الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك
(1)
، كما يتعمدُ خلقٌ كثيرٌ الكذبَ في الرؤيا الصالحة وهي جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوَّة
(2)
، وكما كانت الجنُّ تخلطُ بالكلمة تَسْمَعُها من السماء مئة كذبة
(3)
.
ولهذا ثبت في «صحيح مسلم»
(4)
عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: قلت: يا رسول الله، إني حديثُ عهدٍ بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منَّا رجالًا يأتون الكُهَّان؟ قال:«فلا تأتِهم» . قال: قلت: ومنَّا رجالٌ يتطيَّرون؟ قال: «ذاك شيءٌ يجدونه في صدورهم فلا يصدَّنَّهم» . قال: قلت: ومنَّا رجالٌ يَخُطُّون؟ قال: «كان نبيٌّ من الأنبياء يَخُطّ، فمن وافق خطَّه فذاك» .
فإذا كان ما هو من أجزاء النبوَّة ومن أخبار الملائكة قد يُتعَمَّدُ فيه الكذبُ الكثير، فكيف بما هو في نفسه مضطربٌ لا يستقرُّ على أصل؟!
لهذا تجدُ
عامَّة من في دينه فسادٌ يدخُل في الأكاذيب الكونية
، مثل أهل الاتحاد، فإن ابن عربي في كتاب «عنقاء مُغْرِب»
(5)
وغيره أخبر بمستقبَلاتٍ كثيرةٍ عامَّتها كذب، وكذلك ابن سبعين.
وكذلك الذين استخرجوا مدَّة بقاء هذه الأمة من حساب الجُمَّل من حروف المعجم الذي وَرِثُوه من اليهود ومن حركات الكواكب الذي وَرِثُوه
(1)
(ط): «دلت على ذلك دلالة» .
(2)
أخرجه البخاري (6989) ومسلم (2263).
(3)
أخرجه البخاري (3210) ومسلم (2228).
(4)
(537).
(5)
طبع مفردًا وضمن رسائله (4/ 84 - 162).
من الصابئة
(1)
، كما فعل أبو نصرٍ الكِنْدي
(2)
وغيره من الفلاسفة، وكما فعل بعض من تكلَّم في تفسير القرآن من أصحاب الرأي
(3)
، ومن تكلَّم في تأويل وقائع النساك
(4)
من المائلين إلى التشيُّع.
(1)
انظر: «مجموع الفتاوى» (13/ 276، 17/ 398 - 399، 35/ 189) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (8/ 276 - 277).
(2)
كذا وقعت كنيته في الأصل، وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الملقب بفيلسوف الإسلام (ت: نحو 260). انظر: «الرد على المنطقيين» (199) ، و «مجموع الفتاوى» (29/ 373، 35/ 189). ترجمته في «السير» (12/ 337) ، و «اللسان» (8/ 527) ، و «الأعلام» (8/ 195) ، ومصادرها هناك.
(3)
الأصل: «الرازي» ، والمثبت هو الصواب إن شاء الله. ومن هؤلاء: ابن برَّجان (ت: 536) في تفسيره «تنبيه الأفهام» (4/ 325)، وانظر:«وفيات الأعيان» (4/ 230) ، و «البحر المحيط» (1/ 59، 8/ 374)، و «لسان الميزان» (5/ 174). ومنهم: أبو الحسن الحَرَالِّي (ت: 637)، كما في «ميزان الاعتدال» (3/ 114). وانظر: تفسير ابن كثير (1/ 257) ، و «الإتقان في علوم القرآن» (1381 - 1385).
(4)
كذا بالأصل، ورسمها قريب من «الناس» ، ولعلها محرفة عن «البابا» ، قال المصنف في «الرد على المنطقيين» (480):«والصابئة الحرانيون لهم نبيٌّ على أصلهم يقال له: البابا، وله مصحفٌ يذكر فيه كثيرًا من الأخبار المستقبلة» . وهو «بابا الرومي» المذكور في «شرح الأصبهانية» (331) ، و «الجواب الصحيح» (2/ 343، 3/ 500، 6/ 423) ، و «النبوات» (168، 233، 497) ، و «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (114) ، قتل سنة 638 كما في «تاريخ الإسلام» (14/ 29) ، وأخباره في «تاريخ مختصر الدول» (251). وذكر شيخ الإسلام أن من الصابئة من انتسب إلى الشيعة وتظاهر بذلك، وهم الإسماعيلية، وأنهم دخلوا إلى الزندقة من هذا الباب، فلعلهم المراد هنا .. انظر:«مجموع الفتاوى» (12/ 353، 22/ 367، 25/ 179) ، و «منهاج السنة» (3/ 453، 8/ 258).
وقد رأيتُ من أتباع هؤلاء طوائفَ يدَّعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المَصُونة، وخاطبتُ في ذلك طوائفَ منهم، وكنتُ أحلفُ لهم أن هذا كذبٌ مفترًى وأنه لا يجري من هذه الأمور شيء، وطلبتُ مباهلةَ بعضهم لأن ذلك كان متعلقًا بأصول الدين، وكانوا من الاتحادية الذين يطولُ وصف دعاويهم
(1)
.
فإن شيخَهم الذي هو عارفُ وقته وزاهدُه عندهم
(2)
، كانوا يزعمون أنه هو المسيحُ الذي يَنْزِل، وأن معنى ذلك نزولُ روحانيَّة عيسى عليه السلام عليه، وأن أمَّه اسمُها مريم، وأنه يقوم بجمع المِلَل الثلاث، وأنه يظهر مظهرًا أكمل من مظهر محمدٍ وغيره من المرسلين. ولهم مقالاتٌ من أعظم المنكرات يطولُ ذِكرُها ووصفُها.
ثم إن من عجيب الأمر أن هؤلاء المتكلِّمين المدَّعين لحقائق الأمور العلميَّة والدينيَّة المخالفين للسُّنة والجماعة يحتجُّ كلٌّ منهم بما يقعُ له من حديثٍ موضوعٍ أو مجملٍ لا يفهمُ معناه، وكلما وجد أثرًا فيه إجمالٌ نزَّله
(1)
انظر: «بغية المرتاد» (520 - 522).
(2)
ابن هود، كما في المصدر السابق، وقال عنه:«كان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الاتحادية زهدًا ومعرفةً ورياضة» . وهو الحسن بن علي بن يوسف المرسي، صوفي من أصحاب وحدة الوجود (ت: 699). ترجمته في «تاريخ الإسلام» (15/ 904) ، و «العبر» (5/ 397) ، و «أعيان العصر» (2/ 200)، و «الوافي» (12/ 156) وغيرها. قال المقريزي في «المقفى» (3/ 428):«كان شيخ الإسلام أحمد بن تيمية كثير الوقيعة فيه والتنقص له ينفِّر الناسَ عنه التنفير الكثير ويحذِّر منه التحذير الوافر» .
على رأيه، فيحتجُّ بعضهم بالمكذوب، مثل قول عمر:«كنتُ كالزِّنجي»
(1)
، ومثل ما يروونه من سرِّ المِعْراج وما يروونه من أن أهل الصُّفَّة سَمِعُوا المناجاةَ من حيث لا يَشْعُر الرسول، فلما نزل الرسولُ أخبروه، فقال: من أين سمعتم؟ فقالوا: كنَّا نسمعُ الخِطاب
(2)
.
حتى إني لما بيَّنتُ لطائفةٍ تَمشْيَخُوا وصاروا قدوةً للناس أن هذا كذبٌ ما خلقه الله قطُّ، قلتُ: ويبيِّنُ لك ذلك أن المعراجَ كان بمكة بنصِّ القرآن وبإجماع المسلمين، والصُّفَّة إنما كانت بالمدينة، فمن أين كان بمكة أهلُ صُفَّة؟ !
وكذلك احتجاجُهم بأن أهل الصُّفَّة قاتلوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع المشركين لما انتصروا
(3)
، وزعموا أنهم مع الله؛ ليحتجُّوا بذلك على متابعة الواقع
(4)
سواءً كان طاعةً لله أو معصية، وليجعلوا حُكْمَ دينه هو ما كان، كما قال الذين أشركوا:{لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148].
وأمثالُ هذه الموضوعات كثيرة.
(1)
تقدم الكلام عليه (ص: 111).
(2)
انظر: «درء التعارض» (5/ 27) ، و «مجموع الفتاوى» (11/ 54، 81، 165، 564، 24/ 339) ، و «جامع المسائل» (7/ 461).
(3)
أي المشركون يوم أحد أو يوم حنين. انظر: «منهاج السنة» (7/ 432، 438) ، و «الرد على الشاذلي» (72) ، و «درء التعارض» (5/ 27) ، و «مجموع الفتاوى» (8/ 349، 10/ 384، 11/ 47، 48، 53 - 54، 79، 564، 598، 19/ 276، 24/ 339) ، و «جامع المسائل» (2/ 96، 7/ 461).
(4)
أي موافقةُ القدرِ الواقع ولو خالفَ الشرع. (ط)
وأما المُجْمَلات، فمثل احتجاجهم بنهي بعض الصحابة عن ذِكْر بعض خفيِّ العلم، كقول عليٍّ عليه السلام:«حدِّثوا الناسَ بما يَعْرِفُون، ودَعُوا ما يُنكِرون، أتحبُّون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟»
(1)
.
وقولِ عبد الله بن مسعود: «ما مِن رجلٍ يحدِّثُ قومًا بحديثٍ لا تبلُغه عقولُهم إلا كان فتنةً لبعضهم»
(2)
.
وقولِ عبد الله بن عباس في تفسير بعض الآيات: «ما يُؤْمِنُك أني لو أخبرتُك بتفسيرها كَفَرْتَ، وكُفْرُك بها تكذيبُك بها»
(3)
.
وهذه الآثار حقٌّ، لكن يُنَزِّلُ كلٌّ منهم ذاك الذي لم يُحَدَّث به على ما يدَّعيه هو من الأسرار والحقائق التي إذا كُشِفَت وُجِدَت من الباطل أو الكفر والنفاق
(4)
.
حتى إن أبا حامدٍ في «منهاج القاصدين»
(5)
وغيره هو وأمثالُه تمثَّل بما
(1)
أخرجه البخاري (127) دون قوله: «ودعوا ما ينكرون» فعند البيهقي في «المدخل إلى السنن» (610) وغيره.
(2)
أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 11) بمعناه.
(3)
أخرجه ابن جرير (23/ 78) ، وأبو الشيخ في «العظمة» (256).
(4)
انظر: «مناهج الأدلة» (133) ، و «فصل المقال» (35) لابن رشد، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 115 - 119) ، و «مجموع الفتاوى» (13/ 260).
(5)
كذا في الأصل، وهو سهوٌ أو تحريف من الناسخ، والصواب «منهاج العابدين» كما هو اسم كتاب أبي حامد المعروف المنسوب إليه، وفي نسبته نزاع، والبيتان فيه (50) مع آخرَين يشيران إلى أن المذكورَين هنا مضمَّنان من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ووقع اسم الكتاب على الصواب في «طبقات» السبكي (2/ 231).
أما «منهاج القاصدين» فلابن الجوزي اختصر به «الإحياء» ، وذكره المصنف في «التسعينية» (791)، وهو مطبوع. وانظر:«مؤلفات الغزالي» (234، 355).
يروى عن علي بن الحسين أنه قال
(1)
:
يا رُبَّ جَوْهرِ عِلْمٍ لو أبوحُ به
…
لقيل لي: أنتَ ممَّن يعبد الوَثنا
ولاسْتَحَلَّ رجالٌ مسلمون دَمِي
…
يَرَوْنَ أقبحَ ما يأتُونَه حَسَنا
فإذا كانت هذه طرقَ هؤلاء الذين يدَّعون من التحقيق وعلوم الأسرار ما خَرَجوا به عن السُّنة والجماعة، وزعموا أن تلك العلوم الدينية أو الكونية مختصَّةٌ بهم فآمنوا بمجملها ومتشابهها، وأنهم مُنِحُوا من حقائق العبادات وخالص الدِّيانات ما لم يُمْنَح الصَّدرُ الأول حفَّاظُ الإسلام وبدورُ المِلَّة، ولم يتجرَّؤوا عليها
(2)
بردٍّ وتكذيب، مع ظهور الباطل فيها تارةً وخفائه أخرى= فمن المعلوم أن العقلَ والدينَ يقتضيان أن جانبَ النبوَّة والرسالة أحقُّ بكلِّ تحقيقٍ وعلمٍ ومعرفةٍ وإحاطةٍ بأسرار الأمور وبواطنها، هذا لا ينازعُ فيه مؤمنٌ، ونحن الآن في مخاطبة من فيه إيمان.
وإذا كان الأمرُ كذلك فأعلمُ الناس بذلك أخصُّهم بالرسول وأعلمُهم بأقواله وأفعاله، وحركاته وسَكَناته، ومَدْخَله ومَخْرَجه، وباطنه وظاهره، وأعلمُهم بأصحابه وسِيرته وأيامه، وأعظمُهم بحثًا عن ذلك وعن نَقَلَتِه،
(1)
في ديوانه (19) ، و «إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي (9/ 303). ولبعض أهل البيت في «طبقات الشافعية» للسبكي (2/ 231) ، ولكلثوم بن عمرو العتابي في «تاريخ بغداد» (14/ 517) ، وللحلاج في «شرح نهج البلاغة» (11/ 222).
(2)
أي الأحاديث المكذوبة التي سبق ذكرُ بعضها والأسرار التي يخفونها.
وأعظمُهم تديُّنًا به واتباعًا له واقتفاءً به.
وهؤلاء هم أهلُ السُّنة والحديث، حِفظًا له، ومعرفةً بصحيحه وسقيمه، وفقهًا فيه، وفهمًا يؤتيه الله إياهم
(1)
في معانيه، وإيمانًا وتصديقًا، وطاعةً وانقيادًا، واقتداءً واتباعًا، مع ما يقترنُ بذلك من قوَّة عقلهم وقياسهم وتمييزهم، وعظيم مكاشَفاتهم ومخاطَباتهم، فإنهم أسَدُّ
(2)
الناس نظرًا وقياسًا ورأيًا، وأصدقُ الناس رؤيا وكشفًا.
أفلا يعلمُ من له أدنى عقلٍ ودينٍ أن هؤلاء أحقُّ بالصِّدق والعلم والإيمان والتحقيق ممَّن يخالفُهم، وأن عندهم من العلوم ما ينكرُها الجاهلُ والمبتدع، والذي عندهم هو الحقُّ المبين، وأن الجاهلَ بأمرهم والمخالفَ لهم هو الذي معه من الحَشْو ما معه من الضلال؟!
وهذا بابٌ يطولُ شرحُه؛ فإن النفوسَ لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصُره إلا ذو الجلال.
والأقوال: إخباراتٌ، وإنشاءاتٌ كالأمر والنهي.
فأحسنُ الحديث وأصدقُه كتابُ الله، خبرُه أصدقُ الخبر، وبيانُه أوضحُ البيان، وأمرُه أحكَمُ الأمر، {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 6].
وكلُّ من اتبع كلامًا أو حديثًا مما يقال: إنه يُلْهَمُه صاحبُه ويُوحَى إليه، أو أنه يُنْشِئه ويُحْدِثُه مما يعارض به القرآن= فهو من أعظم الظالمين ظلمًا.
(1)
الأصل: «اياه» ، وهو خطأ.
(2)
الأصل: «أشد» بالمعجمة، تحريف، وسبق نظيرها على الصواب (ص: 15).
ولهذا لمَّا ذكر الله سبحانه قولَ الذين ما قَدَرُوا الله حقَّ قَدْرِه حيثُ أنكروا الإنزالَ على البَشَر
(1)
، ذكَر المتشبِّهين به
(2)
المدَّعين لمماثلته من الأقسام الثلاثة، فإن المماثِل له إما أن يقول: إن الله أوحى إلي، أو يقول: أُوحِي إلي، وأُلقِي إلي، وقيل لي، ولا يسمي القائل، أو يضيف ذلك إلى نفسه ويذكر أنه هو المنشئ له
(3)
.
ووجه الحصر: أنه إما أن يَحْذِفَ الفاعلَ أو يَذْكُرَه، وإذا ذَكَرَه فإما أن يجعلَه من قول الله أو من قول نفسه، فإنه إذا جَعَله من كلام الشياطين لم يُقْبَل منه، وما جَعَله من كلام الملائكة فهو داخلٌ فيما يُضِيفه إلى الله وفيما حُذِف فاعلُه، فقال تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 93].
وتدبَّر كيف جعَل الأوَّلَيْن في حيِّزٍ: الذي جَعَله وحيًا من الله، والذي لم
(4)
يُسَمِّ الموحِي، فإنهما من جنسٍ واحد في ادعاء جنس الإنباء، وجعَل الآخر في حيِّزٍ وهو الذي ادعى أن يأتي بمثله، ولهذا قال:{مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ} ، ثم قال:{وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، فالمفتري للكذب والقائل:«أوحِي إلي» ولم يوحَ إليه شيءٌ من جملة الاسم الأول، وقد قَرَن
(1)
سورة الأنعام: 91.
(2)
المتنبئين المتشبهين بالنبي.
(3)
انظر: «شرح الأصفهانية» (694) ، و «النبوات» (901) ، و «الفتاوى» (12/ 25، 15/ 156، 35/ 143).
(4)
الأصل: «الذي جعله وحيا من الله ولم» . وهو محيلٌ للمعنى.
به الاسمَ الآخر، فهؤلاء الثلاثة المدَّعون لشَبَه النبوَّة، وقد تقدَّم قبلهم المكذِّبُ للنبوة، فهذا يعمُّ جميعَ أصول الكفر التي هي تكذيبٌ للرُّسل أو مضاهاتهم، كمسيلمة الكذَّاب وأمثاله.
وهذه هي أصولُ البدع التي نردُّها نحن في هذا المقام؛ لأن المخالفَ للسُّنة يردُّ بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعارضُ قولَ الرسول بما يجعلُه نظيرًا له من رأيٍ أو كَشْفٍ أو نحو ذلك.
فقد تبيَّن أن الذي يسمِّي هؤلاء
(1)
وأئمتَهم: حَشْوِيَّةً هم أحقُّ بكلِّ وصفٍ مذمومٍ يذكرونه، وأئمةُ هؤلاء أحقُّ بكلِّ علمٍ نافعٍ وتحقيقٍ وكشفِ حقائقَ واختصاصٍ بعلومٍ لم يقف عليها هؤلاء الجهَّالُ المنكرون عليهم المكذِّبون لله ورسوله
(2)
.
فإن «الحَشْوِيَّة»
(3)
إن كان لأنهم يَرْوُونَ الأحاديثَ بلا تمييز، فالمخالفون لهم أعظمُ الناس قولًا لحَشْو الآراء والكلام الذي لا تُعْرَفُ صحتُه، بل يُعْلَمُ بطلانُه.
وإن كان لأن فيهم عامَّةً لا يميِّزون، فما مِن فرقةٍ من تلك الفِرَق إلا وأتباعُها مِن أجهل الخلق وأكفرِهم، وعوامُّ هؤلاء عُمَّار المساجد
(1)
يعني أهل الحديث. كما تقدم وكما سيأتي.
(2)
انظر لتحرير القول في اسم «الحشوية» والمراد به: «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 421، 2/ 124 - 131) ، و «درء التعارض» (7/ 351) ، و «منهاج السنة» (2/ 520 - 521) ، و «مجموع الفتاوى» (3/ 185، 12/ 176).
(3)
أي هذا الاسم.
بالصَّلوات، وأهلُ الذكر والدعوات، وحجَّاجُ البيت العتيق، والمجاهدون في سبيل الله، وأهلُ الصدق والأمانة وكلِّ خيرٍ في العالم.
فقد تبيَّن لك أنهم أحقُّ بوجوه
(1)
الذَّم، وأن هؤلاء أبعدُ عنها، وأن الواجبَ على الخلق أن يرجعوا إليهم فيما اختصَّهم الله به من الوِرَاثة النبوية التي لا توجدُ إلا عندهم.
وأيضًا
(2)
، فينبغي النظرُ في الموسُومين بهذا الاسم، وفي الواسِمين لهم به، أيُّهما أحق؟
وقد عُلِمَ أن هذا الاسمَ مما اشتهر عن النُّفاة ممَّن هم مَظِنَّةُ الزندقة، كما ذكر العلماءُ ــ كأبي حاتمٍ وغيره ــ أن علامة الزنادقة تسميتُهم لأهل الحديث: حَشْوِية
(3)
.
ونحن نتكلَّمُ بالأسماء التي لا نزاع فيها، مثل لفظ «الإثبات والنفي» .
(1)
الأصل: «بوجود» . وأصلحت في (ط).
(2)
في طرة الأصل: «في نسخة الوجه التاسع أنه ينبغي. الخ» .
(3)
انظر: «أصل السنة واعتقاد الدين» لابن أبي حاتم (173 - روائع التراث) ، و «أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (1/ 200، 204) ، و «معرفة علوم الحديث» للحاكم (14) ، و «عقيدة السلف وأصحاب الحديث» للصابوني (299) ، و «الحجة» لأبي القاسم التيمي (2/ 540)، و «الغنية» لعبد القادر الجيلاني (1/ 115). ومن موارد شيخ الإسلام النادرة جزءٌ لابن درباس الشافعي سمَّاه:«تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة» ساق فيه كلام السلف وغيرهم في هذا الباب، ولم أر له ذكرًا عند غيره. انظر:«الحموية» (533) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 380).
فنقول: من المعلوم أن هذا مِن تلقيب بعض الناس لأهل الحديث الذين يُقِرُّونه على ظاهره، فكلُّ من كان عنه أبعدَ كان أعظمَ ذمًّا بذلك، كالقرامطة، ثم الفلاسفة، ثم المعتزلة، وهم يذمُّون بذلك المتكلِّمةَ الصِّفاتية من الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية والفقهاء والصوفية وغيرهم، فكلُّ من اتبع النصوصَ وأقرَّها سمَّوه بذلك.
ومن قال بالصِّفات العقلية مثل: العلم والقدرة، دون الخبرية ونحو ذلك، يسمِّي مُثْبِتةَ الصِّفات الخبرية: حَشْوِيَّة، كما يفعلُ أبو المعالي وأبو حامدٍ
(1)
ونحوهما.
ولطريقة أبي المعالي كان أبو محمَّدٍ
(2)
يَتْبَعُ في فقهه وكلامه، لكنْ أبو محمدٍ كان أعلمَ بالحديث وأتبعَ له من أبي المعالي وبمذاهب الفقهاء، وأبو المعالي أكثرُ اتباعًا للكلام، وهما في العربية متقاربان.
وهؤلاء يَعِيبون منازعَهم إما لجَمْعِه حَشْوَ الحديث من غير تمييزٍ بين صحيحه وضعيفه، أو لكون اتِّباع الحديثِ في مسائل الأصول مِن مذهب الحَشْو لأنها مسائلُ علميةٌ والحديثُ لا يفيدُ ذلك، أو لأن اتِّباعَ النصوص مطلقًا في المباحث الأصولية الكلامية حَشْوٌ لأن النصوصَ لا تَفِي بذلك.
(1)
أبو المعالي يَسِمُ بالحشو كلَّ من يجمد في نظره على الظاهر، حتى وَسَم به فقهاء الظاهرية وبعض النحاة، بالإضافة لمن ينبزهم بالمشبهة. انظر:«البرهان» (40، 45، 96، 315، 401، 545، 693، 695، 732). وكذلك تلميذه الغزالي في «الإحياء» (1/ 39، 4/ 376) ، و «الاقتصاد» (9، 47) ، و «مشكاة الأنوار» (73).
(2)
العز بن عبد السلام، وانظر ما سبق (ص: 25).
فالأمرُ راجعٌ إلى أحد أمرين: إما ريبٍ في الإسناد أو في المتن، إما لأنهم يُضِيفون إلى الرسول ما لم يُعْلَمْ أنه قاله، كأخبار الآحاد، ويجعلون مقتضاها العِلْم، وإما لأنهم يجعلون ما فَهِمُوه من اللفظ معلومًا وليس هو بمعلوم؛ لما في الأدلة اللفظية من الاحتمال.
ولا ريب أن هذا عمدةُ كلِّ زنديقٍ ومنافقٍ يُبْطِلُ العلمَ بما بعث الله به رسلَه، تارةً يقول: لا نعلمُ أنهم قالوا ذلك، وتارةً يقول: لا نعلمُ ما أرادوا بهذا القول. ومتى انتفى العلمُ بقولهم أو بمعناه لم يُسْتَفَدْ من جهتهم عِلْمٌ، فيَتَمكَّنُ بعد ذلك أن يقول ما يقول من المقالاتِ وقد أَمِنَ على نفسه أن يُعَارَض بآثار الأنبياء؛ لأنه قد وَكَّل ثَغْرَها بذَيْنِك الرُّمْحَيْن
(1)
الدَّافِعَيْن لجنود الرُّسل عنه، الطَّاعِنَيْن لمن احتجَّ بها.
وهذا القَدْرُ بعينه عينُ الطعن في نفس النبوَّة، بل يُقِرُّ بتعظيمهم وكمالهم إقرارَ من لا يُتَلقَّى من جهتهم عِلْمٌ، فيكونُ الرسولُ عنده بمنزلة خليفةٍ يُعطى السِّكَّةَ والخُطبةَ
(2)
رسمًا ولفظًا، كتابةً وقولًا، مِن غير أن يكون له أمرٌ أو نهيٌ مطاع، فله صورةُ الإمامة بما جُعِل له من السِّكَّة والخُطبة وليس له حقيقتُها.
وهذا القدرُ وإن استجازه كثيرٌ من الملوك لِعَجْزِ بعض الخلفاء عن القيام بواجبات الإمارة من الجهاد والسياسة
(3)
، كما يفعلُ ذلك كثيرٌ من نُوَّاب الولاة لضعف مُسْتَنِيبه وعَجْزِه، فيتركَّبُ من تقدُّم ذي المنصب والبيت
(1)
الأصل: «الدامحين» . تحريف. والرُّمحان هما انتفاء العلم بقول الرسل وبمعناه.
(2)
أي تُضرب النقود باسمه ويخطب له على المنابر دعاء ومدحًا. (ط)
(3)
انظر: «جامع المسائل» (5/ 393، 394).
وقوَّة نائبه صلاحُ الأمر، أو فعَل ذلك لهوًى ورغبةٍ في الرياسة له ولطائفته
(1)
دون مَن هو أحقُّ بذلك منه وسلك مسلكَ المتغلِّبين بالعدوان= فمن المعلوم أن المؤمنَ بالله ورسوله لا يستجيزُ أن يقول في الرسالة: إنها عاجزةٌ عن تحقيق العلم وبيانه حتى يكونَ الإقرارُ بها مع تحقيق العلم الإلهيِّ من غيرها موجبًا لصلاح الدِّين، ولا يستجيزُ أن يعتدي عليها بالتقدُّم بين يدي الله ورسوله ويقدِّم علمَه وقولَه على عِلْم الرسول وقوله، ولا يستجيزُ أن يسلِّطَ عليها التأويلاتِ العقليةَ ويدَّعي أن ذلك من كمال الدِّين وأن الدِّينَ لا يكونُ كاملًا إلا بذلك.
وأحسنُ أحواله أن يدَّعي أن الرسولَ [كان] عالمًا بأنَّ ما أخبر به أنَّ له تأويلاتٍ وتبيانًا غيرَ ما يدلُّ عليه ظاهرُ قوله ومفهومُه، وأنه ما ترك ذلك إلا [لأنه]
(2)
ما كان يُمْكِنُه بين تلك الأعراب ونحوهم، وأنه وكَلَ ذلك إلى عقول المتأخرين
(3)
.
وهذا هو الواقع؛ فإن المتفلسفةَ تقول: إن الرُّسلَ لم يتمكَّنوا مِن بيان الحقائق؛ لأن إظهارها يُفْسِدُ الناسَ ولا تحتملُ ذلك عقولُهم. ثم قد يقولون: إنهم عَرفوها، وقد يقولُ بعضهم: لم يعرفوها، أو أنا أعرَفُ بها منهم. ثم يبيِّنونها هُم بالطُّرق القياسية الموجودة عندهم.
(1)
سياق الكلام: وهذا القدر وإن استجازه كثير من الملوك لعجز بعض الخلفاء
…
أو فعل ذلك لهوى ورغبة في الرياسة
…
.
(2)
ما بين المعكوفات ليست في الأصل، وزيدت لالتئام السياق.
(3)
في طرة الأصل أنه وقع هنا في نسخة: «وإنما يفعل ذلك من في قلبه مرض ونفاق» .
ولم يَعْقِلوا أنه إن كان العلمُ بها ممكنًا فهو ممكنٌ لهم كما يدَّعون أنه ممكنٌ لهم، وإلا فلا سبيل لهم إلى معرفتها بإقرارهم.
وكذلك التعبيرُ وبيانُ العلم بالخطابِ والكتابِ إن لم يكن ممكنًا فلا يُمْكِنُكم
(1)
ذلك، وأنتم تتكلَّمون وتكتبون علمَكم في الكتب، وإن كان ذلك ممكنًا فلا يصحُّ قولكم:«لم يُمْكِن الرُّسلَ ذلك» .
وإن قلتم: يمكنُ الخطابُ بها مع خاصَّة الناس دون عامتهم ــ وهذا قولُهم ــ، فمن المعلوم أن علمَ الرُّسل يكونُ عند خاصَّتهم كما يكونُ علمُكم عند خاصَّتكم.
ومن المعلوم أن كلَّ من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوَم، كان أحقَّ بالاختصاص به.
ولا ريبَ أن أهلَ الحديث أعلمُ الأمَّة وأخَصُّها بعِلم الرسول وعِلم خاصَّته
(2)
، مثل: الخلفاء الراشدين، وسائر العشرة، ومثل: أُبيِّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن سَلَام، وسلمان الفارسي، وأبي الدَّرداء، وعُبَادة بن الصَّامت، وأبي ذرٍّ الغِفَاري، وعمَّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان. ومثل: سعد بن معاذ، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وسعد بن عُبَادة، وعَبَّاد بن بِشْر، وسالم مولى أبي حذيفة، وغير هؤلاء ممَّن كان أخصَّ الناس بالرسول وأعلمَهم بباطن أموره وأتبعَهم لذلك.
(1)
التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب.
(2)
انظر: «الجواب الصحيح» (6/ 349) ، و «منهاج السنة» (7/ 422) ، و «مجموع الفتاوى» (3/ 347).
فعلماءُ الحديث أعلمُ الناس بهؤلاء وببواطن أمورهم وأتبعُهم لذلك، فيكونُ عندهم العلمُ علمُ خاصَّة الرسول وبِطَانته، كما أن خواصَّ الفلاسفة يعلمون عِلمَ أئمَّتهم، وخواصَّ المتكلمين يعلمون عِلمَ أئمَّتهم، وخواصَّ القرامطة والباطنية يعلمون عِلمَ أئمَّتهم.
وكذلك أئمَّةُ الإسلام
(1)
مثل أئمَّة العلماء، فإن خاصَّةَ كلِّ إمامٍ أعلمُ بباطن أموره، مثل مالك بن أنس فإن ابنَ القاسم لمَّا كان أخصَّ الناس به وأعلمَهم بباطن أمره اعتَمد أتباعُه على روايته، حتى إنه عنه تؤخذُ مسائلُ السِّرِّ التي رواها ابن أبي الغَمْر
(2)
وإن طعَن بعضُ الناس فيها
(3)
،
وكذلك
(1)
الأئمة المتبوعون.
(2)
أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر، ثقة فقيه من أصحاب ابن القاسم (ت: 234). انظر: «ترتيب المدارك» (4/ 22) ، و «تاريخ الإسلام» (5/ 864) ، و «الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة» لابن قطلوبغا (6/ 287).
(3)
وتسمى هذه المسائل بكتاب السِّر؛ لأن فيه كثيرًا مما يتعلق بالخلفاء كما يقول ابن حجر في «التلخيص» (3/ 374) ، وفي «الذخيرة» للقرافي (1/ 323) ما يوهم أنه الرسالة التي بعثها مالك إلى هارون الرشيد، وهي رسالةٌ مشهورةٌ أنكرها إسماعيل القاضي والأبهري وأصبغ وابن أبي زيد وغيرهم، وفيها أحاديثُ منكرةٌ تخالف أصول مالك وأقوالٌ لا تُعْرَف من مذهبه ورأيه. انظر:«ترتيب المدارك» (2/ 93) ، و «السير» (8/ 89). ومقتضى صنيع القاضي عياض وغيره ممن اطلع على الكتابين التفريق بينهما، وقد طبعت الرسالة مرات ونسخها الخطية متوافرة بينما لم يُعْثَر على كتاب السِّر اليوم فيما علمت. وزعم أمين الخولي في ترجمته المحررة للإمام مالك (3/ 759) أن «السِّر» تحريفٌ عن السِّيَر جمع سيرة! وهو زعمٌ باطلٌ فطير.
وكتاب «السِّر» من رواية الحارث بن مسكين، وابن أبي الغمر، وأصبغ بن الفرج، ثلاثتهم عن ابن القاسم عن مالك. انظر:«ترتيب المدارك» (2/ 94) ، و «السير» (8/ 89) ، و «التلخيص» (3/ 374) ، و «تجريد أسانيد الكتب المشهورة» لابن حجر (406) ، و «الديباج المذهب» (2/ 188).
وقال الخليلي في «الإرشاد» (405 - منتخبه): «يروى عن عبدالرحمن بن القاسم العتقي عن مالك بن أنس كتاب السرِّ لمالك، والحفَّاظ قالوا: لا يصحُّ عن عبد الرحمن أنه روى ذلك؛ لأن فيه أشياء ينزَّه مالكٌ عنها» .
وجمهور المالكية على نفيه عن مالك، ومن متقدميهم: أبو بكر الأبهري في شرح «الجامع لابن عبد الحكم» (175) وروى ذلك عن ابن القاسم، وحكى ابن الحاج في «المدخل» (2/ 192) إطباق أصحاب مالك عليه. وانظر:«المفهم» (4/ 157) ، وتفسير القرطبي (4/ 8) ، و «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس (1/ 88) ، و «جامع الأمهات» لابن الحاجب (261) ، و «مواهب الجليل» (1/ 30، 3/ 407).
وقال الطوفي في «الإشارات الإلهية» (1/ 332 - 333): «وقد شاهدناه عنه في كتاب السر من نسخة صحيحة متصلة الإسناد إليه، وأصحابه تارة يسلِّمون صحته عنه ويدَّعون رجوعه، وتارة ينكرونه عنه أصلًا، وينكرون صحة كتاب السر عنه بالأصالة ثم ينقلون من كتاب السر مسائل في غير هذا الباب، والدليل على صحته عنه أن عُظْمَ مادته عن نافع عن ابن عمر» .
ويظهر من هذا الموضع و «مجموع الفتاوى» (21/ 186) ميل المصنف إلى ثبوته عن مالك، وهو الأشبه.
أبو حنيفة: أبو يوسف ومحمَّدٌ وزُفَر أعلمُ الناس به، وكذلك غيرُهما.
وقد يكتبُ العالِمُ كتابًا أو يقولُ قولًا فيكونُ بعضُ من لم يُشَافِهْهُ به أعلمَ بمقصوده مِن بعض مَن شافَهَه به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«فربَّ مُبَلَّغٍ أوعى مِن سامِع»
(1)
، لكن بكلِّ حالٍ لا بدَّ أن يكونَ المبلَّغ من الخاصَّة العالمين
(1)
أخرجه البخاري (1741).
بحال المبلَّغ عنه، كما يكونُ في أتباع الأئمَّة من هو أفهمُ لنصوصهم من بعض أصحابهم.
ومن المستقرِّ في أذهان المسلمين أن ورثةَ الرُّسل وخلفاءَ الأنبياء هم الذين قاموا بالدِّين علمًا وعملًا ودعوةً إلى الله والرسول، فهؤلاء أتباعُ الرسول حقًّا، وهم بمنزلة الطائفة الطيِّبة من الأرض التي زَكَت، فقَبِلَت الماءَ، فأنبتَت الكَلأَ والعُشْبَ الكثير، فزَكَت في نفسها وزَكَا الناسُ بها.
وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوَّة على الدعوة، ولذلك كانوا ورثةَ الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم:{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45]، فالأيدي: القوَّة في أمر الله، والأبصار: البصائر في دين الله، فبالبصائر يُدْرَكُ الحقُّ ويُعْرَف، وبالقوة يُتَمَكَّنُ من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه.
فهذه الطبقةُ كان لها قوَّةُ الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر بالتأويل، ففجَّرت من النصوص أنهارَ العلوم، واستنبطَت منها كنوزَها، ورُزِقَت فيها فهمًا خاصًّا، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سُئل: هل خصَّكم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ دون الناس؟ فقال: لا، والذي فَلقَ الحبَّة وبَرأ النَّسَمة، إلا فهمًا يؤتيه اللهُ عبدًا في كتابه
(1)
.
فهذا الفهمُ هو بمنزلة الكلأ والعُشب الذي أنبتته الأرض
(2)
، وهو الذي تميَّزت به هذه الطبقةُ عن الطبقة الثانية، وهي التي حَفِظَت النصوص، فكان
(1)
تقدم تخريجه (ص: 114).
(2)
انظر: «جامع المسائل» (1/ 126 - 128).
همُّها حفظَها وضبطَها، فوَرَدَها الناسُ وتلقَّوها بالقبول، واستنبطوا منها واستخرجوا كنوزَها، واتَّجَروا فيها، وبَذَرُوها في أرضٍ قابلةٍ للزَّرع والنبات، ووَرَدُوها
(1)
كلٌّ بحسبه، {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60].
وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «نضَّر اللهُ امرأً سَمِعَ مقالتي، فوَعاها، فأدَّاها كما سَمِعَها، فربَّ حامل فقهٍ وليس بفقيه، وربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه»
(2)
.
وهذا عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما حَبْرُ الأمة وترجمانُ القرآن مقدارُ ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغُ نحو العشرين حديثًا الذي يقول فيه: «سمعتُ» و «رأيتُ»
(3)
،
وسَمِعَ الكثيرَ من الصحابة، وبُورِك له في فهمه والاستنباط منه
(1)
الأصل: «ورووها» ، تحريف. وعلى الصواب في «الوابل الصيب» (137) وقد نقل هذا البحث دون تصريح.
(2)
أخرجه الترمذي (2657) ، وابن ماجه (232) ، وأحمد (4157) ، وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 331) وغيرهم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
وصححه الترمذي، وابن حبان (66، 68، 69) ، وأبو نعيم.
وروي من وجوه أخرى كثيرة تبلغ حد التواتر، وحديث ابن مسعود أصح ما في الباب. انظر:«شرف أصحاب الحديث» (18) ، و «موافقة الخبر الخبر» (1/ 364) ، و «مفتاح دار السعادة» (1/ 196).
(3)
عقد لها الحميديُّ بابًا في مسنده (1/ 220 - 228)، ولمحمد عابد السندي:«كشف الباس عما رواه ابن عباس مشافهةً عن سيد الناس» منه نسخة بخطه في التيمورية، انظر:«الأعلام» (6/ 180) ، و «محمد عابد السندي» لسائد بكداش (342).
وانظر للخلاف في عدَّتها: «السنن الأبين» لابن رشيد (133) ، و «تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم (6/ 362) ، و «فتح الباري» (11/ 390) ، و «تهذيب التهذيب» (5/ 279) ، و «فتح المغيث» (1/ 273)، ومن كتب الأصول:«الفصول» لأبي بكر الجصاص (3/ 98) ، و «أصول السرخسي» (1/ 360) ، و «التلخيص» للجويني (2/ 423) ، و «المستصفى» (2/ 284).
حتى ملأ الدنيا علمًا وفقهًا.
قال أبو محمد بن حزم: «وجُمِعَت فتاواه في سبعة أسفارٍ كبار»
(1)
، وهي بحسب ما بَلَغَ جامعَها، وإلا فعلمُ ابن عباسٍ كالبحر، وفقهُه واستنباطُه وفهمُه في القرآن بالموضع الذي فاقَ به الناس، وقد سَمِعُوا ما سَمِع وحَفِظوا القرآن كما حَفِظه، ولكنَّ أرضه كانت مِن أطيب الأراضي وأقبَلِها للزَّرع، فبَذَر فيها النصوصَ، فأنبتت من كلِّ زوجٍ كريم، و {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21].
وأين تقعُ فتاوى ابن عباسٍ وتفسيرُه واستنباطُه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ ! وأبو هريرة أحفظُ منه، بل هو حافظُ الأمَّة على الإطلاق، يؤدِّي الحديثَ كما سَمِعه، ويَدْرُسُه بالليل دَرْسًا، فكانت همَّتُه مصروفةً إلى الحفظ وتبليغ ما حَفِظه كما سَمِعه
(2)
،
وهمَّةُ ابن عباسٍ مصروفةً إلى التفقُّه
(1)
كذا، وهو سهوٌ من سبق النظر، فقد ذكر ابن حزم في «الإحكام» (5/ 92) المكثرين من الصحابة في الفتيا ثم قال:«فهم سبعةٌ يمكنُ أن يجمعَ من فتيا كلِّ واحدٍ منهم سِفرٌ ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن العباس في عشرين كتابًا» . وذكره كذلك في «جمهرة أنساب العرب» (24).
(2)
ولا يعني هذا أن همَّته هذه صرفته عن التفقُّه فيما حفظ من الحديث، فإنه رضي الله عنه معدودٌ من فقهاء الصحابة، وذكره ابن حزم في «الإحكام» (5/ 92) في المتوسطين ممن حُفِظت عنهم الفتوى منهم.
وقال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (1/ 32): «كان من أوعية العلم ومن كبار أئمة الفتوى» ، وحلَّاه في «السير» (2/ 578) بالفقيه المجتهد، وقال في (2/ 620):«أفتى أبو هريرة في دِقَاق المسائل مع مثل ابن عباس» . وانظر: «كشف الأسرار» (2/ 383). وذكر ابن الوزير في «العواصم والقواصم» (2/ 36) أن شرائط الاجتهاد كانت مجتمعةً فيه.
وجمع تقيُّ الدين السبكي فتاويه في جزء. انظر: «الجواهر المضية» للقرشي (4/ 541) ، و «البحر المحيط» للزركشي (4/ 316، 6/ 211، 212).
وإنما أراد المصنف الشأنَ الغالب عليه إن هو قُرِنَ إلى واحدٍ من كبار فقهاء طبقته ومفتيهم كابن عباس رضي الله عنهم. انظر: «مجموع الفتاوى» (4/ 532 - 534).
والاستنباط، وتفجير النصوص، وشقِّ الأنهار منها، واستخراج كنوزها.
وهكذا ورثتُهم من بعدهم اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص، لا على خيالٍ فلسفيٍّ، ولا رأيٍ قياسيٍّ، ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات. لا جَرَم كانت الدائرةُ والثناءُ الصِّدقُ والجزاءُ العاجلُ والآجلُ لورثة الأنبياء التابعون
(1)
لهم في الدنيا والآخرة، فإن المرءَ على دين خليله، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وبكلِّ حال، فهم أعلمُ الأمة بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته ومقاصده وأحواله.
ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرون
(2)
على سماعه أو كتابته أو
(1)
كذا في الأصل، والجادة: التابعين.
(2)
كذا في الأصل، والجادة: المقتصرين.
روايته، بل نعني بهم: كلَّ من كان أحقَّ بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا، واتباعه باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهلُ القرآن.
وأدنى خصلةٍ في هؤلاء محبةُ القرآن والحديث، والبحثُ عنهما وعن معانيهما، والعملُ بما علموه من مُوجَبهما.
ففقهاءُ الحديث أخبَرُ بالرسول من فقهاء غيره، وصُوفيَّتُهم أتبعُ للرسول من صوفيَّة غيرهم
(1)
، وأمراؤهم أحقُّ بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامَّتُهم أحقُّ بموالاة الرسول من غيرهم.
ومن المعلوم أن المعظِّمين للفلسفة والكلام المعتقدِين لمضمونهما أبعدُ عن معرفة الحديث واتِّباعه مِن هؤلاء. هذا أمرٌ محسوس. بل إذا كشفتَ أحوالهم وجدتَهم مِن أجهل الناس بأقواله صلى الله عليه وسلم وأحواله وبواطن أموره وظاهرها، حتى تجدُ كثيرًا من العامة أعلمَ بذلك منهم.
ولا يميِّزون بين ما قاله وما لم يَقُلْه، بل قد لا يفرِّقون بين حديثٍ متواترٍ عنه وحديثٍ مكذوبٍ موضوعٍ عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافقُ قولهم سواءً كان موضوعًا أو غيرَ موضوع، فيَعْدِلُون إلى أحاديثَ يعلمُ خاصَّةُ الرسول بالضرورة اليقينيَّة أنها مكذوبةٌ عليه عن أحاديثَ يعلمُ خاصَّتُه بالضرورة اليقينيَّة أنها قولُه.
ولا يعلمون
(2)
مرادَه، بل غالبُ هؤلاء لا يعلمون معاني القرآن فضلًا
(1)
انظر: «الصفدية» (1/ 267، 270) ، و «شرح الأصبهانية» (676) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 177) ، و «الرد على الشاذلي» (39، 73) ، و «جامع المسائل» (7/ 189).
(2)
الأصل: «ويعلمون» . وأصلحت في (ط) إلى: «وهم لا يعلمون» .
عن الحديث، بل كثيرٌ منهم لا يحفظون القرآن أصلًا!
فمَن لا يحفظُ القرآنَ ولا يعرفُ معانيه، ولا يعرفُ الحديث ومعانيه، مِن أين يكونُ عارفًا بالحقائق المأخوذة عن الرسول؟ !
وإذا تدبَّر العاقلُ وَجَد الطوائفَ كلَّما كانت الطائفةُ إلى الله ورسوله أقربَ كانت بالقرآن والحديث أعظمَ عناية، وإذا كانت عن الله وعن رسوله أبعَدَ كانت عنهما أنْأى، حتى تجد في أئمَّة علماء هؤلاء من لا يميِّزُ بين القرآن وغيره، بل ربَّما ذُكِرت عنده آيةٌ فقال: لا نسلِّمُ صحَّة الحديث! وربَّما قال: لقوله عليه السلام كذا، وتكونُ آيةً من كتاب الله! وقد بلَغَنا من ذلك عجائب، وما لم يبلُغْنا أكثر
(1)
.
وحدثني ثقةٌ أنه تولى مدرسة مَشْهَد الحسين بمصر بعضُ أئمة المتكلمين رجلٌ يسمَّى شمس الدين الأصبهاني
(2)
شيخُ الأيكي
(3)
،
(1)
قال ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (3/ 35): عُقِد مرةً مجلسٌ لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، فتكلَّم فيه بعض أكابر المخالفين، وكان خطيبَ الجامع، فقال الشيخُ شرفُ الدين عبد الله أخو الشيخ: كلامنا مع أهل السُّنة، أما أنت فأنا أكتبُ لك أحاديث من الصحيحين، وأحاديث من الموضوعات ــ وأظنه قال: وكلامًا من سيرة عنترة ــ فلا تميِّز بينها!
(2)
محمد بن محمود بن عباد، الأصولي شارح «المحصول» (ت: 688) ، قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (15/ 620):«قليل البضاعة من الفقه والسنة والآثار» . وهو صاحب العقيدة التي شرحها المصنف بكتابه «شرح الأصبهانية» ، وأشار فيه (724) إلى قلة معرفته بالقرآن والحديث.
(3)
محمد بن أبي بكر الفارسي، الصوفيُّ الأصوليٌّ المتكلِّم (ت: 697). انظر: «البداية والنهاية» (17/ 706) ، و «شذرات الذهب» (7/ 767).
فأعطوه جزءًا من الرَّبْعَة
(1)
فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم الْمَص، حتى قيل له: ألف لام ميم صاد.
فتأمَّل هذه الحكومةَ العادلة، ليتبيَّن لك أن الذين يَعِيبون أهلَ الحديث ويَعْدِلُون عن مذهبهم جهلةٌ زنادقةٌ منافقون بلا ريب.
ولهذا لمَّا بلغ الإمامَ أحمد عن ابن أبي قُتَيلة أنه ذُكِر عنده أهلُ الحديث بمكة، فقال: قومُ سوءٍ، فقام الإمامُ أحمد وهو ينفضُ ثوبَه، ويقول: زنديق زنديق زنديق، ودخل بيتَه
(2)
. فإنه عَرَف مَغْزاه.
وعَيْبُ المنافقين للعلماء بما جاء به الرسولُ قديمٌ من زمن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم
(3)
.
وأما أهلُ العلم فكانوا يقولون: هم الأبدال
(4)
؛ لأنهم أبدالُ الأنبياء أو قائمون مقامَهم حقيقةً، ليسوا من المعدومين الذين لا يُعْرَفُ لهم حقيقة، كلٌّ
(1)
وهي المصحف المجزَّء إلى ثلاثين جزءًا توضع في صندوقٍ كلُّ جزء بجلدٍ مستقل. انظر: «تاريخ الإسلام» (9/ 224) ، و «التاج» و «المعجم الوسيط» (ربع).
(2)
أخرجه أبو عبد الله الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (5) ، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (74) ، وأبو إسماعيل الأنصاري في «ذم الكلام» (241) ، وابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (1/ 76).
(3)
في طرة الأصل هنا دون علامة التصحيح: «فإنهم كانوا يُدْعَون
…
القُرَّاء، فقال بعض المنافقين وهو
…
: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء».
(4)
أخرجه الخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (49 - 50) وغيره عن سفيان الثوري وأحمد. وانظر: «مجموع الفتاوى» (3/ 159) ، و «جامع المسائل» (2/ 67).
منهم يقومُ مقامَ الأنبياء في القَدْر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العِلْم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعًا.
وكانوا يقولون: هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظَّاهرين
(1)
على الحقِّ، لأن الهدى ودينَ الحقِّ الذي بعثَ اللهُ به رسلَه معهم، وهو الذي وَعَد اللهُ بظهوره على الدين كلِّه، وكفى بالله شهيدًا.
فصل
وتلخيصُ النكتة: أن الرُّسل إما أنهم عَلِموا الحقائقَ الخبريَّة والطلبيَّة، أو لم يَعْلَمُوها. وإذا عَلِمُوها، فإما أنه كان يُمْكِنُهم بيانُها بالكلام والكتاب، أو لا يُمْكِنُهم ذلك. وإذا أمكَنهم ذلك، فإما أن يُمْكِنَ للعامة أو للخاصة
(2)
.
فإن قال: إنهم لم يَعْلَمُوها، وأن الفلاسفة والمتكلِّمين أعلمُ بها منهم، وأحسنُ بيانًا لها منهم= فلا ريب أن هذا قولُ الزنادقة المنافقين، وسنتكلَّمُ معهم بعد هذا
(3)
، إذ الخطابُ هنا لبيان أن هذا قولُ الزنادقة، وأنه لا يقولُه إلا منافقٌ أو جاهل.
وإن قال: إن الرُّسلَ مقصودُهم صلاحُ عموم الخلق، وعمومُ الخلق لا يُمْكِنُهم فهمُ هذه الحقائق الباطنة، فخاطَبوهم بضرب الأمثال لينتفعوا بذلك، وأظهَروا الحقائقَ العقليةَ في القوالب الحِسِّية، فتضمَّن خطابُهم عن الله وعن اليوم الآخر من التَّخييل والتَّمثيل للمعقول بصورة المحسوس ما
(1)
كذا في الأصل، والجادة: الظاهرون.
(2)
غُيِّرت في (ط) إلى: «فإما أن يمكن للعامة وللخاصة أو للخاصة فقط» .
(3)
(ص: 148، 225).
ينتفعُ به عمومُ الناس في أمر الإيمان بالله وبالمعاد، وذلك يقرِّرُ في النفوس من عظمة الله وعظمة اليوم الآخر ما يَحُضُّ النفوسَ على عبادة الله وعلى الرجاء والخوف، فينتفعون بذلك وينالون السعادةَ بحسب إمكانهم واستعدادهم، إذ هذا الذي فعلته الرُّسلُ هو غايةُ الإمكان في كشف الحقائق لعموم النَّوع البشريِّ، ومقصودُ الرُّسل حِفْظُ النَّوع البشريِّ وإقامةُ مصلحة معاشه ومعاده= فمعلومٌ أن هذا قولُ حُذَّاق الفلاسفة، مثل الفارابي وابن سينا وغيرهما، وهو قولُ كلِّ حاذقٍ وفاضلٍ من المتكلِّمين في القَدْر الذي يخالفُ فيه أهلَ الحديث
(1)
.
فالفارابيُّ يقول: «إن خاصَّة النبوَّة جودةُ تخييل الأمور المعقولة في الصُّوَر المحسوسة» أو نحو هذه العبارة
(2)
.
وابن سينا يذكرُ هذا المعنى في مواضع
(3)
، ويقول: ما كان يمكنُ موسى بن عمران مع أولئك العِبْرانيين، ولا يمكنُ محمدًا مع أولئك العرب الجُفاة، أن يبيِّنا لهم الحقائقَ على ما هي عليه، فإنهم كانوا يعجَزون عن فهم ذلك، وإن فَهِمُوه على ما هم عليه انحلَّت عَزَماتُهم عن اتباعه؛ لأنهم لا يرون من العلم ما يقتضي العمل.
(1)
انظر: «الصفدية» (1/ 202، 237) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 328) ، و «درء التعارض» (1/ 179، 5/ 21، 7/ 333) ، و «الجواب الصحيح» (6/ 519) ، و «الرد على المنطقيين» (281).
(2)
انظر: «آراء أهل المدينة الفاضلة» (115).
(3)
انظر: «النجاة» (2/ 167) ، و «الرسالة الأضحوية» (45، 49 - 51، 59) ، ورسالة في إثبات النبوات (125 - تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات).
وهذا المعنى يوجدُ في كلام أبي حامدٍ وأمثاله ومَن بعده، طائفةٌ منه في «الإحياء» وغير «الإحياء»
(1)
، وكذلك في كلام الرازي
(2)
.
وأما الاتحاديةُ ونحوهم من المتكلِّمين فعليه مدارُهم، ومبنى كلام الباطنية والقرامطة عليه، لكن هؤلاء ينكرون ظواهرَ الأمور العملية والعِلْمية جميعًا، وأما غيرُ هؤلاء فلا ينكرون العمليَّات الظاهرة المتواترة، لكن قد يجعلونها لعموم الناس لا لخصوصهم، كما يقولون مثل ذلك في الأمور الخبرية، ومدار كلامهم على أن الرسالة متضمنةٌ لمصلحة العموم علمًا وعملًا، وأما الخاصَّة فلا.
وعلى هذا يدور كلام أصحاب «رسائل إخوان الصفا»
(3)
وسائر فضلاء المتفلسفة.
ثم منهم من يوجبُ اتِّباعَ الأمور العملية من الأمور الشرعية، وهؤلاء كثيرون في متفقِّهتهم ومتصوِّفتهم وعقلاء فلاسفتهم.
وإلى هنا كان ينتهي علمُ ابن سينا إذا تاب والتزم القيام بالواجبات الناموسيَّة
(4)
؛ فإن قدماء الفلاسفة كانوا يوجبون اتِّباعَ النواميس التي وضعها
(1)
انظر: «الإحياء» (1/ 100، 101) ، و «المنقذ من الضلال» (182).
(2)
انظر: «أساس التقديس» (250) ، و «المطالب العالية» (2/ 73) ، و «مفاتيح الغيب» (7/ 142).
(3)
انظر: «رسائل إخوان الصفا» (3/ 68، 132، 138).
(4)
الناموس هو الشريعة والقانون والسياسة الكلية للمدائن. انظر: «مجموع الفتاوى» (17/ 330) ، و «الكليات» (1/ 444) ، و «تكملة المعاجم» (10/ 314).
أكابرُ حكماء البلاد، فلَأَنْ يوجِبوا اتِّباعَ نواميس الرسل أولى، فإنهم ــ كما قال ابنُ سينا ــ:«اتفق فلاسفةُ العالم على أنه لم يقرَع العالمَ ناموسٌ أفضلُ من هذا الناموس المحمَّدي»
(1)
، وكلُّ عقلاء الفلاسفة متَّفقون على أنه أكملُ النوع وأفضلُ النوع البشري، وأن جنسَ الرُّسل أفضلُ من جنس الفلاسفة المشاهير، ثم قد يزعمون أن الرُّسلَ والأنبياءَ حكماءُ كبار، وأن الفلاسفة الحكماءَ أنبياءُ صغار، وقد يجعلونهم صنفان
(2)
، وليس هذا موضعَ شرح ذلك، فقد تكلَّمنا على ذلك في غير هذا الموضع
(3)
.
وإنما الغرض أن هؤلاء الأساطِين من الفلاسفة والمتكلِّمين غايةُ ما يقولون هذا القول، ونحن ذكرنا الأمرَ على وجه التقسيم العقليِّ الحاصِر لئلَّا يخرجَ عنه قسم، ليتبيَّن أن المخالفَ لعلماء الحديث علمًا وعملًا إما جاهلٌ وإما منافق، والمنافقُ جاهلٌ وزيادة كما سنبيِّنه إن شاء الله، والجاهل هنا فيه شعبةُ نفاق وإن كان لا يعلمُ بها، فالمنكِر لذلك جاهلٌ منافق.
(1)
انظر: «الجواب الصحيح» (3/ 7، 5/ 90) ، و «منهاج السنة» (1/ 317) ، و «تفسير آيات أشكلت» (2/ 735) ، و «الرد على المنطقيين» (442) ، و «مجموع الفتاوى» (4/ 203، 11/ 228، 12/ 22، 337، 35/ 187).
(2)
كذا في الأصل، والجادة: صنفين.
(3)
انظر خلاف الفلاسفة في التفضيل بين النبي والفيلسوف في «منهاج السنة» (8/ 23، 59) ، و «شرح الأصبهانية» (576، 721) ، و «الصفدية» (1/ 249) ، و «بغية المرتاد» (227) ، و «النبوات» (695) ، و «درء التعارض» (1/ 9، 10، 5/ 361) ، و «الرد على المنطقيين» (281، 442) ، و «الرد على الشاذلي» (132) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 67، 5/ 546، 7/ 589، 9/ 247، 12/ 24، 16/ 440، 17/ 356).
فقلنا: إن من زعمَ أنه وكبار طائفته أعلمُ من الرُّسل بالحقائق وأحسنُ بيانًا لها= فهذا زنديقٌ منافقٌ إذا أظهَر الإيمانَ بهم باتفاق المؤمنين بهم. وسيجيء الكلامُ معه.
وإن قال: إن الرُّسل كانوا أعظمَ علمًا وبيانًا، لكن هذه الحقائق لا يمكنُ علمُها، أو لا يمكنُ بيانُها مطلقًا، أو يمكنُ الأمرين
(1)
للخاصَّة= قلنا: فحينئذٍ لا يمكنُكم أنتم ما عَجَزت عنه الرُّسلُ من العلم والبيان.
إن قلتم: لا يمكنُ علمُها= قلنا: فأنتم وأكابركم لا يمكنُكم علمُها بطريق الأولى.
وإن قلتم: لا يمكنُهم بيانُها= قلنا: فأنتم وأكابركم لا يمكنُكم بيانها.
وإن قلتم: يمكنُ ذلك للخاصَّة دون العامة= قلنا: فيمكنُ ذلك للخاصَّة من الرُّسل دون عامَّتهم
(2)
.
فإن ادَّعوا أنه لم يكن في خاصَّة أصحاب الرُّسل من يمكنُهم فَهْمُ ذلك= جَعَلوا السَّابقين الأوَّلين دون المتأخِّرين في العلم والإيمان، وهذا من مقالات الزنادقة؛ لأنه جعل بعض الأمم الأوائل من اليونان والهند ونحوهم أكمل عقلًا وتحقيقًا للأمور الإلهية والمَعَادِيَّة
(3)
من هذه الأمة، فهذا مِن
(1)
كذا في الأصل، والجادة: الأمران.
(2)
في العبارة قلب. وأصلحت في (ف) إلى: «من الرسل للخاصة دون عامتهم» . وفي (ط) تعليقًا: أي بيانها من الرسل لخاصة الناس دون عامتهم.
(3)
أمور المعاد والبعث واليوم الآخر. وتحرفت في (ط) إلى: «وللعادية» ، وفي (ف):«وللعبادية» .
مقالات المنافقين الزنادقة؛ إذ المسلمون متَّفقون على أن هذه الأمة خيرُ الأمم وأكملُهم، وأن أكمل هذه الأمة وأفضلَها سابقوها.
وإذا سُلِّمَ ذلك فأعلمُ الناس بالسَّابقين وأتبعُهم لهم هم أهلُ الحديث وأهلُ السُّنة.
ولهذا قال الإمامُ أحمد في رسالة عَبْدُوس بن مالك
(1)
: «أصول السُّنة عندنا التمسُّكُ بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاقتداءُ بهم، وتركُ البدع، وكلُّ بدعةٍ فهي ضلالة، والسُّنة عندنا آثارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسُّنةُ تفسِّر القرآن، وهي دلائلُ القرآن» ، أي دلالاتٌ على معناه.
ولهذا ذكر العلماءُ أن الرَّفض أساسُ الزندقة
(2)
،
وأن أول من ابتدعَ الرَّفض إنما كان منافقًا زنديقًا
(3)
، وهو ابن سبأ، فإنه إذا قُدِحَ في السابقين الأولين فقد قُدِحَ في نقل الرسالة، أو في فهمها، أو في اتِّباعها. فالرافضةُ تقدحُ تارةً في علمهم بها، وتارة في اتِّباعهم لها، وتحيلُ ذلك على أهل
(1)
أبو محمد العطار، قال الخلال: كانت له عند أحمد منزلة وله به أنسٌ شديد. أخرج رسالته اللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (1/ 176) ، وابن أبي يعلى في ترجمته من «طبقات الحنابلة» (2/ 166) ، وغيرهما.
(2)
وذلك أنه كان بابًا ولج منه الإسماعيلية ونحوهم من الزنادقة إلى كفرهم.
قال الغزالي في «فضائح الباطنية» (37) عنهم: «مذهبٌ ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض» . وقال المصنف: «التشيع دهليز الرفض، والرفض دهليز القرمطة» . انظر: «مجموع الفتاوى» (2/ 230، 4/ 428، 22/ 367).
(3)
انظر: «المقالات والفرق» للقُمِّي (20) ، و «فرق الشيعة» للنوبختي (22) عن «أصول مذهب الشيعة» للقفاري (1/ 82) ، و «منهاج السنة» (7/ 459).
البيت والمعصوم الذي ليس له وجودٌ في الوجود.
والزنادقةُ من الفلاسفة والنُّصَيرية وغيرهم يقدحون تارةً في النقل وهو قولُ جهَّالهم، وتارةً يقدحون في فهم الرسالة وهو قولُ حذَّاقهم كما يذهبُ إليه أكابرُ الفلاسفة والاتحادية ونحوهم.
حتى كان التِّلِمْساني
(1)
مرةً مريضًا فدخل عليه شخصٌ ومعه بعض طلبة الحديث، فأخذ يتكلَّم على قاعدته في الفِكْر أنه حِجَاب، وأن الأمر مدارُه على الكَشْف، وغرضُه كشفُ الوجود المطلق، فقال ذلك الطالب: فما معنى قول أم الدرداء: «كان أفضلُ عمل أبي الدَّرداء التفكُّرُ»
(2)
، فتبرَّم بدخول مثل هذا عليه، وقال للذي جاء به: كيف يدخلُ عليَّ مثل هذا؟ ! ثم قال: أتدري يا بنيّ ما مَثَل أبي الدرداء وأمثاله؟ مَثَل أقوامٍ سمعوا كلامًا وحَفِظُوه لنا حتى نكونَ نحن الذين نفهمُه ونعرفُ مرادَ صاحبه، ومَثَلُه بَرِيدٌ
(1)
سليمان بن علي، الملقَّب بالعفيف وهو من أفجر الناس كما يقول المصنف، من غلاة الاتحادية وأعظمهم تحقيقًا للزندقة (ت: 690) ، قرئ عليه مرةً «فصوص الحكم» لابن عربي، فقيل له: هذا الكلام يخالف القرآن، فقال: القرآن كله شركٌ وإنما التوحيد في كلامنا، فقيل له: إذا كان الوجود واحدًا فلماذا تحرَّم علي أمي وتباح لي امرأتي؟ فقال: الجميع عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرامٌ عليكم. انظر: «تاريخ الإسلام» (15/ 654) ، و «الجواب الصحيح» (4/ 302، 500) ، و «الصفدية» (1/ 244) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 175، 201، 244، 471، 13/ 186، 197).
(2)
أخرجه ابن المبارك (286، 872) ، ووكيع (224) ، وأحمد (135) ، وهنَّاد (958) جميعهم في الزهد، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 208، 4/ 253، 7/ 300) وغيرهم من وجهين صحيحين.
حمَل كتابًا من السُّلطان إلى نائبه
(1)
.
أو نحو ذلك، فقد طال عهدي بالحكاية، حدَّثني بها الذي دخل عليه
(2)
وهو ثقةٌ يعرفُ ما يقول في هذا، وكان له في هذه الفنون جَوَلانٌ كثير.
(1)
قال كمال الدين المراغي: كنت أقرأ عليه في «فصوص الحكم» ، فلما صار يشرحه لي أقول: هذا خلاف القرآن والأحاديث، فقال: ارم هذا كله خلف الباب واحضر بقلب صافٍ حتى تتلقى هذا التوحيد! «مجموع الفتاوى» (2/ 245).
ونقل عنه الذهبي نحو هذه القصة، قال: حكى لي أنه قرأ عليه في المواقف للنفري، فجاء موضعٌ يخالف الشرع، فحاققتُه عليه، فقال: إن كنت تريدُ تعرف علم القوم فخذ الشرع والكتاب والسنة فلفَّها واطرحها! قال: فمقتُّه وانقطعتُ من ذلك اليوم. انظر: «الدرر الكامنة» (4/ 184). ونحوها في «الصفدية» (1/ 245).
(2)
لعله الشيخ العابد الزاهد أبو القاسم كمال الدين عمر بن إلياس المراغي (ت: 733) صاحب الحكايات السابقة، وصفه شيخ الإسلام في «الفتاوى» (2/ 244) بالعالم العارف شيخ زمانه. سمع الحديث، وأخذ عن البيضاوي المنهاج وغيره من كتبه ومن طريقه تروى في البرامج والأثبات، وقرأ على النصير الطوسي والتلمساني فلما تبين له ضلالهما تركهما. ترجم له الذهبي في معجمه وأثنى عليه، نقله ابن حجر في «الدرر الكامنة» (4/ 184) وليس في مطبوعة المعجم. ولقيه ابن بطوطة وذكره في رحلته (1/ 252). واجتمع به ابن كثير في دمشق عندما وردها سنة 729 وسأله عن ابن تيمية فقال: «هو عندي رجلٌ كبير القدر، عالمٌ مجتهدٌ شجاعٌ صاحب حقٍّ، كثير الردِّ على هؤلاء الحلولية والاتحادية
…
، واجتمعتُ به مرارًا وشكرته على ذلك، وكان أهل هذا المذهب الخبيث يخافون منه كثيرًا، وكان يقول لي: ألا تكون مثلي؟ فأقول له: لا أستطيع! ». انظر: «الرد الوافر» (216) ، و «طبقات الشافعية» لابن كثير (2/ 719) ، و «المختصر في أخبار البشر» (4/ 107).
ويحتمل أن يكون الإمام الحافظ جمال الدين المزي، فقد صحب التلمسانيَّ زمنًا ثم فارقه وتبرأ منه حين تبين له ضلاله. انظر:«تذكرة الحفاظ» (1499).
وكذلك ابنُ سينا وغيرُه يذكرون من التنقُّص بالصحابة ما وَرِثه عن أبيه وشيعته القرامطة
(1)
، حتى تجدهم إذا ذكروا في آخر الفلسفة حاجةَ النوع [البشريِّ] إلى الإمامة عرَّضوا بقول الرافضة الضُّلَّال، لكن أولئك يصرِّحون من السَّبِّ بأكثر مما يصرِّحُ به هؤلاء.
ولهذا تجدُ بين الرافضة والقرامطة والاتحادية اقترانًا واشتباهًا، تجمعهم أمور، منها:
* الطعنُ في خِيار هذه الأمة، وفيما عليه أهل السُّنة والجماعة، وفيما استقرَّ من أصول المِلَّة وقواعد الدين.
* ويدَّعون باطنًا امتازوا به واختصُّوا به عمَّن سواهم.
ثم هم مع ذلك متلاعِنون متباغِضون مختلفون، كما رأيتُ وسمعتُ من ذلك ما لا يحصى، كما قال الله عن النصارى:{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14]، وقال عن اليهود: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ
(1)
. أخبر ابنُ سينا أن أباه كان ممن أجاب الحاكم داعي الإسماعيلية بمصر. انظر: «نكت في أحوال الشيخ الرئيس ابن سينا» للكاشي (10)، و «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» للقفطي (547). وقال المصنف:«أهل بيت ابن سينا كانوا من أتباع هؤلاء وأبوه وجدُّه (كذا، ولعلها: وأخوه) من أهل دعوتهم، وبسبب ذلك دخل في مذاهب الفلاسفة» . انظر: «الصفدية» (1/ 3، 2/ 18) ، و «بغية المرتاد» (183) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 101، 5/ 406) ، و «درء التعارض» (1/ 289، 5/ 10) ، و «الرد على المنطقيين» (141) ، و «شرح الأصبهانية» (723) ، و «مجموع الفتاوى» (11/ 571، 13/ 249، 35/ 186).
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64].
وكذلك المتكلِّمون المخلِّطون
(1)
الذين يكونون تارةً مع المسلمين وإن كانوا مبتدعين، وتارةً مع الفلاسفة الصَّابئين، وتارةً مع الكفار المشركين، وتارةً يقابِلون بين الطوائف وينظُرون لمن تكونُ الدائرة، وتارةً يتحيَّرون بين الطوائف.
وهذه الصفة كَثُرَت في كثيرٍ ممَّن انتسب إلى الإسلام من العلماء والأمراء وغيرهم، لاسيَّما لما ظهر المشركون من التُّرك على أرض الإسلام بالمشرق في أثناء المئة السابعة، وكان كثيرٌ ممن ينتسبُ إلى الإسلام فيه من النفاق والردَّة ما أوجبَ تسليطَ المشركين وأهل الكتاب
(2)
.
فتجدُ أبا عبد الله الرازي يطعنُ في دلالة الأدلَّة اللفظية على اليقين، وفي إفادة الأخبار للعلم، وهذان هما مقدِّمتا الزندقة كما قدَّمناه
(3)
، ثم يعتمدُ فيما أقرَّ به من أمور الإسلام على ما عُلِمَ بالاضطرار من دين الإسلام، مثل العبادات والمحرَّمات الظاهرة، وكذلك الإقرار بمعاد الأجساد
(4)
، مع أن
(1)
. الأصل: «المختلطون» . والمثبت من (ط) أشبه بالصواب.
(2)
. انظر: «اقتضاء الصراط» (1/ 358) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 475، 13/ 179، 182، 22/ 254، 34/ 205). والمراد بالترك التتار.
قال ابن دقيق العيد: «إنما استولت التتار على بلاد المشرق لظهور الفلسفة فيهم وضعف الشريعة» . «مجموع الفتاوى» (2/ 245).
(3)
. (ص: 132).
(4)
. انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 72، 6/ 344، 8/ 381) ، و «مجموع الفتاوى» (13/ 139، 140).
الاطلاع
(1)
على التفاسير والأحاديث يجعلُ العلمَ بذلك مستفادًا من أمور كثيرة.
فلا يعطِّلُ تعطيلَ الفلاسفة الصَّابئين، ولا يُقِرُّ إقرارَ الحنفاء العلماء المؤمنين.
وكذلك الصَّحابة، وإن كان يقولُ بعدالتهم فيما نقلوه، وبعلمهم في الجملة، لكن يزعمُ في مواضعَ أنهم لم يَعْلَموا شبهات الفلاسفة وما خاضوا فيه؛ إذ لم يجد مأثورًا عنهم التكلُّم بلغة الفلاسفة، ويجعلُ هذا حجةً له في الردِّ على من يزعم
…
(2)
.
وكذلك هذه المقالات لا تجدُها إلا في أجهل المتكلِّمين في العلم وأظْلَمِهم، من هؤلاء المتكلِّمة والمتفلسفة والمتشيِّعة والاتحادية.
مثل قول كثيرٍ من الملوك
(3)
والمتأمِّرة في الصحابة
(4)
: إنَّا أشجعُ منهم، وإنهم لم يقاتلوا مثل العدوِّ الذي قاتلناه، ولا باشَروا الحروبَ مباشرتَنا، ولا سَاسُوا سياستَنا
(5)
. وهذا لا تجدُه إلا في أجهل الملوك وأظْلَمِهم.
(1)
. الأصل: «بعد الاطلاع» . والمثبت أدنى إلى استقامة السياق.
(2)
. بياض في الأصل بمقدار نصف سطر.
(3)
. الأصل: «العلما» . ويشبه أن تكون محرفة عن المثبت.
(4)
. وقعت «في الصحابة» في الأصل بعد كلمة «والاتحادية» ، ومحلها هنا أظهر.
(5)
. انظر: «النبوات» (635) ، و «التسعينية» (942).
فإنه
(1)
إن أراد أن نفسَ ألفاظهم
(2)
وما يتوصَّلون به إلى بيان مرادهم من المعاني لم يعلموه
(3)
= فهذا لا يضرُّهم؛ إذ العلمُ بلغات الأمم ليس ممَّا يجبُ على الرُّسل وأصحابهم، بل يجبُ ما لا يتمُّ التبليغُ إلا به، فالمتوسِّطون بينهم من التَّراجِمَة يعلمون لفظ كلٍّ منهما ومعناه، فإن كان المعنيان واحدًا كالشمس والقمر وإلا عَلِمُوا ما بين المعنيين من الاجتماع والافتراق وبيَّنوا لكلٍّ منهما مرادَ صاحبه، كما تُصَوَّرُ المعاني ويُبَيَّن ما بين المعنيين من التماثل والتشابه والتقارب.
فالصحابةُ كانوا يعلمون ما جاء به الرسول، وفيما جاء به بيانُ الحجَّة على بطلان كفر كلِّ كافرٍ وبيانُ ذلك بقياسٍ صحيحٍ أحقُّ وأحسنُ بيانًا من مقاييس أولئك الكفار، كما قال تعالى:{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] ، أخبَر سبحانه أن الكفَّار لا يأتونه بقياسٍ عقليٍّ لباطلهم إلا جاءه الله بالحقِّ، وجاء من البيان والدليل وضَرْبِ المَثَلِ بما هو أحسنُ تفسيرًا وكشفًا وإيضاحًا للحقِّ من قياسهم
(4)
.
وجميعُ ما تقوله الصابئةُ والمتفلسفةُ وغيرُهم من الكفَّار من حُكمٍ أو دليلٍ يندرجُ فيما عَلِمَه الصحابة.
وهذه الآيةُ ذكَرها الله تعالى بعد قوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي
(1)
. أي الرازي.
(2)
. أي الفلاسفة.
(3)
. أي الصحابة.
(4)
. انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 452، 4/ 50، 6/ 300).