الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ذكر بِنَاء الْمدرسَة الأشرفية المنسوبة لملك الْعَصْر مَوْلَانَا السُّلْطَان)
(الْملك الْأَشْرَف ابي النَّصْر قايتباي نَصره الله تَعَالَى) قد تقدم ان الْأَمِير حسن الظَّاهِرِيّ كَانَ قد بنى الْمدرسَة الْقَدِيمَة للْملك الظَّاهِر خشقدم ثمَّ بعد وَفَاته سَأَلَ السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف فِي قبُولهَا فقبلها مِنْهُ ونسبت اليه ورتب لَهَا شَيخا وصوفية وفقهاء وَصرف لَهُم المعاليم ثمَّ حضر السُّلْطَان الى الْقُدس الشريف فِي سنة ثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة فَلم تعجبه فَلَمَّا كَانَ فِي سنة ارْبَعْ وَثَمَانِينَ توجه القَاضِي أَبُو البقا بن الجيعان من الْقَاهِرَة الى دمشق لضبط تَرِكَة ملك الْأُمَرَاء جاني بيك قلقيس نَائِب دمشق وَدخل الى بَيت الْمُقَدّس فِي يَوْم الاربعاء ثَالِث ربيع الآخر وصحبته خاصكي لهدم الْمدرسَة الْمشَار اليها وتوسيعها بِمَا يُضَاف اليها من الْعِمَارَة وسافر القَاضِي ابو البقا فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي يَوْم دُخُوله وَلم تهدم فِي ذَلِك التَّارِيخ فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم الاحد رَابِع عشري شعْبَان سنة خمس وَثَمَانِينَ كَانَ الِابْتِدَاء فِي حفر الاساس لعمارة الْمدرسَة وَهدم الْبناء الْقَدِيم الَّذِي على رواق الْمَسْجِد وَشرع المهندسون فِي الْعَمَل فَبنى الْمجمع السفلي الملاصق لرواق الْمَسْجِد من جِهَة الشرق ثمَّ توجه الشَّيْخ شهَاب الدّين العميري الى الديار المصرية بِسَبَب عمَارَة الْمدرسَة ليحرض السُّلْطَان على الِاجْتِهَاد فِي أمرهَا والاسراع فِي عمارتها وفيهَا اسْتَقر الامير شهَاب الدّين أَحْمد بن مبارك شاه فِي نِيَابَة الْقُدس الشريف عوضا عَن الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن أَيُّوب وَدخل متسلمه الى الْقُدس الشريف فِي تَاسِع عشر ذِي الْقعدَة ثمَّ دخل هُوَ الى الْقُدس فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة وصحبته جمع كَبِير من الْعَرَب والعشير وَكَانَ يَوْمًا مشهودا وَقُرِئَ توقيعه يَوْم الْجُمُعَة وَغَضب السُّلْطَان على الْأَمِير نَاصِر الدّين بن أَيُّوب وَقبض عَلَيْهِ وامتحنه
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر الْمحرم دخل قَاضِي الْقُضَاة محيي الدّين أَبُو الْفضل عبد الْقَادِر بن جِبْرِيل الْغَزِّي الشَّافِعِي الى الْقُدس الشريف مُتَوَلِّيًا قَضَاء الشَّافِعِيَّة بالقدس والرملة ونابلس عوضا عَن القَاضِي فتح الدّين ابْن الاسيل بعد شغوره عَنهُ لغيبته من شهر رَمَضَان سنة ارْبَعْ وَثَمَانِينَ وَكَانَت ولَايَة القَاضِي محيي الدّين من اواخر سنة خمس وَثَمَانِينَ وَقُرِئَ توقيعه فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي يَوْم دُخُوله وفيهَا سير السُّلْطَان الى الْقُدس الشريف من الْقَاهِرَة جمَاعَة من المعمارية والمهندسين والحجارين لعمارة مدرسته فَحَضَرَ مَعَهم شخص نَصْرَانِيّ من المهندسين بِالْقَاهِرَةِ لَهُ حذق فِي الهندسة فَلَمَّا رأى الْمجمع السفلي الْمَبْنِيّ بِالْمَسْجِدِ بلصق الرواق لم يُعجبهُ فقصد هَدمه بِكَمَالِهِ ثمَّ اقْتضى الْحَال هدم بعضه من الْقبْلَة فهدم وَهدم ايضا ثَلَاث قناطر من الرواق مِمَّا هُوَ ملاصق للباب المتوصل مِنْهُ الى المنارة واجتهد المنهدسون والصناع من المصرين فِي الْعِمَارَة وَكَانَ المتولى لذَلِك القَاضِي فَخر الدّين بن نسيبة الخزرجي وفيهَا فِي يَوْم الاربعاء ثامن عشر صفر ورد الى الْقُدس قَاصد سُلْطَان الْحَبَشَة - وَكَانَ زمن عيد النَّصَارَى الْمُسَمّى بسبت النُّور - وعَلى يَده مرسوم شرِيف بِأَن يُمكن جَمِيع النَّصَارَى من الدُّخُول الى قمامة فَمَنعه المباشرون وخازندار نَائِب الشَّام الْأَمِير قجماس وسمحوا لَهُ بِالدُّخُولِ هُوَ وجماعته فَامْتنعَ من ذَلِك ثمَّ سلموه مَفَاتِيح قمامة وَدخل هُوَ وَجَمِيع طوائف النَّصَارَى بِغَيْر كلفة وَلَا بذل وفيهَا فِي يَوْم السبت رَابِع عشر رَجَب دخل الى الْقُدس السُّلْطَان جم بن مُحَمَّد بن عُثْمَان ملك الرّوم وَدخل فِي خدمته نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السلطنة والجم الْغَفِير وفيهَا فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشري شعْبَان حضر الى الْقُدس نَائِب غَزَّة برسباي وخليل بن اسماعيل شيخ جبل نابلس ومعهما خاصكي العزب وكبسهم وَانْصَرفُوا من غير شَيْء
وفيهَا توجه الْخَطِيب محب الدّين بن جمَاعَة الى الْقَاهِرَة للسعي فِيمَا كَانَ بِيَدِهِ من مشيخة الخانقاه الصلاحية وَنصف خطابة الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف وَحضر إِلَى الْقَاهِرَة الشَّيْخ جمال الدّين بن غَانِم شيخ حرم الْقُدس الشريف والخطيب فتح الدّين أَبُو الحزم القرقشندي واتصل الامر بالسلطان واركان الدولة وَحصل بَينهم تشاجر وتنازع وَطَالَ الْخِصَام بَينهم وَكَانُوا بِالْقَاهِرَةِ فِي شهر رَجَب وَآخر الامر وَقع الصُّلْح بَينهم بِأَن يكون الْخَطِيب محب الدّين بن جمَاعَة بِيَدِهِ نصف مشيخة الخانقاه الصلاحية على عَادَته بمشاركة شيخ الْحرم بِالنِّصْفِ الْبَاقِي وَأَن يكون نصف الخطابة الْمُتَنَازع فِيهِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بيد الْخَطِيب ابي الحزم القرقشندي مُشْتَركا بَين الْخَطِيب محب الدّين بن جمَاعَة والخطيب ابي الحزم القرقشندي لكل مِنْهُمَا الرّبع وَحصل الرِّضَا على ذَلِك وتصادقوا عَلَيْهِ وَكتب لكل مِنْهُم توقيع شرِيف بِمَا اسْتَقر فِيهِ من ذَلِك وعادوا الى أوطانهم وفيهَا حضر الى الْقُدس الشريف الْأَمِير قانصوه اليحياوي نَائِب الشَّام بعد ان عَاد من الْأسر بِبِلَاد الْعَجم فَإِنَّهُ كَانَ قبض عَلَيْهِ بيندور باش عَسْكَر يَعْقُوب بك ابْن حيدر بك لما توجه للتجريدة مَعَ يشبك الدوادار الْكَبِير وَأطلق من الْأسر وَحضر صُحْبَة الامير ازبك امير كَبِير فَلَمَّا وصل الى الرملة ورد مرسوم السُّلْطَان بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وتجهيزه الى الْقُدس الشريف فَحَضَرَ الى الْقُدس فِي شهر شَوَّال وَأقَام بِالْمَدْرَسَةِ الخاتونية وفيهَا فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشري ذِي الْحجَّة ثار جمَاعَة من مَشَايِخ الْفُقَرَاء بمساعدة شيخ الصلاحية على نَائِب الْقُدس احْمَد بن مبارك شاه بِسَبَب جمَاعَة قبض عَلَيْهِم ليجهزهم الى خَلِيل بن اسماعيل شيخ جبل نابلس وحملوا عَلَيْهِ الاعلام وخلصوا مِنْهُ الْجَمَاعَة الَّذين قبض عَلَيْهِم ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وفيهَا تكاملت عمَارَة الْمدرسَة الاشرفية الَّتِي انشأها مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الشريف بجوار بَاب
السلسة وَصَارَت قَائِمَة الْبناء وَكَانَ الْفَرَاغ من بنائها فِي شهر رَجَب الْفَرد وَشرع المرخمون فِي عمل الرخام بهَا الى ان انْتَهَت عمارتها (صفة الْمدرسَة الأشرفية) قد تقدم ذكر بِنَاء الْمدرسَة الْقَدِيمَة وَتقدم ذكر اوصافها الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا أَولا وبروز أَمر السُّلْطَان بهدمها وبنائها وتجهيز الصناع من الْقَاهِرَة لعمارتها وَمَا وَقع فِي ذَلِك من الاهتمام الى ان صَارَت قَائِمَة الْبناء وتكامل الرخام بهَا وَركبت الابواب الْخشب وَصَارَت تشْتَمل على الاوصاف الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا الْآن من الْبناء السفلي والعلوي فالسفلي مِنْهَا هُوَ الْمجمع الملاصق لرواق الْمَسْجِد من جِهَة الشرق الْمُقَابل لثلاث قناطر من الرواق وَلِهَذَا الْمجمع بَابَانِ الاول مِنْهُمَا من جِهَة الشمَال وبجواره شباك مطل على الرواق الَّذِي هُوَ سفل الْمدرسَة العثمانية وَالْبَاب الثَّانِي من جِهَة الشرق والى جَانِبه شباكان عَن يَمِينه وشماله وبصدر الْمجمع محراب مِمَّا يَلِي الغرب وشباك مطل الى الْقبْلَة مِمَّا يَلِي الشرق وبلصق هَذَا الْمجمع من جِهَة الْقبْلَة دركاه محكة السناء بصدرها من جِهَة الغرب الْبَاب المتوصل مِنْهُ الى الْمدرسَة العلوية وَيدخل من هَذَا الْبَاب الى دركاه ثَانِيَة مفروشة بالرخام بهَا عَن يمنة الدَّاخِل خلة صَغِيرَة وبصدر الدركاه مسطبة مرخمة وَعَن يسرة الدَّاخِل بَاب يصعد مِنْهُ الى سلم متسع الْبناء يتَوَصَّل مِنْهُ الى الْمدرسَة العلوية والى مَنَارَة بَاب السَّلَام ويمتد انْتِهَاء السّلم بَاب يدْخل مِنْهُ الى سا حة سَمَاوِيَّة مفروشة الارض بالبلاط الابيض وبصدر هَذِه الساحة من جِهَة الشمَال بَاب مربع يدْخل مِنْهُ الى دركاه لَطِيفَة بهَا عَن يمنة الدَّاخِل دهليز يتَوَصَّل مِنْهُ الى الْمدرسَة الراكبة ظهر الْمجمع اسلفي - المنبه عَلَيْهِ اولا - وَهَذِه الْمدرسَة العلوية تشْتَمل على أَرْبَعَة أواوين متقابلة القبلي مِنْهَا وَهُوَ الْأَكْبَر بصدره محراب وبجانب الْمِحْرَاب من جِهَة الشرق شباكان مطلان على الْمَسْجِد
الشريف وَمن جِهَة الغرب شباكان مطلان على السّلم المتوصل مِنْهُ الى الْمدرسَة وبالايوان الْمَذْكُور من جِهَة الشرق ثَلَاثَة شبابيك مطلة على الْمَسْجِد الى جِهَة صحن الصَّخْرَة الشَّرِيفَة ويقابلها ثَلَاث شبابيك على صحن الْمدرسَة والايوان الشمالي بِهِ شباكان مطلان على الْمَسْجِد الشريف من جِهَة الشمَال وشباكان من جِهَة الشرق والايوان الشَّرْقِي وَهُوَ الطارمة بِهِ ثَلَاث قناطر على عمودين من الرخام وعلوها قمريات من الزّجاج والافرنجي فِي غَايَة الْبَهْجَة والاتقان ويقابله الايوان الغربي وَبِه شباك مطل على صحن الْمدرسَة مفروش ارْض جَمِيع ذَلِك بالرخام الملون وحيطان ذَلِك مستدير عَلَيْهَا الرخام والسقف على جَمِيع ذَلِك من الْخشب المدهون بورق الذَّهَب واللازورد وَهُوَ فِي غَايَة الاحكام والاتقان والارتفاع وبجوار الايوان الشمالي بَيت مَعْقُود يدْخل اليه من الدركاه - الْمُتَقَدّم ذكرهَا - بَاب عَن يسرة الدَّاخِل وَهُوَ مفروش الارض بالرخام الملون وحيطانه مستدير عَلَيْهَا الرخام بِهِ شباكان مطلان على الايوان الشمالي من الْمدرسَة وعَلى ظَاهر هَذَا الْبَيْت طبقَة لَطِيفَة بهَا شباك مطل على دَاخل الْمدرسَة وشباك مطل على الساحة السماوية وبالساحة الْمَذْكُورَة - وَهِي السماوية - بَاب يدْخل مِنْهُ الى سا حة اخرى بهَا الخلاوي المعقودة والمتوضأ وَالْمَنَافِع مركب جَمِيع ذَلِك على الايوانين القبلي والشرقي وَغَيرهمَا من الْمدرسَة البلدية وبالمدرسة الْمشَار اليها من آلَات الْبسط والقناديل مَا هُوَ فِي غَايَة الْحسن مِمَّا لَا يُوجد فِي غَيرهَا وعَلى ظَاهرهَا الرصاص الْمُحكم كظاهر الْمَسْجِد الاقصى الشريف وَمن أعظم محاسنها كَونهَا فِي هَذِه الْبقْعَة الشَّرِيفَة وَلَو بنيت فِي غير هَذَا الْمحل لم يكن عَلَيْهَا الرونق الْمَوْجُود عَلَيْهَا ببنائها فَإِن النَّاس كَانُوا يَقُولُونَ قَدِيما مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس بِهِ جوهرتان هما قبَّة الْجَامِع الْأَقْصَى وقبة الصَّخْرَة الشَّرِيفَة قلت وَهَذِه الْمدرسَة صَارَت جَوْهَرَة ثَالِثَة فَإِنَّهَا من الْعَجَائِب فِي حسن المنظر ولطف الْهَيْئَة وَالله الْمُوفق
وَمن جملَة مَا عمره السُّلْطَان حِين عمْرَة الْمدرسَة لسبيل الْمُقَابل لَهَا بداخل الْمَسْجِد فَوق الْبِئْر الْمُقَابل لدرج الصَّخْرَة الغربي وَكَانَ قَدِيما على الْبِئْر الْمَذْكُور قبَّة مَبْنِيَّة ابالاحجار كَغَيْرِهِ من الْآبَار الْمَوْجُودَة بِالْمَسْجِدِ فازيلت تِلْكَ الْقبَّة وَبني السَّبِيل المستجد وفرش أرضه بالرخام وَصَارَ فِي هَيْئَة لَطِيفَة وَكَذَلِكَ الفسقية الَّتِي بِالْقربِ مِنْهُ قبلي المسطبة الْمُجَاورَة للسبيل والفسقية الَّتِي هِيَ بَين بَاب السلسلة وَبَاب السكينَة وَكَانَ قَدِيما مكاها حوانيت ويقابلها من جِهَة الْقبْلَة حوانيت اخر فازيلت الحوانيت من الْجَانِبَيْنِ وعمرت الفسقية الْمَذْكُورَة وَالَّتِي بداخل الْمَسْجِد افنتفع النَّاس بهما فِي تيسير الْوضُوء وَلم يَقع لنا فِي هَذِه السّنة مَا يصلح أَن يؤرخ غير ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وفيهَا اسْتَقر الْأَمِير جانم الأشرفي فِي نِيَابَة الْقُدس الشريف وَحضر متسلمه خضر بك الَّذِي ولي النِّيَابَة فِيمَا بعد فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر الْمحرم وتسحب احْمَد بن مبارك شاه - الْمُنْفَصِل - وَضبط موجوده وَفِي يَوْم السبت رَابِع عشر الْمحرم توجه قَاضِي الْقُضَاة محيي الدّين بن جِبْرِيل الشَّافِعِي الى الْقَاهِرَة بمطالبة القَاضِي زين الدّين بن مزهر كَاتب السِّرّ الشريف وَردت عَلَيْهِ بالحضور وان يكون طيب الْقلب منشرح الصَّدْر وَالسَّبَب فِي طلبه انه سمى عَلَيْهِ القَاضِي بدر الدّين بن الحمامي فتوقف الامر على طلبه فَتوجه الى الْقَاهِرَة فَقبض عَلَيْهِ الْأَمِير اقبردى الدوادار الْكَبِير وَوَضعه فِي الترسيم وفيهَا ورد المرسوم الشريف الى الْأَمِير قانصوه اليحياوي بعمارة قناة العروب وَعمارَة بكرَة المرجيع وجهز لَهُ من الخزائن الشَّرِيفَة خَمْسَة آلَاف دِينَار مِنْهَا الف دِينَار نَفَقَة للأمير قانصوه وَأَرْبَعَة آلَاف دِينَار للعمارة فَتوجه فِي عَاشر صفر للعمارة وصحبته مِائَتَا فَاعل وَنصب مخيمه وَشرع فِي الْعِمَارَة الى أَن اكملها وَتوجه اليه اعيان بَيت الْمُقَدّس وأكابرها وكل من توجه اليه يصحب مَعَه شَيْئا من أَنْوَاع الْمَأْكُول كالعسل وَالسمن وَالْغنم وَغير ذَلِك وفيهَا اسْتَقر القَاضِي بدر الدّين أَبُو البركات حسن بن عَليّ الحمامي الرَّمْلِيّ
الْقُدس الشريف قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين يحيى بن مُحَمَّد الاندلسي الانصاري الْمَالِكِي مُتَوَلِّيًا قَضَاء الْمَالِكِيَّة بعد شغوره عَن القَاضِي عَلَاء الدّين بن المزوار نَحْو سبع سِنِين فان ابْن المزوار سَافر من الْقُدس فِي جمادي الاولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ وَهُوَ بَاقٍ على الْولَايَة الى ان توفّي فِي آخر جمادي الاولى سنة خمس وَثَمَانِينَ واستمرت الْوَظِيفَة شاغرة الى أَن ولي القَاضِي شرف الدّين يحيى - الْمشَار اليه - فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَدخل الى الْقُدس فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَفِي يَوْم السبت خَامِس عشر صفر أَيْضا توفّي أَمِين الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد الْحلَبِي الْمَشْهُور بِابْن قطيبا مبَاشر الاوقاف ومولده فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ لَهُ معرفَة تَامَّة بمصطلح الْمُبَاشرَة والحساب وَكَانَ منور الشيبة حسن الشكل وفيهَا فِي مستهل جمادي الاولى ورد جَراد كثير على بَيت الْمُقَدّس فَأكل غَالب ثَمَرَة الكروم وَالزَّرْع والخضروات وَاسْتمرّ مُدَّة يذهب وَيعود وفيهَا عَاد شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف من الْقُدس الى الْقَاهِرَة فوصل اليها فِي جمادي الْآخِرَة وفيهَا كَانَ ابْتِدَاء الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف قايتباي وَبَين السُّلْطَان بايزيد ابْن عُثْمَان ملك الرّوم وجهز السُّلْطَان التجريدة لقِتَال ابْن عُثْمَان وَكَانَ الْمُقدم على الْعَسْكَر الْأَمِير تموراز أَمِير سلَاح وَكَانَ سَفَره من الْقَاهِرَة فِي جمادي الاولى فَلَمَّا وصل الى الرملة توجه اليه الامير جانم نَائِب الْقُدس وصحبته العشير الْمُجْتَمع من جبل الْقُدس بعد أَن عرض الرِّجَال فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي جمادي الْآخِرَة وتوجهوا فِي يَوْم السبت وفيهَا توجه نَاظر الْحَرَمَيْنِ الامير نَاصِر الدّين بن النشاشيبي وصحبته جمَاعَة المباشرين الى الْقَاهِرَة المحروسة بمرسوم شرِيف ورد بطلبهم وَحصل بعض المباشرين محنة من السُّلْطَان فِي شهر شعْبَان ثمَّ لطف الله بهم وعادوا الى الْقُدس الشريف وَدخل نَاظر الْحَرَمَيْنِ بخلعة السُّلْطَان فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشري رَمَضَان وَكَانَ يَوْمًا مشهودا
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانمِائَة وفيهَا توفّي الشَّيْخ شهَاب الدّين العميري فِي شهر ربيع الأول - كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته - وَكَانَ قد حصل لَهُ السرُور بمعمارة الْمدرسَة الاشرفية لِأَنَّهُ اجْتهد فِي عمارتها وراع السُّلْطَان فِيهَا واحتفل بأمرها فَلَمَّا انْتَهَت عمارتها أَدْرَكته الْمنية قبل بُلُوغ الامنية فسبحان من يتَصَرَّف فِي عباده بِمَا يَشَاء وفيهَا توفّي الشَّيْخ سعد الله الْحَنَفِيّ إِمَام الصَّخْرَة الشَّرِيفَة وَترك ولدا صَغِيرا فَحمل الْوَلَد الى السُّلْطَان وساعده جمَاعَة فِي استقراره فِي إِمَامَة الصَّخْرَة الشَّرِيفَة عوضا عَن وَالِده وَتوجه نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن خشنى المهشور بِابْن الشنتير للسعي فِي الامامة وساعده الْأَمِير تمراز أَمِير سلَاح فاقضى الْحَال الْمُشَاركَة بَينهمَا فاستقر نَاصِر الدّين ابْن دشني فِي نصف الامامة وَهُوَ الَّذِي كَانَ قرر وَالِده فِيهِ الامير نَاصِر الدّين بن النشاشيبي - كَمَا تقدم ذكره فِي حوادث سنة سِتّ وَسبعين - وَاسْتقر نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الشَّيْخ سعد الله فِي النّصْف الثَّانِي وَكتب لكل مِنْهُمَا توقيع شرِيف بِمَا اسْتَقر فِيهِ وفيهَا توجه القَاضِي شرف الدّين يحيى الْمَالِكِي قَاضِي الْقُدس الى الديار المصرية يشكي حَاله من جمَاعَة بالقدس الشريف فرسم لَهُ باستمراره فِي الْوَظِيفَة وتقوية يَده وَشد عضده وَكتب لَهُ مرسوم شرِيف بذلك (ذكر إِقَامَة نظام الْمدرسَة الأشرفية) وفيهَا عين السُّلْطَان لمشيخة مدرسته بالقدس الشريف شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف بِحكم وَفَاة الشَّيْخ شهَاب الدّين الْعمريّ وَطَلَبه الى حَضرته وشافهه بالأولاية وَسَأَلَهُ فِي الْقبُول فَأجَاب بذلك والبسه كامليه وَتوجه من الْقَاهِرَة المحروسة الى الْقُدس الشريف وصحبته القَاضِي بدر الدّين أَبُو البقا ابْن الجبعان والأميران جَان بلاط وماماي والمهتار رَمَضَان وَجَمَاعَة من الْقُرَّاء السُّلْطَانِيَّة ودخلوا الى بَيت الْمُقَدّس فِي يَوْم الاحد سادس رَجَب مومعهم اكبار المقادسة
وأنعم فِي ذَلِك الْيَوْم على جمَاعَة بِلبْس الْخلْع الْوَارِدَة من الابواب الشَّرِيفَة مِنْهُم نَائِب الشَّام الْأَمِير قانصوه اليحياوي واولاده ونائب الْقُدس الْأَمِير جانم والناظر الامير نَاصِر الدّين بن النشاشيبي وَالْقَاضِي فَخر الدّين بن نسيبة والامام نصر الدّين بن الشنتير حضر مَعَهم من الْقَاهِرَة وألبس تَشْرِيفًا بطرحة وَمِمَّنْ حضر مَعَهم من الْقَاهِرَة القَاضِي شرف الدّين يحيى الْمَالِكِي وَدخل بِغَيْر خلعة وَكَانَ يَوْمًا مشهودا ثمَّ فِي يَوْم الْجُمُعَة جلس شيخ الاسلام الكمالي بِالْمَدْرَسَةِ وَعمل درسا حَضَره شيخ الاسلام نجم الدّين ابْن جمَاعَة والقضاة والاعيان وَمن حضر من اركان الدولة السُّلْطَانِيَّة وَالْخَاص وَالْعَام وَكَانَ يَوْمًا حافلا ورتبت الْوَظَائِف بِالْمَدْرَسَةِ وتقرر أمرهَا واستوطن شيخ الاسلام الكمالي بِبَيْت الْمُقَدّس وَسَنذكر تَرْجَمته فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ توجه القَاضِي ابو البقا وأركان الدولة الى الديار المصرية فِي الشَّهْر الْمَذْكُور وفيهَا طلب القَاضِي بدر الدّين ابْن الحمامي الشَّافِعِي الى الابواب الشَّرِيفَة وَتوجه فِي شهر جمادي الْآخِرَة وَغرم مَالا وأنعم عَلَيْهِ بالاستمرار فِي وظيفته بالقدس والرملة وَعَاد بعد ان خلع عَلَيْهِ كاملية بسمور وَدخل الى الْقُدس الشريف فِي خَامِس عشري رَمَضَان وفيهَا وَردت مكاتبات القَاضِي زين الدّين بن مزهر كَاتب السِّرّ الشريف الى الْأَمِير قانصوه اليحياوي نَائِب الشَّام وَإِلَى نَاظر الْحَرَمَيْنِ الشريفين والقضاة الثَّلَاثَة الشَّافِعِي والحنفي والمالكي يعملهم انه بلغه ان القَاضِي زين الدّين عبد الباسط الْحَنْبَلِيّ بالقدس الشريف يعْتَمد أمورا لَا تلِيق بِمن هُوَ رَاكب لهَذَا المنصب الشريف بل تسْقط الْعَدَالَة وسالهم فِي الْكَشْف عَلَيْهِ وتحرير أمره وإعادة الْجَواب بِحَقِيقَة حَاله من غير مُرَاعَاة ليراجع فِي أمره المسامع الشَّرِيفَة ليترتيب على كل شَيْء مُقْتَضَاهُ ووردت المكاتبات بذلك فِي شهر ذِي الْقعدَة فَقدر ان القَاضِي كَانَ غَائِبا بنابلس فَلَمَّا حضر الى الْقُدس الشريف حصل لَهُ محنة فِي الطَّرِيق بِخُرُوج اللُّصُوص عَلَيْهِ
وَأخذ جَمِيع مَا مَعَه فَكَانَ ذَلِك سَببا لعدم الْكَشْف عَلَيْهِ اكْتِفَاء بِمَا حصل لَهُ من المحنة ثمَّ كَانَ من أمره مَا سَنذكرُهُ فِي حوادث السّنة الْآتِيَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وفيهَا فِي شهر ذِي الْحجَّة توفّي الشَّيْخ جمال الدّين عبد الله بن غَانِم شيخ حرم الْقُدس الشريف وَاسْتقر وَلَده الشَّيْخ نَاصِر الدّين مُحَمَّد فِيمَا كَانَ بيد وَالِده من مشيخة الْحرم وَنصف مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وفيهَا فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث الْمحرم دخل الامير ماماي الخاصكي الى الْقُدس الشريف بخلعة السُّلْطَان وَالنَّاس فِي خدمته فرسم على أكَابِر الْبَلَد وَأخذ مِنْهُم مَالا فَأخذ من نَاظر الْحَرَمَيْنِ الْأَمِير نَاصِر الدّين بن النشاشيبي اربعة بغال وحصانا وَمن النَّائِب الْأَمِير جانم مِائَتي دِينَار وَمن شيخ الصلاحية ثَلَاثِينَ دِينَارا وَمن القَاضِي فَخر الدّين بن نسيبة أَرْبَعمِائَة دِينَار وَمن القَاضِي شهَاب الدّين الْجَوْهَرِي ثلثمِائة دِينَار وَحصل للنَّاس مِنْهُ شدَّة وَتوجه فِي يَوْم السبت ثامن الْمحرم وفيهَا فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع ربيع الأول توجه القَاضِي فَخر الدّين بن نسيبة الى الْقَاهِرَة بمرسوم شرِيف ورد بِطَلَبِهِ وفيهَا حضر الْأَمِير اقبردي الدوادار الْكَبِير من الْقَاهِرَة المحروسة الى جِهَة نابلس لتجهيز رجال للتجريدة لقِتَال بايزيد بن عُثْمَان ملك الرّوم وَوصل الى مَدِينَة الرملة فِي خامش عشر ربيع الأول وَهُوَ أول قدومه الى هَذِه الأَرْض فنصب مخيمه على تل العوجاء وَشرع يتنقل فَتَارَة ينزل بارض قاقون وَتارَة بِأَرْض اللجون وَتارَة بالرملة والبس خَلِيل بن اسماعيل مشيخة جبل نابلس على عَادَته وَشرع فِي تجهيز الرِّجَال وعرضهم وَدفع النَّفَقَة لَهُم وفيهَا فِي اواخر شهر ربيع الاول حصل للسُّلْطَان عَارض وَهُوَ انه ركب فرسا فِي الحوش بالقلعة فَرَمَاهُ وَوَقع فَوْقه فَكسر فَخذ السُّلْطَان وَاسْتمرّ نَحْو شَهْرَيْن وانزعجت المملكة لذَلِك ثمَّ عوفي - وَللَّه الْحَمد - وزينت مَدِينَة الْقُدس
وَغَيرهَا من الْبِلَاد لعافيته وفيهَا عزل القَاضِي زين الدّين عبد الباسط الْحَنْبَلِيّ من قَضَاء الْقُدس الشريف وبلد سيدنَا الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام ونابلس وَكَانَ بروز الامر بعزله فِي رَابِع عشري ربيع الآخر وَورد علم ذَلِك الى بَيت الْمُقَدّس فِي الْعشْر الاول من جمادي الأولى وَخرج مختفيا فِي لَيْلَة خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور بعد محن حصلت عَلَيْهِ من الشكاوى الْوَاقِعَة عَلَيْهِ الى دوادار السُّلْطَان وَهُوَ بمخيمه بِأَرْض اللجون وانحرف نَائِب الْقُدس عَلَيْهِ وَغَيره من الاكابر والعيان بِبَيْت الْمُقَدّس وَالله الْمُوفق وفيهَا فِي يَوْم السبت سَابِع عشري رَجَب حضر الْأَمِير اقبردي الدوادار الْكَبِير الى الْقُدس الشريف بعد فَرَاغه من المهم السلطاني وَقصد التَّوَجُّه الى الابواب الشَّرِيفَة وفرش لَهُ نَائِب الْقُدس - الْأَمِير جانم - الشقق الْحَرِير ونثر على رَأسه الْفضة وأوقد لَهُ الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَقدم لَهُ نَائِب الْقُدس عشْرين فرسا وقطار بغال وَعمل لَهُ سماطا عَظِيما فَخلع عَلَيْهِ وعَلى الْأَمِير قانصوه اليحياوي نَائِب الشَّام وسافر من الْقُدس فِي عَشِيَّة يَوْم الْأَحَد وَتوجه الى بلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام للزيارة ثمَّ توجه الى مَدِينَة غَزَّة وَأقَام بهَا مدية يسيرَة ثمَّ توجه الى الديار المصرية وفيهَا فِي أَوَاخِر شهر شعْبَان حضر سيدنَا ولي الله تَعَالَى الشَّيْخ شمس الدّين أَبُو العون مُحَمَّد الْغَزِّي القادري الشَّافِعِي نزيل جلجوليا أعَاد الله علينا من بركاته الى الْقُدس الشريف زَائِرًا ثمَّ توجه لزيارة سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وَكَانَ السماط قد قطع مُدَّة أَيَّام فَلَمَّا قدم الى بلد الْخَلِيل تَلقاهُ الْفُقَرَاء وَالْفُقَهَاء ودخلوا مَعَه بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَالذكر واعيد السماط ببركته ثمَّ عَاد الى الْقُدس الشريف فِي سلخ شعْبَان وَصَامَ أَيَّامًا فِي شهر رَمَضَان ثمَّ عَاد الى مَحل وَطنه عَامله الله بِلُطْفِهِ وفيهَا اسْتَقر الْأَمِير خضر بك فِي نِيَابَة الْقُدس الشريف وَوصل متسلمه السيفي كتبغا مَمْلُوك الْأَمِير قانصوه اليحياوي فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشري رَمَضَان وَقُرِئَ المرسوم الشريف بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَدخل النَّائِب الى الْقُدس فِي يَوْم
الثلاثا تَاسِع ذِي الْقعدَة بعد كبس قَرْيَة جلجوليا فَقبض جمَاعَة من أَهلهَا ودخلوا مَعَه الى الْقُدس بعد ضَربهمْ واشهارهم على الْجمال وَقصد قَتلهمْ عِنْد بَاب الْخَلِيل فَوَقَعت الشافعة فيهم وَقُرِئَ توقيعه يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة وفيهَا احْتبسَ الْمَطَر حَتَّى دخل اكثر الشتَاء وَوَقع الجدب وانزعج النَّاس لذَلِك وتزايد ظلم النَّائِب وإفحاشه فِي حق الرّعية بالجور وَقل الْقُوت لاحتباس الْمَطَر وَمَضَت السّنة وَالْأَمر على ذَلِك ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وفيهَا عمر الْأَمِير خضر بك نَائِب الْقُدس بدار النِّيَابَة المقعد الملاصق لايوان الحكم من جِهَة الشمَال وَجعله على طَريقَة مجَالِس الْحُكَّام بالديار المصرية وسقفه بالخشب المدهون وَكَانَ قبل ذَلِك جُلُوس النَّائِب بصدر الايوان فَصَارَ جُلُوسه بالمقعد وَهُوَ أولى من النظام الأول وَقد كتب بأعلا المقعد تَارِيخ عِمَارَته فِي الْمحرم سنة احدى وَتِسْعين وَهُوَ خطأ وَإِنَّمَا عمر فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وفيهَا فَشَا الغلاء فِي جَمِيع المملكة وَاشْتَدَّ الْأَمر بِبَيْت الْمُقَدّس وتزايد ظلم النَّائِب بِهِ وُجُوه فورد مرسوم شرِيف بالكشف عَلَيْهِ وَمَا يُعلمهُ فِي حق الرّعية وَأَن يكون الْمُتَوَلِي لذَلِك الْأَمِير طومان باي الخاصكي وَكَانَ إِذْ ذَاك بالمملكة الشامية فانتظر حُضُوره وَكَانَ من تَقْدِير الله تَعَالَى أَن الَّذِي تسبب فِي وُرُود المرسوم الشريف بالكشف على النَّائِب جمال الدّين يُوسُف بن ربيع أَمِير الحكم بالقدس فَلَمَّا وصل المرسوم سر بذلك وَشرع فِي تَدْبِير الامور وترتيب الشكاة الى أَن يحضر الخاصكي للقدس فَقدر الله وَفَاة جمال الدّين بن ربيع فِي ثَالِث عشري جماي الاولى قبل حُضُور الخاصكي وصادف يَوْم وَفَاته وُرُود خلعة من الابواب الشَّرِيفَة للنائب فَخرجت جَنَازَة جمال الدّين بن ربيع الى ماملا والأسواق قد زينت والبشائر دقَّتْ لوُرُود خلعة النَّائِب ولبسها وَدخل الى الْقُدس فِي ثَانِي يَوْم وَفَاة ابْن ربيع
وَقد رَأَيْت فِي ذَلِك الْيَوْم الْعجب من حَال الدُّنْيَا فَإِن النَّاس قد اخْتلفُوا للكشف على النَّائِب وَالْقِيَام فِي نصْرَة جمال الدّين بن ربيع من الاكابر والعوام لبغضهم فِي النَّائِب فَانْقَلَبَ الْأَمر بضده وَشرع النَّاس فِي الاحتفال بِأَمْر النَّائِب وَالرُّكُوب فِي خدمته وتهنئته بالخلعة الْوَارِدَة عَلَيْهِ وَشرع أهل جمال الدّين بن ربيع من اولاده وعائلته وَأَصْحَابه فِيمَا هم فِيهِ من عقد عزائه والنياحة عَلَيْهِ وتعاطي أَسبَاب تكفينه وَدَفنه والأمران فِي يَوْم وَاحِد فِي سَاعَة وَاحِدَة فسبحان نَاقض العزائم الَّذِي لَا يسئل عَمَّا يفعل فَلَمَّا حضر الخاصكي الى الْقُدس خمدت الامور لوفاة جمال الدّين بن ربيع وَحضر النَّائِب لشيخ الاسلام الكمالي بن أبي شرِيف وتلطف بِهِ وَعَاهد الله أَن لَا يعود لما صدر مِنْهُ فَكتب محْضر للسُّلْطَان ان النَّائِب عَاهَدَ الله على سلوك الطَّرِيق الحميدة وان لَا يعود لما صدر مِنْهُ وَكتب اهل بَيت الْمُقَدّس من الْقُضَاة والاعيان خطوطهم بالمحضر وجهز على يَد الخاصكي وَمضى الْأَمر على ذَلِك وفيهَا حضر الى الْقُدس الشريف الْأَمِير جَان بلاط وعَلى يَده مرسوم شرِيف بالكشف على الْأَوْقَاف وتحرير أمرهَا وَحضر صحبته ملك الْأُمَرَاء أقباي نَائِب غَزَّة المحروسة وَدخل الى الْقُدس الشريف فِي يَوْم الاحد ثَانِي عشري شهر شعْبَان وَجلسَ بِالْمَدْرَسَةِ الاشرفية بِحُضُور شَيْخي الاسلام الكمالي بن ابي شرِيف والنجمي بن جمَاعَة والناظر والنائب والقضاة وَالْخَاص وَالْعَام وَقُرِئَ المرسوم الشريف ثمَّ انْتهى الْحَال على أَن جمع لَهُ من الاوقاف أَكثر من ألف دِينَار فَأَخذهَا وخدمه نَائِب الْقُدس وناظره وَجَمَاعَة من الْأَعْيَان ثمَّ فِي يَوْم الخيمس سادس عشري شعْبَان توجه وصحبته ملك الْأُمَرَاء بغزة وَشَيخ الاسلام الكمالي والناظر والنائب والقضاة الى ظَاهر الْقُدس الشريف وجلسوا على تل الغول لايقاع الصُّلْح بَين نَائِب الْقُدس السيفي خضر بك وخليل بن اسماعيل شيخ جبل نابلس بِسَبَب مَا وَقع بَينهمَا من التنافر فَحصل الصُّلْح بَينهمَا وَكتب
الْجَواب للسُّلْطَان بذلك وَتوجه الْمشَار اليه الى نابلس وفيهَا فِي شهر شعْبَان ورد مرسوم شرِيف بالافراج عَن الْأَمِير قانصوه اليحياوي وان يتَوَجَّه من الْقُدس الشريف الى الْقَاهِرَة المحروسة فَتوجه فِي يَوْم الاربعاء يَوْم عيد الْفطر فَلَمَّا وصل الى غَزَّة ورد خبر وَفَاة الْأَمِير قجماس نَائِب الشَّام فتباشر الْأَمِير قانصوه وجماعته بولايته نِيَابَة الشَّام على عَادَته فَلَمَّا قدم الى الْقَاهِرَة المحروسة أكْرمه السُّلْطَان وانعم عَلَيْهِ واقام اياماً ثمَّ اسْتَقر فِي نِيَابَة الشَّام فِي أَوَاخِر السّنة وفيهَا اشْتَدَّ الْأَمر بالقدس والخليل وَغَيرهمَا وغلت الأسعار فوصل سعر الْقَمْح بالقدس كل مد بِثَلَاثِينَ درهما وَالشعِير كل مد بِاثْنَيْ عشر درهما وَالْخبْز كل رَطْل بأَرْبعَة دَرَاهِم وَكَانَ الغلاء عَاما فِي جَمِيع المملكة (وَاقعَة خضر بك) وفيهَا فحش أَمر خضر بك النَّائِب بالقدس وتزايد ظلمه وسفكه الدِّمَاء وَأخذ اموال النَّاس وَكثر شاكوه وَسَاءَتْ سيرته فَكتب شيخ الصلاحية النجمي بن جمَاعَة فِي أمره اللسلطان فورد مرسوم السُّلْطَان على الامير تغرى ورمش دوادار الْمقر الْأَشْرَف السيفي أقبردي الدوادار الْكَبِير وَهُوَ بِمَدِينَة نابلس بالتوجه الى الْقُدس والكشف على النَّائِب وتحرير امْرَهْ فَحَضَرَ الامير تغرى ورمش الى الْقُدس فِي يَوْم الخيمس ثَالِث عشر ذِي الْحجَّة وَقُرِئَ المرسوم الشريف بالكشف على النَّائِب فعقد لَهُ عدَّة مجَالِس اولها عقب صَلَاة الْجُمُعَة رَابِع عشر ذِي الْحجَّة بمحراب الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف ثمَّ تكَرر عُقُود الْمجَالِس فِي عدَّة أَمَاكِن بَعْضهَا بالمجمع الْكَائِن سفل الْمدرسَة الاشرفية وَبَعضهَا على المسطبة الكائنة عِنْد بَاب جَامع المغاربة وَبَعضهَا بِالْمَدْرَسَةِ لعثمانية وَأكْثر النَّاس من الشكوى عَلَيْهِ وكتبت الْقَصَص فِي حَقه وَحضر أهل مَدِينَة سيدنَا الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام بأعلام الْمَسْجِد الشريف
والطبلخانات واقيمت الغوغاء عَلَيْهِ وَاسْتمرّ الْأَمر على ذَلِك أَكثر من عشرَة أَيَّام وَكَانَت أَيَّامًا مهولة مزعجة ثمَّ كتب الْجَواب للسُّلْطَان بِمَا صدر مِنْهُ من الْكَشْف على النَّائِب وَمَا هُوَ مرتكبه من الظُّلم وَسُوء السِّيرَة وَكتب الْعلمَاء والقضاة بالمدينتين على الْمحْضر ليحضر على السُّلْطَان وَمِمَّا وَقع ان القَاضِي الْمَالِكِي بالقدس الشريف شرف الدّين يحيى المغربي الاندلسي كَانَ فِي بَاطِن الامر يساعد النَّائِب ويلطف امْرَهْ فَلَمَّا وَقع الْكَشْف ورد على نَاظر الْحَرَمَيْنِ الامير نَاصِر الدّين بن النشاشيبي مطالعة الْمقر الزيني ابي بكر بن مزهر كَاتب السِّرّ الشريف يُعلمهُ انه وصل بالمسامع الشَّرِيفَة ان القَاضِي الْمَالِكِي بالقدس كَانَت سيرته اولا حَسَنَة وَكَانَ يُبَاشر بعفة ثمَّ ساءت سيرته وَشرع يَأْخُذ الرِّشْوَة وَقد اقْتَضَت الآراء الشَّرِيفَة عَزله وَمنعه من تعَاطِي الاحكام الشَّرْعِيَّة فالمخدوم يُعلمهُ بذلك ويمنعه من تعَاطِي الاحكام مؤرخ فِي اواخر ذِي الْقعدَة فَلَمَّا وصلت المطالعة لناظر الْحَرَمَيْنِ كتم امرها حَتَّى يفرغ أَمر الْكَشْف على انائب ثمَّ يتتلطف فِي عود الْجَواب عَن القَاضِي وَالسَّعْي فِي استمراره على عَادَته فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم الاحد سادس عشر شهر ذِي الْحجَّة عقد مجْلِس للكشف بِالْمَدْرَسَةِ العثمانية وَجلسَ الامير تغرى ورمش وناظر الْحَرَمَيْنِ وَشَيخ الاسلام الكمالي وَشَيخ الاسلام النجمي والقضاة وَمن جُمْلَتهمْ الْمَالِكِي فَأذن الْعَصْر فَقَامَ القَاضِي الْمَالِكِي يُصَلِّي وَالنَّاس جالسون خَلفه فَوَقع كَلَام من النَّاظر عرض فِيهِ بِذكر القَاضِي الْمَالِكِي وانه يساعد النَّائِب فِي أمره وانه يَأْخُذ الرِّشْوَة وَكَانَ القَاضِي الْمَالِكِي حِين تكلم النَّاظر فِي صلب الصَّلَاة فَسمع كَلَامه فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة وَجه خطابه للأمير تغرى ورمش وَقَالَ لَهُ يَا خوند إِن كَانَ هَذَا الرجل ينسبني لأخذ الرِّشْوَة على الاحكام فَهُوَ يَأْخُذهَا على الاوقاف فانتشر الْكَلَام بَينهمَا وَأخذ شيخ الاسلام الكمالي ينتصر للنَّاظِر وانتهر القَاضِي وَقَالَ لب
تكذب فبادر النَّاظر وَأمر باحضار المطالعة الْوَارِدَة بعزل القَاضِي فَلَمَّا قُرِئت قَالَ القَاضِي أَنا ولايتي من السُّلْطَان وَهَذِه مطالعة القَاضِي كَاتب السِّرّ لَا أنعزل بهَا فَقيل لَهُ ان كَاتب السِّرّ هُوَ لِسَان الْملك وقائم مقَامه فِي الْعَزْل وَالْولَايَة وَصرح النَّاظر بِمَنْعه من تعَاطِي الْأَحْكَام فَكثر الغوش على القَاضِي من النَّاس وأفحشوا لَهُ فِي القَوْل وَخرج من الْمجْلس معزولا فَتوجه من حِينه الى الْقَاهِرَة وَلم يقدر لَهُ ولَايَة بعد ذَلِك ثمَّ توجه الى بِلَاد الْيمن فَتوفي بهَا - كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته - ثمَّ كتب الْجَواب للسُّلْطَان بِمَا صدر من الْكَشْف على النَّائِب وَمَا هُوَ مرتكبه من الظُّلم وَسُوء السِّيرَة وَكتب الْعلمَاء والقضاة والاعيان بالقدس خطوطهم على المحاضر وَكتب اهل الْخَلِيل ايضا محَاضِر وَكتب عَلَيْهَا قَاضِي بلد الْخَلِيل واعيانه وجهزت لتعرض على المسامع الشَّرِيفَة وَمَضَت السّنة الْمَذْكُورَة والاحوال مضطربة لما وَقع فِيهَا من الْكَشْف على النَّائِب وَغير ذَلِك من اختلال النظام وَالله الْمُدبر ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فِيهَا فِي شهر الْمحرم توجه نَائِب الْقُدس الْأَمِير خضر بك الى الابواب الشَّرِيفَة بعد صُدُور الْكَشْف عَلَيْهِ - كَمَا تقدم - وَتوجه أَيْضا نَاظر الْحَرَمَيْنِ الْأَمِير نَاصِر الدّين بن النشاشيبي فِي الشَّهْر الْمَذْكُور وتمثل كل مِنْهُمَا بالحضرة الشَّرِيفَة فَلَمَّا وقف النَّائِب للسطان وَكَانَ قد عرض عَلَيْهِ مَا كتب فِي حَقه من محَاضِر الْكَشْف ضربه السُّلْطَان وسجنه ورسم ان يدْفع مَا عَلَيْهِ من الْحُقُوق لأربابها وعزله من النِّيَابَة وَأما النَّاظر فَإِنَّهُ استعفى من وظيفته وَسَأَلَ فِي عزل نَفسه فتوقف السُّلْطَان فِي ذَلِك فَادّعى الْعَجز والخ عَلَيْهِ فِي الاستعفاء فأعفي وشغرت كل من الوظيفتين النِّيَابَة وَالنَّظَر وبرز مرسوم شرِيف الى ملك الْأُمَرَاء اقباي نَائِب غَزَّة بتجيهز دواداره الى مَدِينَة الْقُدس ليقيم بهَا الى ان يُجهز اليها من يوليه السُّلْطَان فَجهز دواداره السيفي خشقدم فَقدم الى الْقُدس فِي يَوْم السبت ثامن عشري الْمحرم وَأحسن السياسة
وفيهَا فِي شهر صفر اسْتَقر الْأَمِير دقماق دوادار اينال الاشقر فِي نظر الْحَرَمَيْنِ الشريفين ونيابة السلطنة بالقدس الشريف وبلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام ببذل عشرَة آلَاف دِينَار للخزائن الشَّرِيفَة غير مَا تكلفه لأركان الدولة وَحضر متسلمه طرباي الى الْقُدس فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشري صفر وَكَانَ ذَلِك من أقبح الْأُمُور وأبشعها فَإِن نَاظر الْحَرَمَيْنِ الامير نَاصِر الدّين بن النشاشيبي كَانَ من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح فأبدل بظالم فَاجر وَهُوَ - كَمَا قيل - لاذات وَلَا أدوات وفيهَا قطع السماط الْكَرِيم بِحَضْرَة سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام من أول السّنة الى عشري جمادي الأولى ثمَّ عمل من الشّعير وَلم يعلم انه قطع مثل ذَلِك فِي تقادم السنين فَالْحكم لله العلمي الْكَبِير وفيهَا أنعم السُّلْطَان على القَاضِي فَخر الدّين بن نسيبة بِالرِّضَا والبس خلعة من الحضرة الشَّرِيفَة وَأذن لَهُ فيا لتوجه الى مَحل وَطنه بالقدس الشريف فسافر هُوَ والأمير دقمقا نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السطنة وصحبتهما جمَاعَة المباشرين وَتوجه النَّاس للقائهم من الْقُدس الشريف الى مَدِينَة غَزَّة ودخلوا الى الرملة فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر جمادي الأولى وفيهَا حضر الْأَمِير أقبردي الدوادار الْكَبِير وصحبته القَاضِي زين الدّين ابْن مزهر كَاتب السِّرّ الشريف من الْقَاهِرَة المحروسة الى جِهَة نابلس لتجهيز الرِّجَال للتجريدة لقِتَال بايزيد خَان بن عُثْمَان خَان فوصلا الى الرملة فِي يَوْم السبت حادي عشري جمادي الاولى وَكَانَ الْأَمِير دقماق وَالْقَاضِي فَخر الدّين بن نسيبة بالرملة قبل توجهما الى الْقُدس فاجتمعا بِالْمُشَارِ اليهما وَحضر اعيان بَيت الْمُقَدّس للقاء القَاضِي كَاتب السِّرّ والدوادار الْكَبِير بالرملة مِنْهُم شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف وَشَيخ الاسلام النجمي ابْن جمَاعَة والقضاة والاعيان وتسلم الامير دقماق وَالْقَاضِي فَخر الدّين من مَال الخزائن الشَّرِيفَة الْوَارِد عَليّ يَد الْأَمِير الدوادار الْكَبِير خَمْسَة آلَاف دِينَار ليصرفا ذَلِك على الرِّجَال المعينين من
جبل الْقُدس والخليل واذن لَهما فِي التَّوَجُّه الى الْقُدس فتوجها من الرملة فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشري جمادي الأولى ودخلا الى الْقُدس فِي يَوْم الْخَمِيس سادس عشري جمادي الأولى والامير دقماق بخلعة النِّيَابَة وَالنَّظَر وَهُوَ متوشح بأطلسين على الْعَادة وَالْقَاضِي فَخر الدّين بكاملية على سمور وَكَانَ يَوْمًا حافلا وَقُرِئَ توقيع النَّائِب فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي يَوْم دُخُوله وَحصل للنائب ضعف شَدِيد عقب ذَلِك وَانْقطع فَتَوَلّى القَاضِي فَخر الدّين أَمر تجهيز الرِّجَال وَصرف عَلَيْهِم الْمبلغ وَتوجه بهم من الْقُدس فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث رَجَب الى الامير الدوادار الْكَبِير وَتوجه الدوادار الْكَبِير وَالْقَاضِي كَاتب السِّرّ لجِهَة نابلس وجهز الرِّجَال من جبل نابلس ثمَّ توجه القَاضِي كَاتب السِّرّ فِي شهر رَجَب وَهُوَ متوعك الى الابواب الشَّرِيفَة فوصل الى مَحل وَطنه وَاسْتمرّ متوعكا الى أَن توفّي فِي يَوْم الْخَمِيس سادس شهر رَمَضَان وَصلي عَلَيْهِ صَلَاة الْغَائِب بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشري رَمَضَان رحمه الله وَعَفا عَنهُ ثمَّ توجه بعده الدوادار الْكَبِير فِي شهر شعْبَان وسارت العساكر لقِتَال بايزيد خَان بن عُثْمَان خَان وفيهَا من الله تَعَالَى على عباده بِحُصُول الرخا وتيسير الاقوات وانحطاط الاسعار وَحصل الرِّفْق للعباد مَعَ وجود الشدَّة بِسَبَب التجاريد وَذَهَاب النَّاس الى بِلَاد الرّوم فسبحان من يتَصَرَّف فِي عباده بِمَا يَشَاء وفيهَا اسْتَقر شيخ الشُّيُوخ جلال الدّين ابو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن أبي شرِيف الشَّافِعِي أَخُو شيخ الاسلام الكملاي فِي ربع وَظِيفَة المشيخة بالخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف بنزول شَرْعِي صدر لَهُ من الشَّيْخ نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن غَانِم شيخ الْحرم وَتوجه الى الديار المصرية لاخراج توقيع شرِيف على حكم النُّزُول فَأُجِيب الى ذَلِك وَكتب لَهُ التوقيع الشريف وَحضر من الْقَاهِرَة المحروسة وباشرها وَهِي مستمرة بِيَدِهِ الى يَوْمنَا
وفيهَا تزايد ظلم دقماق نَائِب الْقُدس الشريف وَكثر طمعه وتلاشت احوال الْمُعَامَلَة واختل نظامها وَكثر السراق وأفحشوا فِي قطع الطّرق وَقتل الْأَنْفس وَبَقِي النَّاس فِي شدَّة لذَلِك فَإِن دقماق - الْمَذْكُور - كَانَ فِي مُبَاشَرَته على طَريقَة النَّائِب جقمق - الْمُتَقَدّم ذكره - يصدر مِنْهُ كَلِمَات مُهْملَة فِي الْمجَالِس والمحافل توجب انتقاص النَّاس لَهُ وَكَانَ يُخَاطب آحَاد الْعَوام بالترهات الفشرية ويعتمد افعالا لَا تلِيق مِنْهَا انه وزن نَفسه فِي القبان وَكَانَ يُجَالس السُّفَهَاء ويضحك مَعَهم ويخاطبهم بالمزاح وَكَانَ إِذا مر بِجَمَاعَة يَقُول سَلام عَلَيْكُم جمَاعَة فنقموا عَلَيْهِ بذلك وَشرع بعض النَّاس يرتب ألفاظا ويسجعها مِنْهَا سَلام عَلَيْكُم جمَاعَة دقماق عِنْده سقاعة فَبَلغهُ ذَلِك فَطلب ذَلِك الرجل وَقَالَ لَهُ تَقول عني كَذَا؟ فَقَالَ حاش الله إِنَّمَا قلت سَلام عَلَيْكُم جمَاعَة دقماق عِنْده شجاعة فشرع النَّائِب يضْحك وَيتَكَلَّم بالسخريات وَوَقع لَهُ انه حكى عَن اخته حِكَايَة مَعْنَاهَا انه كَانَ فِي مَكَان مخوف وانه ظهر عَلَيْهِ جمَاعَة وطردوه فهرب مِنْهُم فَمن أَلْفَاظه أَنه قَالَ فَأخذت فلسي فِي كفي وَقمت الْقيام وَأَشْيَاء من هَذَا النسق اوجبت تلاشي احواله واختلال نظامه فَكَانَ أمره بِخِلَاف دقماق الاينالي - الْمُتَقَدّم ذكر - فَإِنَّهُ ولي مُدَّة يسيرَة وَكَانَت سطوته وهيبته تضرب بهما الامثال فَهُوَ يُوَافقهُ فِي الِاسْم وَيُخَالِفهُ فِي الْفِعْل وفيهَا اسْتَقر القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن ابراهيم الرجبي الْمَشْهُور بِابْن مَازِن الْقَرَوِي الْمَالِكِي فِي وَظِيفَة قَضَاء الْمَالِكِيَّة بالقدس الشريف بعد شغورها عَن القَاضِي شرف الدّين يحيى الاندلسي - الْمُتَقَدّم ذكره - من اواخر سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَكتب توقيعه بذلك فِي ثامن عشر شَوَّال وَورد كِتَابه الى الْقُدس الشريف
باستخلاف القَاضِي كَمَال الدّين ابي البركات مُحَمَّد بن الشَّيْخ خَليفَة فباشر عَنهُ من شهر ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَتِسْعين وفيهَا توفّي القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن الْغَزِّي سبط الْجَوْهَرِي وَبِه اشْتهر وَكَانَ عِنْده معرفَة تَامَّة بِالْحِسَابِ والمباشرة واحوال النَّاس وباشر العمالة بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الشريف مُدَّة ثمَّ نزل عَنْهَا وَكَانَ لَهُ مُرُوءَة وَقيام مَعَ أَصْحَابه مَعَ لين جَانب وساد وراس وَكَانَ يترفه بالملبوس الْحسن والمأكل وَعِنْده حشمة وتواضع ووفاته فِي شهر ذِي الْقعدَة وَقد قَارب السَّبْعَة وَدفن بماملا وَكَانَت جنَازَته حافلة رحمه الله ثمَّ دخلت سنة ارْبَعْ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فِيهَا حضر الْأَمِير اقبردي الدوادار الْكَبِير الى جبل نابلس فِي شهر الْمحرم بِسَبَب الْقَبْض على بني اسماعيل مَشَايِخ جبل نابلس لما حصل مِنْهُم التَّقْصِير فِي المهم الشريف بِبِلَاد الرّوم وبرز الْأَمر لنائب الْقُدس دقماق باسترجاع مَال التجريدة مِمَّن كَانَ دفع اليه من الرِّجَال لما نسب اليهم من التَّقْصِير وعودهم من بِلَاد الرّوم بِغَيْر اذن فأحضر دقماق كل من اخذ شَيْئا واسترجعه مِنْهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْس وافحش فِي الامور وَمن النَّاس من تسحب فَقبض على من يكون مَنْسُوبا اليه من أَقَاربه واصحابه وجيرانه وَشرع يضْرب النَّاس بالمقارع ويضعهم فِي الْحَبْس وَفعل بهم فعلا لم يسمع بِمثلِهِ فِي زمن الْجَاهِلِيَّة حَتَّى ان بعض النَّاس بَاعَ ابْنَته كَمَا يُبَاع الرَّقِيق وتفاحش الْأَمر وَبَقِي النَّاس فِي شدَّة شَدِيدَة ومحنة لم تعهد بالارض المقدسة قبل ذَلِك فسبحان من يتَصَرَّف فِي عباده بِمَا يَشَاء وَتوجه الدودار الْكَبِير فِي اوائل جمادي الاولى الى مَحل وَطنه بالديار المصرية وفيهَا فِي شهر صفر احدث النَّصَارَى المقيمون بدير صهيون كَنِيسَة ظَاهر الْقُدس الشريف بِالْقربِ من الدَّيْر زَعَمُوا ان مَكَانهَا مقَام السيدة مَرْيَم عليها السلام واحكموا بناءها وَجعلُوا بهَا من جِهَة الشرق الهيكل الَّذِي يعْمل فِي الْكَنَائِس وَصَارَت كَنِيسَة محدثة بدار الاسلام وَكَانَ المساعد لَهُم دقماق النَّائِب وَأذن لَهُم فِي الْبناء
بِمَال بذل لَهُ وَلغيره فِي ذَلِك وَحصل الوهن فِي الاسلام بذلك فَمن الله بزاولها كَمَا سَنذكرُهُ فِي السّنة الْآتِيَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى (تَجْدِيد الْبيعَة للسُّلْطَان) وفيهَا غضب السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف ابو النَّصْر قايتباي نَصره الله تَعَالَى من مماليكه فقصد خلع نَفسه من الْملك وَالْخُرُوج من الديار المصرية وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم السبت رَابِع شهر ربيع الاخر بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله ابي الْعِزّ عبد الْعَزِيز ابْن يَعْقُوب أعز الله بِهِ الدّين وقضاة الْقُضَاة الاربعة وهم شيخ الاسلام زين الدّين أَبُو مُحَمَّد زَكَرِيَّا الانصاري الشَّافِعِي وَشَيخ الاسلام نَاصِر الدّين مُحَمَّد الاخميمي الْحَنَفِيّ وَشَيخ الاسلام مُحي الدّين عبد الْقَادِر بن تَقِيّ الْمَالِكِي وَشَيخ الاسلام بدر الدّين مُحَمَّد السَّعْدِيّ الْحَنْبَلِيّ وَغَيرهم من الامراء واركان الدولة فَوَقع مِنْهُ بحضرتهم مَا يُؤذن بخلعة بِأَن قَامَ وخلع سلارية عَنهُ وَرمى بِهِ بعد ان تبرم من السلطنة وَهَؤُلَاء الامراء وَفِيهِمْ من هُوَ أهل للسلطنة فَاخْتَارُوا من شِئْتُم وَأَنا اتوجه من هُنَا الى مَكَّة فِي جمَاعَة قَليلَة وَلَا اعارضكم فِي سلطنتكم وكلمات اخر نَحوا من هَذَا فجزع النَّاس لذَلِك ثمَّ استعطف خاطره واسترضى وجددت لَهُ الْبيعَة بالسلطنة وكاني وَمَا مشهودا وفيهَا حضر الى الْقُدس الشريف القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن مَازِن الْمَالِكِي وَبِيَدِهِ التوقيع الشريف بِولَايَة الْقَضَاء وَكَانَ قدومه فِي يَوْم الاربعاء ثامن ربيع الآخر وفيهَا قصد أَمِير عربان جرم وَهُوَ أَبُو العويسر ان يجدد مظْلمَة على الفلاحين بجبل الْقُدس الشريف وَيَأْخُذ مِنْهُم مَالا وَكَانَ ابو العويسر صَغِيرا دون الْبلُوغ وَكَانَ حَاجِبه هُوَ الْمُدبر لأَمره فَقَامَ فِي ذَلِك شيخ الاسلام نجم الدّين بن جمَاعَة
شيخ الْمدرسَة الصلاحية وَمنعه من ذَلِك وَجلسَ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عِنْد الشباك المطل على عين سلوان وَجلسَ مَعَه شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف والقضاة والمشايخ وَكَتَبُوا محضرا وَوَضَعُوا خطوطهم بِهِ ان ذَلِك لم تجر بِهِ عَادَة قبل الْيَوْم وجهز الْمحْضر الى الْأَمِير اقبردي دوادار الْمقَام الشريف وَهُوَ بمخيمة بالرملة وَلم يُمكن أَمِير جرم من اخذ شَيْء من الفلاحين وسطرت هَذِه المثوبة فِي صَحَائِف شيخ الاسلام النجمي بن جمَاعَة وفيهَا ورد مرسوم شرِيف فِي شهر شعْبَان على يَد قَاصد من بَاب الامير ازبك امير كَبِير يتَضَمَّن أَن رُهْبَان دير صهيون انهوا ان من حُقُوق ديرهم جَمِيع القبو المجاور لَهُ وَكَانَ مدفنا لموتاهم وان جمَاعَة من الْمُسلمين زَعَمُوا ان بِهِ قبر دَاوُد عليه السلام وبنوا بِهِ محرابا للْقبْلَة وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وان الْعلمَاء أفتوا بِأَنَّهُ من اسْتِحْقَاق النَّصَارَى وَلَا يجوز ان يكون مَسْجِدا لكَونه مَقْبرَة وبرز الْأَمر بتحرير ذَلِك وَتَسْلِيم القبو لِلنَّصَارَى وَمنع من يعارضهم وَعقد مجْلِس بدار النِّيَابَة بِحَضْرَة الْقُضَاة وَقصد بعض النَّاس إِعَانَة النَّصَارَى على انْتِزَاعه من الْمُسلمين فعز ذَلِك على أهل الاسلام لكَونه بِأَيْدِيهِم وَبِه قبْلَة الى الْكَعْبَة المشرفة فخذل الله النَّصَارَى ومساعديهم وَانْصَرف الْمجْلس من غير شَيْء وَسَنذكر تَتِمَّة هَذِه الْحَادِثَة فِي السّنة الْآتِيَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وفيهَا ورد مرسوم شرِيف على دقماق نَائِب الْقُدس الشريف بِطَلَب المباشرين الى الابواب الشَّرِيفَة والحط عَلَيْهِ بِسَبَب تَقْصِيره فِي سماط سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وَمن جملَة أَلْفَاظ المرسوم يَا معلون مَا أَنْت مُسلم وَقُرِئَ المرسوم فِي مجْلِس حافل بِحَضْرَة الْخَاص وَالْعَام بدار النِّيَابَة فِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشري شعْبَان وَمِمَّا تضمنه المرسوم عزل القَاضِي شمس الدّين الديري الْحَنَفِيّ من قُضَاة الْحَنَفِيَّة بالقدس الشريف وتجهيزه الى الابواب الشَّرِيفَة فأعيد الْجَواب بالتطلف فِي مره وَاسْتمرّ مُقيما الى ان حصل الانعام عَلَيْهِ
باعادته الى وظيفته اواخر شهر ذِي الْقعدَة وَفِي شهر ذِي الْحجَّة بعد عيد الاضحى توجه القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن مَازِن الْمَالِكِي الى مَحل وَطنه بغزة واستخلف عَنهُ فِي الحكم القَاضِي كَمَال الدّين ابو البركات بن الشَّيْخ خَليفَة على عَادَته ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فِيهَا قحط الْمَطَر بِبَيْت الْمُقَدّس حَتَّى مضى غَالب الشتَاء وانزعج النَّاس لذَلِك وصاموا ثَلَاثَة ايام ثمَّ استسقوا فِي صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد خَامِس عشر ربيع الآخر بالصخرة الشَّرِيفَة وخطب الْخَطِيب شرف الدّين ابْن جمَاعَة خطْبَة بليغة وتضرع وابتهل وضج النَّاس الى الله بِالدُّعَاءِ ودخلوا الى الْجَامِع الْأَقْصَى بِالذكر والتهليل ثمَّ انصرفوا وَلم يسقوا فِي يومهم فجزع النَّاس لذَلِك وَتَضَرَّعُوا الى الله تَعَالَى فَلَمَّا مضى النَّهَار وَأَقْبَلت لَيْلَة الِاثْنَيْنِ أغاث الله عباده بالمطر الغزير فامتلأت الْآبَار وَرويت الأَرْض وَأظْهر الله إِجَابَة دُعَاء عباده الضُّعَفَاء فاطمأن النَّاس وحمدوا الله واثنوا عَلَيْهِ وَله الْحَمد والْمنَّة وفيهَا اشْتَدَّ الامر بِسَبَب التجريدة لقِتَال بايزيد خَان بن عُثْمَان خَان ملك الرّوم وتجهيز الرِّجَال من جبل الْقُدس وجبل الْخَلِيل وَغَيرهمَا وَتوجه الْأَمِير أزبك أَمِير كَبِير وصحبته المراء والعساكر فَلَمَّا وصل الى مَدِينَة الرملة كتب مرسومه الى بَيت الْمُقَدّس الى مَشَايِخ الاسلام والقضاة بِسَبَب رُهْبَان دير صهيون وَمَا أنهوه من جِهَة القبو الَّذِي يُقَال ان بِهِ قبر دَاوُد عليه السلام وان يحرر الْأَمر فِيهِ وَإِذا تبين انه من اسْتِحْقَاق النَّصَارَى بالطرق الشَّرْعِيّ يسلم اليهم فعقد مجْلِس لذَلِك بِالْمَدْرَسَةِ التنكزية بِحَضْرَة شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف وَشَيخ الاسلام النجمي بن جمَاعَة ودقمق نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السلطنة والقضاة وَدَار الْكَلَام بَينهم فِي تَحْرِير امْرَهْ وَكَتَبُوا محضرا يتَضَمَّن ان هَذَا الْمَكَان بِهِ محراب الى جِهَة الْقبْلَة وانه بأيدي الْمُسلمين من تقاد السنين وَكتب
الْعلمَاء والقضاة وَالْفُقَهَاء خطوطهم بالمحضر وَلم يتلفت الى النَّصَارَى وَلَا إِلَى من يساعدهم فِي ذَلِك كل ذَلِك وهم مستمرون على الْفساد لعنة الله عَلَيْهِم (وَاقعَة قبر دَاوُد عليه السلام والقبة المحدثة عِنْد دير صهيون)(والكشف على دقماق نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب الْقُدس الشريف) وفيهَا - عقب مَا تقدم ذكره من أَمر النَّصَارَى - كتب شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف للسُّلْطَان مكاتبتين احداهما ذكر فِيهَا ان الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف قد اخْتَلَّ نظامه وَاحْتَاجَ الى الْعِمَارَة وَإِقَامَة الشعائر وَالثَّانيَِة فِي معنى الْقبَّة الَّتِي احدثها النَّصَارَى عِنْد دير صهيون وانها صَارَت كَنِيسَة محدثة وَمَا وَقع بِسَبَب القبو الَّذِي يُقَال ان بِهِ قبر دَاوُد عليه السلام وجهز المكاتبتين للسُّلْطَان فعرضتا عَلَيْهِ واقترن بذلك كَثْرَة الشكاوى على دقمق نَائِب الْقُدس لما يصدر مِنْهُ من الظُّلم والجور وَقطع الطّرق فِي أَيَّامه فَجهز السُّلْطَان خاصكيا اسْمه أزبك بالكشف على النَّائِب وَكتب مرسوم شرِيف مُطلق بِمَا وَقع على النَّائِب من شكوى الرّعية وَمَا يعْمل فِي حَقهم وان يحرر أمره ويعاد الْجَواب على المسامع الشَّرِيفَة ورسوم ثَان مُخْتَصّ بالشيخ كَمَال الدّين جَوَابا لمكاتبتيه - الْمُتَقَدّم ذكرهمَا - وانه يحرر أَمر الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف وَمَا هُوَ يحْتَاج اليه من الْعِمَارَة وان ينظر فِي أَمر الْقبَّة الَّتِي احدثها النَّصَارَى عِنْد دير صهيون واذا كَانَ الْبناء مُخَالف للشَّرْع يهدم وَيُحَرر أَمر قبر دَاوُد عليه السلام وَيعْمل مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْع الشريف وإعادة الْجَواب بِمَا يتحرر من ذَلِك وَفصل الخاصكي الى بلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وَجلسَ بِالْمَسْجِدِ الشريف الخليللي وَحصل الْكَشْف على النَّائِب بِمَدِينَة سيدنَا الْخَلِيل فكثرت عَلَيْهِ الشكوى بِسَبَب سماط سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وَمَا يحصل مِنْهُ من الضَّرَر لأهل بلد الْخَلِيل وَكتب محْضر بذلك بِخَط القَاضِي وَأهل الْبَلَد
ثمَّ حضر الخاصكي والنائب صحبته فدخلا الى الْقُدس الشريف فِي يَوْم الْخَمِيس آخر جمادي الْآخِرَة وجلسا فِي محراب الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَجلسَ مَشَايِخ الاسلام والقضاة وَالْخَاص وَالْعَام وَقُرِئَ المرسوم الشريف الْوَارِد بالكشف على النَّائِب والمرسوم الثَّانِي بِسَبَب النَّصَارَى وَمَا أحدثوه وضج النَّاس وَأَكْثرُوا من الشكوى على النَّائِب وافحشوا لَهُ فِي القَوْل واصبح النَّاس فِي يَوْم الْجُمُعَة جَلَسُوا بالمجمع سفل الْمدرسَة الشرفية وشرعوا فِي الْكَشْف على النَّائِب وَادّعى عَلَيْهِ كثير من النَّاس عِنْد قاضة الشَّرْع الشريف بامر أنكر بَعْضهَا واعترف بِبَعْض (هدم الْقبَّة) فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم السبت ثَانِي شهر رَجَب توجه شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف وَشَيخ الاسلام النجمي ابْن جمَاعَة ودقماق النَّائِب وأزبك الخاصكي والقضاة وَالْخَاص وَالْعَام الى دير صهبون وجلسوا بداخل الْقبَّة اليا حدثها النَّصَارَى وَتَكَلَّمُوا فِي أمرهَا فَتحَرَّر من امرها ان النَّصَارَى انهو ان بِقرب دير صهيون قبرا يُسمى الْقَبْر المنسي وَأَنه يقْصد للزيارة وَأَن مُرَادهم الْبناء عَلَيْهِ واثبتوا محضرا ان هَذَا الْمَكَان هُوَ الْقَبْر المنسي فبنوا الْقبَّة الْمَذْكُورَة اعْتِمَادًا على أَن الْقَبْر المنسي تحتهَا فَلَمَّا جلس الْعلمَاء والقضاة للتحرير تبين أَن الْأَمر بِخِلَاف مَا انهوه لمقْتَضى ان الْقَبْر المنسي فِي مَوضِع آخر بِالْقربِ من الْقبَّة فِي حاكورة هُنَاكَ وَأمره مَجْهُول لَا يعلم مَا هُوَ وَأَن المدفون بِهِ حَيْثُ كَانَ مُسلما فَلَا مدْخل لِلنَّصَارَى فِي الْبناء عَلَيْهِ وتحرر أَن مَحل الْقبَّة الْمَذْكُورَة إِنَّمَا هُوَ الْمَكَان الَّذِي تزْعم النَّصَارَى أَنه مقَام السيدة مَرْيَم عليها السلام وَقد بنيت الْقبَّة الْمَذْكُورَة على صفة الْكَنَائِس وَبهَا هيكل الى جِهَة الشرق فَلَمَّا اتَّضَح ذَلِك اقيمت الْبَيِّنَة عِنْد القَاضِي بدر الدّين بن الحمامي الشَّافِعِي
ان الْقبَّة الْمَذْكُورَة مجدثة فِي دَار الاسلام وان الْمُتَوَلِي لبنائها رَئِيس دير صهيون وَرجل آخر من النَّصَارَى بسعيهما فِي ذَلِك وحضرا بِالْمَجْلِسِ وسألهما القَاضِي عَن ذَلِك فاعترفا ببنائها وأنهما هما المتسببان فِي ذَلِك فألزمهما بهدمها وَنفذ لَهُ بَقِيَّة الْقُضَاة الْأَرْبَعَة مَا صدر مِنْهُ من الالزام بالهدم وَأما القبو الَّذِي يُقَال ان بِهِ قبر دَاوُد عليه السلام فَتحَرَّر من أمره انه كَانَ قَدِيما بأيدي النَّصَارَى وَحصل فِيهِ نزاع كثير من الْمُسلمين فِي الزَّمن السالف من نَحْو مائَة سنة وَرفع امْرَهْ الى الْمُلُوك السالفة مِنْهُم الْملك الْمُؤَيد شيخ والأشرف برسباي وَغَيرهمَا وَكتب مراسيم شريفة فِي أمره وَكثر النزاع فِي الزَّمن السالف بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى بِسَبَبِهِ وَكَانَ تَارَة يَأْخُذهُ الْمُسلمُونَ وَتارَة يسترجعه النَّصَارَى وَلم يزل امْرَهْ فِي تخبيط الى زمن الْملك الظَّاهِر جقمق رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَرفع أمره اليه وَكَانَ من امْرَهْ مَا تقدم شَرحه فِي تَرْجَمته فِي سنة سِتّ وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَاسْتقر قبر دَاوُد من ذَلِك التَّارِيخ بأيدي الْمُسلمين بمرسوم الْملك الظَّاهِر جقمق وَبنى بِهِ قبْلَة الى جِهَة الْكَعْبَة المشرفة وبالقبو الْمَذْكُور محراب موجه الى جِهَة صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَبِه صفة قبر يُقَال أَنه قبر دَاوُد عليه السلام وَولي النّظر عَلَيْهِ الشَّيْخ يَعْقُوب الرُّومِي الْحَنَفِيّ عَالم الْحَنَفِيَّة بالقدس الشريف وَكتب لَهُ مربعات حسبَة من الْملك الْأَشْرَف اينال وَالْملك الظَّاهِر خشقدم بمرتب يصرف للمكان الْمَذْكُور وَاسْتمرّ بأيدي الْمُسلمين الى عصرنا من غير مُنَازع وتحرر أَمر ذَلِك على الصّفة الْمَذْكُورَة وَلم يتَبَيَّن لِلنَّصَارَى مَا يَقْتَضِي استحقاقهم لَهُ وَلَا مَا يسوغ انْتِزَاعه من الْمُسلمين فَعِنْدَ ذَلِك جلس شيخ الاسلام والقضاة والاعيان بالقبو الْمَذْكُور وقرؤا الْقُرْآن وَذكروا الله تَعَالَى ومدح النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَكَانَ يَوْمًا مشهودا أعز الله فِيهِ الاسلام وَأَعْلَى كلمة الايمان وقمع عَبدة الصلبان فَللَّه الْحَمد والْمنَّة ثمَّ انْصَرف النَّاس الى دَاخل الْمَدِينَة للكشف على النَّائِب وَحصل الِاتِّفَاق مَعَ النَّصَارَى انهم فِي الْيَوْم الثَّانِي وَهُوَ نَهَار الاحد يهدمون
مَا أحدثوه من بِنَاء الْقبَّة الْمَذْكُورَة وانفصل الامر على ذَلِك فَلَمَّا دخل النَّاس إِلَى الْمَدِينَة ورد الْخَبَر أَن السُّلْطَان قدم الى مَدِينَة الرملة وَنصب خيامه بهَا فاضطرب الْحَال لذَلِك وَشرع النَّاس من الاعيان والاكابر فِي التأهب للقاء السُّلْطَان وَبَقِي الْخلق فِي هوج وموج فَأَشَارَ شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف بالمبادرة الى هدم الْقبَّة الْمَذْكُورَة قبل التَّوَجُّه الى لِقَاء السُّلْطَان خشيَة من عَارض يحدث ثمَّ ركب بِنَفسِهِ وَتوجه وصحبته الخاصكي والنائب والقضاة والجم الْغَفِير وعادوا على الْفَوْر إِلَى دير صهيون وَأمرُوا بهدمها وهم جُلُوس هُنَاكَ فاحضرت آلَات الْهدم وانتهز أهل الاسلام الفرصة وهدموا الْقبَّة عَن آخرهَا ودكوها دكا واسبعوا الْكَافرين صكا وَاسْتمرّ الْهدم من ضحى النَّهَار إِلَى آخِره وَعمل فِيهِ خلق من الْفُقَهَاء والفقراء والصوفية والزهاد وَالْخَاص وَالْعَام كل ذَلِك والمسلمون تعلو أَصْوَاتهم بالتسبيح والتهليل وَالتَّكْبِير وَكَانَ يَوْمًا مشهودا يذكر مَا سلف من الْغَزَوَات نصْرَة الاسلام على مِلَّة الْكفْر وَهَذِه المثوبة فِي صَحَائِف شيخ لااسلام الكمالي فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ سَببا لهَذَا الْمَعْرُوف فجزاه الله عَن الاسلام وَالْمُسْلِمين خيرا فَلَمَّا انْتهى الْهدم وَلم يبْق للقبة اثر ورد الْخَبَر من مَدِينَة الرملة من جمَاعَة حَضَرُوا مِنْهَا فِي ذَلِك الْوَقْت ان السُّلْطَان لم يكن حضر وَلَا خرج من الْقَاهِرَة وان الْخَبَر الْوَارِد بقدومه الى الرملة لَا أثر لَهُ فَعجب النَّاس لذَلِك وعد ذَلِك من بركَة الاسلام فَإِنَّهُ لماورد الْخَبَر بقدوم السُّلْطَان كَانَ السَّبَب الى الاسراع بهدم الْقبَّة وَوَقع جَمِيع ذَلِك فِي يَوْم السبت ثَانِي شهر رَجَب - كَمَا تقدم ذكره وكتبت محَاضِر بِمَا وَقع فِي أَمر الْقبَّة وهدمه ابحكم الشَّرْع الشريف وَمَا تحرر من أَمر قبر دَاوُد عليه السلام وَأَنه تَبْيِين انه بأيدي الْمُسلمين من تقادم السنين وَمَا وَقع فِيهِ من الْقِرَاءَة وَالذكر وَكتب شُيُوخ الاسلام والقضاة وَالْفُقَهَاء خطوطهم على المحاضر وَلما حضر الخاصكي بالكشف كَانَ القَاضِي الْمَالِكِي شمس الدّين بن مَازِن بغزة
فَحَضَرَ بعد الشُّرُوع فِي الْكَشْف بِنَحْوِ ثَلَاثَة أَيَّام وَكتب خطه مَعَ الْجَمَاعَة على المحاضر واصبح النَّاس فِي يَوْم الْأَحَد فِي الشُّرُوع فِيمَا يتَعَلَّق بالكشف على النَّائِب وَحصل التَّشْدِيد من الخاصكي عَلَيْهِ وَاغْلُظْ عَلَيْهِ فِي القَوْل وَوَضعه فِي الترسيم وَكتب الْجَواب للسُّلْطَان بمحاضر عَلَيْهَا خطوط اعيان بَيت الْمُقَدّس بِمَا تحرر من أَمر النَّائِب وَسُوء سيرته وَمَا اعْتَمدهُ فِي حق الرّعية من الظُّلم وَعدم سلوك الطَّرِيق الحميدة وخراب الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف وجهزت المحاضر على يَد الامام نَاصِر الدّين ابْن الشنتير إِمَام الصَّخْرَة الشَّرِيفَة فبادر النَّائِب وجهز دواداره طرباي خُفْيَة الى الْقَاهِرَة وَاجْتمعَ بالأمير اقبردي الدوادار الْكَبِير واعلمه بِمَا وَقع فِي حق استاذه ووعده بِمَال فانتصر للنائب ثمَّ علم بوصول إِمَام الصَّخْرَة وعَلى يَده المحاضر فَجهز لَهُ من تَلقاهُ فِي ظَاهر الْقَاهِرَة وَقبض عَلَيْهِ وَوَضعه فِي الترسيم وَمنعه من الِاجْتِمَاع بالسلطان وَاسْتمرّ الْأَمر بالقدس الشريف على مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْكَشْف على النَّائِب وعقود الْمجَالِس نَحْو سِتَّة وَعشْرين يَوْمًا وَحصل للنائب شدَّة من الاساءة عَلَيْهِ من أقل الْعَوام فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر رَجَب وَالنَّاس مجتمعون بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية من الْمَشَايِخ والقضاة وَالْخَاص وَالْعَام إِذْ ورد مرسوم شرِيف على يَد قَاصد النَّائِب طرباي يتَضَمَّن الانكار على الخاصكي لما وَقع مِنْهُ فِي حق النَّائِب لكَونه رسم عَلَيْهِ بِغَيْر مرسوم شرِيف وان الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة اقْتَضَت حُضُور النَّائِب وَشَيخ الصلاحية وَالْقَاضِي فَخر الدّين بن نسيبة وان الخاصكي يُعِيد للنائب جَمِيع مَا وصل اليه مِنْهُ حَتَّى النفقه فَلَمَّا ورد هَذَا الْخَبَر حصل للنائب الْفرج بعد الشدَّة ودق الطبلخانات للبشرى وَشرع فِي تتبع من أَسَاءَ الْأَدَب فِي حَقه فاختفى كثير من النَّاس وانزعج الاكابر وانقلب الْأَمر بنصرة النَّائِب على من خاصمه واسترجع من الخاصكي كل مَا دَفعه اليه وَكَانَت فتْنَة فَاحِشَة
ثمَّ فِي أَوَائِل شعْبَان توجه من الْقُدس الشريف كل من النَّائِب وَشَيخ الاسلام النجمي ابْن جمَاعَة وَالْقَاضِي فَخر الدّين بن نسيبة ودخلوا الى الْقَاهِرَة المحروسة وَورد مرسوم شرِيف لشيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف بالتكلم على الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف ومقام سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام فَتوجه الى بلدالخليل وَأقَام نظامه واصلح امْر السماط الْكَرِيم وَلما وصل الْجَمَاعَة المطلوبون للقاهرة قدر ان شيخ الصلاحية تكلّف مبلغا نَحْو الف دِينَار ورسم باستمراره فِي وظيفته وَعَاد الى بَيت الْمُقَدّس فِي شهر شَوَّال وَدخل فِي اللَّيْل وَالْقَاضِي فَخر الدّين بن نسيبة حصل لَهُ محنة من السُّلْطَان واخرجه الى الواح فَأَقَامَ بهَا نَحْو سنتَيْن ثمَّ فِي سنة سبع وَتِسْعين رسم بعوده الى الْقَاهِرَة فَعَاد وَهُوَ مُقيم بهَا الى يَوْمنَا وَالله لطيف بعباده وَأما النَّائِب فَإِنَّهُ انْتَمَى الى الدوادار الْكَبِير وبذل مَالا ورسم باستمراره فِي النِّيَابَة وَالنَّظَر ومماوقع فِي هَذِه الْحَادِثَة أَنه لما توجه نَاصِر الدّين إِمَام الصَّخْرَة بالمحاضر - كَمَا تقدم - وَأشْهد عَلَيْهِ دقماق انه عَزله مِمَّا بِيَدِهِ من نصف إِمَامَة الصَّخْرَة وَقرر فِيهَا القَاضِي شهَاب الدّين بن المهندس فَلَمَّا وصل النَّائِب الى الْقَاهِرَة ورسم لَهُ باستمراره فِي النِّيَابَة وَالنَّظَر حصل لامام الصَّخْرَة نَاصِر الدّين بن الشنتير الِاجْتِمَاع بالسلطان ولامه على مَا صدر مِنْهُ من التَّكَلُّم فِيمَا لَا يعنيه من سَفَره بالمحاضر وَكَونه جعل نَفسه قَاصِدا ووبخه بِمثل ذَلِك فَاسْتَغْفر الله تَعَالَى وَكَانَ من لَفظه للسُّلْطَان يَا مَوْلَانَا السُّلْطَان اعْفُ عني عَفا الله عَنْك وَوَقع بَينهمَا كَلَام لطيف من جملَته ان السُّلْطَان امْرَهْ ان يَرْمِي بِحَضْرَتِهِ النشاب فَرمى فأعجب السُّلْطَان رميه وَأمره ان يَجْعَل عمَامَته كعمامة الْجند كَمَا كَانَت اولا وحصلت لَهُ عناية فرسم السُّلْطَان باستمراره فِي نصف الامامة على عَادَته وعزل القَاضِي شهَاب الدّين بن المهنس وَكتب لَهُ توقيع شرِيف بذلك مَعْنَاهُ ان يسْتَقرّ فِي نصف الامامة على عَادَته وعزل شهَاب الدّين ابْن المهندس الَّذِي قَرَّرَهُ السيفي دقماق بِغَيْر طَرِيق شَرْعِي وَلَا مرسوم شرِيف
وَحضر إِمَام الصَّخْرَة الى الْقُدس الشريف فِي شهر رَمَضَان وَقُرِئَ توقيعه بِالْمَسْجِدِ الاقصى بعد صَلَاة الْجُمُعَة عقب ختم البُخَارِيّ وإهدائه فِي صَحَائِف السُّلْطَان وَفِي رَابِع شهر شَوَّال توجه القَاضِي شمس الدّين ابْن مَازِن الْمَالِكِي إِلَى وَطنه بغزة واستخلف عَنهُ فِي الحكم بالقدس الشريف القَاضِي تَقِيّ الدّين أَبَا بكر بن الْعلم الْمَالِكِي قَاضِي الرملة كَانَ وفيهَا اسْتَقر القَاضِي شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المهندس الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ فِي وَظِيفَة قَضَاء الْحَنَفِيَّة بالقدس الشريف وبلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام عوضا عَن القَاضِي شمس الدّين الديري بمساعدة دقماق نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب الْقُدس وَالسَّبَب فِي ذَلِك انه لما حصل الْكَشْف على النَّائِب حصل لَهُ من القَاضِي شمس الدّين الديري كَلِمَات اغلظ فِيهَا عَلَيْهِ فَوجدَ فِي نَفسه فَلَمَّا تقرر القَاضِي شهَاب الدّين بن المهندس فِي نصف إِمَامَة الصَّخْرَة وَلم يتم لَهُ الْأَمر سعى لَهُ فِي قَضَاء الْحَنَفِيَّة لكَونه سَافر فِي خدمته مساعدا لَهُ واجيب الى ذَلِك وبرز الْأَمر بولايته فِي ثامن عشري رَمَضَان وَوصل مرسوم الاعلام الى الْقُدس فِي أَوَاخِر شهر ذِي الْقعدَة وَمنع القَاضِي شمس الدّين الديري من الحكم وفيهَا حضر الْأَمِير اقبردي الدوادار الْكَبِير الى الْقُدس الشريف مُتَوَجها لجِهَة الْغَوْر وَوصل الى الْقُدس فِي يَوْم الاحد سَابِع عشري ذِي الْحجَّة وَنزل بخان الظَّاهِر وَاسْتمرّ الى يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع عشر الشَّهْر وَدخل الى المسجدا لأقصى فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ ركب من حِينه وَتوجه الى الْغَوْر ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَفِي يَوْم الْخَمِيس خَامِس الْمحرم دخل الْأَمِير دقماق نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السلطنة الى الْقُدس الشريف وَهُوَ لابس خلعة الِاسْتِمْرَار كاملية بسمور وصحبته القَاضِي شهَاب الدّين بن المهندس الْحَنَفِيّ وَهُوَ لابس تشريف الْولَايَة وَفِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي يَوْم دخلوهما قرئَ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مرسوم السُّلْطَان باستمرار النَّائِب وتوقيع القَاضِي
الْحَنَفِيّ ثمَّ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع الْمحرم توجه النَّائِب الى الدوادار بالغور وَاسْتمرّ عِنْده الى اواخر ربيع الأول وَحضر الدوادار من الْغَوْر وَنزل الرملة على قبَّة الجاموس وَحضر النَّائِب الى الْقُدس وفيهَا ورد مرسوم شرِيف بِطَلَب القَاضِي بدرالدين بن الحمامي الشَّافِعِي وَالْقَاضِي شمس الدّين الديري الْحَنَفِيّ وَالشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن شروين الْمقري الى الْقَاهِرَة وَالسَّبَب فِي ذَلِك دقماق نَائِب الْقُدس الشريف بِسَبَب كَلَام وَقع مِنْهُم فِي وَقت الْكَشْف عَلَيْهِ فِي السّنة الْمَاضِيَة وتوجهوا من الْقُدس فِي نصف شهر صفر وتكلفوا مَالا وعادالقاضي الشَّافِعِي وَهُوَ مُسْتَمر على الْولَايَة وَالْقَاضِي شمس الدّين الديري وَهُوَ مُسْتَمر على الْعَزْل وَكَانَ عودهما الى الْقُدس فِي نصف شهر رَمَضَان وَفِي أول شهر ربيع الأول حضر القَاضِي الْمَالِكِي شمس الدّين بن مَازِن من غَزَّة الى الْقُدس الشريف بِمُبَاشَرَة وظيفته {وَاقعَة الزَّيْت} وَفِي أول شهر ربيع الآخر حضر السيفي قانصوه من مخيم الْأَمِير اقبردي الدوادار الْكَبِير بمرسومه برمي الزَّيْت المتحصل من جبل نابلس على أهل بَيت الْمُقَدّس الْخَاص وَالْعَام من الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى كل قِنْطَار بِخَمْسَة عشر دِينَارا ذَهَبا وَالسَّبَب فِي ذَلِك دقماق نَائِب الْقُدس الشريف لما حصل عِنْده من الحنق على أهل بَيت الْمُقَدّس مِمَّا وَقع مِنْهُم حِين الْكَشْف عَلَيْهِ فِي السّنة الْمَاضِيَة وَكَانَ الزَّيْت قبل ذَلِك من تقادم السنين ومضي الْأَزْمِنَة يرد من جبل نابلس وَيُبَاع بالقدس والرملة بالسعر الْوَاقِع من غير حرج على أحد وَاسْتمرّ الامر على ذَلِك الى سنة تسعين وَثَمَانمِائَة فتسبب بعض وسائط السوقة فِي امْرَهْ فَصَارَ يضْبط الزَّيْت وَيَرْمِي على اربابه وهم التُّجَّار الَّذين يصنعون الصابون بالقدس الشريف ومدينة الرملة وَيدْفَع لَهُم بِقدر معِين من غير تعرض الى أحد غير من يصنع الصابون وَحضر
فِي اوائل الْأَمر الْأَمِير تغرى ورمش لقبض ثمنه ثمَّ صَار يعين فِي كل سنة بعض المماليك بِخِدْمَة الْأَمِير دوادرا كَبِير للحضور الى جبل نابلس فيحضر ويضبط الزَّيْت ويبيعه لأربابه وَيقبض ثمنه فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه السّنة خضر الْأَمِير الدوادار من الْقَاهِرَة - كَمَا تقدم - وَقصد بيع الزَّيْت لأربابه على مَا جرت بِهِ الْعَادة من سنة تسعين فسعى دقماق فِي رميه على جَمِيع أهل بَيت الْمُقَدّس لينتقم مِنْهُم فَلَمَّا حضر السيفي قانصوه فِي أول ربيع الآخر - كَمَا تقدم - وَجلسَ مَعَ دقماق بدار النيبابة طلب أهل الْقُدس بأسرهم وَكتب أَسْمَاءَهُم فِي قَوَائِم وَعين على كل انسان قناطير مُعينَة وَأمرهمْ بشرَاء الزَّيْت كل قِنْطَار بِخَمْسَة عشر دِينَارا ورسم على النَّاس وشدد عَلَيْهِم وضربهم ضربا مؤلما وَشرع يحمل كل اُحْدُ فَوق طاقته وَلم يطعه ضربه حَتَّى يكَاد يهْلك وَمن غَابَ هجم على منزله وَأخذ مَاله من الْأَمْتِعَة وَمن لم يُوجد لَهُ امتعة وَلَا مَوْجُود أحضر زَوجته وضرباه وسجنها حَتَّى تدفع مَا عَليّ زَوجهَا فهتك كثير من المخدرات وَمن لم يظفر بِزَوْجَتِهِ احضر من يكون من أَقَاربه فَإِن لم يُوجد لَهُ قريب أحضر من يكون من جِيرَانه حَتَّى وَقع أَنه طلب شخصا فَلم يجده فَقَالَ لأعوانه أحضروا زجته فَقيل لَهُ انها ختفت فَقَالَ انْظُرُوا من يكون من اقاربه فَقيل لَيْسَ لَهُ قرَابَة فَقَالَ انْظُرُوا جِيرَانه فَقيل أَن جِيرَانه قد اختفوا فَقَالَ انْظُرُوا من يكون جلس عِنْده وحدثه فأحضر الاعوان رجلا وَقَالُوا ان هَذَا جلس فِي وَقت على حانوته وتحدث مَعَه فَأمر دقماق ذَلِك الرجل ان يدْفع ثمن الزَّيْت الْمعِين عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ لم؟ قَالَ لِأَنَّك جَلَست عِنْده فِي وَقت وتحدثت مَعَه ثمَّ ضرب ذَلِك الرجل الى ان اخذ مِنْهُ مَا على الْغَائِب وَمثل هَذِه الْحِكَايَة كَثِيرَة وَوَقع ماهو أفحش مِنْهَا وأشنع وَاسْتمرّ النَّاس فِي الضَّرْب والترسيم والمحنة وهتك الْحرم شهر ربيع الآخر بِكَمَالِهِ وَبَاعَ النَّاس امتعتهم وثيابهم بأبخس الاثمان وَبيع كل مِثْقَال من الذَّهَب
الطّيب بِدُونِ خمسين درهما وَبَاقِي النَّاس يَأْخُذُونَ الزَّيْت كل قِنْطَار بِخَمْسَة عشر دِينَارا ذَهَبا ويبيعونه بِمِائَتي دِرْهَم وَخمسين درهما فضَّة فَكَانَت الخسارة أَكثر من الثُّلثَيْنِ ثمَّ جهز دقماق دواداره طرباي الى بلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وَرمى على أهل بلد الْخَلِيل جانبا من الزَّيْت ورسم عَلَيْهِم الى ان استوفى مِنْهُم الثّمن وحملت الى مخدومه وَكَانَت محنة فَاحِشَة لم يسمع بِمِثْلِهَا فِي عصر من الاعصار بل وَلَا فِي مِلَّة من الْملَل خُصُوصا فِي مثل هَذِه الْبقْعَة الشَّرِيفَة الَّتِي فِيهَا أحد الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة الَّتِي تشد لَهَا الرّحال وَعند مقَام نَبِي الله وخليله ابراهيم عليه السلام فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير ثمَّ توجه دقماق والسيفي قانصوه - الْمَذْكُورَان - بالمبلغ الْمَقْبُوض ثمنا عَن الزَّيْت وَهُوَ نَحْو عشْرين الف دِينَار الى مخيم لأمير الدوادار بِظَاهِر مَدِينَة الرملة فانتقم الله تَعَالَى من دقماق اشد انتقام وعزل الامير دوادار كَبِير من نظر الْحَرَمَيْنِ ونيابة السلطنة وَأخرجه الله من الأَرْض المقدسة فسبحان المنتقم بعدله وفيهَا اسْتَقر الْأَمِير خضر بك الَّذِي كَانَ نَائِب الْقُدس الشريف فِي نظر الْحَرَمَيْنِ ونيابة السلطنة بالقدس وبلد سيدنَا الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام عوضا عَن دقماق - الْمُتَقَدّم ذكره - وألبس الخلعة من حَضْرَة دوادار السُّلْطَان بِظَاهِر مَدِينَة الرملة فِي يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع شهر جمادي الأولى وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي سَافر فِيهِ الْأَمِير دوادار من الرملة قَاصِدا الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة وَدخل الى الْقُدس الشريف فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ عَاشر جمادي الأولى وَمَعَهُ من الْخلق والعشير مَا لَا يحصيهم إِلَّا الله تَعَالَى وَكَانَ يَوْمًا مشهودا لدُخُوله لم ير مثله لدُخُول حَاكم فِي هَذِه الازمنة واستبشر النَّاس بولايته وَحصل الْأَمْن فِي الطّرق وردع الناحيس وَكَانَ قبل ذَلِك بِيَسِير فِي شهر ربيع الآخر برز الْأَمر الشريف باخراج مَدِينَة الرملة عَن نَائِب الشَّام الْأَمِير قانصوه اليحياوي وإضافتها الى ملك الْأُمَرَاء أقباي نَائِب غَزَّة المحروسة وَلم تجر بذلك عَادَة قبل هَذَا التَّارِيخ ثمَّ فِي شهر شعْبَان
ورد على الْأَمِير خضر بك نَائِب الْقُدس وناظر الْحَرَمَيْنِ خلعة من الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة وَكتب لَهُ توقيع شرِيف باستقراره فِي الوظيفتين والبس من ظَاهر الْقُدس وَدخل النَّاس فِي خدمته وَكَانَ يَوْمًا حافلا وَقُرِئَ توقيعه بعد صَلَاة الْجُمُعَة بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الشريفز وفيهَا أخمد الله الْفِتْنَة بَين الْملك الْأَشْرَف وَبَين السُّلْطَان بايزيد خَان بن عُثْمَان خَان ملك الرم وحضرقصاد السُّلْطَان بايزيد خَان قَاضِي مَدِينَة برصة لعقدالصلح مَعَ مَوْلَانَا السُّلْطَان عز نَصره فَأحْسن اليهم واكرمهم وَعَاد القصاد وَالْقَاضِي - الْمشَار اليه - وزاروا سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام ودخلو بَيت الْمُقَدّس فِي شهر رَمَضَان وَركب للقائهم الْأَمِير خضر بك نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السلطنة شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف وَشَيخ الاسلام النجمي ابْن جمَاعَة والقضاة الاربعة وَالْخَاص وَالْعَام ودخلوا الى الْقُدس الشريف وَكَانَ يَوْمًا مشهودا وتوجهوا فِي الشَّهْر الْمَذْكُور قَاصِدين بلادالروم وَحصل الصُّلْح بَين الْملكَيْنِ وَحصل للرعية الطُّمَأْنِينَة بذلك وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وجهز السُّلْطَان قاصده الْأَمِير جَان بلاط السُّلْطَان ابْن عُثْمَان لعوق الْجَواب عَن الصُّلْح فَحصل لَهُ الْخَيْر من ملك الرّوم وَبَالغ فِي إكرامه وأكمل الله الصُّلْح بَين الْملكَيْنِ وَكَانَ ابْتِدَاء الْفِتْنَة وتجهيز العساكر للتجريدة من اوائل سنة تسع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة الى ان لطف الله تَعَالَى بعباده وَوَقع الصُّلْح فِي هَذَا التَّارِيخ بعد وُقُوع الْحَرْب وافتن نَحْو ثَمَان سِنِين وَصرف فِي التجاريد لذَلِك مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَكَانَ عود الْأَمِير جَان بلاط من بِلَاد الرّوم فِي شهر ربيع الأول من سنة سبع وَتِسْعين وفيهَا - أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين - ورد مرسوم شرِيف على شيخ الاسلام الكمالي يتَضَمَّن انه اتَّصل بالمسامع الشَّرِيفَة ان الْقبَّة الَّتِي احدثها النَّصَارَى عِنْد دير صهيون لما هدمت بَقِي بعض بِنَاء من أَثَرهَا فَتقدم باكمال هدمها ومحو أَثَرهَا فَتوجه شيخ الاسلام الكمالي وناظرا لحرمين ونائب السلطنة الامير خضر بك والقضاة
الى دير صهيون ومحى أَثَرهَا بهدم مَا بَقِي مِنْهَا ونبش اساسها بحضورهم وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان وَكَانَ يَوْمًا مشهودا اعظم من يَوْم هدمها الأول - كَمَا تقدم فِي السّنة الْمَاضِيَة - وفيهَا فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سادس عشر شَوَّال دخل قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين ابو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن الازرق الاندلسي الْمَالِكِي الى الْقُدس الشريف مُتَوَلِّيًا قَضَاء الْمَالِكِيَّة عوضا عَن القَاضِي شمس الدّين الْغَزِّي وباشر بعفة وَتوجه ابْن مَازِن الى غَزَّة فِي اوائل شهر ذِي الْقعدَة وَاسْتمرّ معزولا الى ان توفّي فِي خَامِس عشر ذِي الْحجَّة سنة تِسْعمائَة وَكَانَت إِقَامَة ابْن الْأَزْرَق بالقدس الشريف مُدَّة شَهْرَيْن وَتُوفِّي فِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر ذِي الْحجَّة وَتقدم ذكر ذَلِك فِي تَرْجَمته عَفا الله عَنهُ ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فِيهَا فِي شهر ربيع الأول الْمُوَافق لكانون الثَّانِي وَقع هدم فَاحش بكنيسة قمامة بالقدس فِي اللَّيْل من الْمَطَر وَهلك تَحْتَهُ رجلَانِ من طَائِفَة الْحَبَش وَاسْتمرّ الى يَوْمنَا لم يعمر وفيهَا ورد مرسوم شرِيف على شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف بالتوجه الى مَدِينَة غَزَّة وصحبته الْأَمِير خضر بك نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السلطنة بالقدس الشريف وإيقاع الصُّلْح بَينه وَبَين الْمقر الاشرف السيفي اقباي كافل المملكة الغزية بِسَبَب مَا بَينهمَا من التنافر وَإِزَالَة الكدر والوحشة من بَينهمَا والمعاهدة بَينهمَا على ذَلِك وَكِتَابَة صُورَة وعرضها على المسامع الشَّرِيفَة فَتوجه من الْقُدس الشريف الى غَزَّة امتثالا للمراسيم الشَّرِيفَة وَحصل الصُّلْح بَين الْمشَار اليهما على أحسن وَجه فَكَانَ ذَلِك فِي جمادي الْآخِرَة وَدخل الْأَمِير خضر بك الى الْقُدس الشريف بخلعة كاملية بسمور فِي بكرَة يَوْم الاربعاء حادي عشري جمادي الاخرة وَدخل شيخ الاسلام الكمالي بعد الْعَصْر من يَوْم الْخَمِيس بكاملية صوف ابيض سمور وفيهَا دخل الوباء بالطاعون حَتَّى عَم جَمِيع المملكة وابتدأ بالقدس الشريف
فِي عشري جمادي الْآخِرَة وَاسْتمرّ الى آخر رَجَب يبلغ عدد الاموات فِي كل يَوْم الى ثَلَاثِينَ واربعين وَفِي يَوْم الْجُمُعَة حادي عشري رَجَب نَحْو الْخمسين وَهِي أول جُمُعَة ظهر فِيهَا كَثْرَة الْأَمْوَات وَاشْتَدَّ الْأَمر فِي شهر شعْبَان فَبلغ الْعدَد فِي كل يَوْم فَوق الْمِائَة وَقيل انه بلغ فِي الْيَوْم إِلَى الْمِائَة وَثَلَاثِينَ وَبلغ الْعدَد بِمَدِينَة سيدنَا الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام فِي دون الْخمسين وَتُوفِّي الامير خضر بك نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السلطنة فِي لَيْلَة الاحد الْحَادِي وَالْعِشْرين من شعْبَان وَكَانَ لما ولي النِّيَابَة فِي الْمرة الاولى ساءت سيرته وَوَقع فِي أمره مَا تقدم شَرحه فِي حوادث سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين فَلَمَّا ولي النِّيَابَة وَالنَّظَر فِي الْمرة الثَّانِيَة فِي سنة سِتّ وَتِسْعين بَاشر مُبَاشرَة حَسَنَة واظهر الْعدْل فِي الرّعية واستعطف خواطر النَّاس وَشرع فِي سلوك طرق الرياسة وَاسْتمرّ على ذَلِك الى أَن دخل الوباء فتطير من ذَلِك وَخرج من مَدِينَة الْقُدس الى ظَاهرهَا وَأقَام بالكروم اياما واظهر الْخَوْف الزَّائِد فَأنْكر النَّاس عَلَيْهِ ذَلِك فَدخل الى الْمَدِينَة وَأقَام يَسِيرا وَتوفيت ابْنة لَهُ ثمَّ بعد يَوْمَيْنِ اَوْ ثَلَاثَة توفيت زَوجته ثمَّ بعد وفاتها بِنَحْوِ سِتَّة أَيَّام توفّي هُوَ وَصلي عَلَيْهِ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بعد صَلَاة الظّهْر من يَوْم الاحد الْحَادِي وَالْعِشْرين من شعْبَان وَدفن بتربة ماملا وَكَانَ اسند وَصيته لشيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف - أمتع الله بحياته - فَتوجه الى التربة وَتَوَلَّى امْرَهْ ووقف على دَفنه وصحبته جمَاعَة من الاعيان وقضاة الشَّرْع الشريف وَاسْتمرّ الوباء بالقدس فِي قوته الى سلخ شعْبَان وافنى خلقا من الاطفال والشباب وافنى طَائِفَة الهنود عَن آخِرهم وَكَذَلِكَ الْحَبَش وَمَات جمَاعَة من الاخيار الصَّالِحين مِنْهُم الشَّيْخ عبد السَّلَام الرضي الْحَنَفِيّ وَتقدم ذكر تَرْجَمته وَمِنْهُم الشَّيْخ جِبْرِيل الْكرْدِي الشَّافِعِي وَكَانَ من أهل الْفضل وَمن اصحاب شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف وَمِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح الْفَاضِل يُوسُف السُّلَيْمَانِي الْحَنَفِيّ نَائِب إِمَام الصَّخْرَة
الشَّرِيفَة وَكَانَ من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح وَالْفضل فِي مَذْهَب ابي حنيفَة رضي الله عنه وَكَانَ يُصَلِّي إِمَامًا بالصخرة وعَلى قِرَاءَته الانس وَالْجمال وَمِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح الْمقري عَليّ الْجُزُولِيّ الْمَالِكِي نَائِب إِمَام الْمَالِكِيَّة بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَكَانَ من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح حَافِظًا لكتاب الله تَعَالَى وَكَانَ يؤم بِجَامِع المغاربة وَيُؤَدِّي الصَّلَاة على أوضاعها من الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود وَمِنْهُم الشَّيْخ صَالح مُوسَى المغربي وَكَانَ عبدا صَالحا يقيمها بالخلوة الَّتِي تَحت سور الصَّخْرَة الشَّرِيفَة القبلي سفل التَّارِيخ وَكَانَ يجلس على بَاب الْخلْوَة ويجتمع عِنْده أهل الْخَيْر يَتلون كتاب الله وَكَانَ يجلس غَالِبا وَرَأسه مَكْشُوف وَالصَّلَاح ظَاهر عَلَيْهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح الناسك اسحاق الجبرتي وَكَانَ عابدا زاهدا مُنْقَطِعًا الى الله تَعَالَى فِي الْخلْوَة الَّتِي بصدر جَامع النِّسَاء بداخل الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَالنَّاس يَتَرَدَّدُونَ اليه ويتبركون بِهِ وَقد ظهر لَهُ كرامات ومكاشفات وَمِنْهُم الْعدْل خير الدّين أَبُو الْخَيْر أَحْمد بن شهَاب الدّين أَحْمد بن شمس الدّين مُحَمَّد القلقيلي الْمقري الْحَنَفِيّ وَتقدم ذكر وَالِده وجده مَعَ الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة كَانَ يحفظ الْقُرْآن ويؤديه بِحسن صَوت وَطيب نَغمَة واحترف بِالشَّهَادَةِ مُدَّة طَوِيلَة وباشر عُقُود الانكحة وَلم يمت بالطاعون وَإِنَّمَا ركب بغلة وَتوجه الى الكروم فَوَقع بِظَاهِر الْبَلَد فَكسرت رجله من ركبته وَحمل الى الْمَدِينَة فَمَرض أَيَّامًا وَتُوفِّي آخر يَوْم من رَجَب وَمِنْهُم الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن شروين الْمقري الخليلي التَّاجِر وَكَانَ رجلا من أهل الْقُرْآن يتقنه بالروايات وَأَجَازَهُ الشَّيْخ شمس الدّين ابْن عمرَان وَكَانَ حسن الصَّوْت طيب النغمة بِالْقِرَاءَةِ وَله دنيا وَاسِعَة وَكَانَت وَفَاته فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شعْبَان رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وتناقص الوباء من أول شهر رَمَضَان
وفيهَا فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع شهر رَمَضَان توفّي الْخَطِيب جلال الدّين بن جمَاعَة - الْمُتَقَدّم ذكره مَعَ وَالِده عِنْد ذكر خطباء الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف - وَكَانَ بِيَدِهِ نصف مشيخة الخانقاه الصلاحية وَالرّبع وَالثمن من خطابة الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَاسْتقر بعده فِيمَا بِيَدِهِ من الوظيفتين أَوْلَاد عميه وهم الْخَطِيب الْعَلامَة برهَان الدّين أَبُو السحاق ابراهيم بن شيخ الاسلام النجمي بن جمَاعَة واخوه لِأَبِيهِ الْخَطِيب الْعَلامَة زين الدّين أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن وَابْن عَمهمَا الْخَطِيب مُحي الدّين عبد الرَّحِيم بن الشَّيْخ عز الدّين عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة برهَان الدّين بن جمَاعَة وانعمت الصَّدقَات الشَّرِيفَة عَلَيْهِم باستقرارهم فِي ذَلِك بِمَال بذلوه وَكَانَ ارْتِفَاع الوباء من الْقُدس الشريف فِي أَوَاخِر شهر شَوَّال بعد إِقَامَته بهَا نَحْو أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام وَبلغ عدد الْأَمْوَات بِالْقَاهِرَةِ المحروسة فِي كل يَوْم أَكثر من عشْرين ألفا وبدمشق فِي كل يَوْم ثَلَاثَة آلَاف وبحلب فِي كل يَوْم ألف وَخَمْسمِائة وبغزة فِي كل يَوْم نَحْو أَرْبَعمِائَة وبالرملة فِي كل يَوْم نَحْو الْمِائَة وَعشرَة وَلم يمْكث فِي بَلْدَة من الْبِلَاد أَكثر من بَيت الْمُقَدّس فسبحان من يتَصَرَّف فِي عباده بِمَا يَشَاء وفيهَا اسْتَقر قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين مُحَمَّد الديري الْحَنَفِيّ فِي وَظِيفَة قَضَاء الْحَنَفِيَّة بالقدس الشريف عوضا عَن القَاضِي شهَاب الدّين بن المهنسد وَاسْتقر قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين أَبُو البركات مُحَمَّد بن الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن الشَّيْخ خَليفَة الْمَالِكِي فِي وَظِيفَة قَضَاء الْمَالِكِيَّة بعد شغورها عَن القَاضِي شمس الدّين بن الازرق - الْمُتَقَدّم ذكره فِي السّنة الْمَاضِيَة - ووصلت الْولَايَة اليهما مَعًا على يَد سعد الدّين قَاصد الْمقر البدري ابْن مزهر كَاتب السريف الشريف فِي صَبِيحَة يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر شَوَّال وَحصل الْجمع بَين يَدي شيخ الاسلام الكمالي بن ابي شرِيف بِالْمَدْرَسَةِ الاشرفية وَجَمَاعَة من طلبة الْعلم الشريف وَالْخَاص وَالْعَام فَكَانَ تَارِيخ توقيع القَاضِي الْمَالِكِي خَامِس عشري رَمَضَان وتوقيع
الْحَنَفِيّ خَامِس شَوَّال ثمَّ فِي يَوْم الْجُمُعَة بعد صلَاتهَا قرئَ كل من التوقيعين بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الشريف وفيهَا حج الى ابيت الله الْحَرَام سيدنَا ولي الله تَعَالَى الشَّيْخ شمس الدّين ابو العون مُحَمَّد الْقرشِي القادري الشَّافِعِي نزيل جلجوليا أعَاد الله علينا من بركاته ونفعنا ببركة علومه وَصَالح دعواته فَدخل الى الْقُدس الشريف من جلجوليا فِي يَوْم السبت سَابِع عشر شَوَّال وَتوجه من الْقُدس الشريف الى بلد سيدنَا الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام قَاصِدا مَكَّة المشرفة بعد الظّهْر من يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع عشر من شَوَّال فَقضى مَنَاسِكه وزار النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَعَاد الى مَحل وَطنه وَللَّه الْحَمد فسح الله فِي مدَّته وفيهَا اسْتَقر الامير جَان بلاط اخو الْأَمِير خضر بك وَوصل الى الْقُدس الشريف مرسوم السُّلْطَان بولايته فِي شهر رَمَضَان وَقدم الى بلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام ثمَّ دخل الى الْقُدس فِي بكرَة يَوْم السبت ثامن شهر ذِي الْقعدَة الْحَرَام وَكَانَ يَوْمًا مشهودا لدُخُوله وسلك مسلكا حسنا وَمِمَّا وَقع ان أَخَاهُ الْأَمِير خضر بك لما توفّي ضبط موجوده وَمن جملَته سَبْعمِائة دِينَار ذَهَبا فَوضع المَال فِي خزانَة بمنزل اخيه بِالْمَدْرَسَةِ الارغونية مَعَ بعض الْمَوْجُود المخلف عَنهُ فَلَمَّا قدم الْأَمِير جَان بلاط حضر بِالْمَدْرَسَةِ الارغونية وَحضر شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف والقضاة وَفتح الْمَكَان واحضر الصندوق فَوجدَ مكسورا وَالْمَال قد فقد مِنْهُ واضطرب الْحَال لذَلِك واتهم بِهِ جمَاعَة وَلم يثبت فِي جِهَة أحد مِنْهُم وَمضى أمره وَلم يعلم حَقِيقَة الْحَال فِيهِ ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فِيهَا فِي شهر الله الْمحرم تعين السيفي قَائِم الخاصكي للتوجه الى المملكة الشامية لكشف الاوقاف والمدارس على عَادَة من تقدمه فِي ذَلِك فَدخل الى الْقُدس الشريف فِي عَشِيَّة يَوْم السبت ثَالِث صفر وَجلسَ فِي بكرَة يَوْم الاحد بِالْمَدْرَسَةِ السُّلْطَانِيَّة بِحُضُور شيخ الاسلام الكمالي بن أبي شرِيف وَشَيخ الاسلام النجمي ابْن جمَاعَة والأمير جَان بلاط نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السلطنة
الشَّرِيفَة وقضاة الشَّرْع الشريف وَقُرِئَ المرسوم الشريف الْوَارِد على يَده بِمَعْنى كشف الأوراق وَمَا تحصل من التّرْك المخلفة عَن الْأَمْوَات فِي الوباء المختصة بِجِهَة بَيت المَال الْمَعْمُور واستخرج من الاوقاف اموالا نَحْو الف وَخَمْسمِائة دِينَار وَحصل الضَّرَر بذلك للْفُقَرَاء وَالْفُقَهَاء وَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير وَتوجه من الْقُدس فِي صَبِيحَة يَوْم السبت عَاشر صفر وفيهَا فِي الْعشْر الْأَوْسَط من صفر حضر الْأَمِير اقبردي الدوادار الْكَبِير من الديار المصرية على حِين غَفلَة وَلم يعلم بِهِ حَتَّى دخل الى مَدِينَة غَزَّة ثمَّ توجه الى الرملة وَوضع اثقاله بهَا ثمَّ توجه من فوره هُوَ وَمن مَعَه على الْخُيُول الى جِهَة نابلس ثمَّ عَاد الى الرملة وَأقَام بداخل الْبَلَد هُوَ وجماعته وَلم ينصب مخيمه بظاهرها على مَا جرت بِهِ الْعَادة ونادى بالأمان وَأمر جماعته بِعَدَمِ التَّعَرُّض لأحد من الرّعية وَكَانَ مقَامه بالرملة بدار الامير مَنْصُور بن قرابغا يبيت بهَا لَيْلًا وجلوسه فِي النَّهَار بدار ابْن باكيش الْمعدة للحكام وَجَمَاعَة من الخدم وَغَيرهم نزلُوا عِنْد النَّاس فِي مَنَازِلهمْ مُتَفَرّقين ثمَّ فِي يَوْم الاحد عَاشر ربيع الأول حضر الى الْقُدس الشريف السيفي قانصوه وعَلى يَده مرسوم الْأَمِير اقبردي الدوادار فِي الزَّيْت المتحصل من جبل نابلس على التُّجَّار المعتادين بِعَمَل الصابون كل قِنْطَار بِخَمْسَة عشر دِينَار ذَهَبا بعد أَن ختم على مَا اشتروه وَنُودِيَ فِي الْبَلَد بالأمان للعوام وان الزَّيْت لَا يَأْخُذهُ إِلَّا اربابه فَمن النَّاس من لم يصدق هَذِه المنادات وَخرج هَارِبا وَمِنْهُم من اطْمَأَن ثمَّ شرع قانصوه فِي كِتَابَة أَسمَاء التُّجَّار وَمن لَهُ عَادَة بِعَمَل الصابون حَتَّى اطْمَأَن النَّاس وَشرع يقبض عَلَيْهِم وَاحِدًا بعد وَاحِد من التُّجَّار وَغَيرهم ويلزمهم بشرَاء الزَّيْت على حكم مَا فعل بهم فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَرمى على الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَطلب نسَاء الغائبين وَضرب بعض جمَاعَة وَلكنه فِي هَذِه الْمرة أخف وَطْأَة من الْمرة الاولى الَّتِي كَانَت فِي سنة سِتّ بِمُقْتَضى ان نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السلطنة بالقدس
الْأَمِير جَان بلاط اعتنى بِأَهْل بَيت الْمُقَدّس وتلطف بهم فَلم يَقع فيهم الافحاش كَمَا تقدم فِي زمن دقماق النَّائِب وَكَانَ الزَّيْت المرسوم برميه على أهل الْقُدس وبلد الْخَلِيل ألف وَخَمْسمِائة قِنْطَار من ذَلِك مائَة وَسِتُّونَ قِنْطَارًا مُخْتَصَّة بِأَهْل بلد الْخَلِيل وَالْبَاقِي على أهل الْقُدس وَرمى على أهل غَزَّة ألف قِنْطَار ثمَّ رمى على أهل الرملة جانبا من الزَّيْت وضيق عَلَيْهِم بِالضَّرْبِ وَالْحَبْس وسافر السيفي قانصوه من مَدِينَة الْقُدس صُحْبَة النَّائِب بِالْمَالِ الْمَقْبُوض بعد صَلَاة الْجُمُعَة الْعشْرين من ربيع الآخر بعد إِقَامَته بهَا اربعين يَوْمًا وَحضر الى الامير اقبردي الدوادار الْكَبِير النواب والأمراء الى الرملة من طرابلس وحماه وصفد والبيرة واهدي اليه من الْأَمْوَال والمواشي ثمَّ جهز إِلَيْهِ ملك الامراء قانصوه اليحياوي كافل المملكة الشامية والأمير يُونُس حَاجِب الْحجاب بِالشَّام وَغَيرهَا وَحضر الْأَمِير قانصوه اليحياوي ال الْقُدس الشريف لقصد الزِّيَارَة وَنزل فِي تربته الَّتِي انشأها بِظَاهِر بَاب الاسباط فِي عَشِيَّة يَوْم الْخَمِيس رَابِع جمادي الأولى وَتوجه من الْقُدس الشريف فِي صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد سَابِع الشَّهْر الى دمشق وَتوجه الْأَمِير اقبردي الدودار الْكَبِير من الرملة لجِهَة الغو لقِتَال الْعَرَب وَتوجه اليه الْأَمِير جَان بلاط لجِهَة الْقُدس فِي بكرَة يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن جمادي الأولى وَتوجه الى بِلَاد حوران وَأَذْرعَات وَغَيرهمَا وَحصل لَهُ من الموال والمواشي مَالا يُحْصى كَثْرَة وَحضر اليه عَامر بن مقلد شيخ الْعَرَب فَقبض عَلَيْهِ وَحضر الى مَدِينَة الرملة فِي يَوْم السبت تَاسِع عشر شهر جمادي الْآخِرَة وَتوجه مِنْهَا قَاصِدا الديار المصرية فِي لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس عشري جمادي الْآخِرَة وصحبته من الْمَوَاشِي مَالا يُحْصى كَثْرَة فَهَلَك مِنْهَا فِي الطَّرِيق غالبها وَلم يصل مَعَه مِنْهَا الى الْقَاهِرَة إِلَّا الْأَقَل وفيهَا اسْتَقر القَاضِي كَمَال الدّين ابو البركات مُحَمَّد بن الشَّيْخ خَليفَة الْمَالِكِي فِي وَظِيفَة
مشيخة المغاربة بالقدس الشريف عوضا عَن قَاسم المغربي بِحكم وَفَاته وَورد التوقيع الشريف عَلَيْهِ بذلك فِي الْعشْر الاول من شهر ربيع الآخر وتاريخه فِي حادي عشري ربيع الأول وفيهَا اسْتَقر القَاضِي شهَاب الدّين بن المهندس فِي ربع وَظِيفَة مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف بنزول صدر لَهُ من الشَّيْخ نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الشَّيْخ جمال الدّين عبالله بن غَانِم شيخ حرم الْقُدس الشريف وَهَذَا الرّبع هُوَ الَّذِي كَانَ تَأَخّر بِيَدِهِ من الْوَظِيفَة الْمَذْكُورَة وبمقتضى هَذَا النُّزُول من الشَّيْخ نَاصِر الدّين خرجت مشيخة الخانقاه من يَد بني غَانِم وَكَانَت بِأَيْدِيهِم من زمن الْوَاقِف الْملك صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَحضر القَاضِي شهَاب الدّين بالصوفية فِي الْمجمع فِي شهر رَمَضَان الْمُعظم وفيهَا فِي شهر شَوَّال حل ركاب الْأَمِير قانصوه نَائِب قلعة الْجَبَل المنصورة بالديار المصرية فِي مَدِينَة الرملة مُتَوَجها الى ملك الشرق من الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة وأوقع الصُّلْح بَين أَخِيه الْأَمِير جَان بلاط نَاظر الْحَرَمَيْنِ الشريفين ونائب الْقُدس الشريف وَبَين ملك الْأُمَرَاء المفر السيفي اقباي كافل المملكة الغزية بِسَبَب مَا كَانَ بَينهمَا من التنافر والبس الامير جَان بلاط كاملية بسمور وَكَانَ ذَلِك بِمَدِينَة الرملة ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فِيهَا فِي الْعشْر الاوسط من الْمحرم توجه الْأَمِير جَان بلاط نَائِب الْقُدس الى قَرْيَة القباب - من أَعمال الرملة - الْجَارِيَة تَحت نظره وكبسها وَأخذ مَوْجُود الفلاحين بهَا وَاحْتج بِأَنَّهُم عصوا عَلَيْهِ وَأَنَّهُمْ تَحت نظره وَحصل التنافر بَينه وَبَين ملك الْأُمَرَاء اقباي نَائِب غَزَّة لكَون الْقرْيَة الْمَذْكُورَة فِي مُعَامَلَته وَدخل اليها بِغَيْر اذنه وَحصل بذلك التخبيط فِي الطّرق وفيهَا - عقب الْوَقْعَة الْمَذْكُورَة - ورد مرسوم شرِيف بِطَلَب الْأَمِير جَان بلاط - الْمَذْكُور - الى الابواب الشَّرِيفَة بِسَبَب شكوى جمَاعَة عَلَيْهِ فَتوجه من الْقُدس فِي لَيْلَة السبت تَاسِع عشري شهر الْمحرم وَلم يعلم اُحْدُ بِسَفَرِهِ إِلَّا بعد يَوْمَيْنِ
أَو ثلَاثه فوصل الى الْقَاهِرَة المحروسة وَغرم مَالا ورسم لَهُ بالاستمرار فِي وظيفته وفيهَا فِي يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع عشري ربيع الأول الْمُوَافق السَّابِع كانون الثَّانِي وَقع الثَّلج بالقدس الشريف وَاسْتمرّ ينزل من ظهر الثُّلَاثَاء الى عَشِيَّة يَوْم الْخَمِيس مستهل ربيع الآخر لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى امْتَلَأت الشوارع والاسطحة والأماكن وَحكى الْكِبَار انهم لم يرَوا مثل ذَلِك فِي هَذِه الْأَزْمِنَة من نَحْو سبعين سنة وَكَانَ حجمه فَوق الأَرْض فِي بعض الْأَمَاكِن أَكثر من أَرْبَعَة اذرع واخبرت انه كَانَ فِي بعض الْأَمَاكِن اكثر من خَمْسَة أَذْرع وتقطعت السبل وسدت الشوارع وَأصْبح النَّاس يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي ربيع الآخر فِي شدَّة شَدِيدَة واقيمت صَلَاة الْجُمُعَة بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الشريف فَلم يحضرها من أهل بَيت الْمُقَدّس النّصْف بل وَلَا الثُّلُث وَوَقع الثَّلج بِمَدِينَة الرملة وَلم يعْهَد وُقُوعه بهَا فِي هَذِه الْأَزْمِنَة إِلَّا مَا يحْكى ان من مُدَّة طَوِيلَة نَحْو ثَمَانِينَ سنة وَقع بهَا الثَّلج فِي سنة فسماها أهل الرملة سنة الثَّلج وَلم يعلم انه بلغ قدر مَا بلغ فِي هَذِه الْمرة فَإِنَّهُ وصل الى الْبَحْر وَاسْتمرّ فِي شوارع الْقُدس أَكثر من عشْرين يَوْمًا وَاشْتَدَّ حَتَّى صَار كالحجارة ثمَّ وَقع الْبرد الشَّديد بعد وُقُوع الثَّلج بِنَحْوِ خَمْسَة عشر يَوْمًا حَتَّى جمد المَاء وَصَارَ جليدا ثمَّ فِي عَشِيَّة الْخَمِيس لَيْلَة الْجُمُعَة السَّادِس عشر من ربيع الآخر عادالثلج وَنزل حَتَّى عَم الأَرْض لكنه كَانَ خَفِيفا وَمن الِاتِّفَاق ان الثَّلج كَانَ قد وَقع بالقدس فِي السّنة الْمَاضِيَة وَهِي سنة ثَمَان وَتِسْعين فِي يَوْم تَاسِع عشري ربيع الأول ثمَّ وَقع فِي هَذِه السّنة فِي يَوْم تَاسِع عشري ربيع الأول لكنه فِي الْعَام الْمَاضِي كَانَ فِي يَوْم الْجُمُعَة وَفِي هَذَا الْعَام فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثمَّ وَقع الثَّلج بغزة المحروسة وَلم يعلم وُقُوعه بهَا قبل ذَلِك فسبحان الْقَادِر على مَا يَشَاء وَأما الْأَمِير جَان بلاط نَائِب الْقُدس فقد تقدم توجهه الى الابواب الشَّرِيفَة والانعام عَلَيْهِ بالاستمرار فِي وظيفته ثمَّ البس التشريف المستمر بالحضرة الشَّرِيفَة وَدخل فِي بكرَة يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشري ربيع الْآخِرَة وَكَانَ يَوْمًا كثير الْمَطَر
لم ير مثله فِي تزاحم الْعَالم وَركب النَّاس للقائه من الْقُضَاة والاعيان وَاسْتمرّ الْمَطَر ينزل عَلَيْهِم من عِنْد خَان الظَّاهِر الى دَار النِّيَابَة وَدخل صحبته القَاضِي برهَان الدّين الْجَوْهَرِي وَعَلِيهِ خلعة كاملية بسمور وَلم يعْهَد دُخُول حَاكم لبيت الْمُقَدّس فِي مثل هَذَا الْيَوْم إِلَّا جقمق الظَّالِم الْفَاجِر - كَمَا تقدم ذكره فِي حوادث سنة سبع وَسبعين وَثَمَانمِائَة ثمَّ فِي ثَانِي يَوْم دُخُول الْأَمِير جَان بلاط الى الْقُدس الشريف وَهُوَ نَهَار الْجُمُعَة ث الث عشر من ربيع الآخر اسْتمرّ الثَّلج نازلا الى بعد الظّهْر من يَوْم السبت حَتَّى بَقِي حجمه فَوق الأَرْض أَكثر من ذِرَاع وامتلأت الشوارع والاسطحة مِنْهُ وأنزعج النَّاس لذَلِك خشيَة الضَّرَر واصبح الى يَوْم الاحد فأغاث الله عباده بنزول الْمَطَر الغزير من بعد الظّهْر من يَوْم الاحد إِلَى آخر لَيْلَة الِاثْنَيْنِ فأزال الثَّلج حَتَّى لم يبْق مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل ثمَّ وَقع الْهدم فِي الاماكن فَسقط الْكثير من الدّور والابنية وفيهَا اسْتَقر ملك الْأُمَرَاء اقباي نَائِب غَزَّة فِي نِيَابَة صفد وَتوجه اليها فِي ربيع الآخر وَاسْتقر الْأَمِير قاني بك فِي نِيَابَة غَزَّة وَقدم اليها فِي جمادي الْآخِرَة واضيف اليه كشف الرملة فِي شهر رَجَب بعد اسْتِيلَاء نَائِب الشَّام عَلَيْهَا وَحضر نَائِب غَزَّة اليها فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن شعْبَان وَحضر اليه الْأَمِير جَان بلاط نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب السلطنة بالقدس الشريف وصحبته قُضَاة بَيت الْمُقَدّس فِي يَوْم السبت ثَانِي عشر شعْبَان وعادوا الى الْقُدس الشريف فِي يَوْم الاربعاء سادس عشرَة وفيهَا اسْتَقر القَاضِي شهَاب الدّين بن المهندس الْحَنَفِيّ فِي وَظِيفَة قَضَاء الْحَنَفِيَّة بالقدس الشريف وبلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام والرملة وَورد توقيعه مؤرخ فِي ثامن عشر رَجَب والبس التشريف من ظَاهر مَدِينَة الْقُدس فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع شعْبَان وَكَانَت ولَايَته بِبَيْت الْمُقَدّس عوضا عَن القَاضِي عز الدّين الديري والرملة عوضا عَن القَاضِي كَمَال الدّين مُحَمَّد بن الاحزم النابلسي وَحضر الى مَحل ولَايَته بالرملة صُحْبَة نَاظر الْحَرَمَيْنِ الْأَمِير جَان بلاط فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم ذكره قَرِيبا
وفيهَا اسْتَقر مُحَمَّد بن ابراهيم الودياتي فِي أمرية جرم عوضا عَن ثَابت الرميني بمساعدة الْأَمِير جَان بلاط ومكاتبته مَعَ السُّلْطَان واركان الدولة وَقدم الى مَدِينَة غَزَّة فورد مرسوم شرِيف لنائب غَزَّة الْأَمِير قاني بك وقرينه مرسوم شرِيف لناظر الْحَرَمَيْنِ ونائب الْقُدس الْأَمِير جَان بلاط يعلمهَا ان مُكَاتبَة نَائِب غَزَّة وَردت للأبواب الشَّرِيفَة تَتَضَمَّن ان الامير جرم مُحَمَّد الودياتي لَا يصلح للأمرية لعَجزه عَن الْقيام بِالْقُوَّةِ وَمَا هُوَ مُقَرر عَلَيْهِ للخزائن الشَّرِيفَة وان نَائِب الْقُدس يتَوَجَّه وصحبته قُضَاة الْقُدس الشريف واركان الدولة بِمَدِينَة غَزَّة ويجتمع نَائِب غَزَّة وقضاتها واركان الدولة بهَا وَجَمِيع أُمَرَاء جرم وَمن كَانَ يصلح للولاية مِمَّن ترْضى بِهِ الرّعية وَيقدر على مَا هُوَ مُقَرر وَيكْتب بِهِ محْضر شَرْعِي ويعرض على الابواب الشَّرِيفَة فَتوجه نَاظر الْحَرَمَيْنِ وقضاة الْقُدس الشريف الْأَرْبَعَة من الْقُدس الشريف فِي لَيْلَة الاحد سَابِع عشري شعْبَان ووصلوا الى غَزَّة فِي بكرَة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَحصل الِاجْتِمَاع بنائب غَزَّة وقضاتها بدار النِّيَابَة بغزة بعد الْعَصْر من يَوْم الثُّلَاثَاء وَدَار الْكَلَام بَينهم فِيمَن يصلح فنائب غَزَّة قصد ان يسْتَقرّ فِي الأمرية ابو العويس ابين ابي بكر ونائب الْقُدس قصد اسْتِمْرَار مُحَمَّد الودياتي لكَونه هُوَ الَّذِي سعى فِي تَوليته ثمَّ الْتزم نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب الْقُدس بِمَا على مُحَمَّدًا لودياتي من الْقُوَّة وَالْعَادَة فِي مُدَّة ولَايَته وبمبلغ خَمْسمِائَة دِينَار زِيَادَة على مَا هُوَ مُقَرر عَلَيْهِ فَلم يحصل اتِّفَاق بَين نَائِب غَزَّة ونائب الْقُدس وانفصل الْمجْلس على غير ترَاض وكل من النائبين كتب للسُّلْطَان بِمَا يختاره وَتوجه نَائِب الْقُدس وقضاته من غَزَّة فِي بكرَة يَوْم الاربعاء سلخ شعْبَان وبصحبتهم مُحَمَّد الودياتي امير جرم ومكنه نَائِب الْقُدس من الأمرية والبس خلعة السُّلْطَان بقرية قرنيا فِي بكرَة يَوْم الْخَمِيس مستهل رَمَضَان وَقَامَ فِي نصرته لكل مُمكن وفيهَا افردت وَظِيفَة قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِمَدِينَة سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام عَن قَضَاء بَيت الْمُقَدّس وَاسْتقر فِيهَا القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن ابي الطّيب التَّمِيمِي عوضا
عَن القَاضِي شهَاب الدّين بن المهندس وَكتب توقيعه بذلك فِي ثامن عشري شعْبَان فَكَانَ اسْتِمْرَار القَاضِي شهَاب الدّين بن المهندس فِي قَضَاء بلد الْخَلِيل مُدَّة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلم تجر عَادَة قبل ذَلِك بافراد قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِبَلَد الْخَلِيل بل كَانَت تُضَاف لقَضَاء الْقُدس - كَمَا تقدم - فَلَمَّا وَقع ذَلِك شقّ على القَاضِي برهَان الدّين ابراهيم التَّمِيمِي الشَّافِعِي قَاضِي بلد الْخَلِيل وسعى إِلَى أَن كتب لَهُ توقيع شرِيف باستمراره فِي قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِمَدِينَة الْخَلِيل وابطال مَا كتب للحنفي بالخليل وَورد التوقيع بذلك فِي شهر ذِي الْقعدَة فَكَانَت مُدَّة ولَايَة الْحَنَفِيّ بالخليل دون ثَلَاثَة اشهر وفيهَا ورد مرسوم شرِيف على الْأَمِير قاني بك نَائِب غَزَّة بالتوجه الى الْقُدس الشريف وَالصُّلْح مَعَ نَائِب الْقُدس وَالسَّبَب فِيهِ حَادِثَة وَقعت قتل فِيهَا جانم دوادار نَائِب الْقُدس فِي قَرْيَة بَيت لقيا فِي شهر شَوَّال وَنسب قلته لمن هُوَ من جِهَة نَائِب غَزَّة فَحَضَرَ الى الْقُدس فِي ضحى يَوْم الثُّلَاثَاء عَاشر ذِي الْقعدَة وَحصل الِاجْتِمَاع بَينه وَبَين الْأَمِير جَان بلاط نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب الْقُدس بِحُضُور شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف بمنزله بِالْمَدْرَسَةِ التنكزية وَوَقع الصُّلْح بَينهمَا وحصلت الْمُوَافقَة والمعاهدة بَينهمَا على زَوَال مَا حصل من التنافر وَتوجه نَائِب غَزَّة من الْقُدس فِي ذَلِك الْيَوْم ثمَّ دخلت سنة تِسْعمائَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وفيهَا فِي ثامن الْمحرم اعيد شمس الدّين مُحَمَّد بن ابي الطّيب التَّمِيمِي الى قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِمَدِينَة الْخَلِيل وَهِي ولَايَته الثَّانِيَة وَكتب توقيعه بذلك وبابطال مَا كتب للْقَاضِي شهَاب الدّين الشَّافِعِي الْمنَافِي ذَلِك فَكَانَ اسْتِمْرَار مَنعه من قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِبَلَد الْخَلِيل وإضافتها للشَّافِعِيّ دون شَهْرَيْن وفيهَا فِي شهر الله الْمحرم اخذ الْعَرَب من بني لاد ركب الْحَج الشَّامي بِالْقربِ من الكرك ونهبوا الْحجَّاج عَن آخِرهم وَكَانَ عدَّة جمال الركب ثَلَاثَة عشر الف جمل
لم يسلم من ذَلِك سوى سِتَّة عشر جملا من غير أحمال وَهلك من الرِّجَال وَالنِّسَاء والاطفال خلق لَا يحصيهم إِلَّا الله تَعَالَى وَأخذت الاموال وَسبي الْحَرِيم وَكَانَت حَادِثَة فَاحِشَة وَقد اشْتهر أمرهَا فاعتصب من أهل بلد الْخَلِيل عليه السلام جمَاعَة من الكرك وتوجهوا الى جِهَة الاعوان وَغَيرهَا وأحضروا جمَاعَة من الْحجَّاج الى بلد الْخَلِيل وَإِلَى الْقُدس الشريف وتسبب شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف وَجَمَاعَة من أهل الْخَيْر فِي جمع مَال من أهل الْقُدس الشريف وَدفع لكل وَاحِد من الْحجَّاج مَا يكتري بِهِ وينفقه عَلَيْهِ الى ان يصل الى وَطنه فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير وفيهَا اسْتَقر القَاضِي عز الدّين عبد الْعَزِيز الديري الْحَنَفِيّ فِي وَظِيفَة قَضَاء الْحَنَفِيَّة بالقدس الشريف عوضا عَن القَاضِي شهَاب الدّين بن المهندس وَتقدم ان القَاضِي شهَاب الدّين اسْتَقر فِي قَضَاء الْقُدس الشريف وبلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام والرملة وان توقيعه مؤرخ فِي ثامن عشر رَجَب سنة تسع وَتِسْعين وَتقدم أَن قَضَاء بلدالخليل عليه السلام افرد عَنهُ بعد استمراره بِيَدِهِ اربعين يَوْمًا ثمَّ افرد عَنهُ قَضَاء الرملة باستقرار القَاضِي كَمَال الدّين بن الأخرم فِي يَوْم الاربعاء مستهل الْمحرم سنة تِسْعمائَة فَكَانَ استمراره فِي قَضَاء الرملة خَمْسَة أشهر واثنى عشر يَوْمًا ثمَّ اسْتَقر القَاضِي عز الدّين الديري فِي قَضَاء الْقُدس الشريف وَورد الْخَبَر بولايته وَجلسَ للْحكم فِي يَوْم السبت ثامن عشري ربيع الأول فَكَانَ استمراره فِي قَضَاء الْقُدس من حِين تمكنه من الحكم فِي سَابِع شعْبَان سنة تسع وَتِسْعين سَبْعَة أشهر وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي شهر ربيع الآخر دخل جَان بلاط الى الْقُدس وَهُوَ لابس خلعة التشريف الْوَارِدَة اليه من الابواب الشَّرِيفَة وَدخل مَعَه القَاضِي عز الدّين الديري وَهُوَ لابس خلعة بطرحة وفيهَا كتب توقيع شرِيف باستمرار القَاضِي برهَان الدّين التَّمِيمِي الشَّافِعِي فِي قَضَاء بلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وابطال مَا كتب للْقَاضِي الْحَنَفِيّ بهَا فَكَانَ
اسْتِمْرَار الْحَنَفِيّ فِي ولَايَته الثَّانِيَة نَحْو ثَلَاثَة أشهر وفيهَا برز الْأَمر الشريف باضافة التَّكَلُّم على كشف مَدِينَة الرملة المحروسة للأمير جَان بلاط نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب الْقُدس الشريف واخرجت عَن الْأَمِير قاني بك نَائِب غَزَّة وتسلمها الْأَمِير جَان بلاط فِي شهر جمادي الأولى وَفَرح أهل الرملة بِزَوَال نَائِب غَزَّة لَكِن حصل تخبيط فِي الطّرق وفيهَا فِي سادس عشر رَجَب اعيد شمس الدّين مُحَمَّد بن ابي الطّيب الى قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِمَدِينَة سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وَهِي ولَايَته الثَّالِثَة وَكتب توقيعه بذلك وابطال مَا كتب للْقَاضِي الشَّافِعِي الْمنَافِي لذَلِك فَكَانَ اسْتِمْرَار مَنعه من قَضَاء الْحَنَفِيَّة واضافتها للشَّافِعِيّ دون ثَلَاثَة أشهر وَاسْتمرّ الى يَوْمنَا لم يعْزل وَقد تقدم تَارِيخ ابْتِدَاء ولَايَته فِي ثامن عشري شعْبَان سنة تسع وَتِسْعين فعزل وَولي ثَلَاث مَرَّات فِي عشرَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وفيهَا ورد السيفي عَلان من الابواب الشَّرِيفَة وعَلى يَده مرسوم شرِيف برمي الزَّيْت المتحصل من جبل نابلس على أهل الْقُدس الشريف وبلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وغزة والرملة على مَا جرت بِهِ الْعَادة فِي سنة سِتّ وَسنة ثَمَان وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فَرمي عَلَيْهِم كل قِنْطَار بِالْكَيْلِ الرَّمْلِيّ بِخَمْسَة عشر دِينَارا ذَهَبا فَالَّذِي رمي على أهل الْقُدس وَأهل بلد الْخَلِيل تِسْعمائَة قِنْطَار وعَلى أهل الرملة مِائَتَا قِنْطَار وَحصل لأهل الْبِلَاد الْمَذْكُورَة الرِّفْق من الْأَمِير جَان بلاط النَّائِب فَإِنَّهُ تلطف بهم وَلم يحصل مِنْهُ ضَرَر وَلَا تشويش لأحد مِنْهُم بل استعطف خواطرهم وَأَخذهم بِالَّتِي هِيَ أحسن وَلَكِن تضرر الْفُقَرَاء من ذَلِك لِكَثْرَة الخسارة فِي بَيْعه فَإِن كل قِنْطَار بِخَمْسَة عشر دِينَارا وكلفته نَحْو دِينَار فَبيع بِتِسْعَة دَنَانِير فَمَا دونهَا فَكَانَت الخسارة نَحْو النّصْف وَكَانَ الرَّمْي على أهل الْقُدس والخليل فِي الجمادين وعَلى أهل الرملة فِي رَجَب وَشَعْبَان ثمَّ ورد مرسوم السُّلْطَان الى الْأَمِير جَان بلاط فِي شهر شَوَّال بِأَن يرْمى على أهل الْقُدس الشريف من الزَّيْت ثَلَاثمِائَة قِنْطَار بالسعر الْمُتَقَدّم ذكره فَطلب التُّجَّار
وَالنَّاس وألزمهم بِأخذ الزَّيْت وَكتب الى كاشفه بالرملة يطْلب التُّجَّار بِأَن يَرْمِي عَلَيْهِم من الزَّيْت جانبا فطلبوا والزموا بذلك وَحصل لأهل الْقُدس الشريف والرملة الضَّرَر من ذَلِك لكَوْنهم تقدم لَهُم اخذ الزَّيْت ثمَّ رمى عَلَيْهِم مرّة ثَانِيَة فانزعج النَّاس لذَلِك فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْكَبِير (ذكر الْفِتْنَة بَين نَائِب الْقُدس ونائب غَزَّة) وفيهَا وَقعت فتْنَة بَين الْأَمِير جَان بلاط نَاظر الْحَرَمَيْنِ ونائب الْقُدس والرملة وَبَين الْأَمِير قاني بك نَائِب غَزَّة وَهِي ان الْأَمِير جَان بلاط قدم الى الرملة بِسَبَب الزَّيْت - الْمُتَقَدّم ذكره - وَكَانَ وُصُوله الى الرملة فِي يَوْم الاحد سادس عشر رَجَب فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَة يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشر رَجَب أَمر كاسشفه بالرملة وَهُوَ الجمالي يُوسُف بالركوب هُوَ وجماعته وَالْمَشْي فِي مُعَاملَة الرملة لحفظها من المناحيس والذب عَن الرّعية لِأَنَّهُ كَانَ قبل ذَلِك حضر جمَاعَة من الْعَرَب ونهبوا ابقارا لأهل الرملة فَلَمَّا ركب الكاشف بجنده ركب نَاظر الْحَرَمَيْنِ وصحبته دواداره برسباي ومعهما اربعة انفس وَخَرجُوا الى ظَاهر الرملة للمسايرة فَخرج على الكاشف جمَاعَة من الْعَرَب وطردوه وطردهم ثمَّ قوى أَمرهم عَلَيْهِ فطردوه الى أَن حصروه بالبرج الْكَائِن بقرية خلدا من اعمال الرملة فتحصن بِهِ فَأخذُوا خيوله وقلوا جمَاعَة مِمَّن مَعَه وَكَانَ الْأَمِير جَان بلاط بِالْقربِ من قَرْيَة تل الجزر فَسمع الصَّوْت فَسَار بِمن مَعَه من دواداره برسباي وَالْأَرْبَعَة أنفس الَّذين مَعَهم نَحْو الصَّوْت فَخرج عَلَيْهِم الْعَرَب وتواقعوا فَقتل برسباي وَمن مَعَه حَتَّى لم يبْق سوى الْأَمِير جَان بلاط بمفرده فَثَبت لَهُم وَقَاتلهمْ أَشد الْقِتَال بمفرده حَتَّى تخلص مِنْهُم وَنَجَا فَكَانَت عدَّة الْقَتْلَى فِي ذَلِك الْيَوْم عشرَة أنفس مِنْهُم رجل شرِيف وحملوا الى الرملة ودفنوا بهَا وَتوجه قُضَاة الرملة الى تل الجزر وعاينوا بعض الْقَتْلَى بأرضها وَكنت إِذْ ذَاك بالرملة وَحَضَرت هَذِه الْحَادِثَة وَكَانَت فِي غَايَة الشناعة
وَكتب محْضر بذلك وجهز الى الابواب الشَّرِيفَة مَعَ مُكَاتبَة الْأَمِير جَان بلاط المتضمنة ان هَذَا الْفِعْل باشارة نَائِب غَزَّة وَهُوَ الْوَاقِع لِأَنَّهُ وجد فِي نَفسه من نَائِب الْقُدس بِسَبَب مَا تقدم من ولَايَة أَمِير جرم باشارة نَائِب الْقُدس دون رضَا نَائِب غَزَّة ثمَّ وَقع ان نَائِب الْقُدس أَخذ كشف الرملة وانتزعه من نَائِب غَزَّة فتأكدت الْعَدَاوَة بَينهمَا فَكَانَ نَائِب غَزَّة يُسَلط الْعَرَب والمفسدين ويغريهم على نَائِب الْقُدس ويحرضهم على الْفساد فِي مُعَامَلَته يقْصد بذلك التشنيع عَلَيْهِ فَلَمَّا وَقع لما ذكر من هَذِه الْفِتْنَة القبيحة وسطرت المحاضر بشرح الْحَال وجهزت للسُّلْطَان كتب نَائِب غَزَّة الى السُّلْطَان يشتكي من الْأَمِير جَان بلاط بِكَلِمَات مُهْملَة لَا حَقِيقَة لَهَا فبرز أَمر السُّلْطَان بتجهيز السيفي قانصوه الخاصكي وعَلى يَده مرسوم شرِيف لشيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف وقضاة غَزَّة والقدس والرملة بالتوجه الى الْمَكَان الَّذِي وَقعت فِيهِ الْفِتْنَة وتحرير ذَلِك وإعادة الْجَواب على المسامع الشَّرِيفَة فَتوجه شيخ الاسلام - الْمشَار اليه - وصحبته قُضَاة الْقُدس الشريف الى الرملة فِي يَوْم الاربعاء عَاشر شهر رَمَضَان وَاجْتمعَ بِهِ الخاصكي وقاضة الرملة وتوجهوا الى قريتي تل الجزر وخلد وحرروا الامر فِي ذَلِك فَتبين لَهُم ان الْحق بيد نَائِب الْقُدس وان الْقَتْل والفتنة كَانَا فِي معامله بِأَرْض الرملة وَحضر قُضَاة غَزَّة الى تل الطافية بأطراف مُعَاملَة غَزَّة وامتنعوا من الْحُضُور الى الرملة والاجتماع بشيخ الاسلام وقضاة الْقُدس والرملة واظهروا التعصب لنائب غَزَّة فَكتب شيخ الاسلام وقضاة الْقُدس والرملة محضرا وَكَتَبُوا خطوطهم عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِي ان الْحق بيدنائب الْقُدس وناظر الْحَرَمَيْنِ ثمَّ كتب قُضَاة غَزَّة محضرا بِمَا اختاروه ومخلصه أَن نَائِب الْقُدس هُوَ المعتدي بِدُخُولِهِ مُعَاملَة غَزَّة وجهز كل من المحضرين للسُّلْطَان وَعَاد شيخ الاسلام وقضاة الْقُدس الى اوطانهم فِي يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر رَمَضَان
ثمَّ حضر الخاصكي الى الْقُدس الشريف للزيارة وَدخل بخلعة السُّلْطَان فِي شهر رَمَضَان وَحضر عيدالفطر بالقدس وَتوجه لزيارة سيدنَا الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام ثمَّ توجه الى مَدِينَة غَزَّة ليقيم بهَا لانتظار الْجَواب الْوَارِد عَلَيْهِ من المراسيم الشَّرِيفَة فَلَمَّا كَانَ الْعشْر الثَّالِث من شهر شَوَّال ورد مرسوم السُّلْطَان الى شيخ الاسلام الكمالي بن ابي شرِيف الشَّافِعِي ومرسوم شرِيف مُطلق لقضاة غَزَّة والقدس الشريف يعلمهُمْ انه لما جهز الْأَمِير قانصوه باقر الخاصكي لكشف هَذِه الاجوبة وتحريرها وَكِتَابَة محْضر بقضاة غَزَّة والقدس بِمَا يَتَّضِح بِهِ الْحق وان كلا من النائبين كتب محضرا بِمَا يختاره وَلم يَتَّضِح للمسامع الشَّرِيفَة الْحق فِي ذَلِك وان المرسوم الشريف الْوَارِد على يَد الخاصكي انما برز بِكِتَابَة محْضر وَاحِد لامحضرين وبرز أَمر السُّلْطَان ان شيخ الاسلام الكمالي ابْن ابي شرِيف يتَوَجَّه بِنَفسِهِ وصحبته قُضَاة الْقُدس الشريف والرملة الى مَدِينَة غَزَّة المحروسة ويجتمعون مَعَ قُضَاة غَزَّة وتحرر هَذِه الْوَاقِعَة من اولها إِلَى آخرهَا وَيكْتب محْضر شَرْعِي بِمَا يَتَّضِح بِهِ الْحق وَإِن لم يحرر ذَلِك تبرز المراسيم الشَّرِيفَة لقضاة غَزَّة والقدس بالزامهم بِالْقيامِ للخزائن الشَّرِيفَة بِعشْرَة آلَاف دِينَار مؤرخ المرسوم الشريف فِي ثَالِث عشر شَوَّال فَعِنْدَ ذَلِك قَابل شيخ الاسلام الكمالي وقضاة الْقُدس الشريف أَمر السُّلْطَان بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وتوجهوا الى الرملة وَسَار مِنْهَا مَعَ من تيَسّر من قضاتها الى مَدِينَة غَزَّة وَهَذِه الْوَاقِعَة من الْعَجَائِب لِأَن شيخ الاسلام رجل عَظِيم الشَّأْن وَهُوَ بركَة الْوُجُود وعالم المملكة وَهُوَ شيخ كَبِير سنة نَحْو الثَّمَانِينَ وبنيته ضَعِيفَة وَالسّفر يشق عَلَيْهِ فكلف الى مَالا طَاقَة لَدَيْهِ فِي زمن الْحر الشَّديد بِسَبَب وَاقعَة حدثت من الْعَرَب المفسدين الْمُحَاربين للدّين لَا إِسْلَام لَهُم وَلَا إِيمَان وَلما توجه من الْقُدس الشريف حمل فِي محارة على جمل وَكَانَ لَا يركب الْفرس إِلَّا قَلِيلا لضعف بدنه فَقدم الى مَدِينَة غَزَّة فِي عَشِيَّة يَوْم الْخَمِيس مستهل ذِي الْقعدَة وَنزل بالجامع الْمَنْسُوب لمولانا السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف واصبح يَوْم الْجُمُعَة فَحَضَرَ
بَين يَدَيْهِ قُضَاة غَزَّة وأكابرها للسلام عَلَيْهِ ثمَّ عقب صَلَاة الْجُمُعَة جلس بالجامع - الْمشَار اليه - وَجلسَ مَعَه قانصوه الخاصكي وقضاة غَزَّة والقدس الشريف وَمن تيَسّر من قُضَاة الرملة وَدَار الْكَلَام بَينهم فِي تَحْرِير هَذِه الْحَادِثَة وَكَتَبُوا محضرا وَاحِدًا ملخصه مَا كتب فِي الْمحْضر الاول من قتل جمَاعَة نَائِب الْقُدس الشريف وَنهب خيولهم يزِيد فِيهِ ان الجمالي يُوسُف كاشف الرملة لما خرج من الرملة وَوصل الى آخر معاملتها وجد ثَلَاثَة أَنْفَار من العشير والعوام فطردهم الى أَرض عمورية من عمل غَزَّة المحروسة وَقتل مِنْهُم فرسين ثمَّ طردوه إِلَى أَن وصل الى مُعَاملَة الرملة عِنْد قَرْيَة خلدا وقرية تل الجزر وَحصل مَا حصل من الْقَتْل والنهب - كَمَا تقدم شَرحه - وَكتب شيخ الاسلام وقضاة غَزَّة والقدس والرملة خطوطهم بالمحضر الْمَذْكُور وجهز للأبواب الشَّرِيفَة مُكَاتبَة شيخ الاسلام وَاسْتمرّ الخاصكي بغزة لانتظار الْجَواب وَعَاد شيخ الاسلام وقضاة الْقُدس الى أوطانهم وَكَانَ سفرهم من غَزَّة فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ خَامِس ذِي الْقعدَة وانْتهى الْحَال الى أَن السُّلْطَان عزل نَائِب غَزَّة ونائب الْقُدس مَعًا وَمَضَت سنة تِسْعمائَة وَكَانَت سنة شَدِيدَة كَثِيرَة الْفِتَن والحروب وَالْخلف بَين الْحُكَّام والعسكر فِي جَمِيع مملكة الاسلام بالديار المصرية والمملكة الشامية وَالْأَرْض المقدسة وَالله لطيف بعباده وَقد انْتهى ذكر الْحَوَادِث الْوَاقِعَة بالقدس الشريف وبلد سيدنَا الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام إِلَى آخر سنة تِسْعمائَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فلنذكر تَرْجَمَة شَيخنَا الكمالي ابْن ابي شرِيف كَمَا تقدم الْوَعْد بِهِ فَأَقُول - وَبِاللَّهِ استعين - هُوَ شيخ الاسلام ملك الْعلمَاء الاعلام حَافظ الْعَصْر وَالزَّمَان بركَة الامة عَلامَة الْأَئِمَّة كَمَال الدّين ابو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن ابي بكر بن عَليّ بن ابي شرِيف الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي شَيخنَا الامام
الحبر الْهمام الْعَالم الْعَلامَة الرحلة الْقدْوَة الْمُجْتَهد الْعُمْدَة سبط قَاضِي الْقُضَاة شهَاب الدّين ابي الْعَبَّاس أَحْمد الْعمريّ الْمَالِكِي الْمَشْهُور بِابْن عوجان مولده فِي لَيْلَة يسفر صباحها عَن يَوْم السبت خَامِس شهر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة بِمَدِينَة الْقُدس وَنَشَأ بهَا فِي عفة وصيانة وتقوى وديانة لم يعلم لَهُ صبوة وَلَا ارْتِكَاب مَحْظُور وَحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم والشاطبية والمنهاج للنووي وعرضهما على قَاضِي الْقُضَاة شيخ الاسلام شهَاب الدّين بن حجر وقاضي الْقُضَاة شيخ الاسلام محب الدّين بن نصر الله الجبيلي وقاضي الْقُضَاة سعد الدّين الديري الْحَنَفِيّ وَشَيخ الاسلام عز الدّين الْمَقْدِسِي فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ حفظ الفية بن مَالك وألفية الحَدِيث وَقَرَأَ الْقُرْآن بالروايات على الشَّيْخ أبي الْقَاسِم النويري وَسمع عَلَيْهِ وَقَرَأَ فِي الْعَرَبيَّة واصول الْفِقْه والمنطق واصطلاح الحَدِيث والتصريف وَالْعرُوض والقافية وَأذن لَهُ فِي التدريس فِيهَا سنة ارْبَعْ واربعين وَثَمَانمِائَة وتفقه بالشيخ زين الدّين ماهر وَالشَّيْخ عماد الدّين بن شرف وَحضر عِنْد الشَّيْخ شهَاب الدّين ابْن ارسلان وَالشَّيْخ عز الدّين الْمَقْدِسِي واشتغل فِي الْعُلُوم ورحل الى الْقَاهِرَة فِي سنة ارْبَعْ واربعين واخذ عَن عُلَمَاء الاسلام مِنْهُم شيخ الاسلام ابْن حجر وَكتب لَهُ إجَازَة وَوَصفه بالفاضل البارع الأوحد وَقَالَ شَارك فِي المباحث الدَّالَّة على الاستعداد وتأهل لَان يُفْتِي بِمَا يُعلمهُ ويتحققه من مَذْهَب الامام الشَّافِعِي من أَرَادَ ويفيد الْعُلُوم الحديثية من الْمَتْن والاسناد علما بأهليته لذَلِك وتلوحه فِي مضائق تِلْكَ المسالك انْتهى وَأخذ عَن غير وَاحِد من الْعلمَاء كالشيخ كَمَال الدّين بن الْهمام وقاضي الْقُضَاة شمس الدّين القاياتي وَالْمقر الْبَغْدَادِيّ وَغَيرهم وجد ودأب ولازم الِاشْتِغَال والاشغال إِلَى أَن برع وتميز واشير اليه فِي حَيَاة شَيْخه الزيني ماهر وَكَانَ يرشد الطّلبَة للْقِرَاءَة عَلَيْهِ حِين ترك هُوَ الاقراء وَكَذَلِكَ المستفتين ودرس وَأفْتى من سنة سِتّ واربعين وَثَمَانمِائَة ونظم وَأَنْشَأَ وَسمع الحَدِيث على شيخ الاسلام ابْن حجر وَالشَّيْخ
زين الدّين الزَّرْكَشِيّ الْحَنْبَلِيّ وَالشَّيْخ عز الدّين بن الْفُرَات وَغَيرهم من الْمَشَايِخ الاعيان وَتردد الى الْقَاهِرَة مَرَّات وَحج مِنْهَا فِي وسط السّنة صُحْبَة القَاضِي عبد الباسط رَئِيس المملكة فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وثمانماءئة فَسمع الحَدِيث بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة على الْمُحب الطَّبَرِيّ وَغَيره وبمكة المشرفة على ابي الْفَتْح المراغي وَغَيره وَلم يزل حَاله فِي ازدياد وَعلمه فِي اجْتِهَاد فَصَارَ نادرة وقته واعجوبة زَمَانه إِمَامًا فِي الْعُلُوم محققا لما يَنْقُلهُ وَصَارَ قدوة بَيت الْمُقَدّس ومفتيه وَعين أَعْيَان المعيدين بِالْمَدْرَسَةِ الصلاحية ثمَّ لما وَقعت حَادِثَة أخي ابي الْعَبَّاس - الْمُتَقَدّم شرحها فِي حوادث سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة - سَافر الى الْقَاهِرَة المحروسة وَاجْتمعَ بالسلطان وحوسب فَعرف مقَامه وأنعم عَلَيْهِ باستقراره فِي مشيخة الْمدرسَة الصلاحية فتوقف فِي الْقبُول فَالْزَمْ بِهِ وتمثل بالحضرة الشَّرِيفَة فِي شهر صفر سنة سِتّ وَسبعين فَلَمَّا قدم على السُّلْطَان نزل عَن سَرِير الْملك وتلقاه وأكرمه وفوض اليه الْوَظِيفَة الْمشَار اليها والبسه التشريف وَولي مَعَه فِي ذَلِك الْيَوْم القَاضِي شهَاب الدّين بن عبيه قَضَاء الشَّافِعِيَّة وَالْقَاضِي خير الدّين بن عران قَضَاء الْحَنَفِيَّة وَالشَّيْخ شهَاب الدّين العميري مشيخة الْمدرسَة الأشرفية الَّتِي هدمت وَكنت حَاضرا ذَلِك الْمجْلس وسافر شيخ الاسلام وصحبته القاضيان - الْمشَار اليهما - من الْقَاهِرَة المحروسة فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن ربيع الأول ودخلوا الْقُدس الشريف فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشري ربيع الأول سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ يَوْمًا مشهودا وباشر تدريس الصلاحية وَالنَّظَر عَلَيْهَا مُبَاشرَة حَسَنَة عمرها وأوقافها وشدد على الْفُقَهَاء وحثهم على الِاشْتِغَال وَعمل بهَا الدُّرُوس الْعَظِيمَة فَكَانَ يدرس فِيهَا أَرْبَعَة أَيَّام فِي الاسبوع فقها وتفسيرا وأصولا وَخِلَافًا وأملى فِيهَا مجَالِس من الاحاديث الْوَاقِعَة فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَاسْتمرّ بهَا أَكثر من سنتَيْن ثمَّ اسْتَقر فِيهَا شيخ الاسلام النجمي ابْن جمَاعَة فِي شهور سنة ثَمَان وَسبعين - كَمَا تقدم ذكره - فَلم يهتم بهَا بعد ذَلِك واسمر بمنزله على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ والافتاء
وَتُوفِّي وَالِده الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد فِي جمادي الاولى سنة تسع وَسبعين وَثَمَانمِائَة عَن سِتّ وَثَمَانِينَ سنة وَدفن بجوار منزله بِبَاب السلسلة ثمَّ فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ توجه شيخ الاسلام الى الْقَاهِرَة المحروسة واستوطنها وَتردد اليه الطّلبَة والفضلاء وَاشْتَغلُوا عَلَيْهِ فِي الْعُلُوم وانتفعوا بِهِ وعظمت هيبته وَارْتَفَعت كَلمته عِنْد السُّلْطَان وأركان الدولة وَفِي شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ حضر الى الْقُدس الشريف زَائِرًا ثمَّ توجه الى الْقَاهِرَة فِي جمادي الْآخِرَة سنة تسع وَثَمَانِينَ - كَمَا تقدم ذكر ذَلِك - وَلما وَقع مَا تقدم ذكره من هدم الْمدرسَة الأشرفية الْقَدِيمَة وَبِنَاء الْمدرسَة المستجدة المنسوبة لملك الْعَصْر مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف وانتهت عمارتها وَقدر الله تَعَالَى وَفَاة الشَّيْخ شهَاب الدّين العميري قبل تَقْرِير أمرهَا وترتيب وظائفها - كَمَا تقدم ذكره - برز أَمر السُّلْطَان باستقرار شيخ الاسلام الكمالي فِيهَا وَطَلَبه الى حَضرته وشافهه بِالْولَايَةِ وَسَأَلَهُ فِي الْقبُول فَأجَاب لذَلِك وَألبسهُ كاملية بسمور وَحضر الى الْقُدس الشريف هُوَ وَمن مَعَه من اركان الدولة الشَّرِيفَة وباشرها - كَمَا تقدم ذكره فِي حوادث سنة تسعين وَثَمَانمِائَة - وَحصل للمدرسة الْمشَار اليها وللأرض المقدسة بل ولسائر مملكة الاسلام الْجمال والهيبة وَالْوَقار بقدومه وانتضم امْر الْفُقَهَاء وحكام الشَّرِيعَة المطهرة بِوُجُودِهِ وبركة علومه وَنشر الْعلم وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر وازداد شَأْنه عظما وعلت كَلمته ونفذت أوامره عِنْد السُّلْطَان فَمن دونه وبرزت اليه المراسيم الشَّرِيفَة فِي كل وَقت بِمَا يحدث من الوقائع وَالنَّظَر فِي أَحْوَال الرّعية وَترْجم فِيهَا بالجناب العالي شيخ الاسلام وَوَقع لَهُ مَا لم يَقع لغيره مِمَّن تقدمه من الْعلمَاء والأكابر وَبَقِي صدر الْمجَالِس وطراز المحافل الْمرجع فِي القَوْل اليه والتعويل فِي الْأُمُور كلهَا عَلَيْهِ وقلده أهل الْمذَاهب كلهَا وَقبلت فتواه على مذْهبه وَمذهب غَيره ووردت الفتاى اليه من مصر وَالشَّام وحلب وَغَيرهَا وَبعد صيته وانتشرت مصنفاته فِي سَائِر الاقطار
وَصَارَ حجَّة بَين الْأَنَام فِي سَائِر ممالك الاسلام وَمن اعظم محاسنه الَّتِي شكرت لَهُ فِي الدُّنْيَا وَيرْفَع الله بهَا درجاته فِي الْآخِرَة مَا فعله فِي الْقبَّة المستجدة عِنْد دير صهيون وقيامه فِي هدمها بعد أَن صَارَت كَنِيسَة محدثة فِي دَار الاسلام فِي بَيت الله الْمُقَدّس وقيامه فِي منع النَّصَارَى من انتزاع القبو المجارو لدير صهيون الْمَشْهُور أَن بِهِ قبر سيدنَا دَاوُد عليه السلام بعد بَقَائِهِ فِي ايدي الْمُسلمين مُدَّة طَوِيلَة وَبنى قبْلَة فِيهِ لجِهَة الْكَعْبَة المشرفة - كَمَا تقدم ذكر ذَلِك مفصلا فِي حوادث سنة خمس وَسنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَغير ذَلِك من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وقيامه على حكام الشرطة ومنعهم من الظُّلم ومواجهتهم بالْكلَام الزاجر لَهُم وَفِي شهر شَوَّال سنة تِسْعمائَة ورد عَلَيْهِ مرسوم شرِيف بِأَن يكون متكلما على الخانقاه الصلاحية بالقدس الشريف ينظر فِي أمرهَا وَعمل مصالحها فحضرها فِي عَشِيَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ سادس شَوَّال وَجلسَ بالمجمع مَعَ الصُّوفِيَّة فِي مجْلِس الشَّيْخ وَحصل للخانقاه وَأَهْلهَا الْجمال بِحُضُورِهِ ثمَّ بعد فرَاغ الْحُضُور جلس على تَفْرِقَة الْخبز على مشايخها وَتصرف فِيهَا باجازة الْوَقْف وانلظر فِي أمره وَشرع فِي عمَارَة الخانقاه واصلاح مَا اخْتَلَّ من نظامها واضيف اليه التَّكَلُّم على الْمدرسَة الجوهرية وَغَيرهَا لما هُوَ مَعْلُوم من ديانته وورعه واجتهاده فِي لَعَلَّ الْخيرَات وَإِزَالَة الْمُنْكَرَات وَأما سمته وهيبته فَمن الْعَجَائِب فِي الابهة والنورانية رُؤْيَته تذكر السّلف الصَّالح وَمن رَآهُ علم انه من الْعلمَاء العاملين بِرُؤْيَة شكله وَإِن لم يكن يعرفهُ وَأما خطه وَعبارَته فِي الْفَتْوَى فنهاية فِي الْحسن وَبِالْجُمْلَةِ فمحاسنه أَكثر من أَن تحصر وَأشهر من أَن تذكر وَهُوَ اعظم من أَن يُنَبه مثلي على فَضله وَلَو ذكرت حَقه فِي التَّرْجَمَة لطال الْفَصْل فَإِن مناقبه وَذكر مشايخه يحْتَمل الْأَفْرَاد بالتأليف وَالْمرَاد هُنَا الِاخْتِصَار وَمن تصانيفه الاسعاد شرح الارشاد فِي الْفِقْه والدرر اللوامع بتحرير
جمع الْجَوَامِع فِي الاصول والفرائد فِي حل شرح العقائد والمسامرة بشرح المسايرة وَكتب قِطْعَة على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَقطعَة على صَحِيح البُخَارِيّ وَقطعَة على شرح الْمِنْهَاج وَقطعَة على صفوة الزّبد للشَّيْخ شهَاب الدّين بن أرسلان وَغير ذَلِك وَقد عرضت عَلَيْهِ فِي حَيَاة الْوَالِد رحمه الله قِطْعَة من كتاب الْمقنع فِي الْفِقْه على مَذْهَب الامام أَحْمد رضي الله عنه ثمَّ عرضت عَلَيْهِ مرّة ثَانِيَة مَا حفظت بعد الْعرض الأول وأجازني فِي شهور سنة ثَلَاث وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَحَضَرت بعض مجالسه من الدُّرُوس والاملاء بِالْمَدْرَسَةِ الصلاحية وَحَضَرت كثيرا من مجالسه بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الشريف قبل رحلته الى الْقَاهِرَة المحروسة وَبعد قدومه الى بَيت الْمُقَدّس وحصلت الاجازة مِنْهُ غير مرّة خَاصَّة وَعَامة وَمن إنشاده فِي بَيت الْمُقَدّس - بعد غيبته عَنهُ مُدَّة طَوِيلَة - أحيي بقاع الْقُدس مَا هبت الصِّبَا فَتلك رباع الْأنس فِي زمن الصِّبَا وَمَا زلت من شوق اليها مواصلا سلامي على تِلْكَ الْمعَاهد والربا وَقد سمعتهما من لَفظه بدرس الْقُدس حِين عوده من غَزَّة المحروسة فِي شهر ذِي الْقعدَة الْحَرَام سنة تِسْعمائَة وأجازني بروايتهما عَنهُ أعز الله بِهِ الدّين وأدام بَقَاءَهُ للْمُسلمين قَالَ الْمُؤلف وَهَذَا آخر مَا تيَسّر ذكره من أَخْبَار بَيت الْمُقَدّس وبلد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وَغَيرهمَا مِمَّا تقدم الْوَعْد بِذكرِهِ فَمَا كَانَ فِيهِ من صَوَاب فَمن الله وَمَا كَانَ فِيهِ من خطأ فَهُوَ من شَأْن الانسان والمسئول من كل وَاقِف عَلَيْهِ من الاخوان فِي الله تَعَالَى ستر مَا فِيهِ من الْخَطَأ وَإِصْلَاح مَا يُمكن إِصْلَاحه وَعدم الْمُؤَاخَذَة بِمَا فِيهِ من نقص أَو خلل فَإِنِّي اجتهدت فِي تَحْرِير مَا نقلته وتتبعت التراجم والحوادث مَا اسْتَطَعْت وجمعتها من كتب وأوراق مُتَفَرِّقَة وَكثير مِنْهَا من حفظي للوقائع والاطلاع عَلَيْهَا
وَمَعَ ذَلِك لم أستوعب مَا هُوَ الْمَقْصُود من التَّارِيخ لعدم الِاطِّلَاع على مِنْهُ فِي هَذَا الْمُخْتَصر مَا لم يُوجد فِي غَيره مِمَّا يتَعَلَّق بالقدس الشريف الْخَلِيل عليه السلام وَقد تفحصت فَلم أظفر بِغَيْر مَا نقلت وَالله الْمُوفق وَكَانَ ابتدائي فِي جمعه فِي خَامِس عشري ذِي الْحجَّة سنة تِسْعمائَة من جمعه وترتيبه فِي دون أَرْبَعَة أشهر مَعَ مَا تخَلّل فِي ذَلِك من عوارض نَحْو شهر لم أكتب فِيهِ شَيْئا وَمَعَ اشْتِغَال الفكرة بِأُمُور الدُّنْيَا وَالله لطيف بعباده وَإِن فسح الله فِي الْأَجَل جعلت لَهُ ذيلا أذكر فِيهِ مَا يَقع من الْحَوَادِث بالقدس الشريف وبلاد سيدنَا الْخَلِيل عليه السلام وَغَيرهمَا من أولى سنة إِحْدَى وَتِسْعمِائَة الى آخر وَقت يُريدهُ الله تَعَالَى فِيمَا بَقِي من الْعُمر حمدا لمن يسر لنا إتْمَام هَذَا التَّارِيخ الْجَمِيل الْمُسَمّى ب (الْأنس الْجَلِيل فِي تَارِيخ الْقُدس والخليل) وَهُوَ مُشْتَمل على جلّ مَا احتوى عَلَيْهِ تواريخ الْقُدس مَعَ زيادات نافعة مثل ذكر وفيات الْعلمَاء الْأَعْلَام وَمن تولى الْقَضَاء مِنْهُم فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة بَين الْأَنَام وَذكر الوقائع الْحَاصِلَة بِالشَّام فِي مُدَّة السُّلْطَان قايتباي من ابْتِدَاء سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة الى التسْعمائَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كتاب عَظِيم الْفَوَائِد وافر الموائد يبتهج المطالعون بدراري أخباره ويتشف السامعون بدرر آثاره