المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل   فَأول ذَلِك قَول عَائِشَة رضي الله عنها: " أول مَا - شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى

[أبو شامة المقدسي]

الفصل: ‌ ‌فصل   فَأول ذَلِك قَول عَائِشَة رضي الله عنها: " أول مَا

‌فصل

فَأول ذَلِك قَول عَائِشَة رضي الله عنها: " أول مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من الْوَحْي الرُّؤْيَا ".

قَالَ القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى:

" فِي هَذَا حِكْمَة من الله تَعَالَى وتدريج لنَبيه صلى الله عليه وسلم لما أَرَادَهُ الله بِهِ جلّ اسْمه، لِئَلَّا يفجأه الْملك ويأتيه صَرِيح النُّبُوَّة بَغْتَة فَلَا تحتملها قوى البشرية، فَبَدَأَ أمره بأوائل خِصَال النُّبُوَّة وتباشير الْكَرَامَة، من صدق الرُّؤْيَا، وَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الآخر من رُؤْيَة الضَّوْء وَسَمَاع الصَّوْت، وَسَلام الْحجر وَالشَّجر عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، حَتَّى استشعر عَظِيم مَا يُرَاد بِهِ، واستعد لما ينتظره فَلم يَأْته الْملك إِلَّا لأمر عِنْده مقدماته وبشاراته.

وَفِيه أَن الرُّؤْيَا الصادقة أحد خِصَال النُّبُوَّة وجزء مِنْهَا وَأول منَازِل الْوَحْي، وَأَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي وَحقّ صدق، لَا أضغاث فِيهَا وَلَا تخييل وَلَا سَبِيل للشَّيْطَان إِلَيْهَا.

ص: 66

وَقَالَ أَبُو عبد الله الْقَزاز: قَوْله: " من الْوَحْي "" من " هُنَا لإبانة الْجِنْس كَأَنَّهُ قَالَ: من جنس الْوَحْي وَلَيْسَت من الْوَحْي فَتكون " من " للتَّبْعِيض وَلذَلِك قَالَت " فِي النّوم " فقرنتها بِالنَّوْمِ لِئَلَّا تكون من رُؤْيَة الْملك فِي الْيَقَظَة، وَنحن نقُول: إِن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء فِي الصِّحَّة كالوحي.

قَالَ القَاضِي: قد جَاءَ فِي حَدِيث آخر: " إِنَّهَا جُزْء من أَجزَاء النُّبُوَّة "، وَقد بَينا أَنَّهَا من جملَة خصالها، فالوحي أَنْوَاع وضروب وينطلق على معَان، فَلَا يبعد أَن تكون " من " للتَّبْعِيض على هَذَا، وَأَصله الْإِعْلَام، ورؤيا الْمَنَام إِعْلَام وإنذار وَبشَارَة ".

قلت:

أصل الْوَحْي فِي اللُّغَة إِعْلَام بِسُرْعَة فِي خَفَاء، فَتَارَة مُبَاشرَة، وَتارَة بإرسال، وَتارَة بإلهام، وَقد جمع الثَّلَاثَة قَوْله تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لبشر أَن

ص: 67

يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا ثمَّ، يَعْنِي الإلهام أَو فِي الْمَنَام، ثمَّ قَالَ:{أَو من وَرَاء حجاب} كَمَا كلم مُوسَى صلى الله عليه وسلم {أَو يُرْسل رَسُولا} الْآيَة، فَحَيْثُ اسْتعْمل الْوَحْي فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى نَحْو:{وأوحينا إِلَى أم مُوسَى} ، {وَإِذ أوحيت إِلَى الحواريين} ، {وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل} ، {بِأَن رَبك أوحى لَهَا} ، {وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} ، وَكَذَلِكَ أطلق على الْإِشَارَة فِي نَحْو {فَأوحى إِلَيْهِم أَن سبحوا} .

وَقَالَ بعض الْعلمَاء: الْوَحْي قذف فِي الْقُلُوب، وَكَأن الْقُرْآن سمي وَحيا لِأَن الْملك كَانَ يفهمهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلَا يفهمهُ عَنهُ سواهُ، كَمَا سموا ضرب الْأَمْثَال وَحيا من جِهَة اللَّفْظ، وَذَلِكَ أَن يضْرب الرجل لِأَخِيهِ مثلا فَيعرف بِهِ أمرا بَينهمَا وَلَا يفهمهُ سواهُ، وكل من أَشَارَ إِلَى معنى من غير إفصاح قبله بذلك المُرَاد فقد أوحى.

ص: 68

قلت: يُقَال: أوحى ووحى لُغَتَانِ مثل: أومى وومى بِمَعْنَاهُ، وَأَصله: أَوْمَأ وومأ بِالْهَمْز، وَإِنَّمَا بَعضهم خفف همزه، حكى ذَلِك الْهَرَوِيّ، وأجود اللغتين: أوحى وَأَوْمَأَ بِالْألف، فَأوحى: هِيَ الْمَشْهُورَة المستعملة فِي الْقُرْآن وَالْكَلَام الفصيح، وَإِن كَانَ اسْتِعْمَال مصدرها قَلِيلا، وَالْوَحي مصدر وحى وَإِن كَانَ اسْتِعْمَال فعله قَلِيلا، وَأنْشد فِيهِ قَول العجاج:

(وحى لَهَا الْقَرار فاستقرت

)

أَي أَمر الأَرْض بالقرار. وَأنْشد الْجَوْهَرِي:

(لقدر كَانَ وحاه الواحي

)

قَالَ: " وَالْوَحي أَيْضا الْإِشَارَة، وَالْكِتَابَة، والرسالة، والإلهام، وَالْكَلَام الْخَفي، وكل مَا أَلقيته إِلَى غَيْرك، يُقَال: وحيت إِلَيْهِ الْكَلَام وأوحيت وَهُوَ أَن يكلمهُ بِكَلَام يخفيه ".

ص: 69

وَأنْشد غَيره:

(وحى للطير فارتفعت وخلا

طَرِيق الرّيح وابتعث السفينا)

قلت: وَمن هَذِه اللُّغَة مجئ اسْم الْفَاعِل على واح كبيت الْعرُوض:

(مَا هيج الشوق من أطلال

أضحت خلاء كوحي الواحي)

وَقَالَ الْفراء: " أهل الْحجاز يَقُولُونَ: أوحيت، وَأسد وحيت ".

وَكَانَ جؤية بن أبي إِيَاس أحد بني نصر بن مُعَاوِيَة يقْرَأ: {قل أُحي إِلَيّ} يُرِيد: وَحي بِضَم الْوَاو لَا لانضمامها كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذا الرُّسُل أقتت} . قلت:

ثمَّ قد أطلق الْوَحْي على الموحى قَالَ الله تَعَالَى: {إِن هُوَ وَحي يُوحى} ، وَقَالَ:{قل إِنَّمَا أنذركم بِالْوَحْي} ، وَفِي " الصَّحِيح " عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ:

" وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتهُ وَحي أوحاه الله إِلَيّ " - يَعْنِي الْقُرْآن -، وَهَذَا كَمَا أطلق الْعلم على الْمَعْلُوم وَالْقُدْرَة على الْمَقْدُور.

ص: 70

وَلما كَانَت المعالم والمعارف الَّتِي وصلت إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من جِهَة ربه عز وجل مُخْتَلفَة الطّرق والأسباب على مَا نبينه أخْبرت عَائِشَة رضي الله عنها عَن أول سَبَب وَطَرِيق حصل لَهُ مِنْهَا وَكَيف كَانَ ابْتِدَاء ذَلِك.

وَقد جمع الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي تِلْكَ الطّرق وحصرها فِي سبع صور، وَتكلم الْفَقِيه أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ على بَعْضهَا.

فَمِنْهَا النّوم كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة هَذَا، وكقول إِبْرَاهِيم خَلِيل الله لِابْنِهِ ذبيح الله صلى الله عَلَيْهِمَا:{إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك قَالَ يَا أَبَت افْعَل مَا تُؤمر} ، فَدلَّ على أَن الْوَحْي كَانَ يَأْتِيهم فِي النّوم كَمَا يَأْتِيهم فِي الْيَقَظَة، وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ:" رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة ".

وَمِنْهَا أَن ينفث فِي روعه الْكَلَام نفثا كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: " إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي: إِن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستكمل رزقها وأجلها، فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب ".

ص: 71

قَالَ أَبُو عبيد: " النفث بالفم شَبيه بالنفخ، فَأَما التفل فَلَا يكون إِلَّا وَمَعَهُ شَيْء من الرِّيق، وَمَعْنَاهُ: أوحى إِلَيّ، والروع بِضَم الرَّاء أَي فِي خلدي وَنَفْسِي ". قَالَ الْحَلِيمِيّ: " وَهَذَا هُوَ الْوَحْي الَّذِي يخص الْقلب دون السّمع، وَحمل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى:{إِذا يوحي رَبك إِلَى الْمَلَائِكَة إِنِّي مَعكُمْ فثبتوا الَّذين آمنُوا} .

قَالَ: " وَذَلِكَ - وَالله أعلم - أَن ينفث الْملك فِي روع الْمُؤمن الإطماع فِي الظفر بالعدو، وَالتَّرْغِيب فِي الثَّوَاب وَالْأَجْر، والاستنكاف من الْفِرَار، فيحمله مَا يجده فِي قلبه من هَذِه الْمعَانِي على الثَّبَات.

وَمِنْهَا أَن يَأْتِيهِ الْوَحْي مثل صلصلة الجرس وَهُوَ أشده عَلَيْهِ كَمَا أخبر صلى الله عليه وسلم عَن ذَلِك فِي حَدِيث صَحِيح سَيَأْتِي.

وَقيل: إِن ذَلِك كَانَ ليستجمع قله عِنْد تِلْكَ الصلصلة فَيكون أوعى لما يسمع، وألقن لما يلقى عَلَيْهِ.

ص: 72

وَمِنْهَا أَن يتَمَثَّل لَهُ الْملك رجلا وَقد كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ رضي الله عنه، وَرَآهُ كَذَلِك جمَاعَة من الصَّحَابَة على مَا نَقَلْنَاهُ فِي " شرح ذَات الدُّرَر "، فَفِي أول " صَحِيح البُخَارِيّ " مقدما على هَذَا الحَدِيث المعتنى بشرحه فِي هَذَا الْكتاب عَن عَائِشَة أَيْضا:

" أَن الْحَارِث بن هِشَام سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ يَأْتِيك الْوَحْي؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَحْيَانًا يأتيني فِي مثل صلصلة الجرس وَهُوَ أشده عَليّ، فَيفْصم عني وَقد وعيت عَنهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانا يتَمَثَّل لي الْملك (رجلا) فيكلمني فأعي مَا يَقُول، قَالَت عَائِشَة: وَلَقَد رَأَيْته ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فِي الْيَوْم الشَّديد الْبرد فَيفْصم عَنهُ وَإِن جَبينه ليتفصد عرقا ".

قلت وَهَذَا الْعرق الَّذِي كَانَ يَغْشَاهُ صلى الله عليه وسلم كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، واحمرار الْوَجْه والغطيط الْمَذْكُورَان فِي حَدِيث يعلى بن أُميَّة، وَثقله على الرَّاحِلَة وعَلى فَخذ زيد بن ثَابت كَمَا ورد فِي حديثين آخَرين، إِنَّمَا

ص: 73

كَانَت لثقل الْوَحْي عَلَيْهِ كَمَا أخبرهُ سُبْحَانَهُ فِي ابْتِدَاء أمره بقوله: {إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا} ، وَذَلِكَ لضعف الْقُوَّة البشرية عَن تحمل مثل ذَلِك الْوَارِد الْعَظِيم من ذَلِك الجناب الْجَلِيل، وللوجل من توقع تَقْصِير فِيمَا يُخَاطب بِهِ من قَول أَو فعل.

قَالَ ابْن إِسْحَاق: " وللنبوة أثقال وَمؤنَة لَا يحملهما وَلَا يَسْتَطِيع لَهَا إِلَّا أهل الْقُوَّة والعزم من الرُّسُل بعون الله عز وجل ".

ويفصم: أَي يقْلع، من تفصم الْمَطَر أَي أقلع، وأفصمت عَنهُ الْحمى، وأفصم الْفَحْل عَن الضراب أَي كف.

وَحكى ابْن بطال عَن صَاحب " الْأَفْعَال ": " فَصم الشَّيْء عَنهُ ذهب، قَالَ: " فَيُقَال مِنْهُ: فعل وأفعل ".

ص: 74

ويتفصد: أَي يسيل سيلان الدَّم من الفصاد.

وَمِنْهَا أَن يظْهر لَهُ الْملك فِي الصُّورَة الَّتِي خلقه الله تَعَالَى فِيهَا لَهُ سِتّمائَة جنَاح، رَآهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَذَلِك مرَّتَيْنِ على مَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ فِي قَوْله:{وَلَقَد رَآهُ بالأفق الْمُبين} ، {وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة المنتهي} ، وَقد أوضحت ذَلِك بِتَوْفِيق الله عز وجل فِي " شرح الشقراطيسية ".

وَفِي " الصَّحِيح " أَن عَائِشَة سَأَلت النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن هَاتين الْآيَتَيْنِ؟ فَقَالَ: هُوَ جِبْرِيل لم أره على صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا غير هَاتين الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْته منهبطا من السَّمَاء سَادًّا عظم خلقه مَا بَين السَّمَاء إِلَى الأَرْض ".

ص: 75

وَمِنْهَا أَن يكلمهُ الله تَعَالَى من وَرَاء حجاب، وَذَلِكَ على ضَرْبَيْنِ:

أَحدهمَا: فِي الْيَقَظَة وَهُوَ أَعلَى دَرَجَات الْوَحْي، كَمَا كَلمه فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء قَالَ صلى الله عليه وسلم:" فَأوحى إِلَيّ مَا أوحى، فَفرض عَليّ خمسين صَلَاة ".

فَقيل: كَانَ ذَلِك بِلَا وَاسِطَة، وَقيل: بِوَاسِطَة، وَأما مُوسَى عليه السلام فقد اخْتصَّ بِتَكْلِيم الله إِيَّاه بِلَا وَاسِطَة.

وَالثَّانِي: أَن يكلمهُ فِي النّوم كَمَا فِي حَدِيث معَاذ الَّذِي خرجه التِّرْمِذِيّ، قَالَ:" أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ: فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ فَقلت: لَا أَدْرِي، فَوضع كَفه بَين كَتِفي فَوجدت بردهَا بَين ثندوني، وتجلى لي علم كل شَيْء ".

هَذِه الْوُجُوه السِّتَّة من كَيْفيَّة الْوَحْي إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم ذكرهَا السُّهيْلي وزدتها أَنا بَيَانا وإيضاحا.

ثمَّ ذكر وَجها آخر وَجعله سابعا فَقَالَ: " قد بَينا الطّرق الصِّحَاح عَن عَامر الشّعبِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وكل بِهِ إسْرَافيل عليه السلام، فَكَانَ

ص: 76

يتَرَاءَى لَهُ ثَلَاث سِنِين، ويأتيه بِالْكَلِمَةِ من الْوَحْي، ثمَّ وكل بِهِ جِبْرِيل عليه السلام فَجَاءَهُ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحي ".

قلت:

لَا يَنْبَغِي أَن تعد هَذِه حَالَة سابعة بِاعْتِبَار اخْتِلَاف مَا بَين جِبْرِيل وإسرافيل عليهما السلام، لِأَن كِلَاهُمَا ملك جَاءَهُ بِالْوَحْي من الله تَعَالَى، على أَن هَذِه رِوَايَة مُرْسلَة، وَحَدِيث عَائِشَة لَا ينافيها فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون أول أمره الرُّؤْيَا، ثمَّ وكل بِهِ إسْرَافيل فِي تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي كَانَ يَخْلُو فِيهَا بحراء، فَكَانَ يلقِي إِلَيْهِ الْكَلِمَة بِسُرْعَة وَلَا يُقيم مَعَه تدريجا لَهُ وتمرينا وتدريبا، إِلَى أَن جَاءَهُ جِبْرِيل فَعلمه بَعْدَمَا غطه ثَلَاث مَرَّات، فحكت عَائِشَة مَا جرى لَهُ مَعَ جِبْرِيل وَلم تحك مَا جرى لَهُ مَعَ إسْرَافيل اختصارا للْحَدِيث، أَو لم تكن وقفت على قصَّة إسْرَافيل، فَمَا كل مَا جرى للنَّبِي صلى الله عليه وسلم من الْآيَات والعجائب قبل الْبعْثَة وَبعدهَا روته عَائِشَة رضي الله عنها، وَقد

ص: 77

كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يرى عجائب قبل بعثته، فَمن ذَلِك مَا فِي " صَحِيح مُسلم " من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: " إِنِّي لأعرف حجرا كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن أبْعث، إِنِّي لأعرفه الْآن ".

وَوَقع فِي " سير ابْن إِسْحَاق " عَن عبيد بن عُمَيْر أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: " فَجَاءَنِي جِبْرِيل وَأَنا نَائِم بنمط من ديباج فِيهِ كتاب، فَقَالَ: اقْرَأ، قلت: مَا أَقرَأ، فغتني حَتَّى ظَنَنْت أَنه الْمَوْت "، فَذكر نَحْو حَدِيث عَائِشَة.

وَلَيْسَ فِي حَدِيث عَائِشَة أَن ذَلِك كَانَ فِي النّوم، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِيهِ، وَيجمع بَين الْحَدِيثين من وَجه حسن قَالَه السُّهيْلي وَهُوَ أَن يكون النَّبِي صلى الله عليه وسلم رأى جِبْرِيل فِي الْمَنَام قبل أَن يَأْتِيهِ فِي الْيَقَظَة تَوْطِئَة وتيسيرا عَلَيْهِ ورفقا بِهِ، لِأَن أَمر النُّبُوَّة عَظِيم، وعبأها ثقيل والبشر ضَعِيف، وَهَذَا كَمَا ذكره فِي حَدِيث الْإِسْرَاء وَاخْتَارَهُ ثمَّ جمَاعَة من الْعلمَاء، وَفِي حَدِيث عَائِشَة مَا كَأَنَّهُ يرشد إِلَى ذَلِك إِذْ أخْبرت أَنه صلى الله عليه وسلم كلان لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح، تُرِيدُ فِي صِحَّتهَا وظهورها، فَكَانَت رُؤْيَته جِبْرِيل عليهما السلام فِي النّوم من ذَلِك لما رَآهُ يقظة وَالله أعلم.

ص: 78

فَإِن قلت: هَذِه التوطئة هَل فعلت مَعَ غير نَبينَا صلى الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ؟

قلت: لم يبلغنِي بعد فِي ذَلِك شَيْء، وَالْأَمر مُحْتَمل، فَيجوز أَن تكون فعلت مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم أَو مَعَ بَعضهم، وَيجوز أَن يكون ذَلِك من خَصَائِص مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم عناية من ربه بِهِ، وَزِيَادَة فِي إكرامه، وتفضيلا لَهُ على غَيره، وإظهارا لعلو مَنْزِلَته عِنْده وَشرف مَحَله، كَمَا عرف ذَلِك مِنْهُ بِهِ فِي غير ذَلِك، وَالله أعلم.

ثن إِنِّي وجدت فِي " كتاب دَلَائِل النُّبُوَّة " لِلْحَافِظِ أبي نعيم أَحْمد بن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ: ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن، ثَنَا مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة، ثَنَا منْجَاب بن الْحَارِث، ثَنَا عبد الله بن الْأَجْلَح، عَن إِبْرَاهِيم، عَن عَلْقَمَة بن قيس قَالَ:" إِن أول مَا يُؤْتى بِهِ الْأَنْبِيَاء فِي الْمَنَام حَتَّى تهدأ قُلُوبهم، ثمَّ ينزل الْوَحْي بعد ".

وَقد ذكر الْحَلِيمِيّ من وُجُوه الْوَحْي أمرأ آخر فَقَالَ: " وَمِنْهَا أَن يلهم الله عز وجل أحدا - يَعْنِي من الْأَنْبِيَاء - بِلَا كَلَام يسمعهُ علم شَيْء فيجده فِي نَفسه من غير توصل تقدم مِنْهُ إِلَيْهِ بِخَبَر أَو اسْتِدْلَال ".

ص: 79

ثمَّ قَالَ: " وَمِنْهَا أَن يُؤمر الْملك فينفث فِي روعه ".

قلت " فجعلهما قسمَيْنِ وَلم يمثل الْقسم الأول، فَالله أعلم.

وَقَالَ: " قد رُوِيَ فِي قَول الله عز وجل: {حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم} أَن الله تَعَالَى إِذا تكلم بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَوَات مثل صَوت السلسلة على الصفوان ففزعوا ".

قَالَ: " فالنبي صلى الله عليه وسلم إِذا أُوحِي إِلَيْهِ بِصَوْت مثل صلصلة الجرس كَانَ تَشْبِيها بِالْوَحْي الَّذِي يُوحى إِلَى الْمَلَائِكَة، فَيُشبه - وَالله أعلم - أَنه فِي تِلْكَ الْحَال كَانَ يكرم بإدنائه من طباع الْمَلَائِكَة، وتمثيله من بعض الْوُجُوه بهم، كَمَا كَانَ الْملك فِي بعض الْأَحْوَال يمثل رجلا لتكليمه ومخاطبته ".

قَالَ: " وَمِنْهَا أَن يسمع النَّبِي صلى الله عليه وسلم صَوتا وَلَا يرى مكلما، فَيَقَع لَهُ الْعلم بِمَا قيل لَهُ، ذكر وهب فِي كِتَابه أَنه كَانَت للأنبياء منَازِل، فَمنهمْ من كَانَ يسمع الصَّوْت فيفهمه ".

ص: 80

قَالَ الإِمَام أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ - وَهُوَ شيخ السُّهيْلي:

" كَانَ الْوَحْي يَأْتِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على ثَلَاثَة أَنْوَاع:

أَحدهمَا: كَدَوِيِّ النَّحْل، رَوَاهُ عمر رضي الله عنه.

الثَّانِي: مثل صلصلة الجرس فِي شدَّة الصَّوْت وَهُوَ أشده.

وَقد كَانَ رجل يَأْتِيهِ فيكلمه وَهُوَ أخفه ".

قَالَ: " وَإِنَّمَا كَانَ البارئ عز وجل يقلب عَلَيْهِ هَذِه الْأَحْوَال زِيَادَة فِي الِاعْتِبَار، وَقُوَّة فِي الاستبصار ".

ص: 81