المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌طبيعة كتابة المصاحف العثمانية: - رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة

[شعبان إسماعيل]

الفصل: ‌طبيعة كتابة المصاحف العثمانية:

‌طبيعة كتابة المصاحف العثمانية:

للعلماء في طبيعة كتابة هذه المصاحف خلاف طويل، هل كانت مشتملة على الأحرف السبعة كلها، أو على حرف واحد منها، أو على ما يحتمله الرسم من هذه الأحرف.

في هذه المسألة ثلاثة آراء:

الرأي الأول:

أنها نسخت على حرف واحد من الأحرف السبعة، بسبب اختلاف الناس في القرءاة -كما تقدم- فأراد عثمان رضي الله عنه جمع الناس على حرف واحد هو حرف قريش، بدليل قوله رضي الله عنه للقرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، أي بلهجتهم وطريقتهم في القراءة، وكان زيد مدنيا من الأنصار.

ومما استدل به أصحاب هذا المذهب: ما رواه أبو داود عن سويد بن غفلة قال: "قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا. قال1: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت".

قال المحقق ابن الجزري: نقلا عن الإمام الطبري وغيره: "إن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان ذلك جائزا لهم، ومرخصا فيه، وقد جعل لهم الاختيار في أي حرف قرءوا به، كما في الأحاديث الصحيحة2. قالوا: فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إذا لم يجتمعوا على حرف واحد، اجتمعوا على ذلك اجتماعا سائغا، وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، ولم يكن في ذلك ترك لواجب، ولا

1 أي: عثمان بن عفان رضي الله عنه.

2 يريد: الأحاديث الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف وجاء في بعضها: "

فأي حرف قرءوا أصابوا".

ص: 21

فعل لمحظور1.

مناقشة هذا الرأي:

ويمكن أن يناقش هذا الرأي فيقال: ليس من المعقول والمقبول أن يجمع "عثمان" رضي الله عنه الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أنزلها الله تعالى لحكم وأسرار كثيرة، منها: التخفيف على الأمة في تلاوة كتاب ربها، ففي ذلك مخالفة صريحة للأحاديث الصحيحة التي تدل على نزول القرآن على سبعة أحرف.

ومن الثابت -أيضا- أن المصاحف التي نسخها "عثمان" كانت موافقة للصحف التي نسخها الخليفة الأول "أبو بكر" رضي الله عنه، ومعلوم أنها لم تكن على حرف واحد، وإنما كانت مشتملة على ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم تنسخ تلاوته، وثبت في العرضة الأخيرة.

قال القاضي أبو بكر: "لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسم وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه، ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد"2.

فحاشا عثمان أن يمنع الناس من قراءة ما علمت قرآنيته، ونقل تواترا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوافقوه على ذلك، وهم لا يخافون في الله لومة لائم3.

يضاف إلى ذلك: أن هذا الرأي يخالف الواقع الذي عليه المسلمون اليوم، من قراءة القرآن بالقراءات التي وصلت إلينا بالطرق الصحيحة، والأسانيد

1 النشر في القراءات العشر "1/ 31-32".

2 انظر: البرهان في علوم القرآن "1/ 235-236".

3 الكلمات الحسان في الحروف السبعة وجمع القرآن للشيخ محمد بخيت المطيعي ص122.

ص: 22

المتصلة، وهي مشتملة على أحرف كثيرة، ومن شروط صحتها: موافقتها لأحد المصاحف العثمانية، فما من قراءة من السبعة أو العشرة إلا وهي موافقة لأحد هذه المصاحف، فكيف يقال: إن "عثمان" رضي الله عنه جمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة، وترك الستة الباقية؟!

وخير ما قيل في معنى جمع "عثمان" الناس على حرف واحد: هو جمعهم على ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقر في العرضة الأخيرة، ولم تنسخ تلاوته، وهو يمثل بالنسبة للقراءات الكثيرة التي كان الناس يقرءون بها حرفا واحدا، بدليل أنه رضي الله عنه أمر بإحراق المصاحف المختلفة التي كان يكتبها الصحابة لأنفسهم، لما فيها من أحرف بعضها قد نسخ، وبعضها كان تفسيرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت من بين الأسباب التي جعلت الناس يختلفون في القراءة قبل نسخ "عثمان" للمصاحف كما تقدم.

ولذلك يطلق عليها العلماء بأنها قراءة شاذة، لأنها خالفت الأركان الثلاثة للقراءة الصحيحة وهي: التواتر، وموافقة أحد المصاحف العثمانية، وموافقة وجه من أوجه اللغة العربية1.

الرأي الثاني:

إن المصاحف كانت مشتملة على الأحرف السبعة جمعيها، وهو رأي جمع من الفقهاء والقراءة والمتكلمين.

وحجتهم على ذلك: أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها، وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها "أبو بكر وعمر" وإرسال كل مصحف منها إلى مصر من أمصار المسلمين، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك، ولا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة، ولا أن يجمعوا على ترك شيء من القرآن2.

1 انظر: منجد المقرئين ومرشد الطالبين لابن الجزري ص91، الإتقان للسيوطي "1/ 129"، غيث النفع في القراءات السبع للصفاقسي ص6-7 بهامش سراج المبتدئ.

2 انظر: النشر "1/ 31"، الإتقان "1/ 41".

ص: 23

ويرد على هذا الرأي: أنه تقدم عند الحديث على جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه أنهم لم يكتبوا فيه إلا ما نقل بالتواتر، ولم تنسخ تلاوته، واستقر في العرضة الأخيرة، والصحابة رضي الله عنهم حينما نسخوا المصاحف نسخوها على هذا الأساس، وهم في هذا غير تاركين ولا مهملين لشيء من القرآن، بل هم متبعون ما ثبت لديهم بالدليل القاطع أنه من القرآن، وقد صحت الروايات بأن الأحرف السبعة نسخ منها الكثير في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل أن ما لم تتحقق فيه الأركان الثلاثة للقراءة الصحيحة يحكم عليه بأنه شاذ، مع أن الشاذ كان يقرأ به في أول الأمر ثم نسخ. وفي الأدلة التي سنذكرها للمذهب الثالث ما يرد على هذا المذهب.

الرأي الثالث:

إن هذا المصاحف كانت مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام.

وهو رأي جمهور العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين1.

قال الإمام ابن الجزري:

"ولا نشك أن القرآن نسخ منه وغير فيه في العرضة الأخيرة، فقد صح النص بذلك عن غير واحد من الصحابة، وروينا بإسناد صحيح عن زر بن حبيش قال: قال لي ابن عباس: أي القراءتين تقرأ؟ قلت: الأخيرة: قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن2 على جبريل عليه السلام في كل عام مرة. قال: فعرض عليه القرآن في العام الذي قبض فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- مرتين، فشهد عبد الله -يعني ابن مسعود- ما نسخ منه وما بدل، فقراءة عبد الله الأخيرة3.

وإذ قد ثبت ذلك فلا إشكال أن الصحابة كتبوا في هذه المصاحف ما تحققوا أنه قرآن، وما علموه استقر في العرضة الأخيرة، وما تحققوا صحته عن النبي

1 النشر "1/ 31".

2 أي: يقرأ على جبريل ما نزل عليه من القرآن.

3 النشر "1/ 32".

ص: 24

صلى الله عليه وسلم مما لم ينسخ

ثم قال ابن الجزري: وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين، فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- تلقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمره الله تعالى بتبليغه إليهم من القرآن. لفظه ومعناه جميعا، ولم يكونوا ليسقطوا شيئا من القرآن الثبات عنه صلى الله عليه وسلم ولا يمنعوا من القراءة به1.

وبذلك يظهر رجحان هذا المذهب، وضعف المذهبين السابقين، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة، والعشرة، بالنسبة إلى ما كان مشهورا في الأعصار الأول قِلٌّ من كثر، ونزر من بحر، فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين، وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين، من السبعة وغيرهم، -أيضا- أكثر، وهلم جرا، وهذا كله يرد الرأي القائل بأنهم جمعوا في هذه المصاحف كل الأحرف السبعة.

وتقدم -كذلك- مناقشة الرأي القائل: بأن عثمان رضي الله عنه جمع الناس على حرف واحد، وألغي الستة الباقية، وهذا لا يجوز بحال من الأحوال2.

قال أبو عبد الرحمن السلمي: "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون القراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده الصديق في جمعه، وولاه عثمان المصحف"3.

1 النشر "1/ 31".

2 انظر: النشر "1/ 33"، منجد المقرئين للجزري ص61، الإتقان للسيوطي "1/ 192".

3 البرهان "1/ 237".

ص: 25