الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[165]
تفسير الإله بالمعبود
الآيات القرآنيَّة الدالَّة على ذلك كثيرةٌ، قد تقدَّم بعضها في أوائل الرسالة في بيان اشتراط أن يكون التشهد على سبيل الالتزام، فراجعه. فأما أقوال أهل العلم، فقد سبق عن بعض علماء التوحيد أن حقيقة معنى الإله: المعبود بحق، وفسره بعضهم بالمستحق للعبادة، وبينَّا بحمد الله تعالى أن تعبير المتكلمين عن واجب الوجود بالإله وقول السنوسى:"إن معنى الإله: المستغني عن كلِّ ما سواه" إلخ، وما يؤخذ من كلام جماعة أن الإله هو الخالق أو المدبِّر استقلالًا، لا ينافي ذلك.
وهذا المعنى هو المعروف عند المفسرين والمحدِّثين والفقهاء وأهل اللغة وغيرهم.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسيره: "وأما تأويل قول الله: (الله) فإنه على معنى ما روي لنا عن عبد الله بن عباس: هو الذي يألهه كلُّ شيء ويعبده كلُّ خَلْق، وذلك أن أبا كريب حدثنا
…
عن عبد الله بن عباس قال: (الله) ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين
…
فإن قال: وما دلَّ على أن الألوهية هي العبادة وأن الإله هو المعبود وأن له أصلًا في فعل ويفعل؟ قيل: لا تَمَانُعَ بين العرب في الحكم لقول قائلٍ يصف رجلًا بعبادة ويطلب مما
(1)
عند الله جلَّ ذكره: يأله [تأَلَّه]
(2)
فلان، بالصحة [ولا]
(3)
خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج:
(1)
في طبعة محمود شاكر 1/ 123: "وبِطَلَبِ ما"، وهو أجود.
(2)
تصحيح من المؤلِّف للنسخة التي نقل منها.
(3)
ما بين المعقوفين ساقط من نسخة كتاب العبادة، واستدركتها من تفسير ابن جرير بتحقيق محمود شاكر.
لله دَرُّ الغانيات المُدَّهِ
…
سبَّحْن واسترجعن من تألُّهي
(1)
يعني: مِن تعبد وطلبِ الله بعمل
(2)
، ولا شك أن التألُّه: التفعُّلُ من أَلَه يألَه، [166] وأن معنى أله إذا نُطق به: عَبدَ اللهَ، وقد جاء منه مصدر يدلُّ على أن العرب قد نطقت [منه]
(3)
بفعل يفعل بغير زيادة، وذلك ما حدثنا
…
عن ابن عباس أنه قرأ: (ويذرك وإلاهتك)، قال: عبادتك، ويقول: إنه كان يُعبد ولا يَعبُد
…
عن مجاهد قوله: (ويذرك وإلاهتك) قال: وعبادتك
…
، فقد بيَّن قولُ ابن عباس ومجاهد هذا أن أَلَه عَبدَ وأن الإلاهة مصدره"
(4)
.
وقال في تفسير قول الله عز وجل: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]: "قد بينا فيما مضى معنى الألوهية وأنها اعتباد الخلق، فمعنى قوله:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} والذي يستحق عليكم أيها الناس الطاعة ويستوجب منكم العبادة معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحدٌ، فلا تعبدوا غيره ولا تشركوا معه سواه؛ فإن من تشركونه معه في عبادتكم إياه هو خلقٌ من خَلْقِ إلهكم مثلكم، {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} لا مثل له ولا نظير
…
(1)
ديوانه 165. والمدَّه: جمع مادهٍ، كالمدَّح: جمع مادحٍ، أُبدِلت الحاء هاءً على لغةٍ لبعض العرب. انظر: الكامل 2/ 1051 - 1052.
(2)
في طبعة محمود شاكر: "يعني: مِن تعبُّدي وطلبي اللهَ بعملي"، وهو الصواب.
(3)
زيادة من النسخة التي حقَّقها محمود شاكر.
(4)
1/ 40 - 41. [المؤلف]
وأما قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، فإنه خبرٌ منه ــ تعالى ذكره ــ أنه لا رب للعالمين غيره، ولا يستوجب على العباد العبادة سواه، وأن كل ما سواه فَهُمْ خَلْقُه، والواجب على جميعهم طاعته والانقياد لأمره وترك عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجرُ الأوثان والأصنام؛ لأن جميع ذلك خلقه، وعلى جميعهم [167] الدينونة له بالوحدانية والألوهة، ولا تنبغي الألوهة إلا له؛ إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك
…
ثم عَرَّفَهُمْ تعالى بالآية التي تتلوها
…
فقال تعالى ذكره: أيها المشركون إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان فتدبَّروا حججي وفكِّروا فيها، فإن مِنْ حججي خَلْقَ السموات والأرض واختلاف الليل والنهار
…
فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به ــ إذا اجتمع جميعه فتظاهر أو انفرد بعضه دون بعضٍ ــ يقدر على أن يخلق نظير شيءٍ من خلقي ــ الذي سَمَّيْتُ لكم ــ فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذٍ عذرٌ، وإلَّا فلا عذر لكم
…
"
(1)
.
وقال في تفسير آية الكرسي {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} : "قد دللنا فيما مضى على تأويل قوله: {اللَّهُ} ، وأما تأويل قوله:{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} فإن معناه: النهي عن أن يُعبد شيء غير الله الحي القيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية، يقول: الله الذي له عبادة الخلق، الحيُّ
(1)
2/ 35. [المؤلف]
القيوم، لا إله سواه، لا معبود سواه، يعني: ولا تعبدوا شيئًا سواه"
(1)
.
وقال في تفسير قول: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ} [النساء: 87]: "المعبود الذي لا تنبغي العبودة [168] إلا له هو الذي له عبادة كلِّ شيءٍ وطاعة كلِّ طائعٍ"
(2)
.
وقال في تفسير قول الله سبحانه: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى} [الأنعام: 19]: "يقول: تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام
…
{إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} يقول: إنما هو معبود واحد لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة"
(3)
.
وفي الكشاف: "والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم كوكب ثم غلب على الثُّرَيَّا، وكذلك السَّنَة على عام القحط
…
"
(4)
.
وفي تفسير البيضاوي: "والإله في أصله لكل معبود ثم غلب على المعبود بالحقِّ، واشتقاقه من أَلَه إلاهة وألوهة وألوهية ــ بمعنى: عَبَد ــ، ومنه: تألَّه واسْتَأْلَه"
(5)
.
وفي مفردات القرآن للراغب: "و (إله) جعلوه اسمًا لكل معبوديهم
(1)
3/ 4. [المؤلف]
(2)
5/ 112. [المؤلف]
(3)
7/ 97. [المؤلف]
(4)
1/ 5. [المؤلف]
(5)
هامش حواشي الشيخ زاده 1/ 22. [المؤلف]
وكذا الذات
(1)
وسموا الشمس إلاهة لاتخاذهم إياها معبودة، وأله يأله: عبد
…
و (إله) حقُّه ألا يُجْمَعَ إذ لا معبود سواه، لكن العرب لاعتقادهم أن هاهنا معبوداتٍ جمعوه، فقالوا: الآلهة".
[169]
وفي حواشي الشيخ زاده على تفسير البيضاوي: "قوله: (إلَّا أنَّه يختصُّ بالمعبود بالحقِّ) استدراكٌ بمعنى (لكنه) ، وضمير (أنه) للفظ الجلالة المذكور سابقًا، ووجه الاستدراك أنه لما ذكر أن أصل لفظ الجلالة إله وهو اسم جنس يُطْلَقُ على كلِّ معبودٍ حقًّا كان أو باطلًا كما في قوله تعالى:{وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} [طه: 97]، وقوله:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] نشأ من ذلك تَوَهُّمُ أن لفظ الجلالة أيضًا اسم جنس يَصِحُّ إطلاقُه على غير المعبود بالحق فاحتيج إلى رفع هذا الوَهْم، فَرَفَعَه بقوله:(إلا أنه يختص بالمعبود) يعني أن الإله المُحَلَّى باللام قبل أن يغلب استعماله في فردٍ معين من أفراد جنس إله يطلق على كلِّ معبود سواء كان معبودًا بالحق أو لا؛ لأنه ليس عَلَمًا قصديًّا موضوعًا لذاته المخصوصة ابتداء، بل هو عَلَمٌ اتِّفاقيٌّ عرضت له العَلَمِية بأنْ كثر استعماله حال كونه مُحَلًّى بلام العهد في فردٍ معيَّنٍ من أفراد جنسه يكون ذلك الفرد معهودًا للمخاطب بسبب شهرة ذلك الفرد المعهود من بين أفراد جنسه بكونه فردًا لذلك الجنس وأن إلاهًا المُنَكَّر اسم جنسٍ يقع على كل معبود، فإذا كان فردٌ من أفراده أيَّ فردٍ كان معهودًا للمخاطب وأشرت إليه بلفظ (الإله) المحلَّى بلام العهد صحّت الإشارة إليه [170] وإن لم يكن معبودًا بالحق، وإذا كان ذلك الفرد المعهود معبودًا بالحق وكثر استعمال لفظ
(1)
يعني المعبود بحق. وفي (ط: دار القلم) ص 82: اللات.
(الإله) المحلَّى بلام العهد فيه لكونه أشهر أفراد ذلك الجنس بكونه فردًا له بحيث صار ما عدا ذلك الفرد كأنه ليس فردًا يصير لفظ (الإله) عَلَمًا له بغلبته عليه وإن كان في أصله أَيْ مَعَ قطع النظر عن غلبته عليه يصحُّ إطلاقه على كلِّ فَرْدٍ من أفراد المعبود"
(1)
.
وفي تفسير العلامة أبي السعود: "الإله في الأصل اسم جنس يقع على كلِّ معبود بحق أو باطل، أي مع قطع النظر عن وصف الحقية والبطلان لا مع اعتبار أحدهما لا بعينه، ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم والصعق.
وأما (الله) بحذف الهمزة فَعَلَمٌ مختصٌّ بالمعبود بالحقِّ لم يُطْلَقْ على غيره أَصْلًا، واشتقاقه من الإلاهة والألوهة والألوهية بمعنى العبادة حسبما نص عليه الجوهري على أنه اسم منها بمعنى المألوه كالكتاب بمعنى المكتوب لا على أنه صفة منها، بدليل أنه يوصف ولا يوصف به حيث يقال: إله واحد، ولا يقال: شيء إله كما يقال: كتاب مرقوم، ولا يقال: شيء كتاب
…
واعلم أن المراد بالمنكَّر في كلمة التوحيد هو المعبود بالحقِّ"
(2)
.
[171]
وفي لسان العرب: " (الإله) الله عز وجل وكلُّ ما اتخذ من دونه معبودًا إله عند مُتَّخِذِه، والجمع آلهة، والآلهة: الأصنام، سموا بذلك لاعتقادهم أن العبادة تحق لها وأسماؤهم تتبع اعتقاداتهم لا ما عليه الشيء في نفسه.
وقال أبو الهيثم: فالله أصله إله، قال الله عز وجل: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا
(1)
1/ 24. [المؤلف]
(2)
1/ 7. [المؤلف]
كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91]، قال: ولا يكون إلهًاحتى يكون معبودًا وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبِّرًا وعليه مقتدرًا [سيأتي بيان مراده]، فمَن لم يكن كذلك فليس بإلهٍ [سيأتي بيان مراده] وإن عُبِد ظلمًا، بل هو مخلوقٌ ومتعبِّدٌ.
قال: وأصل إلاه وِلاه، فقُلِبت الواو همزةً، كما قالوا: للوِشاح إشاح وللوِجاح ــ وهو السترُ ــ إجاح، ومعنى (إله) أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم
…
وقد سمَّت العرب الشمس لما عبدوها إلاهة
…
قال ابن سيده:
…
فكأنهم سمَّوها إلاهة لتعظيمهم لها وعبادتهم إياها فإنهم كانوا يعظمونها ويعبدونها، وقد أوجدنا الله عز وجل ذلك في كتابه حين قال:{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37].
والإلاهة والألوهة والألوهية العبادة، وقد قرئ:(ويذرك وإلاهتك) أي وعبادتك، وهذه الأخيرة [172] عند ثعلب كأنها هي المختارة، قال: لأن فرعون كان يُعبد ولا يعبد [فيه كلام سيأتي]
…
قال ابن بَرِّي: يقوِّي ما ذهب إليه ابن عبَّاسٍ في قراءته: (ويذرك وإلاهتك) قول فرعون: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] وقوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، [سيأتي الجمع الصحيح بين الآيات] ويقال: إله بيِّن الإلاهة والأُلْهَانيَّة، وكانت العرب في الجاهلية يدعون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة وهي جمع إلاهة [فيه نظر] قال الله عز وجل:{وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127]، هي
أصنام عبدها قوم فرعون معه، [هذا تخرُّصٌ وستأتي حقيقة الأمر إن شاء الله تعالى].
والله أصله إلاه على فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه أي معبود
…
قال ابن بَرِّي:
…
فإذا قيل: الإله انطلق على الله سبحانه وعلى ما يعبد من الأصنام، وإذا قلت: الله لم ينطلق إلا عليه سبحانه وتعالى"
(1)
.
وفي القاموس
(2)
: "أله إلاهة وألوهة وألوهية عبد عبادة
…
ومنه لفظ الجلالة
…
وأصله إلاه كفِعال بمعنى مألوه، وكلُّ ما اتُّخِذ معبودًا إله عند متَّخِذِه بَيِّن الإلاهة
…
".
[173]
وفي المصباح
(3)
: "أَلِهَ يَأْلَه من باب تعب [سيأتي ما فيه] إلاهة بمعنى عبد عبادة، وتألَّه تعبَّد، والإله المعبود، وهو الله سبحانه وتعالى، ثم استعاره المشركون لما عبدوه من دون الله تعالى، والجمع آلهة، فالإله فِعَال بمعنى مفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب وبساط بمعنى مبسوط".
وفي دستور العلماء
(4)
: "والإله بمعنى المعبود المطلق حقًّا أو باطلًا".
واستيفاء النقل مما لا مطمع فيه، فقد تعرَّض له الفقهاء من جميع المذاهب وغيرهم من أهل الفنون في أوائل الشروح في الكلام على البسملة، والنحاة في الكلام على المعرَّف بالعَلَمية والمعرَّف بأل، وباب
(1)
لسان العرب 13/ 467 - 469.
(2)
ص 1603.
(3)
ص 19.
(4)
1/ 10.
النداء، وأهل المعاني في ذكر تعريف المسند إليه.
والمرجع الحقيقيُّ هو التفسير واللغة وقد نقلنا عنهما ما يكفي، أو علم الكلام وقد مرَّ النقل عنه.
وتلخيص كلامهم المتقدم مع زيادةٍ: أنهم اتفقوا على أن لفظ (إله) مشتقٌّ، ثم اختلفوا فيما اشتقُّ منه، فالأكثر أنه من أله يأله إلاهةً ــ بمعنى عبد يعبد عبادةً ــ، والماضي بفتح اللام، وقول صاحب المصباح:(من باب تعب) سهوٌ.
وقيل: من أَلِه كفرح، بمعنى: تحيَّر أو غيره.
وقيل: من أَلَهَه كمنعه إذا أجاره.
[174]
وقيل: من وَلِه كفرح ــ بمعنى تحيَّر أو غيره ــ، والأصل وِلاه قلبت الواو همزة كإشاح وإجاح.
ويؤخذ من كلام بعضهم أن الخلاف مختصٌّ بالإله الذي هو أصل كلمة الجلالة، فأما إله المستعمل بلفظه فلا خلاف أنه من أله بمعنى عبد، ومن كلام آخرين أن الخلاف جارٍ في المستعمل بلفظه أيضًا.
وحجَّة الأكثر: الاتفاق على أن لفظ إله بمعنى معبود أو معبود بحق أو مستحق للعبادة وهو مناسب لمادة أله بمعنى عبد لفظًا ومعنى، وكأن المخالف يعتذر عن الاختلاف المعنوي بين معنى إله ومعنى متحَيَّر فيه مثلًا بأن الاسم قد يكون أخصَّ مما يقتضيه اشتقاقه كعِطاف خاص في اللغة بالثوب الذي يرتدى به مع أن اشتقاقه يقتضي أن يعمَّ كل معطوف، وهذا حق، ولكن الأصل في المشتق بقاؤه على ما يقتضيه اشتقاقه، والمناسبة بين
المعبود والتحيُّر ضعيفة، ومادة أله بمعنى عبد مستعملة متصرفة فكيف يعدل عنها؟
ويختص قول من قال: وِلاه بأن فيه مخالفةً أخرى للأصل بلا حجَّةٍ ولا حاجةٍ، وبأن قلب واو نحو وشاح همزة جائز غير لازم، وأكثر العرب يقولون: وشاح ولم يُسْمَعْ عنهم وِلاه، وبما ذكره البيضاوي وغيره [175] أن جمع إله آلهة ولو كان الأصل ولاه لقيل: أولهة إذ التكسير يردُّ إلى الأصل.
وبعد، فلا يهمنا الخلاف في الاشتقاق بعد الاتفاق على المعنى الراهن، فإنه كما أن أهل اللغة يفسِّرون العطاف بالرداء فكذا المخالف في إله يفسره بالمعبود أو المعبود بحق أو المستحق للعبادة، ومدار فهم المعنى على هذا لا على الأصل الاشتقاقي، والله أعلم.
فأما ما مرَّ في عبارة اللسان عن أبي الهيثم من قوله: "ولا يكون إلها حتى يكون معبودًا وحتى يكون لعابده خالقًا
…
" فمراده أن معنى إله: معبودٌ بحقٍّ، ولا يكون معبودًا بحقٍّ حتى يكون خالقًا إلخ، بدليل قوله بعد ذلك: "وإن عُبِد ظلمًا"، أي: فإن عابده وإن كان بزعمه أنه معبودٌ بحقٍّ قد زعم أنه إلهٌ، لكنه ليس في حكم العقل والدين بمعبودٍ بحقٍّ، فليس بإلهٍ في نفس الأمر. والله أعلم.
الاختلاف الثاني: في (إله)، أهو بمعنى: معبودٌ بحقٍّ، أم: مستحقٌّ للعبادة، أم معبودٌ.
فأما العبارتان الأوليان فلا فرق بينهما، إلا أن قولنا معبود بحق يفهم منه اشتراط أن يكون معبودًا بالفعل، وليس هذا [176] بمراد اتفاقًا؛ للاتفاق على أن من اعتقد في شيء أنه مستحق للعبادة فقد اعتقد أنه إله وإن لم يعبده هو
ولا غيره. واللغة لا تأبى هذا، فإن فِعالًا بمعنى مفعول قد يطلق على ما مِن شأنه أن يكون مفعولًا وإن لم يكن كذلك بالفعل كما يسمون البساط بساطًا وإن لم يكن قد بُسِط. ولو كان معنى إله معبودًا بحق أي معبودًا بالفعل لكان النفي في كلمة التوحيد خاصًّا بذلك، لا يتناول المستحق للعبادة ولم يُعبد بالفعل، وعليه فلا تكون الكلمة الشريفة توحيدًا، وهذا باطل قطعًا.
فقد علم أن العبارتين الأوليين متفقتان، وقولنا:"مستحقٌّ للعبادة" أجودهما؛ لسلامتها من الإيهام، فيبقى النظر بينها وبين الثالثة.
فأقول: في القرآن آيات كثيرة تدلُّ على أن معنى (إله) مستحق للعبادة لا معبود فقط، منها قوله تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، وقوله سبحانه:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، وقوله عز وجل:{لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} [الأنبياء: 99].
وفي القرآن آيات كثيرة تدل على عكس ذلك منها قوله عز وجل: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [هود: 101].
[177]
وقوله سبحانه في قصة الخليل عليه السلام: {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} [الصافات: 91].
وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً} [الأنعام: 74].
وقوله جل ذكره: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 81 - 82].
وقوله تبارك وتعالى في حكاية توبيخ موسى عليه السلام للسامري: {وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} [طه: 97].
وقوله سبحانه: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 39].
وقوله عز اسمه: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 213].
وأهل العلم مختلفون، فمنهم مَن يختار أنه بمعنى معبودٌ فقط ويتأوَّل أدلَّة القول الآخر، ومنهم من يعكس.
والصواب ــ إن شاء الله تعالى ــ: إبقاء الآيات على ظواهرها، وأنه قد يجيء بمعنى: ما من شأنه أن يُعْبَد، فيؤخذ من ذلك قيد الاستحقاق، فمعناه حينئذٍ: مستحق للعبادة، وقد يجيء بمعنى معبود، أي بالفعل، ومعناه حينئذٍ: معبود، بلا قيد.
[178]
فحاصل ما تدلُّ عليه الآيات أن القول بوجود إله غير الله تعالى إن كان بمعنى مستحق للعبادة فشرك وإن كان بمعنى معبود بالفعل غير مستحق فلا. فأما اتخاذ إله غير الله تعالى فشرك مطلقًا، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإنهم مجمعون أن عبادة غير الله تعالى شرك بل هذا من ضروريَّات الإسلام.
وكلمة الشهادة تتضمن الأمرين أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلما قدمنا في أوائل الرسالة أن النطق بكلمة الشهادة على سبيل الالتزام يتضمن التزام ألَّا يعبد إلا الله.
وإيضاح ذلك: أن لفظ (إله) في كلمة الشهادة بمعنى مستحق للعبادة، وإذا
شهد المرء أنه لا مستحق للعبادة إلا الله عز وجل ثم اعتقد أو ادَّعى أو جوَّز أن غير الله تعالى مستحق للعبادة فقد نقض الشهادة، ثم قد علم من شهادته بذلك اعترافه بأنه إن عبد غير الله تعالى فقد عبد ما لا يستحق العبادة.
وقد علم المشركون أن دعوة المسلمين هي إلى ترك الشرك ومنه عبادة غير الله تعالى، وإلى توحيد الله تعالى بأن يعبده ولا يشرك به شيئًا، وأنهم يكتفون من المشرك بأن يشهد ألَّا إله إلا الله [179] وأن محمدًا عبده ورسوله على سبيل البراءة من الشرك كلِّه والتزام التوحيد كلِّه، بل الإسلام كلِّه.
أولا ترى أننا لا نطالب الكافر بإقامة الصلاة وأداء الزكاة وترك الخمر وغير ذلك، فإذا أسلم طالبناه وقتلناه إن لم يُصَلِّ، وقاتلناه إن لم يزكِّ، وحَدَدْناه إن شرب الخمر.
وهل ذلك إلا لأن الكافر لم يلتزم أحكام الإسلام، فإذا تشهَّد على سبيل التزام الإسلام فقد التزم ورضي بجميع الأحكام. وفي لفظ الإسلام ما يومئ إلى ذلك أي أنه أسلم نفسه لكلِّ ما يَحْكُمُ به الدين، فإن قتلناه أو قاتلناه أو حَدَدْنَاه فبمقتضى رضاه.
ولهذا إذا حكَّمَنَا الكفار في قضية حكَمْنَا بينهم بحكم (1) ديننا ونفَّذْناه عليهم لرضاهم بذلك حين حكَّمونا، وهذا (1) يوضح لك أن النطق بالشهادة على سبيل الالتزام يتضمن التزام (1) جميع أحكام الإسلام، فإذا خالف بعد الشهادة شيئًا من (1) الأحكام فقد أَخَلَّ بالشهادة، إلا أن الإخلال قد يكون نقضًا لأصل
(1)
الشهادة كزعم أن غير الله تعالى مستحق للعبادة [180]
(1)
هذه بدايات خمسة أسطر في المخطوط، وقد تآكلت الورقة فلم تظهر بعض حروف هذه الكلمات، والمثبت اجتهاد منِّي.
وكتكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو إهانته، وقد يكون نقضًا لما تقتضيه بمعونة القرائن القطعية كما تقدَّم مع دلالة المنطوق عليه، كأن يعبد غير الله تعالى مع اعترافه أن ذلك الشيء لا يستحق العبادة؛ فإن منطوق الشهادة أنه لا مستحق للعبادة إلا الله تعالى، وعلم منه أن عبادة غيره تعالى شرك، وقد يكون الإخلال تقصيرًا دون ذلك كشرب الخمر.
فخلاصة ما تقدَّم: أن لفظ (إله) قد يأتي بمعنى مستحق للعبادة، وقد يأتي بمعنى (معبود)، وأن كلمة الشهادة تتضمن التوحيد في الأمرين، وأن الإخلال بأحدهما شرك.
ولكن الاشتباه الذي نشكوه لا يزول إلا بمعرفة معنى العبادة، فنقول
(1)
: "أصل العبادة في اللغة التذليل
(2)
…
والعبادة والخضوع والتذلُّل والاستكانة قرائب في المعاني، يقال: تعبد فلانٌ لفلانٍ إذا تذلَّل له، وكلُّ خضوعٍ ليس فوقه خضوعٌ فهو عبادةٌ طاعةً كان للمعبود أو غيرَ طاعةٍ، وكلُّ طاعةٍ لله على جهة الخضوع والتذلُّل فهي عبادةٌ، والعبادة نوعٌ من الخضوع لا يستحقُّه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة
…
والعبادة لا تستحقُّ إلا بالنعمة؛ لأن العبادة تنفرد بأعلى أجناس النعم، لأن أقلَّ القليل من العبادة يَكْبُرُ عن أن يستحقه إلا مَن كان له أعلى جنسٍ من النعمة [؟ ]
(3)
إلا الله سبحانه، فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله".
(1)
المخصَّص. [المؤلف]. لابن سيده، المجلَّد الرابع (13/ 96).
(2)
كذا في الأصل، والوجه التذلُّل. ونقل في موضع آخر عن أبي عليٍّ:"وأصل التعبيد: التذليل". انظر المجلد الأول 3/ 143.
(3)
كذا في الأصل، إشارة إلى الخلل في العبارة؛ لأن الاستثناء هنا لا مناسبة له، إلا أن يكون بدلًا من الاستثناء الأوَّل.