المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فتح مكة شرفها الله وعظمها: - سير أعلام النبلاء - ط الرسالة - سيرة ٢

[شمس الدين الذهبي]

فهرس الكتاب

- ‌سنة ست من الهجرة:

- ‌غزوة ذي قرد:

- ‌مقتل أبي رافع:

- ‌قتل ابن نبيح الهذلي:

- ‌غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع:

- ‌سرية نجد: قيل إنها كانت في المحرم سنة ست:

- ‌إسلام أبي العاص مبسوطًا:

- ‌سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم في شوال:

- ‌قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة:

- ‌نزول سورة الفتح:

- ‌وفي سنة ست:

- ‌السنة السابعة:

- ‌غزوة خيبر:

- ‌فصل فيمن ذكر أن مرحبا قتله محمد بن مسلمة:

- ‌ذكر صفية:

- ‌ذكر من استشهد على خيبر:

- ‌قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه:

- ‌شان الشاة المسمومة:

- ‌غزوة وادي القرى:

- ‌سرية أبي بكر رضي الله عنه إلى نجد:

- ‌سرية عمر رضي الله عنه إلى عجز هوازن:

- ‌سرية بشير بن سعد:

- ‌سرية غالب بن عبد الله الليثي:

- ‌سرية حنان:

- ‌سرية أبي حدرد إلى الغابة:

- ‌سرية محلم بن جثامة:

- ‌سرية عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي:

- ‌عمرة القضية:

- ‌تزويجه عليه السلام بميمونة:

- ‌ثم دخلت سنة ثمان من الهجرة:

- ‌إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد:

- ‌سرية شجاع بن وهب الأسدي:

- ‌سرية نجد:

- ‌سرية كعب بن عمير:

- ‌غزوة مؤتة:

- ‌ترجمة جعفر بن أبي طالب:

- ‌ترجمة زيد بن حارثة:

- ‌ترجمة ابن رواحة:

- ‌واستشهد بمؤته:

- ‌ذكر رسل النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌غزوة ذات السلاسل:

- ‌غزوة سيف البحر:

- ‌سرية أبي قتادة إلى خضرة:

- ‌وفاة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌فتح مكة شرفها الله وعظمها:

- ‌غزوة بني جذيمة:

- ‌غزوة حنين:

- ‌غزوة أوطاس:

- ‌غزوة الطائف:

- ‌قسم غنائم حنين وغير ذلك:

- ‌عمرة الجعرانة:

- ‌قصة كعب بن زهير:

- ‌السنة التاسعة:

- ‌وفي رجب غزوة تبوك:

- ‌أمر الذين خلفوا:

- ‌موت عبد الله بن أبي:

- ‌ذكر قدوم وفود العرب:

- ‌ثم بعد أشهر، قدم وفد ثقيف:

- ‌السنة العاشرة:

- ‌وافد بني سعد:

- ‌إسلام ملوك اليمن:

- ‌حجة الوداع:

- ‌سنة إحدى عشرة:

- ‌سرية أسامة:

- ‌فصل في معجزاته صلى الله عليه وسلم:

- ‌باب جامع من دلائل النبوة:

- ‌باب آخر سور نزلت:

- ‌باب في النسخ والمحو من الصدور:

- ‌ذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم:

- ‌باب: في خصائصه صلى الله عليه وسلم وتحديثه أمته بها امتثالا لأمر الله تعالى، بقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث}

- ‌باب: مرض النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌باب: تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم

الفصل: ‌فتح مكة شرفها الله وعظمها:

‌فتح مكة شرفها الله وعظمها:

قال البكائي، عن ابن إسحاق: ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة، وهم على ماء بأسفل مكة يقال له: الوتير. وكان الذي هاج ما بين بكر وخزاعة أن رجلًا من بني الحضرمي خرج تاجرًا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله. فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على سلمى وكلثوم وذؤيب بني الأسود بن رزن الديلي، وهو مفخر بني كنانة وأشرافهم، فقتلوهم بعرفة.

فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به. فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط لهم أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله وعهده فليدخل معه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنها وكافرها.

فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل، أحد بني بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثارًا بأولئك الإخوة. فخرج نوفل بن معاوية الديلي في قومه حتى بيت خزاعة على الوتير فاقتتلوا. وردفت قريش

ص: 153

بني الدليل بالسلاح، وقوم من قريش أعانت خزاعة بأنفسهم، مستخفين بذلك، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. فقال قوم نوفل له: اتق إلهك ولا تستحل الحرم. فقال: لا إله لي اليوم، والله يا بني كنانة إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون فيه ثأركم؟ فقتلوا رجلا من خزاعة. ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار رافع مولى خزاعة.

فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، كان ذلك نقضا للهدنة التي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج عمرو بن سالم الخزاعي فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة مستغيثين به، فوقف عمرو عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهري الناس، فقال:

يا رب إني ناشد محمدا

حلف أبينا وأبيه الأتلدا

قد كنتم ولدا وكنا والدا

ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصرا أعتدا

وادع عباد الله يأتوا مدا

فيهم رسول الله قد تجردا

إن سيم خسفا وجهه تربدا

في فيلق كالبحر يجري مزبدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وجعلوا لي في كداء رصدا

وزعموا أن لست أدعو أحدا

وهم أذل وأقل عددا

هم بيتونا بالوتير هجدا

وقتلونا ركعا وسجدا

فانصر، هداك الله، نصرا أيدا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت يا عمرو بن سالم".

ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب؛ يعني خزاعة. رواه أطول من هذا يونس بن

ص: 154

بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري سماعا، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم.

وقال ابن إسحاق: ثم قدم بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة". ومضى بديل وأصحابه فلقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان، قد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا. فلما لقي بديل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سرت في خزاعة على الساحل. فقال: أوما جئت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة قال: أبو سفيان: لئن كان جاء إلى المدينة لقد علف بها النوى. فأتى مبرك راحلته ففته فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد أتى محمدا.

ثم قدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك، نجس. قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر.

ثم خرج حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه شيئا. فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر فكلمه فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم! فوالله لو لم أجد إلا الذر لجالدتكم عليه. ثم خرج حتى أتى عليا رضي الله عنه وعنده فاطمة وابنها الحسن وهو غلام يدب، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله. فقال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على

ص: 155

أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذلك، وما يجبر أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: يا أبا حسن، إني أري الأمور قد اشتدت على فانصحني. قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك. قال: أوترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ فقص شأنه، وأنه جار بين الناس، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: والله إن زاد الرجل على أن لعب بك.

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه. ثم أعلم الناس بأنه يريد مكة، وقال:"اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتهم في بلادهم".

فعن عروة وغيره، قالوا: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش بذلك مع امرأة، فجعلته في رأسها ثم قتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بفعله، فأرسل في طلبها عليا والزبير. وذكر الحديث.

أخبرنا محمد بن أبي الحرم القرشي، وجماعة، قالوا: حدثنا الحسن بن يحيى المخزومي قال: حدثنا عبد الله بن رفاعة، قال: أخبرنا علي بن الحسن الشافعي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر بن النحاس، قال: أخبرنا عثمان بن محمد السمرقندي، قال: حدثنا أحمد بن

ص: 156

شعبان، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن حسن بن محمد، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي رافع -وهو كاتب علي- قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها.

فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة. قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتقلعن الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حاطب ما هذا"؟ قال: يا رسول الله لا تعجل، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من كان من المهاجرين معك لهم قرابات يحمون بها أهليهم بمكة، ولم يكن لي قرابة، فأحببت أن أتخذ فيهم يدا -إذ فاتني ذلك- يحمون بها قرابتي، وما فعلته كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنه قد صدقكم". فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال:

"إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله -تعالى- اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".

أخرجه البخاري عن قتيبة، ومسلم عن ابن أبي شيبة، وأبو داود عن مسدد، كلهم عن سفيان.

أبو حذيفة النهدي: حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس، قال: قال عمر: كتب حاطب إلى المشركين بكتاب فجيء به إلى

ص: 157

النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا حاطب ما دعاك إلى هذا"؟ قال: كان أهلي فيهم وخشيت أن يصرموا عليهم، فقلت: أكتب كتابا لا يضر الله ورسوله. فاخترطت السيف فقلت: يا رسول الله، أضرب عنقه فقد كفر. فقال:"وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". هذا حديث حسن.

وعن ابن إسحاق نحوه، وزاد: فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] .

وعن ابن إسحاق، قال: وعن ابن عباس، قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستعمل على المدينة أبا رهم الغفاري. وخرج لعشر مضين من رمضان. فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، بين عسفان وأمج أفطر.

اسم أبي رهم: كلثوم بن حصين.

وقال سعيد بن بشير، عن قتادة: أن خزاعة أسلمت في دراهم، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامها، وجعل إسلامها في دارها.

وقال سعيد بن عبد العزيز، وغيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل في عهده يوم الحديبية خزاعة.

وقال الوليد بن مسلم: أخبرني من سمع عمرو بن دينار، عن ابن عمر، قال: كانت خزاعة حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفاثة حلف أبي سفيان. فعدت نفاثة على خزاعة، فأمدتها قريش. فلم يغز رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا حتى بعث إليهم ضمرة، فخيرهم بين إحدى ثلاث: أن يدوا قتلى خزاعة، وبين أن يبرأ من حلف نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء. قالوا:

ص: 158

ننبذ على سواء. فلما سار ندمت قريش، وأرسلت أبا سفيان يسأل تجديد العهد.

وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: كانت بين نفاثة من بني الديل، وبين كعب، حرب. فأعانت قريش وبنو كنانة بني نفاثة على بني كعب. فنكثوا العهد إلا بنو مدلج، فإنهم وفوا بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلن. فذكر القصة، وشعر عمرو بن سالم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي". فأنشأت سحابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن هذه السحابة تستهل بنصر بني كعب، أبصروا أبا سفيان فإنه قادم عليكم يلتمس تجديد العهد والزيادة في المدة".

فأقبل أبو سفيان، فقال: يا محمد جدد العهد وزدنا في المدة. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو لذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم"؟ قال: معاذ الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فنحن على عهدنا وصلحنا". ثم ذكر ذهابه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأنه قال له: أنت أكبر قريش فأجر بينها. قال: صدفت إني كذلك فصاح: ألا إني قد أجرت بين الناس، وما أظن أن يرد جواري ولا يخفر بي، قال: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟ ثم خرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين أدبر:"اللهم سد على أبصارهم وأسماعهم فلا يروني إلا بغتة". فانطلق أبو سفيان حتى قدم مكة فحدث قومه، فقالوا: رضيت بالباطل وجئتنا بما لا يغني عنا شيئا، وإنما لعب بك علي.

وأغبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاز، مخفيا لذلك. فدخل أبو بكر على ابنته، فرأى شيئا من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر وقال: أين يريد

ص: 159

رسول الله؟ فقالت عائشة: تجهز، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم غاز قومك، قد غضب لبني كعب. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشفقت عائشة أن يسقط أبوها بما أخبرته قبل أن يذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشارت إلى أبيها بعينها، فسكت. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة يتحدث مع أبي بكر، ثم قال:"تجهزت يا أبا بكر"؟ قال: لماذا يا رسول الله؟ قال: "لغزو قريش، فإنهم قد غدروا ونقضوا العهد، وإنا قوم غازون إن شاء الله".

وأذن في الناس بالغزو، فكتب حاطب إلى قريش فذكر حديثه، وقال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفا من المهاجرين، والأنصار، وأسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة،

وبني سليم، وقادوا الخيول حتى نزلوا بمر الظهران، ولم تعلم بهم قريش، قال: فبعثوا حكيم بن حزام وأبا سفيان وقالوا: خذوا لنا جوارا أو آذنونا بالحرب. فخرجا فلقيا بديل بن ورقاء فاستصحباه، فخرج معهما حتى إذا كانوا بالأراك بمكة، وذلك عشاء، رأوا الفساطيط والعسكر، وسمعوا صهيل الخيل ففزعوا: هؤلاء بنو كعب جاشت بهم الحرب. قال بديل: هؤلاء أكثر من بني كعب، ما بلغ تأليبها هذا.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث بين يديه خيلا لا يتركون أحدا يمضي. فلما دخل أبو سفيان وأصحابه عسكر المسلمين أخذتهم الخيل تحت الليل وأتوا بهم. فقام عمر إلى سفيان فوجأ عنقه، والتزمه القوم وخرجوا به ليدخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم به، فحبسه الحرس أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاف القتل، وكان العباس بن عبد المطلب خالصة له في الجاهلية، فنادى بأعلى صوته: ألا تأمر بي إلى عباس؟ فأتاه عباس فدفع عنه، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبضه إليه.

فركب به تحت الليل، فسار به في عسكر القوم حتى أبصره أجمع. وكان عمر قال له حين وجأه: لا تدن من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تموت. فاستغاث بالعباس وقال: إني مقتول.

ص: 160

فمنعه من الناس. فلما رأى كثرة الجيش، قال: لم أر كالليلة جمعا لقوم. فخلصه عباس من أيديهم، وقال: إنك مقتول إن لم تسلم وتشهد أن محمدا رسول الله، فجعل يريد أن يقول الذي يأمره به عباس، ولا ينطلق به لسانه وبات معه.

وأما حكيم وبديل فدخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما. وجعل يستخبرهما عن أهل مكة.

فلما نودي بالفجر تحسس القوم، ففزع أبو سفيان وقال: يا عباس، ما يريدون؟ قال: سمعوا النداء بالصلاة فتيسروا لحضور النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرهم أبو سفيان يمرون إلى الصلاة، وأبصرهم يركعون ويسجدون إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا عباس، ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه؟! فقال: لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه. فقال: يا عباس، فكلمه في قومك، هل عنده من عفو عنهم؟ فانطلق عباس بأبي سفيان حتى أدخله على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان، فقال أبو سفيان: يا محمد إني قد استنصرت بإلهي واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت علي، فلو كان إلهي محقا وإلهك باطلا ظهرت عليك، فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

وقال عباس: يا رسول الله إني أحب أن تأذن لي إلى قومك فأنذرهم ما نزل بهم، وأدعوهم إلى الله ورسوله. فأذن له. قال: كيف أقول لهم؟ قال: "من قال: لا إله إلا الله

"وحده لا شريك له، وشهد أن محمدا عبده ورسوله، وكف يده، فهو آمن، ومن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن". قال: يا رسول الله، أبو سفيان ابن عمنا، فأحب أن يرجع معي، فلو خصصته بمعروف. فقال:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". فجعل أبو سفيان يستفهمه. ودار أبي سفيان بأعلى مكة. وقال: من دخل دارك يا حكيم فهو آمن. ودار حكيم

ص: 161

في أسفل مكة.

وحمل النبي صلى الله عليه وسلم العباس على بغلته البيضاء التى أهداها إليه دحية الكلبي، فانطلق العباس وأبو سفيان قد أردفه. ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم في إثره، فقال:"أدركوا العباس فردوه علي".

وحدثهم بالذي خاف عليه، فأدركه الرسول، فكره عباس الرجوع، وقال: أترهب يا رسول الله أن يرجع أبو سفيان راغبا في قلة الناس فيكفر بعد إسلامه؟ فقال: "احبسه" فحبسه. فقال أبو سفيان: غدرا يا بني هاشم؟ فقال عباس: إنا لسنا بغدر، ولكن لي إليك بعض الحاجة.

قال: وما هي، فأقضيها لك؟ قال: إنما نفاذها حين تقدم عليك خالد بن الوليد والزبير بن العوام. فوقف عباس بالمضيق دون الأراك، وقد وعى منه أبو سفيان حديثه.

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل بعضها على إثر بعض، وقسم الخيل شطرين، فبعث الزبير في خيل عظيمة. فلما مروا بأبي سفيان قال للعباس: من هذا؟ قال: الزبير. وردفه خالد بن الوليد بالجيش من أسلم وغفار وقضاعة، فقال أبو سفيان: أهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عباس؟ قال: لا، ولكن هذا خالد بن الوليد. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة بين يديه في كتيبة الأنصار، فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة الإيمان من المهاجرين والأنصار.

فلما رأى أبو سفيان وجوها كثيرة لا يعرفها قال: يا رسول الله، اخترت هذه الوجوه على قومك؟ قال:"أنت فعلت ذلك وقومك. إن هؤلاء صدقوني إذ كذبتموني، ونصروني، إذ أخرجتموني"، ومع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ الأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، وعيينة بن بدر، فلما أبصرهم حول النبي صلى الله عليه وسلم قال: من هؤلاء يا عباس؟ قال: هذه كتيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذه الموت الأحمر، هؤلاء المهاجرون والأنصار. قال:

ص: 162

امض يا عباس، فلما أر كاليوم جنود قط ولا جماعة، وسار الزبير بالناس حتى إذا وقف بالحجون، واندفع خالد حتى دخل من أسفل مكة. فلقيته بنو بكر فقاتلهم فهزمهم، وقتل منهم قريبا من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وهزموا وقتلوا بالحزورة، حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبل على الخندمة، واتبعهم المسلمون بالسيوف.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس، ونادى مناد: من أغلق عليه داره وكف يده فإنه آمن. وكان النبي صلى الله عليه وسلم نازلًا بذي طوى، فقال:"كيف قال حسان"؟ فقال رجل من أصحابه: قال:

عدمت بنيتي إن لم تروها

تثير النقع من كنفي كداء

فأمرهم فأدخلوا الخيل من حيث قال حسان. فأدخلت من ذي طوى من أسفل مكة.

واستحر القتل ببني بكر. فأحل الله له مكة ساعة من نهار، وذلك قوله -تعالى:{لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1، 2]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أحلت الحرمة لأحد قبلي ولا بعدي، ولا أحلت لي إلا ساعة من نهار".

ونادى أبو سفيان بمكة: أسلموا تسلموا فكفهم الله عن عباس.

فأقبلت هند فأخذت بلحية أبي سفيان، ثم نادت: يا آل غالب اقتلوا الشيخ الأحمق.

قال: أرسلي لحيتى، فأقسم لئن أنت لم تسلمى لتضربن عنقك ويلك جاءنا بالحق ادخلي بيتك واسكتي.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف سبعا على راحلته.

وفر صفوان بن أمية عامدا للبحر، وفر عكرمة عامدا لليمن، وأقبل عمير بن وهب إلى رسل الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله آمن صفوان فقد هرب، وقد خشيت أن يهلك نفسه، فأرسلني إليه بأمان فإنك قد آمنت

ص: 163

الأحمر والأسود، فقال:"أدركه فهو آمن". فطلبه عمير فأدركه ودعاه فقال: قد آمنك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال صفوان: والله لا أوقن لك حتى أرى علامة بأماني أعرفها. فرجع فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم برد حبرة كان معتجرا به حين دخل مكة، فأقبل به عمير، فقال صفوان: يا رسول الله، أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟ قال:"نعم". قال: اجعل لي شهرا، قال:"لك شهران، لعل الله أن يهديك".

واستأذنت أم حكيم بنت الحارث بن هشام وهي يومئذ مسلمة، وهي تحت عكرمة بن أبي جهل، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب زوجها، فأذن لها وآمنه، فخرجت بعبد لها رومي فأرادها عن نفسها، فلم تزل تمنيه وتقرب له حتى قدمت على ناس من عك فاستعانتهم عليه فأوثقوه، فأدركت زوجها ببعض تهامة وقد ركب في السفينة، فلما جلس فيها نادى باللات والعزى. فقال أصحاب السفينة: لا يجوز ههنا من دعاء بشيء إلا الله وحده مخلصا، فقال عكرمة: والله لئن كان في البحر، إنه لفي البر وحده، أقسم بالله لأرجعن إلى محمد، فرجع عكرمة مع امرأته، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه، وقبل منه.

ودخل رجل من هذيل على امرأته، فلامته وعيرته بالفرار، فقال:

وأنت لو رأيتنا بالخندمه

إذ فر صفوان وفر عكرمه

قد لحقتهم بالسيوف المسلمه

يقطعن كل ساعد وجمجمه

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه

وكان دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة في رمضان، واستعار النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان فأعطاه فيما زعموا مائة درع وأداتها، وكان أكثر شيء سلاحا.

وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بضع عشرة ليلة.

ص: 164

وقال ابن إسحاق: مضى النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف، فسبعت سليم، وبعهضم يقول: ألفت، وألفت مزينة. ولم يتخلف أحد من المهاجرين والأنصار.

وقد كان العباس لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق. قال عبد الملك بن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرًا بعياله.

قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة؛ قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيق العقاب -فيما بين مكة والمدينة- فالتسما الدخول عليه، فكلمته أم سليم فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: "لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال".

فلما بلغهما قوله قال أبو سفيان: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما، وأذن لهما، فدخلا وأسلما، وقال أبو سفيان:

لعمرك إني يوم أحمل راية

لتغلب خيل اللات خيل محمد

لكالمدلج الحيران أظلم ليله

فهذا أواني حين أهدى وأهتدي

هداني هاد غير نفسي ونالني

مع الله من طردت كل مطرد

أصد وأنأى جاهدا عن محمد

وأدعى وإن لم أنتسب من محمد

فذكروا أنه حين أنشد النبي صلى الله عليه وسلم هذه ضرب في صدره، وقال:"أنت طردتنى كل مطرد"!

وقال سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن أبي سعيد

ص: 165

الخدري، قال: خرجنا

لغزوة فتح مكة لليلتين خلتا من شهر رمضان صواما، فلما كنا بالكديد، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر.

وقال الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام في مخرجه ذلك حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطر الناس. أخرجه البخاري.

وقال الأوزاعي: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، قال: دخل أبو بكر وعمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، وهو يتغدى فقال:"الغداء" فقالا: إنا صائمان، فقال:"اعملوا لصاحبيكم، ارحلوا لصاحبيكم، كلا، كلا". مرسل. وقوله هذا مقدر بالقول يعني: يقال هذا لكونكما صائمين.

وقال معمر: سمعت الزهري يقول: أخبرني عبيد الله، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد؛ وهو بين عسفان وقديد؛ فأفطر، وأفطر الناس.

قال الزهري: وكان الفطر آخر الأمرين. وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الزهري: فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من

ص: 166

رمضان. أخرجه البخاري، ومسلم دون قول الزهري. وكذا ورخه يونس عن الزهري.

وقال عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب، ومحمد بن علي بن الحسين، وعمرو بن شعيب، وعاصم بن عمر وغيرهم، قالوا: كان فتح مكة في عشر بقين من رمضان.

وقال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر، فما حل عقدة حتى انتهى إلى الصلصل. وخرج المسلمون وقادوا الخيل وامتطوا الإبل. وكانوا عشرة آلاف.

وذكر عروة وموسى بن عقبة أنه صلى الله عليه وسلم خرج في اثني عشر ألفا.

وقال ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه العباس بأبي سفيان فأسلم بمر الظهران. فقال: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو جعلت له شيئا؟ قال:"نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن".

زاد فيه الثقة، عن ابن إسحاق قال: ناده، فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ قال: "من دخل الكعبة فهو آمن"، قال: وما تسع الكعبة؟ قال: "من دخل المسجد فهو آمن". قال: وما يسع المسجد؟ قال: "من أغلق بابه فهو آمن". فقال: هذه واسعة.

وقال حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، قال العباس وقد خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من

ص: 167

المدينة: يا صباح قريش، والله لئن بغتها رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن، أو داخلا يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتوه فيستأمنوه، فخرجت فوالله إني لأطوف بالأراك إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء وقد خرجوا يتجسسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعت صوت أبي سفيان وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانا، فقال بديل: هذه نيران خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل.

فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم. فقال: لبيك، فداك أبي وأمي، ما وراءك؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به في عشرة آلاف من المسلمين. قال: فكيف الحيلة، فداك أبي وأمي؟ فقلت: تركب في عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فردفني فخرجت أركض به نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين نظروا إلي وقالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله. حتى مررت بنار عمر فقال: أبو سفيان؟! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد. ثم اشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطيء.

ودخل عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه. فقلت: يا رسول الله، إني قد آمنته. ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر، قلت: مهلا يا عمر،

ص: 168

فوالله ما تصنع هذا إلا؛ لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا. مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما ذاك إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب به فقد آمناه، حتى تغدو به علي الغداة"، فرجع به العباس إلى منزله.

فلما أصبح غدا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويحك يا أبا

"سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إلا الله"؟ فقال: بأبي وأمي ما أوصلك وأكرمك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا بعد. فقال:"ويحك أولم يأن لك أن تعلم أني رسول الله"؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه فإن في النفس منها شيئا. قال العباس: فقلت: ويلك تشهد شهادة الحق قبل، والله، أن تضرب عنقك. فتشهد.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تشهد: "انصرف به يا عباس فاحبسه عند حطم الجبل بمضيق الوادي، حتى تمر عليه جنود الله".

فقلت له: إن أبا سفيان يا رسول الله رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا يكون له في قومك. فقال:" نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن". فخرجت به حتى حبسته عند حطم الجبل بمضيق الوادي، فمرت عليه القبائل، فيقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم. فيقول: ما لي ولسليم. وتمر به القبيلة فيقول: من هذه؟ فأقول: أسلم. فيقول ما لي ولأسلم. وتمر جهينة. حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار، في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق. فقال يا أبا الفضل من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال:

ص: 169

يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقلت: ويحك، إنها النبوة. قال: فنعم إذن.

قلت: الحق الآن بقومك فحذرهم. فخرج سريعا حتى جاء مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش؛ هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به. فقالوا: فمه؟ قال: "من دخل داري فهو آمن". قالوا: وما دارك، وما تغني عنا؟ قال:"من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق داره عليه فهو آمن".

هكذا رواه بهذا اللفظ ابن إسحاق، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولا، وأما أيوب السختياني فأرسله. وقد رواه ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس بمعناه.

وقال عروة: أخبرني نافع بن جبير بن مطعم، قال: سمعت العباس يقول للزبير: يا أبا عبد الله، ههنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية. قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل مكة من كداء. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من كداء، فقتل من خيل خالد يومئذ رجلان: جيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري.

وقال الزهري، وغيره: أخفى الله مسير النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة، حتى نزل بمر الظهران.

وفي مغازيه موسى بن عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخالد بن الوليد: "لم قاتلت، وقد نهيتك

"عن القتال"؟ قال: هم بدؤونا بالقتال ووضعوا فينا السلاح وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قضاء الله خير".

ص: 170

ويقال: قال أبو بكر يومئذ: يا رسول الله أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهر، فلما دنونا منه استلقت على ظهرها، فإذا هي تشخب لبنا. فقال:"ذهب كلبهم وأقبل درهم، وهم سائلوكم بأرحامكم وإنكم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه". فلقوا أبا سفيان وحكيما بمر.

وقال حسان:

عدمت بنيتي إن لم تروها

تثير النقع موعدها كداء

ينازعن الأعنة مصحبات

تلطمهن بالخمر النساء

فإن أعرضتم عنا اعتمرنا

وكان الفتح وانكشف الغطاء

وإلا فاصبروا لجلاد يوم

يعز الله فيه من يشاء

وجبريل رسول الله فينا

وروح القدس ليس له كفاء

هجوت محمدا فأجبت عنه

وعند الله في ذاك الجزاء

فمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواء

لساني صارم لا عيب فيه

وبحري ما تكدره الدلاء

فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم إلى أبي بكر حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر؛ أي: ينفضن الغبار عن الخيل.

وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل". وأرسل إلى ابن رواحة فقال: "اهجهم". فلما فهجاهم فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت. فلما دخل قال: "

ص: 171

قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه". ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم فري الأديم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا، حتى يخلق لك نسبي". فأتاه حسان ثم رجع فقال: يا رسول الله قد أخلص لي نسبك، فوالذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين.

قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله". وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هجاهم حسان فشفى وأشفى". وذكر الأبيات، وزاد فيها:

هجوت محمدا برا حنيفا

رسول الله شيمته الوفاء

فإن أبي ووالده وعرضي

لعرض محمد منكم وقاء

فإن أعرضتم عنا اعتمرنا

وكان الفتح وانكشف الغطاء

وقال الله: قد أرسلت عبدا

يقول الحق ليس به خفاء

وقال الله: قد سيرت جندا

هم الأنصار عرضتها اللقاء

لنا في كل يوم من معد

سباب أو قتال أو هجاء

أخرجه مسلم.

وقال سليمان بن المغيرة وغيره: حدثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية ومعنا أبو هريرة، وكان بعضنا يصنع لبعض الطعام. وكان أبو هريرة ممن يصنع لنا فيكثر، فيدعو إلى رحله. قلت:

ص: 172

لو أمرت بطعام فصنع ودعوتهم إلى رحلي، ففلعت.

ولقيت أبا هريرة بالعشي فقلت: الدعوة عندي الليلة. فقال: سبقتني يا أخا الأنصار. قال: فإنهم لعندي إذ قال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ فذكر فتح مكة. وقال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على إحدى المجنبتين، وبعث الزبير على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر؟ ثم رآني فقال:"يا أبا هريرة". قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله. قال: "اهتف لي بالأنصار ولا تأتني إلا بأنصاري". قال: ففعلته. ثم قال: "انظروا قريشا وأوباشهم فاحصدوهم حصدا".

فانطلقنا فما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، وما منا أحد يريد أحدا منهم إلا أخذه. وجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله: أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن". فألقوا سلاحهم.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ بالحجر فاستلمه، ثم طاف سبعا وصلى خلف المقام ركعتين.

ثم جاء ومعه القوس آخذ بسيتها، فجعل يطعن بها في عين صنم من أصنامهم، وهو يقول:{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، ثم انطلق حتى أتى الصفا، فعلا منه حتى يرى البيت، وجعل يحمد الله ويدعوه، والأنصار عنده يقولون: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. وجاء الوحي، وكان الوحي، إذا جاء لم يخف علينا. فلما أن رفع الوحي،

ص: 173

قال: "يا معشر الأنصار قلتم كذا وكذا، فما اسمي إذا؟ كلا، إني عبد الله ورسوله. المحيا محياكم والممات مماتكم". فأقبلوا يبكون وقالوا: يا رسول الله ما قلت إلا الضن بالله وبرسوله. فقال: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم".

أخرجه مسلم، وعنده:"كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم".

وفي الحديث دلالة على الإذن بالقتل قبل عقد الأمان.

وقال سلام بن مسكين: حدثني ثابت البناني، عن عبد الله بن بارح، عن أبي هريرة، قال: ما قتل يوم الفتح إلا أربعة. ثم دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم. ثم طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب، فقال:"ما تقولون وما تظنون"؟ قالوا: نقول: ابن أخ وابن عم حليم رحيم". فقال: "أقول كما قال يوسف: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف: 92] ". قال: فخرجوا كما نشروا من القبور، فدخلوا في الإسلام.

وقال عروة، عن عائشة: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من كداء من أعلى مكة.

وقال عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، وقال:"كيف قال حسان"؟ فأنشده أبو بكر:

عدمت بنيتي إن لم تروها

تثير النقع من كنفي كداء

ينازعن الأعنة مسرجات

يلطمهن بالخمر النساء

ص: 174

فقال: "ادخلوا من حيث قال حسان".

وقال الزهري: عن أنس، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح مكة وعلى رأسه، المغفر، فلما وضعه جاء رجل فقال: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: "اقتلوه". متفق عليه.

وكان صلى الله عليه وسلم قد أهدر دم ابن خطل وثلاثة غيره.

وقال منصور بن أبي مزاحم: حدثنا أبو معشر، عن يوسف بن يعقوب، عن السائب بن يزيد، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قتل عبد الله بن خطل يوم أخرجوه من تحت الأستار، فضرب عنقه بين زمزم والمقام، ثم قال:"لا يقتل قرشي بعدها صبرا".

وقال معاوية بن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، أخرجه مسلم.

وفي مسند الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء.

وقال مساور الوراق: سمعت جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء حرقانية، قد أرخى طرفها بين كتفيه. أخرجه مسلم.

وقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن عائشة قالت: كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء؛ قطعه مرط لي مرحل، وكانت الراية تسمى العقاب.

ص: 175

قال عبد الله بن أبي بكر، لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى ورأى ما أكرمه الله به من الفتح جعل يتواضع لله حتى إنك لتقول: قد كاد عثنونه أن يصيب واسطة الرحل.

وقال ثابت، عن أنس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وذقنه على رحله متخشعا.

حديث صحيح.

وقال شعبة، عن معاوية بن قرة، سمع عبد الله بن مغفل، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح سورة الفتح وهوعلى بعير، فرجع فيها. ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفل عن

النبي صلى الله عليه وسلم فرجع وقال: لولا أن يجتمع الناس لرجعت كما رجع ابن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه، ولفظه للبخاري.

وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثة مائة وستون نصبا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول:{قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49]، {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، متفق عليه.

وقال ابن إسحاق: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاث مائة صنم، فأخذ قضيبه فجعل يهوي به إلى صنم صنم، وهو يهوي حتى مر عليها كلها. حديث حسن.

وقال القاسم بن عبد الله العمري -وهو ضعيف- عن عبد الله دينار، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة وجد بها ثلاث مائة

ص: 176

وستين صنما. فأشار إلى كل صنم بعصا من غير أن يسمها، وقال:{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، فكان لا يشير إلى صنم إلا سقط.

وقال عبد الوارث، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام، فقال:"قاتلهم الله، أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط".

ودخل البيت وكبر في نواحيه. أخرجه البخاري.

وقال معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخله حتى أمر بها فمحيت. ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام، فقال:"قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قط". صحيح.

وروى أبو الزبير، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل البيت حتى محيت الصور. صحيح.

وقال هوذة: حدثنا عوف الأعرابي، عن رجل، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، شيبة بن عثمان فأعطاه المفتاح، وقال له:"دونك هذا، فأنت أمين الله على بيته".

قال الواقدي: هذا غلط، إنما أعطى المفتاح عثمان بن طلحة؛ ابن

ص: 177

عم شيبة؛ يوم الفتح، وشيبة يومئذ كافر. ولم يزل عثمان على البيت حتى مات ثم ولي شيبة.

قلت: قول الواقدي: لم يزل عثمان على البيت حتى مات، فيه نظر، فإن أراد لم يزل منفردا بالحجابة، فلا نسلم، وإن أراد مشاركا لشيبة، فقريب، فإن شيبة كان حاجبا في خلافة عمر. ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم ولى الحجابة لشيبة لم أسلم، وكان إسلامه عام الفتح، لا يوم الفتح.

وقال محمد بن حمران: حدثنا أبو بشر، عن مسافع بن شيبة، عن أبيه، قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة يصلي، فإذا فيها تصاوير، فقال:"يا شيبة، اكفني هذه". فاشتد ذلك عليه.

فقال له رجل: طينها ثم الطخها بزعفران. ففعل.

تفرد بن محمد، وهو مقارب الأمر.

وقال يونس، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفا أسامة، ومعه بلال وعثمان بن طلحة، من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمر عثمان أن يأتي بمفتاح البيت، ففتح ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أسامة وبلال وعثمان، فمكث فيها نهارا طويلا، ثم خرج فاستبق الناس، وكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالا وراء الباب، فسأله: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأشار إلى المكان الذي صلى فيه.

قال ابن عمر: فنسيت أن أسأله: كم صلى من سجدة؟. صحيح. علقه البخاري محتجا به.

وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، قالت: لما اطمأن رسول

ص: 178

الله صلى الله عليه وسلم بمكة، طاف على بعيره، يستلم "الحجر" بالمحجن. ثم دخل الكعبة فوجد حمامة عيدان فاكتسرها، ثم قال بها على باب الكعبة -وأنا أنظر- فرمى بها.

وذكر أسباط، عن السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: لما كان يوم فتح مكة، آمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال:"اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح". فأما ابن خطل فأدرك وهو متعلق بالأستار، فاستبق إليه سعيد بن

حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارا، فقتله. وأما مقيس فقتلوه في السوق. وأما عكرمة فركب البحر، وذكر قصته، ثم أسلم، وأما ابن أبي سرح فاختبأ عند عثمان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، جاء به عثمان حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث. ثم أقبل على أصحابه فقال:"أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا، حيث رآني كففت، فيقتله"؟. قالوا: ما يدرينا يا رسول الله، ما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال:"إنه لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين".

وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم مقيس بن صبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد أظهر الإسلام، يطلب بدم أخيه هشام، وكان قتله رجل من المسلمين يوم بني المصطلق ولا يحسبه

ص: 179

إلا مشركا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما قتل أخوك خطأ". وأمر له بديته، فأخذها، فمكث مع المسلمين شيئا، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ولحق بمكة كافرا.

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم -عام الفتح- بقتله، فقتله رجل من قومه يقال له: نميلة بن عبد الله؛ بين الصفا والمروة.

وحدثني عبد الله بن أبي بكر، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر بقتل ابن أبي سرح؛ لأنه كان قد أسلم، وكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فرجع مشركا ولحق بمكة.

قال ابن إسحاق: وإنما أمر بقتل عبد الله بن خطل؛ أحد بني تميم بن غالب؛ لأنه كان مسلما، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه وكان مسلمًا. فنزلا منزلا، فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعامًا، ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فقتله وارتد. وكان له قينة وصاحبتها تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بقتلهما معه، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال يعقوب القمي: حدثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، جاءت عجوز حبشية شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل. فقيل: يا رسول الله، رأينا كذا وكذا. فقال:"تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا". كأنه منقطع.

وقال يونس بن بكير، عن زكريا، عن الشعبي، عن الحارث بن ملك؛ هو ابن برصاء؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح يقول: "لا تغزى مكة بعد اليوم أبدا إلى يوم القيامة".

ص: 180

وقال محمد بن فضيل: حدثنا الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:"ارجع، فإنك لم تصنع شيئا". فرجع خالد، فلما نظرت إليه السدنة؛ وهم حجابها؛ أمعنوا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، وإلا فموتي برغم. فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها.

ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:"تلك العزى". أبو الطفيل له رؤية.

وقال ابن إسحاق: حدثني أبي، قال: حدثني بعض آل جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة، أمر بلالا فعلا على ظهر الكعبة، فأذن عليها، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم الله سعيدا قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة.

وقال عروة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا يوم الفتح فأذن على الكعبة.

وقال الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند: أن أبا مرة مولى عقيل حدثه، أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته؛ أنه لما كان عام الفتح فر إليها رجلان من بني مخزوم، فأجارتهما. قالت: فدخل علي علي، فقال: أقتلهما. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بأعلى مكة، فلما رآني رحب بي، فقال:"ما جاء بك يا أم هانئ"؟ قالت: يا نبي الله، كنت قد أمنت رجلين من أحمائي فأراد علي قلتهما. فقال:"قد أجرنا من أجرت". ثم قام إلى غسله، فسترت عليه فاطمة. ثم أخذ ثوبا

ص: 181

فالتحف به ثم صلى ثمان ركعات؛ سبحة الضحى.

أخرجه مسلم.

وقال الليث، عن المقبري، عن أبي شريح العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير، أحدث قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح؟ سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به؛ أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شريح: ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذاك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة. متفق عليه.

وقال ابن عيينة، عن علي بن زيد، عمن حدثه عن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة وهو على درجة الكعبة: "الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها. ألا إن كل مأثرة في الجاهلية ودم مال تحت قدمي هاتين إلا ما كان من سدانة البيت وسقاية الحاج، فقد أنضيتها لأهلها". ضعيف الإسناد.

وقال ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده،

ص: 182

قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عام الفتح، ثم قال:"أيها الناس؛ ألا إنه لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لا يزيده إلا شدة. والمؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، ترد سراياهم على قعيدتهم. لا يقتل مؤمن بكافر. 8 دية الكافر نصف دية المسلم. لا جلب ولا جنب. ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم".

وقال أبوالزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"منزلنا، إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف؛ حيث تقاسموا على الكفر". أخرجه البخاري.

وقال أبو الأزهر النيسابوري: حدثنا محمد بن شرحبيل الأبناوي، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، أن محمد بن الأسود بن خلف، أخبره أن أباه الأسود حضر النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح، وجلس عند قرن مستقلة، فجاءه الصغار والكبار والرجال والنساء فبايعوه على الإسلام والشهادة.

وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما كان عام الفتح ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا طوى، قال أبو قحافة لابنة له كانت من أصغر ولده: أي بنية: أشرفي بي على أبي قبيس، وقد كف بصره. فأشرفت به عليه. فقال: ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعا، وأرى رجلا يشتد بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا. فقال: تلك الخيل يا بنية، وذلك الرجل

ص: 183

الوازع. ثم قال: ماذا ترين؟ قالت: أرى السواد انتشر. فقال: فقد والله إذن دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فخرجت سريعا، حتى إذا هبطت به إلى الأبطح، لقيتها الخيل، وفي عنقها طول لها من روق، فاقتطعه إنسان من عنقها. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"هلا تركت الشيخ في بيته حتى أجيئه"؟ فقال: يمشي هو إليك يا رسول الله أحق من أن تمشي إليه. فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره وقال: "أسلم تسلم".

فأسلم. ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد بالله والإسلام طوق أختي. فوالله ما أجابه

أحد، ثم قال الثانية، فما أجابه أحد، فقال: يا أخيه، احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل.

وقال أبو الزبير، عن جابر: أن عمر أخذ بيد أبي قحافة فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"غيروا هذا الشيب ولا تقربوه سوادًا".

وقال زيد بن أسلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هنأ أبا بكر بإسلام أبيه. مرسل.

وقال مالك: عن ابن شهاب: أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على عهده نساء يسلمن بأرضهن، منهن ابنة الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح وهرب صفوان، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه عمير بن وهب برداء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانًا لصفوان، ودعاه إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضي أمرا قبله، وإلا سيره شهرين. فقدم فنادى على رؤوس الناس: يا محمد، هذا عمير بن وهب جاءني بردائك وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرا قبلته،

ص: 184

وإلا سيرتني شهرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انزل أبا وهب". فقال: لا والله، لا أنزل حتى تبين لي. فقال: لك تسيير أربعة أشهر. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هوازن، فأرسل إلى صفوان يستعيره أداة وسلاحا. فقال صفوان: أطوعا أو كرها؟ فقال: بل طوعا. فأعاره الأداة والسلاح. وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر، فشهد حنينا والطائف، وهو كافر وامرأته مسلمة، فلم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما حتى أسلم، واستقرت عنده بذلك النكاح، وكان بين إسلامهما نحو من شهر.

وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب عكرمة حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن ودعته إلى الإسلام فأسلم. وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه وثب فرحا به، ورمى عليه رداءه حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك.

وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي، عن أبي حصين الهذلي، قال: استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألفا، ومن حويطب بن عبد العزى أربعين ألفا، فقسمها بين أصحابه من أهل الضعف. ومن ذلك المال بعث إلى جذيمة.

وقال يونس: عن ابن شهاب، حدثني عروة، قال: قالت عائشة: إن هند بنت عتبة بن ربيعة، قالت: يا رسول الله، ما كان مما على ظهر الأرض أخباء أو خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل

ص: 185

خبائك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأيضا، والذي نفس محمد بيده". قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل ممسك -أبو قالت: مسيك- فهل على من خرج أن أطعم من الذي له؟ قال: "لا، إلا بالمعروف". أخرجه البخاري.

وأخرجاه، من حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري. وعنده: فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا. قال: "لا عليك أن تطعميهم بالمعروف".

وقال الفريابي: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عباس، قال: رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي والناس يطأون عقبه. فقال في نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال. فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضرب في صدره، فقال:"إذا يخزيك الله". قال: أتوب إلى الله وأستغفر الله.

وروى نحوه، مرسلا، أبو إسحاق السبيعي، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم.

وقال موسى بن أعين، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة، لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا. فقال أبو سفيان لهند: أترى هذا من الله؟ ثم أصبح فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له:"قلت لهند أترين هذا من الله، نعم هذا من الله". فقال: أشهد أنك عبد الله ورسوله، والذي يحلف به أبو سفيان، ما سمع قولي هذا أحد من الناس إلا الله وهند.

ص: 186

وقال ابن المبارك: أخبرنا عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما، يصلي ركعتين. أخرجه البخاري.

وقال حفص بن غياث، بن عاصم الأحول: سبعة عشر يوما. صحيح.

وقال ابن علية: أخبرنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلد صلوا أربعا، فإنا سفر. أخرجه أبو داود، علي ضعيف.

وقال ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة.

ثم روى ابن إسحاق، عن جماعة، مثل هذا.

قال البيهقي: الأصح رواية ابن المبارك التى اعتمدها البخاري.

وقال الواقدي: وفي رمضان بعثة خالد بن الوليد إلى العزى، فهدمها. وبعث عمرو بن العاص إلى سواع في رمضان، وهو صنم هذيل، فهدمه، وقال: قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.

قال: وفي رمضان بعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلل، للأوس والخزرج وغسان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله

ص: 187

صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأشهلى في عشرين فارسا حتى انتهى إليها، وتخرج إلى سعد امرأة سوداء عريانة ثائرة الرأس تدعو بالوبل، فقال لها السادن: مناة، دونك بعض غضباتك. وسعد يضربها، فقتلها، وأقبل إلى الصنم، فهدموه لست بقين من رمضان.

وقال منصور، عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإن استنفرتم فانفروا". قاله يوم الفتح. متفق عليه.

وقال عمرو بن مرة: سمعت أبا البختري يحدث عن أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]، قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:"إني وأصحابي حيز والناس حيز، لا هجرة بعد الفتح". فحدثت به مروان بن الحكم -وكان على المدينة- فقال: كذبت. وعنده زيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وكانا معه على السرير. فقلت: إن هذين لو شاءا لحدثاك، ولكن هذا؛ يعني زيدا؛ يخاف أن تنزعه عن الصدقة، والآخر يخاف أن تنزعه عن عرافة فومه. قال: فشد عليه بالدرة، فلما رأيا ذلك قالا: صدق.

وقال حماد بن زيد، عن أيوب: حدثني أبو قلابة، عن عمرو بن سلمة، ثم قال: هو حي، ألا تلقاه فتسمع منه؟ فلقيت عمرا فحدثني بالحديث، قال: كنا بممر الناس، فتمر بنا الركبان فنسألهم: ما هذا الأمر؟ وما للناس؟ فيقولون: نبي يزعم أن الله قد أرسله، وأن الله أوحى إليه كذا وكذا. وكانت العرب تلوم بإسلامها الفتح، ويقولون:

ص: 188