المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل:   والرؤيا: مصدر كالرجعى والبشرى، وَهِي فِي الْأَغْلَب مُخْتَصَّة بِمَا يرى - شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى

[أبو شامة المقدسي]

الفصل: ‌ ‌فصل:   والرؤيا: مصدر كالرجعى والبشرى، وَهِي فِي الْأَغْلَب مُخْتَصَّة بِمَا يرى

‌فصل:

والرؤيا: مصدر كالرجعى والبشرى، وَهِي فِي الْأَغْلَب مُخْتَصَّة بِمَا يرى مناما، ووصفت الرُّؤْيَا بِالصّدقِ لتحققها وظهورها على وفْق مَا رئي، وَفِي رِوَايَة عقيل " الرُّؤْيَا الصَّالِحَة "، وَهَذَا مُوَافق لما صَحَّ أَيْضا من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سبعين جُزْءا من النُّبُوَّة ". وَصَحَّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة ". أخرجهُمَا مُسلم فِي " صَحِيحه ".

قَالَ ابْن عبد الْبر:

" يحْتَمل أَن تكون الرُّؤْيَا نوعا من سِتَّة وَأَرْبَعين نوعا من نزُول الْوَحْي، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْي على ضروب - فَذكر حَدِيث عَائِشَة

ص: 82

وَحَدِيث الْحَارِث بن هِشَام الْمُتَقَدِّمين - قَالَ -: وَقد كَانَ يتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيل بَين السَّمَاء وَالْأَرْض كالسحاب، وَذَلِكَ بَين فِي حَدِيث جَابر، وَأَحْيَانا يَأْتِيهِ فِي صُورَة إِنْسَان فيكلمه، وَفِي غير مَا حَدِيث أَنه كَانَ إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي يغط غطيط الْبكر وينفخ، إِلَى ضروب وأنواع لَا أحصيها.

قَالَ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: " لَو كَانَت الرُّؤْيَا - يَعْنِي من النُّبُوَّة - كحصاة من عدد الْحَصَى كَانَ كثيرا ".

وَقَوْلها: " فِي النّوم ":

مُتَعَلق بالرؤيا، وَهُوَ تَأْكِيد إِن قُلْنَا: الرُّؤْيَا مُخْتَصَّة بِمَا وَقع مناما، ومبين إِن قُلْنَا: إِنَّهَا تسْتَعْمل أَيْضا فِي غير الْمَنَام، وَقد سبق تَقْرِير ذَلِك فِي " تَفْسِير آيَة سُبْحَانَ ".

ص: 83

ثمَّ فسرت مَا كنت عَنهُ بِذكر الصدْق فِي الرُّؤْيَا بقولِهَا: " فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح " هَكَذَا فِي رِوَايَة يُونُس عَن الزُّهْرِيّ الَّتِي ذكر مُسلم متنها " فَكَانَ " بِالْفَاءِ، وَفِي رِوَايَة عقيل عَن الزُّهْرِيّ وَهِي الَّتِي أخرج البُخَارِيّ متنها " وَكَانَ " بِالْوَاو، وَفَائِدَة الْوَاو أَن عَادَته صلى الله عليه وسلم فِي مناماته صَلَاحهَا وصدقها، وَلم يخْتَص ذَلِك بِمَا رَآهُ قبيل المبعث، وَلما كَانَت المنامات من قبل الله تَعَالَى وَمن ابتلائه بتمكين الشَّيَاطِين من التهاويل فِيهَا والتخويف كَانَ الْفرق الْفَاصِل بَين مَا جَاءَ من عِنْد الله مِنْهَا وَبَين أضعاث الشَّيَاطِين صَلَاح الرُّؤْيَا وحسنها وصدقها.

وَمن وُجُوه الْحِكْمَة فِي بداءته بالمنامات الْحَسَنَة تدريجه من رُؤْيَة النّوم الْمُعْتَادَة إِلَى خطاب الْملك لَهُ فِي الْيَقَظَة فَذَلِك أسهل على النَّفس وَأبْعد عَن الفتور.

قَالَ ابْن بطال:

" قَالَ الْمُهلب: هِيَ تباشير النُّبُوَّة وَكَيْفِيَّة بدئها، لِأَنَّهُ لم يَقع لَهُ فِيهَا ضغث فيتساوى مَعَ النَّاس فِي ذَلِك بل خص بصدقها كلهَا ".

و" فلق الصُّبْح " ضياؤه إِذا انْفَلق وتميز عَن ظلمَة اللَّيْل وَظهر نوره وانبلج، يُقَال: فلق الصُّبْح وَفرق الصُّبْح بِاللَّامِ وَالرَّاء المفتوحتين، وَهَذَا الْأَمر أبين من فلق الصُّبْح وَفرق الصُّبْح لُغَتَانِ صحيحتان فصيحتان

ص: 84

ذكرهمَا أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب وَغَيره هَكَذَا مضافين إِلَى الصُّبْح، وَهَذَا إِنَّمَا يُقَال فِي الشَّيْء الْوَاضِح الْبَين، ضربت عَائِشَة ذَلِك مثلا فِي إتقانه مَا يُشَاهِدهُ وَصِحَّة تَأْوِيله.

وَقَوْلها: " جَاءَت ":

على حذف مُضَاف أَي جَاءَ تَأْوِيلهَا أَو مرئيها، وَقد اسْتعْمل " الفلق " غير مُضَاف إِلَى الصُّبْح كَقَوْلِه تَعَالَى:{قل أعوذ بِرَبّ الفلق} فِي قَول أَكثر الْمُفَسّرين فَإِن بَعضهم قد زعم أَنه الْخلق قَالَ الشَّاعِر:

(يَا لَيْلَة لم أنمها بت مرتفقا

أرعى النُّجُوم إِلَى أَن نور الفلق)

وَلم أظفر بعد اسْتِعْمَال " الْفرق " بالراء غي مُضَاف إِلَى " الصُّبْح " إِلَّا فِي معنى غير هَذَا.

قَوْلهَا: " ثمَّ حبب إِلَيّ الْخَلَاء ":

الْخَلَاء بِالْمدِّ الْخلْوَة، وَفِي " الصَّحِيح " أَيْضا:" كَانَ إِذا أَتَى الْخَلَاء " أَي مَوَاضِع الْخَلَاء، كنى بِهِ عَن قَضَاء الْحَاجة الْمُلَازمَة الْخلْوَة لَهَا.

ص: 85

وَفَائِدَة " ثمَّ " هُنَا أَن حبه صلى الله عليه وسلم للخلوة كَانَ بَعْدَمَا ذكرته من صدق الرُّؤْيَا أَو فِي أَثْنَائِهَا، وَيجوز أَن تكون " ثمَّ " للتَّرْتِيب فِي الْخَبَر وَأَن مَا كَانَ يرَاهُ (كَانَ) فِي أَيَّام الْخلْوَة. وَفِي " سير ابْن إِسْحَاق " قَالَ: فَذكر الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة فَذكر الحَدِيث وَقَالَ: " وحبب الله إِلَيْهِ الْخلْوَة فَلم يكن شَيْء أحب إِلَيْهِ من أَن يَخْلُو وَحده ".

قلت: فَلهَذَا وَقع فِي " الصَّحِيح ": " وحبب إِلَيْهِ الْخلْوَة " على لفظ مَا لم يسم فَاعله، وَلم يقل:" وَأحب الْخُلُو "" وَإِن كَانَ كل الْأَفْعَال من الله تَعَالَى لما فِي لفظ " وحبب " من الْإِشْعَار بِأَن ذَلِك لم يكن من جنس محبوبات النَّفس الَّتِي تقع على وفْق الْمُعْتَاد بل كَانَت تِلْكَ الدَّوَاعِي مِنْهُ من قبل توفيق الله تَعَالَى لَهُ وإلهامه إِيَّاه ذَلِك وعنايته بِهِ.

قَوْلهَا: " فَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء ":

فِي رِوَايَة يُونُس بِالْفَاءِ، وَفِي وَرِوَايَة عقيل بِالْوَاو، وفيهَا:" يلْحق " مَكَان " يَخْلُو " بيّنت بِهَذَا الْمَكَان الَّذِي كَانَ يَخْلُو فِيهِ وَهُوَ مَزَار مَعْرُوف بِمَكَّة.

ص: 86

وَفِي حَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن عبد الْملك بن عبد الله بن أبي سُفْيَان ابْن الْعَلَاء بن جَارِيَة الثَّقَفِيّ قَالَ: وَكَانَ وَاعِيَة عَن بعض أهل الْعلم قَالَ: وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إِلَى حراء فِي كل عَام شهرا من السّنة يتنسك فِيهِ، وَكَانَ من نسك من قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة يطعم من جَاءَ من الْمَسَاكِين حَتَّى إِذا انْصَرف من مجاورته لم يدْخل بَيته حَتَّى يطوف بِالْكَعْبَةِ.

والغار والمغار - بِزِيَادَة مِيم - والمغارة - بِزِيَادَة هَاء -: هُوَ الْكَهْف فِي الجيل وَهُوَ النقب فِيهِ، سمي بذلك لِأَن الدَّاخِل فِيهِ يستنر بِهِ، فَكَأَنَّهُ قد غَار فِيهِ أَي تغيب، وَهَذَا غير الْغَار الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن ذَاك فِي جبل ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة، وَهَذَا فِي جبل حراء بِأَعْلَى مَكَّة، كِلَاهُمَا من جبال الْحرم.

قَالَ مُسلم بن خَالِد: حراء جبل مبارك قد كَانَ يُؤْتى.

قَالَ السُّهيْلي: " وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي نَادَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين قَالَ لَهُ ثبير وَهُوَ على ظَهره: اهبط عني فَإِنِّي أَخَاف ان تقتل على ظَهْري فأعذب، فناداه حراء: إِلَيّ يَا رَسُول الله ".

ص: 87

وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْمَازرِيّ فِي كِتَابه " الْمعلم ": " حراء بِالْمدِّ جبل بَينه وَبَين مَكَّة قدر ثَلَاثَة أَمْيَال عَن يسارك إِذا سرت إِلَى منى. وَيجوز فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث، وتذكيره أَكثر ".

قَالَ القَاضِي عِيَاض:

" فَمن ذكره صرفه، وَمن أنثه لم يصرفهُ، وَأَرَادَ الْبقْعَة الَّتِي فِيهَا الْجَبَل أَو الْجِهَة.

قَالَ: وَقد قَالَ بَعضهم فِيهِ: " حرى " بِالْقصرِ وَفتح الْحَاء، وَكَذَا ضَبطهَا الْأصيلِيّ فِي " كتاب البُخَارِيّ " بِخَطِّهِ بِالْوَجْهَيْنِ.

قَالَ: وَالْأول أعرف، وَهُوَ الصَّحِيح.

قَالَ: وَقَالَ الْخطابِيّ: أَصْحَاب الحَدِيث يخطؤون فِيهِ فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: يفتحون الْحَاء وَهِي مَكْسُورَة، ويكسرون الرَّاء وَهِي مَفْتُوحَة، ويقصرون الْألف وَهِي ممدوة ".

ص: 88

قلت: وجدت هَذِه الْحِكَايَة (فِي " درة الغواص " منسوبة إِلَى أبي عمر الزَّاهِد، ووجدتها) فِي مَوَاضِع أخر بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ عَن بعض أهل الْعلم قَالَ: " الْعَامَّة لحنت (فِي " حراء ") فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: فتحت حاءه وَهِي مَكْسُورَة، وقصرته وَهُوَ مَمْدُود، وَتركت صرفه وَهُوَ مَصْرُوف فِي الِاخْتِيَار لِأَنَّهُ اسْم جبل ".

قلت:

وَلَو ضم إِلَيْهِ أَنهم كتبوه بِالْيَاءِ لَصَارَتْ أَرْبَعَة، إِلَّا أَن ذَلِك من تَفْرِيع كَونهم يقصرونه، وَالصَّوَاب مده وَكتبه بِالْألف، وحراء: جبل بِأَعْلَى مَكَّة لَهُ قلَّة مشرفة منحنية، والغار مشرف فِي رَأسه مِمَّا يَلِي الْقبْلَة، وَمَا أحسن مَا وَصفه بِهِ رؤبة بن العجاج الراجز فِي قَوْله:

(فَلَا وَرب الْأَمَانَات الْقطن

وَرب وَجه من حراء منحن)

وَقَالَ الشَّاعِر:

(تفرج عَنْهَا الْهم لما بدا لَهَا

حراء كرأس الْفَارِسِي المتوج)

ص: 89

وَفِي شعر أبي طَالب:

(وثور وَمن أرسى ثبيرا مَكَانَهُ

وراق لبر فِي حراء ونازل)

وَيَقَع فِي تصانيف كَثِيرَة هَذَا الْبَيْت:

(وراق ليرقى فِي حراء

)

وَهُوَ تَصْحِيف ضَعِيف الْمَعْنى فَإِنَّهُ مَعْلُوم أَن الراقي يرقى وَإِنَّمَا هُوَ وراق لبر، أَي فِي طلب الْبر وَهُوَ خلاف الْإِثْم، أقسم بطالب الْبر بصعوده فِي حراء للتعبد فِيهِ وبالنازل مِنْهُ لِأَنَّهُ حَدِيث عهد بالتعبد وَالله أعلم.

فحراء: مكسور الْحَاء مَمْدُود مَصْرُوف كَمَا وَقع فِي هَذِه الأبيات، وَلم أظفر بِهِ بعد غير مَصْرُوف فِي شَيْء من اشعارهم (إِلَّا فِيمَا أنْشدهُ الْجَوْهَرِي:

(أَلسنا أكْرم الثقلَيْن طرا

وأعظمهم بِبَطن حراء نَارا)

قَالَ: " فَلم يصرفهُ لِأَنَّهُ ذهب بِهِ إِلَى الْبَلدة الَّتِي هُوَ بهَا ".

ص: 90

قلت:

وَلَا يُمكن إنشاده فِي الْبَيْت مصروفا بِخِلَاف الأبيات الْمُتَقَدّمَة) ، فَلَا يعْتَقد أَن هَؤُلَاءِ الشُّعَرَاء إِنَّمَا صرفوه ضَرُورَة إِذْ لَا ضَرُورَة فَإِن الْوَزْن فِي الأبيات الثَّلَاثَة مُسْتَقِيم وَأَن لم يصرف إِذْ غَايَته دُخُول الْقَبْض فِي " فعولن " و " مستفعلن "، وَذَلِكَ سَائِغ فِي بحري الطَّوِيل وَالرجز اللَّذين مِنْهُمَا هَذِه الأبيات على مَا هُوَ مَعْلُوم عِنْد العروضيين، وَلَو لم يكن كَذَلِك لما صَحَّ لنا أَن نقُول: إِن الشُّعَرَاء صرفوه ضَرُورَة إِذْ لَا يعْتَذر بذلك إِلَّا عِنْد وجود سَبَب منع الصّرْف والنزاع فِيهِ، وَلَا حَاجَة إِلَى تَقْدِير التَّأْنِيث فِيهِ لِأَنَّهُ اسْم جبل فَهُوَ اسْم مُذَكّر لمذكر فَصَارَ كزيد وَعَمْرو، وَنَصّ أَبُو عَمْرو الْجرْمِي وَغَيره على أَنه يجوز ترك صرفه على تَأْوِيل أَنه اسْم لبقعة، وأجروا ذَلِك فِي " قبَاء " و " حنين " و " منى " وَغير ذَلِك، وَأنْشد الْقَزاز رجز رؤبة غير مَصْرُوف فَقَالَ: وَرب ركن من حراء منحني، بترك الصّرْف على أَن الْهمزَة للتأنيث، وَالصَّوَاب الصّرْف.

قلت:

لَا يجوز أَن تكون الْهمزَة فِي " حراء " و " قبَاء " وَنَحْو ذَلِك للتأنيث بل هِيَ بدل من لَام الْكَلِمَة كَمَا فِي " كسَاء " و " رِدَاء " و " دُعَاء " وَلَا وَجه لترك الصّرْف إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ أَولا، وَالصرْف أولى وَهِي لُغَة الْقُرْآن فِي

ص: 91

فَإِن اسْتشْهد لصِحَّة الْوَجْه الثَّانِي بِأَن من الْجبَال مَا قد سمي بأسماء مُؤَنّثَة ك: " سلمى " و " رضوى ".

قيل: التَّسْمِيَة بِاللَّفْظِ الْمُؤَنَّث لَا يدل على أَن الْمُسَمّى يقدر فِيهِ التَّأْنِيث بِدَلِيل " طَلْحَة " و " حَمْزَة " و " ربيعَة " وَنَحْو ذَلِك فِي أَسمَاء الرِّجَال وَإِن أمكن تَقْدِير التَّأْنِيث فِيهَا بِاعْتِبَار النَّفس والذات والحقيقة.

وَمَا أحسن مَا قَالَه أَبُو زيد الفازازي فِي " القصائد العشرينات " اللَّاتِي مدح بِهن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَأول كل بَيت مُوَافق لروبة:

(ثوى قبل نور الْوَحْي فِي نور خلْوَة

بِغَار حراء مُفردا يَتَحَنَّث)

(ثبير وَأحد أكْرم الأَرْض تربة

مهاجره هَذَا وَذَلِكَ مبعث)

قَوْلهَا: " يَتَحَنَّث فِيهِ ":

فِي مَوضِع الْحَال، أَي يَخْلُو بِالْغَارِ متحنثا فِيهِ، هَكَذَا فِي رِوَايَة يُونُس، وَفِي رِوَايَة عقيل " فيتحنف " بِالْفَاءِ فَتكون عطفا على " يَخْلُو ".

ثمَّ فسر التحنث فِي الحَدِيث بِأَن قيل: " وَهُوَ التَّعَبُّد، وَهَذَا التَّفْسِير يحْتَمل أَن يكون من تَتِمَّة كَلَام عَائِشَة، وَيحْتَمل أَن يكون من قبل عُرْوَة

ص: 92

فسره لِلزهْرِيِّ، وَيحْتَمل أَن يكون الزُّهْرِيّ فسره لأَصْحَابه وَأَن يكون الْمُفَسّر بعض من هُوَ دون الزُّهْرِيّ من الْمَذْكُورين فِي سَنَد الحَدِيث.

وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: " فسر مُسلم التحنث التَّعَبُّد - قَالَ - وَمَا فسره بِهِ مُسلم فسره أَبُو إِسْحَاق الْحَرْبِيّ، وَذكر نَحوه عَن ابْن إِسْحَاق ".

قَالَ الْمَازرِيّ: " تَحنث الرجل إِذا فعل فعلا خرج بِهِ عَن الْحِنْث، والحنث: الذَّنب، وَكَذَلِكَ تأثم: إِذا ألْقى عَن نَفسه الْإِثْم، وَمثله تحرج وتحوب: إِذا فعل فعلا خرج بِهِ عَن الْحَرج وَالْحوب، وَفُلَان يتهجد: إِذا كَانَ يخرج من الهجود، ويتنجس: إِذا فعل فعلا يخرج بِهِ عَن النَّجَاسَة، وَامْرَأَة قذور: إِذا كَانَت تتجنب الأقذار، ودابة ريض: إِذا لم ترض، - قَالَ: هَذَا كُله عَن الثعالبي إِلَّا تأثم فَهُوَ عَن الْهَرَوِيّ.

ص: 93

وَقَالَ أَبُو عبد الله الْقَزاز: " التحنث: إمَاطَة الْحِنْث وإزالته، وَمثله التحوب وَهُوَ إِلْقَاء الْحُوب وَهُوَ الْإِثْم والذنب - قَالَ -: وَلم يَأْتِ تفعل الرجل إِذا ألْقى الشَّيْء عَن نَفسه غير هاذين.

وَمِنْه قَول حَكِيم بن حزَام للنَّبِي صلى الله عليه وسلم: " يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت أمورا كُنَّا نتحنث بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة من صَدَقَة وصلَة رحم هَل لي فِيهَا من أجر "، يُرِيد بالتحنث إِلْقَاء الْحِنْث.

وَقَالَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: " وَقيل للتعبد التحنث لِأَنَّهُ يلقِي بِهِ الْحِنْث عَن نَفسه، وَنَظِيره فِي الْكَلَام التحوب والتأثم أَي إِلْقَاء الْحُوب وَالْإِثْم عَن النَّفس، قَالُوا: وَلَيْسَ فِي كَلَامهم: نَفْعل الرجل إِذا ألْقى الشَّيْء، عَن نَفسه غير هَذِه ".

قلت: فحصر الْقَزاز ذَلِك فِي حرفين، وَزَاد الْخطابِيّ ثَالِثا وَفِي كَلَامهم بِهَذَا الْمَعْنى أَكثر من ذَلِك وَإِن كَانَ على خلاف قَاعِدَة الْبَاب، فَإِن الأَصْل أَن " تفعل " الْمُشْتَقّ من شَيْء هُوَ لمن فعل ذَلِك الشَّيْء، مثل " تكلم " و " تعلم " و " تحسر " و " تغسل "، لِأَن معنى ذَلِك: صدر مِنْهُ

ص: 94

كَلَام وَعلم وحسرة وَغسل لَا أَنه تجنب ذَلِك، وَمَعَ ذَلِك فقد جَاءَت أَلْفَاظ بِهَذَا الْمَعْنى، وَقد تقدم مَا نَقله الْمَازرِيّ زَائِدا على ثَلَاثَة الْخطابِيّ بِثَلَاثَة أَلْفَاظ وَهِي:" تحرج " و " تهجد " و " تنجس ".

أما تحرج: فَمَعْنَاه تجنب الْحَرج، وَهُوَ فِي الأَصْل عبارَة عَن الضّيق ثمَّ عبر بِهِ عَن الْإِثْم.

وَأما تهجد: فَمَعْنَاه تجنب الهجود، وَهُوَ نوم اللَّيْل قَالَ الله تَعَالَى:{وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك}

قَالَ الزّجاج: " تهجد الرجل إِذا سهر، وهجد إِذا نَام، وَقد هجدته إِذا نومته، قَالَ لبيد:

(قلت هجدنا فقد طَال السرى

)

قَالَ أَبُو الْقَاسِم الزَّمَخْشَرِيّ: " وَيُقَال أَيْضا فِي النّوم تهجد ".

وَقَالَ حَمْزَة الْكرْمَانِي: " هجد نَام، وتهجد اسْتَيْقَظَ، وَمثله حنث وتحنث، والتهجد ترك النّوم للصَّلَاة، فَإِن لم يصل فَلَيْسَ بتهجد ".

ص: 95

قلت: لَعَلَّه أَرَادَ فِي عرف الْفُقَهَاء، وَأما فِي أصل اللُّغَة فَلَا احسب هَذَا الِاشْتِرَاط صَحِيحا إِلَّا أَن ينْقل أَن لَفظه " تهجد " بِمَعْنى ترك الهجود لم يسمع إِلَّا من جِهَة الشَّارِع فَقَط وَلم تكن الْعَرَب تعرفه، وَهَذَا بعيد وَالله أعلم.

وَأما تنجس: فَقَالَ الْجَوْهَرِي: " التَّنْجِيس: شَيْء كَانَت الْعَرَب تَفْعَلهُ كالعوذة تدفع بِهِ الْعين، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:

(وعلق أنجاسا على المنجس

)

قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: " من المعاذات: التميمة، والمنجسة، والنجاس التعويذ، وَيُقَال للمعوذ: منجس) .

قَالَ ثَعْلَب: " قلت لِابْنِ الْأَعرَابِي: لم قيل للمعوذ منجس وَهُوَ مَأْخُوذ من النَّجَاسَة؟ فَقَالَ: إِن للْعَرَب أفعالا تخَالف مَعَانِيهَا ألفاظها، بقال: فلَان يَتَنَجَّس إِذا فعل فعلا يخرج بِهِ من النَّجَاسَة كَمَا قيل: يتأثم ويتحنث ويتحرج إِذا فعل فعلا يخرج بِهِ من الْإِثْم والحنث والحرج ".

ص: 96

قَالَ الْجَوْهَرِي: " والقذور من النِّسَاء الَّتِي تتقذر أَي تتنزه عَن الأقذار ".

أَبُو عُبَيْدَة: " نَاقَة قذور تبرك نَاحيَة من الْإِبِل وتستبعد ".

قَالَ الْجَوْهَرِي: " وناقة ريض أول مَا ريضت وَهِي صعبة بعد ".

قلت: فَحصل لنا من هَذَا زِيَادَة حرف آخر وَهُوَ " تقذر " فَصَارَت سَبْعَة أحرف. وَزَاد بَعضهم " تخون " فَقَالَ: قَوْلهم: تخون فلَان فلَانا، أَي تعهده وَحفظه كَأَنَّهُ اجْتنب فِيهِ الْخِيَانَة الَّتِي هِيَ إخلال بِالْحِفْظِ والتعهد.

قَالَ السُّهيْلي: " تفعل يَقْتَضِي الدُّخُول فِي الْفِعْل وَهُوَ الْأَكْثَر فِيهَا مثل: تفقه وَتعبد وتنسك، وَقد جَاءَت فِي أَلْفَاظ يسيرَة تُعْطِي الْخُرُوج عَن الشَّيْء واطراحه، كالتأثم والتحرج والتحنث بالثاء الْمُثَلَّثَة، لِأَنَّهُ من الْحِنْث والحنث الْحمل الثقيل، وَكَذَلِكَ التقذر إِنَّمَا هُوَ تبَاعد عَن القذر ".

ص: 97

قلت: قد رويت هَذِه اللَّفْظَة بالثاء الْمُثَلَّثَة كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَرويت بِالْفَاءِ كَمَا فِي " سير ابْن إِسْحَاق " من حَدِيث عبيد بن عُمَيْر قَالَ:

" كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يجاور فِي حراء فِي كل سنة شهرا، وَكَانَ ذَلِك مِمَّا تحنف بِهِ قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة، والتحنف التبرر، فَكَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذَلِك الشَّهْر من كل سنة يطعم من جَاءَهُ من الْمَسَاكِين، فَإِذا قضى جواره من شهره ذَلِك كَانَ أول مَا يبْدَأ بِهِ الْكَعْبَة فيطوف سبعا ثمَّ يرجع إِلَى بَيته ".

فَأَما التحنث بالثاء فَهُوَ بِمَعْنى تجنب الْحِنْث وَهُوَ الذَّنب المؤثم وَمِنْه: {وَكَانُوا يصرون على الْحِنْث الْعَظِيم} وَقيل: حنث فلَان فِي يَمِينه كَذَلِك أَي أَثم فِيهَا وأذنب، هَذَا هُوَ أَصله ثمَّ عبر بهَا عَن عدم الْوَفَاء بِالْيَمِينِ مُطلقًا إِذْ الْحِنْث يكون وَاجِبا ومندوبا ومباحا، وَفِي الحَدِيث:" لم يبلغُوا الْحِنْث " أَي زمَان الْحِنْث وَهُوَ وقتت الْبلُوغ لأَنهم حِينَئِذٍ يعْتد

ص: 98

عَلَيْهِم بأعمالهم ذنوبا، فَمَعْنَى " يَتَحَنَّث " يفعل فعلا يخرج بِهِ من الْحِنْث.

وَأما مَا وَقع فِي الحَدِيث من تَفْسِير التحنث بالتعبد فَهُوَ تَفْسِير على الْمَعْنى من غير نظر إِلَى اشتقاق اللَّفْظ.

وَأما التحنف بِالْفَاءِ فَقَالَ السُّهيْلي: " هُوَ من بَاب التبرر لِأَنَّهُ من الحنيفية دين إِبْرَاهِيم عليه السلام، وَإِن كَانَت الْفَاء مبدلة من الثَّاء فَهُوَ من بَاب التقذر والتأثم وَهُوَ قَول ابْن هِشَام، وَاحْتج بجدث وجدف ".

وَفِي " شرح أبي عبد الله بن الْحَافِظ إِسْمَاعِيل " قَالَ: وَسُئِلَ ابْن الْأَعرَابِي عَن قَوْله: يَتَحَنَّث - يَعْنِي فِي هَذَا الحَدِيث - فَقَالَ: لَا أعرفهُ، وَسَأَلت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَنهُ؟ فَقَالَ: لَا أعرف يَتَحَنَّث إِنَّمَا هُوَ يتحنف من الحنيفية، وَقَوْلهمْ أَي تجنب الْإِثْم وَتَركه، وَمِنْه مَا فِي " الصَّحِيح " من حَدِيث أنس قَالَ:" فَأخْبر بهَا معَاذ عِنْد مَوته تأثما ".

ص: 99

قَالَ الْمَازرِيّ: وَالْأَظْهَر عِنْدِي أَنه لم يرد فِي هَذَا الحَدِيث هَذَا الْمَعْنى لِأَن فِي سِيَاقه مَا يدل على خِلَافه.

قَالَ القَاضِي عِيَاض: " لَعَلَّه لم ير هَذَا التَّفْسِير بَينا لما ورد فِي أول الحَدِيث: أَلا أبشر النَّاس؟ قَالَ: لَا تبشرهم فيتكلوا، فَأَي إِثْم فِي كتم مَا أَمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بكتمه، لكني أَقُول: لَعَلَّ معَاذًا لم يفهم من النَّبِي صلى الله عليه وسلم النَّهْي لَكِن كسر عزمه عَمَّا عرض عَلَيْهِم من بشراهم بِهِ بِدَلِيل حَدِيث أبي هُرَيْرَة حِين قَالَ لَهُ: من لقِيت يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُسْتَيْقنًا بهَا قلبه فبشره بِالْجنَّةِ، ثمَّ لما قَالَ عمر للنَّبِي صلى الله عليه وسلم: أخْشَى أَن يتكل النَّاس فخلهم يعملوا، قَالَ: فخلهم.

قَالَ: أَو يكون معَاذ بلغه بعد أَمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بذلك لأبي هُرَيْرَة، وحذر أَن يكتم علما علمه وتأثم من ذَلِك فَأخْبر بِهِ، أَو يكون حمل النَّهْي على إذاعته للْعُمُوم وَرَأى أَن يخص بِهِ كَمَا خصّه بِهِ عليه السلام، وَلِهَذَا ترْجم البُخَارِيّ عَلَيْهِ: من خص بِالْعلمِ قوما دون قوم كَرَاهِيَة أَن لَا يفهموا ".

ص: 100

قلت:

هَذَا الْإِشْكَال الَّذِي ذكره القَاضِي كَانَ وَقع لي قَدِيما قبل الْوُقُوف على كِتَابه وَقلت: أَي إِثْم كَانَ يلْحقهُ لَو لم يخبر بِهِ حَتَّى تجنب الْإِثْم بإخباره، غَايَته أَن يُقَال جَاءَت آثَار وأخبار تَقْتَضِي الْأَمر بالتبليغ وَالنَّهْي عَن الكتمان نَحْو:{إِن الَّذين يكتمون} ، " بلغُوا عني وَلَو آيَة

"، " نضر الله امرءأ

"، وَنَحْو ذَلِك، إِلَّا أَن هَذِه الْأَشْيَاء غايتها أَن تكون عَامَّة فِي جَمِيع مَا سمع من النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَتَّى تتَنَاوَل مَحل النزاع، وَفِي مَحل النزاع دَلِيل يَخُصُّهُ يَقْتَضِي منع الْإِعْلَام، وَالْخَاص مقدم على الْعَام.

وَهَذَا الْإِشْكَال كنت أوردته على الشَّيْخ أبي الْخطاب بن دحْيَة رحمه الله بديار مصر فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة عِنْد وُصُول قَارِئ " كتاب مُسلم " إِلَى هَذَا الحَدِيث، فَلم يجب غير أَنه قَالَ: هَذَا جدل وَصَاح، فَأَشَارَ إِلَى بعض أَصْحَابه فَأَمْسَكت.

وَجَوَاب هَذَا أَن الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ صَرِيح نهي وَإِنَّمَا فِيهِ احْتِمَال، فتردد معَاذ فِي ذَلِك، ثمَّ ترجح عِنْده بآخرة أَنه لَا نهي فِيهِ فَأخْبر بِهِ، وَذَلِكَ.

ص: 101

أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: " مَا من عبد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا حرمه الله على النَّار، فَقَالَ معَاذ: يَا رَسُول الله، أَفلا أخبر بهَا فيستبشروا؟ قَالَ: إِذا يتكلوا ".

فَقَوله: " إِذا يتكلوا " يحْتَمل أَن يكون إِيمَاء إِلَى أَنَّك لَا تخبر بهَا خوفًا من حُصُول هَذِه الْمفْسدَة، وَيحْتَمل أَن يكون مُجَرّد هَذَا تخوف من النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَعَ أَن مُرَاده التَّبْلِيغ لِأَن هَذَا من جملَة مَا أنزل عَلَيْهِ وأوحي إِلَيْهِ، وَطَرِيق التَّبْلِيغ أَن يلقيه على بعض أَصْحَابه وَذَلِكَ الصَّحَابِيّ يبلغهُ غَيره، فَكيف ينْهَى عَن التَّبْلِيغ وَهُوَ مَأْمُور بِهِ؟ فَلَعَلَّ معَاذًا توقف لذَلِك مُدَّة حَيَاته ثمَّ احتاط لنَفسِهِ فَبلغ، لِأَن الْأَوَامِر بالتبليغ صَرِيحَة فَلَا تتْرك بِاحْتِمَال النَّهْي، كَيفَ وَأَنه قد ورد معنى هَذَا الحَدِيث عَن غير معَاذ وَأنس وَلَيْسَ فِيهِ إِيمَاء إِلَى الْإِمْسَاك عَن الْإِخْبَار بِهِ وَالله أعلم.

قَالَ الْمَازرِيّ:

" وَاخْتلف النَّاس هَل كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم متعبدا قبل نبوته بشريعة أم لَا؟ فَقَالَ بَعضهم: إِنَّه غير متعبد أصلا.

ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ هَل يَنْتَفِي ذَلِك عقلا أم نقلا؟ فَقَالَ بعض المبتدعة: يَنْتَفِي عقلا لِأَن ذَلِك تنفير عَنهُ وغض من قدره إِذا تنبأ عِنْد أهل تِلْكَ الشَّرِيعَة الَّتِي كَانَ من جُمْلَتهمْ، وَمن كَانَ تَابعا فيبعد مِنْهُ أَن يكون متبوعا - قَالَ: وَهَذَا خطأ وَالْعقل لَا يحِيل هَذَا.

ص: 102

وَقَالَ آخَرُونَ من حذاق أهل السّنة: إِنَّمَا يَنْتَفِي ذَلِك من جِهَة أَنه لَو كَانَ لنقل ولتداولته الألسن وَذكر فِي سيرته فَإِن هَذَا مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة بِأَنَّهُ لَا يكتم.

وَقَالَ غير هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ: بل هُوَ متعبد:

ثمَّ اخْتلفُوا أَيْضا هَل هُوَ متعبد بشريعة إِبْرَاهِيم أَو غَيره من الرُّسُل فَقيل فِي ذَلِك أَقْوَال، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله:{أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} فِي تَوْحِيد الله وَصِفَاته ".

قَالَ القَاضِي عِيَاض: " وَلَا خلاف بَين أهل التَّحْقِيق أَنه قبل نبوته عليه السلام وَسَائِر الْأَنْبِيَاء منشرح الصَّدْر بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَان بِاللَّه لَا يَلِيق بِهِ الْكفْر وَلَا الشَّك فِي شَيْء من ذَلِك وَلَا الْجَهْل بِهِ، وَلَا خلاف فِي عصمتهم من ذَلِك خلافًا لمن جوزه وَحجَّة المانعين مِنْهُ الطريقان

ص: 103

المتقدمان وَالصَّحِيح مِنْهُمَا النَّقْل فَلَو كَانَ شَيْء من ذَلِك لنقل، ثمَّ تظاهرت الْأَخْبَار الصَّحِيحَة عَنهُ عليه السلام وَعَن غَيره من الْأَنْبِيَاء بِصِحَّة معرفتهم بِاللَّه وهدايتهم من صغرهم وتجنبهم عبَادَة غير الله تَعَالَى، فقد عيرت قُرَيْش نَبينَا والأمم أنبياءهم ورمتهم بِكُل آفَة، وبرأهم الله مِمَّا قَالُوا، وقص الله علينا من ذَلِك فِي كِتَابه أَنهم قَالُوا:{أتنهانا أَن نعْبد مَا يعبد آبَاؤُنَا} ، {إِن تَقول إِلَّا اعتراك بعض آلِهَتنَا بِسوء} ، وَلَو كَانَ أحدهم عبد مَعَهم معبودهم وأشرك شركهم قبل نبوته لعيروه بتلونه فِي معبوده، وقرعوه بِفِرَاق مَا كَانَ جامعهم عَلَيْهِ من ديانته، وَكَانَ أبلغ فِي تأنيبهم لَهُم من أَمرهم بمفارقة معبود آبَائِهِم - قَالَ - وَقد بسطنا الْكَلَام

ص: 104

فِي هَذَا الْفَصْل بِمَا فِيهِ مقنع فِي غير هَذَا الْكتاب، وَجِئْنَا بالأجوبة عَمَّا يعْتَرض بِهِ على هَذَا من ظواهر الْقُرْآن كَقَوْلِه:{ووجدك ضَالًّا فهدى} ، وَقَوله {وَإِن كنت من قبله لمن الغافلين} ، وَقَول إِبْرَاهِيم:{هَذَا رَبِّي} ، وَأَشْبَاه هَذَا ومعاني هَذِه الْآي وتأويلاتها فِي كتَابنَا " الشفا ".

وخلوه عليه السلام بِغَار حراء وتحنثه فِيهِ أول مبادئ بشارات نبوته، وَذَلِكَ أَن تحبيب الْخلْوَة لَهُ إلهام من الله تَعَالَى لما أَرَادَ الله بِهِ من خلوه بِنَفسِهِ، وتفرغه للقاء رسل ربه، وَسَمَاع وحيه، وقطعه العلائق الشاغلة عَن ذَلِك كَمَا كَانَ.

وَفِيه تَنْبِيه على فضل الْخلْوَة وَالْعُزْلَة وَثَمَرَة التفرغ لذكر الله، وَأَن ذَلِك يرِيح السِّرّ من الشّغل بِغَيْر الله، ويقل الْهم بِأُمُور الدُّنْيَا، ويخلي الْقلب عَن التَّعَلُّق والركون بِأَهْلِهَا، فيصفو وتتفجر ينابيعه بالحكمة، وتشرق جوانبه بالحقائق والمعرفة، وَيفِيض عَلَيْهِ من جِهَات فضل الله وأنوار رَحمته مَا قدر لَهُ ".

ص: 105

قَوْلهَا: " اللَّيَالِي أولات الْعدَد ":

وَفِي رِوَايَة عقيل: " ذَوَات الْعدَد "، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى، والليالي مَنْصُوب على الظّرْف أَي يتحدث فِي لَيَال مَعْدُودَة، وَكَأن ذكر الْعدَد هُنَا يُفِيد ضربا من الْقلَّة كَمَا قيل ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى:{أَيَّامًا معدودات} و {دَرَاهِم مَعْدُودَة} ، أَو الْكَثْرَة كَمَا قيل ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى:{فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف سِنِين عددا} .

قَوْلهَا: " قبل أَن يرجع إِلَى أَهله ":

هَذِه رِوَايَة يُونُس، وَفِي رِوَايَة عقيل " قبل أَن ينْزع إِلَى أَهله ".

قَالَ ابْن سَيّده: " نزع إِلَى وَطنه نزوعا حن وَهُوَ نزوع ".

وَقَالَ الْجَوْهَرِي: " نزع إِلَى أَهله ينْزع نزاعا أَي اشتاق، وبعير نَازع وناقد نَازع إِذا حنث إِلَى أوطانها ومرعاها قَالَ:

(وَقلت لم لَا تعذلوني وانظروا

إِلَى النازع الْمَقْصُور كَيفَ يكون ")

ص: 106

وَأهل الرجل: زَوجته وَمن يجمعه وإياهم نسب أَو دين أَو صناعَة أَو بَيت أَو بلد أَو مَا يجْرِي مجْرى ذَلِك، فَهُوَ يسْتَعْمل فِي جَمِيع ذَلِك، وَالْمرَاد هُنَا الزَّوْجَة فَقَط، وَلِهَذَا صرحت بِهِ بعد ذَلِك فِي قَوْلهَا:" ويتزود لذَلِك ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثلهَا " وَلم يكن للنَّبِي صلى الله عليه وسلم حِينَئِذٍ امْرَأَة غير خَدِيجَة رضي الله عنها، أَي أَنه كَانَ يُقيم بِغَار حراء الْأَيَّام مَعَ اللَّيَالِي، وَلَو لم تقل لما فهم ذَلِك من قَوْلهَا:" اللَّيَالِي أولات الْعدَد " على مجرده إِذْ كَانَ من الْجَائِز أَنه كَانَ يتعبد فِي الْغَار لَيْلًا وَيرجع إِلَى أَهله نَهَارا، فَأَشَارَتْ عَائِشَة إِلَى أَنه صلى الله عليه وسلم كَانَ يتزود لمُدَّة يَنْقَطِع فِيهَا بِالْغَارِ لَا يرجع فِيهَا إِلَى أَهله حَتَّى يفنى زَاده، أَو يشتاق إِلَى أَهله فَيرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثل تِلْكَ الْمدَّة إِذا أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى حراء أَي لمُدَّة أُخْرَى.

وَلم تكن عَائِشَة رضي الله عنها مُشَاهدَة شَيْئا من ذَلِك بل لم تكن مَوْجُودَة حيتئذ إِنَّمَا ولدت بعد النُّبُوَّة بِمدَّة لِأَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم بنى بهَا بِالْمَدِينَةِ وَهِي بنت تسع سِنِين، وَكَانَت إِقَامَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِمَكَّة بعد النُّبُوَّة عشر سِنِين، وَقيل: ثَلَاث عشرَة سنة، وَقيل: خمس عشرَة.

وَإِنَّمَا هَذَا الحَدِيث من بَاب مُرْسل الصَّحَابِيّ الَّذِي حكمه حكم الْمسند المسموع من النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَو الْمُشَاهدَة، فعائشة تكون قد سَمِعت ذَلِك من النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَو من أَبِيهَا أَو غَيره مِمَّن شَاهد ذَلِك، وعبرت عَنهُ بِهَذِهِ الْعبارَات الفصيحة البديعة المتقنة الْأَلْفَاظ والمعاني.

ص: 107

قَالَ الْأَحْنَف بن قيس: " سَمِعت خطْبَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَالْخُلَفَاء بعد فَمَا سَمِعت الْكَلَام من فِي مَخْلُوق أفخم وَلَا أحسن من عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ".

قَوْلهَا: " حَتَّى جَاءَهُ الْحق ":

هَذِه رِوَايَة عقيل، وَفِي رِوَايَة يُونُس:" فجئه الْحق " أَي بغته.

وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: " أَي أَتَاهُ بِمرَّة، يُقَال بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا ".

وَالْمرَاد بِالْحَقِّ هُنَا وَحي النُّبُوَّة، وَإِنَّمَا قَالَت:" فجئه " لِأَنَّهُ لم يكن شَيْئا يتوقعه.

قَالَ الْخطابِيّ رحمه الله:

" هَذِه الْأُمُور الَّتِي كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بُدِئَ بهَا من صدق الرُّؤْيَا، وَحب الْعُزْلَة عَن النَّاس، وَالْخلْوَة فِي غَار حراء والتعبد فِيهِ، ومواظبته الصَّبْر عَلَيْهِ اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد، إِنَّمَا هِيَ أَسبَاب ومقدمات أرهصت لنبوته وَجعلت مبادئ لظهورها، وَالْخلْوَة يكون مَعهَا فرَاغ الْقلب، وَهِي مُعينَة على الْفِكر، وقاطعة لدواعي الشّغل، والبشر لَا يَنْفَكّ عَن طباعه، وَلَا يتْرك مَا

ص: 108

أَلفه من عاداته، إِلَّا بالرياضة البليغة، والمعالجة الشَّدِيدَة، فلطف الله سُبْحَانَهُ لنَبيه صلى الله عليه وسلم فِي بادئه أمره فحبب إِلَيْهِ الْخلْوَة وقطعه عَن مُخَالطَة الْبشر ليتناسى المألوف من عاداتهم، وَيسْتَمر على هجران مَا لَا يحمد من أَخْلَاقهم وألزمه شعار التَّقْوَى، وأقامه مقَام التَّعَبُّد بَين يَدَيْهِ ليخشع قلبه وتلين عريكته لوُرُود الْوَحْي فيجد مِنْهُ مرَادا سهلا، وَلَا يصادفه حزنا وعرا - قَالَ -: وعَلى هَذَا الْمَعْنى كَانَ وَالله أعلم مُطَالبَة الْملك إِيَّاه بِالْقِرَاءَةِ ومعالجته إِيَّاه بالغط وَشدَّة الضغط، فَإِن الْآدَمِيّ إِذا بلغ مِنْهُ هَذَا الْمبلغ فِي أَمر سمح بِهِ إِن كَانَ فِي وَسعه، وتكلف بعض مَا حمل مِنْهُ إِن لم يكن ذَلِك من طبعه، فَجعلت هَذِه الْأَسْبَاب مُقَدمَات لما أرصد لَهُ من الشَّأْن ليرتاض بهَا ويستعد لما ندب لَهُ مِنْهُ، ثمَّ جَاءَهُ التَّوْفِيق والتيسير، وأمد بِالْقُوَّةِ الإلهية، فجبرت مِنْهُ النقائص البشرية، وجمعت لَهُ الْفَضَائِل النَّبَوِيَّة صلى الله عليه وسلم كثيرا.

وَقَالَ غَيره: وَمن فَوَائِد خلوه بِنَفسِهِ مَا ألهمه الله سُبْحَانَهُ قبل ظُهُور الْملك لَهُ ومخاطبته لما أَرَادَهُ الله مِنْهُ من صدوفه عَن معبودات قُرَيْش يَوْمئِذٍ، وعزوف نَفسه الْكَرِيمَة عَن قرب الْأَصْنَام.

ص: 109

وتبرؤه مِنْهُ وإقباله على التحنث - وَهُوَ فعل الْبر - والقرب وَذكرهَا ذَلِك من حَاله يدل وَيُشِير إِشَارَة غَلَبَة ظن أَنه كَانَ يفعل من الصَّلَاة والصمت والإمساك نَهَارا عَن الطَّعَام بِحَسب مَا يرى فِي مَنَامه من ذَلِك احتذاء بِمَا يُشَاهد إِلَى أَن جَاءَهُ الْملك، فَجَمِيع مَا ذكرته ترشيح لَهُ وتوطئة لنَفسِهِ الْكَرِيمَة، ورياضة لإتيان الْملك، وَلَا بُد أَن يظْهر لَهُ من الْآيَات الْخَاصَّة بِهِ مَا يفرق بمعرفته بَين لمة الْملك وَغَيره.

قَوْلهَا: " فَجَاءَهُ الْملك ":

يَعْنِي جِبْرِيل صرح بذلك فِي غير هَذِه الرِّوَايَة.

قَالَ ابْن إِسْحَاق: حَدثنِي عبد الْملك بن عبد الله بن أبي سُفْيَان بن الْعَلَاء بن جَارِيَة الثَّقَفِيّ - وَكَانَ وَاعِيَة - عَن بعض أهل الْعلم:

" أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين أَرَادَ الله كرامته وابتدأه بِالنُّبُوَّةِ كَانَ إِذا خرج لِحَاجَتِهِ أبعد حَتَّى يحسر عَنهُ الثَّوْب، ويفضي إِلَى شعاب مَكَّة وبطون أَوديتهَا فَلَا يمر بِحجر وَلَا شجر إِلَّا قَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله، فيلتفت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حوله عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله وَخَلفه فَلَا يرى إِلَّا الشّجر وَالْحِجَارَة، فَمَكثَ كَذَلِك يرى وَيسمع مَا شَاءَ الله أَن يمْكث، ثمَّ جَاءَهُ جِبْرِيل بِمَا جَاءَهُ من كَرَامَة الله وَهُوَ بحراء فِي رَمَضَان ".

ص: 110

قلت:

وَنَصّ أَيْضا على أَن ذَلِك فِي رَمَضَان عبيد بن عُمَيْر فِي حَدِيثه الطَّوِيل الَّذِي سَمعه ابْن إِسْحَاق من وهب بن كيسَان مولى الزبير، وسَمعه وهب من عبيد بن عُمَيْر.

وروى الْوَاقِدِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى أبي جَعْفَر أَن ذَلِك كَانَ يَوْم الأثنين لسبع عشرَة خلت من رَمَضَان.

وَقيل: كَانَ ذَلِك ثَانِي عشر رَمَضَان.

وَقيل: فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ، وَالله أعلم.

وَعند جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم أبي إِسْحَاق أَن قَوْله تَعَالَى: {شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن} مأول بِهَذَا أَي ابْتَدَأَ إنزاله فِي رَمَضَان.

وَفِي " صَحِيح مُسلم " عَن أبي قَتَادَة: " قيل: يَا رَسُول الله، صَوْم يَوْم الْإِثْنَيْنِ؟ قَالَ: فيد ولدت، وَفِيه أنزل عَليّ الْقُرْآن ".

قَوْلهَا: " فَقَالَ اقْرَأ ":

هَكَذَا وَقع فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَمر بِالْقِرَاءَةِ من غير ذكر المقروء، وَوَقع فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر قَالَ صلى الله عليه وسلم:" فَجَاءَنِي وَأَنا نَائِم بنمط من ديباج فِيهِ كتاب فَقَالَ: اقرأه "، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة بَيَان المقروء، إِلَّا أَن الْأَشْبَه أَن هَذَا

ص: 111

المجئ غير الَّذِي فِي حَدِيث عَائِشَة لِأَن هَذَا صرح فِيهِ أَنه كَانَ مناما، وَحَدِيث عَائِشَة فِي الْيَقَظَة وَالله أعلم.

قَالَ السُّهيْلي: " وَفِي الحَدِيث ذكر نمط الديباج مَعَ الْكتاب، وَفِيه دَلِيل وإشاره إِلَى أَن هَذَا الْكتاب بِهِ يفتح على أمته ملك الْأَعَاجِم، ويسلبونهم الديباج وَالْحَرِير الَّذِي كَانَ زيهم وزينتهم، وَبِه ينَال أَيْضا ملك الْآخِرَة ولباس الْجنَّة وَهُوَ الْحَرِير والديباج ".

قَالَ: " وَفِي سير مُوسَى بن عقبَة " و " سير الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان " زِيَادَة وَهُوَ أَن جِبْرِيل أَتَاهُ بدرنوك من ديباج منسوج بالدر والياقوت فأجلسه عَلَيْهِ، غير أَن مُوسَى بن عقبَة قَالَ " ببساط " وَلم يقل:" درنوك ".

وَقَالَ الْمُعْتَمِر: " فَمسح جِبْرِيل صَدره وَقَالَ: اللَّهُمَّ اشرح صَدره، وارفع ذكره، وضع عَنهُ وزره ".

قَالَ: " ويصحح مَا رَوَاهُ الْمُعْتَمِر أَن الله تَعَالَى أنزل عَلَيْهِ: {ألم نشرح لَك صدرك} الْآيَات كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى ذَلِك الدُّعَاء الَّذِي كَانَ من جِبْرِيل وَالله أعلم ".

ص: 112

قلت: وَقع فِي " كتاب السُّهيْلي ": " سُلَيْمَان بن الْمُعْتَمِر "، وَالصَّوَاب:" الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان " كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا انْقَلب عَلَيْهِ الِاسْم، وَكَذَا قَالَ بعده فِي الْمَوْضِعَيْنِ:" ابْن الْمُعْتَمِر " وَصَوَابه دون ذكر " ابْن "، وَالله أعلم.

قَوْله: " مَا أَنا بقارئ ":

قَالَ الْمَازرِيّ: " قيل " مَا " هَا هُنَا نَافِيَة، وَقيل: استفهامية، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأي شَيْء أَقرَأ - قَالَ -: وَقد ضعفوا الِاسْتِفْهَام بِإِدْخَال الْبَاء، وَلَو كَانَ استفهاما لقَالَ: " مَا أَنا قَارِئ "، وَإِنَّمَا تدخل الْبَاء على: مَا: النافية فتكونه الْبَاء تَأْكِيدًا للنَّفْي.

قَالَ القَاضِي عِيَاض: " يصحح جعلناها من قَالَ: إِنَّهَا للاستفهام رِوَايَة من روى: " مَا قَرَأَ " قَالَ: وَقد يصحح أَيْضا أَن تكون هُنَا " مَا " نَافِيَة.

قلت: إِن جعلنَا نَافِيَة احْتمل الْكَلَام مَعْنيين:

أَحدهمَا: الِامْتِنَاع من أصل الْقِرَاءَة على الْإِطْلَاق أَي لَا أفعل كَمَا تَقول لمن قَالَ لَك: قُم: مَا أَنا بقائم، وَيكون سَبَب امْتِنَاعه من الْقِرَاءَة خشيَة أَن يكون عرض لَهُ عَارض من الْجِنّ إِذْ لم يكن بعد قد تحقق أَنه

ص: 113

ملك كَمَا قَالَ بعد ذَلِك لِخَدِيجَة: " لقد خشيت على نَفسِي " كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَذكره.

الْمَعْنى الثَّانِي: أَن يكون مَعْنَاهُ: إِنِّي لَا أحسن الْقِرَاءَة، أَي لم أكن قطّ قَارِئًا للكتب وَلَا تعلمت مَا أقرؤه عَن ظهر قلب.

وَفِي حَدِيث مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه فَقَالَ نَبِي الله صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ خَائِف يرعد -:

" مَا قَرَأت كتابا قطّ، وَمَا أحْسنه، وَمَا أكتب، وَمَا أَقرَأ، فَأَخذه (جِبْرِيل) فغته غتا شَدِيدا ثمَّ تَركه فَقَالَ لَهُ: اقْرَأ، فَقَالَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم: مَا أرى شَيْئا أقرؤه، وَمَا أَقرَأ، وَمَا أكتب ".

أخرجه الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي " دلائله "، فَهَذَا يدل على هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ ثَانِيًا.

وَوَقع فِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر: " مَا أَقرَأ " وَهَذَا يحْتَمل أَن يكون نفيا وَأَن يكون استفهاما كَمَا ذكره القَاضِي، ويرجح كَونه نفيا رِوَايَة " الصَّحِيحَيْنِ ":" وَمَا أَنا بقارئ " على مَا بَيناهُ من المعنين، ويرجح كَونه استفهاما أَنه قَالَ فِي هَذِه الرِّوَايَة فِي الْمرة الثَّالِثَة:" قلت: وَمَا أَقرَأ مَا أَقُول ذَلِك إِلَّا افتداء مِنْهُ أَن يعود لي بِمَا صنع بِي ".

وَفِي " مغازي مُوسَى بن عقبَة ": " فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: اقرأه، فَقَالَ: كَيفَ أَقرَأ؟ قَالَ: {اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق} ".

ص: 114

فَهَذَا نَص فِي الِاسْتِفْهَام، لَكِن اللَّفْظ الَّذِي فِي " الصَّحِيحَيْنِ " يبعد أَن يكون استفهاما بِسَبَب زِيَادَة الْبَاء فِي خبر الْمُبْتَدَأ فَلَا يجوز أَن تَقول: زيد بقائم، وَإِنَّمَا هَذَا من خَصَائِص النَّفْي، وَهَذَا على قَول أَكثر النَّحْوِيين.

وَحكي عَن أبي الْحسن الْأَخْفَش مِنْهُم أَنه أجَاز ذَلِك وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: {جَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} وَقَالَ: الْخَبَر مثل الْمُبْتَدَأ، فَكَمَا جَازَ زِيَادَة الْبَاء فِي الْمُبْتَدَأ نَحْو: بحسبك زيد، جَازَ زيادتها فِي الْخَبَر، فعلى مَذْهَب الْأَخْفَش تتفق رِوَايَة " الصَّحِيحَيْنِ " وَرِوَايَة ابْن إِسْحَاق، وَيكون معنى الِاسْتِفْهَام: أَي شَيْء أَنا قارئه، فَإِن قُلْنَا: إِنَّه اسْتِفْهَام فَظَاهر من حَيْثُ أَن حَاله صلى الله عليه وسلم حِينَئِذٍ كَانَت تَقْتَضِي ذَلِك، وَإِن قُلْنَا: أَنه نفي على الْمَعْنى الثَّانِي فَظَاهر أَيْضا لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ أُمِّيا، وَإِن قُلْنَا: هُوَ نفي بِالْمَعْنَى الأول فقد بَينا وَجه امْتِنَاعه وَهُوَ خَوفه من عَارض يلم بِهِ، وَيحْتَمل أَن يكون قَوْله أَولا: استفهاما، فَلَمَّا لم يجد بدا من الِامْتِثَال أنصت فَتلا عَلَيْهِ الْملك.

قَوْله: " فأخذني فغطني ":

هَكَذَا رِوَايَة " الصَّحِيحَيْنِ " بالغين الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة، وَرُوِيَ بالثاء الْمُثَنَّاة من فَوق فِي مَوضِع الطَّاء، تعاقبت: الطَّاء والثاء على هَذِه اللَّفْظَة لقربهما فِي الْمخْرج، ويروى:" سأبني " و " سأتني " بِالْبَاء الْمُوَحدَة بعد الْهمزَة، وبالتاء الْمُثَنَّاة فَوق، وبالسين الْمُهْملَة فيهمَا، وَالْكل بِمَعْنى الخنق

ص: 115

والضغط وَالْعصر وَالْغَم، والعبارة المختصرة عَنهُ أَن يُقَال: هُوَ الْقَبْض الشَّديد؟

وَيُقَال: غطه فِي المَاء أَي غمسه ".

قَالَ الْخطابِيّ: " وَمن ذَلِك غطيط الْبكر وغطيط النَّائِم وَهُوَ ترديده النَّفس إِذا لم يجد مساغا مَعَ انضمام الشفتين ".

قَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ: ويروى " فغمه " بِالْمِيم.

قَالَ السُّهيْلي: " وَأَحْسبهُ أَيْضا يرْوى " فذعتني " أَي خنقني يَعْنِي بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ".

قَالَ: " وَمن الذعت حَدِيثه الآخر: إِن الشَّيْطَان عرض لَهُ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ: فذعته حَتَّى وجدت برد لِسَانه على يَدي ".

ص: 116

قَوْله: " حَتَّى بلغ مني الْجهد ":

يرْوى بِضَم الْجِيم وَبِفَتْحِهَا، وبرفع الدَّال وبنصبها، فالجهد: بِالضَّمِّ الطَّاقَة والوسع، وبالفتح التَّعَب والشدة، وَرفع الدَّال على معنى أَن " الْجهد " فَاعل " بلغ " أَي بلغ الْجهد مني مبلغه أَو مبلغا عَظِيما فأبهمه لذَلِك وَنصب الدَّال على معنى أَن الْملك بلغ مِنْهُ الْجهد فَهُوَ مفعول.

قَالَ عِيَاض: " أَي بلغ الْغَايَة وَالْمُبَالغَة وَالْمَشَقَّة ".

وَقَالَ الْقَزاز: قَوْله: " حَتَّى بلغ مني الْجهد " أَي أقْصَى مَا أقدر عَلَيْهِ وَهُوَ الْجهد، والجهد بِفَتْح الْجِيم وَضمّهَا لُغَتَانِ يُقَال: بلغ مني الْأَمر جهده وجهده ومجهوده.

وَفِي حَدِيث عبيد بن عُمَيْر: " فغتني حَتَّى ظَنَنْت أَنه الْمَوْت " ثمَّ ذكر أَنه فعل ذَلِك بِهِ ثَلَاثًا.

فَإِن قلت: لم فعل بِهِ الْملك ذَلِك؟

قلت: قَالَ الْمُهلب: " فِيهِ من الْفِقْه أَن الْإِنْسَان يذكر وينبه على فعل الْخَيْر بِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مشقة ".

قَالَ غَيره: وَفِيه دَلِيل على أَن الْمُسْتَحبّ فِي مُبَالغَة تَكْرِير التَّنْبِيه والحض على التَّعْلِيم ثَلَاث مَرَّات، وَقد رُوِيَ عَنهُ عليه السلام أَنه كَانَ إِذا قَالَ شَيْئا أَعَادَهُ ثَلَاثًا للإفهام ".

ص: 117

وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: " وَهَذَا الغط من جِبْرِيل لَهُ عليهما السلام شغل لَهُ عَن الِالْتِفَات إِلَى شَيْء من أَمر الدُّنْيَا، وإشعار بالتفرغ لما أَتَاهُ بِهِ، وَفعل ذَلِك ثَلَاثًا فِيهِ تَنْبِيه على اسْتِحْبَاب تكْرَار التَّنْبِيه ثَلَاثًا، وَقد اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم على جَوَاز تَأْدِيب الْمعلم للمتعلمين ثَلَاثًا ".

قَالَ: " وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك ليبلو صبره، وَيحسن تأديبه، فيرتاض لاحْتِمَال مَا كلفه من أعباء النُّبُوَّة، وَلذَلِك كَانَ يَعْتَرِيه مثل حَال المحموم، وتأخذه الرحضاء، أَي البهر والعرق - قَالَ -: وَذَلِكَ يدل على ضعف الْقُوَّة البشرية، والوجل لتوقع تَقْصِير فِيمَا أَمر بِهِ وَخَوف أَن يَقُول غَيره ".

قلت:

وَقد ذكرنَا كَلَام الْخطابِيّ فِي ذَلِك وَكَلَام السُّهيْلي قريب مِنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَكَانَ ذَلِك إِظْهَار للشدة وَالْجد فِي الْأَمر وَأَن يَأْخُذ الْكتاب بِقُوَّة وَيتْرك الأناة فَإِنَّهُ أَمر لَيْسَ بالهوينى.

ص: 118

قَالَ: وَقد انتزع بعض التَّابِعين وَهُوَ شُرَيْح القَاضِي من هَذَا أَن لَا يضْرب الصَّبِي على الْقُرْآن إِلَّا ثَلَاثًا كَمَا غط جِبْرِيل مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِمَا وَسلم ثَلَاثًا.

قلت:

هَذَا الْمَعْنى الَّذِي ذكره السُّهيْلي مُنَاسِب حسن على قَوْلنَا: إِن قَوْله: " مَا أَنا بقارئ " اسْتِفْهَام أَو إِخْبَار على أَنه أُمِّي، وَيشْهد لَهُ إتْيَان الْوَحْي إِلَيْهِ فِي مثل صلصلة الجرس، وَقَوله تَعَالَى:{إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا} .

وَأما إِن حملنَا قَوْله: " مَا أَنا بقارئ " على الِامْتِنَاع من الْقِرَاءَة جملَة فَمَا فعله بِهِ جِبْرِيل هُوَ من بَاب تَأْدِيب الْمعلم ورياضة المتعلم، وَقد يحْتَمل أَن يكون الْملك من أول وهلة قَالَ لَهُ:{اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق} كَمَا قَالَ لَهُ ذَلِك فِي الْمرة الرَّابِعَة، أَو كَانَ ذَلِك فِي ذهن الْملك فَلَمَّا لفظ بقوله: (اقْرَأ " ظن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه مقتصر عَلَيْهَا أَمر لَهُ بِأَن تصدر مِنْهُ قِرَاءَة، فبادر صلى الله عليه وسلم - من خَوفه أَن يكون عرض لَهُ - إِلَى الِامْتِنَاع أَو إِلَى الْإِخْبَار عَن حَاله أَو إِلَى الِاسْتِفْهَام على مَا تقدم من الْمعَانِي الثَّلَاثَة، فَفعل بِهِ الْملك مَا فعل لامتناعه إِن حملناه على الِامْتِنَاع، ولعجلته إِن حملناه على الْمَعْنيين الآخرين، فَلَمَّا كَانَ بعد الثَّالِثَة أنصت النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَتلا الْملك الْآيَات.

ص: 119

قَالَ السُّهيْلي:

" وعَلى رِوَايَة ابْن إِسْحَاق أَن ذَلِك فِي نَومه كَانَ يكون فِي تِلْكَ الغطات الثَّلَاث من التَّأْوِيل ثَلَاث شَدَائِد يبتلى بهَا أَولا ثمَّ يَأْتِي الْفرج وَالروح، وَكَذَلِكَ كَانَ لَقِي هُوَ وَأَصْحَابه شدَّة من الْجُوع فِي شعب الْخيف حِين تعاقدت قُرَيْش أَن لَا يبيعوا مِنْهُم وَلَا يتْركُوا ميرة تصل إِلَيْهِم، وَشدَّة أُخْرَى من الْخَوْف والإبعاد بِالْقَتْلِ، وَشدَّة أُخْرَى من الإجلاء عَن أحب الأوطان إِلَيْهِ، ثمَّ كَانَت الْعَاقِبَة لِلْمُتقين، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ".

قلت:

هَذَا تَأْوِيل حسن لَو لم يَقع فِي الْيَقَظَة مثله، إِمَّا إِذا كَانَ قد وَقع فِي الْيَقَظَة عين مَا رَآهُ فِي النّوم فَهُوَ تَفْسِيره وَالله أعلم.

ص: 120