الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب العلم
الفصل الأول
198 -
عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بلغوا عني ولو آية،
ــ
كتاب العلم
الفصل الأول
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((بلغوا)) ((مظ)) في الآية معان كثيرة: منها أن يراد بها الكلام المفيد، نحو ((من صمت نجا))، و ((الدين النصيحة)) أي بلغوا عني أحاديثي ولو كانت قليلة. ومنها التحريض على نشر العلم، ومنها جواز تبليغ بعض الحديث، كما هو عادة صاحب المصابيح، ومشارق الأنوار، ولا بأس به، إذ الغرض تبليغ لفظ الحديث مفيداً، سواء كان تاماً أم لا.
فإن قيل: لم حرض النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ الأحاديث دون القرآن؟ قلنا: لوجهين: أحدهما أنه أيضاً داخل في هذا الأمر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مبلغهما. وثانيهما أن طباع المسلمين مائلة إلى قراءة القرآن وتعليمه وتعلمه ونشره، ولأنه قد تكفل الله بحفظه واشتهاره، لقوله تعالى:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} فإن كان كذلك فلا يحتاج إلى التحريض، وأما الأحاديث فليست كذلك. و ((الحرج)) الضيق والإثم، رخص صلى الله عليه وسلم التحدث عن بني إسرائيل وإن لم يعلموا صحته بالإسناد والراوي لبعد الزمان بينهم.
فإن قيل: قد ورد النهي عن الاشتغال بما جاء عنهم، وقيل فيه: ((أمتهوكون أنتم؟ ورخص هنا، فكيف التوفيق؟ قلنا: المراد بالتحدث هنا بقصصهم من قتلهم أنفسهم لتوبتهم من عبادة العجل، وتفصيل القصص المذكورة في القرآن، ونحو ذلك؛ لأن في ذلك عبرة وموعظة لأولي الألباب. وأما النهي فوارد على كتاب التوراة، وما يتعلق بالعمل من الأحكام؛ لأن جميع الشرائع والأديان والكتب منسوخة بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم. [يقال: تبوأ الدار أي اتخذها مسكنا، وأصله البواء، وهو مساواة الأجزاء في المكان، يقال: مكان بواء إذا لم يكن نابياً بنازله].
((قض)): قال: ((ولو آية))، ولم يقل: حديثاً؛ لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم من هذا بطريق الأولوية؛ فإن الآيات مع انتشارها، وكثرة حملتها، وتكفل الله سبحانه وتعالى بحفظها،
وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار)). رواه البخاري.
ــ
وصونها عن الضياع والتحريف- واجبة التبليغ، فالحديث- ولا شيء فيه مما ذكر- أولى بأن يحدث عنه بالتبليغ.
((حس)): ليس في الحديث إباحة الكذب على بني إسرائيل، بل معناه الرخصة في الحديث عنهم بلا إسناد؛ لأنه أمر قد تعذ في الإخبار عنهم؛ لطول المدة، ووقوع الفترة. وفيه إيجاب التحرز عن الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لا يحدث عنه إلا بما يصح بنقل الإسناد والتثبت فيه. قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
وأقول- والله أعلم- قوله: ((بلغوا عني)): يحتمل وجهين: أحدهما أن يراد إيصال السند بنقل العدل الثقة عن مثله إلى منتهاه؛ لأن التبليغ من البلوغ، وهو انتهاء الشيء إلى غايته. وثانيهما أداء اللفظ كما سمعه من غير تغيير. والمطلوب في الحديث كلا الوجهين؛ لوقوع قوله:((بلغوا عني)) مقابلاً لقوله: ((حدثوا عن بين إسرائيل ولا حرج)) إذ ليس في التحديث ما في التبليغ من الحرج والتضييق. ويعضد هذا التأويل الآية والحديث، أما الآية فقوله تعالى:{يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} أي وإن لم تفعل كما هو حقه فما لغت ما أمرت به. وأما الحديث فهو قوله: ((نصر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، وسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: ((ولو آية)) أي علامة، فهو تتميم ومبالغة، أي لو كان المبلغ والمؤدى فعلاً، أو إشارة باليد والأصابع. وها هو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عقد باباً طويلاً في هذا المعنى، ثم رتب على ما ذكر الوعيد البليغ. وقوله:((ومن كذب على متعمداً)) يعني من لم يبلغ حق التبليغ، ولم يحتط في الأداء، ولم يراع صحة الإسناد، وحدث عني بلا حرج- دخل في زمرة الكاذبين، كما ورد:((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) والأمر بالتبوء تهكم وتغليظ؛ إذ لو قيل: كان مقعده في النار، لم يكن كذلك: وأيضاً فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوء.
((غب)): الآية هي العلامة الظاهرة وحقيقته لكل شيء ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته.
قال ابن الصلاح في كتابه إن حديث: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) من المتواتر، وليس في الأحاديث ما في مرتبته من، فإن ناقليه من الصحابة العدد الجم، وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم، وروي بعض الحفاظ أنه رواه رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان
199 -
وعن سمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)). رواه مسلم.
200 -
وعن معاوية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي)). متفق عليه.
ــ
وستون من الصحابة، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة. وقيل: أكثر من ذلك. وقيل: لا يعرف حديث اجتمع عليه العشرة إلا هذا. قال الشيخ: ثم لم يزل عدده على هذا، وأنه في الازدياد وهلم جرا على التوالي والاستمرار. وقال: المتواتر عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولابد في إسناده من استمرار هذا الشرط في روايته من أوله إلى منتهاه.
والحديث الثاني عن سمرة: قوله: ((يرى)) ((شف)): وإنما سماه كاذباً؛ لأنه يعين المفترى، وشاركه بسبب إشاعته ونشره، فهو كمن أعان ظالماً على ظلمه. ((مح)):((يرى)) ضبطناه بضم الياء، و ((الكاذبين)) بكسر الباء وفتح النون على الجمع، وهذا هو المشهور في اللفظتين.
قال القاضي عياض: الرواية فيه عندنا على صحيح مسلم في حديث سمرة ((الكاذبين)) بفتح الباء وكسر النون على التثنية، واحتج به على أن الراوي له يشارك البادي بهذا الكذب. ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة ((الكاذبين أو الكاذبين)) على الشك في التثنية والجمع، وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من:(يرى) بمعنى يعلم، وهو ظاهر حسن. فأما من ضم الياء فمعناه يظن، ويجوز أن يكون الفتح بمعنى يظن، وقد حكى رأي بمعنى ظن. وقيل: إنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه، أو يظنه كذباً، أما ما لا يعلمه، ولا يظنه فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذباً أو علماً. وأقول: قوله: ((أحد الكاذبين)) من باب قولك: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين، وقد مر بيانه.
الحديث الثالث عن معاوية: قوله: ((يفقهه)) ((نه)): الفقه في العلم: الفهم، يقال: فقه الرجل يفقه فقهاً إذا علم. وفقه- بالضمر- يفقه إذا صار فقيهاً عالماً. وجعله العرف خاصاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروق. وإنما خص علم الشريعة بالفقه؛ لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلة، والأقيسة، والنظر الدقيق بخلاف اللغة، والنحو، والصرف. روي أن سلمان نزل على نبطية بالعراق، فقال لها: هل هاهنا مكان نظيف أصلي فيه، فقالت: طهر قلبك وصل حيث شئت: فقال: فقهت. أي فهمت وفطنت الحق، ولو قال: علمت، لم يقع هذا الموقع. وعن الدارمي عن عمران قال: قلت للحسن يوماً في شيء قاله: يا أبا سعيد! ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، هل رأيت فقيهاً قط؟ وإنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، والمداوم على عبادة ربه.
((قض)): ((إنما أنا قاسم)) أي أنا أقسم بينكم، فألقى إلى كل واحد ما يليق به، والله سبحانه يوفق من يشاء منكم لفهمه، والتفكر في معناه، والعمل بمقتضاه. ((تو)): أعلم أصحابه-
201 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الناس معادن كمعان الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)). رواه مسلم. [201]
ــ
رضي الله عنهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يفضل في قسمة ما أوحي إليه أحداً من أمته على الآخر، بل سوى في البلاغ، وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم أو من القرن الذي يليهم أو ممن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأقول: الواو في قوله: ((وإنما أنا قاسم)) للحال من فاعل ((يفقهه))، أو من مفعوله، وإذا كان الثاني فالمعنى أن الله تعالى يعطي كلا ممن أراد أن يفقهه استعداداً لدرك المعاني على ما قدره، ثم يلهمني بإلقاء ما هو لائق باستعداد كل واحد، وعليه كلام القاضي. وإذا كان الأول فالمعنى أني ألقي ما يسنح لي وأسوي فيه، ولا أرجح بعضهم على بعض، فالله تعالى يوافق كلا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، وعليه كلام التوربشتي.
الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((الناس معادن)) المعدن المستقر والمستوطن، من: عدنت البلد إذا توطنته، ومنه المعدن المستقر الجواهر والفلزات. و ((معادن)) خبر مبتدأ ولا يستقيم حمله عليه إلا بأحد وجهين: إما أن يكون محمولا عليه بالتشبيه، كقولك: زيد أسد، فيكون ((كمعادن الذهب)) بدلاً منه، وإما أن يكون المعادن مجازاً من التفاوت، فالمعنى الناس متفاوتون تفاوتاً مثل تفاوت معادن الذهب والفضة فالمراد بالتفاوت تفاوت النسب في الشرف والصنعة، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:((فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم)) أي أصولها التي ينسبون إليها، ويتفاخرون بها. وإنما جعلت معادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعادن، ومنها غير قابلة لها.
وقوله: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) جملة مبينة بعد التفاوت الحاصل بعد فيض الله تعالى عليها من العلم والحكمة. قال الله تعالى: ((من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)) شبههم بالمعادن في كونها أوعية للجواهر النفيسة والفلزات المنتفعة بها، المعنى بهما في الإنسان كونه أوعية العلوم والحكم، فالتفاوت في الجاهلية بحسب الأنساب، وشرف الآباء، وكرم الأصل، وفي الإسلام بحسب العلم والحكم، فالشرف الأول موروث، والثاني مكتسب.
فإن قلت: ما فائدة التقييد بقوله: ((إذا فقهوا))؛ لأن كل من أسلم، وكان شريفاً في الجاهلية فهو خير من الذي لم يكن له شرف فيها، سواء فقه أو لم يفقه؟ قلت: ليس كذلك؛ فإن
202 -
وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين:
ــ
الإيمان يرفع التفاوت المعتبرة في الجاهلية، فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب النسب الأصلي فيجتمع شرف النسب مع شرف الحسب، انظر إلى المنقبة السنية كيف رد تيمنها وبركتها ما رفعه الإسلام من الشرف الموورث؟ وفهم من ذلك أن الوضيع المسلم المتحلي بالعلم أرفع منزلة من الشريف المسلم العاطل. ونعم ما قال الأحنف:
كل عز لم ((يوطد) بعلم فإلى ذلك ما يصير
قال:
ولا الشرف الموروث لا در دره بمحتسب إلا بآخر مكتسب
وقال لآخر:
إن السرى إذا سرى فبنفسه وابن السرى إذا سرى أسراهما
روي أن فزارياً شكى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من لطمة لطمها جبلة بن الأيهم، فأمر بالقصاص، فقال جبلة: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال عمر: شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعاقبة.
الحديث الخامس عن ابن مسعود: قوله: ((لا حسد)) أي لا رخصة فيه، ((حس)): المراد من الحسد ههنا الغبطة، وهي تمني الرجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنى زواله عنه، والمذموم ما يتمنى الزوال، وهو المسمى بالحسد، ومعنى الحديث: الترغيب في التصدق بالمال، وتعليم العلم، وقيل: إن فيه تخصيصاً لإباحة نوع من الحسد، وإن كانت جملته محظورة. وإنما رخص فيهما لما يتضمن مصلحة في الدين. قال أبو تمام:
وما حاسد في المكرمات بحاسد
وكما رخص في الكذب لتضمن فائدة هي فوق آفة الكذب. وقيل: معناه لا يحسن الحسد إن حسن في موضع إلا في هذين الموضعين.
أقول: أثبت الحسد في الحديث لإرادة المبالغة في تحصيل النعمتين الخطيرتين، يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم فينبغي أن لا يتحرى ويجتهد في تحصيلها، فكيف بالطريق المحمود؟ بل أقول: هو الطريق المحمود لذاته، والمأمور في قوله تعالى:{فاستبقوا الخيرات} والمرغب فيه بقوله: {والسابقون السابقون أولئك المقربون} فإن السبق هو روم نيل ما لصاحبه واختصاصك به. قالت الخنساء.
رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق.، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)). متفق عليه.
203 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات الإنسان انقطع
ــ
وما بلغت كف امرئ متناولاً من المجد إلا والذي نال أطول
وهو الحسد المباح الذي سبق ذكره. وكيف لا؟ وكل واحدة من هاتيك الخصلتين بلغت غاية لا أمد فوقها، ولو اجتمعنا في امرئ بلغ من العلياء كل مكان.
وقوله: ((فسلطه على هلكته)) فيه مبالغتان: إحداهما التسليط، فإن يدل على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ. ثانيتهما قوله:((على هلكته)) فإنه يدل على أنه لا يبقى من المال باقياً، فلما أوهم القرينتان للإسراف والتبذير المقول فيهما لا خير في السرف- كمله بقوله:((في الحق))، كما قيل: لا سرف في الخير. وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغات: إحداها ((الحكمة)) فإنها تدل على علم دقيق مع إيقان في العمل. وثانيتها ((يقضي)) أي يقضي بين الناس، وهي مرتبته صلى الله عليه وسلم. وثالثتها ((يعلمها))، وهي أيضاً من مرتبة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{ويعلمهم الكتاب والحكمة} . وروي: ((لا حسد إلا في اثنين))، فيكون ((رجل)) بدلاً منه. وروى ((في اثنتين)) أي خصلتين، فلابد من تقدير مضاف ليستقيم المعنى، فإذا روي ((اثنين)) يقدر: في شأن اثنين، وإذا روي ((اثنتين)) يقدر: خصلة رجل.
((نه)): الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، وهذا الحديث على ما تقرر شاهد صدق على وجوب أداء لفظ الحديث من غير إبدال، إذ لو وضع مكان ((لا حسد)) لا غبطة، ومكان ((سلط)) ((ملك))، وغيرهما، وأبدلت الحكمة بالعلم، وهلم جرا لفاتت تلك الفوائد المقصودة. والله أعلم.
الحديث السادس عن أبي هريرة: قوله: ((إلا من .... صدقة)) وفي بعض نسخ المصابيح أسقطوا لفظة ((إلا)) وهي مثبتة في صحيح مسلم، وكتاب الحميدي، وجامع الأصول، والمشارق وهو إلى آخره بدل من قوله:((إلا من ثلاثة)) فعلى التكرير فيه مزيد تقرير، واعتناء شأنها، والاستثناء متصل، تقديره: ينقطع عنه ثواب أعماله من كل شيء من الصلاة والزكاة والحج، ولا ينقطع ثواب أعماله من هذه الثلاثة. والمعنى إذا مات الإنسان لا يكتب له بعده أجر أعماله؛ لأنه جزاء العمل، وهو ينقطع بموته، إلا فعلا دائم الخير، مستمر النفع، مثل وقف أرض، أو تصنيف كتاب، أو تعليم مسألة يعمل بها، أو ولد صالح، وكل منها يلحق أجره إليه. وإنما جعل ولد
عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). رواه مسلم. [203]
ــ
جعل ولد صالح من جنس العمل لأنه هو السبب في وجوده، وسبب لصلاحه بإرشاده إلى الهدى، كما جعل نفس العمل في قوله تعالى:{إنه عمل غير صالح} . وأما فائدة القيد بـ ((الولد يدعو له)) مع أن الغير من المسلمين لو دعا له لنفعه أيضاً- فزيادة للبيان، وتحريض للولد على الدعاء، وأنه كالواجب عليه.
((قض)): قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)) يكاد يخل بهذا الحديث، لاسيما قوله:((كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة)) فإنه ينافي [قطرية]. قلت: الحديث الأول داخل في باب علم ينتفع به، فإن وضع السنن وتأسيسها من باب التعليم. وأما قوله:((كل ميت يختم على عمله)) فمعناه أن الرجل إذا مات لا يزاد في ثواب ما علم، ولا ينقص منه شيء إلا الغازي؛ فإن ثواب مرابطته ينمو ويتضاعف، وليس فيه ما يدل على أن عمله يزاد بضم غيره أو يزاد. يريد أن الحصر يدل على أن الثواب بانضمام الغير يجري له، كأنه قيل: ينقطع عمله المنضم إلى عمل الغير إلا عن ثلاث، والمرابطة ليس بداخلة فيها، فلا يخل بالحصر. وهو ينظر إلى ما يروي التوربشتي عن الطحاوي حيث قال: والذي ذكر عن المرابط، فإنه عمله الذي قدمه في حياته، فينمو له إلى يوم القيامة.
وأقول: لعلها داخلة في الصدقة الجارية؛ لأن القصد في المرابطة نصرة المسلمين، ودفع أعداء الدين، والمجاهدة مع الكفار، ودعوتهم إلى الإسلام لينتفعوا في الدارين. ونية المؤمنين خير من عمله، فلا يبعد أن يدخل تحت جنس الصدقة الجارية، كبناء الرباط، وحفر البئر. وفيه تحريض على الجهاد وحيث عليه، ومما يواخيه في الحث حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:((من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة)) رواه البخاري. ((مح)): فيه دليل صحة أصل الوقف، وعظم ثوابه، وبيان فضيلة العلم، والحث على استكثار منه والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع. وفيه أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مجمع عليهما، وكذلك قضاء الدين.
204 -
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون
ــ
الحديث السابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((من نفس)) يقال: نفست عنه كربة تنفيساً إذا رفعته [وفرجته] عنها، مأخوذ من قولهم: أنت في نفس أي سعة، كأن من كان في كربة وضيق سد عنه مداخل الأنفاس، فإذا فرج عنه فتحت [المداخل]. و ((المعسر)) من كربه الدين، وتعسر عليه قضاؤه. ((مظ)):((ومن ستر)) يجوز أن يراد به الظاهر، وأن يراد ستر من ارتكب ذنباً فلا يفضحه. وإنما عدل صلى الله عليه وسلم من المساجد، إلى هذه الصيغة أعني ((من بيوت الله)) ليشمل جميع ما يبني لله تقرباً إليه من المساجد والمدارس، والربط. و ((يتدارسون)) شامل لجميع ما يناط بالقرآن من التعليم والتعلم، والتفسير، والاستكشاف عن دقائق معانيه. و ((السكينة)) هي ما يحصل به السكون والوقار، وصفاء القلب بنور القرآن، وذهاب الظلمة النفسانية، ونزول ضياء الرحمانية. وعن ابن مسعود:((السكينة مغنم، وتركها مغرم)) و ((غشيتهم)) غطتهم وعلتهم الرحمة، و ((حفت بهم)) أي أحدقتهم، وطافت بهم.
قوله: ((فيمن عنده)) قيل المراد بهم الملأ الأعلى، والطبقة الأولى من الملائكة. وذكره سبحانه فيما بينهم للمباهاة بهم. و ((البطء)) نقيض السرعة. ((نه)): أي من أخره عمله السيئ أو تفريطه في العمل الصالح لم ينفعه في الآخر شرف النسب.
وأقول: قوله: ((كربة)) أي غماً وشدة، نكرها تقليلاً، وميز بها بعد الإبهام وبينها بقوله:((من الدنيا)) للإيذان بتعظيم شأن [التنفيس]، يعني أقله المختص بالدنيا يفيد هذه الفائدة، فكيف بالكثير المختص بالعقبى؟ فلذلك لم يقيد هذه القرينة بما قيده في القرينتين الأخيرتين من ذكر الدنيا والآخرة معاً، ولأنهما تخصيص بعد التعميم اهتماماً بشأنهما. ((والله في عون العبد)) تذييل للسابق، لاسيما على دفع المضرة عن أخيه المسلم، وعلى جلب النفع له، ولذلك أخرجه من سياق الشرطية، وبني الخبر على المبتدأ؛ ليقوى به الحكم. وخص العبد بالذكر تشريفاً له بنسبة العبدية إليه، كما شرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} وكرره وقال: ((في عون العبد)) ولم يقل: والله يعينه في كذا، كما قال:{ولكم في القصاص حياة} أي إن الله يوقع العون في العبد ويجعله مكاناً له، مبالغة في الإعانة.
ولما فرغ من الحث على الشفقة لخلق الله تعالى أتبعه بما ينبئ عن التعظيم لأمر الله، ولأن العلم وسيلة إلى العمل ومقدمة له، ومن ثم [ختمه] بقوله:((ومن بطأ به عمله)).
العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم [204].
205 -
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمته فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت؛ ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن،
ــ
قوله: ((ومن سلك طريقاً)) التنكير فيه للشيوع، أي تسبب بسبب أي سبب كان، من مفارقة الأوطان، والضرب في البلدان، والإنفاق فيه، والتعلم والتعليم، والتصنيف، والكدح فيه، مما لا يحصى كثرة. ((ومن بطأ به عمله)) أيضاً تذييل بمعنى التعظيم لأمر الله، فالواو فيه وفي قوله:((والله في عون العبد)) استئنافية، وبقية الواوات عاطفة، وأخرج مخرج الحصر خصوصاً بما وإلا؛ ليقطع الحكم به، ويكمل العناية بشأنها، والله أعلم.
الحديث الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((إن أول الناس)) ((شف)): ((يقضي)) صفة للناس، وهو نكرة معنى، أي أول ناس يقضي عليه يوم القيامة رجل. انتهى كلامه.
قوله: ((فعرفه)) هذا التعريف للتبكيت، وإلزام المنعم عليه، ولذلك أتبعه بقوله:((فعرفها)) أي اعترف بها، والفاء في ((فعرفه)) للتعقيب، وفي ((فعرفها)) للتسبيب، وفي [فما عملت] جزاء شرط محذوف هو مقول القول، أي إذا كان مقرراً عندك أمن تلك النعمة الموجبة للشكر مني فما فعلت في حق تلك النعمة؟ وهي منح القوة، والشجاعة، وتهيئة آلة المحاربة لإعلاء كلمات الله، يعني كيف أديت شكرها؟ وقوله:((فيك)) أي في جهتك خالصاً لك، أداء لحق تلك النعمة. والتكذيب راجع إلى هذه الدعوى. و ((جريء)) أي مقدام، يقول منه: جرأ الرجل جراء بالمد. قال في الصحاح: وأما الجريء المقدام فهو من باب الهمز. ((وقرأ القرآن)) أي على ظهر قلبه من غير تأمل في معانيه. وفيه تنبيه على أن مجرد قراءته كاف في الاعتبار.
قال المؤلف: ((نعمته)) على صيغة المفرد أولاً، وعلى الجمع في الأخيرين، هكذا جاء في صحيح مسلم، والجمع بين الصحيحين، والحميدي، وجامع الأصول، وفي الرياض للنواوي، وفي بعض نسخ المصابيح. ولعل الفرق لأجل اعتبار الإفراد في الأولى والكثرة في الأخيرين.
فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيه القرآن: قال: كذبت؛ ولكنك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار)). رواه مسلم. [205]
206 -
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً؛ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)). متفق عليه.
207 -
وعن شقيق كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس فقال له
ــ
الحديث التاسع عن عبد الله قوله: ((انتزاعاً)) مفعول مطلق [على] معنى ((يقبض)) نحو ((رجع القهقري، و ((ينتزعه)) صفة مبينة للنوع، و ((حتى)) هي التي تدخل على الجملة، وهي هنا الشرط والجزاء قوله:((اتخذ الناس رءوساً جهالاً)) قال الشيخ محيي الدين: ضبطناه في البخاري ((رءوساً)) بالمد بضم الهمزة وبالتنوين جمع رأس، وضبطوه في مسلم هنا بوجهين: أحدهما هذا، والثاني [((رؤساء)) بالمد جمع رئيس، وكلاهما صحيح، والأول أشهر. وفي التحذير عن اتخاذ الجهال رؤوساً.
الحديث العاشر عن شقيق: قوله: ((يتخولنا)) أي يتعهدنا، التخول التعهد، وحسن الرعاية، يقال: تخولت الريح الأرض إذا تعهدتها، والخائل المتعهد للشيء الحافظ له.
والمعنى أنه كان يتفقد بالموعظة في مظان القبول، ولا يكثر علينا لئلا نسأم، وكان أبو عمرو يقول: إنما [هو] يتخوننا، والتخون التعهد، قال ذو الرمة:
لا ينعش الطرف إلا ما تخونه داع يناديه باسم الماء مبغوم
رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا في كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. متفق عليه.
208 -
وعن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً. رواه البخاري.
209 -
وعن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه
ــ
وقد رد على الأعمش روايته باللام، وكان الأصمعي يقول: ظلمه أبو عمرو، يقال: يتخولنا ويتخوننا جميعاً. قلت: والرواية باللام أكثر، وزعم بعضهم أن الصواب يتحولنا- بالحاء- المهملة- وهو أن يتفقد أحوالهم التي ينشطون فيها للموعظة فيعظهم فيها، ولا يكثر عليهم فيملوا. ومن الناس من يرويه كذلك، ولكن الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة.
الحديث الحادي عشر عن أنس: قوله: ((إذا تكلم)) ((تو)): أراد بالكلمة الجملة المفيدة. وقوله: ((أعادها ثلاثاً)) فإنه مبين بقوله: ((حتى يفهم عنه)). وأما قوله: ((إذا سلم سلم عليهم ثلاثاً)) فإنه يفتقر إلى البيان؛ لأنا لم نجد سنة مشروعة، وقد ذهب بعض العلماء في معناه إلى التسليم الاستئذان، واستدل بحديث سعد بن عبادة:((أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه وهو في بيته، وسلم، [فلم] يجبه، ثم سلم ثانياً، ثم ثالثاً)) الحديث الأول، وفي هذا التأويل نظر؛ لأن تسليمة الاستئذان [تثنى] ذا حصل الإذن بالأولى، ولا تثلث إذا حصل بالثانية؛ ثم أنه ذكره بحرف ((إذا)) المقتضية لتكرار الفعل كرة بعد أخرى، وتسليمه ثلاثاً على باب سعد أمر نادر، ولم يذكر عنه في غير هذا الحديث.
والوجه فيه أن نقول: معناه كان النبي صلى الله عليه وسلم أتى على قوم سلم تسليمه الاستئذان، وإذا دخل سلم تسليمة التحية، ثم إذا قام من المجلس سلم تسليمة الوداع، وهي في معنى الدعاء. وهذه التسليمات كلها مسنونة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب عليها، ولا مزيد في السنة على هذه الأقسام.
الحديث الثاني عشر عن أبي مسعود: قوله: ((إنه أبدع بي)) اسم ((إن)) ضمير الشأن، والجملة المفسرة خبره. ((فا)): أبدعت الراحلة إذا انقطعت عن السير لكلال أو ظلع جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعاً منها، أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد فيها وألف، واتسع فيه حتى قيل: أبدعت حجة فلان، وأبدع بره بشكري، وإذا لم يف شكره ببره. ومعنى ((أبدع بالرجل)) انقطع به راحلته، كقولك: سار زيد بعمرو، فإذا بنيت الفعل للمفعول به وحذفت الفاعل قلت: سير بعمرو، فأقمت الجار والمجرور مقام الفاعل، وأن المعنى في سير بعمرو سير عمرو، كذلك المعنى في انقطع بالرجل قطع الرجل، أي قطع عن السير.
أبدع بي فاحملني. فقال: ((ما عندي)). فقال: رجل: يا رسول الله! أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)). رواه مسلم. [209].
210 -
وعن جرير، قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن، وأقام فصلى ثم خطب فقال: {يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس
ــ
قوله: ((من دل على خير)) وإنما أجاب صلى الله عليه وسلم بقوله: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) بدل ((نعم)) ليشمل جميع هذه الخصلة الحميدة، ويدخل فيه السائل دخولا أولياً وإيراد الحديث في هذا الباب لمناسبة التعليم الفعلي؛ لأن التعليم أعم من أن يكون فعلياً أو قولياً.
الحديث الثالث عشر عن جرير: قوله: ((مجتابي)) هو بالجيم وبعد الألف باء موحدة. و ((النمار)) جمع نمرة، وهي كساء من صوف مخطط. ومعنى مجتابيها لابسوها، وقد خرقوها في رءوسهم، والعطف في ((بل كلهم)) للحصر، وهو من قصر الموصوف على الصفة، أي لا يتجاوز عن مضر إلى غيرهم. وكذا العطف في (بل قد عجزت)، وفائدته التأكيد، ورفع توهم التجوز. ((نه)):(التعمر) التغير، وأصله قلة النضارة وعدم إشراق اللون، من قولهم: مكان أمعر: إذا (كان) أحدب.
قوله: {خلقكم من نفس واحدة} هذا على تأويل أن يكون الخطاب بقوله: {يأيها الناس} للذين بعث إليهم رسول الله من مضر، وأراد بالتلاوة من هذه الآية قوله:{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} ، أي اتقوا الله الذي خلقكم، واتقوا الله الذي تناشدون، واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، وقد أذن عز وجل إذ قرن الأرحام باسمه أن صلتها منه بمكان ومنزلة عظيمة. وقوله:((والآية)) بالنصب عطف من حيث المعنى على قوله: {يأيها الناس اتقوا} على تأويل قال (بقرأ)، أي قرأ هذه الآية والآية التي في الحشر.
وقوله: ((تصدق)) لعل الظاهر ليتصدق رجل، ولام الأمر [للغائب] محذوف، وجوزه ابن الأنباري، ونقل عن بعض أهل اللغة أن ((نبك)) في قوله:((قف نبك)) مجزوم على تأويل [للغائب] قال: التقدير: قفا فلنبك.
واحدة} إلى آخر الآية {إن الله كان عليكم رقيبا} ، والآية التي في الحشر {اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوابه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة)). قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من
ــ
واحتج بقوله تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} أي ذرهم فليأكلوا. وكذلك قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين} أي قل لهم: فليغفروا. ولو حمل ((تصدق)) على الفعل الماشي لم يساعد عليه قوله: ((ولو بشق تمرة))؛ إذ المعنى ليتصدق رجل ولو بشق تمرة. وكذا قوله: ((فجاء رجل من الأنصار بصرة)) إلى آخره يأبى الإخبار؛ لأنه بيان كون المأمورين [امتثلوا] أمره صلى الله عليه وسلم عقيب الحث على التصدق، فجاء كل رجل بما في وسعه. ولمن يجريه على الإخبار وجه، لكن فيه تعسف غير خاف.
و ((رجل)) نكرة وضعت موضع الجمع المعرف، فأفاد الاستغراق في أفراده، وإن لم يكن في سياق النفي، كقوله تعالى:{وول أنما في الأرض من شجرة أقلام} فإن ((شجرة)) وقعت موقع الأشجار، فأفادت الاستغراق، ومن ثم كرر ((من)) في الحديث مراراً ولم يعطف. أي ليتصدق رجل من ديناره ودرهمه، وهلم جرا. و ((من)) في ((من ديناره)) يجوز)) أن تكون تبعيضية منصوبة المحل، و ((ديناره ودرهمه)) جنس، أي: ليتصدق ببعض ما عنده من هذا الجنس، وأن تكون ابتدائية متعلقة بالفعل، فالإضافة في ((ديناره ودرهمه)) بمعنى اللام، أي ليتصدق بما هو مختص به وهو مفتقر إليه، على نحو قوله تعالى:{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} . والكومة من الطعام [الصبرة]، وأصل الكوم ما ارتفع من الشيء. و ((يتهلل)) يستنير ويظهر عليه أمارات السرور.
((والمدهن)) نقرة في الجبل ليستنقع فيها الماء من المطر. والمدهن أيضا ما جعل فيه الدهن، والمدهنة تأنيث المدهن. شبه صفاء وجهه عليه الصلاة والسلام لإشراق السرور بصفاء هذا الماء المجتمع في الحجر، أو بصفاء الدهن. هذا ما شرحه الحميدي في غريبه، وقد جاء في كتاب النسائي وفي بعض نسخ مسلم:((مذهبة) بذال معجمة وفتح الهاء وبعدها باء موحدة، فإن صحت الرواية فهو من الشيء المذهب المموه بالذهب، هكذا في جامع الأصول. ((مح)):((مذهبة))
طعام وثياب. حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)). رواه مسلم. [210].
211 -
وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل)). متفق عليه. وسنذكر حديث معاوية: ((لا يزال من أمتي)) في باب ثواب هذه الأمة إن شاء الله تعالى.
ــ
هو بالذال المعجمة وفتح الهاء وبالباء الموحدة، قال القاضي عياض وغيره: وصحفه بعضهم فقال: مدهن بدال مهملة وفتح الهاء والنون، وكذا ضبطه الحميدي، والصحيح المشهور هو الأول، والمراد به على الوجهين الصفاء والاستنارة.
((تو)): ((من سن سنة)) أي يأتي بطريق مرضية يقتدي به فيها. وفي عامة نسخ المصابيح: ((فله أجرها))، وهو غير سديد رواية ومعنى، وإنما الصواب ((أجره))، والضمير يعود إلى صاحب الطريقة، أي له أجر علمه، وأجر من عمل بسنته، فظن بعض الناس أن الضمير راجع إلى السنة، وقد وهم فيه بعض المتأخرين من رواة الكتابين، وليس ذلك من رواية الشيخين في شيء. قال المؤلف: أما قوله: ((وليس ذلك من رواية الشيخين)) فجوابه أن البخاري ما أورد هذا الحديث في جامعه، وهو من أفرد مسلم، ووجد في نسخ متعددة من نسخ مسلم ((أجرها))، وعلى هذا شرح الإمام محيي الدين النواوي. وقوله:((وهو غير سديد)) وكذا قوله: ((فظن بعض الناس أن الضمير راجع إلى السنة)) فجوابه أن الإضافة يكفي في استقامتها أدنى ملابسة .. فإن السنة الحسنة لما كانت سبباً في ثبت أجر عاملها أضيف الأجر إليها بهذا، كما إذا رأيت بناء رفيعاً قلت: هذا بناء الأمير. أو أن المضاف محذوف، أي فله أجر عملها، فيكن من إضافة المصدر إلى المفعول.
الحديث الرابع عشر عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((على ابن آدم الأول)) إنما قيد ابن آدم بـ ((الأول)) لئلا يشبه؛ لأن في بني آدم كثرة، وهذا يدل على أن قابيل كان أول مولود من بني آدم، و ((الكفل)) النصيب والحظ، يقال للحظ الذي فيه الكفاية: الكفل، كأنه يكفل بأمر صاحبه، وكم من مثل هذه الألفاظ قد استعملت في معان قد اختصت بها، ثم شاعت واتسعت في غيرها، وحقيقة المعنى في قوله:((كفل من دمها)) أي نصيب تكفل بأمره، فهو فيه جزاء ما ارتكبه من الإثم، وعقوبة ما سنه من القتل، ويجوز أن يكون ((الكفل)) بمعنى الكفيل، يعني أنه أقام كفيلاً بفعله الذي سنه في الناس يسلمه إلى عذاب الله- انتهى كلامه.
الفصل الثاني
212 -
عن كثير بين قيس، قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء! إني جئتك من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله
ــ
وسببه أن قابيل قتل أخاه هابيل حين أوحى الله تعالى إلى آدم أن يزوج [كلا] من البطنين توأم الآخر، وكانت توأم قابيل أجمل، فحسد عليها أخاه هابيل، فقتله، وهما أول قاتل ومقتول من بني آدم.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن كثير: قوله: ((ما جئت لحاجة)) أي حاجة أخرى غير أن أسمع منك الحديث، وتحديث أبي الدرداء بما حدثه يحتمل أن يكون مطلوب الرجل بعينه، أو يكون بيان أن سعيه مشكور عند الله، ومطلبه من أسنى المطالب، ولم يذكر هنا ما هو مطلوبه، والأول أغرب وأقرب. وإنما أطلق الطريق والعلم ليشملا ي جنسها أي طريق كان، من مفارقة الأوطان، والضرب في البلدان إلى غير ذلك كما سبق، و ((علماً)) أي علم كان من علوم الدين، قليلاً كان أو كثيراً، رفيعاً أو غير رفيع.
وقيد ((طريقاً)) بقوله: ((من طرق الجنة)) ليشير إلى أنه تعالى يوفقه للأعمال الصالحة، فيوصله بها إلى الجنة، ويسهل عليه ما يزيد به علمه؛ لأنه أيضاً طريق من طرق الجنة، بل هو أقربها وأعظمها؛ لأن صحة الأعمال وقبولها متوقفة على العلم. والضمير المجرور في ((به)) عائد إلى ((من))، والباء للتعدية، أي يوفقه أن يسلك طريق الجنة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى العلم، والباء للسببية، ويكون سلك بمعنى سهل، والعائد إلى ((من)) محذوف، والمعنى سهل الله له بسبب العلم طريقاً من طرق الجنة، فعلى الوجه الأول ((سلك)) من السلوك، فعدي بالباء، وعلى الثاني من السلك، والمفعول محذوف، كقوله تعالى:((يسلكه عذاباً صعداً)) قيل: عذاباً مفعول ثان. وعلى التقديرين نسبة سلك إلى الله تعالى على طريق المشاكلة، ((وإن الملائكة
…
)) جملة معطوفة على الجملة الشرطية، وكذا الجمل الآتية المصدرة بـ ((إن)) على سبيل الترقي.
ووضع الأجنحة يحتمل أن يكون حقيقة وإن لم يشاهد، أي بكف أجنحتها عن الطيران، وتنزل لسماع الذكر، كما ورد:((إلا ونزلت عليهم بالسكينة، وحفت بهم الملائكة)) وأن يكون
به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)). رواه أحمد والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والدارمي، وسماه الترمذي قيس بن كثير [212].
ــ
مجازاً عن التواضع، كقوله تعالى:((واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)) وقيل: معناه المعونة وتيسير السعي له في طلب العلم.
قوله: ((رضي لطالب العلم)) مفعول له، وليس فعلا لفاعل الفعل المعلل، فيقدر مضاف، أي إرادة رضى. قوله:((وإن العالم)) أثبت لهم العلم، وجعلهم معلمين بعد أن كانوا طالبين متعلمين ترقياً، ووصفهم بما هو أعلى مما وصفهم أولاً، حيث جعل الموجودات من الملائكة والثقلين وغيرهم حتى الحيتان في البحر مستغفرين لهم، طالبين لتخليتهم مما لا ينبغي ولا يليق بهم من الأوضار والأدناس، لأن بركة علمهم وعملهم وإرشادهم وفتواهم سبب لرحمة العالمين. وذكر الحيتان بعد ذكر الملائكة والثقلين تتميم لاستيعاب جميع أنواع الحيوانات على طريقة الرحمن الرحيم، كما بيناه في ((فتوح الغيب)). وأما تخصيص الحيتان بالذكر فللدلالة على أن إنزال المطر وحصول الخير والخصب ببركتهم، كما قال:((بهم يمطرون، وبهم يرزقون))، حتى الحيتان التي لا تفتقر إلى الماء افتقار غيرها لكونها في جوف الماء تعيش أيضاً ببركتهم، فلما ذكر ما يحصل به التخلية عن النقائص عقبه بما يشير بالتحلية من إثبات النور.
((قض)): العبادة كمال ونور يلازم ذات العابد لا يتخطاه، فشابه نور الكواكب، والعلم كما يوجب للعالم في نفسه فضلاً وشرفا يتعدى منه إلى غيره، فيستضيء بنوره، ويكمل بواسطته، لكنه كمال ليس للعالم من ذاته، بل نور يتلقاه من النبي [صلوات الله عليه]، فلذلك شبه بالقمر- انتهى كلامه. ولا تظنين أن العالم المفضل عاطل عن العمل، ولابد العابد عن العلم، بل إن علم ذلك غالب على عمله، وعمل هذا غالب على علمه، ولذلك جعل العلماء وراث الأنبياء الين فازوا بالحسنيين العلم والعمل، وحازوا الفضيلتين: الكمال والتكميل، وهذا طريقة العارفين بالله، وسبيل السائرين إلى الله.
213 -
وعن أبي أمامة الباهلي، قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فضل العالم على العابد كفضلي على
ــ
كتب شيخنا شيخ الإسلام قطب الزمان أبو حفص السهروردي إلى الإمام فخر الدين الرازي مكتوباً فيه: إذا صفت مصادر العلم وموارده من الهوى أمدته كلمات الله التي تنفد البحار دون نفادها، ويبقى العلم على كمال قوته، لا يضعفه تردده في تجاويف [متحرية الأفكار] وبسعيه وبقوته يتلقى [الفهوم] المستقيمة.
وهذه رتبة الراسخين في العلم المتوسمين بصورة العمل، وهم وراث الأنبياء عليهم السلام [كرعياهم] على العلم، وعلمهم على العمل، فتناوب العلم والعمل فيهم، حتى صفت أعمالهم ولطفت، فصارت مسامرات [سرية]، ومحاورات روحية، فتشكلت الأعمال بالعلوم لمكان لطافتها، وتشكلت العلوم بالأعمال لقوة فعلها، وسرايتها إلى الاستعدادات. وفي إتباع الهوى إخلاد إلى الأرض، قال الله تعالى:{ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه} .
وقوله: ((ليستغفر)) مجاز من إرادة استقامة حال المستغفر له، من طهارة النفس، ورفعة المنزلة، ورخاء العيش؛ لن الاستغفار من العقلاء حقيقة، ومن الغير مجاز. والفاء في قوله:((فمن أخذ)) مسببية، أي من ورث العلم ورث حظاً وافراً. ويجوز أن يكون الضمير في ((فمن أخذه)) يعني اسم الإشارة كما في قول الشاعر:
فيه سواد وبياض وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
أي كان ذلك، والمشار إليه جميع المذكورات.
((حس)): عن قتادة باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه، وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول. [قال] وعن الثوري قال: وعن الثوري قال: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. وعنه أيضاً: ما أعلم اليوم شيئاً أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية؟ قال: طلبهم له نية. وعن الحسن قال: من طلب العلم يريد ما عند الله كان خيراً له مما طلعت عليه الشمس. وعن ابن وهب قال: كنت عند مالك قاعداً أسأله، فرآني أجمع كتابي لأقوم، قال مالك: أين تريد؟ قال: قلت: أبادر إلى الصلاة، قال: ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب إليه إذا صح فيه النية، أو ما أشبه ذلك. وعن الشافعي قال: طلب العلم أفضل من الصلوة النافلة.
الحديث الثاني عن أبي أمامة: قوله: ((كفضلي)) هذا التفضيل موافق للحديث السابق من حيث المبالغة وما به التفضيل؛ فإن المخاطبين بقوله: ((أدناكم)) هم الصحابة رضوان الله عليهم، وقد شبهوا بالنجوم في قوله عليه الصلاة والسلام:((أصحابي كالنجوم)) الحديث حسنه الإمام
أدناكم)) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير)). رواه الترمذي. [213].
214 -
ورواه الدارمي عن مكحول مرسلاً، ولم يذكر: رجلان. وقال: ((فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم تلا هذه الآية: {إنما يخشى الله من عباده العلماء})) وسرد الحديث إلى آخره [214].
ــ
الصنعاني. وشبه صلى الله عليه وسلم بالقمر ليلة البدر فيما رويناه عن الترمذي عن جابر بن سمرة قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة أضحيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فإذا هو أحسن من القمر)). والمبالغة التي تعطيها ((أدناكم)) تقرب منها في قوله صلى الله عليه وسلم: ((سائر الكواكب))؛ لأن فضل القمر على بقية الكواكب أجمع يستلزم ذلك التفاوت العظيم بين البدر وبين كوكب هو أدنى الكواكب في الضوء كالسها. وهذا التشبيه ينبهك على أن لابد للعالم من العبادة، وللعابد من العلم؛ لأن تشبيههما برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالصحابة يستدعي المشاركة فيما فضلوا به من العلم والعمل، وكيف والعلم مقدمة للعمل، وصحة العمل متوقفة على اللعم؟.
وقوله: ((إن الله وملائكته)) جملة مستأنفة لبيان التفاوت العظيم بين العالم والعابد، وأن نفع العابد مقصور على نفسه، ونفع العلم متجاوز إلى الخلائق حتى النملة. وكذا قوله تعالى:{إنما يخشى الله من عباده العلماء} استشهاد لبيان علة الفضل؛ لأن العالم الحقيقي أعرف بالله وبجلاله وكبرياء شأنه من العابد الذي غلبت عبادته على علمه، فيكون العالم أتقى منه، قال الله تعالى:{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وفي الحديث ((وأرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم به)).
وأما عطف ((أهل السموات)) على ((الملائكة)) فتخصيص للملائكة بحملة العرش، وسكان [أمكنتها] من السموات والأرض من الملائكة المقربين، كما ثبت في النصوص، وفي ((يصلون))
215 -
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الناس لكم تبع، وإن رجلاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً)). رواه الترمذي. [215].
216 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الكلمة الحكمة ضالة
ــ
تغليب للعقلاء على غيرهم واشتراك، فإن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الغير الدعاء وطلب الخير. وذكر النملة وتخصيصها مشعر بأن صلوتها لحصول البركة النازلة من السماء، فإن دأب النملة القنية وادخار القوت في جحرها، ثم التدرج منها إلى الحيتان، وإعادة كلمة الغاية للترقي، كما مر في الحديث السابق. والله أعلم.
الحديث الثالث عن أبي سعيد: قوله: ((إن الناس لكم تبع)) أي تابعون، فوضع المصدر موضعه مبالغة، نحو: رجل عدل. ((لكم)) خطاب للصحابة، يعني الناس يأتونكم من أقطار الأرض وجوانبها، يطلبون العلم منكم بعدي، لأنكم أخذتم أفعالي وأقوالي، واتبعتموني فيهما، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً، وأمروهم بالخير، وعظوهم علوم الدين. والاستيصاء قبول الوصية، وبمعنى التوصية أيضاً، ويعدي بالباء، ويقال: استوصيت زيداً بعمرو خيراً، أي طلبت زيداً أن يفعل بعمرو خيراً. التوربشتي والقاضي: حقيقة ((استوصوا)) اطلبوا الوصية والنصيحة لهم عن أنفسكم.
وأقول: هو من باب التجريد، أي ليجرد كل واحد منكم شخصاً من نفسه، ويطلب منه التوصية في حق الطالبين ومراعاة أحوالهم. ((وإن رجالاً يأتونكم)) عطف على ((إن الناس))، و ((يتفقهون)) جملة استئنافية لبيان علة الإتيان، أو حال من الضمير المرفوع في ((يأتوكم)) وهو أقرب إلى الذوق، يعني حق على جميع الناس في مشارق الأرض ومغاربها متابعتكم، وحق عليهم أن يأتوكم جميعاً، ويأخذوا منكم أمر دينهم، فإذا لم يتمكنوا منه فعليهم أن يستنفروا رجالاً يأتونكم ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. فالتعريف في ((الناس)) لاستغراق الجنس، والتنكير في ((رجالا)) للنوع، أي رجالاً صفت نياتهم، وخلصت عقائدهم، يضربون أكباد الإبل لطلب العلم، وإرشاد الخلق. وفي تصدير الجملة الشرطية بـ ((إذا)) التحقيقية تحقيق للوعد، وإظهار للإخبار عن الغيب، فيكون معجزة.
الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله ((الكلمة الحكمة)) ((التوربشتي والأشراف)): ((الكلمة الحكمة))، ويرى بالإضافة، ويروى ((الكلمة الحكيمة)) كلها قريب، والمراد بالكلمة الجملة المفيدة، والحكمة التي أحكمت مبانيها بالعلم والعقل، ويدل على معنى فيه دقة، والحكيم المتقن للأمور الذي له غور فيها، وقال مالك- رضي الله عنه: الحكمة الفقه في دين الله، وقال العلم الحكمة، ونور يهدي الله به من يشاء، وليس بكثرة المسائل. و ((ضالته)) أي مطلوبه، أي الحكيم يطلب الحكمة، ربما تكلم بها من ليس لها بأهل، ثم وقعت إلى أهلها، فهو أحق بها
الحكيم. فحيث وجدها فهو أحق بها)). رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وإبراهيم بن الفضل الراوي يضعف في الحديث. [216]
ــ
من الذي قالها، كالضالة إذا وجدها صاحبها فإنه أحق بها من غيره، أي كما أن صاحب الضالة لا ينظر إلى خساسة من وجدها عنده، وكذلك الحكيم لا ينظر إلى خساسة من تفوه بالكلمة الحكمة، بل يأخذها منه أخذ صاحب الضالة إياها ممن هي عنده.
والمراد أن الناس متفاوتون في فهم المعاني، واستنباط الحقائق المحتجبة، واستكشاف الأسرار المرموزة، فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك حقائق الآيات ودقائق الأحاديث على من رزق فهما وألهم تحقيقاً، ولا ينازع كما لا ينازع صاحب الضالة في ضالته إذا وجدها. أو كما أن الرجل إذا وجد ضالة في مضيعة فسبيله أن لا يتركها بل يأخذها، ويتفحص عن صاحبها حتى يجده، ويردها عليه، كذلك من سمع كلاماً لم يفهم معناه، أو لا يبلغ كنهه، فعليه أن لا يضيعه، وأن يحمله إلى [من] هو أفقه منه، فلعله يفهم منه ما لا يفهمه، ويستنبط منه مالا يستنبط، أو كما أن صاحب لضالة أخذ ضالته ممن وجدها لا يحل له منع مالكها منها، فإنه أحق بها، كذلك العالم إذا سئل عن معنى ورأى في السائل فطانة واستعداداً لذلك العلم فعليه أن يعلمه إياه، ولا يحل منعه منه.
قيل: وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز أن تمنح غير الحكيم الحكمة؛ فإنها ليست بضالته، كما لا يجوز تسليم الضالة إلى غير صاحبها. وأقول: إذا روى ((الكلمة الحكمة)) جعلت الكلمة نفس الحكمة مبالغة، كقولهم: رجل عدل، وإذا روى ((الحكيمة)) يكون من الإسناد المجازي؛ لأن الحكيم قائلها، لقوله تعالى:{يس والقرآن الحكيم} .
((الجوهري)): الضالة ما ضل من البهيمة: [الذكر] والأنثى، وفي إضافتها إلى الحكيم إشارة إلى أن من سمعها وهو غير عارف بها وجب عله أن يعيها، ويتحرى في تأديتها إلى عارفها؛ لأنه أحق بها وأهلها، وكذلك الحكيم يجب عليه أن يسر بها ويغتنمها، ويراعيها حق رعايتها؛ لأنه أهلها وأحق بها. شبه حالة كلمة الحكمة في أن من سمعها ووعاها، ولزم عليه حفظها [وأداؤها] إلى من يستحقها، ثم انتهاز فرصة الحكيم بها- بحالة بهيمة ضائعة وجدها غير صاحبها، ولزم عليه أن يحتفظ بها، ويوصلها إلى صاحبها، ثم فرح صاحبها بنيل ما ضاع عنه. وفي الحديث دليل على وجوب أداء اللفظ بعينه. أما والله! إن هي إلا كلمة حكيمة ضالة [كل] حكيم.
217 -
وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [217].
218 -
وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب)). رواه ابن ماجه، وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) إلى قوله ((مسلم)). وقال: هذا حديث متنه مشهور، وإسناده ضعيف، وقد روى من أوجه كلها ضعيف.
ــ
الحديث الخامس عن ابن عباس: قوله: ((أشد من ألف عابد)) لأن الشيطان كلما فتح باباً من الأهواء على الناس، وزين الشهوات في قلوبهم، بين الفقيه العارف بمكائد ومكامن غوائله للمريد السالك ما سد ذلك الباب، ويجعله خائباً خاسراً، بخلاف العابد فإنه ربما يشتغل بالعبادة وهو في حبائل الشيطان، ولا يدري، وقد مر في حديث معرفة اللمتين- لمة الملك ولمة الشيطان ما يوضح هذا المعنى.
الحديث السادس عن أنس: قوله: ((طلب العلم فريضة)) ((قض)): المراد من العلم ما لا مندوحة للعبد من تعلمه، لمعرفة الصانع، والعلم بوحدانيته، ونبوة رسوله، وكيفية الصلاة؛ فإن تعلمه فرض عين، وعلى هذا كلام الشارحين.
وأقول: قوله: ((وواضع العلم عند غير أهله)) يشعر بأن كل علم يختص باستعداد وله أهل، فإذا وضعه في غير موضعه فقد ظلم، فمثل معنى الظلم بتقليد أخس الحيوان بأنفس الجواهر تهجيناً لذلك الواضع، وتنفيراً عنه، وفي تعقيب هذا التمثيل قوله:((طلب العلم)) إعلام بأن المراد بالطلب طلب كل من المستعدين بما يليق بحاله ويوافق منزلته، بعد حصول ما هو واجب من الفرائض العامة، وعلى العالم أن يخص كل طالب بما هو مستعد له.
قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي- قدس [الله] سره-: اختلف في العلم الذي هو فريضة، قيل: هو علم الإخلاص، ومعرفة آفات النفوس، وما يفسد الأعمال؛ لأن الإخلاص مأمور به، وخدع النفس وغرورها وشهواتها تخرب مباني الإخلاص المأمور به، فصار علم ذلك فرضاً. وقيل: معرفة الخواطر وتفصيلها فريضة؛ لأن الخواطر هي منشأ الفعل، وبذلك يعلم الفرق بين لمة الملك، ولمة الشيطان، وقيل: هو طلب علم الحلال حيث كان أكل الحلال فريضة. وقيل: هو علم البيع، والشراء، والنكاح، والطلاق، إذا أراد الدخول في شيء من ذلك يجب عليه طلب علمه، وقيل: هو علم الفرائض الخمس التي بني عليها الإسلام.
219 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، ولا فقه في الدين)). رواه الترمذي. [219]
220 -
وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)). رواه الترمذي، والدارمي. [220]
ــ
وقيل: هو طلب علم التوحيد بالنظر والاستدلال، أو النقل. وقيل: هو طلب علم الباطن، وهو وما يزداد به العبد يقيناً، وهو الذي يكتسب بصحبة الصالحين، والزهاد المقربين، فهم وراث علم النبي صلى الله عليه وسلم.
الحديث السابع عن أبي هريرة: قوله: ((حسن سمت)) ((فا)): هو أخذ النهج ولزوم المحجة، وأنشد الأصمعي:
خواضع بالركبان خوضاً عيونها وهن إلى البيت العتيق سوامت
ثم قيل لكل طريقة ينتجها الإنسان في تحري الخير والتزيي بزي الصالحين. ((تو)): حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان، فأفاد العلم، وأورث الخشية والتقوى، فأما ما يتدارس ليتعزز به فإنه بمعزل من الرتبة العظمى؛ لأن الفقه تعلق بلسانه دون قلبه.
أقول: قوله: ((خصلتان لا تجتمعان)) ليس المراد أن واحداً منها قد يحصل في المنافق دون الأخرى، بل هو تحريض للمؤمنين على اتصافهم بهما معاً، والاجتناب عن أضدادهما، فإن المنافق من يكون عارياً منهما، وهو من باب التغليظ، ونحوه قوله تعالى:{وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة} وليس من المشركين من يزكى، لكن حث للمؤمنين على الأداء، وتخويف من المنع حيث جعله من أوصاف المشركين. و ((حسن)) عطف ((ولا فقه)) على ((حسن سمت)) وهو مثبت؛ لأنه في سياق النفي.
الحديث الثامن عن أنس: قوله: ((في سبيل الله)) ((مظ)): وجه مشابهة طلب العلم بالمجاهدة في سبيل الله أنه إحياء الدين، وإذلال الشيطان، وإتعاب النفس، وكسر الهوى واللذة.
أقول: ويؤيده قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية، حض المؤمنين على التفقه في الدين، وأمرهم بأن ينفر من كل منهم طائفة إلى الجهاد، ويبقى طائفة يتفقهون، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، وفي قوله ((حتى يرجع)) إشارة إلى أنه بعد الرجوع وإنذار القوم له درجة أعلى من تلك الدرجة؛ لأنه حينئذ وارث الأنبياء في تكميل الناقصين.
221 -
وعن سخبرة الأزدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من طلب العلم كان كفارة لما مضى)) رواه الترمذي، والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث ضعيف الإسناد، وأبو داود الراوي يضعف.
222 -
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة)) رواه الترمذي [222]
223 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سئل عن علم علمه ثم كتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار)) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي [223].
224 -
ورواه ابن ماجه عن أنس.
225 -
وعن كعب بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من طلب العلم
ــ
الحديث التاسع عن سخيرة: قوله: ((كان كفارة)) الكفارة ما يستر الذنوب ويزيلها، من: كفر إذا ستر.
الحديث العاشر عن أبي سعيد: قوله: ((لن يشبع)) شبه استلذاذه بالمسموع باستلذاذه بالمطعوم؛ لأنه أرغب وأشهى، وأكثر إتعاباً لتحصيله، و ((حتى)) للتدرج في استماع الخبر والترقي في استلذاذه، والعمل به إلى أن يوصله الجنة ويبلغه إليها؛ لأن سماع الخبر سبب العمل، والعمل سبب دخول الجنة ظاهراً. ولما كان قوله:((لن يشبع)) فعلاً مضارعاً يكون فيه دلالة على الاستمرار تعلق حتى به.
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((ثم كتمه)) ((ثم)) فيه استبعادية؛ لأن تعلم العلم إنما كان لنشره، ولدعوة الناس إلى طريق الحق، والكاتم يزاول إبطال هذه الحكمة، وهو بعدي عن الحكيم المتقن.
وقوله: ((بلجام)) من باب التشبيه لبيانه بقوله: ((من النار))، كقوله تعالى:{حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} شبه ما يوضع فيه من النار بلجام في الدابة، وهو
ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه؛ أدخله الله النار)) رواه الترمذي [225].
226 -
ورواه ابن ماجه عن ابن عمر.
227 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تعلم علماً مما يبتغي به
ــ
إنما كان جزاء إمساكه عن قول الحق. وخصم اللجام بالذكر تشبيهاً له بالحيوان الذي سخر ومنع من قصد ما يريده، فإن العالم شأنه أن يدعو الناس إلى الحق، ويرشدهم إلى الطريق المستقيم، قال الله تعالى:{وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه} لاسيما وقد سئل عما يضطره إلى الجواب، فإذا امتنع منه جوزي بما امتنع عن الاعتذار، كما قال الله تعالى:{ولا يؤذن لهم فيعتذرون} . ويدخل في زمرة من {نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} .
((خط)): هذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين فرضه عليه، كمن رأى من يريد الإسلام، ويقول: علمني ما الإسلام، وكمن يرى حديث عهد بالإسلام لا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها يقول: علمني كيف أصلي، وكن جاء مستفتياً في حلال وحرام يقول:
أفتوني وأرشدوني، فإنه يلزم في هذه الأمور أن لا يمنع الجواب، فمن فعل كان آثماً مستحقاً للوعيد، وليس كذلك الأمر في النوافل الأمور التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها. ومنهم من يقول: هو علم الشهادة.
الحديث الثاني عشر عن كعب: قوله: ((ليجاري)) ((التوربشتي والقاضي)): المجاراة المفاخرة، مأخوذة من الجري لأن كل واحد من المتفاخرين يجري مجرى الآخر. و ((المماراة)) المحاجة والمجادلة، من المرية، وهو الشك؛ فإن كل واحد من المحتاجين يشك فيما يقول صاحبه، أو يشكك بما يورد على حجته. أو المري، وهو مسح الحالب الضرع ليستنزل ما به من اللبن؛ فإن كلا من المتناظرين يستخرج ما عند صاحبه. و ((السفهاء)) الجهال، فإن عقولهم ناقصة مرجوحة بالإضافة إلى عقول العلماء.
أوقل: ههنا ألفاظ متقاربة: المجاراة، والمماراة، والمجادلة. فالأول محظور مطلقاً، لأن المجاراة المقاومة وجعل الرجل نفسه مثل غيره، يعني لا يطلب العلم لله، بل ليقول للعلماء: أنا
وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا؛ لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)). يعني ريحها. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه [227].
ــ
عالم مثلكم، ويتكبر ويترفع على الناس، لذلك فهو مذموم كله، والوعيد مترتب عليه، ولا يستثنى منه. وأما المماراة والمجادلة قد يستثنى منهما كما في قوله تعالى:{فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً} أي لا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالاً ظاهراً غير متعمق فيه، ولا تجهلهم ولا تعنف بهم في الرد عليهم، كما قال الله تعالى:{وجادلهم بالتي هي أحسن} أي بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة، من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف، والسفهاء خفاف الأحلام، فلا تجادلهم، ولا تقل لهم: أنا أعلم وأنتم السفهاء، فتثور الخصومة والشحناء.
ويفهم منه أن بعضاً من المراء محمود، وهو أن يمتري الأستاذ التلميذ، فينظر ما مقدار فهمه أو تحصيله، من المراء، وهو مسح الحالب الضر. ولعل منه سؤال جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حضور الصحابة ليريهم الله أنه صلى الله عليه وسلم ملئ من العلوم، وعلمه مأخوذ من الوحي، فيزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنى بقوله:((ليعلمكم أمر دينكم)) كما سبق. ((مظ)): ((أو يصرف به)) أي يطلب العلم على نية تحصيل المال والجاه، وصرف وجوه العوام إليه، وجعلهم إياه معقب القدم.
الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة: قوله: ((عرضاً من الدنيا)) العرض متاح الدنيا وحطامها، ويقال: إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، ونكره ليتناول جميع أنواع الأعراض، ويندرج فيه قليله وكثيره.
قوله: ((لم يجد عرف الجنة)) ((تو)): قد حمل هذا المعنى على المبالغة في تحريم الجنة على المختص بهذا الوعيد، كقولك: ما شممت قتار قدره، للمبالغة في التبري عن تناول الطعام، أي ما شممت رائحتها، فكيف بالتناول عنها؟ وليس كذلك، فإن المتوعد به إذا كان من أهل الإيمان لابد أن يدخل الجنة، عرفنا ذلك بالنصوص الصحيحة، وذلك أنه مقيد بيوم القيامة، والناس أحوالهم فيه مختلفة، فإن الآمنين من الفزع الأكبر- خصوصاً العلماء الزاهدون- إذا
228 -
وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من
ــ
وردوه يمدون برائحة الجنة تقوية لقلوبهم، وتسلية لهمومهم، على مقدار مراتبهم، وهذا البائس المبتغي للأغراض الفانية يكون كصاحب أمراض حادثة في دماغه، مانعة من إدراك الروائح، لا يجد رائحة الجنة، ولا يهتدي إليها لأمر أمراض قلبه.
أقول: قوله ((لا يتعلمه)) حال إما من فاعل ((تعلم))، ومن مفعوله؛ لأنه تخصيص بالوصف، ويجوز أن يكون صفة أخرى لـ ((علماً)). وفيه أن من تعلم لرضى الله مع إصابة العرض الدنيوي لا يدخل تحت هذا الوعيد؛ لأن ابتغاء وجه الله تعالى يأبى إلا أن يكون متبوعاً غالباً، فيكون العرض تابعاً، قال الله تعالى:((من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة)). فيه تقريع وتوبيخ للمريد؛ لأن من تعلم العلم أو جاهد لينال عرضاً من أعراض الدنيا يجب أن يوبخ، ويقال في حقه: ما هذه الدناءة؟ أرضيت بالخسيس الفاني وتركت الرفيع الباقي؟ ما لك لا تريد به وجه الله وطلب مرضاته ليمنحك ما تريده، ويتبعه هذا الخسيس أيضاً؟ راغماً أنفه، كما ورد:((من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وتأتيه الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله ضيعته عليه)). ووصف العلم بـ ((ابتغاء وجه الله)) يجوز أن يكون للتفضلة والتمييز، فإن بعضاً من العلوم مما يستعاذ منه، كما ورد:((أعوذ بالله من علم لا ينفع)). ويجوز أن يكون للمدح، كما ورد:((العلوم ثلاثة)) والوعيد من باب التغليظ والتهديد. سمعت بعض العلماء الزاهدين يقول: من طلب الدنيا بالعلوم الدنيوية كان أهون عليه من أن يطلبها بغيرها من العلوم، فهو كمن جر جيفة بآلة من آلات الملاهي، وذاك كمن جرها بأوراق تلك العلوم. ومثله ما روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن بعضهم:((لأن تطلب الدنيا بالدف والمزمار خير من أن تطلبها بدينك)) والله أعلم بالصواب.
الحديث الرابع عشر عن ابن مسعود: قوله: ((نضر الله)) ((تو)): النضرة الحسن والرونق، يتعدى ولا يتعدى، وروي بالتخفيف والتشديد، والمعنى خصه تعالى بالبهجة والسرور لما رزق بعلمه ومعرفته، من القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا ونعمة في الآخرة، حتى يرى عليه رونق الرخاء ورفيف النعمة. وإنما خص حافظ سنته ومبلغها بهذا الدعاء؛ لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة، فجازاه في دعائه له بما يناسب حاله في المعاملة.
قوله: ((ووعاها)) ((خط)): وعى يعي وعياً إذا حفظ كلاماً بقلبه، ودام على حفظه ولم ينسه. قوله:((ورب حامل فقه)) ((رب)) وضعت للتقليل، فاستعيرت في الحديث للتكثير. وقوله: ((إلى
هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة
ــ
من هو أفقه منه)) صفة لمدخول ((رب)) استغنى بها عن جوابها، أي رب حامل فقه أداه إلى من هو أفقه منه لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه.
((تو)): ((لا يغل)) يروى بفتح الياء وضمها، وكسر العين على الصيغتين، فالأول من الغل الحقد، والثاني من الإغلال الخيانة، والمعنى المؤمن لا يغل، ولا يخون في هذه الأشياء الثلاثة، أو لا يدخله ضغن يزيله عن الحق حين يفعل شيئاً من ذلك. ((فا)): المعنى أن هذه الخلال تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والفساد. و ((عليهن)) في موضع الحال، أي لا يغل قلب المؤمن كائناً عليهن، وإنما انتصب عن النكرة لتقدمه.
((تو)): وجه التناسب بين قوله: ((نضر الله عبداً)) وبين قوله: ((ثلاث لا يغل)) هو أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما حث من سمع مقالته على أدائها علمهم أن قلب المسلم لا يغل على هذه الأشياء، خشية أن يضنوا بها على ذوي الإحن والحقد لما يقع بينهم من التحاسد والتباغض، وبين أن أداء مقالته إلى من يسمعها من باب إخلاص العمل لله تعالى والنصيحة للمسلمين، فلا يحل له أن يتهاون به، لأنه يخل بالخلال الثلاث.
((قض)): قوله: ((ثلاث)) استئناف تأكيد لما قبله، فإنه صلى الله عليه وسلم لما حضر على تعليم السنن ونشرها قفاه برد ما عسى أن يعرض مانعاً- وهو الغل- من ثلاثة أوجه: أحدها أن تعلم الشرائع ونقلها ينبغي أن يكون خالصاً لوجه الله، مبرأ عن شوائب المطامع والأغراض الدنيوية، وما كان كذلك لا يتأثر عن الحقد والحسد. وثانيها أن أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم، وهي من وظائف الأنبياء، فمن تعرض لذلك وقام به كان خليفة لمن يبلغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم لا يحسن من حامل الأخبار وناقل السنن أن يمنحها صديقه ويمنع عدوه. وثالثها أن التناقل ونشر الأحاديث إنما يكون غالباً بين الجماعات، فحث على لزومها، ومنع عن التأبي عنها لحقد وضغينة يكون بينه وبين حاضريها ببيان ما فيها من الفائدة العظمى، وهي إحاطة دعائهم من ورائهم، فيحرسهم عن مكائد الشيطان وتسويله.
وأقول: يمكن أن يقال- والله أعلم-: إن قوله: ((ثلاث)) استئناف، وهي المقالة التي استوصى في حقها أن يبلغ، والكلام السابق كالتوطئة والتمهيد لها اعتناء بشأنها، والعض عليها بالنواجذ، كأن قائلاً لما سمع تلك التوصية البليغة اتجه له أن يقول: ما تلك المقالة التي استوجبت ذلك الدعاء المرغب في أداء ما سمع؟ أجيب هن ثلاث. وإنما استوجبت هذه التوصية البليغة؛ لأنها جمعت بين التعظيم لأمر الله تعالى، فإن إخلاص العمل هي مقدمة مطلوبة في
للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)). رواه الشافعي والبيهقي في المدخل [228].
ــ
كل أعمال صالحة- وبين الشفقة على خلق الله من النصيحة لهم إن كان فوقهم، ومن التبرك بدعائهم والانخراط في سلكهم وأداء حقوقهم إن كان دونهم. ولعل رواية ((يغل)) - بالضم- من الإغلال، يقال: غل شيئاً من المغنم غلولا، وأغل إغلالا، إذا أخذه في خفية- أرجح؛ لأن الخيانة في إخلاص العمل هي رؤية الغير، قال الله تعالى:{ول يشرك بعبادة ربه أحدا} وفي حق المسلمين ترك نصيحتهم وإرادة الخير لهم. فإن النصيحة حق لهم عليه، فإن تركها خانهم. وفي حق نفسه أن يحرمها من تركه دعاء المؤمنين، وإخراجه من زمرتهم، فيكون كالغنم القاضية عن القطيع متعرضاً لمكائد الشيطان وتسويله.
قوله: ((فإن دعوتهم)) ((نه)): الدعوة المرة الواحدة من الدعاء، أي تحوطهم وتثبتهم وتحفظهم، يريد بهم أهل السنة والجماعة. وكلام صاحب النهاية يرشد إلى أن الصواب فتح ((من)) موصولاً مفعولاً لـ ((تحيط)). وقد يجوز أن يكون تقدير الكلام: فعليه أن يلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم.
قال محيي السنة: اختلف أهل العلم في نقل الحديث بالمعنى، فرخص فيه جماعة، قال واثلة ابن السقع: إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم. وإليه ذهب الحسن، والشعبي، والنخعي. قال أيوب عن ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، واللفظ مختلف، والمعنى واحد. قال مجاهد: انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه. قال سفيان الثوري: إن قلت: إني حدثتكم كما سمعت فلا تصدقوني، فإنما هو المعنى. وقال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعاً فقد هلك الناس. وذهب قوم إلى إتباع اللفظ، منهم ابن عمر، وهو قول القاسم بن محمد، وابن سيرين، ورجاء بن حيوة، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، ووهيب، وبه قال أحمد، ويحيى.
قال محيي الدين النواوي: قال مسلم في حديث أبي معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفي حديث وكيع يرفعه. وهذا الذي فعله مسلم من احتياطه، ودقيق نظره، وغزير علمه، وثقوب فهمه، فإن أبا معاوية ووكيعاً اختلفت روايتهما، فقال أحدهما: قال أبو هريرة: قال رسول الله،
ــ
وقال الآخر: عن أبي هريرة يرفعه. وهذا بمعنى ذلك عند أهل العلم، ولكن أراد مسلم أن لا يروى بالمعنى؛ فإن الرواية بالمعنى حرام عند جماعات من العلماء، وجائزة عند الأكثرين، إلا أن الأولى اجتنابها.
أقول- والله أعلم-: في قول محيي السنة: رخص بعضهم، وفي قول محيي الدين: الأولى، إيذاناً بأن العزيمة هو الاحتياط، وأداء اللفظ بعينه، وعليه دل ظاهر الحديث من وجوه أحدها: نفس الدعاء، فإنه ينبئ عن عدم التغيير، لأنه لو وضع موضع ((نضر الله)) رحم الله، أو غفر الله له، وما شاكلهما، لفاتت المنسبة، فإن من حفظ ما سمعه ووعاه وأداه كما سمع من غير تغيير كأنه جعل المعنى غضاً طرياً، ومن بدل وغير فقد جعله مبتذلاً ذاوياً.
وثانيها: اختصاص العبد بالذكر دون امرئ مسلم، بمعنى الاستكانة والمضي لأمر الله تعالى ورسوله بلا امتناع، وعدم استنكاف من أداء ما سمع إلى من هو أعلم منه، فإن حقيقة العبودية مشعرة بذلك، ومن ثم ورد قوله:((بين العبد والكفر ترك الصلاة)) ولم يقل: بين الإيمان والكفر ترك الصلاة، وهو الظاهر.
وثالثها: المقالة خصت من بين الكلام، والحديث، والخبر، لأن حقيقة القول هو المركب من الحروف المبرزة، مفرداً كان أو مركباً، ليدل على وجوب أداء اللفظ المسموع، وينصره الحديث الآتي:((فيبلغه كما سمعه)).
ورابعها: أن إرداف ((ووعاها)) ((حفظها)) مشعر بمزيد التقرير؛ لأن الوعي إدامة الحفظ وعدم النسيان. وأوثر ((أدائها)) على ((رواها)) و ((بلغها)) ونحوهما دلالة على أن تلك المقالة مستودعة عنده، واجب أداؤها إلى من أهو أحق بها وأهلها، غير مغير ولا متصرف فيها.
وخامسها: تخصيص ذكر الفقه دون العلم؛ ليؤذن بأن الحامل غير عار عن العلم؛ إذ الفقه علم بدقائق العلوم المستنبطة من الأقيسة، ولو قيل: غير عالم، لزم جهله.
وسادسها: تكرير ((رب))، وإناطة كل بمعنى يخصها، فإن السامع أحد رجلين: إما أن لا يكون فقيهاً فيجب عليه أن لا يتغير؛ لأنه غير عارف بالألفاظ المترادفة، فيخطئ فيه، أو يكون عارفاً بها، لكنه غير بليغ، فربما يضع أحد المترادفين موضع الآخر، ولا يقف على رعاية المناسبات بين لفظ ولفظ، فإن المناسبة لها خواص ومعان لا يقف عليها إلا ذو دراية بأقانين النظم؛ لأنه يستنبط من ذلك اللفظ المغير أحكامه وأسراراً لا يستنبطها غيره.
فإن شئت فتأمل ما رويناه عن البخاري أن البراء بن عازب دعا بقوله: ((اللهم إني أسلمت نفسي إليك)) فلما انتهى إلى قوله: ((بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت)) قال: ((ورسولك الذي أرسلت)) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا، ونبيك الذي أرسلت)) أي لا تقل: ورسولك، بل قل: ونبيك ((نه)) قيل: إن النبي فعيل بمعنى فاعل للمبالغة من: النبأ الخبر،
229 -
ورواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، عن زيد ابن ثابت. إلا أن الترمذي، وأبا داود لم يذكرا:((ثلاث لا يغل عليهن)) إلى آخره.
ــ
لأنه أنبأ عن الله، وقيل: إنه مشتق من النباوة، وهو الشيء المرتفع، وإنما رد عليه ليختلف اللفظان، ويجمع له التباين من معنى النبوة والرسالة، ويكون تعديداً للنعمة في الحالتين، وتعظيماً للمنة على الوجهين.
وقال أبو الحسن الهروي في دلائل النبوة: وهذا القسم من الفصاحة موجود في القرآن والخطب، وكلام البلغاء، فإن من سمع كلام غيره عرف صاحبه، وفرق بين من طبعه وبين غيره، كما هو مشهور بين جرير والفرزدق، ومنه قوله تعالى:((والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى)) فتفكر في ألفاظها وحسن مواقعها، هل تجد لفظة لو أبدل مكانها غيرها ناب منابها؟ إذ لو قيل: والكوكب إذا سقط، أو غرب، أو أفل، وقيل: ما زاغ نبيكم عن الهوى، أو ما أخطأ رسولكم، أو قيل: ما حاد رسولكم عن الرشد، وما أشبه ذلك هل يغني غناء ما عليه النظم المعجز؟ وهل تجد له طراوة وطلاوة؟ كلا! وعليه فقس جميع الآيات والكلام النبوي. ونعم ما قال من قال: لكل مقام مقال، ولكل لفظة مع صاحبتها مجال.
هذا واتفقت الفصحاء من علماء البيان أن للألفاظ أيضاً خواص كما للأدوية، أودعها الله تعالى فيها بلطفه وحكمته، فإذا تحرى الطبيب الحاذق تركيباً حدد وعين أوزان الأدوية وأعددها، كالترياق الأكبر، فإذا نقص أو زيد على القدر المحدود أو غير وبدل دواء بغيره لم تحصل تلك الفائدة المقصودة من ذلك التركيب.
وسمعت مشايخنا يقولون: في الأسماء التسعة والتسعين وتخصيص عددها فوائد، لا ينبغي أن يزاد عليها ولا ينقص، ومن ثم أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم التسعة والتسعين بقوله:((مائة إلا واحدة)). مثالها كوالد أوصى ولده: إني دفنت لك دفينة في موضع كذا، فإذا خطوت كذا خطوات فزت بها، فالولد إن نقص من تلك الخطوات شيئاً أو زاد عليها شيئاً لم يفز بها.
وأن الأطناب والإيجاز، والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير، والحصر وعدمه، لاسيما توسيط العاطف بين الجمل وعراها عنه، وطريق المجازات، والكنايات، والتشبيهات، والتحسين الراجع إلى اللفظ والمعنى باب ذو ذيول، وكلام ذو أطراف، قلما يقف عليه إلا المهرة من علماء البيان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد، وأوتي جوامع الكلم، وكلامه مصبوب في هذه الأساليب، ومسبوك في هذه الأقاليب، فلابد من مراعاتها. ((والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل)).
230 -
وعن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نضر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع)) رواه الترمذي وابن ماجه [230].
231 -
ورواه الدارمي عن أبي الدرداء.
232 -
وعن ابن عباس، رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) رواه الترمذي [232]
ــ
الحديث الخامس عشر عن ابن مسعود: قوله: ((كما سمعه)) إما حال من فاعل ((بلغه))، أو من مفعول، أو مفعول مطلق، و ((ما)) موصولة، أو مصدرية. فإن قلت: ألفاظ هذا الحديث مخالفة لألفاظ الحديث السابق، فما تقول فيه؟ قد سبق أن لكل مقام مقالا، وهذا الحديث عام بخلاف ذلك؛ لما قلنا: إن المراد من ((مقالتي)) تلك الخلال الثلاث، فالمراد بقوله:((شيئاً)) عموم الأقوال والأفعال الصادرة من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- رضوان الله عليهم- يدل عليه صيغة ((منا)) بلفظ الجمع، ولهذا وقع ((امرأ)) موقع ((عبداً)) وهو أعم من لفظ العبد، على ما أولناه. وكذا وضع مبلغ أي مبلغ إليه موضع ((فقيه)) وهو أعلم، والسامع أعم من ((حال فقه))، ولهذا وصف المبلغ إليه هنا بالواعي، ونسبة في ذلك الحديث إلى السامع. فيحتمل أن يراد به إيصال السند بنقل الثقة الضابط؛ فإن الواعي قد يطلق على الضابط المتقن، قال الله تعالى:{وتعيها أذن واعية} . فتدبر، ليتحقق لك ما قدرناه في الحديث السابق.
الحديث السادس عشر عن ابن عباس: قوله: ((الحديث عني)) يجوز أن يراد بالحديث الاسم، والمضاف محذوف، أي احذروا رواية الحديث عني. وأن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، و ((عني)) متعلق به. والاستثناء منقطع، المعنى احذروا مما لا تعلمونه من التحديث عني، لكن لا تحذروا مما تعلمونه. و ((متعمداً)) حال من المستتر في ((كذب)) الراجع إلى ((من))، وفيه تشديد في رواية الحديث من غير علم الرواية وسند الحديث إلى الثقات، حيث رتب عليه ((من كذب علي متعمداً)) ونحوه:((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) والله أعلم.
233 -
ورواه ابن ماجه عن ابن مسعود وجابر، ولم يذكر:((اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم)).
234 -
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)). وفي رواية: ((ومن قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)) رواه الترمذي [234].
235 -
وعن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)). رواه الترمذي، وأبو داود [235].
ــ
الحديث السابع عشر عن ابن عباس: قوله: ((من قال في القرآن برأيه)) سيجيء بيانه في الحديث الآتي.
الحديث الثامن عشر عن جندب: قوله: ((فأصاب)) ((تو)): المراد بالرأي قول لا يكون مؤسساً على علوم الكتاب والسنة، بل يكون قولا يقوله برأيه على حسب ما يقتضيه عقله. وعلم التفسير علم يؤخذ من أفواه الرجال كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ومن أقوال الأئمة وتأويلاتهم، ثم ينظر فيه بالمقاييس العربية كالحقيقة والمجاز، والمجمل والمفصل، والعام والخاص؛ ثم يتكلم فيه على حسب ما تقتضيه أصول الدين، فيؤول القسم الذي يفتقر فيه إلى التأويل على وجه يشهد بصحته ظاهر التنزيل؛ فمن لم يستجمع هذه الشرائط، وخاض في بيان كتاب الله بالظن والتخمين، فالحري أن يكون قوله مهجوراً، وسعيه مثبوراً، وحسبه من الزاجر مخطئ عند الإصابة، فيباعد ما بين المجتهد والمتكلف! فإن المجتهد مأجور على الخطأ، والمتكلف مأخوذ بالصواب.
وقال صاحب جامع الأصول: يحمل النهي على وجهين: أحدهما أن يكون له رأي وميل من طبعه وهواه، فيؤول على وفق رأيه، ولو لم يكن له ذلك الهوى لا يلوح له ذلك. وثانيهما أن يسارع إلى التفسير بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الإضمار، والتقديم والتأخير، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر. فالمبتدع إذا جاء بمحمل في المتشابه على وفق بدعته فأصاب رأيه- لأن محامل المتشابه كثيرة- فإنه مخطئ في التأويل، حيث لم يرده إلى المحكم، أو إلى ما كان عليه السلف
236 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المراء في القرآن كفر)) رواه أحمد، وأبو داود [236].
237 -
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارؤون في القرآن، فقال:((إنما هلك من كان قبلكم بهذا: ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه)) رواه أحمد، وابن ماجه [237].
ــ
الصالح. وأن الجاهل إذا قال في قوله تعالى: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} الناقة لم تكن عمياء فأصاب الظاهر، وأخطأ المراد بها وآتينا ثمود الناقة آية مبصرة، أي دلالة ظاهرة، ومعجزة باهرة. وقال أيضاً: وما يستعمله الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسيناً للكلام وترغيباً للمستمع نحو قولهم في قوله تعالى: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} ويشيرون إلى القلب: إنه طاغ على كل أحد، فهو ممنوع، وإن كان القصد صحيحاً.
وقال حجة الإسلام: إن الطامات وهي صرف ألفاظ الشرع من ظواهرها إلى أمور لم تسبق منها إلى الإفهام- كدأب الباطنية- من قبيل البدعة المنهي عنها؛ فإن الصرف عن مقتضى ظاهرها من غير اعتصام فيه بالنقل عن الشارع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل عقلي حرام.
الحديث التاسع عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((المراء)) ((قض)): المراد بـ ((المراء)) فيه التدارؤ، وهو أن يروم تكذيب القرآن ليدفع بعضه ببعض، فيطرق إليه قدحاً وطعناً. ومن حق الناظر في القرآن أن يجتهد في التوفيق بين الآيات، والجمع بين المختلفات، ما أمكنه؛ فإن القرآن يصدق بعضه بعضاً، فإن أشكل عليه من ذلك ولم يتيسر له التوفيق فليعتقد أنه من سوء فهمه، وليكل إلى عالمه، وهو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى:{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} .
((حس)): قيل: هو المراء في قراءته، وهو أن ينكر بعض القراءات المروية وقد أنزل الله القرآن على سبعة أحرف، فتوعدهم بالكفر لينتهوا عن المراء فيها، والتكذيب بها، إذ كلها قرآن منزل يجب الإيمان به.
الحديث العشرون عن عمرو بن شعيب: قوله: ((يتدارءون)) التدارء دفع كل من المتخاصمين قول صاحبه بما يقع له من القول، قال الله تعالى: ويدرءون بالحسنة السيئة}. وأشار بهذا
238 -
وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن، ولكل حد مطلق)). رواه في شرح السنة [238].
ــ
إلى التدافع الذي كان بينهم. ((ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)) بيان لاسم الإشارة، والمضاف محذوف، أي بمثل هذا.
((مظ)): مثال ذلك أن أهل السنة يقولون: إن الخير والشر من الله بدليل قوله تعالى: {قل كل من عند الله} . ويقول القدري: ليس كذلك، بدليل قوله تعالى:{ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} فقد دفع وتأول القدري آية من القرآن بمثلها، وهذا الاختلاف منهي عنه، بل الطريق في الآيات التي بينها تناقض في الظاهر أن يؤخذ ما عليه إجماع المسلمين منها، وتؤول الآية الأخرى على وجه يتفقان فيه، كما نقول: فقد انعقد الإجماع على أن الخير والشر بتقدير الله، وهذا موافق لقوله تعالى:{قل كل من عند الله} لكنه مخالف في الظاهر للآية الأخرى، وفي الحقيقة موافق لها، فإن المفسرين قالوا: إن قوله تعالى: {وما أصابك من حسنة} متصل بما قبلها، والمعنى فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، يعني المنافقون لا يعلمون ما هو الصواب؛ لأنهم يقولون: ما أصابك من حسنة إلى آخرها. وقيل: الآية مستأنفة، أي ما أصابك يا محمد أو إنسان من حسنة، أي من فتح، وغنيمة، وراحة وغيرها، فمن فضل الله، وما أصابك من سيئة أي من هزيمة، وتلف مال، وجوع، ومرض، وجزاء ما عملت من الذنوب
وقوله: ((اضربوا كتاب الله بعضه ببعض)) معناه دفع أهل التوراة الإنجيل، وأهل الإنجيل التوراة. وكذلك دفع أهل التوراة ما لا يوافق مرادهم من التوراة، وكذلك أهل الإنجيل. ((تو)):((ضربوا)) أي خلطوا بعضه ببعض، فلم يميزوا بين المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، من قولهم: ضربت اللبن بعضه ببعض، أي خلطته. ويحتمل أن يكون بمعنى الصرف، فإن الراكب إن أراد صرف وجه الدابة عن جهتها ضربها بعصاه، أي صرفوا كتاب الله بعضه ببعض عن المراد منه إلى ما مال إليه أهواءهم.
أقول: والوجه ما قاله المظهر، لما سبق أن قوله:((ضربوا بعضه ببعض)) بيان لاسم الإشارة، والمشار إليه ((التدارؤ)) اللهم إلا أن يحمل الضرب والخلط على ما يلزم منه الدفع والتدارؤ.
الحديث الحادي والعشرون عن ابن مسعود: قوله: ((على سبعة أحرف)) ((تو)): حرف الشيء
ــ
طرفه، وحروف التهجي سميت بذلك؛ لأنها أطراف الكلمة، والمراد بالأحرف في الحديث أطراف اللغة العربية، فكأنه قال: على سبع لغات من لغات العرب: كقريش، وثقيف، وطيء، وهوازن، وأهل اليمن. والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى كافة الخلائق بهذا الكتاب المبارك، وعامة العرب كانت قبائلهم شتى ولغاتهم مختلفة، وكانوا أمة أمية، فلو كلفوا بالقراءة على حرف واحد لشق عليهم؛ لأنه لو كلف أهل قبيلة أن يقرأ بلغة قبيلة أخرى لم يستطع، وتعذر عليه، ومن نظائره القسم المشترك نحو: الإمالة، والوقف، وتخفيف الهمزة، والتقاء الساكنين، والزيادة والإبدال، والإدغام، فالقريشي إذا كلف الهمز، واليمني إذا كلف تركه، والأسدى إذا كلف الفتح في حروف المضارع عسر عليهم، قال الله تعالى:{وما جعل عليكم في الدين من حرج} . وكان من فضل الله ورحمته على هذه الأمة المرحومة إلهام نبيها أن يسأل التخفيف في ذلك، حتى رخص لهم فيه إذا كان المعنى واحداً.
ومن الدليل على صحة ما ذكرناه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تقرأ أنت وأمتك على حرف واحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسأل الله عز وجل معافاته، ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك. ثم رجع إليه الثانية فقال:((إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفين))، وساق الحديث إلى قوله:((أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، كلما قرءوا بها أصابوا)).
وأقول: ينبغي على هذا أن ينزل قوله: ((لكل آية منها)) إلى آخره، على معنى الاختلاف في القراءات كما فعل المظهر، حيث قال: حرف حد، ولكل حرف مطلع، يعني حد كل حرف معلوم في التلاوة، لا يجوز مخالفتها، مثل عدم جواز إبدال الضاد بحرف آخر، وكذلك سائر الحروف لا يجوز إبدالها بآخر إلا ما جاء في القراءة، ولا ينزل على غيره هذه المعاني؛ لئلا يختل نظم الحديث. فيلزم من هذا التأويل أن يكون لكل حال من أحوال الكلمة- كالإمالة، وإبدال الحرف، والإدغام مثلاً- ظهر وبطن، وحد ومطلع، فيفوت ما يقصد من معنى الحديث كما سنبينه.
((قض)): قيل: أراد بـ ((سبعة أحرف)) أجناس الاختلاف التي تؤول إليها الاختلاف القراءة، وأن اختلافها إما أن يكون في المفردات أو المركبات، والثاني كالتقديم والتأخير، مثل:{وجاءت سكرة الموت بالحق} ، وجاءت سكرة الحق بالموت. والأول إما أن يكون بوجود الكلمة وعدمها، مثل:{فإن الله هو الغني الحميد} ، وقرئ بالضمير وعدمه. أو بتبديل الكلمة بغيرها مع اتفاق المعنى، مثل:{كالعهن المنفوش} والصوف المنفوش. واختلافه.
ــ
مثل: {وطلح منضود} وطلع منضود أو بتغييرها، إما بتغيير هيآته كإعراب مثل:((هن أطهر لكم)) بالرفع والنصب، أو صورة مثل:{وانظر إلى العظام كيف ننشزها} وننشرها، أو حرف مثل: باعد، وبعد بين أسفارنا.
وقيل: أراد أن في القرآن ما هو مقروء على سبعة أوجه، كقوله تعالى:{فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} فإنه قرئ بالضم، والفتح، والكسر، منوناً، وغير منون وبالسكون.
وقيل: معناه أنه أنزل مشتملاً على سبعة معان: الأمر، والنهي، والقصص، والأمثال، والوعد، والوعيد، والموعظة.
وأقول: المعاني السبعة هي العقائد، والأحكام، والأخلاق، والقصص، والأمثال، والوعد، والوعيد.
واعلم أن الحديث أيضاً له ظهر وبطن، وحد ومطلع، فلابد من بيان ما يتعلق بظاهره من اللغة، والإعراب، والكشف عما يتعلق بباطنه مما يختص به من التأويل، وبيان المقام والمطلع. أما اللغة فإن ((سبعة)) موضوعة للعدد المخصوص، وحرفه طرفه، يقال: حرف السيف، وحرف السفينة، وحرف الجبل، وحرف الهجاء طرف الكلمة المرتبط بعضها ببعض، والحد الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وحد الدار ما يتميز به. والمطلع المصعد ومكان الاطلاع من موضع عال، وأما الإعراب فإن ((علي)) فيه ليس بصلة ((أنزل)) كما في قوله تعالى:{أنزل على عبده الكتاب} ، بل هو حال، وقوله:((لكل آية منها ظهر)) جملة اسمية صفة لـ ((سبعة))، والراجع في ((منها)) للموصوف، وكذا قوله:((لكل حد مطلع)) صفة له، والعائد محذوف، ويشهد له رواية معالم التنزيل:((ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع)).
وأما المقام فإن الحديث وارد في باب العلم وبيان سبعة وجوه القرآن ودقته وغربته. وأما التأويل فإنه صلى الله عليه وسلم وصف سعة علم القرآن بلفظة السبعة المعنى به الكثرة لا العدد المخصوص، كما وصفه تعالى بها في قوله تعالى:{ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله} والأحرف هنا كالكلمات في الآية، فيجب أن تحمل الأحرف على أجناس الاختلاف التي لا تدخل تحت الحصر، ثم قسم صلى الله عليه وسلم كل حرف تارة بالظهر والبطن، وأخرى بالحد والمطلع، فالظهر ما يبينه النقل، والبطن ما يستكشفه التأويل.
239 -
وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العلم ثلاثة: آية
ــ
قال الكواشي: لو قيل: ما معنى {لا ريب فيه} ؟ فتقول: لا شك، فهذا تفسير. فإن قيل: قد نفيت الريب وقد ارتابوا؟ فإن أجبت أنه في نفس صدق، وإذا تؤمل وجد كذلك، فانتفى عنه الريب، فهذا تأويل تلخيصه: التفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية. والحد هو المقام الذي يقتضي اعتبار كل من الظهر والبطن فيه، فلا محيد عنه. والمطلع المكان الذي يشرف منه على توفية خواص كل مقام حقه، وليس للحد والمطلع انتهاء؛ لأن غايتهما طريق العارفين بالله، وما يكون سراً بين الله تعالى وبين المصطفين من أنبيائه وأوليائه. فمطلع الظاهر تعلم العربية، والتمرن فيها، وتتبع ما يتوقف عليه معرفة الظاهر والنقل، ومطلع الباطن بتصفية النفس بالرياضة.
ويؤيد هذا التأويل قول محي السنة في معالم التنزيل: قيل: الظهر لفظ القرآن، والبطن تأويله، والمطلع الفهم، وقد يفتح الله على المتدبر والمتفكر من التأويل والمعاني ما لا يفتحه على غيره، {وفوق كل ذي علم عليم} . والتفهم يكون بصدق النية، وتعظيم الحرمة، وطيب الطعمة. وفي شرح السنة: قال أبو الدرداء: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً كثيرة. والله أعلم.
الحديث الثاني والعشرون عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((العلم ثلاثة)) ((غب)): العلم إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما إدراك ذات الشيء، والثاني الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه، فالأول هو المتعدى إلى مفعول واحد، نحو قوله تعالى:{لا تعلمهم نحن نعلمهم} ، والثاني إلى مفعولين، نحو قوله تعالى:{فإن علمتموهن مؤمنات} - انتهى كلامه. والتعريف في ((العلم)) للعهد، وهو ما علم من الشارع أنه ما هو، وهو العلم النافع في الدين، فإذن العلم مطلق يجب أن يقيد بما يفهم منه المقصود، فيقال: علم الشريعة معرفة بثلاثة أشياء، والتقسيم حاصر، وبيانه أن قوله:((آية محكمة)) يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقف عليه معرفته؛ لأن المحكمة هي التي أحكمت عبارتها، بأن حفظت من الاحتمالات والاشتباه، وكانت أم الكتاب أي أصله، فتحمل المتشابهات عليها، أو ترد إليها، ولا يتم ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير والتأويل، الحاوي لمقدمات يفتقر إليها من الأصولين وأقسام العربية.
محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. وما كان سوى ذلك فهو فضل)) رواه أبو داود، وابن ماجه [239].
240 -
وعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال)) أبو داود [240].
ــ
وقوله: ((سنة قائمة)) معنى قيام السنة ثباتها ودوامها بالمحافظة عليها، من: قامت السوق إذا نفقت، لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق، الذي تتوجه إليه الرغبات، ويتنافس فيه المخلصون، وإذا عطلت وأضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه. ودوامها إما أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال، والجرح، والتعديل، ومعرفة الأقسام من الصحيح، والحسن، والضعيف، المتشعب منه أنواع كثيرة، وما يتصل بها من المتممات، وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان والتيقظ، وبتفهم معانيها واستنباط العلوم الجمة منها؛ لأن جلها بل كلها من جوامع الكلم التي أوتي وخص بها هذا النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل، لاسيما هذه الكلمة الفاذة الجامعة مع قصر متنها وقرب طرقها علوم الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.
وقوله: ((أو فريضة عادلة)) إذا فسر بما أسلفناه في قوله: ((طلب العلم فريضة)) على ما تكلم فيه العلماء من الفرائض المتكاثرة- كانت شاملة لجميع أنواعها، وإذا ذهب إلى أن ((العادلة)) هي المستقيمة المستنبطة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، رجع المعنى إليه، وسميت عادلة لأنها معادلة أي مساوية لما أخذ منها. ونقف من هذا على أن المراد بقوله:((وما سوى ذلك فهو فضل)) أن الفضل واحد الفضول الذي لا مدخل له في أصل علوم الدين، وما يستعاذ منه حيناً بقوله:((أعوذ بالله من علم لا ينفع)). قال صاحب المغرب: الفضل الزيادة وقد غلب جمعه على ما لا خير فيه، حتى قيل: فضول بلا فضل، وطول بلا طول. ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه: فضولي. وأما الطب فليس بفضول؛ لما ثبت بنصوص السنة الافتقار إليه، والله أعلم.
الحديث الثالث والعشرون عن عوف: قوله: ((لا يقص)) القص التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ. ((مظ)):((المختال)) هو المتكبر، من: اختال إذا تكبر، والخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه. ((تو)): قيل: هذا في الخطبة؛ لأن الأمر فيها إلى الأمراء، وإلى
241 -
ورواه الدارمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفي روايته:((أو مراء)) بدل ((أو مختال)) [241].
242 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه)) رواه أبو داود [242].
243 -
وعن معاوية، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات. رواه أبو داود [243].
ــ
من يتولاها من قبلهم. قلت: وكل من وعظ وقص داخل في غمارهم، وأمر موكول إلى الولاة، فالثالث مختال؛ لأنه نصب نفسه تكبراً وطلباً للرياسة.
وأقول: قوله: ((لا يقص)) ليس بنهي، بل هو نفي وإخبار، أي هذا الفعل ليس بصادر إلا عن هؤلاء الثلاثة، وقد علم أن الاقتصاص مندوب إليه، فيجب تخصيصه بالأمير والمأمور، دون المختال؛ لأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، وذلك أنه دل ذمة عليه الصلاة والسلام الثالث على استحماده الأولين، هذا كما إذا رأيت أمراً خطيراً قلت: لا يخوض في هذا العمل إلا أحد رجلين: حكيم عارف بكيفية الورود فيها والصدور عنها، أو غمر جاهل لا يدري كيف يدخل فيها ويخرج منها، فيهلك. وهذا المعنى أنسب إلى الباب، ولو حمل الحديث على النهي الصريح لزم أن يكون المختال مأموراً. والله أعلم.
الحديث الرابع والعشرون عن أبي هريرة: قوله: ((من أفتى)) ((شف)): يجوز أن يكون ((أفتى)) الثاني بمعنى استفتى، أي كان إثمه على من استفتاه؛ فإنه جعله في معرض الإفتاء بغير علم. ويجوز أن يكون الأول مجهولا، أي فإثم إفتائه على من أفتاه، أي الإثم على المفتي دون المستفتي، وإذا عى ((أشار)) بعلى كان بمعنى المشورة، أي استشاره، وسأله كيف أفعل هذا الأمر.
الحديث الخامس والعشرون عن معاوية: قوله: ((نهى)) ((فا)): ((الأغلوطة)) أفعولة من الغلط، كالأحدوثة، والأحموقة. ((نه)): أراد المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا فيهيج بذلك شر
244 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض)). رواه الترمذي [244].
245 -
وعن أبي الدرداء، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى
ــ
وفتنة، وإنما نهى عنها لأنها غير نافعة في الدين، لا يكاد يكون إلا فيما يقع إيذاء. ومثله قول ابن مسعود:((أنذرتكم صعاب النطق)) يريد به المسائل الدقيقة الغامضة.
الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((تعلموا)) ((تو)): ذهب بعض الناس إلى أن المراد من ((الفرائض)) ههنا علم المواريث، ولا دليل معه، والظاهر أن المراد منها الفرائض التي فرضها الله تعالى على عبادة. وقيل: ويمكن أنه أراد صلى الله عليه وسلم بالفرائض السنن الصادرة منه صلى الله عليه وسلم. المشتملة على الأوامر والنواهي الدالة عليها، كأنه قال: تعلموا الكتاب والسنة، ينقطعان بقبضه صلى الله عليه وسلم، إذ أحدهما أوحى إليه، وثانيهما إعلام منه صلى الله عليه وسلم للأمة به، ومثل هذا في المعنى قوله:((هذا أوان أن يختلس العلم من الناس)) أي علم الوحي، وكأنه لما شخص بصره إلى السماء كوشف باقتراب أجله، فأعلم الأمة أنه مقبوض.
وأقول: في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض فرائض مثل ما في القرآن، كما سبق في حديث المقدام بن معد يكرب:((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)) وفي حديث العرباض: ((ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر))، وأنه صلى الله عليه وسلم مبين ما في القرآن، فيؤخذ التفسير والتأويل مما بينه وعلمه، وما لم يبينه يحمل على ما بينه، قال الله تعالى:{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس من نزل إليهم ولعلهم يتفكرن} عطف ((ولعلهم يتفكرون)) على مقدر، أي لتبين للناس بعض ما نزل إليهم فيعلموا، ولعلهم يتفكرون فيما لم يتبين ويردونه إلى ما علموه. ((حس)): التأويل المقبول ما يستنبط المعنى مما قبل وما بعد موافقاً للكتاب والسنة، لفظ هذا معناه. والله أعلم.
الحديث السابع والعشرون عن أبي الدرداء: قوله: ((يختلس)) أي يختلس فيه، صفة ((أوان))، و ((حتى)) غايته، أي يسلب العم منكم حتى لا تقدروا أن تستنزلوا بسؤالكم شيئاً من العلوم
السماء ثم قال: ((هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء)) رواه الترمذي [245].
246 -
وعن أبي هريرة رواية: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون
ــ
السماوية، والاختلاس استعارة للإمساك من نزول العلم، ونظيره قوله تعالى:{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} الكشاف: أي أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحرام والحلال، والتوقيف على الشرائع، وقوانين القياس، وأصول الاجتهاد. والله أعلم.
الحديث الثامن والعشرون عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((رواية)) نصب على التمييز، وهو كناية عن رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا لكان موقوفا. قوله ((يوشك)) أي يقرب، و ((أن يضرب الناس)) في موضع الرفع اسم لـ ((يوشك))، والمسند والمسند إليه أغنيا عن الخبر، و ((يضرب أكباد الإبل)) كناية عن السير السريع؛ لأن من أراد ذلك يركب الإبل؛ ويضرب على أكبادها بالرجل. ((تو)): كأنه عبارة عن سرعة السير، وإدمان الإدراج، وقطع الشقة الشاسعة، حتى تستضر المطي بذلك، فتقطع أكبادها، وتمسها الأدواء بذلك من شدة العطش، فتصير كأنما ضربت أكبادها. وفي إيراد هذا القول تنبيه على أن طلبة العلم أشد الناس حرصاً، وأعزهم مطلباً؛ لأن الجد في طلب الشيء إنما يكون على قدر شدة الحرص، وعزة المطلب.
قوله: ((عالم المدينة)) ((تو)): ذكر الشيخ أبو محمد في كتابه عن ابن عيينه أنه قال: هو مالك. وعن عبد الرزاق أنه قال: هو العمري الزاهد، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم. ((مظ)): أراد بالعمري عمر بن عبد العزيز والصحيح ما رواه الترمذي وذكر في المتن؛ لأن عمر بن عبد العزيز من أهل الشام. وقال صاحب الجامع: عبد العزيز بن عبد الله أحد فقهاء المدينة وأعلامهم، سمع ابن شهاب الزهري ومحمد بن المنكدر،
العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة)) رواه الترمذي في جامعه. قال ابن عيينة: إنه مالك بن أنس، ومثله عن عبد الرزاق، قال إسحاق بن موسى: وسمعت ابن عيينة أنه قال: هو العمري الزاهد واسمه عبد العزيز بن عبد الله [246].
247 -
وعنه، فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:((إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)). رواه أبو داود [247].
ــ
وعبد الله بن دينار، وأبا حازم، وحميد الطويل، وهشام بن عروة.
الحديث التاسع والعشرون عن أبي هريرة: قوله: ((فيما أعلم)) أي في جملة ما أعلم، يجوز بضم الميم حكاية عن قول أبي هريرة رضي الله عنه، وفتحها ماضياً من الإعلام حكاية عن فعله رضي الله عنه.
وقوله: ((من يجدد)) جامع الأصول: قد تكلم العلماء على تأويله، وكل واحد أشار إلى القائم الذي هو من مذهبه، وحمل الحديث عليه، والأولى الحمل على العموم؛ فإن لفظة ((من)) تقع على الواحد والجمع، ولا تخص أيضاً بالفقهاء؛ فإن انتفاع الأمة بهم وإن كان كثيراً [فإن انتفاعهم بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ والزهاد أيضاً كثير]- إذ حفظ الدين وقوانين السياسة وبث العدل وظيفة أولي الأمر، وكذا القراءة وأصحاب الحديث ينفعون بضبط التنزيل والأحاديث التي هي أصول الشرع وأدلته، والزهاد ينفعون بالمواعظ، والحث على لزوم التقوى، والزهد في الدنيا- لكن المبعوث ينبغي أن يكون مشاراً إليه مشهوراً في كل فن من هذه الفنون.
ففي رأس المائة الأولى من أولي الأمر عمر بن عبد العزيز، ومن الفقهاء محمد بن على الباقر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وغيرهم من طبقاتهم. ومن القراء عبد الله بن كثير، ومن المحدثين ابن شهاب الزهري وغيره من التابعين وتابعي التابعين.
وفي رأس المائة الثانية من أولي الأمر المأمون، ومن الفقهاء الشافعي- وأحمد بن حنبل لم يكن مشهوراً حينئذ- واللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة، وأشهب من أصحاب مالك ومن الإمامية علي بن موسى الرضا ومن القراء يعقوب الحضرمي ومن المحدثين يحيى بن معين، ومن الزهاد معروف الكرخي.
248 -
وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)). رواه البيهقي [248].
وسنذكر حديث جابر: ((فإنما شفاء العي السؤال)) في باب التيمم إن شاء الله تعالى.
ــ
وفي الثالثة من أولي الأمر المقتدر بالله ومن الفقهاء أبو العباس بن شريح الشافعي وأبو جعفر الطحاوي الحنفي وابن خلال الحنبلي وأبو جعفر الرازي الإمامي ومن المتكلمين أبو الحسن الأشعري ومن القراء أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد ومن المحدثين أبو عبد الرحمن النسائي.
وفي الرابعة من أولى الأمر القادر بالله، ومن الفقهاء أبو حامد الإسفراييني الشافعي، وأبو بكر الخوارزمي الحنفي، وأبو محمد عبد الوهاب المالكي، وأبو عبد الله الحسين الحنبلي، والمرتضى الموسوي أخو الرضى الشاعر، ومن المتكلمين القاضي أبو بكر الباقلاني، وابن فورك، ومن المحدثين الحاكم بن التبع، ومن القراء أبو الحسن الحمامي، ومن الزهاد أبو بكر الدينوري.
وفي الخامسة من أولي الأمر المستظهر بالله، ومن الفقهاء الإمام أبو حامد الغزالي الشافعي، والقاضي محمد بن المروزي الحنفي، وأبو الحسن الزاغوي الحنبلي، ومن المحدثين رزين العبدري، ومن القراء أبو الفراء القلانسي. هؤلاء كانوا مشهورين في الأمة المذكورة، وإنما المراد بالذكر ذكر من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه، والله أعلم.
الحديث الثلاثون عن إبراهيم: قوله: ((يحمل هذا العلم من كل خلف))، ((من)) يحتمل أن تكون تبعيضية مرفوعاً فاعل ((يحمل)) و ((عدوله)) بدل منه، وأن تكون بيانيه على طريقة: لقيني منك الأسد. جرد من الخلف الصالح الدول الثقات، وهم هم، كقوله تعالى:{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} . وعلى التقديرين فيه تفخيم لأمرهم، وتعظيم لشأنهم. وقوله:((ينفون)) إما حال من الفاعل، أو استئناف، وهو الأوجه، كأنه قيل: لم خص هؤلاء بهذه المنقب العلية؟ فأجيب لأنهم يحمون مشارع الشريعة، ومتون الرواية من تحريف الذين يغلون في الدين؛ والأسانيد من القلب والانتحال، وتولى الكاذبين؛ والمتشابه من تأويل الزائغين المبتدعين بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها.
ووزان هذا الحديث وزان قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم
الفصل الثالث
249 -
عن الحسن مرسلا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين النبيين درجة واحدة في الجنة)). رواه الدارمي [249].
ــ
آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} على أن يكون ((وآخرين)) عطفاً على ((هم)) في ((يعلمهم))، فإن قوله:((هذا العلم)) إشارة إلى الكتاب والحكمة، وقوله:((من الخلف عدوله)) بمنزلة {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} .
وفيه تعريض باليهود، وتحريفهم وتبديلهم التوراة وتأويلها بالباطل، وإحماد عظيم لهذه الأمة المرحومة، وبيان لجلالة قدر المحدثين، وعلو مرتبتهم. ولعمري! إن الرواية من أقوى أركان الدين، وأوثق عرى اليقين، لا يرغب في نشره إلا كل صادق تقي، ولا يزهد في نصره إلا كل منافق شقي. قال ابن القطان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث. وقال محمد ابن أسلم الطوسي: قرب الأسانيد قرب إلى الله تعالى، وقال الحاكم: لولا كثرة مواظبة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد. لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث، وقلب الأسانيد.
قوله: ((وانتحال)) ((نه)): كان بشر بن أثير يقول الشعر، ويهجو به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وينحله بعض العرب- أي ينسبه إليهم، من النحلة، وهي النسبة بالباطل. ((غب)): الانتحال ادعاء الشيء وتناوله، ومنه: فلان ينتحل الشعر. وأقول: لعل الأول الأنسب بمعنى الحديث. والله أعلم.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن الحسن: قوله: ((وهو يطلب العلم)) الجملة الاسمية وقعت حالا من مفعول ((جاء)) والمعنى من أدركه الموت في حال استمراره في طلب العلم ونشره ودعوة الناس إلى الطريق المستقيم، فبينه وبين النبيين درجة، ونحوه في التقدير بالحال {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، أي داوموا على حالة الإسلام، وواظبوا عليها، بحيث إذا أردككم الموت تكونوا مسلمين. وقد سبق أن وراث الأنبياء هم العلماء الزاهدون في الدنيا المتنزهون عن شوائب الهوى، الداعون الخلق إلى الله تعالى، فهم الذين يحيون الإسلام. وأكد درجة بـ ((واحدة)) لأنها
250 -
وعنه، مرسلاً، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين كانا في بني إسرائيل: أحدهما كان عالماً يصلي المكتوبة، ثم يجلس فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل؛ أيهما أفضل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم)). رواه الدارمي [250].
251 -
وعن علي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم الرجل الفقيه في الدين؛ إن احتيج إليه نفع، وإن استغني عنه أغنى نفسه)) رواه رزين [251].
ــ
تدل على الجنسية وعلى العدد، والذي سيق له الكلام هو العدد للدلالة على قرب منزلتهم من النبيين، فلو لم يقيد أوهم التنكير فيها التفخيم والتعظيم، فأزيل الوهم بالتوكيد. والله أعلم.
الحديث الثاني عن الحسن: قوله: ((فضل هذا العالم)) أطنب في الجواب كل الإطناب وكان يكفي في جواب أيهما أفضل؟ أن يقال: الأول، أو العالم، لتعظيم شأنه، وتقريره في ذهن السامع، وإعجابه منه. ولفظة ((هذا)) في الحديث كما في قول الشاعر:
هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه من نسل شيبان بين الضال والسلم
وهذا الحديث يقرر ما ذهبنا إليه في شرح فضل العالم على العابد مطلقين أنهما مقيدان بالعبادة والعلم؛ لأن المطلق محمول على المقيد إذا كان في أمر واحد وفاقاً. فإن قلت: بم عرفت أن العابد كان أيضاً متحلياً بالعلم لكنه دونه؟ قلت: لو لم يكن عالماً لم يتوجه السؤال؛ لأن كل واحد يعلم أن العالم العامل أفضل من الجاهل، فالمراد العالم الذي يشتغل بخويصة نفسه دون غيره. ويدل عليه تقييد الأول بقوله:((ثم يجلس فيعلم)).
الحديث الثالث عن علي رضي الله عنه: قوله: ((الفقيه)) وهو المخصوص بالمدح. و ((في الدين))
252 -
وعن عكرمة، أن ابن عباس قال: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تمل الناس هذا القرآن؛ ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم؛ ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك. رواه البخاري.
ــ
متعلق به، أي الذي فقه في الدين. ومثله ما جاء في التنزيل:{وإني خفت الموالي من ورائي} الجار والمجرور متعلق بصلة اللام على وجه، فعلى هذا يجوز أن تكون الجملة الشرطية حالاً من الضمير في ((الفقيه))، والظاهر أن تكون جملة مستأنفة، بياناً لاستحقاقه التمدح. ويجوز أن يكون صفة ((الفقيه)) إذا جعل التعريف للجنس، نحو قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
وقوبل ((نفع)) بـ ((أغنى)) لتعم الفائدة، أي نفع الناس وأغناهم بما يحتاجون إليه، ونفع نفسه وأغناها بما يحتاج إليه، من قيام الليل، وتلاوة كتاب الله، وغيرهما من العبادات. والله أعلم.
الحديث الرابع عن عكرمة: قوله: ((فإن أبيت)) أي فإن أبيت التحديث مرة فمرتين، وإن أردت الإكثار فثلاث مرات. و ((هذا القرآن)) إشارة إلى تعظيمه فرتب وصف التعظيم على الحكم للإشعار بالعلية، أي لا تحقر هذا العظيم الشأن. ((ولا ألفينك)) من باب لا أرينك، أي لا تكن بحيث ألفينك وأجدك في هذه الحالة، وهي أن تأتي القوم وحالهم كيت وكيت، و ((تأتي)) حال من الضمير المنصوب في ((ألفينك))، ((وهم في حديث)) حال من المرفوع في ((تأتي))، و ((فتقص)) و ((فتقطع)) معطوفان على ((تأتي))، و ((فتملهم)) منصوب جواب للنهي.
قوله: ((وانظر السجع من الدعاء)) فإن قلت: كيف حذر عن السجع في الدعاء وأكثر الأدعية المأثورة مسجعة؟ قلت: التعريف في السجع للعهد، وهو السجع المذموم الذي كان الكهان والمتشدقون يتعاطونه ويتكلفونه في محارواتهم، لا الذي يقع في فصيح الكلام بلا كلفة منهم؛ فإن كل الفواصل التنزيلية واردة على ذلك، ويعضده إنكاره صلى الله عليه وسلم بقوله:((أسجع كسجع الكهان؟)) على من قال: أأدى لمن لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك يطل. المعنى تأمل في السجع الذي ينافي إظهار الاستكانة والتضرع والتخشع في الدعاء فاجتنبه؛ فإنه أقرب إلى الإجابة. و ((عهدت)) أي عرفت من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم كانوا يجتنبون مثل ذلك السجع. ونحوه في حديث أم زرع:((لا يسأل عما عهد)) أي عما كان يعرفه هو في البيت من طعام وشراب ونحوهما.
253 -
وعن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من طلب العلم فأدركه، كان له كفلان من الأجر، فإن لم يدركه، كان له كفل من الأجر)). رواه الدارمي [253].
254 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته)) رواه ابن ماجه والبيهقي في ((شعب الإيمان)) [254].
ــ
الحديث الخامس عن واثلة: قوله: ((فأدركه)) وهو أبلغ من لو قيل: حصله؛ لأن الإدراك بلوغ أقصى الشيء، قال الله تعالى:{بل إدراك علمهم في الآخرة} [غب]: قيل معناه بل يدرك علمهم في الآخرة أي إذا حصلوا في الآخرة] لأن ما يكون ظناً في الدنيا فهو في الآخرة يقين. و ((الكفل)) الحظ الذي فيه الكفالة أي الضمان، كأنه تكفل بأمره، قال الله تعالى:{يؤتكم كفلين من رحمته} .
الحديث السادس عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((مما يلحق)) وهو خبر ((إن)) أي كائن مما يلحقه، ولا يجوز أن يكون تبعيضياً لما ينافي الحصر الذي في قوله صلى الله عليه وسلم:((ينقطع عمله إلا من ثلاث)) كما مر، والجمل المصدرة بـ ((أو)) من قسم الصدقة الجارية، و ((أو)) فيها للتنويع والتفصيل. وأما قوله:((أو صدقة أخرجها من ماله)) فداخل في الصدقة الجارية، ولإرادة هذا المعنى أتبعه بقوله:((تلحقه من بعد موته)). وفي عطف ((حياته)) على ((صحته)) إشارة إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم في جواب من قال: أي الصدقة أعظم أجراً؟: ((أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا)) أي صدقة أخرجها في زمان كمال حيويته ووفور افتقاره إلى ماله، وتمكنه من الانتفاع به.
255 -
وعن عائشة، أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل أوحى إلي: أنه من سلك مسلكاً في طلب العلم، سهلت له طريق الجنة؛ ومن سلبت كريمتيه؛ أثبته عليهما الجنة. وفضل في علم خير من فضل في عبادة. وملاك الدين الورع)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [255].
256 -
وعن ابن عباس، قال: تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها. رواه الدارمي [256].
ــ
الحديث السابع عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((يقول)) حال من المفعول، وكان الأصل سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخر القول وجعل حالا؛ ليفيد الإبهام والتبيين، وهو أوقع في النفس من الأصل. و ((كريمتيه)) أي عينيه أي الكريمتين عليه، وكل شيء يكرم عليك فهو كريمك وكريمتك. و ((الجنة)) منصوب بنزع الخافض، ويناسب أن يقال التنكير في الفصل الأول للتقليل، وفي الثاني للتكثير، والملاك- بكسر الميم- ما به إحكام الشيء وتقويته وإكماله، والورع في الأصل الكف عن المحارم، والتحرج منه، ثم استعير للكف عن المباح والحلال، وكان من حق الظاهر أن يقال: وملاك العلم والعمل، فوضع الدين موضعهما تنبيهاً على أنهما توأمان لا تستقيم مفارقتهما، وأنهما لا يكملان بدون الورع.
الحديث الثامن عن ابن عباس: قوله: ((إحيائها)) شبه الليل بالميت الذي لا غناء فيه، وأثبت له الإحياء على الاستعارة التخييلية، ثم كنى عنه بصلاة التهجد؛ لأن في قيام الليل كل نفع للقائم فيه، ومن نام فقد فقد نفعاً عظيماً، قال الله تعالى:{تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون} إلى قوله: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} نكر ((نفس)) وأوقعها في سياق النفي، ونفى عنها دراية ما ادخر للمجتهد من السرور، يعني نوع عظيم من الثواب ادخره الله لأولئك، وأخفاه من جميع الخلائق، فلا تعلم النفوس كلهن، ولا نفس واحدة
257 -
وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده فقال:((كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه؛ أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم. وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه أو العلم ويعلمون الجاهل، فهم أفضل، وإنما بعثت معلماً)). ثم جلس فيهم. رواه الدارمي [257].
258 -
وعن أبي الدرداء، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حد العلم الذي إذا بلغه الرجل كان فقيهاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً في أمر دينها، بعثه الله فقيهاً، وكنت له يوم القيامة شافعاً وشهيداً)). [258]
ــ
منهن، ولا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فإذا كان ثواب التهجد هذا، فما ظنك بثواب التدارس الذي الساعة منها أفضل من إحيائها؟.
الحديث التاسع عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((أما هؤلاء)) تقسيم للمجلسين باعتبار القوم أو الجماعة بعد التفريق بينهما باعتبار النظر إلى المجلسين في إفراد الضمير، ((ويرغبون إليه)) أي يرغبون فيما عند الله من الثواب متوسلين إليه، والمفعول الثاني المحذوف في ((أعطاهم)) يرجع إلى ما عند الله المقدر، أي إن شاء أعطاهم ما عنده من الثواب. وفي تقييد القسم الأول بالمشيئة وإطلاق القسم الثاني إشارة إلى بون بعيد بينهما. وفي قوله:((إنما بعثت معلماً)) إشعار بأنهم منه، وهو منهم، ومن ثم جلس فيهم.
الحديث العاشر عن أبي الدرداء: قوله: ((ما حد العلم)) ((غب)): حد الشيء الوصف المحيط بمعناه، المميز عن غيره. قال محيي الدين: معنى الحفظ هنا أن ينقل الأحاديث الأربعين إلى المسلمين، وإن لم يحفظها ولا عرف معناها، هذا حقيقة معناه، وبه يحصل انتفاع المسلمين لا بحفظها ما لم ينقلها إليهم. واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقة، وقد صنف العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات، فأول من علمته صنف فيه عبد الله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن بن سفيان النسوي، وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصفهاني، وأبو بكر الآجري، والدارقطني، والحاكم، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعيد الماليني، وأبو عثمان الصابوني، ومحمد بن عبد اله بن محمد
259 -
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل تدرون من أجود جوداً؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((الله تعالى أجود جوداً)) ثم أنا أجود بني آدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علماً فنشره، يأتي يوم القيامة أميراً وحده، أو قال: أمة واحدة)).
ــ
بن عبد الله الأنصاري، وأبو بكر البيهقي، وخلائق من المتقدمين والمتأخرين. وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
وأقول: ضمن ((حفظ)) معنى رقب، وعداه بعلى، يقال: احفظ على عنان فرسي ولا تغفل عني، عن المبرد. وفي أساس البلاغة: وهو حفيظ عليه رقيب. وفي المغرب: الحفظ خلاف النسيان، وقد يجعل عبارة عن الصون وترك الابتذال، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المرفوع العائد إلى ((من)) في ((من حفظ))، يعني من جمع أحاديث متفرقة مراقباً إياها بحيث تبقى مستمرة على أمتي، بعثه الله فقيهاً، مثل قوله تعالى:{ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله} أي أقم لنا أميراً ننتهض معه للقتال. فالمعنى من فعل ذلك أقامه الله فقيهاً يعلم الناس الخير.
فإن قلت: كيف طابق ((من حفظ)) جواباً عن سؤال السائل ((ما حد العلم))؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يؤخذ لازم معنى الجواب وزبدته، وهي معرفة أربعين حديثاً بأسانيدها، مع رعاية صحيحها وحسنها، على أن يعلمها الناس ويحث على العمل بما هو المقصود فيها، كأنه قيل: حد العلم الذي يصير به الرجل فقيهاً هذا. وثانيهما أن الجواب من الأسلوب الحكيم أي لا تسأل عن حد الفقيه فإنه لا جدوى فيه، بل كن فقيهاً، فإن الفقيه من أقامه الله تعالى لنشر العلم، وتعليم الناس ما ينفعهم، في أمر دنياهم وعقابهم من العلم والعمل. والله أعلم.
الحديث الحادي عشر عن أنس: قوله: ((من أجود جوداً؟)) ((غب)): الجود بذلك المقتنيات مالا كان أو علماً، يقال: رجل جواد، وفرس جواد، أي يجود بمدخر عدوه، ويقال: في المطر الكثير جود، وفي الفرس جودة، وفي المال جود. وجاد الشيء جودة فهو جيد، ووصف الباري تعالى بالجود لما نبه عليه قوله تعالى:((أعطي كل شيء خلقه ثم هدي)).
260 -
وعنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها)). ورى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب
ــ
وأقول: ((من)) الاستفهامية مبتدأ، و ((أجود)) خبره، و ((جودا)) تمييز مزال عن الأصل فيه وجهان: أحدهما أن أجود أفعل من الجودة، أي أحسن جوداً وأبلغه. وثانيهما من جود الكرم، أي من الذي جوده أجود؟ فيكون إسناداً مجازياً، كما في قولك: جد جده. أو استعارة مكنية شبه جوده بإنسان يصدر منه الجود، ثم خيل أنه إنسان جواد بعينه، ثم نسب إليه ما يلازمه من الجود مبالغة لكماله في صاحبه، وعليه قوله تعالى:{يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} الضمير في ((أشد)) للخشية، لا للناس؛ لأن أفعل إذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله، كقولك: زيد أفره عبداً، فالفراهة للعبد لا للزيد، والضمير في ((أجود)) راجع إلى ((بني آدم)) على تأويل الإنسان، أو للجود.
وقوله: ((أميراً وحده)) أي وحده كالجماعة فيها أمير مأمور، نحو قوله في الرواية الأخرى: قال الله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتاً} أي كان وحده بمنزلة الجماعة مجتمعة على أمر عظيم، يقتدون عظيماً، لحيازته الكمال والأخلاق الحميدة، وأنشد:
وليس من الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
قال ابن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتاً لله، فقيل له: ذاك إبراهيم؟ فقال؟ الأمة الذي يعلم الخير. وروى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {معاذ أمة قانت لله، ليس بينه وبين الله تعالى يوم القيامة إلا المرسلون} . انظر إلى هذه الكريمة كيف جعلت العالم الثاني المرسلين في هذا الحديث، ورابع أربعة فيما نحن بصدده: الله عز وجل، وحبيبه، وخليله صلوات الله عليهما و ((بعدي)) يحتمل البعد في المرتبة، وفي الزمان، والأول أظهر. ونشر العلم يعم التدريس، والتصنيف، وترغيب الناس فيه.
الحديث الثاني عشر عن أنس: قوله: ((منهومان)) ((نه)): النهمة بلوغ الهمة في الشيء، وفي الحديث:((إذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله)) ومنه النهم من الجوع. أقول: إن ذهب في الحديث إلى الأصل كان ((لا يشبعان)) استعارة لعدم انتهاء حرصهما، وإن ذهب إلى الفرع يكون تشبيهاً لبيانه بقوله:((منهوم في العلم))، جعل أفراد المنهوم ثلاثة: أحدها المعروف، وهو المنهوم من الجوع، والآخرين من العلم والدنيا، وجعلهما أبلغ من المتعارف، ولعمري إنه كذلك، وإن كان المحمود منهما هو العلم، ومن ثم أمر الله تعالى حبيبه صلى الله عليه وسلم بقوله: {قل رب
الإيمان)) وقال: قال الإمام أحمد في حديث أبي الدرداء: هذا متن مشهور فيما بين الناس، وليس له إسناد صحيح [260].
261 -
وعن عون، قال: قال عبد الله بن مسعود: منهومان لا يشبعان صاحب العلم، وصاحب الدنيا، ولا يستويان؛ أما صاحب العلم فيزداد رضى الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. ثم قرأ عبد الله:{كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} قال: وقال الآخر {إنما يخشى الله في عباده العلماء} . رواه الدارمي [261].
ــ
زدني علما}، ويعضده ما في الحديث الآتي من قوله:((أما صاحب العلم فيزداد رضى الرحمن)) والله أعلم.
الحديث الثالث عشر عن عون: قوله: ((قال: وقال: الآخر)) أي قال عون: وقال ابن مسعود بعد قراءته ما سبق، وهو قوله تعالى:{إن الإنسان ليطغى} : الآخر أي الاستشهاد الآخر هو قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وفي الآيتين المستشهدتين تلويح إلى بعد الحالتين، وأنشد:
262 -
وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرأون القرآن، يقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا. ولا يكون ذلك، كما لا يجتني من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتني من قربهم إلا- قال محمد بن الصباح: كأنه يعني- الخطايا)) رواه ابن ماجه [262].
ــ
راحت مشرقة وراحت مغربة فأنى يلتقي مشرق ومغرب
فإن طالب الدنيا يزداد بعداً من الله تعالى لسوء أدبه، وجرأته على الله تعالى، وصاحب العلم يزداد قرباً لخشيته الله ومراعاته أدب الحضرة القدسية. والله أعلم.
الحديث الرابع عشر عن ابن عباس: قوله: ((سيتفقهون)) أي سيدعون الفقه في الدين ويأتون الأمراء. فإن قيل لهم: كيف تجمعون بين التفقه والتقرب إليهم؟ يقولون: نأتي إلى آخره. ((ولا يكون ذلك)) أي لا يصح ولا يستقيم الجمع بين الأمرين؛ لما سبق أن مثل هذا النفي مستلزم لنفي الشيء مرتين تعميماً أو تخصيصاً. ثم ضرب له مثلاً بقوله: ((كما لا يجتني)) شبه التقرب إليهم إصابة جدواهم، ثم طلب الخيبة فالخسران والخسارة في الدارين بطلب الجني من القتاد، فإنه من المحال؛ لأنه لا يثمر إلا الجراحة والألم. وتخصيص المشبه به بالقتاد، وأنه لا يصلح إلا للنار تلميح إلى أن المشبه لا يستأهل إلا لها، وكذا من ركن إليهم تمسهم النار، كما قال الله تعالى:{ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكوا النار} ، والاستثناء من باب قوله:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
وأطلق المستثنى ليعم في جنس المضرة، أي لا يجدي إلا مضار الدارين، ويدخل فيه الخطايا أيضاً.
روى أن الزهري لما خالط السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: عافانا الله وإياك! أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك. أصبحت شيخاً كبيراً، وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك من كتابه، وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله تعالى:{لتبيننه للناس ولا تكتمونه} . واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت- أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدونك ممن لم يؤد حقاً، ولم يترك باطلاً حين أدناك، اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، وجسراً
263 -
وعن عبد الله بن مسعود، قال: لو أن أهل العلم صانوا العلم، ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم؛ فهانوا عليهم. سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول:((من جعل الهموم هماً واحداهم آخرته، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم [في] أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك)) رواه ابن ماجه [263].
264 -
ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عمر من قوله: ((من جعل الهموم)) إلى آخره.
ــ
يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء؛ فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك! فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم:{فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} فإنك تعامل من لا يجهل، وتحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام. وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء.
الحديث الخامس عشر عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((لسادوا به)) وذلك أن العلم رفيع القدر، يرفع قدر من يصونه من الابتذال، قال الله تعالى:{يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} . قال الزهري: العلم ذكر لا يحبه إلا ذكور الرجال أي الذين يحبون معالي الأمور، ويتنزهون عن سفافها.
قوله: ((سمعت نبيكم)) هذا الخطاب توبيخ للمخاطبين، حيث خالفوا أمر نبيهم، فخولف بين العبارتين افتتاناً. هم بالأمر يهم إذا عزم عليه. قوله:((الشعب)) من الوادي ما اجتمع منه
265 -
وعن الأعمش، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله)) رواه الدارمي مرسلاً [265].
266 -
وعن سفيان، أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال لكعب: من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون بما يعلمون. قال: فما أخرج العلم من قلوب العلماء؟ قال: الطمع. رواه الدارمي [266].
ــ
طرف، وتفرق طرف، وشعبت الشيء إذا فرقته. ((وهم آخرته)) بدل من ثاني مفعول ((جعل))، وكذا قوله:((أحوال الدنيا)) من فاعل ((تشعبت))، وعدل من ظاهر قوله، وجعل هم الدنيا هموماً إلى ((تشعبت الهموم به)) ليؤذن بتصرف الهموم فيه وتفريقها إياه في أودية الهلاك، وأن الله تعالى تركه وهمومه، ولم يتكفل أحواله، بخلاف الأول فإنه تكفل الله تعالى أمر همومه بنفسه، وكفاه مؤنته. والله أعلم.
الحديث السادس عشر عن الأعمش: قوله: ((آفة العلم النسيان)) ظاهر.
الحديث السابع عشر عن سفيان: قوله: ((من أرباب العلم)) أي من الذي ملك العلم ورسخ فيه، ويستحق أن يسمى بهذا الاسم؟ وأجاب بقوله:((الذين يعملون بما يعلمون)) وهم الذين سماهم الله تعالى الحكماء في قوله: {من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا} لأن الحكيم من علم دقائق الأشياء وأتقنها برصانة العمل، ولذلك ذيله بقوله:{وما يذكر إلا أولوا الألباب} وقد سبق شرحه. فعلم منه أن العالم ما لم يعمل لم يكن من أرباب العلم، بل كان كمثل الحمار يحمل أسفاراً. والفاء في ((فما أخرج)) جزاء شرط محذوف، والتعريف في ((العلم)) للعهد الخارجي، وهو ما يعلم من قوله:((أرباب العلم)) أي إذا كان أرباب العلم من جمع بين العلم والعمل فلم ترك العالم العمل؟ وما الذي دعاه إلى ترك العمل ليعزل عن هذا الاسم؟ قال: الطمع في الدنيا، والرغبة فيها.
267 -
وعن الأحوص بن حكيم، عن أبيه، قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر. فقال: ((لا تسألوني عن الشر، وسلوني عن الخير)) يقولها ثلاثاً، ثم قال:((ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء)) رواه الدارمي [267].
268 -
وعن أبي الدرداء، قال: إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة: عالم لا ينتفع بعلمه)) رواه الدارمي [268].
269 -
وعن زياد بن حدير، قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا! قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. رواه الدرامي [269].
ــ
الحديث الثامن عشر عن الأحوص: قوله: ((يقولها ثلاثاً)) حال من فاعل ((قال))، والضمير المؤنث راجع إلى الجملة، وهي قوله:((لا تسألوني)) إلى آخره. وإنما نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن مثل هذا السؤال وكرر ثلاثاً لأنه نبي الرحمة {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} . وإنما كانوا شر الشر وخير الخير لأنهم سبب صلاح العالم، وإليهم تنتهي أمور الدين والدنيا، وبهم الحل والعقد، ومن ثم فسر بعضهم ((أولي الأمر)) بالعلماء في قوله تعالى:{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} . فإذا فسدوا فسد الناس كلهم، وفسادهم متابعتهم الهوى، وركونهم إلى الظلمة، لطمع حطام الدنيا. والله أعلم.
الحديث التاسع عشر عن أبي الدرداء رضي الله عنه: قوله: ((إن من أشر الناس)) أي من شر الناس. ((الجوهري)): هو لغة ضعيفة، و ((من)) فيه زائدة، و ((عالم)) خبر ((إن)).
الحديث العشرون عن زياد: قوله: ((ما يهدم)) الهدم إسقاط البناء، وهدم الإسلام تعطيل أركانه الخمس المذكورة في قوله عليه الصلاة والسلام:((بني الإسلام على خمس)) الحديث،
270 -
وعن الحسن، قال: العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان فذاك حجة الله عز وجل على ابن آدم. رواه الدارمي [270].
ــ
وتعطيله إنما يحصل من زلة العالم، وتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإتباع الهوى، ومن جدال المبتدعة وغلوهم في إقامة البدع بالتمسك بتأويلاتهم الزائغة، ومن ظهور ظلم الأئمة المضلين وحكم المزورين. وإنما قدمت زلة العالم لأنها هي السبب في الخصلتين الأخيرتين، كما جاء:((زلة العالم زلة العالم)) والله أعلم.
الحديث الحادي والعشرون عن الحسن: قوله: ((فعلم)) الفاء تفصيلية، وفي قوله:((فذلك)) سببية، من باب قوله:((خولان فانكح)) أي هؤلاء خولان الذين اشتهرت نساءهم بالرغبة فانكح منهم، فكذلك قوله:((علم في القلب)) دل على كونه مرغوباً فيه، فرتب عليه ما بعده. وفي عكسه قوله:((فذلك حجة الله))، فإن ذلك صاحب العلم اللساني الذي لم يتأثر منه بقلبه محجوج عليه، ويقال له:{لم تقولون ما لا تفعلون} .
ويمكن أن يحمل الحديث على علمي الظاهر والباطن. قال أبو طالب المكي: علم الظاهر وعلم الباطن هما علمان أصلان لا يستغنى أحدهما عن صاحبه، بمنزلة الإسلام والإيمان، مرتبط كل واحد منهما بالآخر كالجسم والقلب، لا ينفك أحدهما من صاحبه. وقال روينا في بعض الأخبار أن في بعض الكتب المنزلة على بني إسرائيل:((لا تقولوا: العلم في السماء من ينزل به، ولا في نجوم الأرض من يصعد به، ولا من وراء البحار من يعبر يأتي به. العلم مجعول في قلوبكم، تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين، وتخلقوا بأخلاق الصديقين؛ أظهر العلم من قلوبكم حتى يغمركم ويعطيكم)). وقيل: علم الباطن يخرج من القلب فيقع على القلب، وعلم الظاهر يخرج من اللسان فلا يجاوز الأذن.
قال الشيخ أبو حامد في الأحياء: من انكشف ولو الشيء اليسير له بطريق الإلهام والوقوع في القلب من حيث لا يدري، فقد صار عارفاً بصحة الطريق، ولم ذلك من نفسه قط، فينبغي أن يؤمن به؛ فإذن درجة المعرفة فيه غزيرة جداً. ويشهد لذلك شواهد الشرع، والتجار، والوقائع، فكل حكمة تظهر في القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلم فهو
271 -
وعن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم- يعني مجرى الطعام-. رواه البخاري.
ــ
بطريق الكشف والإلهام. قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} ، قيل: يجعل له مخرجاً من الإشكالات والشبه، ويرزقه من حيث لا يحتسب فيعلمه علماً من غير تعلم، ويفطنه من غير تجربة. وروي:((من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم)) وقول علي رضي الله عنه: ((ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما يعطي الرجل في كتابه)) وليس هذا بالتعلم، وسيأتي في الحديث الذي يليه لمعة من تلك اللمعات.
الحديث الثاني والعشرون عن أبي هريرة: قوله: ((وعائين)) شبه نوعي العلم بالظرفين لاحتواء كل منهما ما لم يحتويه الآخر، ولعل المراد بالأول علم الأحكام والأخلاق، وبالثاني علم الأسرار المصون عن الأغيار، المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان. وأنشد الشيخ أبو حامد لزين العابدين في المنهاج:
يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي: أنت ممن تعبد الوثنا
ولا ستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا
قال بعض العارفين: العلم المكنون والسر المصون علم هذه الطائفة، وهو نتيجة الخدمة، وثمرة الحكمة، لا يظفر به إلا الغواصون في بحار المجاهدات، ولا يسعد به إلا المصطفون بأنوار المشاهدات، إذ هو أسرار متمكنة في القلوب، لا يظهر إلا بالرياضة، وأنوار ملمعة في العيون لا تنكشف إلا للقلوب المرتاضة، وأهل الغرة بالله لها منكرون، وعنها مدبرون.
قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس الله سره: علومهم كلها إنباء عن وجدان. وإغراء إلى عرفان، وذوق محقق بصدق الحال، ولم يف بنطق المقال، فاستعصت نكتها على الإشارة، وطفحت على العبارة، وتهاديها الأرواح بدلالة الالتئام والائتلاف، وكرعت حقائقها من حر الألطاف، وقد اندرس كثير من دقيق علومهم كما انطمس كثير من حقائق رسومهم. وقد قال الجنيد رحمه الله: علمنا هذا طوى بساطه منذ كذا سنة، ونحن نتكلم في حواشيه. وروى الشيخ أبو طالب المكي عنه أنه قال: لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لفنى وانقطع، ولكنه من حق بدا، وإلى حق يعود.
ــ
وقال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة.
وقال آخر: من كان محباً للدنيا، أو مصراً على الهوى- لم يتحقق بشيء من هذا العلم أبداً. وقال آخر: من كان فيه خصلتان لم يفتح له من هذا العلم حرفان، كبر وبدعة. وقد سبق نبذ من هذا من أوائل حالهم ومنشأ علومهم في الحديث السابق. ومما أنشد:
تنافس أهل الجود في طلب المجد وحثوا مطايا الشوق في مخلص القصد
وداموا لعزم السير في طلب العلى ففازوا بطيب الوصل من دوحتي نجد
إذا ما دعوا يوماً لكشف ملمة لهم همم تسمو إلى العلم الفرد
هم القوم هاموا فاستقاموا على السرى رأيت الفتى النشوان كالأسد الورد
بحار الحياء والحلم والعلم والتقى ديار السخا والعز والشكر والحمد
كنوز الصفا والعشق والصدق والولا لهم من بحار الغيب ورد على ورد
عليهم سلام الله ما هبت الصبا قبيل ابتسام الصبح في طالع سعد
لعمري! لقد أحسن وصدق فيما قال وأجاد، إذا ما دعوا يومًا لكشف ملمة البيت؛ لأنهم هم الرجال الذين استقاموا على ما قالوا، وصدقوا فيما عاهدوا. وأما المتسمون برسمهم والمسمون باسمهم، الذين قنعوا في الحقيقة بالاسم والرسم، وتقنعوا بالمراقع والرقص فليسوا من الرجال في شيء بل هم أعجز من العجائز في المعارك.
قال الشيخ أبو حامد- رحمه الله: متصوفة أهل الزمان- إلا من عصمه الله تعالى- اغتروا بالرأي، والمنطق، والهيئة من السماع والرقص، والطهارة، والجلوس على السجادات مع إطراق الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر، ومن تنفس الصعداء، أو خفت الصوت في الحديث إلى غير ذلك، فظنوا بذلك أنهم منهم، فلم يتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة، ومراقبة القلب، وتطهر الباطني والظاهر من الآثام الخفية والجلية، وكل ذلك من أوائل منازل المتصوفة ولو فرغوا عن جميعها لما جاز لهم أن يعدوا أنفسهم من الصوفية، فكيف ولم يحوموا قط حولها؟ بل يتكالبون على الحرام والشبهات، وأموال المسلمين، ويتنافسون في الفلس والرغيف والحبة، ويتحاسدون على النقير والقطمير، ويمزق بعضهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء.
ومثالهم مثال عجوز سمعت أن الشجعان تكتب أسماؤهم في الديوان، فتاقت نفسها أن يكتب اسمها فيهم، فلبت درعاً ووضعت على رأسها مغفراً، وتعلمت كيفية تبخترهم في الميدان وحركاتهم والتفاتهم وشمائلهم فيها، وتوجهت إلى المعسكر، فلما نفذت إلى ديوان
272 -
وعن عبد الله بن مسعود، قال: يا أيها الناس! من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين). متفق عليه.
ــ
العرض، وأمرت بالتجرد عن المغفر والدرع لتمتحن بالمبارزة مع بعض الشجعان، فإذا هي عجوز ضعيفة، فقيل لها: أجئت للاستهزاء بالملك؟ ولاستحماق أهل حضرته؟ فحينئذ تنكل نكالا ليس بعده. هكذا حال المدعين في القيامة إذا كشف عنهم الغطاء، وافتضحوا على رؤوس الأشهاد.
وقال: منهم طائفة ادعت علم المعرفة، ومشاهدة الحق، ومجاوزة المقامات والأحوال، ولا يعرف هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ، إلا أنه تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها، ويظن أن ذلك علم أعلى من علم الأولين والآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين والمحدثين بعين الازدراء فضلاً عن العوام، حتى إن الفلاح يترك فلاحته، والحائك حياكته، ويلازمهم أياماً، ويتلقف منهم هذه الكلمات المزيفة يرددها، كأنه يتكلم عن الوحي، ويخبر عن سر الأسرار، ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء، فيقول في العباد: إنهم أجراء متعبون، ويقول في العلماء: إنهم بالحديث عن الله تعالى محجوبون، ويدعي لنفسه أنه الواصل إلى الحق، وأنه من المقربين، وهو عند الله من الفجار والمنافقين، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين.
ومنهم من يقول: الإعمال بالجوارح لا وزن لها، وإنما النظر إلى القلب، وقلوبنا عاكفة والهة بحب الله تعالى، وإنما نخوض الدنيا بأبداننا وقلوبنا في الحضرة الربوبية، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب، وهم يرفعون بذلك درجة أنفسهم عن درجات الأنبياء إذ كان يصدهم عن طريق الله خطيئة واحدة، حتى كانوا يبكون عليها وينوحون سنين متوالية.
وأصناف غرور أهل الإباحة من المتشبهين بالصوفية لا تحصى، وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله تعالى لا تحصر في مجلدات، ولا تستقصي إلا بعد شرح علوم المكاشفة، وذلك مما لا رخصة في ذكره، إذ السالك لهذا الطريق لا يحتاج إلى أن يسمعه من غيره، والذي لم يسلكه لم ينتفع بسماعه، بل ربما يستضر به؛ إذ يورثه ذلك دهشة من حيث لا يسمع ما لا يفهم.
الحديث الثالث والعشرون عن عبد الله: قوله: ((أن تقول لما لا تعلم)) ((أن تقول)) اسم ((إن))، و ((من العلم)) خبره. و ((الله أعلم)) عبارة عن لا أدري. أي بعض العلم قول لا أدري. وذلك أن المفتي إذ أفتى بكل ما يسأل لا يخلو إما أن يكون جد عالم، أو يكون بخلافه، كما ورد:((حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضوا وأضلوا))، أو يكون
273 -
وعن ابن سيرين، قال: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم. رواه مسلم.
274 -
وعن حذيفة، قال: يا معشر القراء! استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، وإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً. رواه البخاري.
ــ
متوسطاً يميز بين ما يعلم وما لم يعلم، فيفتي بما يعلم، ويقول:((الله أعلم)) فيما لا يعلم. كما سئل مالك عن أربعين مسألة، فقال في ستة وثلاثين: لا أدري.
قوله: {وما أنا من المتكفلين} أي من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعاً، ولا مدعياً ما ليس عندي. روينا في صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه قرأ {وفاكهة وأبا} قال: فما الأب؟ ثم قال: ما كلفنا- أو قال: ما أمرنا- بهذا. وفي الكشاف عن أبي بكر رضي الله عنه أنه سئل عن الأب؟ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به؟ والله أعلم.
الحديث الرابع والعشرون عن ابن سيرين: قوله: ((إن هذا العلم)) التعريف فيه للعهد، وهو ما جاء به الرسول صلوات الله عليه لتعليمه الحق من الكتاب والسنة، وهما أصول الدين، والمراد بالمأخوذ منه العدول الثقات المتقنون كما سبق في الحديث الآخر من الفصل الثاني، وهو قول:((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) الحديث. و ((عن)) صلة ((تأخذون)) على تضمين معنى يروون، ودخول الجارة على الاستفهام هنا كدخوله في قوله تعالى:{على من تنزل الشياطين} تقديره: أعمن تأخذون. وضمن ((انظر)) معنى العلم، والجملة الاستفهامية سدت مسد المفعولين تعليقاً.
الحديث الخامس والعشرون عن حذيفة: قوله: ((القراء)) ((نه)): في الحديث: ((أكثر منافقي أمتي قراؤها)) وهم الذين يحفظون القرآن نفياً للتهمة عن أنفسهم ويعتقدون تضييعه، وكان المنافقون في عصر النبي صلى الله عليه وسل بهذه الصفة.
أقول- وبالله التوفيق-: إن الناس لم يخلقوا إلا للعبادة، والعبادة لا تتم إلا بالإخلاص، والمقصود منها تقرب العبد إلى الله، وكان العبد يتحرى فيهما السير إلى الله، ويتوخى سلوك طريق الاستقامة ليوصله إلى المقصود، والطريق هو الإسلام والاستسلام، وإليه الإشارة بقوله
275 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعوذوا بالله من جب الحزن)). قالوا: يا رسول الله! وما جب الحزن؟ قال: ((واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة)). قيل: يا رسول الله! ومن يدخلها؟ قال: ((القراء المراؤون بأعمالهم)). رواه الترمذي، وكذا ابن ماجه، وزاد فيه:((وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء)). قال المحاربي: يعني الجورة [275].
ــ
تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} فمن سلك الطريق، وثبت عليها، ولم يأخذ يميناً وشمالاً، فقد فاز فوزاً عظيماً، وسبق من ركب متن الرياء وأخذ على يمين الصراط وشماله، ثم إذا ثبت المرائي، ودام على اعوجاجه، ولم يرجع إلى المستقيم، هام في أودية الضلال، وأداه الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر- أعاذنا الله منه- وهو المراد بقوله:((ضللتم ضلالاً بعيداً)).
((غب)): الضلال العدول عن الصراط المستقيم، وتضاده الهداية، ويقال لكل عدول من المنهج، عمداً كان أو سهواً، يسيراً كان أو كثيراً- ضلال: فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جداً. قيل: كوننا مصيبين من وجه، وكوننا ضالين من وجوه كثيرة، فإن الاستقامة والصواب يجري مجرى المقرطس من المرمى، وما عداه من الجوانب كلها ضلال، فإذا كان كذلك صح أن يستعمل لفظ الضلال في من يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بون بعيد.
الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة: قوله: ((جب الحزن)) هو علم، والإضافة فيه كما هي في دار السلام، أي دار فيها السلامة من آفة وحزن. و ((من يدخلها)) عطف على محذوف، أي ذلك الشيء عظيم هائل، فمن الذي يستحقه؟ ومن الذي يدخل فيه؟ والتعوذ من جهنم هنا كالنطق منها في قوله تعالى:((هل من مزيد)) وكالتميز وكالتغيظ في قوله تعالى: ((تكاد تميز من الغيظ)) والظاهر أن يجرى ذلك على المتعارف؛ لأن الله على كل شيء قدير.
((الكشاف)): سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في
276 -
وعن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [276].
ــ
القلب وتبيينه، وتميزها وتغيظها تشبه لشدة غليانها بالكفار بغيظ المغتاظ وتميزه واضطرابه عند الغضب.
الحديث السابع والعشرون عن علي: قوله: ((أن يأتي)) أتى متعد إلى مفعول واحد بلا واسطة، فعدى بعلى ليشعر بأن الزمان عليهم حينئذ بعد أن كان لهم. وفي معناه قول الجرهمي:
أتت دون ذاك الدهر أيام جرهم وطارت [بذاك] العيش عنقاء مغرب
وخص القرآن بالرسم والإسلام بالاسم دلالة على مراعاة القراء لفظ القرآن من التجويد في حفظ مخارج حروفه، وتحسين الألحان فيه؛ دون التفكر في معانيه، والامتثال بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، وليس كذلك الإسلام؛ فإن الاسم باق، والمسمى مدروس، فإن الزكاة التي شرعت للشفقة على خلق الله اندرست، ولم يبق منها عين ولا أثر، وأكثر الناس ساهون عن الصلاة تاركونها، وليس أحد يأمرهم بالمعروف فيقيمونها، وعلى هذا قوله:((وهي خراب من الهدى)) أي من ذي الهدى أو الهادي؛ لأنه لو وجد الهادي لوجد هدي، فأطلق الهدي وأريد الهادي على سبيل الكناية، وهو يحتمل معنيين: أحدهما أن خراب المساجد من أجل عدم الهادي الذي ينفع الناس بهداه في أبواب الدين ويرشدهم إلى طريق الخير. وثانيهما أن خرابها لوجود هداة السوؤ الذين يزيغون الناس ببدعتهم وضلالتهم، وتسميتهم بالهداة من باب التهكم كما في قوله تعالى:{وأضل فرعون قومه وما هدى} ((الكشاف)): تهكم به في قوله تعالى: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} ولهذا المعنى عقب هذه الجملة على سبيل الاستئناف لبيان الموجب بقوله: {علماؤهم شر من تحت أديم السماء} إلى آخره. و ((في)) في ((فيهم تعود)) كفى في قولهم: {أو لتعودن في ملتنا} وقوله: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي يستقر
277 -
وعن زياد بن لبيد، قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فقال:((ذاك عند أوان ذهاب العلم)). قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرؤه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال:((ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة! أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟!)) رواه أحمد، وابن ماجه، وروى الترمذي عنه نحوه [277].
278 -
وكذا الدارمي عن أبي أمامة [278].
279 -
وعن ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعلموا العلم
ــ
عود ضررهم فيهم، ويتمكن منهم كل التمكن، و ((أديم السماء)) وجهه، وكذا ((أديم الأرض)) وهو صعيدها. وقيل: منه اشتق اسم آدم لكون جسده منه.
الحديث الثامن والعشرون عن زياد: قوله: ((شيئاً)) التنكير فيه للتهويل، أي شيئاً هائلاً، والواو في:((وكيف)) للعطف، أي متى يقع ذلك الهول؟ وكيف يذهب العلم والحال أن القرآن بين الناس مستمر دائم إلى يوم القيامة؟ وعند وجود القرآن كيف يذهب العلم؟ و ((إن)) في:((وإن كنت لأراك)) مخففة من المثقلة، واللام علامة لها، وضمير الشأن محذوف، و ((أفقه)) ثاني مفعول ((أراك)) و ((من)) زائدة في الإثبات، أو متعلقة بمحذوف، أي كائناً من أفقه رجل، وأضاف أفعل إلى المفر النكرة إرادة للاستغراق.
قوله: ((لا يعملون بشيء)) حال من فاعل ((يقرأون))، يعني يقرأون التوراة والإنجيل غير عاملين بشيء مما فيهما. نزل العالم الذي لم يعمل بعلمه منزلة الجاهل بل هو بمنزلة الحمار الذي يحمل أسفاراً.
الحديث التاسع والعشرون عن ابن مسعود: قوله: ((تعلموا العلم)) قد مضى شرح ما في معناه في الحديث الخامس والعشرين وما يليه من الفصل الثاني. قوله: ((إني امرؤ مقبوض)) كقوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم} أي كوني امرأ مثلكم علة لكوني مقبوضاً لا أعيش أبداً.
وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، تعلموا القرآن وعلموه الناس؛ فإني امرؤ مقبوض، والعلم سينقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف اثنان في فريضة لا يجدان أحداً يفصل بينهما)). رواه الدارمي، والدارقطني [279].
280 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل علم لا ينتفع به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله)) رواه أحمد، والدارمي [280].
ــ
الحديث الثلاثون عن أبي هريرة: قوله: ((مثل علم لا ينتفع)) هذا التشبيه على نحو قولهم: ((النحو في الكلام كالملح في الطعام)) في الصلاح باستعمالها، والفساد بإهمالها، لا في القلة والكثرة، تشبيه العلم بالكنز وارد في مجرد عدم النفع في الانتفاع والإنفاق منهما، لا في أمر آخر، وكف لا؟ وإن العلم يزيد بالإنفاق والكنز ينقص، والعلم باق، والكنز فان.
فإن المال يفني عن قريب وإن العلم باق لا يزال