عِنْدِي وأجملا

فإنكما بِي الْيَوْم مبتليان)

(ألم تعلما أَن لَيْسَ بالمرخ كُله

أَخ وصديق صَالح فذراني)

ص: 376

.

(أَفِي كل يَوْم أَنْت رام بلادها

بعينين إنساناهما غرقان)

(أَلا فاحملاني بَارك الله فيكما

إِلَى حَاضر الروحاء ثمَّ دَعَاني))

(على جسرة الأصلاب نَاجِية السرى

تقطّع عرض البيد بالوخدان)

(ألمّا على عفراء إنَّكُمَا غَدا

لشحط النَّوَى والبين معترفان)

(فيا واشيي عفرا دَعَاني ونظرة

تقرّ بهَا عَيْنَايَ ثمّ كلاني)

(أغرّكما مني قَمِيص لبسته

جَدِيد وبردا يمنة زهياني)

(مَتى ترفعا عني الْقَمِيص تبيّنا

بِي الضّر من عفراء يَا فتيَان)

(وتعترفا لَحْمًا قَلِيلا وأعظما

دقاقاً وَقَلْبًا دَائِم الخفقان)

(على كَبِدِي من حب عفراء قرحَة

وعيناي من وجد بهَا تكفان)

قَالَ أَبُو بكر: قَالَ بعض الْبَصرِيين: ذكّر المعرض لِأَنَّهُ أَرَادَ: وعفراء عني الشَّخْص المعرض. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: ذكره بِنَاء على التَّشْبِيه أَي: وعفراء عني مثل المعرض كَمَا تَقول الْعَرَب: عبد الله الشَّمْس منيرة يُرِيدُونَ مثل الشَّمْس فِي حَال إنارتها.

(فيا لَيْت كل اثْنَيْنِ بَينهمَا هوى

من النَّاس والأنعام يَلْتَقِيَانِ)

(فَيَقْضِي حبيب من حبيب لبانة

ويرعاهما رَبِّي فَلَا يريان)

ويروى: فيسترهما رَبِّي على أَن الأَصْل يسترهما فسكّن الرَّاء لِكَثْرَة الحركات.

ص: 377

(هوى نَاقَتي خَلْفي وقدامي الْهوى

وَإِنِّي وَإِيَّاهَا لمختلفان)

(هواي أَمَامِي لَيْسَ خَلْفي معرّج

وشوق قلوصي فِي الغدوّ يمَان)

(هواي عراقي وَتثني زمامها

لبرق إِذا لَاحَ النُّجُوم يمَان)

(مَتى تجمعي شوقي وشوقك تظلعي

وَمَا لَك بالعبء الثقيل يدان)

(يَقُول لي الْأَصْحَاب إِذْ يعذلونني

أشوق عراقي وَأَنت يمَان)

(وَلَيْسَ يمَان للعراق بِصَاحِب

عَسى فِي صروف الدَّهْر يَلْتَقِيَانِ)

(تحملت من عفراء مَا لَيْسَ لي بِهِ

وَلَا للجبال الراسيات يدان)

(كَأَن قطاة علّقت بجناحها

على كَبِدِي من شدَّة الخفقان)

(فَقَالَا: نعم نشفى من الدَّاء كُله

وقاما مَعَ العوّاد يبتدران)

(فَمَا تركا من رقية يعلمانها

وَلَا سلوة إِلَّا وَقد سقياني)

(وَلَا شفيا الدَّاء الَّذِي بِي كُله

وَمَا ذخْرا نصحاً وَمَا ألواني)

(فَقَالَا: شفاك الله وَالله مَا لنا

بِمَا ضمّنت مِنْك الضلوع يدان))

(فرحت من العراف تسْقط عَمَّتي

عَن الرَّأْس مَا ألتاثها ببناني)

(معي صاحبا صدق إِذا ملت مَيْلَة

وَكَانَ بدفي نضوتي عدلاني)

(فيا عمّ يَا ذَا الْغدر لَا زلت مبتلىً

حليفاً لهمّ لَازم وهوان)

(غدرت وَكَانَ الْغدر مِنْك سجية

فألزمت قلبِي دَائِم الخفقان)

ص: 378

(وأورثتني غمّاً وكرباً وحسرةً

وأورثت عَيْني دَائِم الهملان)

(فَلَا زلت ذَا شوق إِلَى من هويته

وقلبك مقسوم بِكُل مَكَان)

(وَإِنِّي لأهوى الْحَشْر إِذْ قيل إِنَّنِي

وعفراء يَوْم الْحَشْر ملتقيان)

(أَلا يَا غرابي دمنة الدَّار بيّنا

أَبَا لهجر من عفراء تنتحبان)

(فَإِن كَانَ حَقًا مَا تقولان فاذهبا

بلحمي إِلَى وكريكما فكلاني)

(كلاني أكلا لم ير النَّاس مثله

ولاتهضما جنبيّ وازدرداني)

(أَلا لعن الله الوشاة وَقَوْلهمْ

فُلَانَة أمست خلّة لفُلَان)

(إِذا مَا جلسنا مَجْلِسا نستلذه

تواشوا بِنَا حَتَّى أملّ مَكَاني)

(تكنّفني الواشون من كل جَانب

وَلَو كَانَ واش وَاحِد لكفاني)

(وَلَو كَانَ واش بِالْيَمَامَةِ دَاره

أحاذره من شؤمه لأتاني)

(يكلفني عمي ثَمَانِينَ بكرَة

وَمَا لي والرحمن غير ثَمَان)

(فيا لَيْت محيانا جَمِيعًا وليتنا

إِذا نَحن متْنا ضمّنا كفنان)

(وَيَا لَيْت أنّا الدَّهْر فِي غير رِيبَة

خليّان نرعى القفر مؤتلفان)

(فو الله مَا حدثت سرك صاحباً

أَخا لي وَلَا فاهت بِهِ الشفتان)

(سوى أنني قد قلت يَوْمًا لصاحبي

ضحى وقلوصانا بِنَا تخدان)

(ضحيّا ومسّتنا جنوب ضَعِيفَة

نسيم لريّاها بِنَا خفقان)

ص: 379

(تحملت زفرات الضُّحَى فأطقتها

وَمَا لي بزفرات العشيّ يدان)

(فيا عمّ لَا أسقيت من ذِي قرَابَة

بِلَالًا فقد زلّت بك القدمان)

(ومنيتني عفراء حَتَّى رجوتها

وشاع الَّذِي منّيت كل مَكَان)

(فو الله لَوْلَا حب عفراء مَا التقى

عَليّ رواقا بَيْتك الخلقان)

(رواقان خفاقان لَا خير فيهمَا

إِذا هبّت الْأَرْوَاح يصطفقان))

(وَلم أتبع الأظعان فِي رونق الضُّحَى

ورحلي على نهّاضة الخديان)

(لعفراء إِذْ فِي الدَّهْر وَالنَّاس غرَّة

وَإِذ خلقانا بالصبا يسران)

(لأدنو من بَيْضَاء خفاقة الحشا

بنية ذِي قاذورة شنآن)

(كَأَن وشاحيها إِذا مَا ارتدتهما

وَقَامَت عناناً مهرَة سلسان)

(يعضّ بأبدان لَهَا ملتقاهما

ومثناهما رخوان يضطربان)

(وتحتهما حقفان قد ضربتهما

قطار من الجوزاء ملتبدان)

(أعفراء كم من زفرَة قد أذقتني

وحزن ألجّ الْعين فِي الهملان)

ص: 380

(وعينان مَا أوفيت نشزاً فتنظرا

بمأقيهما إِلَّا هما تكفان)

(فَهَل حَادِيًا عفراءإن خفت فوتهاعليّ إِذا ناديتمرعويان

ضروبان للتالي القطوف إِذا ونى)

(فَمَا لَكمَا من حاديين رميتما

بحميّ وطاعون أَلا تقفان)

(وَمَا لَكمَا من حاديين كسيتما

سرابيل مغلاة من القطران)

(فويلي على عفراء ويلاً كَأَنَّهُ

على الكبد والأحشاء حرّ سِنَان)

قَالَ أَبُو بكر: أَخْبرنِي أبي عَن الطوسيّ قَالَ: أَرَادَ بقوله: ملتقى نعم وألالا شفتيها لِأَن الْكَلِمَتَيْنِ فِي الشفتين تلتقيان. وَرُوِيَ:

(أَلا حبّذا من حب عفراء ملتقى

نعام وبرك حَيْثُ يَلْتَقِيَانِ)

وَقيل: هما موضعان.

(لَو أَن أَشد النَّاس وجدا وَمثله

من الْجِنّ بعد الْإِنْس يَلْتَقِيَانِ)

(فيشتكيان الوجد ثمّت أشتكي

لأضعف وجدي فَوق مَا يجدان)

(فقد تَرَكتنِي مَا أعي لمحدّث

حَدِيثا وَإِن نَاجَيْته ونجاني)

(ة وَقد تركت عفراء قلبِي كَأَنَّهُ

جنَاح غراب دَائِم الخفقان)

ص: 381

وَأنْشد بعده وَهُوَ

الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

(مهامهاً وخروقاً لَا أنيس بهَا

إِلَّا الضوابح والأصداء والبوما)

على ان النصب فِيهِ قَلِيل كَقَوْلِه: لَا أحد فِيهَا إِلَّا زيدا.

وَفِيه أَن الْبَيْت من الِاسْتِثْنَاء المقطع فَإِن الضوابح وَمَا بعده لَيست من جنس الأنيس بِخِلَاف الْمِثَال فَإِنَّهُ اسْتثِْنَاء مُتَّصِل.

وَالْبَيْت قد أنْشدهُ الفرّاء للنصب على الِانْقِطَاع كَمَا نَقله السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ عِنْد الْكَلَام على قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ: لَا يَمُوت لمُؤْمِن ثَلَاثَة من الْأَوْلَاد فتمسّه الناء إِلَّا تَحِلَّة الْقسم قَالَ: الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع كَأَنَّهُ قَالَ: فَتَمَسهُ الناء لَكِن تَحِلَّة الْيَمين أَي: لَكِن وُرُود النَّار لَا بدّ مِنْهُ فَجرى مجْرى قَول الْعَرَب: سَار النَّاس إِلَّا الأثقال وَأنْشد الفرّاء: مهامهاً وخروقاً لَا أنيس بهَا وَهَذَا الْبَيْت آخر أَبْيَات عدتهَا أحد عشر بَيْتا للأسود بن يعفر وَهِي فِي آخر المفضليات:

(قد أصبح الْحَبل من أَسمَاء مصروما

بعد ائتلاف وَحب كَانَ مكتوما)

(واستبدلت محلّة مني وَقد علمت

أَن لن أَبيت بوادي الْخَسْف مذموما)

ص: 382

(عفّ صَلِيب إِذا مَا جلبة أزمت

من خير قَوْمك مَوْجُودا ومعدوما)

(لما رَأَتْ أَن شيب الرَّأْس شامله

بعد الشَّبَاب وَكَانَ الشيب مسؤوما)

(صدّت وَقَالَت: أرى شيباً تفرّعه

إِن الشَّبَاب الَّذِي يَعْلُو الجراثيما)

(كَأَن ريقتها بعد الْكرَى اغتبقت

صرفا تخيرها الحانون خرطوما)

(سلافة الدّن مَرْفُوعا نصائبه

مقلد الفغو وَالريحَان ملثوما)

(وَقد ثوى نصف حول أشهراً جدداً

بِبَاب أفّان يبتار السلاليما)

(وسمحة الْمَشْي شملال قطعت بهَا

أَرضًا يحار بهَا الهادون ديموما)

مهامها وخروقاً لَا أنيس بهَا قَوْله: قد أصبح الْحَبل هُوَ الْوَصْل. والمصروم: الْمَقْطُوع. وَقَوله: واستبدلت خلة الخ الْخلَّة: الْخَلِيل وَهُوَ فِي الأَصْل مصدر وَلِهَذَا يكون للْوَاحِد وَالْجمع والمؤنث. قَالَ الْأَصْمَعِي: الْخَسْف: الذل وَأَصله أَن تبيت الدَّابَّة على غير علف ثمَّ أطلق على من أَقَامَ على ذل.

وَقَوله: عفّ صَلِيب. إِلَى آخِره الصَّلِيب: الْجلد على المصائب الصبور على النوائب. والجلبة)

بِضَم الْجِيم وبالموحدة: الْقَحْط. وَرُوِيَ: إِذا مَا أزمة أزمت والأزمة: الشدَّة وأزمت: اشتدت من بَاب ضرب وأصل الأزم العض بالأسنان يَقُول: أَنا صبور على النوائب فِي الجدب حَيْثُ لَا يقوم أحد بِحَق ينوبه لشدَّة الزَّمَان. والْمَوْجُود: الْحَيّ والمعدوم: الْمَيِّت.

وَقَوله: وَكَانَ الشيب مسؤوماً قَالَ الضَّبِّيّ: مسؤوم: مملول مفعول من سئمته سآمة إِذا مللته.

وَقَوله: أرى شيباً تفرعه قَالَ الضَّبِّيّ: تفرّعه أَي: ثار فِي فروعه وَفرع كل شَيْء: أَعْلَاهُ.

والجرثومة بِالضَّمِّ: أصل الشَّجَرَة تجمع إِلَيْهَا الرِّيَاح

ص: 383

التُّرَاب. يُرِيد: أَن الشَّبَاب يَعْلُو ويرتفع مَا لَا يقدر عَلَيْهِ الشُّيُوخ وَإِنَّمَا هَذَا مثل. وَقَوله: كَأَن ريقتها الخ اغتبقت من الغبوق وَهُوَ شرب العشيّ. وَالصرْف: مَا لم يمزج. والحانون: جمع حَان بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الخمّار. والخرطوم: أول مَا

قَالَ الْأَصْمَعِي: إِنَّمَا خص الغبوق لِأَنَّهُ أقرب من نومها قَالَ: وَإِنَّمَا خص الحانين لأَنهم أبْصر بِالْخمرِ من غَيرهم. وَقَوله: سلافة الدّنّ الخ قَالَ الضّبّي: أَرَادَ بالمرفوع نصائبه الإبريق يُقَلّد الريحان.

ونصائبه: قوائمه. والغفو بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة: ضرب من النبت يكون طيبا وَقد قيل إِنَّه الحنّاء وَهُوَ الفاغية.

وَقَالَ أَحْمد: نصائبه مَا انتصب عَلَيْهِ الدن من أَسْفَله وَهُوَ شَيْء محدد دَقِيق يَجْعَل لَهُ ذَلِك ليرْفَع الدّنّ للريح وَالشَّمْس. بقول: قلّد الريحان وَهَذَا مثل يَقُول من طيب رَائِحَته كَأَنَّهُ قلد الريحان والمسك وَلذَلِك ذكر الغفو يُرِيد ريح الريحان. ويروى: الريحان نصبا وخفضاً.

وَقَوله: وَقد ثوى نصف حول الخ بَاب أفان بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْفَاء: مَوضِع. ويبتار: يختبر ويمتحن. والسلاليم: مَا يتَّصل بِهِ إِلَى حَاجته. وَرُوِيَ: يبْتَاع. وَالْمعْنَى: يصونها فِي مَكَان مُرْتَفع.

وَأنكر أَحْمد مَا قَالَ الضَّبِّيّ فِي الإبريق وَقَالَ: لم يذكر الإبريق بعد وَإِنَّمَا ثوى نصف حول ليَشْتَرِي الْخمر أَي: فَهُوَ يطْلبهَا لم يشترها بعد وَكَيف يَجْعَلهَا فِي الأباريق وَإِنَّمَا هُوَ يبتار: يصعد سلما بعد سلم لِأَنَّهَا وضعت على السطوح لبروز الشَّمْس وَالرِّيح.

وَقَوله: حَتَّى تنَاولهَا الخ قَالَ الضَّبِّيّ الصَّهْبَاء من عِنَب أَبيض والصافية: الْخَالِصَة. والتجار: جمع تَاجر وهم تجار الْخمر. والتراجيم: خدم من خدم

ص: 384

الخمارين وَيُقَال: يُرِيد التراجمة لِأَن وَقَوله: وسمحة الْمَشْي الْوَاو وَاو رب. والسمحة: السهلة. والديموم: القفر الَّتِي لَا مَاء فِيهَا وَلَا علم. والشملال: السريعة.

وَقَوله: مهامهاً. . الخ هُوَ بدل من قَوْله: أَرضًا فِي الْبَيْت السَّابِق. والمهمه: القفر. والأنيس: من)

يؤنس بِهِ وَإِلَيْهِ. والضوابح: جمع ضابح بالضاد الْمُعْجَمَة وبالموحدة والحاء الْمُهْملَة وَهُوَ الثَّعْلَب والضباح بِالضَّمِّ: صَوته. والأصداء: جمع صدى وَهُوَ ذكر البوم. والخروق: جمع خرق

بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَآخره قَاف وَهِي الفلاة الَّتِي تنخرق فِيهَا الرِّيَاح.

وترجمة الْأسود بن يعفر تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: وَلَا أَمر للمعصي إِلَّا مضيعا هَذَا عجز. وصدره: أَمرتكُم أَمْرِي بمنعرج اللوى لما تقدم قبله. وَقَوله: وَقَالَ الْخَلِيل: مضيعاً حَال الخ بِهَذَا يسْقط قَول

ص: 385

الأعلم حَيْثُ قَالَ فِي شرح شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الشَّاهِد فِيهِ نصب مضيع على الْحَال من الْأَمر وَهُوَ حَال من النكرَة وَفِيه ضعف لِأَن أصل الْحَال أَن يكون للمعرفة انْتهى.

وَأَقُول: إِن جعل حَالا من الضَّمِير المستقر فِي قَوْله: للمعصي فَإِنَّهُ خبر لَا النافية فَلَا يرد عَلَيْهِ مَا ذكر.

وَقَالَ النّحاس: وَيجوز أَن يكون حَالا للمضمر التَّقْدِير: إِلَّا أمرا فِي حَال تضييعه فَهُوَ حَال من نكرَة.

أَقُول: هَذَا التَّقْدِير يَقْتَضِي أَن يكون مضيعاً صفة لَا حَالا.

وَقَالَ الأعلم: وَيجوز نَصبه على الِاسْتِثْنَاء وَالتَّقْدِير: إِلَّا أمرا مضيعاً. وَفِيه قبح لوضع الصّفة مَوضِع الْمَوْصُوف.

أَقُول: لَا قبح فَإِن الْمَوْصُوف كثيرا مَا يحذف لقَرِينَة.

ص: 386

وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: الآستثناء مُنْقَطع وَلَو رفع فِي غير هَذَا الْموضع لجَاز بجعله خَبرا للا.

أَقُول: يجب حِينَئِذٍ أَن يُقَال وَلَا أمرا للمعصي بِالتَّنْوِينِ إِلَّا هَذَا مَذْهَب البغداديين.

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للكلحية العريني وَقد شرحناها وَذكرنَا موردها مفصلا وترجمناه فِي)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ

ص: 387

(رَأَيْت النَّاس مَا حاشا قُريْشًا

فَإنَّا نَحن أفضلهم فعالا)

على أَن الْأَخْفَش روى حاشا مَوْصُولَة بِمَا المصدرية.

قَالَ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل: وسيبويه منع من دُخُول مَا على حاشا قَالَ: لَو قلت أَتَوْنِي مَا حاشا زيدا لم يكن كلَاما. وَأَجَازَهُ بَعضهم على قلَّة. . وَأَخْطَأ الْعَيْنِيّ حَيْثُ زعم أَن مَا هُنَا نَافِيَة فَإِن مُرَاد الشَّاعِر تَفْضِيل قومه على مَا عدا قُريْشًا لَا تَفْضِيل قومه على قُرَيْش أَيْضا.

وَقِيَاسه على قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ: أُسَامَة أحب النَّاس إِلَيّ مَا حاشا فَاطِمَة. فِي أَن مَا نَافِيَة كَمَا قَالَ صَاحب الْمُغنِي يردهُ أَنه صرح أَن مَا فِي الْبَيْت مَصْدَرِيَّة فَإِنَّهُ قَالَ: وتوهم ابْن مَالك أَن مَا فِي الحَدِيث مَا المصدرية وحاشا الاستثنائية فاستدل بِهِ على أَنه قد يُقَال قَامَ الْقَوْم مَا حاشا زيدا كَمَا قَالَ

رَأَيْت النَّاس مَا حاشا قُريْشًا. . الْبَيْت انْتهى كَلَام الْمُغنِي.

وَرَأَيْت: من الرُّؤْيَة القلبية تطلب مفعولين وَالثَّانِي هُنَا مَحْذُوف تَقْدِيره دُوننَا أَو الْجُمْلَة هِيَ الْمَفْعُول الثَّانِي وَالْفَاء زَائِدَة كَمَا قَالَ الدحاميني وَزعم: الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شَوَاهِد الْمُغنِي: أَن رَأَيْت من الرَّأْي وَلِهَذَا اكْتفى بمفعول وَاحِد. وَهَذَا لَا معنى لَهُ هُنَا. فَتَأمل.

وَرُوِيَ أَيْضا: فَأَما النَّاس مَا حاشا قُريْشًا فالفاء فِي المصراع الثَّانِي فَاء الْجَواب. والفعال: بِفَتْح الْفَاء قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: هُوَ كل فعل حسن: من حلم أَو سخاء أَو إصْلَاح بَين النَّاس أَو نَحْو ذَلِك. فَإِن كسرت فاؤه صلح لما حسن من الْأَفْعَال وَمَا لم يحسن.

وَهَذَا الْبَيْت قَالَ العييني وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ: إِنَّه للأخطل من قصيدة. وَقد راجعت ديوانه مرَّتَيْنِ وَلم أَجِدهُ فِيهِ وَرَأَيْت فِيهِ أبياتاً على هَذَا الْوَزْن يهجو بهَا جَرِيرًا ويفتخر بقَوْمه فِيهَا وَلَيْسَ فِيهَا هَذَا الْبَيْت وَأول تِلْكَ الأبيات:

(لقد جاريت يَا ابْن أبي جرير

عذوماً لَيْسَ ينظرك المطالا)

وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

(سُبْحَانَهُ ثمَّ سبحاناً نَعُوذ بِهِ

وَقَبلنَا سبح الجودي والجمد)

على أَن سُبْحَانَ الله فِيهِ بِمَعْنى سبحاناً. يُرِيد: أَن سُبْحَانَ غير علم لمجيئه نكرَة كَمَا هُنَا ومعرفاً بِالْإِضَافَة وباللام كَمَا بَينه فِي بَاب الْعلم. وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله.

وأنشده سِيبَوَيْهٍ على أَن تنكيره وتنوينه ضَرُورَة وَالْمَعْرُوف فِيهِ أَن يُضَاف أَو يَجْعَل مُفردا معرفَة كَقَوْلِه: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر

ص: 388

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لورقة بن نَوْفَل قَالَهَا لكفار مَكَّة حِين رَآهُمْ يُعَذبُونَ بِلَالًا على إِسْلَامه وَهِي:

(لقد نصحت لأقوام وَقلت لَهُم:

أَنا النذير فَلَا يغرركم أحد)

(لَا تعبدن إِلَهًا غير خالقكم

فَإِن دعيتم فَقولُوا: دونه حدد)

(سُبْحَانَ ذِي الْعَرْش لَا شَيْء يعادله

رب الْبَريَّة فَرد وَاحِد صَمد)

(سُبْحَانَهُ ثمَّ سبحاناً نَعُوذ بِهِ

وَقَبلنَا سبح الجودي والجمد)

(مسخر كل من تَحت السَّمَاء لَهُ

لَا يَنْبَغِي أَن يناوي ملكه أحد)

(لم تغن عَن هُرْمُز يَوْمًا خزائنه

والخلد قد حاولت عَاد فَمَا خلدوا)

(وَلَا سُلَيْمَان إِذْ دَان الشعوب لَهُ

الْجِنّ وَالْإِنْس تجْرِي بَينهَا الْبرد)

(لَا شَيْء مِمَّا ترى تبقى بشاشته

يبْقى الْإِلَه ويودي المَال وَالْولد)

قَوْله: دونه حدد بِفَتْح الْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ صَاحب الصِّحَاح: دونه حدد أَي: منع.

وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَهُوَ من الْحَد بِمَعْنى الْمَنْع أَي: قُولُوا: نَحن نمْنَع أَنْفُسنَا من عبَادَة إِلَه غير الله. . وَقَوله: نَعُوذ بِهِ أَي: كلما رَأينَا أحدا يعبد غير الله عذنا برحمته وسبّحناه حَتَّى يعصمنا من الضلال وروى الرياشيّ: نعود لَهُ بِالدَّال الْمُهْملَة وَاللَّام أَي: نعاوده مرّة بعد أُخْرَى. والجوديّ: جبل بالموصل وَقيل بالجزيرة كَذَا ورد فِي التَّفْسِير قَالَ

أَبُو عبيد فِي المعجم: رُوِيَ أَن السَّفِينَة اسْتَقَلت بهم فِي الْيَوْم الْعَاشِر من

ص: 389

رَجَب واستقرت على الجودي يَوْم عَاشُورَاء من المحرّم.)

وروى سعيد عَن قَتَادَة أَن الْبَيْت بني من خَمْسَة أجبل: من طور سيناء وطور زيتا ولبنان والجوديّ وحراء. والجمد بِضَم الْجِيم وَالْمِيم وتخفف الْمِيم أَيْضا بِالسُّكُونِ.

قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ جبل تِلْقَاء أسنمة قَالَ نصيب:

(وَعَن شمائلهم أنقاء أسنمة

وَعَن يمينهم الأنقاء والجمد)

وَقَالَ فِي أسنمة: بِفَتْح الْألف وَسُكُون السِّين وَضم النُّون وَكسرهَا مَعًا وَقَالَ عمَارَة بن عقيل: هِيَ أسنمة بِضَم الْهمزَة وَالنُّون وَقَالَ: هِيَ رَملَة أصفل الدهناء على طَرِيق فلج وَأَنت مصعد إِلَى مَكَّة وَهُوَ نقاً محدّد طَوِيل كَأَنَّهُ سَنَام انْتهى.

وَرُوِيَ أَيْضا: وَقبل سبّحه الجوديّ. . الخ بضمّ لَام قبل. . وَقَوله: لَا يَنْبَغِي أَن يناوي الخ أَي: يعادي وناواه: عَادَاهُ وَأَصله الْهَمْز لِأَنَّهُ من النوء وَهُوَ النهوض. وَرُوِيَ: أَن يساوى أَي: لَا يعادله.

وَقَوله: وَلَا سُلَيْمَان إِذْ دَان الخ دَان بِمَعْنى ذلّ وأطاع. والشعوب: جمع شعب بِفَتْح فَسُكُون وَهُوَ مَا تشعّب أَي: تفرّق من قبائل الْعَرَب والعجم وبيّنه هُنَا بقوله: الْجِنّ وَالْإِنْس وَضمير بَينهَا للشعوب. وَالْبرد بِضَمَّتَيْنِ. جمع بريد وَهُوَ الرَّسُول. وَقَوله: ويودي المَال الخ يُقَال أودى الشَّيْء أَي: هلك فَهُوَ مود.

ص: 390

ورقة بن نَوْفَل يعدّ من الصَّحَابَة: وَقد ألّف أَبُو الْحسن برهَان الدَّين إِبْرَاهِيم البقاعيّ الشَّافِعِي تأليفاً فِي إِيمَان ورقة بِالنَّبِيِّ وصحبته لَهُ صلى الله عليه وسلم َ وَلَقَد أَجَاد فِي جمعه وشدد الْإِنْكَار على من أنكر صحبته وَجمع فِيهِ الْأَخْبَار الَّتِي

نقلت عَن ورقة رضي الله عنه بالتصريح بإيمانه بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َ وسروره بنبوته وَالْأَخْبَار الشاهدة لَهُ بِأَنَّهُ فِي الْجنَّة وَمَا نَقله الْعلمَاء من الْأَحَادِيث فِي حَقه وَمَا ذَكرُوهُ فِي كتبهمْ المصنفة فِي أَسمَاء الصَّحَابَة وَسمي تأليفه: بذل النصح والشفقة للتعريف بِصُحْبَة السَّيِّد ورقة وَقَالَ فِي تَرْجَمته: هُوَ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصيّ يجْتَمع مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ فِي جدّ جده.

قَالَ الزبير بن بكار: كَانَ ورقة قد كره عبَادَة الْأَوْثَان وَطلب الدَّين فِي الْآفَاق وَقَرَأَ الْكتب وَكَانَت خَدِيجَة رضي الله عنها تسأله عَن أَمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ فَيَقُول لَهَا: مَا أرَاهُ إِلَّا نَبِي هَذِه المة الَّذِي بشر بِهِ مُوسَى وَعِيسَى.

وَقَالَ ابْن كثير: قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَت خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى ذكرت)

لورقة وَكَانَ ابْن عَمها وَكَانَ نَصْرَانِيّا قد تتبع الْكتب وَعلم من علم النَّاس مَا ذكر لَهَا غلامها يَعْنِي ميسرَة من أَمر الراهب يَعْنِي الَّذِي قَالَ لما نزل مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم َ تَحت شَجَرَة قريبَة من الراهب فِي السفرة الَّتِي سافرها لِخَدِيجَة إِلَى الشَّام: مَا نزل تَحت هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا نَبِي وَمَا كَانَ ميسرَة يرى مِنْهُ إِذْ كَانَ الْملكَانِ يظلانه فَقَالَ ورقة: إِن كَانَ هَذَا حَقًا يَا خَدِيجَة إِن مُحَمَّدًا لنَبِيّ هَذِه الْأمة وَقد عرفت أَنه كَائِن لهَذِهِ الْأمة نَبِي ينْتَظر هَذَا زَمَانه. قَالَ: فَجعل ورقة يستبطئ الْأَمر وَيَقُول: حَتَّى مَتى وَقَالَ فِي ذَلِك:

ص: 391

(لججت وَكنت فِي الذكرى لجوجاً

لهمّ طالما بعث النشيجا)

(وَوصف من خَدِيجَة بعد وصف

فقد طَال انتظاري يَا خديجا)

(بِبَطن المكتين على رجائي

حَدِيثك إِن أرى مِنْهُ خُرُوجًا)

(بِمَا خبرتنا من قَول قسّ

من الرهبان أكره أَن يعوجا)

(بِأَن مُحَمَّدًا سيسود يَوْمًا

ويخصم من يكون لَهُ حجيجا)

(فَيلقى من يحاربه خساراً

ويلقى من يسالمه فلوجا)

(فيا لَيْتَني إِذا مَا كَانَ ذاكم

شهِدت وَكنت أَوَّلهمْ ولوجا)

(أرجّي بِالَّذِي كَرهُوا جَمِيعًا

إِلَى ذِي الْعَرْش إِن سفلوا عروجا)

(وَهل أَمر السفاهة غير كفر

بِمن يخْتَار من سمك البروجا)

(فَإِن يبقوا وأبق تكن أُمُور

يضج الْكَافِرُونَ لَهَا ضَجِيجًا)

(وَإِن أهلك فَكل فَتى سيلقى

من الأقدار متلفة خُرُوجًا)

وَمَات ورقة فِي فَتْرَة الْوَحْي رضي الله عنه قبل نزُول الْفَرَائِض وَالْأَحْكَام.

ص: 392

وَقَالَ الزبير فِي كتاب نسب قُرَيْش: ورقة بن نَوْفَل لم يعقب وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ: لَا تسبوا ورقة فَإِنِّي رَأَيْته فِي ثِيَاب بيض. وَهُوَ الَّذِي يَقُول:

(ارْفَعْ ضعيفك لَا يحر بك ضعفه

يَوْمًا فَتُدْرِكهُ العواقب قد نما)

(يجْزِيك أَو يثني عَلَيْك وَإِن من

أثنى عَلَيْك بِمَا فعلت كمن جزى)

ومرّ ببلال بن رَبَاح رضي الله عنه وَهُوَ يعذب برمضاء مَكَّة فَيَقُول: أحد أحد فَوقف عَلَيْهِ فَقَالَ: أحد أحد وَالله يَا بِلَال ونهاهم عَنهُ فَلم ينْتَهوا فَقَالَ: وَالله لَئِن قَتَلْتُمُوهُ لأتخذنّ قَبره حنانا وَقَالَ:)

الأبيات الَّتِي شرحناها وفيهَا بَيت الشَّاهِد.

وَقد نسب هَذِه الأبيات إِلَى ورقة السُّهيْلي أَيْضا وَكَذَا الْحَافِظ أَبُو الرّبيع الكلاعيّ فِي سيرته.

وَقَالَ السُّهيْلي: قَوْله: حنانا أَي: لأتخذنّ قَبره منسكاً ومترحما والحنان: الرَّحْمَة.

وَقد وَقع بَيت الشَّاهِد فِي كتاب س غير معزوّ إِلَى وَاحِد وَاخْتلف شرّاح شواهده فأكثرهم قَالَ: إِنَّهَا لأمية بن أبي الصَّلْت وَقَالَ بَعضهم: إِنَّهَا لزيد بن عَمْرو بن نفَيْل. وَالصَّوَاب مَا قدمْنَاهُ.

ص: 393

وَحَاصِل مَا ذكره البقاعيّ فِي شَأْن ورقة بن نَوْفَل: أَنه مِمَّن وحّد الله فِي الْجَاهِلِيَّة فَخَالف قُريْشًا وَسَائِر الْعَرَب فِي عبَادَة الْأَوْثَان وَسَائِر أَنْوَاع الْإِشْرَاك وَعرف بعقله الصَّحِيح أَنهم أخطؤوا دين أَبِيهِم إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عليه السلام ووحّد الله تَعَالَى واجتهد فِي تطلب الحنيفية دين إِبْرَاهِيم ليعرف أحب الْوُجُوه إِلَى الله تَعَالَى فِي الْعِبَادَة.

فَلم يكتف بِمَا هداه إِلَيْهِ عقله بل ضرب فِي الأَرْض ليَأْخُذ علمه عَن أهل الْعلم بكتب الله الْمنزلَة من عِنْده الضابطة للأديان فأداه سُؤَاله أهل الذّكر الَّذين أَمر الله بسؤالهم إِلَى أَن اتبع الدَّين الَّذِي أوجبه الله فِي ذَلِك الزَّمَان وَهُوَ النَّاسِخ لشريعة مُوسَى عليه السلام: دين النَّصْرَانِيَّة وَلم يتبعهُم فِي التبديل بل فِي التَّوْحِيد وَصَارَ يبْحَث عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ الَّذِي بشر بِهِ مُوسَى وَعِيسَى عليهما السلام.

فَلَمَّا أخْبرته ابْنة عمّه الصدّيقة الْكُبْرَى خَدِيجَة رضوَان الله عَلَيْهَا بِمَا رَأَتْ وأخبرت بِهِ فِي شَأْن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ من المخايل: بإظلال الْغَمَام وَنَحْوهَا ترجى أَن يكون هُوَ المبشر بِهِ وَقَالَ فِي ذَلِك أشعاراً يتشوق فِيهَا غَايَة التشوق إِلَى إنجاز الْأَمر الْمَوْعُود لينخلع من النَّصْرَانِيَّة إِلَى دينه لِأَنَّهُ كَانَ قَالَ لزيد بن عَمْرو بن نفَيْل لما قَالَ لَهُم الْعلمَاء: إِن أحب الدَّين إِلَى الله دين هَذَا المبشر بِهِ: أَنا أستمر على نصرانيتي إِلَى أَن يَأْتِي هَذَا النَّبِي فَلَمَّا حقق الله الْأَمر وأوقع الإرهاصات: بِالسَّلَامِ من الْأَشْجَار والأحجار على النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ وبمناداة إسْرَافيل عليه السلام للنَّبِي صلى الله عليه وسلم َ مَعَ الاستتار مِنْهُ وَخَافَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ من ذَلِك فَاشْتَدَّ خَوفه فَنقل ذَلِك إِلَى ورقة بن نَوْفَل رضي الله عنه اشْتَدَّ سروره بذلك وثبته وَشد قلبه وشجعه. فَلَمَّا بدا لَهُ الْأَمر بفراغ نوبَة إسْرَافيل وَأَتَاهُ جِبْرِيل عليه السلام وَفعل مَا أمره الله بِهِ: من شقّ صَدره

ص: 394

الشريف وَغسل قلبه وإيداعه الْحِكْمَة وَالرَّحْمَة وَمَا شَاءَ الله وتبدّى لَهُ جِبْرِيل وَأنزل عَلَيْهِ بعض الْقُرْآن وَأخْبرهُ بِهِ قفّ شعر ورقة)

وَسبح الله وقدّسه وَعظم سروره بذلك وَشهد أَنه أَتَاهُ الناموس الْأَكْبَر الَّذِي كَانَ يَأْتِي الْأَنْبِيَاء قبله عليهم السلام وَشهد أَنه الَّذِي أنزل عَلَيْهِ كَلَام الله وَشهد أَنه نَبِي هَذِه الْأمة وَتمنى أَن يعِيش إِلَى أَن يُجَاهد مَعَه. هَذَا مَعَ مَا لَهُ بِالنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام ُ وزوجه الصدّيقة خَدِيجَة وَمن شعره:

(أتبكر أم أَنْت العشية رائح

وَفِي الصَّدْر من إضمارك الْحزن قَادِح)

(لفرقة قوم لَا أحب فراقهم

كَأَنَّك عَنْهُم بعد يَوْمَيْنِ نازح)

(وأخبار صدق خبّرت عَن مُحَمَّد

يخبّرها عَنهُ إِذا غَابَ نَاصح)

(فتاك الَّذِي وجّهت يَا خير حرَّة

بغور وبالنجدين حَيْثُ الصحاصح)

(إِلَى سوق بصرى فِي الركاب الَّتِي غَدَتْ

وهنّ من الْأَحْمَال قعص دوالح)

(يخبّرنا عَن كل حبر بِعِلْمِهِ

وللحق أَبْوَاب لَهُنَّ مفاتح)

(بِأَن ابْن عبد الله أَحْمد مُرْسل

إِلَى كل من ضمت عَلَيْهِ الأباطح)

(وظني بِهِ أَن سَوف يبْعَث صَادِقا

كَمَا أرسل العبدان: هود وَصَالح)

ص: 395

(ومُوسَى وَإِبْرَاهِيم حَتَّى يرى لَهُ

بهاء ومنشور من الذّكر وَاضح)

(ويتبعه حَيا لؤيّ بن غَالب

شبابهم والأشيبون الجحاجح)

(فَإِن أبق حَتَّى يدْرك النَّاس أمره

فَإِنِّي بِهِ مُسْتَبْشِرٍ الودّ فارح)

(وَإِلَّا فَإِنِّي يَا خَدِيجَة فاعلمي

عَن أَرْضك فِي الأَرْض العريضة سائح)

وَمن شعره أَيْضا:

(وَجِبْرِيل يَأْتِيهِ وميكال فاعلمي

من الله وَحي يشْرَح الصَّدْر منزل)

(يفوز بِهِ من فَازَ فِيهَا بتوبة

ويشقى بِهِ العاتي الغرير المضلّل)

(فريقان مِنْهُم فرقة فِي جنانه

وَأُخْرَى بأجواز الْجَحِيم تغلّل)

(فسبحان من تهوى الرِّيَاح بأَمْره

وَمن هُوَ فِي الْأَيَّام مَا شَاءَ يفعل)

(وَمن عَرْشه فَوق السَّمَاوَات كلهَا

وأقضاؤه فِي خلقه لَا تبدّل)

وَمن شعره أَيْضا:

(يَا للرِّجَال وَصرف الدَّهْر وَالْقدر

وَمَا لشَيْء قَضَاهُ الله من غير)

(جَاءَت خَدِيجَة تَدعُونِي لأخبرها

وَمَا لنا بخفي الْغَيْب من خبر))

(جَاءَت لتسألني عَنهُ لأخبرها

أمرا أرَاهُ سَيَأْتِي النَّاس من أخر)

(فخبّرتني بِأَمْر قد سَمِعت بِهِ

فِيمَا مضى ن قديم الدَّهْر وَالْعصر)

(بِأَن أَحْمد يَأْتِيهِ فيخبره

جِبْرِيل أَنَّك مَبْعُوث إِلَى الْبشر)

(فَقلت علّ الَّذِي ترجين يُنجزهُ

لَك الْإِلَه فرجّي الْخَيْر وانتظري)

ص: 396

(وأرسليه إِلَيْنَا كي نسائله

عَن أمره مَا يرى فِي النّوم والسهر)

(فَقَالَ حِين أَتَانَا منطقاً عجبا

يقفّ مِنْهُ أعالي الْجلد وَالشعر)

(ثمَّ اسْتمرّ فكاد الْخَوْف يذعرني

مِمَّا يسلّم مَا حَولي من الشّجر)

(فَقلت: ظَنِّي وَمَا أَدْرِي أيصدقني

أَن سَوف يبْعَث يَتْلُو منزل السُّور)

(وسوف أبليك إِن أعلنت دعوتهم

من الْجِهَاد بِلَا منّ وَلَا كدر)

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر هَذَا عجز وصدره: أَقُول لمّا جَاءَنِي فخره على أَن ترك تَنْوِين سُبْحَانَ لَيْسَ لِأَنَّهُ غير منصرف للعلمية وَزِيَادَة الْألف وَالنُّون بل لأجل بَقَائِهِ على صُورَة الْمُضَاف لما غلب اسْتِعْمَاله مُضَافا وَالْأَصْل سُبْحَانَ الله فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ للضَّرُورَة.

وَهَذَا ردّ على سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه فِي زَعمه أَن سُبْحَانَ علم غبر منصرف. وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى بَقِيَّة الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب الْعلم.

قَالَ الرَّاغِب: قَوْله: سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر تَقْدِيره: سُبْحَانَ عَلْقَمَة على التهكم فَزَاد فِيهِ من ردّاً إِلَى أَصله وَقيل: أَرَادَ سُبْحَانَ الله من أجل عَلْقَمَة فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ اه.

ص: 397

أَقُول: وَالْوَجْه الأول ضَعِيف لُغَة وصناعة: أما الأول فَلِأَن الْعَرَب لَا يستعملونه إِلَّا مُضَافا إِلَى الله وَلم يسمع إِضَافَته إِلَى غَيره وَأما صناعَة فَلِأَن من لَا تزاد فِي الْوَاجِب عِنْد الْبَصرِيين وَسُبْحَان فِي الْبَيْت للتعجب وَمن دَاخِلَة على المتعجب مِنْهُ وَالْأَصْل فِيهِ أَن يسبح الله تَعَالَى)

عِنْد رُؤْيَة العجيب من صنائعه ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل فِي كل متعجب مِنْهُ.

قَالَ بَعضهم: يسْتَلْزم التَّنْزِيه التَّعَجُّب من بعد مَا نزّه عَنهُ من المنزه فَكَأَنَّهُ قيل ماأبعده مِنْهُ فقد يقْصد بِهِ التَّنْزِيه أصلا والتعجب تبعا كَمَا فِي سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ وَقد يقْصد بِهِ التَّعَجُّب وَيجْعَل تنزيهه تَعَالَى ذَرِيعَة لَهُ فيسبح الله عِنْد رُؤْيَة العجيب من صنائعه. ثمَّ كثر حَتَّى اسْتعْمل عِنْد كل تعجب من شَيْء كَمَا فِي: سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم اه. وَالْمعْنَى أعجب من عَلْقَمَة إِذْ فاخر عَامر بن الطُّفَيْل.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأعشى مَيْمُون قبحه الله تَعَالَى هجا بهَا عَلْقَمَة بن علاثة الصَّحَابِيّ رضي الله عنه ومدح ابْن عَمه عَامِرًا الْمَذْكُور لَعنه الله تَعَالَى وغلّبه عَلَيْهِ فِي الْفَخر.

وَسبب هَذِه القصيدة أَن عَلْقَمَة بن علاثة الصَّحَابِيّ نافر ابْن عَمه عَامر بن الطُّفَيْل عَدو الله والمنافرة: المحاكمة فِي الْحسب والشرف فهاب حكام الْعَرَب أَن يحكموا بَينهمَا بِشَيْء كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين ثمَّ أَن الْأَعْشَى مدح الْأسود الْعَنسِي فَأعْطَاهُ خَمْسمِائَة مِثْقَال ذَهَبا وَخَمْسمِائة

ص: 398

حللاً وعنبراً فَخرج فَلَمَّا مرّ بِبِلَاد بني عَامر وهم قوم عَلْقَمَة وعامر خافهم على مَا مَعَه فَأتى عَلْقَمَة بن علاثة فَقَالَ لَهُ: أجرني قَالَ: قد أجرتك من الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ الْأَعْشَى: وَمن الْمَوْت قَالَ: لَا.

فَأتى عَامر بن الطُّفَيْل فَقَالَ لَهُ: أجرني قَالَ: قد أجرتك من الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ الْأَعْشَى: وَمن الْمَوْت قَالَ عَامر: وَمن الْمَوْت أَيْضا قَالَ: وَكَيف تجيرني من الْمَوْت قَالَ: إِن مت فِي جواري بعثت إِلَى أهلك الدِّيَة قَالَ: الْآن علمت أَنَّك قد أجرتني فحرّضه عَامر على تنفيره على عَلْقَمَة فغلّبه عَلَيْهِ بقصائد فَلَمَّا سمع نذر لَيَقْتُلَنهُ إِن ظفر بِهِ فَقَالَ الْأَعْشَى هَذِه القصيدة.

ومطلعها:

(شاقك من قتلة أطلالها

بالشط فالجزع إِلَى حاجر)

(لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها

عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)

(حَتَّى يَقُول النَّاس مِمَّا رَأَوْا

يَا عجبا للْمَيت الناشر)

(دعها فقد أعذرت فِي ذكرهَا

وَاذْكُر خنى عَلْقَمَة الخائر)

(يحلف بِاللَّه: لَئِن جَاءَهُ

عنّي نباً من سامع خابر)

(ليجعلني ضحكة بعْدهَا

خدعت يَا علقم من ناذر))

إِلَى أَن قَالَ:

ص: 399

(إِن الَّذِي فِيهِ تماريتما

بيّن للسامع والناظر)

(مَا جعل الجدّ الظنون الَّذِي

جنّب صوب اللجب الماطر)

(مثل الفراتي إِذا مَا جرى

يقذف بالبوصيّ والماهر)

(أَقُول لمّا جَاءَنِي فخره

سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر)

(علقم لَا تسفه وَلَا تجعلن

عرضك للوارد والصادر)

(وَأول الحكم على وَجهه

لَيْسَ قضائي بالهوى الجائر)

(حكّمتموه فَقضى بَيْنكُم

أَبْلَج مثل الْقَمَر الباهر)

(لَا يَأْخُذ الرِّشْوَة فِي حكمه

وَلَا يُبَالِي غبن الخاسر)

(سدت بني الْأَحْوَص لَا تعدهم

وعامر سَاد بني عَامر)

(قد قلت شعري فَمضى فيكما

فاعترف المنفور للنافر)

وَهِي قصيدة طَوِيلَة: وَمِنْهَا:

وَسَيَأْتِي شَرحه مَعَ أَبْيَات فِي بَاب أفعل التَّفْضِيل.

وَقد نهى النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ عَن رِوَايَة هَذِه القصيدة وَلِهَذَا لم أذكرها كلهَا.

قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي. وعلقمة بن علاثة صحابيّ قدم على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ وَهُوَ شيخ فَأسلم وَبَايع وروى حَدِيثا وَاحِدًا. أخرج

ص: 400

ابْن مَنْدَه وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح قَالَ: حَدثنِي عَلْقَمَة بن علاثة قَالَ: أكلت مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ رؤوساً. وَاسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب على حوران فَمَاتَ بهَا.

وَأخرج أَبُو نعيم والخطيب وَابْن عَسَاكِر عَن مُحَمَّد بن مسلمة قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ وَعِنْده حسان فَقَالَ: يَا حسان أنشدنا من شعر الْجَاهِلِيَّة مَا عَفا الله لنا فِيهِ فأنشده حسان قصيدة الْأَعْشَى فِي عَلْقَمَة بن علاثة:

(علقم مَا أَنْت إِلَى عَامر

الناقض الأوتار والواتر)

فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ: يَا حسان لَا تنشدني مثل هَذَا بعد الْيَوْم فَقَالَ حسان: يَا رَسُول الله مَا يَمْنعنِي من رجل مُشْرك هُوَ عِنْد قَيْصر أَن أذكر هجاء لَهُ فَقَالَ: يَا حسان إِنِّي ذكرت عِنْد قَيْصر وَعِنْده أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وعلقمة بن علاثة فَأَما أَبُو سُفْيَان فَلم يتْرك فيّ)

وَأما عَلْقَمَة فَحسن القَوْل وَإنَّهُ لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس. فَقَالَ حسان: يَا رَسُول الله وَقَالَ وَكِيع فِي الْغرَر عَن الزُّهْرِيّ: قَالَ: رخّص رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ فِي الْأَشْعَار كلهَا إِلَّا هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ: الَّتِي قَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت فِي أهل

بدر:

(مَاذَا ببدر فالعقنقل

من مرازبة جحاجح)

وَالَّتِي قَالَ الْأَعْشَى فِي عَلْقَمَة بن علاثة:

ص: 401

شاقك من قتلة أطلالها.

انْتهى مَا رَوَاهُ السُّيُوطِيّ.

قَالَ شَارِح ديوَان الْأَعْشَى مُحَمَّد بن حبيب وَكَذَلِكَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: إِن عَلْقَمَة بن علاثة لما نذر بِدَم الْأَعْشَى جعل لَهُ على كل طَرِيق رصداً فاتفق أَن الْأَعْشَى خرج يُرِيد وَجها وَمَعَهُ دَلِيل فَأَخْطَأَ بِهِ الطَّرِيق فَأَلْقَاهُ على ديار بني عَامر بن صعصعة فَأَخذه رَهْط عَلْقَمَة بن علاثة فَأتوهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَة: الْحَمد لله الَّذِي أمكنني مِنْك فَقَالَ الْأَعْشَى:

(أعلقم قد صيّرتني الْأُمُور

إِلَيْك وَمَا أَنْت لي منقص)

(فَهَب لي ذُنُوبِي فدتك النُّفُوس

وَلَا زلت تنمو وَلَا تنقص)

فَقَالَ قوم عَلْقَمَة: يَا عَلْقَمَة: اقتله وَأَرِحْنَا مِنْهُ وَالْعرب من شرّ لِسَانه فَقَالَ عَلْقَمَة: إذاّ تَطْلُبُوا بدمه وَلَا يغسل عني مَا قَالَه وَلَا يعرف فضلي عِنْد الْقُدْرَة فَأمر بِهِ فحلّ وثَاقه وَألقى عَلَيْهِ حلَّة وَحمله على نَاقَة وَأحسن عطاءه وَقَالَ: انج حَيْثُ شِئْت وَأخرج مَعَه من بني كلاب من يبلغهُ مأمنه فَقَالَ الْأَعْشَى بعد ذَلِك:

(علقم يَا خير بني عَامر

للضيف والصاحب والزائر)

(والضاحك السن على همّة

والغافر العثرة للعاثر

ص: 402

)

وترجمة عَلْقَمَة بن علاثة تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْعِشْرين وترجمة عَامر بن الطُّفَيْل فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة.

وقتلة: اسْم امْرَأَة. والشط: جَانب النَّهر وَمَوْضِع. والخنى: الْفُحْش. والخاتر: الغادر. وَقَوله: مَا جعل الجدّ الخ مَا نَافِيَة. والجدّ بِضَم الْجِيم: الْبِئْر الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يدرى أفيها مَاء أم لَا.

والصوب: الْمَطَر. واللجب بِفَتْح اللَّام وَكسر الْجِيم: السَّحَاب والفراتي يَعْنِي الْفُرَات الْمَعْرُوف أَو المَاء الْمَعْرُوف. والبوصيّ بِضَم الْمُوَحدَة: ضرب من السفن. والماهر السابح. يُرِيد أَن الْبِئْر الَّتِي)

بهَا مَاء لَيست كالبحر الَّذِي تجْرِي فِيهِ السفن وَغَيرهَا. وَجُمْلَة سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر مقول القَوْل. والفاخر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. والمنفور: الْمَفْضُول. والنافر: الْفَاضِل.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ هَذَا عجز وصدره: وَلَا أرى فَاعِلا فِي النَّاس يُشبههُ على أَن الْمبرد اسْتدلَّ بِهِ على فعلية حاشى بتصرفه.

قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن حاشا

ص: 403

فِي الِاسْتِثْنَاء فعل مَاض وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه اسْتعْمل اسْتِعْمَال الأدوات وَذهب

البصريون إِلَى انه حرف جر وَذهب أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد إِلَى أَنه يكون فعلا وَيكون حرفا. أما الْكُوفِيُّونَ فاحتجوا على فعليته بِالتَّصَرُّفِ كَقَوْل النَّابِغَة:

(وَمَا أحاشي من الأقوام من أحد)

وَبِأَن لَام الْخَفْض تتَعَلَّق بِهِ قَالَ تَعَالَى: حاش لله وحرف الْجَرّ إِنَّمَا يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ لَا بالحرف وَبِأَن الْحَذف يلْحقهُ فَإِنَّهُم قَالُوا فِي حاشا لله: حاش لله. وَاسْتدلَّ البصريون على حرفيته بأنّ لَا يُقَال مَا حاشا زيدا كَمَا يُقَال مَا خلا زيدا وَمَا عدا عمرا وَبِأَن نون الْوِقَايَة لَا تلْحقهُ فَلَا يُقَال حاشاني وَلَو كَانَ فعلا لقيل. وَأَجَابُوا عَن قَول الْكُوفِيّين بِالتَّصَرُّفِ بِأَن أحاشي مَأْخُوذ من لفظ حائى وَلَيْسَ متصرفاً مِنْهُ كَمَا يُقَال: بسمل وَهَلل وحمدل وسبحل وحوقل: إِذا قَالَ بِسم الله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالْحَمْد لله وَسُبْحَان الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَكَذَلِكَ يُقَال: لبّي إِذا وَقَوْلهمْ: إِن لَام الْجَرّ تتَعَلَّق بِهِ قُلْنَا: لَا نسلّم فَإِنَّهَا زَائِدَة لَا تتَعَلَّق بِشَيْء. وَأما قَوْله تَعَالَى: حاش لله فَلَيْسَ لَهُم فِيهِ حجَّة فَإِن حاش فِيهِ لَيست للإستثناء وَإِنَّمَا هِيَ للتنزيه.

وَقَوْلهمْ: لحقه الْحَذف قُلْنَا: جَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن الأَصْل حاش لله وَالْألف فِي حاشا حدثت زيادتها وَالثَّانِي أَن الْحَرْف يدْخلهُ الْحَذف كثيرا كربّ وَإِن يلحقهما التَّخْفِيف وكقولك: سَوْ أفعل فِي سَوف أفعل وَيُقَال: فِيهِ سف أفعل أَيْضا اه كَلَامه مُخْتَصرا.

ص: 404

وَبِهَذَا وبكلام الشَّارِح الْمُحَقق يرد على ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَوْله أَن أحد أوجه حاشا أَن تكون فعلا مُتَعَدِّيا متصرفاً تَقول: حَاشِيَته بِمَعْنى استثنيته وَدَلِيل تصرّفه قَوْله:)

وَلَا أحاشي من الأقوام من أحد وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للنابغة الذبياني مدح بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة وَقد تقدم شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد التَّاسِع والثمانين بعد الْمِائَة.

وَقَبله:

(فَتلك تبلغني النُّعْمَان إِن لَهُ

فضلا على النَّاس فِي الْأَدْنَى وَفِي الْبعد)

(وَلَا أرى فَاعِلا فِي النَّاس يُشبههُ

وَلَا أحاشي من الأقوام من أحد)

(إِلَّا سُلَيْمَان إِذْ قَالَ الْإِلَه لَهُ

قُم فِي الْبَريَّة فاحددها عَن الفند)

وَقَوله: فَتلك تبلغني الْإِشَارَة إِلَى النَّاقة الَّتِي وصفهَا فِي أَبْيَات شرحت هُنَاكَ. وَقَوله: وَلَا أحاشي أَي: لَا أستثني أحدا مِمَّن يفعل الْخَيْر فَأَقُول حاشا فلَان. وَمن زَائِدَة وَأحد مفعول

وَقَوله: إِلَّا سُلَيْمَان هَذَا اسْتثِْنَاء من قَوْله: من أحد أَو بدل من مَوضِع أحد وَالْمرَاد بِهِ سُلَيْمَان بن دَاوُد عليهما السلام وَإِذ تعليلية. وَقَوله: إِذْ قَالَ الْإِلَه لَهُ الخ يُرِيد لكَونه نَبيا إِذْ الْخطاب إِنَّمَا يكون مَعَ الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا خص بِالذكر من الْأَنْبِيَاء سُلَيْمَان لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ الْملك مَعَ النُّبُوَّة. يُرِيد: لَا يُشبههُ أحد مِمَّن أُوتِيَ الْملك إِلَّا سُلَيْمَان النَّبِي.

وَقَوله: فاحددها أَي: امْنَعْ الْبَريَّة والحدّ: الْمَنْع وَرجل مَحْدُود: مَمْنُوع والحداد: السجان لِأَنَّهُ يمْنَع. والفند بِفَتْح الْفَاء وَالنُّون: خطأ الرَّأْي والصنيع وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الفند: الظُّلم.

ص: 405

وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:

لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت هَذَا صدر الْبَيْت وأنشده بِتَمَامِهِ فِي بَاب الظروف وَتَمَامه: على أَن غير إِذا أضيفت إِلَى إِن أَو أَن الْمُشَدّدَة فَلَا خلاف فِي جَوَاز بنائها على الْفَتْح. . فَإِن قلت: أَن حرف والحرف لَا يُضَاف إِلَيْهِ قلت: قَالَ ابْن هِشَام فِي حَوَاشِي الألفية: إِنَّهُم جعلُوا مَا يلاقي الْمُضَاف من الْمُضَاف إِلَيْهِ كَأَنَّهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ وَنَظِيره تَعْلِيل الزَّمَخْشَرِيّ الْبناء فِي يَوْم لَا تملك بِإِضَافَة يَوْم إِلَى لَا والحروف مَبْنِيَّة مَعَ علمنَا بِأَن أحدا لَا يتخيل الْإِضَافَة إِلَى الْحَرْف.

وَجعل بَعضهم الْمُضَاف إِلَيْهِ مَجْمُوع أَن نطقت حمامة أَي: جُمْلَتهَا.

قَالَ الدماميني فِي شرح الْمُغنِي المزج: سَأَلَ بعض النَّاس كَيفَ أضيفت غير لمبني مَعَ ان هَذَا الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي تَقْدِير مُعرب

ص: 406

وَهُوَ النُّطْق فَلم تضف فِي الْحَقِيقَة إِلَّا لمعرب فَقلت: المعرب إِنَّمَا هُوَ الِاسْم الَّذِي يؤول بِهِ وَأما الْحَرْف المصدري وصلته فمبني أَلا تراهم يَقُولُونَ: الْمَجْمُوع فِي مَوضِع كَذَا

إِلَى آخر مَا بيّنه. وَظَاهره جَوَاز بِنَاء غير عِنْد إضافتها إِلَى أحد اللَّفْظَيْنِ من المبنيات لَا غير. وَقد عمّم سِيبَوَيْهٍ وَغَيره فِي إضافتها إِلَى كل مَبْنِيّ قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي غير أَنه يجوز بناؤها على الْفَتْح إِذا أضيفت لمبني كَقَوْلِه: لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت وَقَوله:

(لذ بقيس حِين يَأْبَى غَيره

تلفه بحراً مفيضاً خَيره)

وَذَلِكَ فِي الْبَيْت الأول أقوى لِأَنَّهُ انْضَمَّ إِلَى الْإِبْهَام وَالْإِضَافَة لمبني تضمن غير

معنى إِلَّا وَقَالَ فِي الْأُمُور الَّتِي يكتسبها الِاسْم بِالْإِضَافَة من الْبَاب الرَّابِع: إِن الْبناء يكون فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب: أَحدهَا: أَن يكون الْمُضَاف مُبْهما كَغَيْر وَمثل وَدون. الثَّانِي: ان يكون الْمُضَاف زَمَانا مُبْهما والمضاف إِلَيْهِ إِذْ نَحْو وَمن خزي يَوْمئِذٍ. الثَّالِث: أَن يكون الْمُضَاف زَمَانا مُبْهما والمضاف إِلَيْهِ فعل مَبْنِيّ سَوَاء كَانَ الْبناء أَصْلِيًّا كَقَوْلِه: على حِين عاتبت المشيب أَو عارضاً كَقَوْلِه:)

على حِين يستصبين وَكَذَلِكَ يجوز الْبناء إِذا كَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ فعلا معرباً أَو جملَة إسمية على الصَّحِيح اه.

وَقد بَين الشَّارِح الْمُحَقق عِلّة الْبناء فِي الظروف وَفِي الْإِضَافَة.

وَقد ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى جَوَاز بِنَاء غير فِي كل مَوضِع يحسن فِيهِ إِلَّا سَوَاء أضيفت إِلَى مُتَمَكن أَو غير مُتَمَكن. وَقد بسط الْكَلَام ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف على مَذْهَبهم وَذكر مَا ردّ بِهِ البصريون عَلَيْهِم مفصلا وَمن أحب الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فَلْينْظر هُنَاكَ.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت. وَقَبله:

(تعطيك مشياً وإرقالاً ودأدأة

إِذا تسربلت الآكام بالآل)

(تردي الإكام إِذا صرّت جنادبها

مِنْهَا بصلب وقاح الْبَطن عمّال)

لم يمْنَع الشّرْب مِنْهَا غير أَن نطقت قَوْله: ارعويت أَي: رجعت. والوجناء: النَّاقة الشَّدِيدَة وَقيل الْعَظِيمَة الوجنتين. والشملال بِالْكَسْرِ: الْخَفِيفَة السريعة. وَضمير فِيهَا للدَّار. يُرِيد: أَنه طَال وُقُوفه على دَار حبيبته وَلَيْسَ فِيهَا أحد. والإرقال: مصدر أرقلت النَّاقة: إِذا أسرعت وَكَذَلِكَ الدأدأة مصدر دأدأت بِمَعْنَاهُ وهما نوع من الْعَدو.

وَقَوله: إِذا تسربلت الخ الظّرْف مُتَعَلق بقوله تعطيك يُرِيد: وَقت اشتداد الْحر فِي الظهيرة لِأَن الآكام وَهِي الْجبَال إِنَّمَا تتسربل بالآل وَهُوَ السراب عِنْد الظهيرة. والسربال: الْقَمِيص وتسربل أَي: لبس سربالاً والآكام فَاعله وَهُوَ جمع أكم بِضَمَّتَيْنِ كأعناق جمع عنق وَهُوَ جمع إكام بِالْكَسْرِ مثل كتب جمع كتاب والإكام أَيْضا جمع أكم بِفتْحَتَيْنِ مثل جبال جمع جبل وأكم أَيْضا جمع أكمة بِفَتَحَات. يَقُول:

ص: 408

إِنَّهَا نشيطة فِي الْعَدو وَقت الهاجرة.

وَقَوله: تردي الإكام الخ من ردى الْفرس بِالْفَتْح يردي ردياً وردياناً: إِذا رجم الأَرْض رجماً بَين الْعَدو وَالْمَشْي الشَّديد. والإكام بِالْكَسْرِ: جمع أكم بِفتْحَتَيْنِ كَمَا تقدم والأكمة: الْجَبَل الصَّغِير.

وَإِذا مُتَعَلق بقوله تردي. وصرّت: صوتت. وَالْجَنَادِب: جمع جُنْدُب وَهُوَ نوع من الْجَرَاد يصوّت عِنْد اشتداد الهاجرة.

وَقَوله: بصلب أَي: بخفّ صلب سديد. والوقاح بِالْفَتْح هُوَ الصلب وَمِنْه الوقاحة لصلابة الْوَجْه. يُرِيد: ان خفها ظَهره وبطنه صلب. وعمال بِالْفَتْح مُبَالغَة عَامل وَهُوَ المطبوع على)

الْعَمَل.

وَقَوله: لم يمْنَع الشّرْب مِنْهُ

الخ ضمير مِنْهَا رَاجع للوجناء وَالشرب مفعول يمْنَع وَغير فَاعله لكنه بني على الْفَتْح جَوَازًا لِإِضَافَتِهِ إِلَى مَبْنِيّ. وَرُوِيَ الرّفْع أَيْضا. ونطقت: صوتت وصدحت عبر عَنهُ بالنطق مجَازًا. وفيّ: بِمَعْنى على. وَذَات بِالْجَرِّ صفة لغصون لَا بِالرَّفْع صفة لحمامة كَمَا وهم ابْن الْمُسْتَوْفى فِي شرح شَوَاهِد الْمفصل. والأوقال: جمع وَقل بِفَتْح

الْوَاو وَسُكُون الْقَاف قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: قَالَ أَبُو عبد الله الزبير بن بكار: الْمقل إِذا كَانَ رطبا لم يدْرك فَهُوَ البهش فَإِذا يبس فَهُوَ الوقل والدوم: شجر الْمقل. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت اه.

وَبِهَذَا التَّفْسِير قد أصَاب المحزّ وطبّق الْمفصل وَبِه يضمحل التعسف الَّذِي ارْتَكَبهُ شرَّاح الشواهد. قَالَ ابْن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق: يُرِيد لم يمْنَعهَا أَن تشرب إِلَّا أَنَّهَا صوتت حمامة فنفرت. يُرِيد: أَنَّهَا حَدِيدَة النَّفس يخامرها فزع وذعر لحدة نَفسهَا. وَذَلِكَ وَأَبُو قيس بن الأسلت قَالَ صَاحب الأغاني: لم يَقع إليّ اسْمه.

ص: 409

والأسلت لقب أَبِيه واسْمه عَامر بن جشم بن وَائِل بن زيد بن قيس بن عمَارَة بن مرّة بن مَالك بن الْأَوْس. . وَهُوَ شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة. وَكَانَت الْأَوْس قد أسندت إِلَيْهِ حربها يَوْم بُعَاث وَجَعَلته رَئِيسا عَلَيْهَا فَكفى وساد.

وَأسلم عقبَة بن أبي قيس وَاسْتشْهدَ يَوْم الْقَادِسِيَّة. وَكَانَ يزِيد بن مرداس السّلمِيّ قتل قيس بن أبي قيس فِي بعض حروبهم فَطَلَبه بثأره هَارُون بن النُّعْمَان بن الأسلت حَتَّى تمكّن من يزِيد بن مرداس فَقتله بقيس وَهُوَ ابْن عَمه ولقيس يَقُول أَبوهُ أَبُو قيس بن الأسلت:

(أَقيس إِن هَلَكت وانت حيّ

فَلَا تعدم مُوَاصلَة الْفَقِير)

وَقَالَ هِشَام بن الْكَلْبِيّ: كَانَت الْأَوْس قد أسندوا أَمرهم فِي يَوْم بُعَاث إِلَى أبي قيس بن الأسلت فَقَامَ فِي حربهم وآثرها على كل أَمر حَتَّى شحب وَتغَير ولبث أشهراً لَا يقرب امْرَأَته ثمَّ إِنَّه جَاءَ لَيْلَة فدقّ على امْرَأَته ففتحت لَهُ فَأَهوى إِلَيْهَا

بِيَدِهِ فَدَفَعته وأنكرته فَقَالَ: أَنا أَبُو قيس فَقَالَت: وَالله مَا عرفتك حَتَّى تَكَلَّمت فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو قيس القصيدة الَّتِي أَولهَا:

(قَالَت وَلم تقصد لقيل الخنى

مهلا فقد أبلغت أسماعي)

(استنكرت لوناً لَهُ شاحباً

وَالْحَرب غول ذَات أوجاع)

ص: 410

(من يذقْ الْحَرْب يجد طعمها

مرّاً وتتركه بجعجاع)

(أسعى على جلّ بني مَالك

كل امْرِئ فِي شَأْنه ساعي))

(لَا نألم الْقَتْل ونجزي بِهِ ال

أَعدَاء كيل الصَّاع بالصاع)

اه. كَلَام الأغاني.

وَقَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: أَبُو قيس بن الأسلت اسْمه صيفيّ وَقيل: الْحَارِث وَقيل: عبد الله وَقيل: صرمة وَقيل غير ذَلِك. . وَاخْتلف فِي إِسْلَامه. فَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي تَرْجَمَة وَلَده عقبَة بن أبي قيس: كَانَ أَبُو قيس يحض قومه على الْإِسْلَام وَذَلِكَ بعد أَن اجْتمع بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َ وَسمع كَلَامه.

وَكَانَ يتألّه فِي الْجَاهِلِيَّة وَيَدعِي الحنيفية وَكَانَ يَقُول: لَيْسَ أحد على دين إِبْرَاهِيم إِلَّا أَنا وَزيد بن عَمْرو بن نفَيْل. وَكَانَ يذكر صفة النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ وَأَنه يُهَاجر إِلَى يثرب. وَشهد وقْعَة بُعَاث وَهُوَ يَوْم لِلْأَوْسِ على الْخَزْرَج وَكَانَت قبل الْهِجْرَة بِخمْس سِنِين.

وَزَعَمُوا أَنه لما حَضَره الْمَوْت أرسل إِلَيْهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ يَقُول لَهُ: قل لَا إِلَه إِلَّا الله أشفع لَك بهَا فَسمع يَقُول ذَلِك وَقيل: قَالَ: وَالله لَا أسلم إِلَى سنة فَمَاتَ قبل الْحول على رَأس عشرَة أشهر من الْهِجْرَة بشهرين. وَقد جَاءَ عَن ابْن إِسْحَق: أَنه هرب إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا مَعَ قُرَيْش إِلَى عَام الْفَتْح اه. بِاخْتِصَار.

ص: 411

روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى الْمبرد قَالَ: قَالَ لي صَالح بن حسان: أَنْشدني بَيْتا خفراً فِي امْرَأَة خفرة شريفة فَقُلْنَا: قَول حَاتِم:

(يضيء لَهَا الْبَيْت الظليل خصاصه

إِذا هِيَ يَوْمًا حاولت أَن تبسما)

فَقَالَ: هَذِه من الْأَصْنَام أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا: قَول الْأَعْشَى:

(كَأَن مشيتهَا من بَيت جارتها

مرّ السحابة: لَا ريث وَلَا عجل)

فَقَالَ: هَذِه خرّاجة ولاجة قُلْنَا: بَيت ذِي الرمة:

(تنوء بأخراها فلأياً قِيَامهَا

وتمشي الهوينى من قريب فتبهر)

فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِمَّا أردْت إِنَّمَا وصف هَذِه بالسمن وَثقل الْبدن فَقُلْنَا: مَا عندنَا شَيْء.

فَقَالَ: قَول أبي قيس بن الأسلت:

(ويكرمها جاراتها فيزرنها

وتعتلّ عَن إتيانهن فَتعذر)

(وَلَيْسَ لَهَا أَن تستهين بجارة

وَلكنهَا منهنّ تحيا وتخفر)

ثمَّ قَالَ: أنشدوني أحسن بَيت وصفت بِهِ الثريا: قُلْنَا: بَيت ابْن الزبير الأسديّ:)

(وَقد لَاحَ فِي الْغَوْر الثريا كَأَنَّمَا

بِهِ راية بَيْضَاء تخفق لِلطَّعْنِ)

قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا: بَيت امْرِئ الْقَيْس: قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا قُلْنَا: بَين ابْن الطثرية

ص: 412