الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
74 - باب الحلم
بكسر المهملة وسكون اللام: وهو الصفح، وفي «المصباح» حلم بالضم حلماً بالكسر: صفح وستر فهو حليم وحلمته نسبته إلى الحلم (والأناة) بفتح أوليه والألف مقصورة بوزن حصاة اسم مصدر من تأتي في الأمر تمكث ولم يعجل (والرفق) وهو بكسر أوله ضد الخرق.
(قال الله تعالى) : ( {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} ) أي وذلك إنما صدر عنهم لما عندهم من الحلم ( {والله يحبّ المحسنين} ) . فيه تحريض على التخلق بالإحسان والصفح عن الإخوان، وقد تقدم ما يتعلق بها في الباب قبله (وقال تعالى)( {خذ العفو} ) من أخلاق الناس من غير تحسيس مثل قبول أعذارهم والمساهلة معهم، وقد ورد «أنه لما نزلت قال رسول الله: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله أمرك أن تعفو عن من ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك» ( {وأمر بالعرف} ) وهو كل ما يعرفه الشرع ( {وأعرض عن الجاهلين} ) لا تقابل السفيه بسفهه، وقد تقدم الكلام على الآية في مواضع من الكتاب كباب توقير العلماء والكبار وغيره (وقال) الله (تعالى) ( {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} ) لا الثانية لتأكيد النفي ( {ادفع بالتي هي أحسن} ) وهي الحسنة وهو استئناف كأنه قيل: كيف أفعل فقال ادفع، والمراد بالأحسن الزائد مطلقاً. قال ابن عباس: أمر بالصبر عند الغضب وبالعفو عند الإساءة، وقيل معناه: لا تستوي الحسنات بل تتفاوت إلى حسن وأحسن وكذا السيئات، فادفع السيئة التي ترد عليك بالحسنة التي هي أحسن من أختها مثلاً: وتحسن إلى من أساء إليك فلا تكتفي بمجرد العفو عنه ( {فإذا الذي بينك وبينه عداواة} ) وإذا فعلت هذا يصير العدو ( {كأنه وليّ حميم} )
صديق شفيق ( {وما يلقاها إلا الذين صبروا} ) على مخالفة النفس ( {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} ) من كمال النفس ( {وقال تعالى ولمن صبر} ) على الأذى ( {وغفر} ) ولم ينتصر ( {إن ذلك} ) إشارة إلى صبره لا إلى مطلق الصبر فلا يحتاج إلى تقدير ضمير ( {لمن عزم الأمور} ) أي الأمور المشكورة المحمودة المعزوم عليها.
1632 -
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج) بالشين المعجمة (عبد القيس) واسمه المنذر بن عاذل بالذال المعجمة العصري بفتح المهملتين، قال المصنف: هذا الصحيح الذي قاله ابن عبد البرّ والأكثرون أو الكثيرون، وقال الكلبي: اسمه المنذر بن الحارث بن زياد بن عصر بن عوف، وقيل المنذر بن عامر، وقيل ابن عبيد، وقيل اسمه عائذ بن المنذر، وقيل عبد الله بن عوف (إن فيك خصلتين يحبهما الله) أي يرضاهما ويثني على فاعلهما ويثيبه (الحلم) قال المصنف: هو العقل. وفي النهاية: الحلم بالكسر الأناة والتثبت في الأمور وذلك من شأن العقلاء اهـ. ففيه إيماء إلى أن تفسيره بالعقل بمعنى كونه ينشأ عنه لا أنه مدلوله ولا يخالف ما تقدم عن «المصباح» (والأناة) التثبت وترك العجلة وهي مقصورة، وسبب قول النبيّ له ذلك ما جاء في حديث الوفد «أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبيّ، وأقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته وليس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبيّ، فقرّبه النبي فأجلسه إلى جانبه ثم قال لهم النبيّ: تبايعوني على أنفسكم وقومكم، فقال القوم: نعم، فقال الأشج: يا رسول الله إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا وترسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه، قال: صدقت إن فيك خصلتين يحبهما الله» الحديث، قال القاضي عياض: فالأناة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل، والحلم هذا القول الذي قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب، ولا يخالف هذا ما جاء في «مسند أبي يعلى» وغيره أنه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج:«إن فيك خصلتين» الحديث، قال: «يا رسول الله أكان فيّ أم
حدثاً؟ قال: بل قديم، قال: قلت الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله» (رواه مسلم) في أوائل كتاب الإيمان من «صحيحه» ، ورواه الترمذي في «جامعه» .
2633 -
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: إن الله رفيق) من الرفق بكسر الراء وسكون الفاء وبالقاف وهو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف، وفي النهاية يقال: الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة فهو فعيل بمعنى فاعل اهـ. وقال العاقولي: معنى كونه تعالى رفيقاً أنه لطيف بعباده اهـ. ويحتمل أن الرفق في حقه تعالى بمعنى الحلم، فإنه لا يعجل بعقوبة العصاة بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة ويزداد غيره إثماً، قاله ابن رسلان، قال القرطبي: وهذا المعنى أليق بالحديث فإنه سبب الحديث، ثم لا يجوز إطلاق رفيق في أسمائه تعالى لأنه لم يجىء على وجه الإسمية وإنما أخبر به تمهيداً للحكم الذي بعده، وكأنه قال: إن الله يرفق بعباده فيعطيهم على الرفق مالا يعطيهم على سواه: قال العاقولي: وكأن مراده أنه ذكر على سبيل المقابلة والمشاكلة، وما كان كذلك لا يكتفي به في ورود الإطلاق (يحب) أي يرضي (الرفق في الأمر كله) لما فيه من لين الجانب المقتضي للتواصل وسداد الأمر (متفق عليه) .
3634 -
(وعنها أن النبيّ قال: إن الله رفيق يحبّ الرفق) لأنه يتأتى معه من الأمور ما لا يتأتى مع ضده (ويعطي على الرفق) في الدنيا من الثناء الحسن الجميل وفي الآخرة من الثواب الجزيل (مالا يعطي على العنف) بضم العين المهملة وسكون النون وبالفاء، قال في «النهاية» : هي الشدة والمشقة وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف ضده. وحكى ابن
رسلان جواز ضم عين العنف وفتحها قال: وهو التشديد والتصعيب في الأشياء (وما لا يعطي على ما سواه) أي على الذي هو سوى الرفق وهو مع ما قبله إطناب أتى به ليدل على الحض على الرفق كما أشار إليه في «المفاتيح» (رواه مسلم.)
4635 -
(وعنها أن النبيّ قال) لها: عليك بالرفق وإياك والفحش والعنف (وإن الرفق لا يكون في شيء) يحتمل أن تكون «يكون» تامة وفي شيء متعلق بها، وأن تكون ناقصة وفي شيء خبرها، والاستثناء في قوله (إلا زانه) مفرغ من أعم عام وصف الشيء: أي لا يكون الرفق مستقراً في شيء موصوف بصفة من الأوصاف إلا الشين (رواه مسلم) .
5636 -
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أعرابيّ) منسوب إلى الأعراب بفتح فسكون وهم ساكنو البادية، وقيل ساكنوها من العرب وجمع الأعرابي أعراب، قال ابن دقيق العيد: وقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد لأنه جرى مجرى القبيلة، وقيل لأنه لو نسب إلى الواحد فقيل عربي لاشتبه المعنى، فإن العربي كل من ولد إسماعيل كان بالبادية أو بغيرها، وهذا غير المعنى الأول اهـ. وهذا مشعر بأن الأعراب جمع عرب والمعروف خلافه، قال الجوهري: العرب جيل من الناس والنسبة إليه عربي، والأعراب سكان البادية خاصة والنسبة إليه أعرابي، ولا واحد له من لفظه وليس جمعاً للعرب وإنما العرب اسم جنس. قال العراقي في «شرح التقريب» : ولم أر من صنف في المبهمات ذكر اسم هذا الأعرابي اهـ. وفي غاية الأحكام: اختلف فيه، فقال عبد الله بن نافع المدني: إنه الأقرع بن حابس التميمي اهـ. وقال ابن الملقن: لم أر من سماه ممن تكلم على المبهمات، وقد
ظفرت به في «معرفة الصحابة» لأبي موسى المديني لأنه روي من حديث سلمان بن يسار قال: طلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلاً جافياً على رسول الله في المسجد» وساق الحديث، وفي آخره: أنه بال فيه، وأنه أمر بسجل فصبّ على مباله. قلت: وقد سبقه الذهبي فقال في «التجريد» في ترجمة ذي الخويصرة اليماني: يروي في حديث مرسل أنه لذي بال في المسجد. قال الحافظ ابن حجر في «تخريج أحاديث الرافعي» : وهو غير ذي الخويصرة التميمي، واسمه حرقوص بن زهير رأس الخوارج اهـ. وبه يعلم أن ما وقع في «شرح المشكاة» و «المنهاج» لابن حجر الهيثمي أنه ذو
الخويصرة التميمي إن لم يكن من تحريف الكتاب فسبق قلم من الشيخ بلا ارتياب (في المسجد، فقام إليه الناس) الظرف متعلق بمحذوف: أي فقاموا قاصدين إليه (ليقعوا) بفتح أوله (فيه) أي بالسب ونحوه. قال في «المصباح» : وقع فلان في فلان وقيعة: سبه وثلبه، وجاء في رواية البخاري: فتناوله الناس ليقعوا به، وفي رواية: فتناوله الناس، وفي رواية لمسلم: فصاح به الناس، وفي أخرى له: فقال لأصحاب رسول الله: مه مه (فقال النبيّ: دعوه) أي اتركوه وذلك لعذره بقرب عهده إلى الإسلام.
ففيه الرفق في إنكار المنكر وتعليم الجاهل واستعمال التيسير وإنكار التعسير، وقد قال لأصحابه «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» وفي رواية ابن ماجه: وقال الأعرابي بعد أن فقه: بأبي وأمي فلم يؤنب ولم يسب، فقال:«إن هذا المسجد لا يبال فيه، وإنما بني لذكر الله والصلاة فيه» (وأريقوا على بوله) أي محل بوله من المسجد بعد جفافه منه (سجلا من ماء) يعلم مما يأتي في تفسير السجل أن قوله من ماء مستدرك يغني عنه السجل لأن ذلك داخل فيه، إلا أن يقال أريد بالسجل مطلق الدلو لا بقيد كونها ممتلئة ماء، أو يقال صرح بذلك لزيادة الإيضاح (أو ذنوباً) بفتح الذال المعجمة وبالنون المضمومة والموحدة بينهما واو ساكنة وهل مجموع المتعاطفين من كلامه وأنه خير المأمور بينهما، أو أن الذي في لفظ الحديث أحدهما غير أن الراوي شك في تعيينه؟ قال الحافظ الولي العراقي: الظاهر الثاني بدليل رواية أبي داود «وصبوا عليها سجلاً من ماء، أو قال ذنوباً من ماء» وإذا كان ذلك شكا من بعض الرواة فالراجح الذنوب لأنه متفق عليه من حديث أنس من غير شك، وكذا في بعض طرقه ذكر الدلو من غير شك، وفي رواية ابن ماجه لحديث أبي هريرة «بسجل من ماء» بغير شك. ففي الحديث نجاسة بول الآدمي ووجوب تنزيه المسجد عنه والتفريق بين الماء الوارد على النجاسة فيطهرها وبين الواردة عليه فتنجسه إذا كان قليلاً أو كثيراً وتغير بها.
وفيه: أنه لا يشترط في تطهير الأرض بعد صبّ الماء عليها
نضوب الماء ولا جفاف الأرض، إذ لو اشترط ذلك لبينه لهم، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
وفيه: أن غسالة النجاسة طاهرة إذا زالت عين النجاسة ولم تتغير الغسالة ولم يزد وزنها بعد اعتبار ما يتشربه المحل من الماء الطاهر ويلقيه فيها من الوسخ.
وفيه: غير ذلك (فإنما يعثّم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) هذا كالتعليل لما قبله: أي إن قضية كونكم كذلك ألا تؤدبوا الرجل ولا توبخوه لأنه معذور لحداثة عهده بالإسلام وعدم علمه بالأحكام، فالمناسب للتيسير ما أشار إليه البشير النذير (رواه البخاري) في الطهارة وأخرجه بن ماجه (السجل بفتح السين المهملة وإسكان الجيم وهي الدلو الممتلئة ماء) وفي الدلو لغتان التذكير والتأنيث (وكذلك) المشبه به كون معنى السجل الممتلئة ماء والمشبه قوله (الذنوب) أي إنه أيضاً الدلو كذلك وهذا أحد قولين حكاهما العراقي، قال: وقيل هو الدلو العظيم، وقيل لا يسمى دلواً حتى يكون فيها ماء اهـ.
6637 -
(وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال: يسروا ولا تعسروا) اليسر ضد العسر، وذكر في الثانية تأكيداً وإطناباً وإلا فالأمر بالشيء النهي عن ضده أو لأنه لو اقتصر على الأمر بالتيسير لصدق على من أتى به مرة، وبالعسر بعض أوقاته، فلما قال ولا تعسروا انتفى العسر سائر الأوقات وذلك لقوله تعالى:{وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج: 78) ولما ورد في «الصحيح» عند مسلم من أنه لما قيل: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: قد فعلت، ولما في الحديث «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة» وفي «الصحيح» «صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (وبشروا) من البشارة الإخبار بالخير ضد النذارة (ولا تنفروا) قابل به البشارة مع أن ضدها النذارة لأن القصد من النذارة التنفير عن المنذر عنه فصرح بالمقصود منها (متفق عليه) ورواه أحمد والنسائي كما في «الجامع الصغير» .
7638 -
(وعن جرير بن عبد الله) وهو البجلي الأحمسي تقدمت ترجمته رضي الله عنه في باب ثوب من سن سنة حسنة (قال: سمعت رسول الله يقول: من يحرم الرفق) بأن لا يوفق له بل يكون فيه العنف والشدة وأل فيه لتعريف الحقيقة (يحرم الخير) أل فيه للعهد الذهني أي الخير الناشيء عن الرفق (كله) الفعل فيهما مبني للمفعول من الحرمان، مفعوله الأول: الضمير المستتر فيه القائم مقام الفاعل، والثاني: منهما المنصوب المذكور بعد كل منهما وحرمان من حرم الرفق جميع الخير المذكور لما سبق من قوله «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» وذلك أن الرفق به انتظام خير الدارين واتساق أمرهما، وفي العنف ضد ذلك قال الله تعالى:{فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} (آل عمران: 159)(رواه مسلم) ورواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح وابن ماجه.
8639 -
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً) قال ابن بشكوال: قيل إنه جارية بن قدامة بالجيم والتحتية، وكذا في مسند ابن أبي شيبة والمؤتلف والمختلف للدارقطني، ويحتمل أن يكون أبا الدرداء لما في فوائد أبي الفضل بن خيرون، ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمر لما في فوائد ابن صخر بسنده عن ابن عمر «قلت: يا رسول الله قل لي قولاً وأقلله، قال: لا تغضب» قال ابن صخر: وهذا روي عن غير واحد من الصحابة مسنداً، وهو من حديث ابن عمر صحيح وإسناده صالح، وفي الفوائد أيضاً عن سفيان الثقفي «قلت للنبيّ مثل حديث ابن عمر فعاودته مراراً أسأله كل ذلك يقول لا تغضب» كذا في «مصابيح الدماميني» ، وفي «تخريج الأربعين حديثاً» التي جمعها المصنف للسخاوي، والسائل المذكور يحتمل أن يفسر بجارية بن قدامة، فعند البيهقي في «الشعب» وابن أبي الدنيا عن الأحنف بن قيس «قال أخبرني ابن عم لي وهو جارية بن قدامة قال: قلت يا رسول الله قل لي قولاً وأقلل لعلي أعقله فقال لا تغضب فقلت له مراراً فكل ذلك يقول لا تغضب» ثم رواه أيضاً من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة، فجعله عن ابن عمر كما في «مسند أبي
يعلى» وغيره، قال البيهقي: إنه وهم والمحفوظ الأول ثم ساقه كذلك من طريق هشام بن عروة عن أبيه، وكذا أخرجه أحمد والطبراني وابن منده في «المعرفة» ، وابن حبان والحاكم في «صحيحيهما» ، ثم ذكر اختلاف الرواية عليه في أنه قال عن عمه أو عم أبيه أو عن الأحنف عن عمه عن جارية، كما رواه بهذا ابن أبي شيبة عند الداقطني في «علله» فيه خلاف غير هذا والأول أكثر وأولى لمتابعة ابن أبي الزناد في كونه من مسند جارية بل له طريق عند الطبراني من حديث محمد ابن كريب عن أبيه قال: شهدت الأحنف بن قيس يحدث عن جارية، ونشأ عن هذا الاختلاف تردد نظر الأئمة في إثبات صحبة جارية فأثبتها ابن أبي حاتم عن أبيه، وكذا ابن سعد وآخرون وهو الذي اعتمده شيخنا، ونفاها العجلى وغيره فقالوا:
إنه تابعي وليس بصحابي، وذكر الإمام أحمد عن يحيى القطان أنه قال: هكذا قال هشام بن عروة، يعني أن هشاماً ذكر في الحديث أن جارية سأل، قال يحيى: وهم يقولون إنه لم يدرك النبي ثم أخرج السخاوي عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت للنبي الحديث. وقال: وعلى هذه الرواية اقتصر العراقي في أماليه وقال: إنه حديث حسن. قال العراقي: والحديث صحيح من وجه آخر يشير إلى طريق البخاري، وإنما أوردته من حديث سفيان لفائدة كونه هو السائل، قال: وقد روينا في أحاديث عن بن عمر وابن عمرو وأبي الدرداء وجارية بن قدامة أن كلا منهم سأل النبيّ. قال السحاوي: وبمقتضى ما بينه صار في الباب عن جابر وجارية وسفيان الثقفي وابن عمرو وابن عمرو وأبي الدرداء وأبي سعيد وأبى هريرة وعم جارية اهـ. والحديث سبق مشروحاً ببعض ما هنا في باب الصبر (قال للنبي: أوصني) قال الأزهري: الإيصاء من الوصية وهي مصدر وصيت الشيء بكذا وصلته إليه، فالمعنى: صلني إلى ما ينفعني ديناً ودنيا، ولما علم من هذا الرجل كثرة الغضب وهو طبيب في الدين يعالج كلا بمرضه المخصوص خصه بهذه الوصية (قال لا تغضب) الغضب فوران دم القلب أو عرض يبعثه ذلك على إرادة الانتفام، وهو من وساوس الشيطان يخرج به الإنسان عن اعتدال حاله فيتكلم بالباطل ويفعل المذموم وينوي الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح، بل قد يكفر (فردد) أي فكرر الرجل قوله: أوصني (مراراً) تعريضاً بأنه لم يقنع بذلك وأنه يطلب وصية أبلغ وأنفع فلم يزده لعلمه أن لا أنفع من ذلك له (قال لا تغضب) وعلاجه أن يرى الكل من الله سبحانه ويذكر نفسه أن غضب الله أعظم وفضله
أكبر (رواه البخاري) في الأدب من «صحيحه» ، والترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
9640 -
(وعن أبي يعلى) بفتح التحتية واللام وسكون المهملة (شداد) بفتح المعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى (ابن أوس) ابن أخي حسان بن ثابت تقدمت ترجمته رضي الله عنه في باب المراقبة (عن رسول الله قال: إن الله كتب) أي أوجب وقدر (الإحسان) إتقان الفعل، أو بمعنى التفضل والإنعام (على كل شىء) للشىء إطلاقان: أحدهما ما أمكن وجوده بالإمكان العام فيكون أخص من المعلوم، إذ المستحيل معلوم ولا يطلق عليه بهذا الإطلاق شيء. ثانيهما ما صح أن يعلم ويخبر عنه فهو من أعم العام يطلق على الجوهر والعرض والقديم والحادث والممتنع، ويصح إطلاقه على الله تعالى بالإطلاقين، وهو في الحديث مخصوص بالممكن بدليل العقل. وما من شعبة من شعب الإيمان ولا ركن من أركان الإسلام إلا وقد قرن به إحسان لائق به بدليل عموم كل شيء في الحديث (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بكسر القاف: هيئة القتل وحالته فأحسنوا القتل في كل قتيل حد أو قصاص (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) بكسر الذال المعجمة وهي هيئة الذبح (وليحد) بضم التحتية (أحدكم شفرته) بفتح المعجمة وسكون الفاء: السكين العريض (وليرح ذبيحته) أي ليوصل إليها الراحة بأن يعجل إمرار الشفرة ولا يسلخ قبل البرودة، ويقطع من الحلقوم لا من القفا ولا يصرع بعنف ولا يجرها من موضع إلى موضع وأن يوجهها للقبلة ويسمي (رواه مسلم) ورواه أحمد وأبو عوانة في «مستخرجه» ، والطبراني في «معجمه الكبير» ، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح اهـ ملخصاً من «تخريج السخاوي» المذكور فيما قبله.
10 -
(وعن عائشة رضي الله عنها قالت ما خير) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل ليعم
أي ما خير أحد (رسول الله بين أمرين) ديني أو دنيوي (قط إلا أخذ) أي تناول وفي بعض النسخ إلا اختار (أيسرهما) إرشاداً للأمة ولابتناء دينه على اليسر يريد الله بكم اليسر «إن هذا الدين يسر» وذلك كأن يخبره الله تعالى بين ما فيه عقوبتان على أمته فيختار أخفهما، أو في قتال الكفار وأخذ الجزية، أو في العبادة في المجاهدة في حق الأمة فيختار الأخف، وعلى كون المخير غير الله بأن يخيره الكفار أو المنافقون بين الحرب والموادعة فيختار الموادعة. وكقول جبريل وملك الجبال: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فاستعفى عنهم واختار الأخفّ وهو بقاؤهم رجاء أن يخرج منهم من يوحد الله سبحانه، وهذا التخيير في الحقيقة إنما هو من الله سبحانه والملك واسطة (ما لم يكن) أي الأيسر (إنما) أي معصية لأنها سببه، من إطلاق المسبب وإراده السبب مجازاً مرسلاً لعلاقة السببية: أي فإن كان الأيسر معصية فلا معصية فلا يخيره الله بينه وبين مقابله، وإن كان المخبر غيره فهو لا يختاره بل يبعد منه كما قال (فإن كان) أي الأيسر الذي خيره بعض الناس بينه وبين مقابله (إنما كان أبعد الناس منه) أما المكروه فقال المصنف: إنه كالمعصية لا يختاره، وإن كان يجب عليه فعل ذلك تشريعاً وبيان أن النهي ليس للتحريم بل للتنزيه (وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء) يتعلق بحقه من نفس أو مال أو عرض (قط) وذلك لأن من عرف الله حق معرفته سد عليه باب الانتصار لنفسه لاقتضاء معرفته ألا يشهد فعلاً لغير معروفه فكيف ينتصر من الخلق من يرى الله تعالى فعالاً فيهم، وكيف يترك تعالى الانتصار لهم وقد ألقوا نفوسهم بين يديه وسلموا واستسلموا لما يرد منه إليهم؟ فهم في معاقل عزّه وتحت سرادقات مجده، يصونهم من كل إلا من ذكره، ويقطعهم عن كل إلا عن حبه، فالأنبياء حمَّال أسراره ومعادن أنواره
فهو يتولى انتصارهم، قال تعالى:{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون} (الصافات: 171) . وإنما لم ينتقم لنفسه مع كون منتهكها قد باء بإثم عظيم لأنه حق آدمي فيسقط بإسقاطه بخلاف حقه سبحانه، كما قالت (إلا أن تنتهك) بالبناء للمجهول (حرمة الله) وانتهاكها بارتكاب المحرمات وحينئذ فهو ليس مما قبله فيكون الاستثناء
منقطعاً، ويحتمل كما قال القاضي عياض: أن انتهاكها بإيذائه بما فيه غضاضة في الدين فذاك انتهاك حرمات الله تعالى، وعفوه عمن قال في قسمة خيبر: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، مع أن ذلك المقال غضاضة في الدين، إما لكون القائل لم يقصد الطعن عليه في الميل عن الحق بل اعتقد أنه من مصالح الدنيا التي يجوز الخطأ فيها، أو أنه كان استئلافاً كما استألف ببذل الأموال ترغيباً في الإسلام. وقيل هذا الصواب، وقيل هذا القول طبعاً في قائله وسجية فهو نوع عذر كمن جفا في رفع صوته عليه ومن جذبه بردائه حتى أثر في عنقه وقال: إنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، فضحك وأمر له بالعطاء وقوله (فينتقم لله) جواب لشرط مقدر: أي فإن انتهكت حرمة الله فهو ينتقم لله من مرتكب ذلك كما هو شأن أكابر المسلمين، إلا أن موسى أخذ برأس أخيه يجرّه إليه لما أحدث قومه بعده ما أحدثوا، وكان إذا غضب لله خرج شعره من مدرعته كسل النخل، والأخبار والآثار الدالة على وقوع غضب المصطفى وانتقامه له كثيرة مع الإجماع على أنه كان أحلم الناس وأكثرهم عفواً وصفحاً واحتمالاً وتجاوزاً، وفي الحديث الأخذ باليسر والرفق في الأمور وترك التكلف والمشاق، وفيه الميل إلى الأخذ برخص الله تعالى ورخص نبيه ورخص العلماء ما لم يكن ذلك القول خطأً بيناً وما لم يتبع الرخص بحيث تنحل ربقة التكليف منه، وفيه ما كان عليه من الحلم والصبر والقيام بالحق والصلابة في الدين، وهذا هو الخلق الحسن، فإنه لو ترك كل حق كل ضعفاً وخوراً ومهانة ولو انتقم لنفسه
لم يكن ثم صبر ولا حلم ولا احتمال بل بطشاً وانتقاماً فانتفى عنه الطرفان المذمومان وخير الأمور أوساطها (متفق عليه) رواه البخاري في باب صفة النبي، وفي الأدب من «صحيحه» ، ورواه مسلم في الفضائل ورواه أبو داود في الأدب مختصراً، قاله المزي في «الأطراف» . قلت: ورواه الترمذي في «الشمائل» .
11641 -
(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ألا) أداة استفتاح أتى بها لتنبيه السامع على ما بعدها كقوله (أخبركم) ليستيقظ المخاطب من غمرات الأفكار ويتوجه