الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].
وقد بسطنا القولَ في ذلك وذكرنا الدلالات العقلية التي دلَّ عليها كتابُ الله في نفي ذلك
(1)
، وبيَّنَّا منه ما لم تذكره النفاةُ الذين يتسمَّون بالتنزيه ولا يوجدُ في كتبهم ولا يُسْمَعُ من أئمَّتهم، بل عامةُ حججهم التي يذكرونها حججٌ ضعيفة؛ لأنهم يقصدون إثبات حقٍّ وباطل، فلا يقومُ على ذلك حجةٌ مطَّردةٌ سليمةٌ عن الفساد، بخلاف من اقتصد في قوله وتحرَّى القولَ السَّديد فإن الله يُصْلِحُ عملَه، كما قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الأحزاب: 70، 71].
* وفيه من الحقِّ: الإشارةُ إلى
الردِّ على من انتحَل مذهبَ السَّلف مع الجهل بمقالهم
، أو المخالفة لهم بزيادةٍ أو نقصان.
ف
تمثيلُ الله بخلقه والكذبُ على السَّلف من الأمور المنكرة
، سواءٌ سمِّي ذلك حشوًا أو لم يُسَمَّ، وهذا يتناولُ كثيرًا من غالية المُثْبِتَة الذين يَرْوُون أحاديثَ موضوعةً في الصِّفات، مثل حديث عَرَق الخيل، ونزوله عشيَّة عرفة على الجمل الأورَق حتى يصافحَ المُشَاة ويعانقَ الرُّكبان، وتجلِّيه لنبيِّه في الأرض، أو رؤيته له على كرسيٍّ بين السماء والأرض، أو رؤيته إيَّاه في الطَّواف،
(1)
في مصنف أفرده لقوله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، أشار إليه في «درء التعارض» (4/ 146) و «منهاج السنة» (2/ 185) ، وأورده ابن رُشَيِّق في أسماء مؤلفاته (291 - الجامع سيرة شيخ الإسلام). وذكر في «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 487) أنه بسط الكلام على هذا في «جواب الاعتراضات المصرية على الفتاا الحموية» ، وهو في القطعة المطبوعة من الجواب (114 - 153).
أو في بعض سِكَك المدينة، إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة
(1)
.
فقد رأيتُ من ذلك أمورًا مِن أعظم المنكرات والكُفران، وأحضر لي غيرُ واحدٍ من الناس من الأجزاء والكتب ما فيه من ذلك ما هو من الافتراء على الله وعلى رسوله، وقد وضع لتلك الأحاديث أسانيد.
حتى إن منهم من عَمَد إلى كتابٍ صنَّفه الشيخُ أبو الفرج المقدسي
(2)
فيما يُمْتَحَنُ به السُّنِّيُّ من البِدْعِيِّ
(3)
، فجعل ذلك الكتاب مما أوحاه الله إلى نبيِّه ليلة المعراج وأمرَه أن يمتحنَ به الناسَ فمن أقرَّ به فهو سنيٌّ ومن لم يقرَّ به فهو بِدْعِيّ، وزادوا فيه على الشيخ أبي الفرج أشياء لم يقلها هو ولا عاقل
(4)
.
(1)
انظر: «درء التعارض» (1/ 148، 5/ 225، 7/ 93) ، و «منهاج السنة» (2/ 635) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (3/ 307) ، و «مجموع الفتاوى» (3/ 385، 33/ 173).
و «الموضوعات» لابن الجوزي (231، 245، 263) ، و «تنزيه الشريعة» لابن عراق (1/ 134، 137، 139، 146).
(2)
عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي المقدسي الدمشقي، من أئمة الحنابلة في الشام في وقته (ت: 486). انظر: «طبقات الحنابلة» (3/ 461).
(3)
ذكره له ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 161) وغيره. وهو مطبوع عن أصل بخط يوسف بن محمد الهكاري (ت: 710).
(4)
ذكر المصنف أن بعض الكذابين جعل لتلك المسائل إسنادًا إلى رسول صلى الله عليه وسلم ،وهذا يعلم من له أدنى معرفة أنه مكذوبٌ مفترى، وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقًا لأصول السنة ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يُحْكَم بأنه مبتدع
…
، وفيها أيضًا أشياء مرجوحة. انظر:«مجموع الفتاوى» (3/ 380).
ومن شنيع ما وقع فيها (ص: 335، 215، 320، 470): تكفير المبتدعة بإطلاق ولعنهم وتكفير من لم يكفرهم. ومن العظائم أيضًا إيراد بعض الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم في فضل يزيد بن معاوية (ص: 506 - 507).
والناسُ المشهورون قد يقول أحدُهم من المسائل والدلائل ما هو حقٌّ أو فيه شبهةُ حقٍّ، فإذا أخذ الجهَّالُ ذلك فغيَّروه صار فيه من الضلال ما هو من أعظم الإفك والمحال.
والمقصود أن كلامه
(1)
فيه حقٌّ.
وفيه من الباطل أمور:
أحدها: قوله: «لا يتحاشى من الحشو [والتشبيه] والتجسيم» ذمٌّ للناس بأسماء ما أنزل الله بها مِن سلطان، والذي مدحُه زَيْنٌ وذمُّه شَيْنٌ هو الله.
والأسماء التي يتعلَّقُ بها المدحُ والذمُّ من الدين لا تكونُ إلا من الأسماء التي أنزل الله بها سلطانه ودلَّ عليها الكتابُ والسُّنة أو الإجماع، كالمؤمن والكافر، والعالم والجاهل، والمقتصد، والملحد.
فأما هذه الألفاظُ الثلاثة
(2)
فليست في كتاب الله، ولا في حديثٍ عن رسول الله، ولا نطق بها أحدٌ من سلف الأمة وأئمَّتها لا نفيًا ولا إثباتًا، وأول من ابتدع الذمَّ بها المعتزلةُ الذين فارقوا جماعةَ المسلمين، فاتباعُ سبيل المعتزلة دون سبيل سلف الأمة تركٌ للقول السَّديد الواجب في الدين، واتباعٌ لسبيل المبتدعة الضالِّين.
وليس فيها ما يوجدُ عن بعض السَّلف ذمُّه إلا لفظ «التشبيه» ، فلو اقتصَر عليه لكان له قدوةٌ من السَّلف الصالح، ولو أنه ذكَر
(3)
الأسماء التي نفاها الله
(1)
كلام العز بن عبد السلام المتقدم في صدر هذا الفصل.
(2)
الحشو والتشبيه والتجسيم.
(3)
الأصل: «ولولا ذكر» . والمثبت أشبه بالصواب.
في القرآن مثل لفظ «الكُفؤ، والندِّ، والسَّمِيِّ» ، وقال:«منهم من لا يتحاشى من التمثيل» ونحوه= لكان قد ذَمَّ بقولٍ نفاه الله في كتابه، ودلَّ القرآنُ على ذمِّ قائله، ثم يُنْظَر: هل قائلُه موصوفٌ بما وصفَه به من الذمِّ أم لا؟
فأما الأسماء التي لم يَدُلَّ الشَّرعُ على ذمِّ أهلها ولا مدحِهم، فيُحْتَاجُ فيها إلى مقامين:
أحدهما: بيان المراد بها.
والثاني: بيان أن أولئك مذمومون في الشَّريعة.
والمعترض عليه له أن يمنعَ المقامين
(1)
، فيقول: لا نُسَلِّمُ أن الذين عنيتَهم داخلون في هذه الأسماء التي ذَمَمْتَها، ولم يَقُم دليلٌ شرعيٌّ على ذمِّها، وإن دخلوا فيها فلا نُسَلِّمُ أن كلَّ من دخل في هذه الأسماء فهو مذمومٌ في الشَّرع.
الثاني
(2)
: أن هذا الضربَ الذين قلتَ: «إنه لا يتحاشى من الحشو والتشبيه والتجسيم» إما أن تُدْخِلَ فيه مُثْبِتَة الصِّفات الخبرية التي دلَّ عليها الكتابُ والسُّنة، أو لا تُدْخِلَهم.
فإن أدخلتَهم كنتَ ذامًّا لكلِّ من أثبت الصِّفات الخبرية، ومعلومٌ أن هذا مذهبُ عامَّة السَّلف ومذهبُ أئمَّة الدين، بل أئمَّة المتكلِّمين يُثْبِتُون الصِّفات الخبرية في الجملة وإن كان لهم فيها طرقٌ، كأبي سعيد بن كُلَّاب
(3)
، وأبي
(1)
الأصل: «يمنعه المقامان» .
(2)
من الأمور الباطلة في كلام العز المتقدم.
(3)
عبد الله بن سعيد القطان، من رؤوس المتكلمين، كان حيًّا قبل سنة 240. وإليه تنسبُ الكُلابية، وبطريقته اقتدى أبو الحسن الأشعري. انظر: «السير» (11/ 174) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 69) ، و «الاستقامة» (1/ 105) ، و «التدمرية» (191).
الحسن الأشعريِّ، وأئمَّة أصحابه، كأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهِلي، والقاضي أبي بكر بن الباقِلَّاني، وأبي إسحاق الإسفراييني، وأبي بكر بن فَوْرَك، وأبي محمد بن اللبَّان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القُشَيري، وأبي بكر البيهقي
(1)
، وغير هؤلاء.
فما مِن هؤلاء إلا من يُثْبِتُ من الصِّفات الخبرية ما شاء الله تعالى، وعمادُ المذهب عندهم
(2)
إثباتُ كلِّ صفةٍ في القرآن، وأما الصِّفات التي في الحديث فمنهم من يُثْبِتُها ومنهم من لا يُثْبِتُها
(3)
.
فإذا كنتَ تذمُّ جميعَ أهل الإثبات مِن سَلفك وغيرهم لم يبقَ معك إلا الجهميةُ من المعتزلة ومن وافقهم على نفي الصِّفات الخبرية من متأخِّري الأشعرية ونحوهم. ولم تَذْكُر حجَّةً تُعْتَمَد.
فأيُّ ذمٍّ لقومٍ في أنهم لا يتحاشون مما عليه سلفُ الأمَّة وأئمَّتها وأئمَّةُ الذامِّ لهم؟ !
(1)
تراجم أصحاب أبي الحسن في طبقات الأشعرية من «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر (177، 178، 217، 243، 232، 261، 245، 271، 265) على ترتيبهم.
(2)
الأصل: «عنهم» ، وهو محتمل، أي المذهب المنقول عنهم. والمثبت أشبه.
(3)
انظر: «التسعينية» (1036، 1037) ، و «درء التعارض» (2/ 17، 5/ 248) ، و «تفسير آيات أشكلت» (755) ، و «مجموع الفتاوى» (5/ 116، 6/ 52، 12/ 32) ، و «جامع المسائل» (5/ 79).
وإن لم تُدْخِل في اسم «الحشوية» من يُثْبِتُ الصِّفات الخبرية لم ينفَعْك هذا الكلام، بل قد ذكرتَ أنت في غير هذا الموضع هذا القول.
وإذا كان الكلامُ لا يخرُج به الإنسانُ عن أن يَذُمَّ نفسَه أو يَذُمَّ سلفَه الذين يقرُّ هو بإمامتهم وأنهم أفضلُ ممَّن اتبعهم، كان هو المذمومَ بهذا الذمِّ على التقديرين، وكان له نصيبٌ من الخوارج الذين قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأوَّلهم:«لقد خِبْتَ وخَسِرتَ إن لم أَعْدِل»
(1)
، يقول: إذا كنتَ مقرًّا بأني رسولُ الله وأنت تزعمُ أني أظلِمُ فأنت خائبٌ خاسر
(2)
.
وهكذا من ذمَّ من يقرُّ بأنهم خيارُ الأمة وأفضلُها، وأن طائفتَه إنما تلقَّت العلمَ والإيمان منهم، هو خائبٌ خاسرٌ في هذا الذمِّ. وهذه حالُ الرافضة في ذمِّ الصحابة.
الوجه الثالث: قوله: «والآخرُ يتستَّر بمذهب السَّلف» ، إن أردتَ بالتستُّر الاستخفاءَ بمذهب السَّلف، فيقال: ليس مذهبُ السَّلف مما يُتَسَتَّر به إلا في بلاد أهل البدع، مثل بلاد الرافضة والخوارج، فإن المؤمنَ المستضعَف هناك قد يكتُم إيمانَه واستِنَانه، كما كتَم مؤمنُ آل فرعون إيمانَه، وكما كان كثيرٌ من المؤمنين يكتمُ إيمانَه حين كانوا في دار الحرب.
فإن كان هؤلاء في بلدٍ أنت لك فيه سلطانٌ وقد تستَّروا بمذهب السَّلف فقد ذممتَ نفسك، حيث كنتَ من طائفةٍ يُسْتَرُ مذهبُ السَّلف عندهم، وإن كنت من المستضعَفين المتستِّرين بمذهب السَّلف فلا معنى لذمِّ نفسك، وإن
(1)
أخرجه البخاري (3610) ومسلم (1064).
(2)
انظر: «الصارم المسلول» (1/ 351) ، و «منهاج السنة» (2/ 420).
لم تكن منهم ولا من الملأ فلا وجه لذمِّ قومٍ بلفظ «التستُّر» .
وإن أردتَ بالتستُّر أنهم يَجْتنُّون به
(1)
ويتَّقون به غيرهم، ويتظاهرون به، حتى إذا خوطب أحدُهم قال:«أنا على مذهب السَّلف» ، وهذا الذي أراده
(2)
والله أعلم= فيقال له: لا عيبَ على من أظهرَ مذهبَ السَّلف وانتسبَ إليه واعتزى إليه، بل يجبُ قبولُ ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهبَ السَّلف لا يكونُ إلا حقًّا. فإن كان موافقًا له باطنًا وظاهرًا فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنًا وظاهرًا، وإن كان موافقًا له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق فتُقْبَلُ منه علانيتُه وتُوْكَلُ سريرتُه إلى الله؛ فإنَّا لم نُؤْمَر أن نَنْقُبَ عن قلوب الناس ولا نَشُقَّ بطونهم.
وأما قوله: «مذهب السَّلف إنما هو التوحيدُ والتنزيه، دون التجسيم والتشبيه» ، فيقال له: لفظ «التوحيد، والتنزيه، والتشبيه، والتجسيم» ألفاظٌ قد دخلها الاشتراك، بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلِّمين وغيرهم، وكلُّ طائفةٍ تَعْنِي بهذه الأسماء ما لا يعنيه غيرُهم.
فالجهميةُ من المعتزلة وغيرهم يريدون بالتوحيد والتنزيه: نفيَ جميع الصِّفات، وبالتجسيم والتشبيه: إثباتَ شيءٍ منها، حتى إن من قال: إن الله يَرى، أو إن له علمًا، فهو عندهم مشبِّهٌ مجسِّم.
وكثيرٌ من المتكلِّمة الصِّفاتية يريدون بالتوحيد والتنزيه: نفيَ الصِّفات الخبرية أو بعضِها، وبالتجسيم والتشبيه: إثباتَها أو بعضِها.
(1)
يستترون به ويتخذونه جُنَّة.
(2)
العز بن عبد السلام.
والفلاسفةُ تعني بالتوحيد ما تعنيه المعتزلةُ وزيادة، حتى يقولوا: ليس له إلا صفةٌ سلبيةٌ أو إضافيةٌ أو مركَّبةٌ منهما.
والاتحاديةُ تعني بالتوحيد: أنه هو الوجود المطلق.
ولغير هؤلاء فيه اصطلاحاتٌ أخرى.
وأما التوحيد الذي بعث الله به الرُّسلَ وأنزل به الكتبَ فليس هو متضمِّنًا شيئًا من هذه الاصطلاحات، بل أمر الله عباده أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا، فلا يكونُ لغيره نصيبٌ فيما يختصُّ به من العبادة وتوابعها، هذا في العمل. وفي القول
(1)
: ما وصف الله به نفسَه ووصفه به رسولُه
(2)
.
فإن كنت تعني أن مذهب السَّلف هو التوحيدُ بالمعنى الذي جاء به الكتابُ والسُّنة= فهذا حقٌّ، وأهلُ الصِّفات الخبرية لا يخالفون هذا.
وإن عنيتَ أن مذهبَ السَّلف هو التوحيدُ والتنزيهُ الذي تعنيه بعضُ الطوائف= فهذا يَعْلَمُ بطلانَه كلُّ من تأمَّل أقوالَ السَّلف الثابتة عنهم الموجودة في كتب آثارهم، فليس في كلام أحدٍ من السَّلف كلمةٌ توافقُ ما تختصُّ به هذه الطوائف، ولا كلمةٌ تنفي الصِّفات الخبرية.
ومن المعلوم أن مذهبَ السَّلف إن كان يُعْرَفُ بالنقل عنهم فليُرْجَع في ذلك إلى الآثار المنقولة عنهم.
(1)
التوحيد العلمي القولي الذي هو الخبر عن الله. والأول التوحيد العملي الإرادي.
(2)
انظر: «التدمرية» (182) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (3/ 94 - 149) ، و «التسعينية» (747 - 752، 780 - 802) ، و «اقتضاء الصراط» (2/ 385) ، و «مجموع الفتاوى» (1/ 367، 19/ 171).
وإن كان إنما يُعْرَفُ بالاستدلال المحض، بأن يكونَ كلُّ من رأى قولًا عنده هو الصواب قال:«هذا قولُ السَّلف؛ لأن السَّلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب» = فهذا هو الذي يُطَرِّقُ للمبتدعة
(1)
إلى أن يزعم كلٌّ منهم أنه على مذهب السَّلف.
فقائلُ هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحَل مذهبَ السَّلف بلا نقلٍ عنهم، بل بدعواه أن قوله هو الحق.
وأما أهلُ الحديث، فإنما تَذْكُر مذهبَ السَّلف بالنقول المتواترة، تارةً يذكرون مَن نقل مذهبَهم مِن علماء الإسلام، وتارةً يروون نفسَ قولهم في هذا الباب، كما سلكناه في جواب الاستفتاء
(2)
.
فإنا لما أردنا أن نبيِّن مذهبَ السَّلف ذكرنا طريقين
(3)
:
أحدهما: أنا ذكرنا ما تيسَّر مِن ذكر ألفاظهم، ومَن روى ذلك من أهل العلم بالأسانيد المعتبرة.
والثاني: ذكرنا مَن نقَل مذهبَ السَّلف من جميع طوائف المسلمين، من
(1)
الأصل: «المبتدعة» ، والمثبت أقوم، أي يجعل لهم طريقًا. وانظر:«منهاج السنة» (7/ 516). و «إبطال التحليل» (60)، و «تاج العروس» (26/ 80).
(2)
ورد إليه استفتاء سنة 698 من حماة عن آيات الصِّفات وأحاديثها، فكتب جوابه في قعدة بين الظهر والعصر، وعمره إذ ذاك دون الأربعين، واشتهر بالفتوى الحموية، وجرت له بسببه محنةٌ عظيمة. انظر:«بيان تلبيس الجهمية» (1/ 4، 234) ، و «العقود الدرية» (111، 144، 249).
(3)
«الفتوى الحموية» (296 - 517).
طوائف الفقهاء الأربعة، ومن أهل الحديث، والتصوف، وأهل الكلام كالأشعريِّ وغيره.
فصار مذهبُ السَّلف منقولًا بإجماع الطوائف وبالتواتر، لم نُثْبِتْه بمجرَّد دعوى الإصابة لنا والخطأ لمخالفنا كما يفعلُ أهلُ البدع.
ثم لفظ «التجسيم» لا يوجدُ في كلام أحدٍ من السَّلف لا نفيًا ولا إثباتًا، فكيف يحلُّ أن يقال: مذهبُ السَّلف نفيُ التجسيم أو إثباتُه بلا ذكرٍ لذلك اللفظ ولا لمعناه عنهم؟!
وكذلك لفظ «التوحيد» بمعنى نفي شيءٍ من الصِّفات لا يوجدُ في كلام أحدٍ من السَّلف.
وكذلك لفظ «التنزيه» بمعنى نفي شيءٍ من الصِّفات الخبرية لا يوجدُ في كلام أحدٍ من السَّلف.
نعم، لفظ «التشبيه» موجودٌ في كلام بعضهم، وتفسيرُه معه
(1)
، كما قد كتبناه عنهم، وأنهم أرادوا بالتشبيه تمثيلَ الله بخلقه، دون نفي الصِّفات التي في القرآن والحديث
(2)
.
وأيضًا، فهذا الكلام لو كان حقًّا في نفسه لم يكن مذكورًا بحجَّة تُتَّبع،
(1)
كقول إسحاق بن راهويه: «إنما يكون التشبيه إذا قال: يدٌ كيدٍ أو مثل يدٍ، أو سمعٌ كسمع
…
». ونحوه عن الإمام أحمد. انظر: «جامع الترمذي» (3/ 202) ، و «إبطال التأويلات» للقاضي أبي يعلى (1/ 43، 45).
(2)
انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 285، 387، 5/ 396) ، و «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» (152) ، و «درء التعارض» (1/ 249).
وإنما هو مجرَّد دعوى على وجه الخصومة التي لا يعجزُ عنها من يستجيزُ ويستحسِنُ أن يتكلَّم بلا علمٍ ولا عدل.
ثم إنه يدلُّ على قلَّة الخبرة بمقالات الناس من أهل السُّنة والبدعة؛ فإنه قال: «وكذا جميعُ المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السَّلف» ، فليس الأمر كذلك، بل الطوائفُ المشهورة بالبدعة كالخوارج والروافض لا يدَّعون أنهم على مذهب السَّلف، بل هؤلاء يكفِّرون جمهور السَّلف.
فالرافضة تطعنُ في أبي بكر، وعمر، وعامَّة السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وسائر أئمَّة الإسلام، فكيف يزعمون أنهم على مذهب السَّلف؟! ولكن يَنْتَحِلُون مذهبَ أهل البيت كذبًا وافتراء.
وكذلك الخوارج قد كفَّروا عثمان، وعليًّا، وجمهورَ المسلمين من الصحابة والتابعين، فكيف يزعمون أنهم على مذهب السَّلف؟!
الوجه الرابع
(1)
: أن هذا الاسم
(2)
ليس له ذكرٌ في كتاب الله ولا سنَّة رسوله، ولا كلام أحدٍ من الصَّحابة والتابعين، ولا من أئمَّة المسلمين، ولا شيخٍ أو عالمٍ مقبولٍ عند عموم الأمَّة.
فإذا لم يكن ذلك لم يكن في الذمِّ به لا نصٌّ ولا إجماعٌ ولا ما يصلحُ تقليدُه للعامَّة، فإذا كان الذمُّ بلا مستندٍ للمجتهد ــ ولا للمقلدين عمومًا ــ كان
(1)
الأصل: «الوجه الثاني» .
(2)
أي «الحشو، والتجسيم» .
في غاية الفساد والظلم؛ إذ لو ذَمَّ به بعضُ من يصلُح لبعض العامَّة تقليدُه لم يكن له أن يحتجَّ به؛ إذ المقلدُ الآخرُ لمن يصلُح له تقليدُه لا يَذُمُّ به.
ثم مثل أبي محمدٍ وأمثاله لم يكن يستحلُّ أن يتكلَّم في كثيرٍ من فروع الفقه بالتقليد
(1)
، فكيف يجوزُ له التكلُّم في أصول الدين بالتقليد؟!
والنُّكتة أن الذامَّ به إما مجتهدٌ وإما مقلِّد، أما المجتهدُ فلا بدَّ له من نصٍّ أو إجماعٍ أو دليلٍ يُسْتَنْبَطُ منه ذلك، فإن الذمَّ والحمدَ من الأحكام الشرعية، وقد قدَّمنا بيان ذلك
(2)
، وذكرنا أن الحمدَ والذمَّ، والحبَّ والبغض، والوعدَ والوعيد، والموالاةَ والمعاداة، ونحو ذلك من أحكام الدين، لا يصلحُ إلا بالأسماء التي أنزل الله بها سلطانَه، فأما تعليقُ ذلك بأسماء مبتدعَةٍ فلا يجوز، بل ذلك مِن باب شرع دينٍ لم يأذن به الله، وأنه لا بدَّ من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله.
والمعتزلة أيضًا تفسِّقُ من الصحابة والتابعين طوائف، وتطعنُ في كثيرٍ منهم وفيما رووه من الأحاديث التي تخالفُ آراءهم وأهواءهم، بل تكفِّرُ أيضًا من يخالفُ أصولهم التي انتحلوها من السَّلف والخلف، فلهم من الطَّعن في علماء السَّلف وفي عِلمهم ما ليس لأهل السُّنة والجماعة، وليس
(1)
ومن ذلك قوله في فصل بديع من كتابه «قواعد الأحكام» (2/ 274 - 275): «ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقفُ أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلِّده فيه، ويتركُ من شهد الكتابُ والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه، جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيَّل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالًا عن مُقَلَّده» .
(2)
(ص: 209).
انتحالُ السَّلف من شعائرهم، وإن كانوا يقرِّرون خلافةَ الخلفاء الأربعة، ويعظِّمون من أئمَّة الإسلام وجمهورهم ما لا يعظِّمُه أولئك
(1)
، فلهم من القدح في كثيرٍ منهم ما ليس هذا موضعه
(2)
، وللنَّظَّام من القدح في الصَّحابة ما ليس هذا موضعه
(3)
.
وإن كان من أسباب انتقاص هؤلاء المبتدعة للسَّلف هو ما حصل في المنتسبين إليهم من نوع تقصيرٍ وعُدوان، وما كان من بعضهم من أمورٍ اجتهاديةٍ الصوابُ في خلافها، فإن ما حصل مِن ذلك صار فتنةً للمخالف لهم ضلَّ به ضلالاً كثيرًا.
فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف بين أهل السُّنة والجماعة العامَّة
(4)
بالبدعة ليسوا منتحِلين للسَّلف، بل أشهرُ الطوائف بالبدعة الرافضةُ، حتى إن العامَّة لا تعرفُ من شعائر البدع إلا الرَّفض، والسُّنِّيُّ في اصطلاحهم من لا يكونُ رافضيًّا
(5)
؛ وذلك أنهم أكثرُ مخالفةً للأحاديث النبويَّة ولمعاني القرآن، وأكثرُ قدحًا في سلف الأمَّة وأئمَّتها، وطعنًا في
(1)
الرافضة والخوارج.
(2)
انظر: «أخبار عمرو بن عبيد» للدارقطني (13، 14، 16، 17، 18) ، و «الانتصار في الرد على المعتزلة» للعمراني (3/ 825) ، و «تأويل مختلف الحديث» (140).
(3)
انظر: «الفرق بين الفرق» (114، 133، 304). والنظَّام هو إبراهيم بن سيار، من رؤوس المعتزلة، توفي سنة بضع وعشرين ومئتين. «لسان الميزان» (1/ 295).
(4)
أي أهل السنة بالإطلاق العام، وهم من يثبت خلافة الخلفاء الثلاثة. انظر:«منهاج السنة» (2/ 221، 469).
(5)
انظر: «النبوات» (563) ، و «مجموع الفتاوى» (3/ 356، 28/ 482).
جمهور الأمَّة من جميع الطوائف، فلمَّا كانوا أبعدَ عن متابعة السَّلف كانوا أشهرَ بالبدعة.
فعُلِمَ أن شعار أهل البدع هو تركُ انتحال اتباع السَّلف؛ ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عَبْدُوس بن مالك: «أصولُ السُّنة عندنا التمسُّكُ بما كان عليه أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم»
(1)
.
وأما متكلِّمةُ أهل الإثبات من الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية، مع الفقهاء والصُّوفية وأهل الحديث، فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السَّلف، بل قد يوافقونهم في أكثر جُمَل مقالاتهم، لكنْ كلُّ من كان بالحديث من هؤلاء أعلمَ كان بمذهب السَّلف أعلمَ وله أتبَع، وإنما يوجدُ تعظيمُ السَّلف عند كلِّ طائفةٍ بقدر استِنَانها وقلَّة ابتداعها.
أما أن يكون انتحالُ السَّلف من شعائر أهل البدع فهذا باطلٌ قطعًا؛ فإن ذلك غيرُ ممكنٍ إلا حيث يكثرُ الجهلُ ويقلُّ العلم.
يوضِّحُ ذلك: أن كثيرًا من أصحاب أبي محمد
(2)
من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرِّحون بمخالفة السَّلف في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث، يقولون:«مذهبُ السَّلف أن الإيمان قولٌ وعملٌ يزيدُ وينقُص، وأما المتكلِّمون من أصحابنا فمذهبُهم كَيت وكَيت» ، وكذلك يقولون:«مذهبُ السَّلف أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصِّفات لا تُتَأوَّل، والمتكلِّمون يرون تأويلَها إما وجوبًا وإما جوازًا» ، ويذكرون
(1)
تقدم (ص: 149).
(2)
العز بن عبد السلام.
الخلاف بين السَّلف وبين أصحابهم المتكلمين
(1)
.
هذا منطوقُ ألسنتهم ومسطورُ كتبهم!
أفلا عاقلٌ يَعتَبِر، ومغرورٌ يَزدَجِر، أن السَّلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف، ثم يُحْدِثُ مقالةً تَخْرُج عنهم؟! أليس هذا صريحًا أن السَّلف كانوا ضالِّين عن التوحيد والتنزيه، ودَلَّه
(2)
المتأخرون؟! وهذا فاسدٌ بضرورة العقل الصَّحيح والدين المتين.
وأيضًا، قد ينصرُ المتكلِّمون أقوالَ السَّلف تارةً وأقوال المتكلِّمين تارة، كما يفعله غيرُ واحدٍ مثل أبي المعالي وأبي حامدٍ والرَّازي وغيرهم، ولازمُ المذهب الذي ينصرونه تارةً أنه هو المعتمد، فلا يثبتُون على دين واحد، وتغلبُ عليهم الشُّكوك، وهذا عادةُ الله فيمن أعرض عن الكتاب والسُّنة.
وتارةً يجعلون إخوانهم المتأخِّرين أحذقَ وأعلمَ من السَّلف، ويقولون:«طريقة السَّلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلمُ وأحكم»
(3)
، فيصفون إخوانهم
(1)
انظر: «الإحياء» (1/ 104، 120) ، و «شرح مسلم» للنووي (1/ 148، 3/ 19).
(2)
كذا في الأصل. أي عَرَفه. فإن لم يكن محرَّفًا فهو تضمين.
(3)
نسب المصنف هذا القول في «الحموية» (185) لبعض الأغبياء، ولبعض النفاة في «درء التعارض» (5/ 378) ، ولم أقف عليه بتمامه في مصدرٍ متقدم، واشتهر بعده وذاع عند موافقيه ومخالفيه، وممن قاله من معاصريه علاء الدين البخاري (ت: 730) في «كشف الأسرار» (1/ 58). قال الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير» (3/ 167): «وقع هذان الوصفان (يعني: أحكم وأعلم) في كلام المفسرين وعلماء الأصول، ولم أقف على تعيين أول من صدرا عنه» . أما وصف طريقة السلف في باب الصفات بأنها أسلم فكثيرٌ في كلام المتكلمين، وحكاه عنهم ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتي» (155) ، وممن صرَّح به الجويني في «غياث الأمم» (280) ، والرازي في «أساس التقديس» (199) ، وغيرهما.
وانظر: «البحر المحيط» للزركشي (3/ 441) ، و «فتح الباري» (13/ 352).
بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، والسَّلفَ بالنقص في ذلك والتقصير فيه أو الخطأ والجهل، وغايتُهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط
(1)
.
ولا ريبَ أن هذا شعبةٌ من الرَّفض، فإنه وإن لم يكن تكفيرًا للسَّلف كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج، ولا تفسيقًا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية
(2)
وغيرهم= كان تجهيلاً لهم وتخطئةً وتضليلًا، أو نسبةً لهم إلى الذنوب والمعاصي وإن لم يكن فسقًا، وزعمًا أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلمُ وأفضلُ من أهل القرون الفاضلة.
ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبَّر الكتاب والسُّنة، وما اتفق عليه أهلُ السُّنة والجماعة من جميع الطوائف، أن خيرَ قرون هذه الأمَّة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كلِّ فضيلةٍ أن خيرَها القرنُ الأول، ثم الذين
(1)
كاعتذار الجويني للصحابة رضي الله عنهم بأنهم كانوا مشغولين عن تقرير أصول الدين وقواعده بالجهاد. انظر: «التسعينية» (941) ، و «النبوات» (634) ، و «درء التعارض» (2/ 14) ، و «مجموع الفتاوى» (13/ 228).
(2)
نقل ابن الوزير في «الروض الباسم» (1/ 96 - 99) نصوصًا عالية عن أكابر أئمة الزيدية في تعديل الصحابة والثناء عليهم. ومِن فِرَق الزيدية من لحق بركب الرافضة في هذا الباب كالجارودية.
يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مِن غير وجه
(1)
، وأنهم أفضلُ من الخلف في كلِّ فضيلةٍ من علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ وبيانٍ وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكلِّ مُشْكِل.
هذا لا يدفعُه إلا من كابر المعلومَ بالضرورة من دين الإسلام، وأضلَّه الله على عِلم، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:«من كان منكم مُسْتَنًّا فليَسْتَنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمَّد، أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهَدْي المستقيم»
(2)
.
وقال غيره: «عليكم بآثار من سَلَف، فإنهم جاؤوا بما يكفي وما يشفي، ولم يحدث بعدهم خيرٌ كامِنٌ لم يعلموه»
(3)
.
هذا، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«لا يأتي زمانٌ إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى تلقَوا ربَّكم»
(4)
، فكيف يحدثُ لنا زمانٌ فيه الخيرُ في أعظم المعلومات وهو معرفة الله تعالى؟ ! هذا لا يكونُ أبدًا.
(1)
أخرجه البخاري (2651، 2652) ، ومسلم (2533، 2535) من حديث عمران بن حصين وابن مسعود رضي الله عنهما. وثبت من وجوه أخرى.
(2)
تقدم (ص: 197).
(3)
بمعناه في أثر عمر بن عبد العزيز المتقدم (ص: 11 - 13).
(4)
أخرجه البخاري (7068).
وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله في رسالته
(1)
وأيضًا، فيقال لهؤلاء ــ جهميَّةِ الكُلَّابية
(2)
، كصاحب هذا الكلام أبي محمَّدٍ وأمثاله ــ: كيف تدَّعون طريقةَ السَّلف، وغايةُ ما عند السَّلف أن يكونوا موافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ !
فإن عامَّة ما عند السَّلف من العلم والإيمان ما استفادوه من نبيِّهم صلى الله عليه وسلم الذي أخرجهم الله به من الظُّلمات إلى النُّور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، الذي قال الله فيه:{هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الحديد: 9]، وقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الحديد: 28، 29]، وقال:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا
(1)
الرسالة العراقية القديمة. انظر: «مناقب الشافعي» للبيهقي (1/ 442) ، و «المسودة» (653) ، و «كشف الأسرار» (3/ 217) ، و «إجمال الإصابة» للعلائي (40).
(2)
كذا بالأصل. وله نظائر في كتب المصنف.
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الشورى 52، 53].
وأبو محمَّدٍ وأمثالُه قد سلكوا مسلكَ الملاحدة الذين يقولون: إن الرسول لم يبيِّن الحقَّ في باب التوحيد، ولا بيَّن للناس ما هو الأمرُ عليه في نفسه، بل أظهرَ للناس خلافَ الحقِّ، والحقُّ إما كتَمَه وإما [أنه] غيرُ عالمٍ به.
فإن هؤلاء الملاحدة من المتفلسفة ومن سلكَ سبيلَهم، المخالفين لما جاء به الرسولُ في الأمور العِلْمية، كالتوحيد والمعاد وغير ذلك، يقولون: إن الرسولَ أحكَمَ الأمورَ العملية المتعلِّقة بالأخلاق والسِّياسة المنزلية والمدنية
(1)
، وأتى بشريعةٍ عمليةٍ هي أفضلُ شرائع العالم، ويعترفون بأنه لم يقرَع العالمَ ناموسٌ أفضلَ من ناموسه ولا أكملَ منه
(2)
، فإنهم رأوا حُسْنَ سياسته للعالم وما أقامه من سُنَن العدل ومحاه من الظُّلم.
وأما الأمورُ العِلميةُ التي أخبَر بها ــ مِن صفات الربِّ، وأسمائه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة والنار ــ فلما رأوها تخالفُ ما هم عليه صاروا في الرَّسول فريقين:
* فغُلاتهم يقولون: إنه لم يكن يعرفُ هذه المعارف، وإنما كان كمالُه في الأمور العملية العباداتِ والأخلاق، وأما الأمورُ العِلمية فالفلاسفةُ أعلمُ
(1)
انظر: «آراء أهل المدينة الفاضلة» للفارابي (123) ، و «الصفدية» (2/ 232) ، و «الرد على الشاذلي» (203) ، و «مجموع الفتاوى» (17/ 330).
(2)
كما تقدم (ص: 147).
بها منه، بل ومن غيره من الأنبياء
(1)
.
وهؤلاء يقولون: إن عليًّا كان فيلسوفًا
(2)
وأنه كان أعلمَ بالعِلميَّات من الرسول، وأن هارون كان فيلسوفًا وكان أعلمَ بالعِلميَّات من موسى، وكثيرٌ منهم يعظِّمُ فرعونَ ويسمُّونه «أفلاطون القِبطي»
(3)
، ويدَّعون أن صاحبَ مَدْيَن الذي تزوَّج موسى ابنتَه، الذي يقول بعض الناس: إنه شعيب
(4)
، يقول
(1)
كما تقدم (ص: 144، 148).
(2)
الأصل: «فيلسوفيا» ، في الموضعين.
(3)
ذكر المصنف في مواضع كثيرة أن حقيقة مقالة متفلسفة المتصوفة من الاتحادية هي قول فرعون. وقال: كنت أبيِّن ذلك حتى حدثني الثقة عن بعض رؤسائهم أنه قال: نحن على قول فرعون. ولهذا يعظِّمون فرعون في كتبهم تعظيمًا كثيرًا. كما ذكر أن مآل قول الجهمية النفاة إلى قول فرعون. انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 423، 5/ 179، 6/ 616) ، و «منهاج السنة» (2/ 561) ، و «درء التعارض» (5/ 4) ، و «بغية المرتاد» (349، 378، 379، 527) ، و «الرد على المنطقيين» (522) ، و «الرد على الشاذلي» (155) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 266، 359، 468، 6/ 314، 7/ 632، 12/ 269، 510، 13/ 147، 168، 177، 185 - 189، 16/ 103، 17/ 84) ، و «جامع الرسائل» (1/ 204 - 205) ، و «جامع المسائل» (7/ 248) ، و «فصوص الحكم» لابن عربي (211).
(4)
وذهب إليه مقاتل وابن حبيب وأكثر المؤرخين وأهل التفسير، وروي في حديث لا يصح. انظر:«تفسير مقاتل» (3/ 341) ، و «المحبر» (389) ، و «تاريخ الطبري» (1/ 167) ، و «زاد المسير» (6/ 216) ، و «البداية والنهاية» (2/ 47).
وهو غلطٌ شاع «عند كثير من الناس الذين لا خبرة لهم بحقائق العلم ودلائله وطرقه السمعية والعقلية» كما قال المصنف. انظر: «الجواب الصحيح» (2/ 249 - 250) ، و «جامع الرسائل» (1/ 61 - 66) ، و «مجموع الفتاوى» (20/ 429).
هؤلاء: إنه أفلاطُون أستاذ أرِسطو، ويقولون: إن أرِسطو هو الخَضِر
(1)
.
إلى أمثال هذا الكلام الذي فيه من الجهل والضلال ما لا يعلمُه إلا ذو الجلال، أقلُّ ما فيه جهلُهم بتواريخ الأنبياء، فإن أرِسطو باتفاقهم كان وزيرَ الإسكندر بن فيلبس المَقْدوني الذي تؤرِّخُ له اليهودُ والنصارى التاريخَ الرُّومي، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمئة سنة.
وقد يظنُّون أن هذا هو ذو القرنين المذكور في القرآن، وأن أرِسطو كان وزيرًا لذي القرنين المذكور في القرآن
(2)
.
وهذا جهل؛ فإن هذا الإسكندر بن فيلبس لم يصل إلى بلاد التُّرك، ولم يَبْنِ السَّدَّ، وإنما وصل إلى بلاد الفُرس.
وذو القرنين المذكورُ في القرآن وصل إلى شرق الأرض وغربها، وكان متقدِّمًا على هذا، يقال: اسمه الإسكندر بن دارا، وكان موحِّدًا مؤمنًا، وذاك مشركًا كان يعبد هو وقومُه الكواكبَ والأصنام، ويُعَانُون السِّحر، كما كان أرِسطو وقومُه من اليونان مشركين يعبدون الأصنام ويُعَانُون السِّحر، ولهم في ذلك مصنفات، وأخبارُهم مشهورة، وآثارهم ظاهرةٌ بذلك، فأين هذا مِن هذا؟ !
(1)
انظر: «الرد على المنطقيين» (183، 184).
(2)
انظر: «منهاج السنة» (1/ 317، 410) ، و «درء التعارض» (5/ 68) ، و «الجواب الصحيح» (1/ 345) ، و «النبوات» (197) ، و «الرد على البكري» (1/ 156) ، و «الرد على المنطقيين» (28، 182، 186، 283، 392) ، و «الرد على الشاذلي» (135) ، و «مجموع الفتاوى» (11/ 171، 571، 17/ 332) ، و «جامع المسائل» (5/ 286).
والمقصود هنا بيانُ ما يقوله هؤلاء الفلاسفة الباطنية فيما جاء به الرسول.
* والفريق الثاني منهم، يقولون: إن الرسول كان يعلمُ الحقَّ الثابتَ في نفس الأمر في التوحيد والمعاد، ويعرفُ أن الربَّ ليس له صفةٌ ثبوتية، وأنه لا يَرى ولا يتكلَّم، وأن الأفلاك قديمةٌ أزليةٌ لم تزل ولا تزال، وأن الأبدان لا تعود
(1)
، وأنه ليس لله ملائكةٌ هم أحياء ناطقون ينزلون بالوحي من عنده ويصعدون إليه= ولكن يقولُ بما عليه هؤلاء الباطنيةُ في الباطن، لكن ما كان يمكنُه إظهارُ ذلك للعامَّة؛ لأن هذا إذا ظهَر لم تقبله عقولهم وقلوبهم، بل يُنْكِرون ويَنْفِرون، فأظهرَ لهم من التخييل والتمثيل ما ينتفعون به في دينهم، وإن كان في ذلك تلبيسٌ عليهم وتجهيلٌ لهم واعتقادُهم الأمر على خلاف ما هو عليه، لما في ذلك من المصلحة لهم
(2)
.
ويجعلون أئمَّة الباطنية، كبني عبيد بن ميمون القَدَّاح الذين ادَّعوا أنهم من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر، ولم يكونوا من أولاده، بل كان جدُّهم يهوديًّا ربيبًا لمجوسيٍّ، وأظهروا التشيُّع، ولم يكونوا في الحقيقة على دينِ واحدٍ من الشِّيعة لا الإمامية ولا الزيدية، بل ولا الغالية الذين يعتقدون إلهية عليٍّ أو نبوَّته، بل كانوا شرًّا من هؤلاء كلهم؛ ولهذا كَثُر تصانيفُ المسلمين في كشف أسرارهم وهتك أستارهم
(3)
، وكَثُر غزوُ المسلمين لهم،
(1)
الأصل: «تقوم» . تحريف.
(2)
كما تقدم (ص: 144).
(3)
للباقلاني «كشف الأسرار وهتك الأستار» ، وللغزالي «فضائح الباطنية» ، ولأبي شامة «كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد» ، ولغيرهم تآليف مفردة وكلام كثير مبثوث في التصانيف. وقد كتب العلماء من شتى المذاهب ببغداد سنة 402 و 444 محاضر في كشف باطلهم والقدح في أنسابهم وعقائدهم. انظر:«المنتظم» (15/ 82) ، و «تاريخ الإسلام» (9/ 10، 609).
وقصصُهم معروفة.
وابنُ سينا وأهلُ بيته كانوا من أتباع هؤلاء على عهد حاكمهم المصريّ؛ ولهذا دخل ابنُ سينا في الفلسفة
(1)
.
وهؤلاء يجعلون محمَّد بن إسماعيل هو الإمام المكتوم، وأنه نسَخَ شرعَ محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، ويقولون: إن هؤلاء الإسماعيلية كانوا أئمَّةً معصومين، بل قد يقولون: إنهم أفضلُ من الأنبياء، وقد يقولون: إنهم آلهةٌ يُعْبَدُون.
ولهذا أرسل الحاكمُ غلامَه نُشْتكين
(2)
الدرزي إلى وادي تَيْم الله بن ثعلبة بالشَّام
(3)
، فأضلَّ أهل تلك الناحية، وبقاياه فيهم إلى اليوم يقولون
(1)
كما تقدم (ص: 152).
(2)
الأصل: «هشتكير» . وفي «مجموع الفتاوى» (35/ 135، 161) وأصل «الرد على الشاذلي» (177): «هشتكين» . «البداية والنهاية» (15/ 469): «هستكين» . وهو تحريف. واسمه محمد بن إسماعيل، وفي شخصيته وسيرته غموض واشتباه كشأن نحلته وطائفته. انظر:«النجوم الزاهرة» (4/ 184) ، و «تاريخ الأنطاكي» (334) ، و «مذاهب الإسلاميين» لعبد الرحمن بدوي (2/ 592) ، و «طائفة الدروز» لمحمد كامل حسين (76).
(3)
وادٍ خصيب كان من أعمال دمشق، ويقع اليوم ضمن حدود لبنان في جنوبه الشرقي، ويسمى: وادي التيم، استوطنه الأمراء الشهابيون، ولا يزال من معاقل الدروز. انظر:«خطط الشام» (3/ 184، 6/ 268) ، و «مجلة المقتبس» (6/ 417، سنة 1911). وقيل: إن تيمية جدَّة المصنف من هناك، وردَّه ابن ناصر الدين. انظر:«شرح التبصرة» للعراقي (2/ 699) ، و «التبيان لبديعة البيان» (2/ 300).
بإلهيَّة الحاكم، وقد أخرجَهم عن دين الإسلام، فلا يرون الصَّلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حجَّ البيت الحرام، ولا تحريمَ ما حرَّمه الله ورسولُه من الميتة والدَّم ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك.
وهؤلاء يأمرون
(1)
المستجيبَ لهم أولًا إلى التشيُّع والتزام ما توجبُه الرافضة وتحريم ما يحرِّمونه، ثم بعد هذا ينقلونه درجةً بعد درجةٍ حتى ينقلونه في الآخر إلى الانسلاخ من الإسلام، وأن المقصود هو معرفةُ أسرارهم، وهو العلمُ الذي به تكمُل النفس، كما تقوله الفلاسفةُ الملاحدة، فمن حصَل له هذا العلم وصل إلى الغاية، وسقطت عنه العباداتُ التي تجبُ على العامَّة، كالصَّلوات الخمس وصيام رمضان وحجِّ البيت، وحلَّت له المحرَّماتُ التي لا تحلُّ لغيره.
فهؤلاء يجعلون الرسول صلى الله عليه وسلم إذا عظَّموه وقالوا: كان كاملًا في العلم= مِن جنس رؤوسهم الملاحدة، وأنه كان يُظْهِرُ للعامَّة خلاف ما يبطنُه للخاصَّة. وقد بينَّا مِن فساد أقوالهم في غير هذا الموضع ما لا يناسبُه هذا المقام
(2)
.
(1)
كذا بالأصل، ضمَّن «يأمرون» معنى «يدعون» .
(2)
انظر: «التدمرية» (48) ، و «منهاج السنة» (3/ 452، 4/ 55، 100، 519، 8/ 258) ، و «مجموع الفتاوى» (4/ 320، 478، 508، 27/ 174، 28/ 636، 35/ 131، 150، 161).
فإن المقصود هنا أن هؤلاء النُّفاة للعلوِّ وللصِّفات الخبرية، كصاحب «المُلْحَة»
(1)
وأمثاله، يقولون في الرسول من جنس قول هؤلاء، وأن الذي أظهَره ليس هو الحقَّ الثابتَ في نفس الأمر؛ لأن ذلك ما كان يمكنُه إظهارُه للعامَّة
(2)
.
فإذا كانوا يقولون هذا في الرسول نفسه، فكيف القولُ في أتباعه من سلف الأمَّة من الصَّحابة والتابعين؟ ! ومن كان هذا أصلَ قوله في الرسول والسَّابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كان مخالفًا لهم لا موافقًا، لا سيَّما إذا أظهَر النفيَ الذي كان الرسولُ وخواصُّ أصحابه عنده يُبْطِنُونَه ولا يُظْهِرُونَه، فإنه يكون مخالفًا لهم أيضًا.
وهذا المسلكُ يراه عامةُ النُّفاة، كابن رشدٍ الحفيد وغيره
(3)
، وفي كلام أبي حامدٍ من هذا قطعةٌ كبيرة
(4)
.
وابنُ عقيل وأمثالُه قد يقولون أحيانًا هذا، لكن ابن عقيل الغالبُ عليه إذا خرج عن السُّنة أن يميل إلى التجهُّم والاعتزال في أول أمره، بخلاف آخر ما
(1)
الأصل: «اللمعة» ، تحريف. وهي «الملحة في اعتقاد أهل الحق» للعز بن عبد السلام التي يرد عليها المصنف في هذا الفصل.
وانظر لتأويل العز للعلو وللصفات الخبرية كتبه: «الفتاوى» (56) ، و «الإمام في بيان أدلة الأحكام» (238، 257) ، و «مجاز القرآن» (224، 225، 238).
(2)
انظر: «قواعد الأحكام» (1/ 304).
(3)
انظر: «مناهج الأدلة» (133) ، و «فصل المقال» (35).
(4)
انظر: «الإحياء» (1/ 20، 58) ، و «فضائح الباطنية» (155) ، و «إلجام العوام» (6) ، و «الاقتصاد في الاعتقاد» (38).
كان عليه فقد خرج إلى السُّنة المحضة
(1)
.
وأبو حامدٍ يميلُ إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوُّف والعبارات الإسلامية؛ ولهذا ردَّ عليه علماء المسلمين، حتى أخصُّ أصحابه أبو بكر بن عربي
(2)
قال: «شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر» ، وقد حكى عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجدُ تصديقُ ذلك في كتبه، وردَّ عليه العلماء المذكورون قبل
(3)
.
(1)
انظر: «درء التعارض» (4/ 282، 8/ 60، 9/ 160) ، و «شرح الأصبهانية» (87) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 573). وصنف ابن قدامة في الرد على نصيحته كتاب «تحريم النظر في كتب الكلام» وأغلظ له القول. توفي ابن عقيل سنة 513، وجوَّد ابن رجب ترجمته في «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 316 - 362).
(2)
كذا في الأصل، وهو صحيح، ويفرق بعضهم بينه وبين الطائي الحاتمي بالتعريف والتنكير، ولا أصل له، فكلاهما يذكر بهما، وإن كان الأشهر في الأول التعريف وفي الثاني التنكير.
(3)
(ص: 95). وسبق هذا الكلام بحروفه هناك، وأخشى أن تكون إعادته هنا من تصرف الناسخ.
فصل
ثم قال المعترض
(1)
(2)
.
قلت: الكلام على هذا فيه أنواع:
الأول: بيان ما فيه من التعصُّب بالجهل والظلم قبل الكلام في المسألة العلمية.
(1)
لم يسبق له ذكر، ويشبه أن يكون هذا فصلًا أدرجه الناسخ من «أجوبة الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» ، كما مر في المقدمة.
(2)
«دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه» لابن الجوزي (6، 44). ويسميه المصنف: «كف التشبيه بكف التنزيه» ، انظر:«درء التعارض» (8/ 60، 9/ 160) ، و «شرح حديث النزول» (55). ومن الكتاب نسخةٌ بعنوان «أخبار الصفات» تشتمل على مقدمة طويلة وزيادات، والنص فيها باختلاف يسير (17، 64 - نشرة ليدن).
وسُمِّي في بعض نسخه و «كشف الظنون» (1/ 218): «الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب» ، وهو غلط، فإن «الباز الأشهب» كتابٌ كبير جمع فيه ابن الجوزي الأحاديث التي يحتجُّ بها أهل المذهب وتكلَّم عليها صحةً وضعفًا وضمَّنه خلاف المذاهب، كما وصفه وسماه في الكتاب نفسه، وقال ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 495): هو تعليقةٌ في الفقه كبير.
الثاني: بيان أنه ردٌّ بلا حجَّةٍ ولا دليلٍ أصلًا.
الثالث: بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل.
* أما أولًا: فإن هذا المصنَّف الذي نقل منه كلام أبي الفرج لم يصنِّفه في الردِّ على الحنابلة كما ذكر هذا، وإنما ردَّ به ــ فيما ادَّعاه ــ على بعضهم، وقَصَدَ قَصْدَ
(1)
أبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي يعلى، وشيخَه أبي الحسن بن الزَّاغوني
(2)
ومن تبعهم
(3)
، وإلا فجنسُ الحنابلة لم يتعرَّض أبو الفرج للردِّ عليهم، ولا حكى عنهم ما أنكَره، بل هو يحتجُّ في مخالفته لهؤلاء بكلام كثيرٍ من الحنبليَّة، كما يذكُره من كلام التميميِّين، مثل رِزْق الله التميمي
(4)
، وأبي الوفاء بن عقيل، ورِزقُ الله كان يميلُ إلى طريقة سَلَفه، كجدِّه أبي الحسن التميمي
(5)
، وعمِّه أبي الفضل التميمي
(6)
، والشريف
(1)
كذا بالأصل، ولهذا التركيب نظائر في أسلوب المصنف. انظر:«الصارم المسلول» (1/ 312) ، و «منهاج السنة» (7/ 36).
(2)
أبو عبد الله الحسن بن حامد البغدادي إمام الحنبلية في زمانه (ت: 403)، والقاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء شيخ المذهب (ت: 458) ، وأبو الحسن بن الزاغوني علي بن عبيد الله بن نصر من أعيان الحنابلة (ت: 527). انظر: «طبقات الحنابلة» (2/ 171، 193) ، و «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 401).
(3)
ذكر ذلك في كتابه (6، 10، 11).
(4)
أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز فقيهٌ محدثٌ متفنن (ت: 488). انظر: «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 172).
(5)
عبد العزيز بن الحارث (ت: 371). «طبقات الحنابلة» (3/ 246).
(6)
عبد الواحد بن عبد العزيز (ت: 410). «طبقات الحنابلة» (3/ 325).
أبي علي بن أبي موسى
(1)
هو صاحبُ أبي الحسن التميمي، وقد ذَكَر عنه أنه قال: لقد خَرِيَ القاضي أبو يعلى على الحنابلة خَرْيةً لا يغسلُها الماء
(2)
.
وسنتكلَّم على هذا بما ييسِّره الله، متحرِّين للكلام بعلمٍ وعدل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فمازال في الحنبليَّة من يكونُ ميلُه إلى نوعٍ من الإثبات الذي ينفيه طائفةٌ أخرى منهم، ومنهم من يُمْسِكُ عن النفي والإثبات جميعًا، ففيهم جنسُ التنازع الموجود في سائر الطوائف، لكن نزاعَهم في مسائل الدِّق
(3)
، وأما الأصولُ الكبار فهم متَّفقون عليها، ولهذا كانوا أقلَّ الطوائف تنازعًا وافتراقًا؛ لكثرة اعتصامهم بالسُّنة والآثار؛ لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبيِّنة لما تنازع فيه الناسُ ما ليس لغيره، وأقوالُه مؤيَّدةٌ بالكتاب والسُّنة واتباع سبيل السَّلف الطيِّب؛ ولهذا كان جميعُ من ينتحِلُ السُّنةَ من طوائف الأمة فقهائها ومتكلِّمتها وصوفيَّتها ينتحِلُونه.
ثم قد يتنازعُ هؤلاء في بعض المسائل، فإن هذا أمرٌ لا بدَّ منه في العالَم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن هذا لا بدَّ من وقوعه، وأنه لما سأل ربَّه ألا يُلْقِي
(1)
محمد بن أحمد صاحب «الإرشاد» (ت: 428). «طبقات الحنابلة» (3/ 335) ..
(2)
انظر: «دفع شبه التشبيه» (9) ، و «الكامل» لابن الأثير (8/ 209).
(3)
كذا بالأصل، وكتب الشيخ ابن مانع على طرة نسخته:«لعله: في مسائل دقيقة» . وهو كما قال لولا أن هذا التعبير وقع كذلك في موضع آخر «مجموع الفتاوى» (6/ 56). وانظر: «منهاج السنة» (5/ 277). والمراد واضحٌ على الحالين.
بأسَهم بينهم مُنِعَ ذلك
(1)
، فلا بدَّ في الطوائف المنتسبة إلى السُّنة والجماعة من نوع تنازع، لكن لا بدَّ فيهم من طائفةٍ تعتصمُ بالسُّنة، كما أنه لا بدَّ أن يكون بين المسلمين تنازعٌ واختلاف، لكنه لا يزالُ في هذه الأمَّة طائفةٌ قائمةٌ بالحقِّ لا يضرُّها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم السَّاعة.
ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابُه منتسبين إلى السُّنة والجماعة كان مُنتَحِلًا للإمام أحمد ذاكرًا أنه مقتدٍ به متبعٌ سبيلَه
(2)
، وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثيرٍ من أصحاب الإمام أحمد
ما هو معروف، حتى إن أبا بكر عبد العزيز
(3)
يذكرُ مِن حُجَج أبي الحسن في كلامه مثل ما يذكرُ من حُجَج أصحابه؛ لأنه كان عنده من متكلِّمة أصحابه
(4)
.
وكان من أعظم المائلين إليهم التميميُّون؛ أبو الحسن التميمي، وابنه، وابن ابنه، ونحوهم، وكان بين أبي الحسن التميميِّ وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودَّة والصُّحبة ما هو معروفٌ مشهور
(5)
.
ولهذا اعتمد الحافظُ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنَّفه في مناقب
(1)
أخرجه مسلم (2890).
(2)
في كتابه «الإبانة عن أصول الديانة» (20).
(3)
عبد العزيز بن جعفر، غلام الخلال (ت: 363). «طبقات الحنابلة» (3/ 213).
(4)
انظر: «مجموع الفتاوى» (3/ 228، 6/ 53، 8/ 296) ، و «درء التعارض» (2/ 16).
(5)
انظر: «درء التعارض» (2/ 17، 100). والمشهور أن الودَّ كان بين ابنه أبي الفضل والباقلاني. انظر: «تبيين كذب المفتري» (221) ، و «تاريخ الإسلام» (9/ 153).
الإمام أحمد لمَّا ذكَر اعتقادَه اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي
(1)
، وله في هذا الباب مصنفٌ ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فَهِمَه، ولم يذكُر فيه ألفاظَه، وإنما ذكَر جُمَل الاعتقاد بلفظِ نفسِه، وجعَل يقول:«وكان أبوعبد الله»
(2)
، وهو بمنزلة من يصنِّفُ كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمَّة ويذكُر مذهبَه بحسب ما فَهِمَه ورآه، وإن كان غيرُه أعلمَ بمذهب ذلك الإمام منه، أعلمَ بألفاظه وأفهمَ لمقاصده.
فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة، ومن المعلوم أن أحدهم يقول: حكمُ الله كذا، أو حكمُ الشريعة كذا، بحسب ما اعتقَده عن صاحب الشريعة، بحسب ما بلغه وفَهِمَه، وإن كان غيرُه أعلمَ بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهمَ لمراده.
فهذا أيضًا من الأمور التي يكثُر وجودُها في بني آدم؛ ولهذا قد تختلفُ الروايةُ في النقل عن الأئمَّة، كما يختلفُ بعض الحديث في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن النبيَّ صلى الله عليه وسلم معصوم، فلا يجوزُ أن يصدُر عنه خبران متناقضان في الحقيقة ولا أمران متناقضان في الحقيقة إلا وأحدُهما ناسخٌ والآخر منسوخ، وأما غيرُ النبي صلى الله عليه وسلم فليس بمعصوم، فيجوزُ أن يكون قد قال خبرين متناقضين وأمرين متناقضين ولم يشعُر بالتناقض.
لكن إذا كان في المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحتاجُ إلى تمييزٍ ومعرفة، وقد تختلفُ الرواياتُ حتى يكون بعضُها أرجحَ من بعض، والناقلون لشريعته
(1)
انظر: «مجموع الفتاوى» (12/ 367) ، و «درء التعارض» (2/ 17، 100).
(2)
وهو مطبوع طبعات متقاربة عن نسخة الظاهرية.
بالاستدلال
(1)
بينهم اختلافٌ كثير= لم يُسْتَنكر وقوعُ نحوٍ من هذا في غيره، بل هو أولى بذلك؛ لأن الله قد ضَمِنَ حِفْظَ الذِّكر الذي أنزله على رسوله، ولم يَضْمَن حِفْظَ ما يُؤْثَر عن غيره؛ لأن ما بعثَ الله به رسولَه من الكتاب والحكمة هُدى الله الذي جاء من عند الله، وبه يُعْرَفُ سبيلُه، وهو حجَّتُه على عباده، فلو وقع فيه ضلالٌ لم يبيَّن لسقطت حجَّةُ الله في ذلك، وذهب هُداه، وعُمِّيَت سبيلُه؛ إذ ليس بعد هذا النبيِّ نبيٌّ آخر يُنْتَظَر ليبيِّن للناس ما اختلفوا فيه، بل هذا الرسولُ آخرُ الرُّسل، وأمَّتُه خيرُ الأمم؛ ولهذا لا يزالُ فيها طائفةٌ قائمةٌ على الحقِّ بإذن الله، لا يضرُّها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم السَّاعة.
الوجه الثاني: أن أبا الفرج نفسَه متناقضٌ في هذا الباب، لم يَثْبُت على قَدَم النفي ولا على قدم الإثبات
(2)
،
بل له من الكلام في الإثبات نظمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصِّفات التي أنكَرها في هذا المصنَّف، فهو في هذا
(1)
كما تقدم قبل قليل في من يقول: حكم الشريعة كذا، بحسب ما اعتقَده عن صاحب الشريعة وما بلغه وفَهِمَه. وعلَّق الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في (ط) على كلمة «بالاستدلال» بقوله: كذا، والصواب «بالإسناد». فتعقبه الشيخ سليمان الصنيع وقال: «عندي في هذا الصواب نظر، فإن معنى كلام المصنف أن الأئمة الناقلين للشريعة بما فهموا منها فيهم اختلاف كثير، فمن باب أولى أن يغلط الناقلون عن الأئمة في معنى ما فهموا من كلامهم
…
».
(2)
قال الذهبي رادًّا على ابن الجوزي طعنه في أبي سعد السمعاني: «بل والله عقيدته في السنَّة أحسن من عقيدتك، فإنك يومًا أشعري ويومًا حنبلي، وتصانيفك تنبئ بذلك، فما رأينا الحنابلة راضين بعقيدتك ولا الشافعية» . «تاريخ الإسلام» (11/ 993).
وانظر: «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (2/ 466، 487، 3/ 446 - 453).
الباب مثلُ كثيرٍ من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس، يُثْبِتُون تارةً وينفون أخرى ــ في مواضع ــ كثيرًا من الصِّفات، كما هو حالُ أبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي
(1)
.
الوجه الثالث: أن باب الإثبات ليس مختصًّا بالحنبليَّة، ولا فيهم من الغلوِّ ما ليس في غيرهم، بل من استقرى مذاهبَ الناس وجد في كلِّ طائفةٍ من الغُلاة في النفي والإثبات ما لا يوجدُ مثله في الحنبليَّة، ووجد مَن مال منهم إلى نفيٍ باطلٍ أو إثباتٍ باطلٍ فإنه لا يسرفُ إسرافَ غيرهم من المائلين إلى النفي والإثبات، بل تجدُ في الطوائف من زيادة النفي الباطل والإثبات الباطل ما لا يوجدُ مثله في الحنبليَّة، وإنما الاعتداء في النفي والإثبات فيهم مما دبَّ إليهم من غيرهم الذين اعتدوا حدود الله بزيادة النفي والإثبات؛ إذ أصل السُّنة مبناها على الاقتصاد والاعتدال دون البغي والاعتداء، وكان علمُ الإمام أحمد واتِّباعه لها
(2)
من الكمال والتمام على الوجه المشهور بين الخاصِّ والعام ممن له بالسُّنة وأهلها نوعُ إلمام
(3)
.
وأما أهل الجهل والضلال الذين لا يعرفون ما بعثَ الله به الرسول، ولا يميِّزون بين صحيح المنقول وصريح المعقول وبين الروايات المكذوبة والآراء المضطربة، فأولئك جاهلون قدرَ الرسول والسَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار الذين نطق بفضلهم القرآن، فهم بمقادير الأئمَّة
(1)
انظر: «درء التعارض» (2/ 16، 7/ 33، 263، 8/ 60، 9/ 160، 10/ 258).
(2)
للسُّنة. وفي الأصل: «له» ، وهو محتمل، والمثبت أشبه. ويمكن أن تقرأ: وأتباعه بها.
(3)
انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (3/ 544 - 555).
المخالفين لهؤلاء أولى أن يكونوا جاهلين؛ إذ كانوا أشبه بمن شاقَّ الرسول واتَّبع غيرَ سبيل المؤمنين من أهل العلم والإيمان.
وهم في هذه الأحوال إلى الكفر أقربُ منهم للإيمان.
تجدُ أحدَهم يتكلَّم في أصول الدين أو فروعه بكلام من كأنه لم ينشأ في دار الإسلام، ولا سَمِع ما عليه أهلُ العلم والإيمان، ولا عَرف حالَ سلف هذه الأمة وما أوتوه من كمال العلوم النافعة والأعمال الصَّالحة، ولا عَرف مما بعث الله به نبيَّه ما يدلُّه على الفرق بين الهدى والضلال والغيِّ والرشاد.
وتجدُ وقيعةَ هؤلاء في أئمَّة السُّنة وهُداة الأمَّة من جنس وقيعة الرافضة ومن معهم من المنافقين في أبي بكرٍ وعمرَ وأعيان المهاجرين والأنصار، ووقيعة اليهود والنصارى ومن اتبعهم من منافقي هذه الأمة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقيعة الصَّابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم في الأنبياء والمرسلين، وقد ذكر الله في كتابه مِن كلام الكفَّار والمنافقين في الأنبياء والمرسلين وأهل العلم والإيمان ما فيه عبرةٌ للمعتبِر، وبيِّنةٌ للمستبصِر، وموعظةٌ للمُتَهوِّك المتحيِّر.
وتجدُ عامَّة أهل الكلام ومَن أعرض عن جادَّة السَّلف إلا من عصَم الله يعظِّمون أئمَّة الاتحاد، بعد تصريحهم في كتبهم بعبارات الاتحاد، ويتكلَّفون لها محامِلَ غير ما قصدوه
(1)
، ولهم في قلوبهم من الإجلال والتعظيم والشَّهادة بالإمامة والولاية لهم وأنهم أهلُ الحقائق ما اللهُ به عليم.
(1)
كما تقدم في تائية ابن الفارض «نظم السلوك» (ص: 108).
هذا ابن عربي يصرِّح في فصوصه أن الولاية أعظمُ من النبوَّة، بل أكمل من الرسالة
(1)
، ومن كلامه:
مقامُ النبوَّة في برزخٍ
…
فُوَيْقَ الرسول ودونَ الولي
(2)
وبعض أصحابه يتأوَّل ذلك بأن ولاية النبيِّ أفضلُ من نبوَّته، وكذلك ولاية الرسول أفضلُ من رسالته، أو يجعلون ولايتَه حالَه مع الله، ورسالتَه حالَه مع الخلق. وهذا من بليغ الجهل؛ فإن الرسول إذا خاطب الخلقَ وبلَّغهم الرسالة لم يفارِق الولاية، بل هو وليُّ الله في تلك الحال كما هو وليُّ الله في سائر أحواله، فإنه وليٌّ لله ليس عدوًّا له في شيءٍ من أحواله، وليس حالُه في تبليغ الرسالة دون حاله إذا صلَّى ودعا الله وناجاه.
وأيضًا، فما يقول هذا المتكلِّف
(3)
في قول هذا المعظَّم
(4)
: إن النبي صلى الله عليه وسلم لَبِنَةٌ من فضة، وهو لَبِنَتان من ذهبٍ وفضة، ويزعمُ أن لَبِنَة محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي العلمُ الظاهر، ولَبِنَتاه: الذهبُ علمُ الباطن والفضةُ علمُ الظاهر، وأنه يتلقَّى ذلك بلا واسطة، ويصرِّح في فصوصه أن رتبةَ الولاية أعظمُ من رتبة النبوَّة؛ لأن الوليَّ يأخذُ بلا واسطةٍ والنبيَّ بواسطة، فالفضيلةُ التي امتاز بها على النبي صلى الله عليه وسلم أعظمُ عنده مما شاركه فيه.
(1)
«فصوص الحكم» (62، 134 - 136).
(2)
بمعناه في «لطائف الأسرار» (49)، وآخر في «الفتوحات المكية» (2/ 252). انظر:«منهاج السنة» (5/ 336).
(3)
المتكلِّف في التماس المحامل والأعذار لأئمة الاتحاد، المعظِّم لهم.
(4)
«فصوص الحكم» (63).
وبالجملة، فهو لم يتَّبع النبيَّ صلى الله عليه وسلم في شيء، فإنه أخذ بزعمه عن الله ما هو مُتَابِعُه فيه في الظاهر، كما يوافقُ المجتهدُ المجتهدَ والرسولُ الرسولَ، فليس عنده من اتباع الرسول والتلقِّي عنه شيءٌ أصلًا، لا في الحقائق الخبرية ولا في الحقائق الشرعية.
وأيضًا، فإنه لم يرضَ أن يكون معه كموسى مع عيسى وكالعالِم مع العالِم في الشَّرع الذي وافقَه فيه، بل ادعى أنه يأخذُ ما أقرَّه عليه من الشَّرع من الله في الباطن، فيكون أخذُه للشَّرع عن الله أعظمَ مِن أخذِ الرسول.
وأما ما ادعى امتيازَه به عنه، وافتقارَ الرسول إليه، وهو موضعُ اللَّبِنَة الذهبية، فزعَم أنه يأخذُ عن المَعْدِن الذي يأخذُ منه المَلَكُ الذي يوحي به إلى الرسول.
فهذا كما ترى في حال هذا الرجل، وتعظيم بعض المتأخرين له
(1)
.
وصرَّح الغزالي بأن قتل من ادعى أن رتبة الولاية أعلى من رتبة النبوَّة أحبُّ إليه من قتل مئة كافر؛ لأن ضرر هذا في الدين أعظم
(2)
.
(1)
. قال المصنف في «بغية المرتاد» (488، 508 - 512): «وقد قال لي أفضل شيوخ هؤلاء بالديار المصرية لما أوقفته على بعض ما في هذا الكتاب مثل هذا الموضع وغيره، فقال: هذا كفر. وقال لي في مجلس آخر: هذا الكتابُ عندنا من أربعين سنة نعظِّمه ونعظِّم صاحبه ما أظهر لنا هذه المصائب إلا أنت» ، وذكر أنه حين أظهر ما في كتب هؤلاء من النفاق والإلحاد خاطبه أحد معظِّمي ابن عربي وجعل يتأوَّل كلامه في هذا الباب، فأخذ يوقفه على كلامه بتمامه، فلما رآه «انبهر حيث رآه قد صرَّح بالتفضيل على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء» ، ثم بيَّن له بطلان هذا القول.
(2)
ولا نطيلُ الكلام في هذا المقام؛ لأنه ليس المقصود هنا
(1)
.
وأيضًا، فأسماء الله وأسماء صفاته عندهم
(2)
شرعيةٌ سمعيةٌ لا تطلقُ بمجرَّد الرأي، فهم في الامتناع
(3)
من هذه الأسماء
(4)
أحقُّ بالعذر ممَّن امتنع من تسمية صفاته أعراضًا، وذلك أن الصِّفات التي لنا منها ما هو عَرَضٌ كالعِلم والقدرة، ومنها ما هو جسمٌ وجوهرٌ قائمٌ بنفسه كالوجه واليد، وتسميةُ هذه جوارحَ وأعضاءً أخصُّ من تسميتها أجسامًا؛ لما في ذلك من معنى الاكتساب والانتفاع والتصرُّف وجواز التفريق والبعضيَّة.
الوجه الرابع: أن هذا السؤال لا يختصُّ بهؤلاء، بل إثباتُ جنس هذه الصِّفات قد اتفق عليه سلفُ الأمَّة وأئمَّتها من أهل الفقه والحديث والتصوُّف والمعرفة، وأئمَّة أهل الكلام من الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية، كلُّ هؤلاء يثبتون لله صفةَ الوجه واليد ونحو ذلك.
وقد ذكر الأشعريُّ في كتاب «المقالات»
(5)
أن هذا مذهبُ أهل الحديث، وقال: إنه به يقول. فقال في جملة مقالة أهل السُّنة وأصحاب
(1)
. انظر: «شرح الأصبهانية» (576) ، و «الرد على الشاذلي» (132) ، و «منهاج السنة» (5/ 335، 8/ 22) ، و «الصفدية» (2/ 252) ، و «النبوات» (713) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 221، 12/ 399).
(2)
. أي عند الحنابلة.
(3)
. الأصل و (ط): «الاتباع» . والمثبت من (ف)(4/ 173). وهو الصواب.
(4)
. وذلك في قولهم: «وليست بجوارح» .
(5)
. «مقالات الإسلاميين» (1/ 345).
الحديث: جملةُ ما عليه
(1)
أهلُ السُّنة وأصحابُ الحديث: الإقرارُ بكذا وكذا، وأن الله على عرشه استوى، وأن له يدين بلا كيف، كما قال:{خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، وكما قال:{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وأن له عينين بلا كيف، كما قال:{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14]، وأن له وجهًا، كما قال:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27].
وقد قدَّمنا فيما تقدَّم أن جميع أئمَّة الطوائف هم من أهل الإثبات
(2)
، وما مِن شيءٍ ذكره أبو الفرج وغيرُه مما هو موجودٌ في الحنبلية ــ سواءٌ كان الصوابُ فيه مع المثبت، أو مع النافي، أو كان فيه تفصيل ــ إلا وذلك موجودٌ فيما شاء الله من أهل الحديث والصُّوفية والمالكية والشافعية والحنفية ونحوهم، بل هو موجودٌ في الطوائف التي لا تنتحِلُ السُّنةَ والجماعةَ والحديثَ ولا مذهبَ السَّلف، مثل الشيعة وغيرهم، ففيهم في طرفي الإثبات والنفي ما لا يوجدُ في هذه الطوائف.
وكذلك في أهل الكتابَيْن ــ أهل التوراة والإنجيل ــ توجدُ هذه المذاهب المتقابلة في النفي والإثبات، وكذلك الصَّابئة من الفلاسفة وغيرهم لهم تقابلٌ
(3)
في النفي والإثبات، حتى إن منهم من يُثْبِتُ ما لا يُثْبِتُه كثيرٌ من متكلِّمة الصِّفاتية، ولكن جنسَ الإثبات على المتَّبعين للرُّسل أغلب من الذين
(1)
. الأصل: «جملة مقالة» . من سهو الناسخ وانتقال نظره. والمثبت من «المقالات» . وعلى الصواب في «منهاج السنة» (3/ 464).
(2)
. (ص: 239).
(3)
. الأصل و (ط): «مقابل» . والمثبت من (ف).
آمنوا واليهود والنصارى والصابئة المهتدين، وجنسَ النفي على غير المتَّبعين للرُّسل أغلب من المشركين والصَّابئة المبتدعة.
وقد ذكرنا في غير هذا الجواب مذهبَ سلف الأمَّة وأئمَّتها بألفاظها وألفاظ مَن نقل ذلك من جميع الطوائف
(1)
، بحيثُ لا يبقى لأحدٍ من الطوائف اختصاصٌ بالإثبات.
ومن ذلك ما ذكره شيخُ الحرمين أبو الحسن [محمد بن] عبد الملك الكَرَجِي
(2)
،
في كتابه الذي سمَّاه «الفصول في الأصول عن الأئمَّة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفُضول»
(3)
، وكان من أئمَّة الشَّافعية، ذكَر فيه مِن كلام
(1)
. في «الفتوى الحموية» ، كما تقدم (ص: 215).
(2)
. إمامٌ ورعٌ عاقلٌ فقيهٌ مفتٍ محدِّثٌ أديب (ت: 532) ، إلا أني لم أر من ذكر أنه جاور بمكة والمدينة كما يفهم من لقب «شيخ الحرمين» ، ولم أر المصنف ذكر ذلك في باقي تصانيفه. انظر:«الأنساب» (10/ 381) ، و «المنتظم» (10/ 75) ، و «طبقات الشافعية» لابن الصلاح (1/ 215) ، و «تاريخ الإسلام» (11/ 578).
وله قصيدةٌ بائية في السنة واعتقاد السلف قرأها عليه السمعاني، وغصَّ بها التاج السبكي فزعم في «طبقات الشافعية» (6/ 141) أنها موضوعة، وتسمى «عروس القصائد وشموس العقائد» ، منها نسخة بخط ابن الصلاح كما في «مجموع الفتاوى» (3/ 265)، وكتب عليها بخطه:«هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث» كما في «العلو» للذهبي (236) ، ويرويها ابن حجر بالإجازة كما في «تجريد أسانيد الكتب المشهورة» (409).
(3)
. ذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» (16/ 317) و «طبقات الشافعية» (2/ 572) ، ونقل عنه المصنف في «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» (169) ، و «مجموع الفتاوى» (4/ 181، 12/ 160، 306) والمصادر التالية، ولم أر من نقل عنه غيره، وهو من دلائل سعة اطلاعه، حتى إن الدمياطي وتقي الدين السبكي وهما شافعيان لم يعرفا ترجمة أبي الحسن الكرجي ولا زمانه، كما في رسالة «معنى قول الإمام المطلبي» للسبكي (95).
الشَّافعي، ومالك، والثَّوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب «الصَّحيح» ، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، [وأبي زرعة، وأبي حاتم]
(1)
، في أصول السُّنة ما يُعْرَفُ به اعتقادُهم، وذكَر في تراجمهم ما فيه تنبيهٌ على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام.
وذكَر أنه اقتصَر في النقل عنهم دون غيرهم؛ لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوعُ شرقًا وغربًا إلى مذاهبهم؛ ولأنهم أجمعُ لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم، وأكثرُ لتحصيل أسبابها وأدواتها، مِن جودة الحفظ والبصيرة والفطنة، والمعرفة بالكتاب والسُّنة والإجماع، والسند والرجال، والأحوال، ولغات العرب، ومواضعها، والتاريخ، والناسخ والمنسوخ، والمنقول والمعقول، والصَّحيح والمدخول، مع
(2)
الصِّدق والصَّلابة، وظهور الأمانة والديانة= ممَّن سواهم.
قال: وإن قصَّر واحدٌ منهم في سببٍ منها جَبَر تقصيرَه قربُ عصره من
(1)
. ساقط من الأصل، واستدركته من «درء التعارض» (2/ 95) ، و «التسعينية» (879) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 400) ، و «شرح الأصبهانية» (241)، وسيأتي ما يدل عليه (ص: 249).
(2)
. الأصل: «فى» . والمثبت أشبه بالصواب.
الصَّحابة والتابعين لهم بإحسان، باينوا هؤلاء
(1)
بهذا المعنى مَن سواهم، فإن غيرَهم من الأئمَّة وإن كانوا في منصب الإمامة لكنْ أخلُّوا ببعض ما أشرتُ إليه مجملًا من شرائطها؛ إذ ليس هذا موضعًا لبيانها.
قال: ووجهٌ ثالثٌ لا بدَّ مِن أن نبيِّن فيه، فنقول: إن في النقل عن هؤلاء إلزامًا للحجَّة على كلِّ من ينتحِلُ مذهبَ إمامٍ يخالفُه في العقيدة، فإن أحدهما لا محالة يضلِّلُ صاحبَه أو يبدِّعُه أو يكفِّرُه، فانتحالُ مذهبه مع مخالفته في العقيدة مستنكرٌ والله شرعًا وطبعًا.
فمن قال: أنا شافعيُّ الشَّرع أشعريُّ الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد؛ إذ لم يكن الشافعيُّ أشعريَّ الاعتقاد. ومن قال: أنا حنبليٌّ في الفروع، معتزليٌّ في الأصول، قلنا: قد ضللتَ إذًا عن سواء السَّبيل فيما تزعمُه؛ إذ لم يكن أحمدُ معتزليَّ الدين والاجتهاد.
قال: وقد افتتن أيضًا خلقٌ من المالكية بمذاهب الأشعرية
(2)
، وهذه والله شينةٌ
(3)
وعار، وفلتةٌ تعودُ بالوبال والنكال وسوء الدَّار، على منتحِل مذاهب هؤلاء الأئمَّة الكبار، فإن مذهبَهم ما رويناه مِن تكفيرهم الجهمية والمعتزلة والقدرية والواقِفية وتكفيرهم اللفظية.
(1)
. كذا بالأصل، فإن لم يكن ثم تحريف أو سقط فعلى لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة» .
(2)
. انظر لبداية دخول المذهب الأشعري إلى المالكية في بلاد المغرب: «ذم الكلام» لأبي إسماعيل الأنصاري (4/ 412)، و «درء التعارض» (1/ 271، 2/ 101) ، و «التسعينية» (203) ، و «ترتيب المدارك» (7/ 46) ، و «السير» (17/ 558).
(3)
. كذا في الأصل، والحرف الثاني مهمل، أي قبيحة، وفي (ط):«سُبَّة» .
وبسَط الكلامَ في مسألة اللفظ إلى أن قال: فأما غيرُ من ذكرناه من الأئمة فلم ينتحِل أحدٌ مذهبَهم، فلذلك لم نتعرَّض للنقل عنهم.
قال: فإن قيل: فهلا اقتصرتم إذًا على النقل عمَّن شاع مذهبُه وانتُحِلَ اختيارُه من أصحاب الحديث، وهم الأئمة: الشافعي ومالك والثوري وأحمد، إذ لا نرى أحدًا ينتحِلُ مذهبَ الأوزاعيِّ والليث وسائرِهم؟
قلنا: لأن مَن ذكرناه من الأئمَّة سوى هؤلاء أربابُ المذاهب في الجملة، إذ كانوا قدوةً في عصرهم، ثم اندرجت مذاهبُهم بالآخِرة
(1)
تحت مذاهب الأئمَّة المعتبرة.
وذلك أن ابن عيينة كان قُدوة، ولكن لم يصنِّف في الذي كان يختارُه من الأحكام، وإنما صنَّف أصحابُه، وهم الشافعيُّ وأحمد وإسحاق، فاندرَج مذهبُه تحت مذاهبهما
(2)
.
وأما الليث بن سعد، فلم يَقُم أصحابه بمذهبه، قال الشافعي:«لم يُرْزَق الأصحابَ»
(3)
، إلا أن قوله يوافقُ قولَ مالكٍ أو قولَ الثوريِّ لا يخطئهما،
(1)
. في الأزمنة المتأخرة بعد انقضاء عصرهم.
(2)
. كذا في الأصل، يعني الشافعي وأحمد، لأن إسحاق ممن اندرج مذهبه تحت مذهب أحمد كما سيأتي.
(3)
. قال الشافعي: «الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به» ، أخرجه البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 524). وفي رواية:«ضيَّعه أصحابه» ، أخرجها أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (1/ 406). وانظر:«المرحمة الغيثية بالترجمة الليثية» لابن حجر (2/ 243، 247 - الرسائل المنيرية).
فاندرج مذهبُه تحت مذهبهما.
وأما الأوزاعي، فلا نرى له في أعمِّ المسائل قولًا إلا ويوافقُ قولَ مالكٍ أو قولَ الثوريِّ أو قولَ الشافعي، فاندرج اختيارُه أيضًا تحت اختيار هؤلاء.
وكذلك اختيارُ إسحاق يندرجُ تحت مذهب أحمد؛ لتوافقهما.
قال: فإن قيل: فمن أين وقعتَ على هذا التفصيل والبيان في اندراج مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة؟
قلت: من «التعليقة» للشيخ أبي حامد الإسفراييني
(1)
، التي هي ديوانُ الشرائع، وأم البدائع، في بيان الأحكام، ومذاهب العلماء الأعلام، وأصول الحُجَج العظام، في المختلف والمؤتلف
(2)
.
قال: وأما اختيار أبي زرعة وأبي حاتم في الصَّلاة والأحكام ــ مما قرأته وسمعتُه من مجموعَيهما ــ فهو موافقٌ لقول أحمد ومندرجٌ تحته، وذلك مشهور.
وأما البخاريُّ فلم أر له اختيارًا، ولكن سمعتُ محمد بن طاهر
(1)
. أحمد بن أبي طاهر، من أئمة الشافعية الكبار (ت: 406) ، وتعليقته شرحٌ لمختصر المزني، قال الكرجي فيما نقله المصنف في «التسعينية» (886):«ولا شك أنه كان أعرف الأصحاب بمناصيص الشافعي، وأعظمهم بركةً في مذهبه، وهو أول من كثَّر شرح المزني، وشحنه بالمختلف والمؤتلف، ونصر فيه مذاهب العلماء، وجعله مساغًا لاجتهاد الفقهاء» . وذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (2/ 210) أن تعليقته في نحو خمسين مجلدًا وأثنى عليها وبيَّن موضعها من كتب الشافعية.
(2)
. لعله يريد مسائل الخلاف والإجماع، أو الجمع والفَرْق.
الحافظ
(1)
يقول: استنبط البخاريُّ في الاختيارات مسائلَ موافِقةً لمذهب أحمد وإسحاق.
فلهذه المعاني نقلنا عن الجماعة الذين سمَّيناهم دون غيرهم؛ إذ هم أربابُ المذاهب في الجملة، ولهم أهليةُ الاقتداء بهم؛ لحيازتهم شرائط الإمامة، وليس مَن سواهم في درجتهم، وإن كانوا أئمَّةً كُبَراء قد ساروا بسَيْرهم.
ثم ذكَر بعد ذلك الفصل الثاني عشر: في ذكر خلاصةٍ تحوي مَناصِيصَ الأئمَّة، بعد أن أفرد لكلٍّ منهم فصلًا، قال: لما تتبَّعتُ أصول ما صحَّ لي روايتُه، فعثرتُ فيها بما قد ذكرتُ من عقائد الأئمة، فرتَّبتُها عند ذلك على ترتيب الفصول التي أثبتُّها، وافتتحتُ كلَّ فصلٍ بنُتَفٍ
(2)
من المحامد، تكونُ لإمامتهم إحدى الشواهد، داعيةً إلى اتباعهم ووجوب وِفَاقهم، وتحريم خلافهم وشِقَاقهم، فإن اتباع من ذكرناه من الأئمَّة في الأصول في زماننا بمنزلة اتباع الإجماع الذي يبلغُنا عن الصَّحابة والتابعين؛ إذ لا يسعُ مسلمًا خلافُه، ولا يُعْذَر فيه، فإن الحقَّ لا يخرُج عنهم؛ لأنهم الأدلَّة
(3)
، وأربابُ مذاهب هذه الأمة، والصُّدور السَّادة، والعلماء القادة، أولو الدِّين والدِّيانة، والصِّدق والأمانة، والعلم الوافر، والاجتهاد الظاهر؛ ولهذا المعنى اقتَدَوا
(1)
. أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (ت: 507)، قال الكَرجي:«ما كان على وجه الأرض له نظير» ، وعظَّم أمره. انظر:«السير» (19/ 363).
(2)
. الأصل: «بنيف» . تحريف.
(3)
. الأصل: «الأدلا» . والمثبت أوفق للسجع.
بهم في الفروع، فجعَلوهم فيها وسائل بينهم وبين الله تعالى، حتى صاروا أربابَ المذاهب، في المشارق والمغارب، فليَرْضَوا كذلك بهم، في الأصول فيما بينهم وبين ربهم، وبما نصُّوا عليه، ودعوا إليه.
قال: فإنا نعلمُ قطعًا أنهم أعرفُ قطعًا بما يصحُّ من معتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده؛ لجودة معارفهم، وحيازتهم شرائطَ الإمامة، ولقُرب عصرهم من الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما بينَّاه في أول الكتاب.
قال: ثم أردتُ ــ ووافق مرادي سؤالَ بعض الإخوان ــ أن أذكر خلاصةَ مَناصِيصهم، مضمَّنةً بعض ألفاظهم، فإنها أقربُ إلى الحفظ، وهي اللُّباب لما ينطوي عليه الكتاب، فاستعنتُ بمن عليه التُّكلان، وقلت: إن الذي آثرناه
(1)
من مَناصِيصهم يجمعُه فصلان:
أحدهما: في بيان السُّنة وفضلها.
والثاني: في هِجران البدعة وأهلها.
أما الفصل الأول: فاعلم أن السُّنة طريقةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتسنُّنُ بسلوكها وإصابتها. وهي أقسامٌ ثلاثة: أقوالٌ، وأعمالٌ، وعقائد. فالأقوال: نحو الأذكار والتسبيحات المأثورة. والأفعال: مثل سُنن الصَّلاة والصِّيام والصَّدقات المذكورة، ونحو السِّيَر المَرْضِيَّة والآداب المَحْكِيَّة. فهذان القسمان في عِدَاد التأكيد والاستحباب، واكتساب الأجر والثواب. والقسمُ الثالث: سنَّة العقائد، وهي من الإيمان إحدى القواعد.
(1)
. أي اخترناه، مِن الإيثار. ويحتمل أن تكون: أثرناه، أي نقلناه، مِن أثَر يأثر أثارة.
قال: وها أنا أذكرُ بعون الله خلاصةَ ما نقلتُه عنهم مفرَّقًا، وأضيفُ إليه ما دُوِّنَ في كتب الأصول مما لم يبلغني عنهم مطلقًا، وأرتِّبُها مرشَّحة، وببعض مَناصِيصهم موشَّحة، بأوجز لفظٍ على قدر وُسْعي، ليسهُل حفظُه على من يريد أن يَعِي، فأقول: ليَعْلَم المُتَسَنِّن
(1)
أن سنَّة العقائد على ثلاثة أضرُب: ضربٍ يتعلَّقُ بأسماء الله وذاته وصفاته، وضربٍ يتعلَّقُ برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ومعجزاته، وضربٍ يتعلَّقُ بأهل الإسلام في أُولاهم وأُخراهم.
أما الضربُ الأول، فلنعتقد أن لله أسماءً وصفاتٍ قديمةً غير مخلوقة، جاء بها كتابه، وأخبر بها الرسولُ أصحابه، فيما رواه الثقات، وصحَّحه النقادُ الأثبات، ودلَّ القرآن المبين، والحديثُ الصحيحُ المتين، على ثبوتها.
قال رحمه الله تعالى: وهي أن الله تعالى أوَّلٌ لم يَزَل، وآخِرٌ لا يزال، أحدٌ قديم، وصمدٌ كريم، عليمٌ حليم، عليٌّ عظيم، رفيعٌ مجيد، وله بطشٌ شديد، وهو يبدئ ويعيد، فعَّالٌ لما يريد، قويٌّ قدير، منيعٌ نصير، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، إلى سائر أسمائه وصفاته، من النفس والوجه والعين، والقَدَم واليدين، والعلم والنظر، والسَّمع والبصر، والإرادة والمشيئة، والرضى والغضب، والمحبَّة والضَّحك، والعَجَب والاستحياء والغَيْرة، والكراهة والسَّخط، والقبض والبسط، والقُرب والدُّنوّ، والفوقيَّة والعُلوّ، والكلام والسَّلام، والقول والنداء، والتجلِّي واللقاء، والنزول والصُّعود والاستواء، وأنه تعالى في السماء، وأنه على عرشه، بائنٌ من خلقه.
(1)
. الأصل: «المستنين» . وفي (ط): «المستن» . والمثبت أشبه.
قال مالك: إن الله في السَّماء، وعلمُه في كل مكان
(1)
.
وقال عبد الله بن المبارك: نعرفُ ربنا فوق سبع سمواته على العرش بائنًا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض
(2)
.
وقال سفيان الثوري: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] قال: علمُه
(3)
.
قال الشافعي: إنه على عرشه في سمائه يقربُ من خلقه كيف شاء
(4)
.
قال أحمد: إنه مستوٍ على العرش، عالمٌ بكلِّ مكان
(5)
.
وأنه ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا كيف شاء، وأنه يأتي يوم القيامة كيف شاء، وأنه يعلو على كرسيِّه، والإيمانُ بالعرش والكرسيِّ وما ورد فيهما من الآيات والأخبار، وأن الكَلِمَ الطيِّبَ يصعدُ إليه، وتعرُج الملائكةُ والروحُ إليه، وأنه خلقَ آدم بيديه، وخلقَ القلم وجنَّة عَدْنٍ وشجرةَ طوبى بيديه، وكتبَ التوراة بيديه، وأن كلتا يديه يمين.
(1)
. «السنة» لعبدالله بن الإمام أحمد (1/ 106، 173، 280).
(2)
. «خلق أفعال العباد» (20) ، و «الإبانة» لابن بطه (7/ 155).
(3)
. «الشريعة» للآجري (654) ، و «أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (672).
(4)
. «إثبات صفة العلو» لابن قدامة (92).
(5)
. رويت هذه العبارة عن بشر بن الحارث الحافي في عقيدته. انظر: «العرش» للذهبي (216) ، و «العلو» (127) ، و «الأربعين» (16).
وقال ابن عمر: خلق الله بيديه أربعة أشياء: آدم، والعرش، والقلم، وجنَّة عَدْن، وقال لسائر الخلق: كُن، فكان
(1)
.
وأنه يتكلَّمُ بالوحي كيف يشاء.
قالت عائشة رضي الله عنها: لَشَأني في نفسي كان أحقرَ من أن يتكلَّم الله فيَّ بوحيٍ يُتلى
(2)
.
وأن القرآن كلامُ الله بجميع جهاته، منزَّلٌ غير مخلوق، ولا حرفٌ منه مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
قال عبد الله بن المبارك: من كفَر بحرفٍ من القرآن فقد كفَر، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللَّام فقد كفَر
(3)
.
وأن الكتبَ المنزَّلة على الرُّسل مئةٌ وأربعةُ كتبٍ كلامُ الله غير مخلوق.
قال أحمد: وما في اللوح المحفوظ، وما في المصاحف وتلاوة الناس، وكيفما يُقرأ، وكيفما يُوصف، فهو كلامُ الله غير مخلوق
(4)
.
قال البخاري: وأقول: في المصحف قرآنٌ، وفي صدور الرجال قرآنٌ، فمن قال غير هذا يُستتاب، فإن تاب وإلا فسبيلُه سبيلُ الكفر
(5)
.
(1)
. أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي (1/ 261) ، واللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السنة» (730) ، وغيرهما بإسناد صحيح.
(2)
. أخرجه البخاري (2661) ، ومسلم (2770) في حديث الإفك الطويل.
(3)
. «اعتقاد السلف وأصحاب الحديث» للصابوني (175).
(4)
. لم أجده عن أحمد بهذا اللفظ.
(5)
. «أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (610).
قال: وذكَر الشافعيُّ المعتقَد بالدلائل
(1)
، فقال: لله تعالى أسماءٌ وصفاتٌ جاء بها كتابُه، وأخبر بها نبيُّه أمتَه، لا يسعُ أحدًا مِن خلق الله قامت عليه الحجَّةُ ردُّها.
إلى أن قال: نحو إخبار الله سبحانه إيَّانا أنه سميعٌ بصير، وأن له يدين بقوله:{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وأن له يمينًا بقوله:{وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، وأن له وجهًا بقوله:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27]، وأن له قَدمًا لقوله [صلى الله عليه وسلم]:«حتى يضع الربُّ فيها قدمَه»
(2)
يعني: جهنَّم، وأنه يضحكُ من عبده المؤمن لقوله [صلى الله عليه وسلم] للذي قُتِل في سبيل الله:«إنه لقي الله وهو يضحكُ إليه»
(3)
، وأنه يهبطُ كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك
(4)
، وأنه ليس بأعور لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكَر الدَّجَّال فقال: «إنه
(1)
. رواه أبو الحسن الهكاري في «اعتقاد الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي» (7)، ومن طريقه ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (109). قال الذهبي في «العرش» (203):«رواه شيخ الإسلام [أبو الحسن الهكاري] في عقيدة الشافعي وغيره بإسنادٍ كلُّهم ثقات» . والهكاريُّ على فضله وصلاحه متهمٌ بالوضع وتركيب الأسانيد. انظر: «لسان الميزان» (5/ 483).
(2)
. أخرجه البخاري (6661) ، ومسلم (2846).
(3)
. أخرجه البخاري (2826) ، ومسلم (1890).
(4)
. أخرجه أحمد (8974) ، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (481) ، وغيرهما بإسناد صحيح، إلا أن عامة روايات الحديث جاءت بلفظ «ينزل» كما أشار لذلك ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» (1/ 311). وروي لفظ «يهبط» من وجوه أخرى.
أعور، وإن ربكم ليس بأعور»
(1)
، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمرَ ليلة البدر، وأن له إصبعًا لقوله صلى الله عليه وسلم:«ما مِن قلبٍ إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن»
(2)
.
قال: وسوى ما نقله الشافعيُّ أحاديثُ جاءت في الصِّحاح والمسانيد، وتلقَّتها الأمة بالقبول والتصديق، نحو ما في «الصَّحيح» من حديث الذَّات
(3)
، وقوله:«لا شخصَ أغْيرُ من الله»
(4)
، وقوله:«أتعجبون مِن غَيرة سعد؟ والله لأنا أغْيرُ من سعد، والله أغْيرُ مني»
(5)
(6)
، وقوله:«يدُ الله مَلْأى»
(7)
، وقوله:«بيده الأخرى الميزان يخفِضُ ويرفع»
(8)
، وقوله:«إن الله يقبضُ يوم القيامة الأرَضِين، وتكونُ السمواتُ بيمينه، ثم يقول: أنا الملك»
(9)
.
(1)
. أخرجه البخاري (3337) ، ومسلم (169).
(2)
. أخرجه مسلم (2654).
(3)
. أخرجه البخاري (3358) ، ومسلم (2371) في حديث إبراهيم عليه السلام.
(4)
. أخرجه مسلم (1499) ، وعلقه البخاري (9/ 123).
(5)
. أخرجه البخاري (6846) ، ومسلم (1499).
(6)
. أخرجه البخاري (4637) ، ومسلم (2760).
(7)
. أخرجه البخاري (7411) ، ومسلم (993).
(8)
. جزء من الحديث السابق.
(9)
. أخرجه البخاري (4812) ، ومسلم (2787).
ونحو قوله: «ثلاث حَثَياتٍ من حَثَيات الرَّب»
(1)
، وقوله:«لما خلق آدمَ مسحَ ظهرَه بيمينه»
(2)
، وقوله في حديث أبي رَزِين: قلت: يا رسول الله، فما يفعلُ ربُّنا بنا إذا لقيناه؟ قال:«تُعْرَضون عليه باديةً له صفحاتُكم، لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذُ ربُّك بيده غرفةً من الماء، فينضَحُ قِبَلكم، فلعَمْرُ إلاهك ما يخطئ وجهَ أحدكم منها قطرة» أخرجه أحمد في «المسند»
(3)
، وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حُمَمًا، فيلقيهم في نهرٍ من أنهار الجنَّة يقال له: الحياة
(4)
.
ونحو الحديث: «رأيتُ ربي في أحسن صورة»
(5)
، ونحو قوله: «خلقَ
(1)
. أخرجه أحمد (22303)، والترمذي (2437) وقال:«حديث حسن غريب» ، وابن ماجه (4286) ، وصححه ابن حبان (7246).
(2)
. أخرجه مالك (677) ، وأحمد (311) ، وأبو داود (4703) ، والترمذي (3075) من حديث عمر رضي الله عنه بإسنادٍ فيه إرسالٌ وجهالة، وروي موصولًا. وفي الباب أحاديث أخرى. انظر:«العلل» للدارقطني (2/ 222) ، و «التمهيد» لابن عبد البر (6/ 3) ، وتفسير ابن كثير (6/ 441 - 442).
(3)
. (16206) من زيادات عبد الله، وفي إسناده جهالة وفي بعض ألفاظه نكارة، «وتلقاه أكثر المحدثين بالقبول» كما يقول المصنف. انظر:«مجموع الفتاوى» (6/ 497) ، و «زاد المعاد» (3/ 677) ، و «حادي الأرواح» (530، 536).
(4)
. أخرجه البخاري (6560) ، ومسلم (184).
(5)
. أخرجه أحمد (22109) ، والترمذي (3235) وصححه هو والبخاري، وفي أسانيده اضطرابٌ واختلاف كثير، وذهب جماعةٌ من الحفاظ إلى تضعيفه. انظر تعليقي على «الوابل الصيب» (414 - 415).
آدمَ على صورته»
(1)
، وقوله:«يدنو أحدُكم مِن ربه حتى يضع كَنَفَه عليه»
(2)
، وقوله:«كلَّم أباك كِفاحًا»
(3)
، وقوله:«ما منكم مِن أحدٍ إلا سيكلِّمه ربُّه، ليس بينه وبينه تَرْجُمانٌ يترجِمُ له»
(4)
، وقوله:«يتجلَّى لنا ربُّنا يوم القيامة ضاحكًا»
(5)
.
وفي حديث المعراج في «الصَّحيح»
(6)
: «ثم دنا الجبَّارُ ربُّ العِزَّة، فتدلَّى حتى كان منه قابَ قوسين أو أدنى» ، وقوله:«كتَب كتابًا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقَت غضبي»
(7)
، وقوله:«لا تزالُ جهنَّم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضعَ ربُّ العِزَّة فيها قدمَه» وفي رواية: «رجله» «فيُزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قَد قَد» وفي رواية: «قَط قَط بعزَّتك»
(8)
.
ونحو قوله: «فيأتيهم الله في صورته التي يَعْرِفُون، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربنا»
(9)
، وقوله: «يحشرُ الله العباد، فيناديهم بصوتٍ يسمعُه
(1)
. أخرجه البخاري (6227) ، ومسلم (2841).
(2)
. أخرجه البخاري (2441) ، ومسلم (2768).
(3)
. أخرجه الترمذي (3010) ، وابن ماجه (190) ، وصححه ابن حبان (7022).
(4)
. أخرجه البخاري (3593) ، ومسلم (1016).
(5)
. أخرجه أحمد (19654) بإسناد ضعيف، وروي من وجوه أخرى يحسَّن بها.
(6)
. صحيح البخاري (7517).
(7)
. أخرجه البخاري (7422) ، ومسلم (2751).
(8)
. تقدم تخريجه قريبًا.
(9)
. أخرجه البخاري (7437) ، ومسلم (182).
مَن بَعُدَ كما يسمعُه مَن قَرُبَ: أنا الملك، أنا الدَّيَّان»
(1)
.
إلى غيرها من الأحاديث، هالَتْنا أو لم تهِلْنا، بَلَغَتْنا أو لم تَبْلُغْنا، اعتقادنا فيها وفي الآي الواردة في الصِّفات أنا نقبلُها، ولا نحرِّفها، ولا نكيِّفها، ولا نعطِّلها، ولا نتأوَّلها، وعلى العقول لا نَحْمِلها، وبصفات الخلق لا نشبِّهها، ولا نُعْمِلُ رأينا وفِكْرنا فيها، ولا نزيدُ عليها ولا نُنْقِصُ منها، بل نؤمنُ بها ونَكِلُ علمَها إلى عالمها، كما فعل ذلك السَّلفُ الصالح، وهم القدوة لنا في كلِّ علم.
رُوِّينا عن إسحاق أنه قال: لا نزيلُ صفةً مما وصف الله به نفسَه أو وصف الرسولُ عن جهته، لا بكلامٍ ولا بإرادة، إنما يلزمُ المسلم الأداء، ويوقن بقلبه أن ما وصف الله به نفسه في القرآن إنما هي صفاتُه، ولا يَعْقِلُ نبيٌّ مرسلٌ ولا ملَكٌ مقرَّبٌ تلك الصِّفات إلا بالأسماء التي عرَّفهم الربُّ عز وجل، فأما أن يدرك أحدٌ من بني آدم معنى تلك الصِّفات فلا يدركُه أحد. الحديث إلى آخره
(2)
.
وكما رُوِّينا عن مالك، والأوزاعي، وسفيان، والليث، وأحمد بن حنبل، أنهم قالوا في الأحاديث في الرؤية والنزول: أمِرُّوها كما جاءت
(3)
.
وكما روي عن محمد بن الحسن ــ صاحب أبي حنيفة ــ أنه قال في
(1)
. علَّقه البخاري في «الصحيح» (9/ 141) ، ووصله في «الأدب المفرد» (970).
(2)
. أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب «السنة» . انظر: «التسعينية» (422).
(3)
. أخرجه الآجري في «الشريعة» (720) ، وابن بطه في «الإبانة» (7/ 241) ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (955).
الأحاديث التي جاءت: «إن الله يَهْبِطُ إلى السماء الدنيا» ونحو هذا من الأحاديث: إن هذه الأحاديث قد رواها الثقات، فنحن نرويها ونؤمنُ بها، ولا نفسِّرها
(1)
.
انتهى كلام الكَرَجيِّ رحمه الله تعالى.
والعجبُ أن هؤلاء المتكلِّمين إذا احتُجَّ عليهم بما في الآيات والأحاديث من الصِّفات قالوا
(2)
: قالت الحنابلة: إن لله كذا وكذا، بما فيه تشنيعٌ وترويجٌ لباطلهم، والحنابلةُ اقتفوا أثر السَّلف، وساروا بسَيْرهم، ووقفوا بوقوفهم، بخلاف غيرهم، والله الموفق.
النوع الثاني
(3)
: أن هذا الكلام ليس فيه من الحجَّة والدَّليل ما يستحقُّ أن يخاطَبَ به أهلُ العلم، فإن الردَّ بمجرَّد الشَّتم والتهويل لا يعجَزُ عنه أحد، والإنسانُ لو أنه يناظِرُ المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجَّة ما يبيِّن به الحقَّ الذي معه والباطل الذي معهم، فقد قال الله عز وجل لنبيه:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، وقال تعالى:{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46].
فلو كان خصمُ من يتكلَّمُ بهذا الكلام ــ سواءٌ كان المتكلِّمُ به أبو الفرج
(1)
. أخرجه اللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السنة» (741)، ومن طريقه ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (82). وانظر ما سبق (ص: 7).
(2)
. الأصل: «قال» .
(3)
. من الكلام على ما نقله المعترض عن أبي الفرج بن الجوزي (ص: 233).
أو غيرُه ــ مِن أشهر الطوائف بالبدع، كالرَّافضة= لكان ينبغي أن يذكُر الحجَّة ويَعْدِلَ عما لا فائدة فيه إذا كان في مقام الردِّ عليهم، دَعْ والمنازعون له كما ادعاه هم عند جميع الناس أعلمُ منه بالأصول والفروع.
وهو في كلامه وردِّه لم يأت بحجَّةٍ أصلًا، لا حجَّةٍ سمعيةٍ ولا عقلية، وإنما اعتمَد تقليدَ طائفةٍ من أهل الكلام قد خالفها أكثرُ منها من أهل الكلام، فقلَّدهم فيما زعموا أنه حجةٌ عقلية، كما فعل هذا المعترض. ومن يردُّ على الناس بالمعقول إن لم يبيِّن حجَّةً عقليةً وإلا كان قد أحال الناس على المجهولات، كمعصوم الرافضة وغَوْث بعض الصُّوفية
(1)
.
فأما قوله: «إن مثل هؤلاء لا يحدَّثون» ، فيقال له: قد بعث الله الرُّسل إلى جميع الخلق ليدعوهم إلى الله، فمن الذي أسقط الله مخاطبتَه من الناس؟ دَعْ من تعرفُ أنت وغيرُك مِن فضلهم ما ليس هذا موضعه، ولو أراد سفيهٌ أن يردَّ على الرَّادِّ بمثل ردِّه لم يعجَز عن ذلك.
وكذلك قوله: «إنهم يكابرون العقول» ، فنقول: المكابرةُ للعقول إما أن
(1)
. وهم غلاتهم الذين يعتقدون أن هناك رجلًا واحدًا في الكون هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان، يقال له:«الغوث» و «القطب» ، يسري في الكون سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعم، يفيض روح الحياة على الكون ويغيث أهل الأرض ويقضي حوائجهم. انظر:«الفتوحات المكية» (3/ 244) ، و «اصطلاحات الصوفية» للكاشاني (141) ، و «الصفدية» (1/ 262) ، و «درء التعارض» (5/ 316) ، و «منهاج السنة» (1/ 91، 93، 95) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 260) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 58، 11/ 364، 433، 437، 442، 27/ 96 - 105) ، وفتوى في الغوث والقطب ضمن «جامع المسائل» (2/ 7 - 115).
تكون في إثبات ما أثبتوه، وإما أن تكون في تناقُضهم بالجمع بين
(1)
إثبات هذه الأمور ونفي الجوارح.
أما الأول فباطل؛ فإن المجسِّمة المحضة التي تصرِّحُ بالتجسيم المحض وتغلو فيه لم يقل أحدٌ قطُّ: إن قولها مكابرةٌ للعقول، ولا قال أحد: إنهم لا يخاطَبون، بل الذين ردُّوا على غالية المجسِّمة مثل هشام بن الحكم وشِيعته لم يردُّوا عليهم من الحُجَج العقلية إلا بحُجَجٍ تحتاجُ إلى نظرٍ واستدلال، والمنازعُ لهم وإن كان مبطلًا في كثيرٍ مما يقوله فقد قابلهم بنظير حِجَاجهم، ولم يكونوا عليه بأظهرَ منه عليهم، إذ مع كلِّ طائفةٍ حقٌّ وباطل.
وإذا كان مثل أبي الفرج إنما يعتمدُ في نفي هذه الأمور على ما يذكُره نفاةُ النظَّار، فأولئك لا يكادون يزعمون في شيءٍ من النفي والإثبات أنه مكابرةٌ للعقول
(2)
، حتى جاحِدو الصَّانع ــ الذين هم أجهلُ الخلق وأضلُّهم وأكفرُهم وأعظمُهم خلافًا للعقول ــ لا يزعمُ أكثر هؤلاء الذين انتصر بهم أبو الفرج أن قولهم مكابرةٌ للعقول، بل يزعمون أن العلمَ بفساد قولهم إنما يُعْلَمُ بالنظر والاستدلال.
وهذا القولُ وإن كان يقوله جلُّ هؤلاء النُّفاة من أهل الكلام، فليس هو طريقة مرضيَّة، لكن المقصود أن هؤلاء النُّفاة لا يزعمون أن العلم بفساد قول المُثْبِتة معلومٌ بالضرورة ولا أن قولهم مكابرةٌ للعقل، وإن شنَّعوا عليهم بأشياء ينفِرُ عنها كثيرٌ من الناس فذاك ليستعينوا بنُفرة النافرين على دفعهم
(1)
. الأصل: «بجمع من» . والمثبت أقوم.
(2)
. الأصل: «للمعقول» . وأثبتُّها كنظائرها.
وإخماد قولهم، لا لأن نفورَ النافرين عندهم يدلُّ على حقٍّ أو باطل، ولا لأن قولهم مكابرةٌ للعقل أو معلومٌ بضرورة العقل أو ببديهته فسادُه، هذا لم أعلم أحدًا من أئمة النُّفاة أهلِ النظر يدَّعيه في شيءٍ من أقوال المُثْبِتة وإن كان فيها من الغلوِّ ما فيها.
ومن المعلوم أن مجرَّد نفور النافرين أو محبَّة الموافقين لا يدلُّ على صحَّة قولٍ ولا فساده إلا إذا كان ذلك بهدًى من الله، بل الاستدلالُ بذلك هو استدلالٌ باتباع الهوى بغير هدًى من الله؛ فإن اتباع الإنسان لما يهواه هو أخذُ القول والفعل الذي يحبُّه وردُّ القول والفعل الذي يبغضه بلا هدًى من الله، قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيَضِلُّونَ
(1)
…
بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119]، وقال:{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] وقال تعالى لداود: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] وقال تعالى: {فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 150]، وقال تعالى:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77].
(1)
. كذا قرأ أبو عمرو، وهي قراءة المصنف وأهل الشام لعهده، وبها يستقيم استدلاله هنا وفي عامة المواضع التي يستشهد فيها بالآية. وقرأ الكوفيُّون بضم الياء، أي يُضِلُّون غيرَهم من الناس. انظر:«السبعة» لابن مجاهد (267) ، و «معاني القراءات» لأبي منصور الأزهري (1/ 383) ، و «حجة القراءات» لابن زنجلة (270).
وقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120] ، فمن اتبع أهواء الناس بعد العلم الذي بعثَ الله به رسولَه، وبعد هُدى الله الذي بيَّنه لعباده، فهو بهذه المثابة.
ولهذا كان السَّلفُ يسمُّون أهل البدع والتفرُّق المخالفين للكتاب والسُّنة «أهل الأهواء» ؛ حيث قَبِلوا ما أحبُّوه وردُّوا ما أبغضوه بأهوائهم بغير هدًى من الله.
وأما قولُ المعترض عن أبى الفرج: «وكأنهم يخاطِبون الأطفال» ، فلم تخاطِب الحنابلةُ إلا بما ورد عن الله ورسوله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ الذين هم أعرفُ بالله وأحكامه، وسلَّمنا لهم أمر الشَّريعة، وهم قدوتُنا فيما أخبروا عن الله وشرعه، وقد أنصَف من أحال عليهم، وقد شاقَقَ من خرج عن طريقتهم وادَّعى أن غيرَهم أعلمُ بالله منهم، أو أنهم عَلِمُوا وكتَموا، أو أنهم لم يفهَموا ما أخبَروا به وأن عقلَ غيرهم في باب معرفة الله أتمُّ وأكملُ وأعلمُ مما نقلوه وعَقِلُوه، وقد قدمنا ما فيه كفايةٌ في هذا الباب، والله الموفِّق، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له مِن نور.
فصل
وأما المنطق، فمن قال: إنه فرض كفاية، وأنه من ليس له به خبرةٌ فليس له ثقةٌ بشيءٍ من علومه
(1)
= فهذا القولُ في غاية الفساد من وجوهٍ كثيرة التَّعداد، مشتملٌ على أمورٍ فاسدةٍ ودعاوى باطلةٍ كثيرةٍ لا يتَّسعُ هذا الموضع لاستقصائها
(2)
.
بل الواقعُ قديمًا وحديثًا أنك لا تجدُ من يُلْزِمُ نفسَه أن ينظر في علومه به ويناظِر به إلا وهو فاسدُ النظر والمناظرة، كثيرُ العجز عن تحقيق علمٍ
(3)
وبيانه.
فأحسنُ ما يُحْمَلُ عليه كلامُ المتكلِّم في هذا أن يكونَ قد كان هو وأمثالُه في غاية الجهالة والضلالة، وقد فقدوا أسبابَ الهدى كلَّها، فلم يجدوا ما يردُّهم عن تلك الجهالات إلا بعض ما في المنطق من الأمور التي هي صحيحة، فإنه بسبب بعض ذلك رجع كثيرٌ من هؤلاء عن بعض باطلهم،
(1)
. قاله الغزالي في «المستصفى» (1/ 45) ، وبمعناه في «معيار العلم» (60).
وبسط هذا المعنى الفارابي في «إحصاء العلوم» (53 - 60) ، وانتصر له ابن حزم في رسائله «التقريب لحد المنطق» (4/ 95، 102) ، و «التوقيف على شارع النجاة» (3/ 131) ، و «مراتب العلوم» (4/ 72).
وقال ابن سينا في كتابه «دانشنامه علائي» بالفارسية (10): «علم المنطق هو علم الميزان
…
، وكلُّ علم ما وُزِن بالميزان لا يكون يقينًا، ففي الحقيقة لا يكون علمًا، فلا مفرَّ إذن من تعلُّم المنطق». «المفكرون المسلمون في مواجهة المنطق اليوناني» لمصطفى طباطبائي (51).
(2)
. انظر: «الرد على المنطقيين» (179).
(3)
. (ف): «علمه» .
وإن لم يحصُل لهم حقٌّ ينفعُهم، وإن وقعوا في باطلٍ آخر.
ومع هذا، فلا يصحُّ نسبةُ وجوبه إلى شريعة الإسلام بوجهٍ من الوجوه؛ إذ مَن هذه حالُه أُتِيَ مِن نفسِه بترك ما أمر الله به من الحقِّ حتى احتاج إلى الباطل.
ومن المعلوم أن القول بوجوبه قولُ غُلاته وجهَّال أصحابه، ونفسُ الحذَّاق منهم لا يلتزمون قوانينَه في كلِّ علومهم، بل يُعْرِضُون عنها، إما لطولها، وإما لعدم فائدتها، وإما لفسادها، وإما لعدم تميُّزها وما فيها من الإجمال والاشتباه، فإنه
(1)
فيه مواضعَ كثيرةً هي لحمُ جملٍ غثٍّ على رأس جبلٍ وَعْر، لا سهلٍ فيُرتقى ولا سَمِينٍ فيُنتَقل
(2)
.
ولهذا مازال علماءُ المسلمين وأئمَّة الدين يذمُّونه ويذمُّون أهله، وينهون عنه وعن أهله
(3)
، حتى رأيتُ للمتأخرين فُتيا فيها خطوطُ جماعةٍ من أعيان زمانهم من أئمَّة الشافعية والحنفية وغيرهم، فيها كلامٌ عظيمٌ في تحريمه وعقوبة أهله.
حتى إن من الحكايات المشهورة التى بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصَّلاح
(4)
(1)
. كذا في الأصل، وله نظائر في كتب المصنف.
(2)
. تضمين من حديث أم زرع المشهور في البخاري (5189) ومسلم (2448).
(3)
. ساق السيوطي طائفة كبيرة منهم في «القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق» ضمن «الحاوي» (1/ 300 - 302) ، ومن أقدم ذلك ما نقل عن الشافعي، لكنه لا يصح. انظر:«السير» (10/ 74) ، و «صون المنطق والكلام» (48).
(4)
. تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري الإمام الفقيه المحدث (ت: 643). انظر: «وفيات الأعيان» (3/ 243) ، و «طبقات الشافعية» (8/ 326).
أمر بانتزاع مدرسةٍ معروفة
(1)
من أبي الحسن الآمدي
(2)
، وقال: أخذُها منه أفضلُ من أخذ عَكَّا
(3)
،
مع أن الآمديَّ لم يكن أحدٌ في وقته أكثرَ تبحُّرًا في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان مِن أحسنهم إسلامًا وأمثَلهم اعتقادًا.
ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة ــ سواءٌ كانت حقًّا أو باطلًا، إيمانًا أو كفرًا ــ لا تُعْلَمُ إلا بذكاءٍ وفطنة، فكذلك أهلُه قد يَسْتَجْهِلُون من لم يَشْرَكْهم في علمهم، وإن كان إيمانُه أحسنَ من إيمانهم، إذا كان فيه قصورٌ في الذَّكاء والبيان، وهم كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
(1)
. هي المدرسة العزيزية بدمشق. انظر: «تاريخ الإسلام» (14/ 50) ، و «الدارس في تاريخ المدارس» (1/ 298) ، والمصادر التالية.
(2)
. سيف الدين علي بن أبي علي، الأصولي المتكلم (ت: 631). انظر: «مرآة الزمان» (8/ 691) ، و «السير» (22/ 364) ، و «الوافي بالوفيات» (21/ 340).
(3)
. عكَّا من مدن فلسطين على ساحل البحر المتوسط، وكانت يومئذ بأيدي الصليبيين.
ولابن الصلاح في فتاويه (1/ 209 - 212) فتوى مشهورة في المنطق وأهله، عرَّض فيها بالآمدي فقال:«فالواجبُ على السلطان - أعزَّه الله وأعزَّ به الإسلام وأهلَه - أن يدفع عن المسلمين شرَّ هؤلاء المشائيم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم، ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أو الإسلام، لتخمد نارهم وتنمحي آثارها وآثارهم، يسَّر الله ذلك وعجَّله، ومِن أوجب هذا الواجب عزلُ من كان مدرِّسَ مدرسةٍ من أهل الفلسفة والتصنيف فيها والإقراء لها ثم سجنه وإلزامه منزله، ومن زعم أنه غيرُ معتقدٍ لعقائدهم فإن حاله يكذِّبه، والطريقُ في قلع الشر قلعُ أصوله، وانتصابُ مثله مدرسًا من العظائم» .
وقال عنه ابن كثير في «طبقات الشافعية» (782): «يكره طرائق الفلسفة والمنطق، ويغضُّ منها، ولا يمكِّن من قراءتها بالبلد، والملوك تطيعُه في ذلك» .
يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)} [المطففين: 29 - 36].
فإذا تقلَّدوا عن طواغيتهم أن كلَّ ما لم يحصل بهذه الطريق القياسيَّة فليس بعلم، وقد لا يحصُل لكثيرٍ منهم من هذه الطريق القياسيَّة
(1)
ما يستفيدُ به الإيمانَ الواجب، فيكون كافرًا زنديقًا منافقًا جاهلًا ضالًّا مُضِلًّا ظلومًا كفورًا، ويكون من أكابر أعداء الرُّسل من الذين قال الله فيهم:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 31 - 33].
وربما حصَل لبعضهم إيمانٌ إما من هذه الطريق أو من غيرها، ويحصُل له أيضا منها نفاق، فيكون فيه إيمانٌ ونفاق، ويكون في حالٍ مؤمنًا وفي حالٍ منافقا، ويكون مرتدًّا إما عن أصل الدين أو بعض شرائعه، إما ردَّة نفاقٍ وإما ردَّة كفر، وهذا كثيرٌ غالب، لا سيَّما في الأعصار والأمصار التي تَغْلِبُ فيها الجاهليةُ والكفرُ والنفاق، فلهؤلاء مِن عجائب الجهل والظُّلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتَّسعُ لذكره المقال
(2)
.
ولهذا لما تفطَّن كثيرٌ منهم لما في هذا النفي من الجهل والضلال،
(1)
. تكررت العبارة في الأصل، من سهو الناسخ.
(2)
. (ط) و (ف)(9/ 8): «المقام» ، وفي (18/ 53):«المقال» كما في الأصل.
صاروا يقولون: النفوسُ القُدسيَّة ــ كنفوس الأنبياء والأولياء ــ تَفِيضُ عليها المعارفُ بدون الطريق القياسيَّة.
وهم متَّفقون جميعُهم على أن من النفوس من تستغني عن وزن علومها بالموازين
(1)
الصِّناعية في المنطق، لكن قد يقولون: هو حكيمٌ بالطبع، والقياسُ يَنْعَقِدُ في نفسه بدون تعلُّم هذه الصناعة، كما ينطقُ العربيُّ بالعربية بدون النحو، وكما يَقْرِضُ الشاعرُ الشِّعر
(2)
بدون معرفة العروض، لكن استغناء بعض الناس عن هذه الموازين لا يوجبُ استغناءَ الآخرين
(3)
.
فاستغناءُ كثيرٍ من النفوس عن هذه الصناعة لا ينازعُ فيه أحدٌ منهم، والكلام هنا: هل تستغني في علومها بالكلِّية عن نفس القياس المذكور وموادِّه المعينة؟ فالاستغناءُ عن جنس هذا القياس شيء، وعن الصناعة القانونية التي يوزنُ بها القياس شيءٌ آخر، فإنهم يزعمون أنه آلةٌ قانونيةٌ تمنعُ مراعاتُها الذِّهنَ أن يزلَّ في فكره، وفسادُ هذا مبسوطٌ مذكورٌ في موضعٍ غير هذا
(4)
.
ونحن بعد أن تبيَّنا عدمَ فائدته، وإن كان قد يتضمَّنُ من العلم ما يحصل بدونه، ثم تبيَّنا أنا لو قدَّرنا أنه قد يفيدُ بعض الناس من العلم ما يفيدُه هو، فلا يجوزُ أن يقال: ليس إلى ذلك العلم لذلك الشَّخص ولسائر بني آدم طريقٌ إلا بمثل القياس المنطقيِّ؛ فإن هذا قولٌ بلا علم، وهو كذبٌ محقَّق.
(1)
. الأصل: «بالميزان» .
(2)
. الأصل: «بالشعر» .
(3)
. انظر: «إحصاء العلوم» للفارابي (59) ، و «النجاة» لابن سينا (1/ 10) ، والمنطق من «الشفاء» (20) ، وشرح «عيون الحكمة» للرازي (1/ 44، 46 - 47).
(4)
. انظر: «الرد على المنطقيين» (26، 180، 375، 438).
ولهذا مازال متكلِّمو المسلمين ــ وإن كان فيهم نوعٌ من البدعة ــ لهم من الردِّ عليه وعلى أهله، وبيان الاستغناء عنه، وحصول الضرر والجهل به والكفر، ما ليس هذا موضعه، دَع غيرَهم من طوائف المسلمين وعلمائهم وأئمَّتهم، كما ذكره القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب «الدقائق»
(1)
.
وذلك يظهر بأنهم جعلوا الأقيسة خمسة: البُرهاني، والخَطَابِي، والجَدَلِي، والشِّعْري، والمَغْلَطِي
(2)
.
فأما الشِّعْريُّ وهو ما يفيدُ مجرَّد التخييل وتحريك النفس
(3)
، والمَغْلَطِيُّ
(4)
السُّوفِسْطائيُّ وهو ما يُشْبِهُ الحقَّ وهو باطل، وهو الحكمةُ المموَّهة= فلا غرض لنا فيهما
(5)
هنا، ولكنْ تلك الثلاثة
(6)
.
(1)
. تقدم التعريف به (ص: 75).
(2)
. انظر: «معيار العلم» (185) ، و «البصائر النصيرية» (141، 219) ، و «فصول البدائع» للفناري (1/ 29).
(3)
. قوله: «فأما الشعري
…
» وقع في الأصل قبل قوله: «وذلك يظهر بأنهم
…
» ، وهو من سهو الناسخ.
(4)
. يسمَّى في عامة المصادر: المغالطي، نسبة إلى المغالطة. انظر:«تلخيص السفسطة» لابن رشد (83) ، و «الإشارات» بشرح الطوسي (1/ 465، 495) ، و «التعريفات» (222) ، و «الكليات» (714) ، والمصادر المذكورة في الحاشية السابقة. والمثبت من الأصل في الموضعين، نسبة إلى المَغْلَطة، وهي ما يُغَالَطُ به، وكذلك ترد في كتب المصنف. انظر:«بيان تلبيس الجهمية» (2/ 338) ، و «تنبيه الرجل العاقل» (1/ 190) ، و «درء التعارض» (1/ 398) ، و «مجموع الفتاوى» (9/ 258).
(5)
. الأصل: «فيه» .
(6)
. انظر: «الرد على المنطقيين» (441) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 338) ، و «مجموع الفتاوى» (9/ 258).
قالوا: الجَدَليُّ ما سَلَّم المخاطَبُ مقدِّماته، والخَطَابيُّ ما كانت مقدِّماتُه مشهورةً بين الناس، والبُرهانيُّ ما كانت مقدِّماته معلومة.
وكثيرٌ من المقدِّمات تكونُ مع كونها خطابيةً أو جدليةً يقينيةً برهانية، بل وكذلك مع كونها شِعْرية، ولكن هي من جهة التيقُّن بها تسمَّى برهانية، ومن جهة شهرتها عند عموم الناس وقبولهم لها تسمَّى خَطابية، ومن جهة تسليم الشَّخص المعيَّن لها تسمَّى جدلية.
وهذا كلامُ أولئك المبتدعة من الصَّابئة
(1)
الذين لم يذكروا النبوَّات ولا تعرَّضوا لها بنفيٍ ولا إثبات. وعدمُ التصديق للرُّسل واتباعِهم كفرٌ وضلالٌ وإن لم يُعْتَقد تكذيبُهم، فالكفرُ والضلالُ أعمُّ من التكذيب.
وأما قولُ بعض المتأخرين في المشهورات
(2)
: هي المقبولات، لكون صاحبها مؤيدًا بأمرٍ يوجبُ قبولَ قوله، ونحو ذلك= فهذه من الزيادات التي ألزمتهم إياها الحجَّة، ورأوا وجوبَ قبولها على طريقة الأوَّلين.
ولهذا [كان] غالبُ صابئة المتأخرين ــ الذين هم الفلاسفة ــ ممتزجين بالحنيفية، كما أن غالبَ من دخل في الفلسفة من الحنفاء مَزَج الحنيفية بالصُّبوء
(3)
ولَبَسَ الحقَّ بالباطل. أعني بالصُّبوء: المبتَدَعَ الذي ليس فيه إيمانٌ بالنبوات، كصُبوء صاحب المنطق وأتباعه.
وأما الصُّبوء القديمُ فذاك أصحابه منهم المؤمنون بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا وعملوا الصالحات،
(1)
. الأصل: «في الصابئة» . تحريف.
(2)
. أي المقدمات المشهورة في القياس الخطابي.
(3)
. مصدر صبأ، وهو دين الصابئة.
فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون
(1)
، كما أن التهوُّد والتنصُّر منه ما أهلُه مبتدِعُون ضُلَّالٌ قبل إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، ومنه ما كان أهلُه متَّبعين للحقِّ وهم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا الصالحات، فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
ومن قال من العلماء المصنِّفين في المنطق: «إن القياس الخَطَابيَّ هو ما يفيدُ الظنَّ، كما أن البرهانيَّ ما يفيدُ العلم»
(2)
، فلم يعرف مقصودَ القوم، ولا قال حقًّا؛ فإن كلَّ واحدٍ من الخَطَابي والجَدَلي قد يفيدُ الظنَّ، كما أن البرهانيَّ قد تكونُ مقدِّماتُه مشهورةً ومسلَّمة. فالتقسيمُ لموادِّ القياس وقع باعتبار الجهات التي يُقْبَلُ منها، فتارةً يُقْبَل القول لأنه معلوم، إذ العلمُ يوجبُ القبول. وأما كونُه لا يفيدُ العلمَ فلا يوجبُ قبولَه إلا لسبب، فإن كان لشهرته فهو خَطَابيٌّ ولو لم يُفِد علمًا ولا ظنًّا، وهو أيضًا خَطَابيٌّ إذا كانت قضيَّته
(3)
مشهورة وإن أفاد علمًا أو ظنًّا. والقولُ في الجدليِّ كذلك
(4)
.
ثم إنهم قد يمثِّلون المشهورات المقبولات التي ليست عِلمية
(5)
بقولنا: العلمُ حسنٌ والجهلُ قبيح، والعدلُ حسنٌ والظلمُ قبيح، ونحو ذلك من
(1)
انظر: «الملل والنحل» (2/ 7) ، و «درء التعارض» (7/ 334) ، و «الرد على الشاذلي» (136) ، و «الرد على المنطقيين» (288، 480).
(2)
انظر: شرح «الإشارات» للطوسي (1/ 462، 463).
(3)
الأصل: «قصته» . تحريف.
(4)
انظر: «الرد على المنطقيين» (439).
(5)
أي ليست معلومة.
الأحكام العِلْمية
(1)
العقلية التي يثبتُها من يقولُ بالتحسين والتقبيح. ويزعمون أنا إذا رجعنا إلى محض العقل لم نجد فيه حكمًا بذلك.
وقد يمثِّلونها بأن الموجود
(2)
لا بدَّ أن يكون مباينًا للموجود الآخر أو مُحَايِثًا له، أو أن الموجود لا بدَّ أن يكون بجهةٍ من الجهات، أو يكون جائزَ الرؤية. ويزعمون أن هذا من أحكام الوهم لا الفطرة العقلية. قالوا: لأن العقل يسلِّم مقدماتٍ يعلمُ بها فسادَ الحكم الأول.
وهذا كلُّه تخليطٌ ظاهرٌ لمن تدبَّره.
فأما تلك القضايا التي سمَّوها مشهوراتٍ غير معلومة، فهي من العلوم العقلية البديهية التي جَزْمُ العقول بها أعظمُ من جزمها بكثيرٍ من العلوم الحسابية والطبيعية، وهي كما قال أكثر المتكلِّمين من أهل الإسلام ــ بل أكثر متكلِّمي أهل الأرض من جميع الطوائف ــ: إنها قضايا بديهيةٌ عقلية، لكن قد لا يحسنون تفسيرَ ذلك؛ فإن حُسْنَ ذلك وقُبْحَه هو حسنُ الأفعال وقبحُها، وحسنُ الفعل هو كونُه مقتضيًا لما يطلبُه الحيُّ لذاته ويريدُه من المقاصد، وقبحُه بالعكس.
والأمر كذلك، فإن العلمَ والصِّدقَ والعدلَ هي كذلك محصِّلة
(3)
لما يُطلبُ لذاته ويُرادُ لنفسه من المقاصد، فحُسْنُ الفعل وقبحُه هو لكونه محصِّلًا للمقصود المراد بذاته أو منافيًا لذلك.
(1)
الأصل: «العملية» . تحريف. وانظر: «الرد على المنطقيين» (420، 441).
(2)
الأصل: «الوجود» . وانظر: «درء التعارض» (6/ 112).
(3)
الأصل: «يحصله» . والمثبت من (ط).
ولهذا كان الحقُّ [والباطلُ] يطلقُ تارةً بمعنى: النفي والإثبات، فيقال: هذا حقٌّ أي ثابت، وهذا باطلٌ أي منتفٍ. وفي الأفعال بمعنى: التحصيل للمقصود، فيقال: هذا الفعل حقٌّ أي نافعٌ أو محصِّلٌ للمقصود، ويقال: باطلٌ أي لا فائدة فيه ونحو ذلك.
وأما زعمُهم أن البديهةَ والفطرة قد تحكُم بما يتبيَّن لها بالقياس فسادُه، فهذا غلط؛ لأن القياس لا بدَّ له من مقدماتٍ بديهيةٍ فطرية؛ فإن جُوِّز أن تكون المقدماتُ الفطريةُ البديهيةُ غلطًا من غير تبيين غلطِها إلا بالقياس لكان قد تعارضت المقدماتُ الفطريةُ بنفسها ومقتضى القياس الذي مقدماتُه فطرية. فليس ردُّ هذه المقدمات الفطرية لأجل تلك بأولى من العكس، بل الغلطُ فيما تقلُّ مقدماته أولى، فما يُعْلَمُ بالقياس وبمقدماتٍ فطريةٍ أقربُ إلى الغلط مما يُعْلَمُ بمجرَّد الفطرة. وهذا يذكرونه في نفي علوِّ الله على العرش ونحو ذلك من أباطيلهم
(1)
.
والمقصود هنا أنهم لم يذكر متقدِّموهم
(2)
المقدِّمات المتلقَّاة من الأنبياء، ولكنْ المتأخرون رتَّبوا على ذلك:
* إما بطريق الصَّابئة الذين لَبَسوا الحنيفيةَ بالصابئة، كابن سينا ونحوه.
* وإما بطريق المتكلِّمين الذين أحسنوا الظنَّ بما ذكره المنطقيُّون، وقرَّروا إثبات العلم بموجَب النبوَّات به.
(1)
انظر: «الإشارات» لابن سينا (1/ 403) ، و «الأربعين» للرازي (152، 161) ، و «درء التعارض» (6/ 14 - 24، 112) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (4/ 483، 560).
(2)
كذا في الأصل. وفي (ط): «أن متقدميهم لم يذكروا» .
* أما الأول، فإنه جعَل علومَ الأنبياء من العلوم الحَدْسِية؛ لقوة صفاء تلك النفوس القُدسية وطهارتها، وأن قُوى النفوس في الحَدْس لا تقفُ عند حدٍّ، ولا بدَّ للعالم من نظامٍ يَنْصِبُه حكيمٌ، فيعطي النفوسَ المؤيَّدة من القوَّة ما تعلمُ به ما لا يعلمُه غيرها بطريق الحَدْس، ويتمثَّل لها ما تسمعُه وتراه في نفسها من الكلام ومن الملائكة ما لا يسمعُه غيرها، ويكون لها من القوَّة العملية التي تطيعُها بها هَيُولى العالم
(1)
ما ليس لغيرها.
فهذه الخوارقُ في قُوى العلم، مع السَّمع والبصر، وقوَّة العمل والقدرة، هي النبوَّةُ عندهم
(2)
.
ومعلومٌ أن الحَدْسَ راجعٌ إلى قياس التمثيل كما تقدَّم
(3)
، وأما ما يسمَع ويرى في نفسه فهو من جنس الرؤيا، وهذا القدرُ يحصُل مثلُه لكثيرٍ من عوامِّ الناس وكفَّارهم، فضلًا عن أولياء الله وأنبيائه، فكيف يُجْعَلُ ذلك هو غاية النبوَّة؟ ! وإن كان الذي يثبتونه للأنبياء أكملَ وأشرفَ فهو كمَلِكٍ أقوى مِن مَلِك.
ولهذا صاروا يقولون: النبوَّة مكتسَبة، ولم يثبتوا نزولَ ملائكةٍ من عند الله إلى من يختارُه ويصطفيه مِن عباده، ولا قَصْدَه لتكليم شخصٍ معيَّن من رسله، كما يُذْكَر عن بعض قدمائهم أنه قال لموسى بن عِمران: أنا أصدِّقُك في كلِّ شيءٍ إلا في أن علَّة العِلَل كلَّمَك، ما أقدِرُ أن أصدِّقك في هذا!
(1)
الهيولى لفظ يونانيٌّ بمعنى الأصل والمادة. «المعجم الفلسفي» (741).
(2)
انظر: «النجاة» لابن سينا (2/ 14) ، و «الإشارات» (2/ 368).
(3)
كذا، ولم يتقدم ذكر ذلك. وانظر ما سيأتي (ص: 332).
ولهذا صار من ضلَّ بمثل هذا الكلام يدَّعي مساواة الأنبياء والمرسلين أو التقدُّم عليهم
(1)
، وهذا كثيرٌ فى كثيرٍ من الناس الذين يعتقدون في أنفسهم أنهم أكملُ النَّوع، وهم مِن أجهل الناس وأظلمِهم وأكفَرِهم وأعظمِهم نفاقًا.
* وأما المتكلِّمون المنطقيُّون، فيقولون: يُعْلَمُ بهذا القياس ثبوتُ الصَّانع، وقدرتُه، وجوازُ إرسال الرسل، وتأييدُه لهم بما يوجبُ تصديقَهم فيما يقولونه.
وهذه الطريقةُ أقربُ إلى طريقة العلماء المؤمنين، وإن كان قد يكونُ فيها أنواعٌ من الباطل، تارةً من جهة ما تَقَلَّدوه عن المنطقيِّين، وتارةً من جهة ما ابتدَعوه هم، مما ليس هذا موضعه.
ومنطقيَّةُ اليهود والنصارى كذلك، لكنَّ الهدى والعلمَ والبيانَ في فلاسفة المسلمين ومتكلِّميهم أعظمُ منه في أهل الكتابَيْن؛ لما في تَيْنِكَ الملَّتين من الفساد.
ولكن الغرض تقريرُ جنس النبوَّات؛ فإن أهل المِلَل متَّفقون عليها، لكن اليهود والنصارى آمنوا ببعض الرُّسل وكفروا ببعض، والصابئةُ الفلاسفةُ ونحوهم آمنوا ببعض صفات الرسالة دون بعض، فإذا اتفق متفلسفٌ من أهل الكتاب جَمَع الكُفْرَين: الكفر بخاتم المرسلين، والكفر بحقائق صفات الرسالة في جميع المرسلين. فهذا هذا.
فيقالُ لهم ــ مع علمهم بتفاوت قُوى بني آدم في الإدراك ــ: ما المانعُ
(1)
كما سبق في تفضيل الفيلسوف على النبي (ص: 147).
من أن يخرق
(1)
سمع أحدهم وبصره حتى يسمع ويرى من الأمور الموجودة في الخارج ما لا يراه غيره؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أرى ما لا ترون، وأسمعُ ما لا تسمعون، أَطَّت السَّماءُ وحُقَّ لها أن تئطَّ، ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا وملَكٌ قائمٌ أو قاعدٌ أو راكعٌ أو ساجد»
(2)
، فهذا إحساسٌ بالظاهر أو الباطن لما هو في الخارج.
وكذلك العلومُ الكليةُ البديهية، قد علمتم أنها ليس لها حدٌّ في بني آدم، فمن أين لكم أن بعض النفوس ما يكونُ لها من العلوم البديهية التي يختصُّ بها أو بها وبأمثالها ما لا يكونُ من البديهيات عندكم؟
وإذا كان هذا ممكنًا ــ وعامةُ أهل الأرض على أنه واقعٌ لغير الأنبياء، دَع الأنبياء ــ فمثلُ هذه العلوم ليس في منطقكم طريقٌ إليها؛ إذ ليست من المشهورات ولا الجَدَلية ولا موادُّها عندكم يقينية، وأنتم لا تعلمون نفيَها، وجمهورُ أهل الأرض من الأولين والآخرين على إثباتها، فإن كذَّبتم بها كنتم ــ مع الكفر والتكذيب بالحقِّ، وخسارة الدنيا والآخرة ــ تاركين لمنطقكم أيضًا، وخارجين عمَّا أوجبتموه على أنفسكم أنكم لا تقولون إلا بموجَب القياس؛ إذ ليس لهم بهذا النفي قياسٌ ولا حجَّةٌ تُذْكَر، ولهذا لم يذكروا عليه حجَّة، وإنما اندرج هذا النفيُ في كلامهم
(3)
بغير حجَّة.
وإن قلتم: بل هي حقٌّ، اعترفتم بأن من الحقِّ ما لا يوزنُ بميزان منطقكم.
(1)
غير محررة في الأصل، والمثبت من (ط).
(2)
تقدم تخريجه (ص: 176).
(3)
الأصل: «كلامكم» .
وإن قلتم: لا ندري أحقٌّ هي أم باطل؟ اعترفتم بأن أعظمَ المطالب وأجلَّها لا يوزنُ بميزان المنطق.
فإن صَدَّقتم لم يوافقكم المنطق، وإن كَذَّبتم لم يوافقكم المنطق، وإن ارتبتُم لم ينفعكم المنطق!
ومن المعلوم أن موازينَ الأموال لا يُقْصَدُ أن يوزنَ بها الحطبُ والرَّصاصُ دون الذهب والفضة، وأمرُ النبوَّات وما جاءت به الرُّسل أعظمُ في العلوم من الذهب في الأموال، فإذا لم يكن في منطقكم ميزانٌ له كان الميزانُ مع أنه ميزانٌ عائلٌ
(1)
جائرٌ هو أيضًا عاجز، فهو ميزانٌ جاهلٌ ظالم؛ هو إما أن يردَّ الحقَّ ويدفعَه فيكونَ ظالمًا، أو لا يَزِنه ولا يبيِّن أمرَه فيكون جاهلًا، أو يجتمع فيه الأمران فيردَّ الحق ويدفعَه، وهو الحقُّ الذي ليس للنفوس عنه عِوَض، ولا عنه مندوحة، وليست سعادتُها إلا فيه ولا هلاكُها إلا تركُه.
فكيف يستقيمُ مع هذا أن تقولوا: إنه وما وزنتموه به من المتاع الخسيس ــ الذي أنتم في وزنكم إيَّاه به ظالمون عائلون، لم تَزِنُوا بالقسطاس المستقيم، ولم تستدلُّوا بالآيات البيِّنات ــ هو معيارُ العلوم الحقيقية، والحكمة اليقينية، التي فاز بالسَّعادة عالمُها، وخاب بالشَّقاوة جاهلُها؟ !
ورأسُ مال السَّادة
(2)
وغايةُ
(3)
العالم المنصف منكم أن يعترفَ بعجز
(1)
عال الميزانُ، إذا مال. قال أبو طالب في لاميته الباذخة:
بميزان قسطٍ لا يغلُّ شعيرةً
…
له شاهدٌ من نفسه غير عائلِ
(2)
سادة المنطق. وأخشى أن تكون محرفة.
(3)
الأصل: «غاية» بدون الواو.
ميزانكم عنه، وأما عوامُّ علمائكم فيكذِّبون به ويردُّونه، وإن كان منطقُكم يَرُدُّ عليهم، فلستُم بتحريف أمر منطقكم بأحسن حالًا من اليهود والنصارى في تحريف كتاب الله الذي هو في الأصل حقٌّ هادٍ لا ريبَ فيه، فهذا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأيضًا، هم متَّفقون على أنه لا يفيدُ إلا أمورًا كليةً مقدَّرةً في الذهن، لا يفيدُ العلمَ بشيءٍ موجودٍ محقَّقٍ في الخارج إلا بتوسُّط شيءٍ آخر غيره، والأمورُ الكليةُ الذهنيةُ ليست هي الحقائق الخارجية، ولا هي أيضًا علمًا بالحقائق الخارجية؛ إذ لكلِّ موجودٍ حقيقةٌ يتميَّز بها عن غيره هو بها هو
(1)
، وتلك ليست كلِّية، فالعلمُ بالأمر المشترك لا يكون علمًا بها، فلا يكونُ في القياس المنطقي علم تحقيقه بشيء
(2)
من الأشياء، وهو المطلوب.
وأيضًا، هم يطعنون في قياس التمثيل، وقد يقولون: إنه لا يفيدُ إلا الظنَّ، وربما تكلَّموا على بعض الأقيسة الفرعية أو الأصلية التي تكونُ مقدِّماتها ضعيفةً أو مظنونة، مثل كلام السُّهْرَوَرْدِي
(3)
المقتول على الزَّندقة،
(1)
انظر: «درء التعارض» (3/ 360) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 423).
(2)
كذا في الأصل، وأصلحها الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة إلى «تحقيق شيء» وعلق عليها بقوله: يعني أن العلم بالحقائق الذهنية الكلية التي تعلم بالمنطق وهي مشتركة بين أشياء كثيرة لا يفيد العلم بحقائقها الخارجية التي يتميز بها بعضها عن بعض، فالمنطق لا يفيد العلم بحقائق الأشياء الخارجية. فتعقبه الشيخ سليمان الصنيع بأن الواجب المحافظة على الأصول، وما وقع في الأصل صحيح، ومعناه: أن القياس المنطقي لا يفيد العلم ما دام تحقيقه بشيء من الأشياء.
(3)
شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك الفيلسوف الإشراقي، قتل بفتوى من علماء عصره سنة 587. انظر:«عيون الأنباء» (2/ 167) ، و «السير» (21/ 207). وهو غير شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد السهروردي شيخ الصوفية صاحب «عوارف المعارف» المتوفى سنة 632.
صاحب «التلويحات» و «الألواح» و «حكمة الإشراق»
(1)
، وكان في فلسفته مُسْتَمِدًّا من الرُّوم الصَّابئين والفُرس المجوس، وهاتان المادَّتان هما مادَّتا القرامطة الباطنية ومَن يدخل فيهم من الإسماعيلية والنُّصَيرية وأمثالهم، وهم ممَّن دخل في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصَّحيح:«لتأخذُنَّ مأخذَ الأمم قبلكم شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتموه» ، قالوا: فارس والروم؟ قال: «فمَن؟!»
(2)
.
والمقصود أن نذكر
(3)
كلام السُّهْرَوَرْدِي هذا على قياسٍ ضرَبَه، وهو أن يقال: السَّماء مُحْدَثة، قياسًا على البيت، بجامع ما يشتركان فيه من التأليف، فيحتاجُ أن يثبتَ أن علَّة حدوث البناء هو التأليف، وأنه موجودٌ في الفرع
(4)
.
والتحقيقُ أن قياسَ التمثيل أبلغُ في إفادة العلم واليقين مِن قياس الشُّمول، وإن كان علمُ قياس الشُّمول أكبرَ فذاك أكثر، فقياسُ التمثيل في القياس العقلي كالبصر في العلم الحِسِّي
(5)
، وقياسُ الشُّمول كالسَّمع في
(1)
جميعها مطبوع، وللمعاصرين دراساتٌ عديدة حول فلسفته الإشراقية.
(2)
أخرجه البخاري (3456)، ومسلم (2669). وانظر:«بغية المرتاد» (195) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 473 - 478) ، و «منهاج السنة» (8/ 15) ، و «درء التعارض» (6/ 196) ، و «تفسير آيات أشكلت» (747) ، و «مجموع الفتاوى» (15/ 151).
(3)
الأصل: «ذكر» .
(4)
انظر: «التلويحات» للسهروردي (67) ، و «الرد على المنطقيين» (121).
(5)
الأصل: «في العلم الحسي كالبصر» .
العلم الحِسِّي، ولا ريب أن البصرَ أعظمُ وأكمل، والسمعَ أوسعُ وأشمل
(1)
، فقياسُ التمثيل بمنزلة البصر، كما قيل:
* مَن قاسَ ما لم يَره بما رأى *
(2)
وقياسُ الشُّمول يشابهُ السَّمعَ من جهة العموم.
ثم إن كلَّ واحدٍ من القياسَيْن في كونه علميًّا أو ظنيًّا يتبعُ مقدِّماتِه، فقياسُ التمثيل في الحِسِّيَّات وكلِّ شيءٍ إذا عَلِمنا أن هذا مثلُ هذا عَلِمنا أن حكمَه حكمُه وإن لم نعلم
(3)
علَّةَ الحكم، وإن عَلِمنا علَّةَ الحكم استدللنا بثبوتها على ثبوت الحكم، فبكلِّ واحدٍ من العلم بقياس التمثيل وقياس التعليل يُعْلَمُ الحكم.
وقياسُ التعليل هو في الحقيقة مِن نوع قياس الشُّمول، لكنه امتاز عنه بأن الحدَّ الأوسط ــ الذي هو الدليلُ فيه ــ هو علَّة الحكم، ويسمَّى قياس العلَّة، وبرهان العلَّة، وذلك يسمَّى قياس الدَّلالة وبرهان الدَّلالة.
(1)
وهذا هو اختيار المصنف في مسألة المفاضلة بين السمع والبصر، كما حكاه عنه ابن القيم في «المدارج» (2/ 410) ، و «بدائع الفوائد» (126، 1107)، وله فيها كراسة مستقلة أشار إليها الصفدي في «نكت الهميان» (18). وانظر:«الرد على المنطقيين» (96) ، و «درء التعارض» (7/ 325) ، و «مجموع الفتاوى» (16/ 68).
(2)
من مقصورة ابن دريد (376 - شرح ابن خالويه)(347 - شرح ابن هشام). وعجزه:
* أراه ما يدنو إليه ما نأى *
وموضع الشاهد أنه عبَّر عن قياس التمثيل بلفظ الرؤية، فهو بمنزلة البصر.
(3)
الأصل: «يعلم» .
وإن لم نعلم
(1)
التماثلَ والعلَّة، بل ظننَّاها ظنًّا، كان الحكمُ كذلك.
وهكذا الأمرُ في قياس الشُّمول، إن كانت المقدِّمتان معلومتين كانت النتيجةُ معلومة، وإلا فالنتيجة تتبعُ أضعفَ المقدمات.
فأما دعواهم أن هذا
(2)
لا يفيدُ العلم، فهو غلطٌ محضٌ محسوس، بل عامَّة علوم بني آدم العقلية المحضة مِن قياس التمثيل
(3)
.
وأيضًا، علومُهم التي جعلوا هذه الصِّناعة ميزانًا لها بالقصد الأول، لا يكاد يُنْتَفعُ بهذه الصِّناعة المنطقية في هذه العلوم إلا قليلًا؛ فإن العلوم الرياضية مِن حساب العَدَد وحساب المقدار الذِّهني والخارجي قد عُلِمَ أن الخائضين فيه من الأوَّلين والآخِرين مستقلُّون به من غير التفاتٍ إلى هذه الصناعة المنطقية واصطلاح أهلها.
وكذلك ما يصحُّ من العلوم الطبيعية الكُلِّية والطِّبية، تجدُ الحاذقين فيها لم يستعينوا عليها بشيءٍ من صناعة المنطق، بل إمامُ صناعة الطبِّ بُقراط
(4)
(1)
الأصل: «يعلم» ، كذلك. والصواب المثبت من (ط) في الموضعين.
(2)
أي قياس التمثيل.
(3)
انظر لحقيقة قياس الشمول والتمثيل وإفادتهما للعلم والظن: «الرد على المنطقيين» (116 - 121، 159، 204 - 219، 233 - 235، 241 - 245، 299، 317، 353 - 356، 364 - 384) ، و «شرح الأصبهانية» (455) وأحال فيه على «الرد على الغالطين في المنطق» ، و «درء التعارض» (6/ 125، 7/ 153، 318 - 322، 337) ، و «النبوات» (726، 743 - 755).
(4)
كتبه أقدم ما وصل إلينا من كتب الطب، وكان قبل الاسكندر بنحو مئة سنة، فاضلًا متألهًا متنسكًا، وقيل إنه من الصابئة الحنفاء. انظر:«طبقات الأطباء» لابن جلجل (24) ، و «أخبار الحكماء» (121) ، و «الرد على المنطقيين» (455).
له فيها من الكلام الذي تلقَّاه أهلُ الطبِّ بالقبول ووجدوا مصداقَه بالتجارب، وله فيها من القضايا الكُلِّية التي هي عند عقلاء بني آدم من أعظم الأمور، ومع هذا فليس هو مستعينًا بشيءٍ من هذه الصِّناعة، بل كان قبل
(1)
واضِعها.
وهم وإن كان العلمُ الطبيعيُّ عندهم أعظمَ
(2)
وأعلى من علم الطبِّ فلا ريب أنه متصلٌ به، فبالعلم بطبائع الأجسام المعيَّنة المحسوسة تُعْلَمُ طبائعُ سائر الأجسام، ومبدأ الحركة والسُّكون الذي في الجسم، ويُسْتَدلُّ بالجزء على الكل، ولهذا كثيرًا ما يتناظرون في مسائل ويتنازعُ فيها هؤلاء وهؤلاء، كتناظر الفقهاء والمتكلِّمين في مسائل كثيرةٍ تتَّفقُ فيها الصِّناعتان، وأولئك يدَّعون عمومَ النظر، ولكن الخطأ والغلط عند المتكلِّمين والمتفلسفة أكثرُ مما هو عند الفقهاء والأطباء، وكلامُهم وعلمُهم أنفع، وأولئك أكثر ضلالًا وأقل نفعًا؛ لأنهم طلبوا بالقياس ما لا يُعْلَمُ بالقياس، وزاحموا الفطرةَ والنبوَّة مزاحمةً أوجبت من مخالفتهم للفطرة والنبوَّة ما صاروا به مِن شياطين الإنس والجنِّ الذين يوحي بعضُهم إلى بعض زخرفَ القول غرورًا، بخلاف الطبِّ المحض فإنه علمٌ نافع، وكذلك الفقهُ المحض.
وأما علمُ ما بعد الطبيعة، وإن كانوا يعظِّمونه، ويقولون: هو الفلسفة الأولى، وهو العلمُ الكلِّيُّ الناظرُ في الوجود ولواحقه، ويسمِّيه متأخِّروهم
(1)
الأصل: «قد» تحريف، والمثبت من (ف).
(2)
الأصل: «اعلم» ، والمثبت أشبه.
«العلم الإلهي»
(1)
، وزعم المعلِّمُ الأول
(2)
لهم أنه غايةُ فلسفتهم ونهايةُ حكمتهم= فالحقُّ فيه من المسائل قليلٌ نَزْر، وغالبُه علمٌ بأحكامٍ ذهنية لا حقائقَ خارجية
(3)
.
وليس على أكثره قياسٌ منطقي؛ فإن الوجود المجرَّد، والوجوب، والإمكان، والعلة المجرَّدة، والمعلول
(4)
، وانقسام ذلك إلى جزئي الماهيَّة وهما: المادة والصُّورة، وإلى علَّتي وجودها وهما
(5)
: الفاعل والغاية، والكلام في انقسام الوجود إلى الجوهر والأعراض التسعة التي هي: الكمُّ، والكيف، والإضافة، والأين، ومتى، والوضع، والملك، وأن يفعل، وأن ينفعل، كما أنشد بعضُهم فيها
(6)
:
زيدُ، الطويلُ، الأسودُ، ابنُ مالكِ
…
في داره، بالأمسِ، كان يتَّكِي
في يده سيفٌ، نَضَاه، فانتَضى
…
فهذه عشرُ مقولاتٍ سَوا
(1)
كما في كتب ابن سينا ومن تبعه من المتفلسفة الإسلاميين.
(2)
وهو أرِسطو، والفارابي المعلم الثاني.
(3)
انظر: «الصفدية» (2/ 179) ، و «درء التعارض» (6/ 246) ، و «شرح الأصبهانية» (107، 316) ، و «الرد على الشاذلي» (137، 195، 209) ، و «الرد على المنطقيين» (126، 143، 325) ، و «الرد على البكري» (580) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 83).
(4)
الأصل: «المعلوم» ، وفي الطُّرة إشارة إلى أن في نسخة «المعلول» .
(5)
الأصل في الموضعين: «وهو» .
(6)
البيتان في «الكليات» (627) لبعض الفضلاء. واستشهد بهما المصنف دون نسبة في «الصفدية» (2/ 180، 274) ، و «الجواب الصحيح» (5/ 28) ، و «شرح الأصبهانية» (295) ، و «الرد على المنطقيين» (132، 303) ، و «الرد على الشاذلي» (194).
= ليس عليها ولا على أقسامها قياسٌ منطقي، بل غالبها مجرَّد استقراءٍ قد نُوزِعَ صاحبُه في كثيرٍ منه.
فإذا كانت صناعتُهم بين علومٍ
(1)
لا يُحْتَاجُ فيها إلى القياس المنطقي، وبين ما لا يمكنُهم أن يستعملوا فيه القياسَ المنطقي، كان عديمَ الفائدة في علومهم، بل كان فيه مِن شغل القلب عن العلوم والأعمال النافعة ما ضرَّ كثيرًا من الناس، كما سدَّ على كثيرٍ منهم طريقَ العلم وأوقعَهم في أودية الضلال والجهل، فما الظنُّ بغير علومهم من العلوم التي لا تُحَدُّ
(2)
للأولين والآخرين
(3)
.
وأيضًا، لا تجدُ أحدًا من أهل الأرض حقَّق علمًا من العلوم وصار إمامًا فيه مستعينًا بصناعة المنطق، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والحُسَّابُ والكتَّابُ ونحوهم يحقِّقون ما يحقِّقون من علومهم وصناعاتهم بغير صناعة المنطق.
وقد صُنِّف في الإسلام علومُ النحو واللغة والعَروض والفقه وأصوله والكلام وغير ذلك، وليس في أئمَّة هذه الفنون من كان يلتفتُ إلى المنطق، بل عامَّتهم كانوا قبل أن يُعَرَّبَ هذا المنطق الرُّومي.
وأما العلومُ الموروثةُ عن الأنبياء صِرفًا، وإن كان الفقهُ وأصوله متصلًا
(1)
الأصل: «معلوم» ، تحريف.
(2)
الأصل: «التي تحد» . والمثبت من (ط).
(3)
في طرة الأصل هنا: «في نسخة: وهذا يظهر بالوجه العاشر» . ومرَّ نظير هذه الإشارة (ص: 130)، وسبق الكلام على ما تحتمله في مقدمة التحقيق (ص: 43).
بذلك، فهي أجلُّ وأعظمُ من أن يُظَنَّ أن لأهلها التفاتًا إلى المنطق؛ إذ ليس في القرون الثلاثة من هذه الأمَّة ــ التي هي خيرُ أمَّةٍ أخرِجت للناس، وأفضلُها القرون الثلاثة ــ من كان يلتفتُ إلى المنطق أو يعرِّجُ عليه، مع أنهم في تحقيق العلوم وكمالها بالغاية التي لا يُدْرِكُ أحدٌ شأوَها، كانوا أعمقَ الناس علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، وأبرَّها قلوبًا، ولا يوجدُ لغيرهم كلامٌ فيما تكلَّموا فيه إلا وجدتَ بين الكلامين من الفَرْق أعظمَ مما بين القَدَم والفَرْق
(1)
.
بل الذي وجدناه بالاستقراء
(2)
أن الخائضين في العلوم من أهل هذه الصِّناعة أكثرُ الناس شكًّا واضطرابًا، وأقلُّهم علمًا وتحقيقًا، وأبعدُهم عن تحقيق علمٍ موزون، وإن كان فيهم من قد يحقِّقُ شيئًا من العلم فذلك لصحَّة المادة والأدلة التي ينظرُ فيها، وصحَّة ذهنه وإدراكه، لا لأجل المنطق.
بل إدخالُ صناعة المنطق في العلوم الصحيحة يطوِّلُ العبارة، ويبعِّدُ الإشارة، ويجعلُ القريبَ من العلم بعيدًا، واليسيرَ منه عسيرًا، ولهذا تجدُ من أدخله في الخلاف والكلام وأصول الفقه وغير ذلك لم يُفِد إلا كثرةَ الكلام والتشقيق، مع قلَّة العلم والتحقيق، فعُلِم أنه مِن أعظم حَشْو الكلام، وأبعد الأشياء عن طريقة ذوي الأحلام.
نعم لا يُنْكَر أن في المنطق ما قد يستفيدُ ببعضه من كان في كفرٍ وضلالٍ
(1)
فرق الرأس. وهو جناسٌ تام. والعبارة ذائعة، رأيتها عند سبط ابن الجوزي في «إيثار الإنصاف» (275) ، ثم في كلام النويري والذهبي والصفدي وغيرهم.
(2)
الأصل: «بالاستقراء أن من المعلوم» . ولعلها مقحمة أو محالة عن موضعها سهوًا، أو أن في السياق تحريفًا أو سقطًا، والكلام مستقيمٌ بدونها.
وتقليدٍ لمن نشأ بينهم من الجهَّال، كعوامِّ النصارى واليهود والرافضة ونحوهم، فأورثهم المنطقُ تركَ ما عليه أولئك من تلك العقائد، ولكن يصيرُ غالبُ هؤلاء مُداهِنين لعوامِّهم مُضِلِّين لهم عن سبيل الله، أو يصيرون منافقين زنادقةً لا يُقِرُّون بحقٍّ ولا بباطل، بل يتركون الحقَّ كما تركوا الباطل. فأذكياءُ طوائف الضَّلال إما مُضِلُّون مداهنون وإما زنادقةٌ منافقون، لا يكادُ يخلو أحدٌ منهم عن هذين، فأما أن يكون المنطقُ وَقَفَهم على حقٍّ يهتدون به فهذا لا يقعُ بالمنطق.
ففي الجملة، ما يحصلُ به لبعض الناس مِن شَحْذِ ذهنٍ أو رجوعٍ عن باطل أو تعبيرٍ عن حقٍّ، فإنما هو لكونه كان في أسوأ حال، لا لما في صناعة المنطق من الكمال. ومن المعلوم أن المشرك إذا تمجَّس، والمجوسيَّ إذا تهوَّد، حَسُنَت حالُه بالنسبة إلى ما كان فيه قبل ذلك، لكن لا يصلحُ أن يُجْعَل ذلك عمدةً لأهل الحقِّ المبين.
وهذا ليس مختصًّا به، بل هذا شأنُ كلِّ من نظر في الأمور التي فيها دقَّةٌ ولها نوعُ إحاطة، كما تجدُ ذلك في علم النحو؛ فإنه من المعلوم أن لأهله من التحقيق والتدقيق والتقسيم والتحديد ما ليس لأهل المنطق، وأن أهلَه يتكلَّمون في صورة المعاني المعقولة على أكمل القواعد، فالمعاني فطريةٌ عقليةٌ لا تحتاجُ إلى وضعٍ خاص، بخلاف قوالبها التي هي الألفاظ، فإنها تتنوَّع، فمتى تعلموا أكمل الصُّور والقوالب للمعاني مع الفطرة الصحيحة كان ذلك أكملَ وأنفعَ وأعونَ على تحقيق العلوم من صناعةٍ اصطلاحيةٍ في أمورٍ فطريةٍ عقليةٍ لا يُحْتاجُ فيها إلى اصطلاحٍ خاص.
هذا لعَمْري في منفعته
(1)
في سائر العلوم، وأما منفعتُه في علم الإسلام خصوصًا فهذا أبينُ من أن يحتاجَ إلى بيان، ولهذا تجدُ الذين اتصلت إليهم علومُ الأوائل فصاغوها بالصِّيغة العربية بعقول المسلمين جاء فيها من الكمال والتحقيق والإحاطة والاختصار ما لا يوجدُ في كلام الأوائل، وإن كان في هؤلاء المتأخِّرين من فيه نفاقٌ وضلال، لكن عادت عليهم في الجملة بركةُ ما بُعِثَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من جوامع الكَلِم، وما أوتيته أمَّتُه من العلم والبيان الذي لم يَشْرَكها فيه أحد.
وأيضًا، صناعةُ المنطق وضعَها معلِّمُهم الأول أرسطو صاحبُ التعاليم التي لمبتدعة الصَّابئة يَزِنُ بها ما كان هو وأمثالُه يتكلَّمون فيه مِن حكمتهم وفلسفتهم التي هي غايةُ كمالهم، وهي قسمان: نظرية وعملية.
فأصحُّ النظرية ــ وهي المدخلُ إلى الحق
(2)
ــ هي الأمورُ الحِسَابية الرياضية، وأما العملية فإصلاحُ الخُلُق والمنزل والمدينة. ولا ريب أن في ذلك مِن نوع العلوم والأعمال التي يتميَّزون بها عن جهَّال بني آدم الذين ليس لهم كتابٌ منزَّلٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ ما يستحقُّون به التقدُّم على ذلك.
وفيه مِن منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ما هو داخلٌ في ضمن ما جاءت به الرسل. وفيها أيضًا من قول الحقِّ واتباعه والأمر بالعدل والنهي عن الفساد ما هو داخلٌ في ضمن ما جاءت به الرسل.
فهم بالنسبة إلى جهَّال الأمم ــ كبادية التُّرك ونحوهم ــ أمثلُ إذا خَلَوا
(1)
أي علم النحو.
(2)
كذا في الأصل. والفلسفة النظرية عندهم هي العلمية ومنها العلم الإلهي.
عن ضلالهم، فأما مع ضلالهم فقد يكونُ الباقون على الفطرة من جهَّال بني آدم أمثلَ منهم. فأما أضلُّ أهل الملل مثل جهَّال النصارى وسامِرة اليهود فهم أعلمُ منهم وأهدى وأحكمُ وأتبعُ للحق.
وهذا قد بسطته بسطًا كثيرًا في غير هذا الموضع.
وإنما المقصود هنا بيان أن هذه الصناعة قليلةُ المنفعة عظيمةُ الحشو؛ وذلك أن الأمور العملية الخُلقية قلَّ أن يُنْتَفَع بصناعة المنطق فيها؛ إذ القضايا الكلِّية الموجبة وإن كانت توجدُ في الأمور العملية لكن أهل السياسة لنفوسهم ولأهلهم ولمُلْكِهم إنما ينالون تلك الآراء الكلِّية من أمورٍ لا يحتاجون فيها إلى المنطق، ومتى حصل ذلك الرأيُ كان الانتفاع به بالعمل.
ثم الأمور العمليةُ لا تقفُ على رأيٍ كلِّي، بل متى عَلِم الإنسانُ انتفاعَه بعملٍ عَمِلَه، وأيَّ عملٍ
(1)
تضرَّر به تَرَكه، وهذا قد يعلمُه
(2)
بالحسِّ الظاهر أو الباطن لا يقفُ ذلك على رأيٍ كلِّي؛ فعُلِم أن أكثر الأمور العملية لا يصحُّ استعمالُ المنطق فيها.
ولهذا كان المؤدِّبون لنفوسهم ولأهلهم السَّائسون لمُلْكِهم لا يَزِنُون آراءهم بالصِّناعة المنطقية، إلا أن يكون شيئًا يسيرًا، والغالبُ على من يسلكُه التوقُّفُ والتعطيل
(3)
، ولو كان أصحابُ هذه الآراء تقفُ معرفتُهم بها
(1)
الأصل: «علم» .
(2)
الأصل: «تعلمته» .
(3)
التوقف عن العمل وتعطيله.
واستعمالُهم لها على وزنها بهذه الصناعة لكان تضرُّرهم بذلك أضعافَ انتفاعهم، مع أن جميعَ ما يأمرون به من العلوم والأخلاق والأعمال لا تكفي في النجاة من عذاب الله، فضلًا عن أن يكون محصِّلًا لنعيم الآخرة
(1)
.
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38]، وكذلك قال:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} إلى قوله: {الْكَافِرُونَ} [غافر: 82 - 85] ، فأخبر هنا بمثل ما أخبر به في الأعراف، أن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرُّسل لما رأوا بأسَ الله وحَّدوا الله وتركوا الشِّرك، فلم ينفَعْهم ذلك.
وكذلك أخبَر عن فرعون ــ وهو كافرٌ بالتوحيد وبالرسالة ــ أنه لما أدركه الغرق قال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} قال الله: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 90، 91].
(1)
في طرة الأصل هنا: «قال في الأصل المقابل عليه لما وقف على قوله (فضلا عن أن يكون محصلًا لنعيم الآخرة): يتلوه الخط المعترض. ولم نر خطًّا معترضًا، وكتبنا من قوله (حتى إذا اداركوا) ، وهو في أول الورقة المنكوسة، فاعرف ذلك» . والورقة المشار إليها موجودة مع الأصل في هذا الموضع، وسياق الكلام بها مستقيم، وبعضها في منتخب الكتاب المنشور في «مجموع الفتاوى» (18/ 55 - 56) وسبق الكلام عليه في المقدمة.
وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} إلى قوله: {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172، 173].
وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} إلى قوله: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [إبراهيم: 9، 10].
وهذا في القرآن في مواضعَ أُخَر، يبيِّن فيها أن الرُّسل كلهم أمروا بالتوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة شيءٍ من المخلوقات سواه أو اتخاذه إلاهًا، ويخبرُ أن أهل السَّعادة هم أهلُ التوحيد وأن المشركين هم أهلُ الشَّقاوة، وذكَر هذا عن عامَّة الرُّسل، ويبيِّن أن الذين لم يؤمنوا بالرُّسل مشركون.
فعُلِم أن التوحيد والإيمان بالرُّسل متلازمان، وكذلك الإيمان باليوم الآخر هو والإيمان بالرُّسل متلازمان، فالثلاثة متلازمة؛ ولهذا يجمع بينها في مثل قوله:{وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 150].
ولهذا أخبر أن الذين لا يؤمنون بالآخرة مشركون، فقال تعالى:{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [الزمر: 45].
وأخبر عن جميع الأشقياء أن الرسل أنذرتهم باليوم الآخر، كما قال تعالى:{كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى} الآية [الملك: 8، 9] ، فأخبر أن الرُّسل أنذرتهم، وأنهم كذَّبوا بالرسالة.
وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} الآية [الزمر: 71] ، فأخبَر عن أهل النار أنهم قد جاءتهم الرسالة، وأُنذِرُوا باليوم الآخر.
وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ} إلى قوله: {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 128 ــ 130] ، فأخبر عن جميع الجنِّ والإنس أن الرُّسلَ بلَّغَتهم رسالةَ الله وهي آياتُه، وأنهم أنذروهم اليومَ الآخر.
وكذلك قال: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَاءِهِ} الآية [الكهف: 103 ــ 105] ، فأخبر أنهم كفَروا بآياته وهي رسالته، وبلقائه وهو اليوم الآخر.
وقد أخبَر أيضًا في غير موضعٍ بأن الرسالة عمَّت بني آدم، وأن الرُّسل جاؤوا مبشِّرين ومنذرين، كما قال تعالى:{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، وقال تعالى:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} إلى قوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 163 ــ 165]، وقال تعالى:{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأنعام: 48، 49] ، فأخبر أن من آمن بالرُّسل وأصلَحَ من الأولين والآخرين فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
وقال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]، ومثل قوله:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} إلى قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} الآية [البقرة: 62] ، فذكَر أن المؤمنين بالله وباليوم الآخر مِن هؤلاء هم أهلُ النجاة والسَّعادة، وذكر في تلك الآية الإيمانَ بالرُّسل، وفي هذه الآية الإيمانَ باليوم الآخر؛ لأنهما متلازمان.
وكذلك الإيمانُ بالرُّسل كلِّهم متلازم، فمن آمن بواحدٍ منهم فقد آمن بهم كلِّهم، ومن كفر بواحدٍ منهم فقد كفر بهم كلِّهم، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} الآية والتي بعدها [النساء: 150، 151] ، فأخبر أن المؤمنين بجميع الرُّسل هم أهلُ السَّعادة، وأن المفرِّقين بينهم بالإيمان ببعضهم دون بعضٍ هم الكافرون حقًّا.
فهذه الأصول الثلاثة: توحيدُ الله، والإيمانُ برسله، وباليوم الآخر، هي أمورٌ متلازمة
(1)
.
(1)
هنا نهاية الورقة المشار إليها (ص: 290). والسطر الأخير يشبه أن يكون فذلكة وتلخيصًا من الناسخ وليس من كلام المصنف.
والحاصلُ أن توحيدَ الله والإيمانَ برسله واليوم الآخر هي أمورٌ متلازمةٌ مع العمل الصالح، فأهلُ هذا الإيمان والعمل الصالح هم أهلُ السَّعادة من الأوَّلين والآخِرين، والخارجون عن هذا الإيمان مشركون أشقياء، فكلُّ من كذَّب الرُّسلَ فلا يكونُ إلا مشركًا، وكلُّ مشركٍ مكذِّبٌ للرُّسل، وكلُّ مشركٍ وكافرٍ بالرُّسل فهو كافرٌ باليوم الآخر، وكلُّ من كفر باليوم الآخر فهو كافرٌ بالرُّسل وهو مشرك.
ولهذا قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112، 113] ، فأخبر أن جميعَ الأنبياء لهم أعداء، وهم شياطينُ الإنس والجنِّ، يوحي بعضُهم إلى بعضٍ القولَ المزخرَف، وهو المزيَّن المحسَّن، يَغُرُّون به، والغُرُور: التلبيسُ والتمويه. وهذا شأنُ كلِّ كلامٍ وكلِّ عملٍ يخالفُ ما جاءت به الرُّسل مِن أمر المتفلسفة والمتكلِّمة وغيرهم من الأوَّلين والآخرين.
ثم قال: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ} فأخبَر أن كلام أعداء الرُّسل تَصْغَى إليه أفئدةُ الذين لا يؤمنون بالآخرة، فعُلِمَ أن مخالفةَ الرُّسل وتركَ الإيمان بالآخرة متلازمان، فمن لم يؤمن بالآخرة صَغَى إلى زُخْرُف أعدائهم، فخالفَ الرُّسل، كما هو موجودٌ في أصناف الكفار والمنافقين في هذه الأمَّة.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} الآية [الأعراف: 52، 53] ، فأخبر أن الذين تركوا اتباعَ الكتاب ــ وهو الرسالة ــ يقولون إذا جاء تأويله
ــ وهو ما أخبَر به ــ: جاءت رسلُ ربِّنا بالحقِّ.
وهذا كقوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 124 ــ 126] ، أخبَر أن الذين تركوا اتباعَ آياته يصيبُهم ما ذكرنا.
فقد تبيَّن أن أصلَ السعادة وأصلَ النجاة من العذاب هو توحيدُ الله بعبادته وحده لا شريك له، والإيمانُ برسله واليوم الآخر، والعملُ الصالح. وهذه الأمورُ ليست في حِكمتهم وفلسفتهم المبتدَعة، ليس فيها الأمرُ بعبادة الله وحده والنهيُ عن عبادة المخلوقات، بل كلُّ شركٍ في العالم إنما حدث برأيِ جنسِهم
(1)
، إذ بينوا ما في الأرواح
(2)
والأجسام من القوى والطبائع، وأن صناعةَ الطلاسم والأصنام والتعبد لها يورثُ منافعَ ويدفعُ مضارَّ، فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له.
ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم يَنْه عنه
(3)
، بل يقرُّ هؤلاء وهؤلاء، وإن
(1)
انظر: «الرد على المنطقيين» (101 - 106، 137، 182، 283 - 289، 454).
(2)
(ط): «إذ بنوه على ما في الأرواح» .
(3)
كابن سبعين وابن هود والتلمساني وأتباعهم من متفلسفة المتصوفة. انظر: «الرد على المنطقيين» (282) ، و «الصفدية» (1/ 268) ، و «مجموع الفتاوى» (14/ 164).
رجَّح الموحِّدين ترجيحًا ما، فقد يرجِّح غيرُه المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعًا. فتدبَّر هذا، فإنه نافعٌ جدًّا.
ولهذا كان رؤوسهم المتقدِّمون والمتأخرون يأمرون بالشرك، فالأولون يسمُّون الكواكبَ «الآلهة الصغرى»
(1)
، ويعبدونها بأصناف العبادات، كذلك كانوا في ملَّة الإسلام لا ينهونَ عن الشرك ويوجبونَ التوحيد، بل يسوِّغون الشرك، أو يأمرون به، أو لا يوجبون التوحيد.
وقد رأيتُ من مصنَّفاتهم في عبادة الكواكب
(2)
والملائكة وعبادة الأنفُس المفارِقة
(3)
ــ أنفُس الأنبياء وغيرهم ــ ما هو أصلُ الشرك.
وهم إذا ادَّعوا التوحيدَ فإنما توحيدُهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيدُ الذي جاءت به الرُّسل لا بدَّ فيه من التوحيد بإخلاص الدِّين لله وعبادته وحده لا شريك له، وهذا شيءٌ لا يعرفونه، والتوحيدُ الذي يدَّعونه إنما هو تعطيلُ حقائق الأسماء والصِّفات، وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك.
(1)
كما تقدم (ص: 190).
(2)
ككتاب الرازي «السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم» ، كما تقدم (ص: 80). وانظر: «درء التعارض» (7/ 139، 9/ 189) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 62، 3/ 143، 473) ، و «اقتضاء الصراط المستقيم» (1/ 219).
(3)
ذلك أن النفس الكاملة بعد مفارقة البدن تصير عقلًا عندهم، فإذا توجه إليها أحدٌ مستشفعًا فاضت الرحمة عليها ثم تفيض بتوسطها على من توجه إليها وتعلق بها. انظر:«الصفدية» (2/ 258) ، و «الرد على المنطقيين» (103) ، و «الرد على البكري» (167، 507 - 509) ، و «مجموع الفتاوى» (1/ 168).
فلو كانوا موحِّدين بالقول والكلام ــ وهو أن يَصِفُوا الله بما وصفَته به رسلُه ــ لكان معهم التوحيدُ دون العمل، وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة، بل لا بدَّ من أن يُعبد الله وحده ويُتَّخَذ إلهًا دون ما سواه، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، فكيف وهم في القول والكلام معطِّلون جاحدون، لا موحِّدون ولا مخلصون؟!
وأما الإيمانُ بالرُّسل فليس فيه للمعلِّم الأول وذويه كلامٌ معروف، والذين دخلوا في المِلَل منهم آمنوا ببعض صفات الرُّسل وكفروا ببعض.
وأما اليوم الآخر، فأحسنُهم حالًا من يقرُّ بمعاد الأرواح دون الأجساد، ومنهم من ينكرُ المعادَين جميعًا، ومنهم من يقرُّ بمعاد الأرواح العالِمة دون الجاهلة. وهذه الأقوال الثلاثة لمعلِّمهم الثاني أبي نصر الفارابي
(1)
، ولهم فيه من الاضطراب ما يُعْلَمُ به أنهم لم يهتدوا فيه لصوابٍ، وقد أضلُّوا بشبهاتهم من المنتسبين إلى المِلَل من لا يحصي عددَه إلا الله.
فإذا كان ما به تحصلُ السَّعادةُ والنجاةُ من الشَّقاوة ليس عندهم أصلًا، كان ما يأمرون به من الأخلاق والأعمال والسياسات كما قال الله تعالى:{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7].
وأما ما يذكرونه من العلوم النظرية فالصوابُ منها منفعتُه في الدنيا، وأما العلم الإلهيُّ فليس عندهم منه ما تحصلُ به النجاةُ والسعادة، بل وغالب ما
(1)
انظر: «آراء أهل المدينة الفاضلة» (146) ، و «شرح الأصبهانية» (721) ، و «الجواب الصحيح» (6/ 11) ، و «الصفدية» (2/ 266) ، و «الرد على المنطقيين» (458) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 86).
عندهم منه ليس بمتيقَّنٍ معلوم، بل قد صرَّح أساطينُ الفلسفة أن العلوم الإلهية لا سبيل فيها إلى اليقين، وإنما يُتَكلَّمُ فيها بالأحرى والأخلَق
(1)
. فليس معهم فيها إلا الظن، {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28].
ولهذا يوجدُ عندهم من المخالفة للرُّسل أمرٌ عظيمٌ باهر، حتى قيل مرَّةً لبعض الأشياخ الكبار
(2)
ممَّن يعرفُ الكلام والفلسفة والحديث وغير ذلك: ما الذي بين الأنبياء والفلاسفة؟ فقال: السيفُ الأحمر
(3)
.
ويريدُ الذي يسلكُ طريقتَهم أن يوفِّق بين ما يقولونه وبين ما جاءت به الرُّسل، فيدخلُ من السَّفْسَطة والقَرْمَطة في أنواعٍ من المُحَال الذي لا يرضاه عاقل، كما فعل أصحابُ «رسائل إخوان الصفا» وأمثالهم
(4)
، ومِن هنا ضلَّت القرامطةُ والباطنيةُ ومَن شَرَكَهم في بعض ذلك، وهذا بابٌ يطولُ وصفُه ليس الغرض هنا ذكره.
وإنما الغرض أن معلِّمَهم وضعَ منطقَهم ليَزِنَ به ما يقولونه من هذه
(1)
حكاه عنهم الرازي في «المطالب العالية» (1/ 41). وانظر: «الاستقامة» (1/ 79) ، و «درء التعارض» (1/ 159) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 468، 4/ 106).
(2)
في «الصفدية» (2/ 227): «بعض شيوخنا الفضلاء» .
(3)
كناية عن الحرب والعداوة. كما قال الذهبي في «العبر» (5/ 18) عن الرازي: «كان بينه وبين الكرامية السيف الأحمر، فينال منهم وينالون منه سبًّا وتكفيرًا، حتى قيل: إنهم سمُّوه فمات» .
(4)
كأبي الوليد بن رشد وابن سينا. انظر: «الصفدية» (1/ 160) ، و «الجواب الصحيح» (6/ 24) ، و «بغية المرتاد» (199) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 436) ، و «الرد على الشاذلي» (145).
الأمور التي يخوضون فيها التي هي قليلةُ المنفعة، وأكثرُ منفعتها إنما هي في الأمور الدنيوية، وقد يستغنى عنها في الأمور الدنيوية أيضًا.
فأما أن يوزنَ بهذه الصِّناعة ما ليس من علومهم وما هو فوق قَدْرهم، أو يوزنَ بها ما يوجبُ السعادةَ والنعيم، والنجاةَ من العذاب الأليم، فهذا أمرٌ ليس هو فيها، و {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3].
والقومُ وإن كان لهم ذكاءٌ وفطنة، وفيهم زهدٌ وأخلاق، فهذا القَدْرُ لا يوجبُ السعادةَ والنجاة من العذاب إلا بالأصول المتقدمة من الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص عبادته، والإيمان برسله واليوم الآخر، والعمل الصالح. وإنما قوَّةُ الذكاء بمنزلة قوَّة البدن وقوَّة الإرادة، فالذي يؤتى فضائل علميةً وإراديةً بدون هذه الأصول بمنزلة من يؤتى قوَّةً في جسمه وبدنه بدون هذه الأصول.
وأهلُ الرأي والعلم بمنزلة أهل المُلك والإمارة، وكلٌّ من هؤلاء وهؤلاء لا ينفعُه ذلك شيئًا إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويؤمن برسله وباليوم الآخر. وهذه الأمورُ متلازمة؛ فمن عبد الله وحده لزم أن يؤمنَ برسله ويقرَّ باليوم الآخر، واستحقَّ الثواب، وإلا كان من أهل الوعيد
(1)
، ولا يخلَّد عليه العذابُ
(2)
إلا إذا قامت
(3)
عليه الحجَّةُ بالرُّسل.
(1)
انظر: «تفسير آيات أشكلت» (1/ 266).
(2)
كذا في الأصل، وفي الطرة:«في نسخة: ويخلد عليه العذاب، بغير لام» .
(3)
الأصل: «هذا إذا قامت» . وأرجو أن الصواب ما أثبت.
ولما كان كلُّ واحدٍ من أهل المُلك والعلم قد يعارضون الرُّسلَ وقد يتابعونهم، ذكَر الله ذلك في كتابه في غير موضع، فذكَر فرعون، والذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه لما آتاه الله المُلك، والملأ من قوم نوحٍ وعادٍ وغيرهم من المستكبرين المكذِّبين للرُّسل، وذكر قولَ علمائهم، كقوله:{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 83 - 85].
وقال تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} إلى قوله: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} إلى قوله: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 4 ــ 35]، والسلطان هو الوحي المنزل من عند الله، كما ذكر ذلك في غير موضع، كقوله:{أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} [الروم: 35]، وقوله:{مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [الأعراف: 71]، وقال ابنُ عباس:«كلُّ سلطانٍ في القرآن فهو الحجَّة» . ذكره البخاريُّ في صحيحه
(1)
.
(1)
تعليقًا (6/ 82) ، ووصله عبد الرزاق في تفسيره (1658) وغيره بإسنادٍ صحيح، وروي من وجوه أخرى، وخرجه الضياء في «المختارة» (10/ 335) ، وصححه ابن حجر في «فتح الباري» (9/ 391).
وقد ذكَر في هذه السورة «سورة حم غافر» مِن حال مخالفي الرُّسل من الملوك والعلماء مثل مَقُول الفلاسفة وعلمائهم ومجادلتهم واستكبارهم ما فيه عبرة، مثل قوله:{الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56]، ومثل قوله:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} إلى قوله: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} [غافر: 69 ــ 75]، وختم السورة بقوله تعالى:{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [غافر: 83].
وكذلك ذكَر في سورة الأنعام والأعراف وعامة السُّور المكية وطائفةٍ من السُّور المدنية، فإنها تشتملُ على خطاب هؤلاء، وضربِ الأمثال والمقاييس لهم، وذِكْرِ قصصهم وقصص الأنبياء وأتباعهم معهم.
وقال سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف: 26] ، فأخبَر بما مُكِّنوا فيه من أصناف الإدراكات والحركات، وأخبَر أن ذلك لم يُغْنِ عنهم حيثُ جحدوا بآيات الله، وهي الرسالةُ التي بعث بها رسله.
ولهذا حدَّثني ابنُ الشيخ الحَصِيري عن والده الشيخ الحَصِيري شيخ
الحنفية في زمنه
(1)
، قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: كان كافرًا ذكيًّا
(2)
.
قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ} الآية [غافر: 21]، والقوَّة تعمُّ قوَّة الإدراك النظرية وقوَّة الحركة العملية. وقال في الآية الأخرى:{كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ} [غافر: 82]، فأخبر بفضلهم في الكمِّ والكيف، وأنهم أشدُّ في أنفسهم وفي آثارهم في الأرض.
وقال تعالى: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا} الآية [غافر: 82، 83]، وقال تعالى:{وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} إلى قوله: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ} الآية [الروم: 6 ـ 11]، وقال تعالى:{فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} إلى قوله: {وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 5].
(1)
. الأصل: «الخضيري» في الموضعين. وهو محمود بن أحمد بن عبد السيد بن عثمان، جمال الدين الحَصِيري، نسبة إلى محلة ببخارى تنسجُ فيها الحُصُر، تفقه ببخارى، ورحل إلى الشام وولي تدريس المدرسة النُّورية (ت: 636). وابنه أحمد نظام الدين، من فضلاء الحنفية (ت: 698). انظر: «تاريخ الإسلام» (14/ 226، 15/ 885).
(2)
. عاش ابن سينا شطر حياته ببخارى، وطلب العلم هناك، ونسبه المصنف مرة فقال:«ابن سينا البخاري» . «جامع المسائل» (7/ 188).
وقد قال سبحانه عن أتباع هؤلاء الأئمَّة من أهل المُلْك والعلم المخالفين للرُّسل: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} إلى قوله: {وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 66 ــ 68]، وقال تعالى:{وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} إلى قوله: {
…
قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} [غافر: 47، 48].
ومثلُ هذا في القرآن كثير، يذكُر فيه مِن أقوال أعداء الرُّسل وأفعالهم وما أوتوه من قوى الإدراكات والحركات التي لم تنفعهم لمَّا خالفوا الرسل.
وقد ذكر سبحانه ما في المنتسبين إلى أتباع الرُّسل من العلماء والعُبَّاد والملوك من النفاق والضلال في مثل قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] ، {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} يستعمَل لازمًا، يقال: صَدَّ صدودًا، أي: أعرَض، كما قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61]، ويقال: صدَّ غيرَه يَصُدُّه، والوصفان يجتمعان فيهم.
ومثلِ قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51].
وفي «الصَّحيحين»
(1)
عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«مثلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن مثلُ الأُترُجَّة طعمُها طيِّبٌ وريحُها طيِّب، ومثلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثلُ التمرة طعمُها طيِّبٌ ولا ريحَ لها، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن مثلُ الرَّيحانة ريحُها طيِّبٌ وطعمُها مُرٌّ، ومثلُ المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثلُ الحنظلة طعمُها مرٌّ ولا ريحَ لها» ، فبيَّن أن في الذين يقرؤون القرآن مؤمنين ومنافقين
(2)
.
فصل
وهذا المقامُ لا أذكُر فيه مواردَ النزاع، فيقال: هو استدلالٌ على المختلِف بالمختلِف، لكن أنا أصِفُ جنسَ كلامهم، فأقول:
لا ريب أن كلامهم كلَّه منحصرٌ في الحدود التي تفيدُ التصوُّرات، سواءٌ كانت الحدودُ حقيقيةً أو رسميةً أو لفظية، وفي الأقيسة التي تفيدُ التصديقات سواءٌ كانت أقيسةَ عمومٍ وشمولٍ أو شَبَهٍ وتمثيلٍ أو استقراءٍ وتتبُّع.
وكلامهم غالبُه لا يخلو مِن تكلُّف، إما في العلم وإما في القول، إما أن يتكلَّفوا علمَ ما لا يعلمونه فيتكلَّمون بغير علم، أو يكون الشيءُ معلومًا لهم
(1)
. صحيح البخاري (5427) ، ومسلم (797).
(2)
. في الطرة عند هذا الموضع: بلغ مقابلة. وكتب الناسخ في المتن بعد ذلك نصًّا طويلًا لا صلة له بالسياق، ويبدو أنه كان في أوراق زحزحت عن موضعها في النسخة التي نقل عنها ووضعت هاهنا خطأ، ومكانها الصحيح تقدم (ص: 54 - 69) ، وقد أحسن ناسخ النسخة الفرع التي طبع عنها الكتاب حين تنبه لذلك وردَّ هذا النص لحاقِّ موضعه، ولم ينبه عليه في المطبوعة.
فيتكلَّفون مِن بيانه ما هو زيادةٌ وحشوٌ وعناءٌ وتطويلُ طريق.
وهذا من المنكر المذموم في الشَّرع والعقل، قال تعالى:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86]، وفي «الصَّحيح»
(1)
عن عبد الله بن مسعود قال: «أيها الناس، من عَلِمَ علمًا فليَقُلْ به، ومن لم يعلم فليَقُلْ: لا أعلم؛ فإن من العلم أن يقول الرجلُ لما لا يعلم: لا أعلم» .
وقد ذمَّ الله القولَ بغير علمٍ في كتابه، كقوله تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] لا سيَّما القولَ على الله، كقوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} إلى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
وكذلك ذمَّ الكلام الكثيرَ الذي لا فائدة فيه، وأمرَ بأن نقول القولَ السَّديد والقولَ البليغ
(2)
.
وهؤلاء كلامهم في الحدود غالبُه من الكلام الكثير الذي لا فائدة فيه، بل قد يكثُر كلامهم في الأقيسة والحُجَج، كثيرٌ منه كذلك
(3)
، وكثيرٌ منه باطل، وهو قولٌ بغير علم، وقولٌ لخلاف الحقِّ.
أما الأول، فإنهم يزعمون أن الحدودَ التي يذكرونها يُفِيدُون بها تصوُّر الحقائق، وأن ذلك إنما يتمُّ بذكر الصِّفات الذاتية المشتركة والمميِّزة، حتى
(1)
. صحيح البخاري (4774، 4809).
(2)
. كما في آيتي النساء: 9، 63، والأحزاب:70.
(3)
. أي كثير منه لا فائدة فيه. وفي الأصل: «كثيرا منه كذلك» .
رُكِّبَ الحدُّ
(1)
من الجنس المشترك والفصل المميِّز.
وقد يقولون: إن التصوُّرات لا تحصلُ إلا بالحدود، ويقولون: الحدود المركَّبة لا تكونُ إلا للأنواع المركَّبة من الجنس والفصل دون الأنواع البسيطة.
وقد ذكرتُ في غير هذا الموضع ملخَّص المنطق ومضمونَه، وأشرتُ إلى بعض ما دخل به على كثيرٍ من الناس من الخطأ والضلال، وليس هذا موضع بسط ذلك
(2)
، لكن نذكرُ وجوهًا:
الأول: قولهم: «إن التصوُّر الذي ليس ببديهيٍّ لا يُنَالُ إلا بالحدِّ» باطل؛ لأن الحدَّ هو قولُ الحادِّ، فإن الحدَّ هنا هو القولُ الدالُّ على ماهية المحدود، فالمعرفةُ بالحدِّ لا تكونُ إلا بعد الحدِّ؛ فإن الحادَّ الذي ذكر الحدَّ إن كان عَرَفَ المحدودَ بغير حدٍّ بطَل قولُهم:«لا يُعْرَفُ إلا بالحدِّ» ، وإن كان عَرَفه بحدٍّ آخر فالقولُ فيه كالقول في الأول، فإن كان هذا الحادُّ عرفه بعد الحدِّ الأول لَزِمَ الدَّور، وإن كان بآخر
(3)
لَزِمَ التسلسل.
الثاني: أنهم إلى الآن لم يَسْلَم لهم حدٌّ لشيءٍ من الأشياء إلا ما يدَّعيه بعضهم وينازعُه فيه آخرون، فإن كانت الأشياء
(4)
لا تُتَصوَّر إلا بالحدود لَزِمَ ألا يكون إلى الآن أحدٌ عرَف شيئًا من الأمور، ولم يبقَ أحدٌ ينتظر
(1)
. (ط): «يركب الحد» .
(2)
. سبق القول في المقدمة (ص: 16 - 20) عما كتبه المصنف في الرد على المنطق.
(3)
. (ط): «تأخر» .
(4)
. الأصل: «الاصول» . والمثبت يدل عليه السياق، وانظر:«الرد على المنطقيين» (8).
صحَّتَه؛ لأن الذي يذكرُه يحتاجُ إلى معرفةٍ بغير حدٍّ وهي متعذِّرة
(1)
، فلا يكونُ لبني آدم شيءٌ من المعرفة. وهذه سفسطةٌ غاية
(2)
.
الثالث: أن المتكلِّمين بالحدود طائفةٌ قليلةٌ في بني آدم، لا سيَّما الصِّناعة المنطقية، فإن واضعها أرسطو، وسَلَك خلفه فيها طائفةٌ من بني آدم. ومن المعلوم أن علومَ بني آدم عامَّتِهم وخاصَّتِهم حاصلةٌ بدون ذلك؛ فبَطَل قولهم: إن المعرفة متوقفةٌ عليها.
أما الأنبياء فلا ريب في استغنائهم عنها، وكذلك أتباعُ الأنبياء من العلماء والعامَّة؛ فإن القرون الثلاثة من هذه الأمة الذين كانوا أعلمَ بني آدم علومًا ومعارفَ لم يكن تكلُّف هذه الحدود من عادتهم، لم يبتدعوها،
ولم تكن عُرِّبَت الكتبُ الأعجميةُ الرُّوميةُ لهم، وإنما حدثت مِن مبتدعة المتكلمين والفلاسفة، ومن حين حدثت فيهم
(3)
صار بينهم من الاختلاف والجهل ما لا يعلمُه إلا الله.
وكذلك علمُ الطبِّ والحساب وغير ذلك، لا تجدُ أئمَّة هذه العلوم يتكلَّفون هذه الحدودَ المركَّبة من الجنس والفصل إلا من خَلَط ذلك بصناعتهم من أهل المنطق.
(1)
. الأصل: «متعددة» . تحريف.
(2)
. أي غاية السفسطة ومنتهاها. والكلمة غير محررة في الأصل، رسم الحرف الثالث قريب من اللام، ويحتمل أن تكون: عظيمة أو غالية. وفي (ط): «سفسطة ومغالطة» . وفي «الرد على المنطقيين» (8): «وهذا من أعظم السفسطة» .
(3)
. الأصل: «بينهم» . وهو خطأ.
وكذلك النُّحاة، مثل سيبويه الذي ليس في العالَم مثلُ كتابه
(1)
، وفيه حكمةُ لسان العرب، لم يتكلَّف فيه حدَّ الاسم والفاعل ونحو ذلك، كما فعل غيرُه. ولما تكلَّف النحاةُ حدَّ الاسم ذكروا حدودًا كثيرة كلُّها مطعونٌ فيها عندهم. وكذلك ما تكلَّف متأخِّروهم من حدِّ الفاعل والمبتدأ والخبر ونحو ذلك، لم يدخل فيه عندهم من هو إمامٌ في الصِّناعة ولا حاذقٌ فيها.
وكذلك الحدودُ التي يتكلَّفها بعض الفقهاء للطَّهارة والنجاسة وغير ذلك من معاني الأسماء المتداولة بينهم، وكذلك الحدودُ التي يتكلَّفها الناظرون في أصول الفقه لمثل الخبر والقياس والعِلم وغير ذلك= لم يدخل فيها إلا من ليس بإمامٍ في الفن، وإلى الساعة لم يَسْلَم لهم حدٌّ، وكذلك حدودُ أهل الكلام.
فإذا كان حذَّاقُ بني آدم في كلِّ فنٍّ من العلم أحكَمُوه بدون هذه الحدود المتكلَّفة بَطَل توقُّفُ المعرفة عليها.
وأما علومُ بني آدم الذين لا يصنِّفون الكتب، فهي مما لا يحصيه إلا الله، ولهم من البصائر والمكاشَفات والتحقيق والمعارف ما ليس لأهل هذه
(1)
. وقال عنه في «النبوات» (172): إنه «مما لا يقدر على مثله عامةُ الخلق» . وقال في «بيان تلبيس الجهمية» (8/ 333): «كتاب سيبويه في النحو إذا فهمه الإنسان كان لسيبويه في قلبه من الحرمة ما لم يكن قبل ذلك» . وقال: «كتاب سيبويه في العربية لم يصنَّف بعده مثله» ، ويسميه:«حكيم لسان العرب» . «مجموع الفتاوى» (11/ 370، 12/ 460). فهذا هو رأي ابن تيمية فيه وإجلاله له وتنويهه بقدره، أما ما وقع بينه وبين أبي حيان من الملاحاة في القصة المشهورة فمما يقع مثله في مواطن الغضب والانتصار للنفس.
الحدود المتكلَّفة، فكيف يجوزُ أن تكون معرفةُ الأشياء وقفًا عليها؟!
الرابع: أن الله جعَل لابن آدم من الحسِّ الظاهر والباطن ما يحسُّ به الأشياء ويعرفُها، فيعرفُ بسمعه وبصره وشمِّه وذوقه ولمسِه الظاهرِ ما يعرف، ويعرفُ أيضًا بما يشهدُه ويحسُّه بنفسه وقلبه ما هو أعظمُ من ذلك. فهذه هي الطرقُ التي تُعْرَفُ بها الأشياء. فأما الكلامُ فلا يُتَصَوَّرُ أن يَعْرِفَ بمجرَّده مفرداتِ الأشياء إلا بقياس
(1)
تمثيلٍ أو تركيب ألفاظ، وليس شيءٌ من ذلك يفيدُه تصوُّرَ الحقيقة.
فالمقصودُ أن الحقيقة إن تصوَّرها بباطنه أو ظاهره استغنى عن الحدِّ القولي، وإن لم يتصوَّرها بذلك امتنع أن يتصوَّر حقيقتَها بالحدِّ القولي، وهذا أمرٌ محسوسٌ يجدُه الإنسانُ من نفسه؛ فإن من عرفَ المحسوسات المَذُوقة مثلًا كالعسل لم يُفِدْه الحدُّ تصوُّرَها، ومن لم يَذُق ذلك كمن أُخْبِر عن السُّكَّر وهو لم يَذُقه لم يمكِن أن يتصوَّر حقيقتَه بالكلام والحدِّ، بل يُمَثَّل له ويقرَّبُ إليه، ويقال له: طعمُه يشبه كذا أو يشبه كذا وكذا، وهذا التشبيه والتمثيل ليس هو التحديدَ الذي يدَّعونه.
وكذلك المحسوساتُ الباطنة، مثل الغضب والفرح والحزن والغَمِّ والعلم ونحو ذلك، مَن وَجَدها فقد تصوَّرها، ومن لم يجدها لم يمكِن أن يتصوَّرها بالحدِّ، ولهذا لا يتصوَّر الأكمهُ الألوانَ بالحدِّ، ولا العِنِّينُ الوِقَاعَ بالحدِّ.
(1)
. الأصل: «لقياس» .
فكان
(1)
القائلُ بأن الحدود هي التي تفيدُ تصوُّرَ الحقائق قائلًا للباطل المعلوم بالحسِّ الباطن والظاهر.
الخامس: أن الحدود إنما هي أقوالٌ كُلِّية، كقولنا: حيوانٌ ناطق، ولفظٌ يدلُّ على معنى، ونحو ذلك، فتصوُّر معناها لا يمنعُ من وقوع الشَّرِكة فيها، وإن كانت الشَّركةُ ممتنعةً لسببٍ آخر فهي إذن لا تدلُّ على حقيقةٍ معينةٍ بخصوصها، وإنما تدلُّ على معنًى كُلِّي، والمعاني الكُلِّية وجودُها في الذهن لا في الخارج، فما في الخارج لا يتعيَّن ويُعْرَفُ بمجرَّد الحد، وما في الذهن ليس هو حقائق الأشياء، فالحدُّ لا يفيدُ تصوُّر حقيقةٍ أصلًا.
السادس: أن الحدَّ من باب الألفاظ، واللفظُ لا يدلُّ المستمعَ على معناه إن لم يكن قد تصوَّر مفرداتِ اللفظ بغير اللفظ؛ لأن اللفظَ المفرد لا يدلُّ المستمعَ على معناه إن لم يَعْلَم أن اللفظ موضوعٌ للمعنى، ولا يَعْرِفُ ذلك حتى يَعْرِفَ المعنى. فتصوُّر المعاني المفردة يجبُ أن يكون سابقًا على فهم المراد بالألفاظ، فلو استُفِيد تصوُّرها من الألفاظ لَزِم الدَّور، وهذا أمرٌ محسوس؛ فإن المتكلِّم باللفظ المفرد إن لم يبيِّن للمستمع معناه حتى يدركه بحسِّه أو بنظره وإلا لم يتصوَّر إدراكه له بقولٍ مؤلَّفٍ من جنسٍ وفصل.
السابع: أن الحدَّ هو الفصلُ والتمييزُ بين المحدود وغيره، فيفيدُ ما تفيدُه الأسماء من التمييز والفصل بين المسمَّى وبين غيره، فهذا لا ريبَ فيه أنها تفيدُ التمييز، فأما تصوُّر حقيقةٍ فلا، لكنها قد تفصِّلُ ما دلَّ عليه الاسم
(1)
. الأصل: «فان» . (ط): «فإذن» . (ف): «فإذا» . والمثبت أشبه.
بالإجمال، وليس ذلك من إدراك الحقيقة في شيء، ولا يشترطُ
(1)
في ذلك أن تكون الصِّفاتُ ذاتية، بل هي بمنزلة التقسيم والتجزيء
(2)
للكل، كالتقسيم لجزئياته
(3)
. ويظهر ذلك:
بالوجه الثامن: وهو أن الحسَّ الباطن والظاهر يفيدُ تصوُّر الحقيقة تصوُّرًا مطلقًا، أما عمومُها وخصوصُها فهو من حكم العقل؛ فإن القلب يَعْقِلُ معنًى من هذا المعيَّن ومعنًى يماثلُه من هذا المعيَّن، فيصيرُ في القلب معنًى عامًّا مشتركًا، وذلك هو عقلُه، أي عقلُه للمعاني الكُلِّية.
فإذا عَقَل معنى الحيوان
(4)
الذي يكونُ في هذا الحيوان وهذا الحيوان، ومعنى الناطق الذي يكونُ في هذا الإنسان وهذا الإنسان، وهو مختصٌّ به= عَقَل أن في نوع الإنسان معنًى يكونُ نظيرُه في الحيوان
(5)
، ومعنًى ليس له نظيرٌ في الحيوان. فالأول هو الذي يقال له: الجنس، وهذا الذي يقال له: الفصل، وهما موجودان في النوع.
فهذا حقٌّ، ولكن لم يستَفِد بهذا اللفظ ما لم يكن يعرفُه بعقله من أن هذا
(1)
. مشتبهة في الأصل. وفي (ط): «والشرط» ، وهو محيلٌ للمعنى الذي يريده المصنف وسيبسطه في الوجه التاسع. والصواب ما أثبت.
(2)
. الأصل: «والتحديد» . تحريف.
(3)
. الأصل: «لخبرياته» . والمثبت من (ط) ، وهو الصواب.
(4)
. كذا في الأصل. وفي (ط): «الحيوانية» . ويشهد لما في الأصل قوله بعده: «ومعنى الناطق» .
(5)
. الأصل: «في هذا الحيوان» .
المعنى عامٌّ للإنسان ولغيره من الحيوان، بمعنى أن ما في هذا نظيرُ ما في هذا؛ إذ ليس في الأعيان الخارجة عموم، وهذا المعنى يختصُّ بالإنسان، فلا فرق بين قولك: الإنسانُ حيوانٌ ناطق والإنسان هو الحيوان الناطق، إلا من جهة الإحاطة والحصر في الثاني، لا من جهة تصوير حقيقته باللفظ. والإحاطة والحصرُ هو التمييزُ الحاصلُ بمجرَّد الاسم، وهو قولك: إنسانٌ وبَشَر، فإن هذا الاسم إذا فُهِمَ مسمَّاه أفاد من التمييز ما أفاده الحيوانُ الناطقُ في سلامته عن المطاعن.
وأما تصوُّر أن فيه معنًى عامًّا ومعنًى خاصًّا، فليس هذا من خصائص الحدِّ، كما تقدم. والذي يختصُّ بالحدِّ ليس إلا مجرَّد التمييز الحاصل بالأسماء. وهذا بيِّنٌ لمن تأمَّله.
وأما إدراكُ صفاتٍ فيه بعضها مشتركٌ وبعضها مختصٌّ، فلا ريب أن هذا قد لا يُتَفطَّنُ له بمجرَّد الاسم، لكن هذا يُتَفطَّنُ له بالحدِّ وبغير الحدِّ.
فليس في الحدِّ إلا ما يوجدُ في الأسماء، أو في الصِّفات التي تُذْكَر للمسمَّى. وهذان نوعان معروفان:
الأول: معنى الأسماء المفردة.
والثاني: معرفة الجمل المركَّبة الاسمية والفعلية التي يُخْبَر بها عن الأشياء وتوصفُ بها الأشياء.
وكلا هذين النوعين لا يفتقرُ إلى الحدِّ المتكلَّف.
فثبت أن الحدَّ ليس فيه فائدةٌ إلا وهي موجودةٌ في الأسماء والكلام بلا تكلُّف، فسقطت فائدةُ خصوص الحدِّ.
الوجه التاسع: أن العلمَ بوجود صفاتٍ مشتركةٍ ومختصَّةٍ حقٌّ، لكن التمييز بين تلك الصِّفات بجعل بعضها ذاتيًّا تتقوَّم منه حقيقةُ المحدود، وبعضها [عَرَضيًّا]
(1)
لازمًا لحقيقة المحدود= تفريقٌ باطل، بل جميعُ الصِّفات الملازمة للمحدود طردًا وعكسًا هي جنسٌ واحد، فلا فرق بين الفصل والخاصَّة، ولا بين الجنس والعَرَض العام.
وذلك أن الحقيقة المركَّبة من تلك الصِّفات إما أن يُعنى بها الخارجة، أو الذهنية، أو شيءٌ ثالث.
فإن عُنِيَ بها الخارجة فالنطقُ والضحكُ في الإنسان حقيقتان لازمتان تختصَّان به. وإن عُنِيَ الحقيقة التي في الذهن فالذهنُ يعقِلُ اختصاصَ هاتين الصفتين به دون غيره.
وإن قيل: بل إحدى الصفتين يتوقفُ عقلُ الحقيقة عليها، فلا يُعْقَلُ الإنسانُ في الذهن حتى يُفْهَمَ النطق، وأما الضحكُ فهو تابعٌ لفهم الإنسان، وهذا معنى قولهم: «الذاتيُّ ما لا يُتَصَوَّر فهمُ الحقيقة دون فهمه، أو ما تقفُ
(2)
الحقيقةُ في الذهن والخارج عليه»
(3)
.
قيل: إدراكُ الذهن أمرٌ نسبيٌّ إضافي، فإن كونَ الذهن لا يفهمُ هذا إلا بعد هذا أمرٌ يتعلَّق بنفس إدراك الذهن، ليس هو شيئًا ثابتًا للموصوف في
(1)
. سقطت من الأصل.
(2)
. مهملة في الأصل.
(3)
. انظر: «محك النظر» (211) ، و «معيار العلم» (98، 249) ، و «الرد على المنطقيين» (63، 80) ، و «درء التعارض» (3/ 327).
نفسه، فلا بدَّ أن يكون الفرقُ بين الذاتي والعَرَضي بوصفٍ ثابتٍ في نفس الأمر، سواءٌ حصل الإدراكُ له أو لم يحصل، إذ
(1)
كان أحدهما جزءًا للحقيقة دون الآخر، وإلا فلا.
الوجه العاشر: أن يقال: كونُ الذهن لا يعقلُ هذا إلا بعد هذا، إن كان إشارةً إلى أذهانٍ معينةٍ [هي] التي تصوَّرت هذا لم [يكن] هذا حجَّة؛ لأنهم هم وضعوها
(2)
هكذا. فيكونُ التقدير: أن ما قدَّمناه في أذهاننا على الحقيقة فهو الذاتي، وما أخَّرناه فهو العَرَضي. ويعودُ الأمر إلى أنا تحكَّمنا بجعل بعض الصِّفات ذاتيًّا وبعضها عَرَضيًّا لازمًا. وإن [كان] الأمرُ كذلك [كان] هذا الفرقانُ مجرَّد تحكمٍ بلا سلطان.
ولا يُسْتَنكَرُ لهؤلاء أن يجمعوا بين المفترقَين
(3)
، ويفرِّقوا بين المتماثلَين، فما أكثر هذا في مقاييسهم التي ضلُّوا بها وأضلوا، وهم أولُ من أفسَد دينَ المسلمين، وابتدَع ما غيَّر به مذهبَ الصَّابئة المهتدين.
وإن قالوا: بل جميعُ أذهان بني آدم أو الأذهانُ الصَّحيحة لا تُدْرِكُ الإنسانَ إلا بعد خُطور نطقِه ببالها دون ضَحِكه.
قيل لهم: هذا ليس بصحيح، ولا يكاد يوجدُ هذا الترتيبُ إلا فيمن تقلَّد عنكم هذه الحدود مِن المقلِّدين لكم في الأمور التي جعلتموها ميزانَ المعقولات، وإلا فبنو آدم قد لا يخطرُ لأحدهم أحدُ الوصفين، وقد يخطرُ له
(1)
. الأصل: «إن» . والمثبت أشبه.
(2)
. الأصل: «وضعوا» .
(3)
. الأصل: «الفرقين» .
هذا دون هذا وبالعكس، ولو خطَر له الوصفان وعرَف أن الإنسان حيوانٌ ناطقٌ ضاحكٌ لم يكن بمجرَّد معرفته هذه الصِّفات مدركًا لحقيقة الإنسان أصلًا.
وكلُّ هذا أمرٌ محسوسٌ معقول، فلا يغلِّط العاقلُ نفسَه في ذلك لهيبة التقليد لهؤلاء الذين هم من أكثر الخلق ضلالًا ودعوى للتحقيق، فهم في الأوائل كمتكلِّمة الإسلام في الأواخر، ولما كان المسلمون خيرًا من أهل الكتابَيْن والصَّابئين كانوا خيرًا منهم وأعلم وأحكم، فتدبَّر هذا، فإنه نافعٌ جدًّا.
ومِن هنا يقولون: الحدودُ الذاتية عَسِرَة
(1)
، وإدراكُ الصِّفات الذاتية صعب، وغالبُ ما بأيدي الناس حدودٌ رسمية؛ وذلك كلُّه لأنهم وضعوا تفريقًا بين شيئين بمجرَّد التحكُّم الذي هم أدخلوه. ومن المعلوم أن ما لا حقيقة له في الخارج ولا في المعقول، وإنما هو ابتداعُ مبتدعٍ وَضَعَه وفرَّق به بين المتماثلَين فيما تماثلا فيه= لا تعقلُه القلوبُ الصحيحة، إذ ذاك من
(1)
. انظر: «الرد على المنطقيين» (9، 21، 30) ، و «معيار العلم» (282) ، و «المستصفى» (1/ 53) ، و «حكمة الإشراق» للسهروردي (21) ، و «أساس الاقتباس» للطوسي (441) ، وشرحه على «الإشارات» (1/ 152)، وقال ابن سينا في فاتحة رسالته في الحدود (74 - تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات): إنه «كالأمر المتعذِّر على البشر» ، وكلام المنطقيين والمتكلمين في هذا كثير، وخالف في ذلك أبو البركات بن ملكا في «المعتبر» (1/ 64 - 69) وردَّ على ابن سينا في فصل «حكاية ما أورده من استصعب قانون التحديد وجعله في حدود الامتناع وتسهيل تلك الصعوبة وتجويز ذلك الممتنع» ، ولم يأت بشيء سوى تجويز الحدِّ الاسمي.
باب معرفة المذاهب الفاسدة التي لا ضابط لها
(1)
، وأكثرُ ما تجدُ هؤلاء الأجناس يعظِّمونه من معارفهم ويدَّعون اختصاصَ فضلائهم به هو من الباطل الذي لا حقيقةَ له، كما نبَّهنا على هذا فيما تقدَّم.
الوجه الحادي عشر: قولهم: «الحقيقة مركَّبةٌ من الجنس والفصل، والجنسُ هو الجزء المشترك، والفصل هو الجزء المميِّز» .
يقال لهم: هذا التركيبُ إما أن يكون في الخارج أو في الذهن. فإن كان في الخارج فليس في الخارج نوعٌ كُلِّيٌّ يكونُ محدودًا بهذا الحدِّ إلا الأعيان المحسوسة، والأعيانُ في كلِّ عينٍ صفةٌ يكونُ نظيرُها لسائر الحيوانات، كالحِسِّ والحركة الإرادية، وصفةٌ ليس مثلُها لسائر الحيوان وهي النطق، وفي كل عينٍ يجتمعُ هذان الوصفان، كما يجتمعُ سائر الصِّفات والجواهر القائمة لأمور مركَّبةٍ من الصِّفات المحمولة فيها.
وإن أردتم بالحيوانية والناطقية جوهرًا فليس في الإنسان جوهران أحدهما حيٌّ والآخر ناطق، بل جوهرٌ واحد له صفتان، فإن كان الجوهرُ مركَّبًا من عَرَضين لم يصحَّ، وإن كان من جوهرٍ عامٍّ وخاصٍّ فليس فيه ذلك، فبطَل كونُ الحقيقة الخارجة مركَّبة.
وإن جعلوها تارةً جوهرًا وتارةً صفة، كان ذلك بمنزلة قول النصارى في الأقانيم، وهو من أعظم الأقوال تناقضًا باتفاق العلماء.
وإن قالوا: المركَّبُ الحقيقةُ الذهنيةُ المعقولة، قيل أولًا: تلك ليست
(1)
. انظر ما تقدم (ص: 173).
هي المقصودةُ بالحدود إلا أن تكون مطابقةً للخارج، فإن لم يكن هناك تركيبٌ لم يصحَّ أن يكون في هذه تركيب، وليس في الذهن إلا تصوُّر الحيِّ الناطق، وهو جوهرٌ واحدٌ له صفتان كما قدَّمنا، فلا تركيبَ فيه بحال.
واعلم أنه لا نزاع أن صفات الأنواع والأجناس منها ما هو مشتركٌ بينها وبين غيرها، كالجنس والعَرَض العامِّ، ومنها ما هو لازمٌ للحقيقة، ومنها ما هو عارضٌ لها وهو ما ثبت لها في وقتٍ دون وقتٍ كالبطيء الزَّوال وسريعِه، وإنما الشأنُ في التفريق بين الذاتيِّ والعَرَضيِّ اللازم، فهذا هو الذي مدارُه على تحكُّم ذهن الحادِّ.
ولا تنازُع في أن بعض الصِّفات قد يكونُ أظهرَ وأشرف، فإن النطقَ أشرفُ من الضحك وأهمُّ
(1)
، ولهذا ضرب الله به المثلَ في قوله:{إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات: 23]، ولكن الشأن في جعل هذا ذاتيًّا تُتَصَوَّرُ به الحقيقة دون الآخر.
الوجه الثاني عشر: أن هذه الصِّفات الذاتية قد تُعْلَمُ ولا يُتَصَوَّرُ بها كُنْهُ المحدود، كما في هذا المثال وغيره، فعُلِمَ أن ذلك ليس بموجِبٍ لفهم الحقيقة.
الثالث عشر: أن الحدَّ إذا كان له جزءان، فلا بدَّ لجزأيه مِن تصوُّر، كالحيوان والناطق، فإن احتاج كلُّ جزءٍ إلى حدٍّ لزم التسلسلُ أو الدَّور.
فإن كانت الأجزاء متصوَّرةً بنفسها بلا حدٍّ، وهو تصوُّر الحيوان، أو
(1)
. غير محررة في الأصل، وسقطت من (ط).
الحسَّاس، أو المتحرِّك بالإرادة، أو النامي، أو الجسم، فمن المعلوم أن هذه أعمُّ. وإذا كانت أعمَّ يكون
(1)
إدراكُ الحسِّ لأفرادها أكثر، فإن كان إدراكُ الحسِّ لأفرادها كافيًا في التصوُّر فالحسُّ قد أدرك أفراد النوع، وإن لم يكن كافيًا في ذلك لم تكن الأجزاءُ متصوَّرة
(2)
، فيحتاجُ المعرِّفُ إلى معرِّف، وأجزاء الحدِّ إلى حدٍّ.
الرابع عشر: أن الحدود لا بدَّ فيها من التمييز، وكلَّما قلَّت الأفرادُ كان التمييزُ أيسر، وكلَّما كثرت كان أصعب، فضبطُ العقل لكلِّيٍّ تقلُّ أفرادُه مع ضبط كونه كليًّا أيسرُ عليه مما كثرت أفرادُه، وإن كان إدراكُ الكُلِّيِّ الكثير الأفراد أيسرَ عليه فذاك إذا أدركه مطلقًا؛ لأن المطلق يحصلُ بحصول كلِّ واحدٍ من الأفراد.
وإذا كان كذلك
(3)
فأقلُّ ما في أجزاء المحدود أن تكون متميِّزةً تميُّزًا كليًّا؛ ليُعْلَم كونها صفةً للمحدود أو محمولةً عليه أم لا؟ فإذا كان ضبطُها كلِّيةً أصعبَ وأتعبَ من ضبط أفراد المحدود كان ذلك تعريفًا للأسهل معرفةً بالأصعب معرفة
(4)
، وهذا عكسُ الواجب.
الخامس عشر: أن الله سبحانه علَّم آدم الأسماء كلَّها، وقد ميَّز كلَّ مسمَّى باسمٍ يدلُّ على ما يفصلُه من الجنس المشترك ويخصُّه دون ما سواه، ويبيِّن به ما يرتسمُ معناه في النفس.
(1)
. الأصل: «بكون» . تحريف.
(2)
. الأصل: «معروفه» . تحريف.
(3)
. الأصل: «ذلك» . وسيأتي نظيره (ص: 331)، وهو مألوفٌ من أسلوب المصنف.
(4)
. الأصل و (ف): «مفردة» ، والمثبت من (ط) أظهر.
ومعرفةُ حدود الأسماء واجبة؛ لأنه بها تقومُ مصلحةُ بني آدم في النُّطق
(1)
الذي جعله الله رحمةً لهم، لا سيَّما حدود ما أنزل الله في كتبه من الأسماء، كالخمر والربا، فهذه الحدودُ هي الفاصلةُ المميِّزة بين ما يدخُل في المسمَّى ويتناولُ ذلك الاسم وما دلَّ عليه من الصِّفات وبين ما ليس كذلك؛ ولهذا ذمَّ الله من سمَّى الأشياء بأسماءٍ ما أنزل الله بها من سلطان، فإنه أثبت للشيء صفةً باطلة، كإلهية الأوثان.
فالأسماء النُّطقية
(2)
سمعية، وأما نفسُ تصوُّر المعاني ففطريٌّ يحصلُ بالحسِّ الباطن والظاهر، وبإدراك الحسِّ وشهوده يبصرُ الإنسانُ بباطنه وبظاهره، وبسمعه يعلمُ أسماءها، وبفؤاده يعقِلُ الصِّفات المشتركة والمختصَّة، والله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وجعل لنا السَّمعَ والأبصار والأفئدة.
فأما الحدودُ المتكلَّفةُ فليس فيها فائدةٌ لا في العقل ولا في الحسِّ ولا في السَّمع، إلا ما هو كالأسماء، مع التطويل، أو ما هو كالتمييز بسائر الصِّفات.
ولهذا لما رأوا ذلك جعلوا الحدَّ نوعين:
* نوعًا بحسب الاسم، وهو بيانُ ما يدخُل فيه.
* ونوعًا بحسب الصفة أو الحقيقة أو المسمَّى، وهو ــ زعموا ــ لكشف الحقيقة وتصويرها.
(1)
. الأصل: «المنطق» .
(2)
. الأصل: «المنطقية» ، والمثبت أشبه بكلام المصنف.
والحقيقةُ المذكورة إن ذُكِرَت بلفظٍ دخلت في القسم الأول، وإن لم تُذْكَر بلفظٍ فلا تُدْرَكُ بلفظٍ ولا تُحَدُّ
(1)
بمقالٍ إلا كما تقدَّم.
وهذه نكتٌ تنبِّه على جُمَل المقصود، وليس هذا موضع بسط ذلك.
السادس عشر: أن في الصِّفات الذاتية المشتركة والمختصَّة، كالحيوانية والناطقية
(2)
، إن أرادوا بالاشتراك أن نفسَ الصِّفة الموجودة في الخارج مشتركةٌ فهذا باطل؛ إذ لا اشتراك في المعيَّنات التي يمنعُ تصوُّرها من وقوع الشَّرِكة فيها.
وإن أرادوا بالاشتراك أن مثل تلك الصفة حاصلةٌ
(3)
للنوع الآخر، قيل لهم: لا ريب أن بين حيوانية الإنسان وحيوانية الفَرَس قدرًا مشتركًا، وكذلك بين صوتيهما وتمييزهما قدرًا مشتركًا، فإن الإنسان له تمييزٌ وللفَرَس تمييز، ولهذا صوتٌ هو النطق، ولذاك صوتٌ هو الصَّهيل، فقد خُصَّ كلُّ صوتٍ باسمٍ يخصُّه، فإذا كان حقيقةُ أحد هذين يخالفُ الآخر ويختصُّ بنوعه، فمن أين جعلتم حيوانية أحدهما مماثلةً لحيوانية الآخر في الحدِّ والحقيقة؟!
وهلَّا قيل: إن بين حيوانيَّتهما قدرًا مشتركًا ومميِّزًا، كما إن بين صوتَيهما كذلك؟ وذلك أن الحسَّ والحركة الإرادية إما أن توجد للجسم أو للنفس، فإن الجسم يحسُّ ويتحرَّكُ بالإرادة، والنفسُ تحسُّ وتتحرَّكُ بالإرادة، وإن كان بين الوصفين من الفرق ما بين الحقيقتين.
(1)
. الأصل: «بحد» .
(2)
. الأصل: «النطقية» ، وسبقت على الصواب، وهي كذلك في عامة كتب المصنف.
(3)
. الأصل: «حاصلة حاصلة» .
وكذلك النطقُ هو للنفس بالتمييز
(1)
والمعرفة والكلام النفساني، وهو للجسم أيضًا بتمييز القلب ومعرفته والكلام اللساني.
فكلٌّ من جسمه ونفسه يوصفُ بهذين الوصفين، وليست حركةُ نفسه وإرادتُها ومعرفتُها ونطقُها مثلَ ما للفَرَس، وإن كان بينهما قدرٌ مشترك، وكذلك ما يقومُ بجسمه من الحسِّ والحركة الإرادية ليس مثلَ ما للفَرَس، وإن كان بينهما قدرٌ مشترك، فإن الذي يلائمُ جسمَه من مطعمٍ ومشربٍ وملبَسٍ ومنكَحٍ ومشمومٍ ومرئيٍّ ومسموعٍ بحيث يُحِسُّه ويتحرَّكُ إليه حركةً إراديةً ليس هو مثل ما للفَرَس.
فالحسُّ والحركةُ الإرادية هي بالمعنى العامِّ لجميع الحيوان، وبالمعنى الخاصِّ ليس إلا للإنسان، وكذلك التمييزُ سواء؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«أحبُّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقُ الأسماء الحارثُ وهمَّام، وأقبحُها حربٌ ومُرَّة» رواه مسلم
(2)
.
فالحارثُ هو العاملُ الكاسِبُ المتحرِّك، والهمَّام هو الدائم الهمِّ الذي هو مقدَّم الإرادة
(3)
، فكلُّ إنسانٍ حارثٌ فاعلٌ بإرادته، وكذلك مسبوقٌ بإحساسه.
(1)
. الأصل: «بالتميز» . وستأتي على الصواب.
(2)
. روى مسلم (2132) صدر الحديث، أما قوله: «وأصدق الأسماء
…
» فمرسلٌ سبق تخريجه (ص: 49).
(3)
. انظر: «درء التعارض» (9/ 373) ، و «منهاج السنة» (3/ 63) ، و «شرح الأصبهانية» (115) ، و «مجموع الفتاوى» (7/ 43، 10/ 64، 196، 20/ 123).
فحيوانيةُ الإنسان ونطقُه كلٌّ منهما فيه ما يشتركُ الحيوان فيه، وفيه ما يختصُّ به عن سائر الحيوان، وكذلك بناءُ بِنْيَتِه، فإن نموَّه واغتذاءه وإن كان بينه وبين النبات قدرٌ مشتركٌ فليس مثله؛ إذ هذا يغتذي بما يلَذُّ به ويَسُرُّ نفسَه وينمو بنموِّ حسِّه وحركتِه وهمِّه وحَرْثِه، وليس النباتُ كذلك.
وكذلك أصنافُ النوع وأفرادُه، فنطقُ العرب بتمييز قلوبهم وبيان ألسنتهم أكملُ مِن نطق غيرهم، حتى يكونُ في بني آدم من هو دون البهائم في النطق والتمييز ومنهم من لا تُدْرَكُ نهايتُه.
وهذا كلُّه يبيِّن أن اشتراك أفراد الصِّنف، وأصناف النوع، وأنواع الجنس والأجناس السافلة في مسمَّى الجنس الأعلى لا يقتضي أن يكون المعنى المشتركُ فيها بالسَّواء، كما أنه ليس في الحقائق الخارجة شيءٌ مشترك، ولكن الذهنَ فَهِمَ معنًى يوجدُ في هذا ويوجدُ نظيرُه في هذا، وقد تبيَّن أنه ليس مناظرًا له على وجه المماثلة، لكن على وجه المشابهة، وأن ذلك المعنى المشترك هو في أحدهما على حقيقةٍ تخالفُ حقيقةَ الآخر.
ومِن هنا يغلطُ القياسيُّون الذين يَلْحَظُون المعنى المشترك الجامعَ دون الفارق المميِّز، والعربُ من الأصناف
(1)
والمسلمون من أهل الأديان أعظمُ الناس إدراكًا للفروق وتمييزًا للمشتركات، وذلك موجودٌ في عقولهم ولغاتهم وعلومهم وأحكامهم.
ولهذا لما ناظر متكلِّمو الإسلام العربُ هؤلاء المتكلِّمة الصَّابئة عجمَ
(1)
. أصناف البشر، وسبقت الإشارة (ص: 112) إلى استعمال المصنف للفظ «الأصناف» دون إضافة.
الرُّوم، وذكروا فضلَ منطقهم وكلامهم على منطق أولئك وكلامهم= ظهَر رجحانُ كلام الإسلاميين، كما فعله القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب «الدقائق»
(1)
الذي ردَّ فيه على الفلاسفة كثيرًا من مذاهبهم الفاسدة في الأفلاك والنجوم، والعقول والنفوس، وواجب الوجود وغير ذلك، وتكلَّم على منطقهم وتقسيمهم الموجودات، كتقسيمهم الموجود إلى الجوهر والعَرَض، ثم تقسيم الأعراض إلى المقولات التسعة
(2)
، وذكَر تقسيمَ متكلِّمة المسلمين الذي فيه من التمييز والجَمْع والفَرْق ما ليس في كلام أولئك.
وذلك أن الله علَّم الإنسانَ البيان، كما قال تعالى:{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ} الآية [الرحمن: 1 - 4]، وقال تعالى:{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، وقال:{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5].
والبيانُ بيانُ القلب واللسان، كما أن العمى والبَكَم يكونُ بالقلب واللسان، كما قال تعالى:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلَّا سألوا إذ لم يعلموا؟ إنما شفاءُ العِيِّ السؤال»
(3)
.
(1)
. تقدم له ذكر (ص: 75، 270).
(2)
. سبق ذكرها (ص: 284).
(3)
. أخرجه أحمد (3056) ، وأبو داود (572) وغيرهما من حديث ابن عباس.
وفيه اختلافٌ كثير، والأقرب ثبوت القدر الذي أورده المصنف. انظر:«الأوسط» لابن المنذر (2/ 22) ، و «علل ابن أبي حاتم» (77) ، و «سنن الدارقطني» (1/ 189) ، و «الخلافيات» للبيهقي (2/ 490) ، و «بيان الوهم والإيهام» (2/ 236).
وفي الأثر: «العِيُّ عِيُّ القلب لا عِيُّ اللسان» ، أو قال:«شرُّ العِيِّ عِيُّ القلب»
(1)
.
وكان ابنُ مسعود يقول: «إنكم في زمان كثيرٌ فقهاؤه قليلٌ خطباؤه، وسيأتي عليكم زمانٌ قليلٌ فقهاؤه كثيرٌ خطباؤه»
(2)
.
وتبيُّن الأشياء للقلب ضدُّ اشتباهها عليه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الحلال بيِّن
…
» الحديث
(3)
.
وقد قرئ قولُه تعالى: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] بالرفع، والنصب
(4)
أي: ولتستبين أنت سبيلَهم.
فالإنسان يستبين الأشياء. وهم يقولون: بَيَّن
(5)
الشيءُ وبيَّنته، وتبيَّن الشيءُ وتبيَّنته، واستبان الشيءُ واستبَنته، كلُّ هذا يستعملُ لازمًا ومتعدِّيًا، ومنه
(1)
. لم أجده بهذين اللفظين، وإنما الأثر المشهور عن عون بن عبد الله قال: «ثلاثٌ من الإيمان: الحياء، والعفاف، والعِيُّ عيُّ اللسان لا عيُّ القلب
…
». أخرجه معمر في «الجامع» (11/ 142) ، وابن أبي شيبة (36724) ، وأبو نعيم (4/ 248) ، وغيرهم. وروي مرفوعًا من وجهين، والأشبه وقفه على عون. وانظر:«بيان فضل علم السلف» لابن رجب (86).
(2)
. أخرجه زهير بن حرب في «العلم» (109) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (3787) ، والبخاري في «الأدب المفرد» (789) بأسانيد جياد. وروي مرفوعًا من حديث أبي ذر وحكيم بن حزام وعبد الله بن سعد رضي الله عنهم ، ولا يصحُّ رفعه.
(3)
. أخرجه البخاري (52) ، ومسلم (1599).
(4)
. انظر: «السبعة» (258) ، و «حجة القراءات» (253).
(5)
. ضبطت في الأصل بضم الباء، وهو غلط.
قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] هنا هو متعدٍّ، ومنه قوله:{بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]، أي: متبيِّنة، فهنا لازم.
والبيانُ كالكلام، يكونُ مصدر بان الشيء بيانًا، ويكونُ اسمَ مصدرٍ لبيَّن، كالكلام والسَّلام لسلَّم وكلَّم
(1)
، فيكونُ البيان بمعنى تبيَّن الشيء، ويكونُ بمعنى بيَّنت الشيء، أي: أوضحته، وهذا هو الغالبُ عليه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:«إن من البيان لسحرًا»
(2)
.
والمقصودُ ببيان الكلام حصولُ البيان لقلب المستمِع
(3)
، حتى يتبين له الشيء ويستبين؛ كما قال تعالى:{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} الآية [آل عمران: 138]. ومع هذا، فالذي لا يستبين له كما قال تعالى:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} الآية [فصلت: 44].
وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} الآية [النحل: 44]، وقال:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، وقال:{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]، وقال:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ} الآية [التوبة: 115]، وقال:{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176]، وقال: {قُلْ إِنِّي عَلَى
(1)
. الأصل: «لسلم وبين» . والمثبت من (ف).
(2)
. أخرجه البخاري (5146) ، ومسلم (869).
(3)
. الأصل: «للقلب للمستمع» . والمثبت من (ط).
بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} الآية [الأنعام: 57]، وقال:{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} [هود: 17]، وقال:{لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} [النور: 46]، وقال:{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
(1)
[النور: 61].
فأما الأشياء المعلومةُ التي ليس في زيادة وصفها إلا كثرةُ كلامٍ وتَفَيْهُقٍ وتشدُّقٍ وتكبُّرٍ والإفصاحُ
(2)
بذكر الأشياء التي يُسْتَقْبَحُ ذكرُها= فهذا مما ينهى عنه، كما جاء في الحديث:«إن الله يبغضُ البليغَ من الرجال، الذي يتخلَّلُ بلسانه كما تتخلَّل الباقِرةُ بلسانها»
(3)
.
وفي الحديث: «الحياءُ والعِيُّ شعبتان من الإيمان، والبَذاء والبيانُ شعبتان من النفاق»
(4)
.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إن طولَ صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنَّةٌ مِن فقهه»
(5)
.
وفي حديث سعدٍ لما سأله ابنه أو لما وجد ابنه يدعو
(6)
.
(1)
. كتبت الآية في الأصل: يبين الآيات لقوم يعقلون.
(2)
. الأصل: «والايضاح» . والمثبت من (ط) أشبه.
(3)
. أخرجه أحمد (6543) ، وأبو داود (5005) ، والترمذي (2853) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب. وانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (2547). والباقرة هي البقرة.
(4)
. أخرجه أحمد (22312) ، والترمذي (2027) من حديث أبي أمامة مرفوعًا، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب، وفسَّر معناه تفسيرًا حسنًا.
(5)
. أخرجه مسلم (869). ومئنَّة: علامة.
(6)
. كذا وقع في الأصل، أشار إليه إشارة. وسياق الحديث أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سمع ابنًا له يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، قال: يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:«سيكون قوم يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن عذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر» . أخرجه أحمد (1483) ، وأبو داود (1480) ، وحسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (18).
وعامَّةُ الحدود هي من هذا الباب، حشوٌ لكلامٍ كثير، يبيِّنون به الأشياءَ وهي قبل بيانهم أبينُ منها بعد بيانهم، فهي مع كثرة ما فيها من تضييع الزمان، وإتعاب الحيوان
(1)
، لا توجبُ إلا العمى والضلال، وتفتحُ باب المِراء والجدال؛ إذ كلٌّ منهم يوردُ على حدِّ الآخر من الأسئلة ما يفسدُ به، ويزعمُ سلامةَ حدِّه منه، وعند التحقيق تجدُهم متكافئين أو متقاربين، ليس لأحدهم على الآخر رجحانٌ مبين، فإما أن يُقْبَل الجميع أو يُرَدَّ الجميع أو تُقْبَل من وجه.
هذا في الحدود التي تشتركُ في تمييز المحدود وفَصْلِه عما سواه، وأما متى أدخَل أحدُهما في الحدِّ ما أخرجه الآخر أو بالعكس، فالكلامُ في هذا علمٌ يُستفادُ به حدُّ الاسم ومعرفةُ عمومه وخصوصه، مثلُ الكلام في حدِّ الخمر هل هي عصيرُ العنب المشتدِّ أم هي كلُّ مُسْكِر؟ وحدُّ الغيبة، ونحو ذلك.
وهذا هو الذي يتكلَّم فيه العلماء، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما الغيبة؟ قال: «ذِكرُك أخاك بما يكره» الحديث
(2)
.
وكذلك قوله: «كلُّ مسكرٍ خمر»
(1)
، وقول عمر على المنبر:«الخمر ما خامر العقل»
(2)
.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخلُ الجنةَ من في قلبه مثقالُ ذرَّة من كِبْر» ، فقال له رجل: يا رسول الله، الرجلُ يحبُّ أن يكون نعلُه حسنًا وثوبُه حسنًا، أفمِن الكِبْر ذلك؟ فقال:«لا، إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال، الكِبْر بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس»
(3)
.
ومنه تفسيرُ الكلام وشرحُه وبيانُه ، فكلُّ من شرحَ كلامَ غيره وفسَّره وبيَّن تأويلَه فلا بدَّ له من معرفة حدود الأسماء التي فيه.
فكلُّ ما كان مِن حدٍّ بالقول فإنما هو حدٌّ للاسم بمنزلة الترجمة والبيان، فتارةً يكونُ لفظًا محضًا إن كان المخاطَبُ يعرفُ المحدود، وتارةً يحتاجُ إلى ترجمة المعنى وبيانه إذا كان المخاطَبُ لم يعرف المسمَّى، وذلك يكونُ بضرب المثل أو تركيب صفات، وذلك لا يفيدُ تصويرَ الحقيقة لمن لم يتصوَّرها بغير الكلام، فليُعْلَم ذلك.
وأما ما يذكرونه مِن حدِّ الشيء، أو الحدِّ بحسب الحقيقة، أو حدِّ الحقائق، فليس فيه من التمييز إلا ذكرُ بعض الصفات التي للمحدود، كما تقدَّم
(4)
، وفيه من التخليط ما قد نبَّهنا على بعضه.
(1)
. أخرجه مسلم (2003).
(2)
. أخرجه البخاري (4619) ، ومسلم (3032).
(3)
. أخرجه مسلم (91).
(4)
. (ص: 310).
[فصل]
وأما مسألة القياس، فالكلام عليه في مقامين:
أحدهما: في القياس المطلق الذي جعلوه ميزانَ العلوم، وحرَّروه في المنطق.
والثاني: في جنس الأقيسة التي يستعملونها في العلوم.
أما الأول، فنقول: لا نزاع أن المقدِّمتين إذا كانتا معلومتَين وأُلِّفَتا على الوجه المعتدل أنه يفيدُ العلم بالنتيجة.
وقد جاء في «صحيح مسلم» مرفوعًا: «كلُّ مسكرٍ خمر، وكلُّ خمرٍ حرام»
(1)
؛ لكن هذا لم يذكره النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليَسْتَدِلَّ به على منازعٍ ينازعُه في التركيب، بل هذا
(2)
كما قال أيضًا في «الصَّحيح» : «كلُّ مسكرٍ خمر، وكلُّ مسكرٍ حرام»
(3)
، أراد أن يبيِّن لهم أن جميع المسكرات داخلةٌ في مسمَّى الخمر الذي حرَّمه الله، فهو بيانٌ لمعنى الخمر، وهم قد عَلِمُوا أن الله حرَّم الخمر.
وكانوا يسألونه عن أشربةٍ من عصير العنب، كما في «الصحيحين»
(4)
عن أبي موسى أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن شرابٍ يُصْنَعُ من الذُّرة يسمَّى المِزْر،
(1)
. أخرجه مسلم (75/ 2003).
(2)
. (ط): «ينازعه بل التركيب في هذا» .
(3)
. أخرجه مسلم (74/ 2003).
(4)
. صحيح البخاري (4343) ، ومسلم (2001).
وشرابٍ يُصْنَعُ من العسل يسمَّى البِتْع، وكان قد أوتي جوامعَ الكلم، فقال:«كلُّ مسكرٍ حرام» ، فأراد أن يبيِّن لهم بالكلمة الجامعة ــ وهي القضيةُ الكُلِّية ــ أن «كلَّ مسكرٍ خمر» ، ثم جاء بما كانوا يعلمونه من أن «كلَّ خمرٍ حرام» حتى يثبت تحريمُ المسكِر في قلوبهم، كما صرَّح به في قوله:«كلُّ مسكرٍ حرام» .
ولو اقتصر على قوله: «كلُّ مسكرٍ حرام» لتأوَّله متأوِّلٌ على أنه أراد القدحَ الأخير، كما تأوَّله بعضهم
(1)
. ولهذا قال أحمد: قولُه: «كلُّ مسكرٍ خمر» أبلغ؛ فإنهم لا يسمُّون القدحَ الأخيرَ خمرًا، ولو قال
(2)
: «كلُّ مسكرٍ خمر» لتأوَّله بعضهم على أنه يشبهُ الخمرَ في التحريم، فلما زاد
(3)
: «وكلُّ خمرٍ حرام» عُلِمَ أنه أراد دخولَه في اسم الخمر التي حرَّمها الله.
والغرض هنا أن صورةَ القياس المذكورة فطريةٌ لا تحتاجُ إلى تعلُّم، بل هي عند الناس بمنزلة الحِسَاب، ولكن هؤلاء يطوِّلون العبارات ويُغْرِبُونها.
وكذلك انقسامُ المقدمة التي تسمَّى القضية، وهي الجملة الخبرية، إلى خاصٍّ وعام، ومنفيٍّ ومثبت، ونحو ذلك، وأن القضيةَ الصادقةَ يصدُق عكسُها وعكسُ نقيضها ويكذبُ نقيضها، وأن جملتها تختلف، ونحو ذلك، وكذلك تقسيمُ القياس إلى الحَمْلي الاقتراني
(4)
، والاستثنائي التلازُمِي،
(1)
. انظر: «المبسوط» (24/ 16، 17) ، و «فتح القدير» (5/ 306).
(2)
. أي اقتصر.
(3)
. الأصل: «فلما أراد» . والمثبت من (ط) وهو الصواب.
(4)
. الأصل: «الافراي» . وفي (ط، ف): «الأفرادي» . تحريف.
والتعانُدي، وغير ذلك= غالبُه وإن كان صحيحًا ففيه ما هو باطل.
والحقُّ الذي فيه فيه من تطويل الكلام وتكثيرِه بلا فائدة، ومن سوء التعبير والعِيِّ في البيان، ومن العدول عن الصِّراط المستقيم القريب إلى الطريق المستدير البعيد= ما ليس هذا موضعَ بيانه.
فحقُّه النافعُ فطريٌّ لا يحتاجُ إليهم، وما يُحْتاجُ إليهم فيه ليس فيه منفعةٌ إلا معرفةَ اصطلاحهم وطريقهم أو خطئهم. وهذا شأنُ كلِّ ذي مقالةٍ من المقالات الباطلة، فإنه لا بدَّ منه في معرفة لغته وضلاله، فاحتيجَ إليه لبيان ضلاله الذي يعرفُ به المؤمنون
(1)
حالَه، ويستبين لهم ما بيَّن الله مِن حكمه جزاءً وأمرًا؛ وأن هؤلاء داخلون فيما يُذَمُّ به مِن تكلُّف القول الذي لا يفيد، وكثرة الكلام الذي لا ينفع.
والمقصودُ هنا ذِكْر وجوه:
أحدها: أن القياسَ المذكور لا يفيدُ علمًا إلا بواسطة قضيةٍ كُلِّيةٍ موجَبة. فلا بدَّ من كُلِّيةٍ جامعةٍ ثابتةٍ في كلِّ قياس. وهذا متفقٌ عليه معلومٌ أيضًا. ولهذا قالوا: لا قياس عن سالبتَين، ولا عن جزئيَّتين.
وإذا كان كذلك وجب أن تكون العلومُ الكُلِّيةُ والكلماتُ
(2)
الجامعةُ هي أصولُ الأقيسة والأدلة وقواعدُها التي تبنى عليها وتحتاج إليها.
ثم قالوا: إن مبادئ القياس البرهاني هي العلوم اليقينية التي هي
(1)
. غير محررة في الأصل. وفي (ط): «الموقنون» .
(2)
. الأصل: «الكلمات» بدون واو.
الحِسِّيَّاتُ الباطنة والظاهرة، والعقليات، والبديهيات
(1)
، والمتواترات، والمجرَّبات، وزاد بعضهم: الحَدْسِيات.
وليس في شيءٍ من الحِسِّيات الباطنة والظاهرة قضايا كُلِّية؛ إذ الحِسُّ الباطنُ والظاهرُ لا يدركُ إلا أمورًا معيَّنة لا تكونُ إلا إذا كان المخبرُ أدرك ما أخبرَ به بالحِس، فهي تبعٌ للحِسِّيات.
وكذلك التجربةُ إنما تقعُ على أمورٍ معيَّنة محسوسة، وإنما يحكمُ العقلُ على النظائر بالتشبيه، وهو قياس التمثيل.
والحَدْسِياتُ عند من يثبتها منهم مِن جنس التجريبيات، لكن الفرق أن التجربة تتعلَّقُ بفعل المجرِّب، كالأطعمة والأشربة والأدوية، والحدسُ بغير فعل، كاختلاف أشكال القمر عند اختلاف مقابلته الشمسَ، وهو في الحقيقة تجربةٌ علميةٌ بلا عمل، فالمستفادُ به أيضًا أمورٌ معيَّنةٌ جزئيةٌ لا تصيرُ عامةً إلا بواسطة قياس التمثيل.
وأما البديهيات، وهي العلومُ الأوَّلية التي يجعلها الله في النفوس ابتداءً بلا واسطة، مثل الحساب، كالعلم
(2)
بأن الواحد نصفُ الاثنين، فإنها لا تفيدُ العلمَ بشيءٍ معيَّن موجودٍ في الخارج، مثل الحكم على العدد المطلق والمقدار المطلق، كالعلم بأن الأشياء المساوية لشيءٍ واحدٍ هي متساوية في أنفسها، فإنا إذا حكمنا على موجودٍ في الخارج لم يكن إلا بواسطة الحسِّ مثل العقل، فإن العقل إنما هو عقلُ ما علمته بالإحساس الباطن أو الظاهر
(1)
. الأصل: «والبديهية» .
(2)
. الأصل: «وهي العلم» . انتقال بصر من الناسخ. وسيأتي نظيره على الصواب.
بعقل المعاني العامَّة أو الخاصَّة.
فأما أن العقلَ الذي هو عقلُ الأمور العامَّة التي أفرادُها موجودةٌ في الخارج يحصلُ بغير حِسٍّ، فهذا لا يتصوَّر، وإذا رجع الإنسانُ إلى نفسه وجد ذلك، وأنه لا يعقِلُ
(1)
مستغنيًا عن الحسِّ الباطن والظاهر لكلياتٍ مقدرةٍ في نفسه، مثل الواحد والاثنين، والمستقيم والمنحني والمثلث والمربع، والواجب والممكن والممتنع، ونحو ذلك مما يفرضه هو ويقدِّره.
فأما العلمُ بمطابقة ذلك المقدَّر للموجود في الخارج، والعلمُ بالحقائق الخارجية، فلا بدَّ فيه من الحِسِّ الباطن أو الظاهر، فإذا اجتمع الحسُّ والعقلُ كاجتماع البصر والعقل، أمكن أن يدرك الحقائقَ الموجودةَ المعيَّنة ويَعْقِلَ حكمَها العامَّ الذي يندرجُ فيه أمثالها وأضدادُها، ويعلمَ الجمعَ والفَرْق. وهذا هو اعتبارُ العقل وقياسُه.
وإذا انفرد الإحساسُ الباطنُ أو الظاهر أدرك وجودَ الموجود المعيَّن، وإذا انفرد المعقولُ المجرَّدُ عَلِمَ الكلياتِ المقدَّرة فيه التي قد يكونُ لها وجودٌ في الخارج وقد لا يكون، ولا يعلمُ وجود أعيانها وعدم وجود أعيانها إلا بإحساسٍ باطنٍ أو ظاهر.
فإنك إذا قلت: موجودُ المئة عُشْرُ الألف لم تحكُم على شيءٍ في الخارج، بل لو لم يكن في العالم ما يعدُّ بالمئة والألف لكنتَ عالمًا بأن المئة المقدَّرة في عقلك عُشر الألف، ولكن إذا أحسستَ بالرجال والدوابِّ والذهب والفضة، وأحسستَ بحِسِّك أو بخبرِ مَن أحسَّ أن هناك مئة رجلٍ أو
(1)
. الأصل: «وجد ذلك أنه يعقل» . (ف): «وجد أنه لا يعقل ذلك» .
درهم، وهناك ألف، ونحو ذلك، حكمتَ على أحد المعدودين بأنه عُشْرُ الآخر.
فالمعدوداتُ لا تُدْرَكُ إلا بالحِس، والعددُ المجرَّد يُعْقَلُ بالقلب، وبعقلِ القلب والحِسِّ يُعْلَمُ العددُ والمعدودُ جميعًا، وكذلك المقاديرُ الهندسية هي من هذا الباب.
فالعلومُ الأوليةُ البديهيةُ العقليةُ المحضةُ ليست إلا في المقدَّرات الذهنية، كالعدد والمقدار، لا في الأمور الخارجة الموجودة.
فإذا كانت موادُّ القياس البرهاني لا يُدْرَكُ بعامتها إلا أمورٌ معينةٌ ليست كُلِّية، وهي الحِسُّ الباطن والظاهر، والتواتر، والتجربة، والحدس، والذي يدركُ الكليات البديهية الأولية إنما يدركُ أمورًا مقدَّرةً ذهنية= لم يكن في مبادئ البرهان ومقدِّماته المذكورة ما يُعْلَمُ به قضيةٌ كليةٌ عامةٌ للأمور الموجودة في الخارج. والقياسُ لا يفيدُ العلمَ إلا بواسطة قضيةٍ كلية، فامتنَع حينئذٍ أن يكونَ فيما ذكروه من صورة القياس ومادَّته حصولُ علمٍ يقيني.
وهذا بيِّنٌ لمن تأمَّله، وبتحريره وجودة تصوُّره تنفتحُ علومٌ عظيمةٌ ومعارف، وسنبيِّن إن شاء الله من أيِّ وجهٍ وقع عليهم اللَّبس. فتدبَّر هذا، فإنه من أسرار عظائم العلوم التي يظهرُ لك به ما يَجِلُّ عن الوصف من الفرق بين الطريقة الفطرية العقلية السَّمعية الشَّرعية الإيمانية، وبين الطريقة القياسية المنطقية الكلامية.
وقد تبين لك بإجماعهم وبالعقل أن القياسَ المنطقيَّ لا يفيدُ إلا بواسطة قضية، وتبيَّن لك أن القضايا التي [هي] عندهم موادُّ البرهان وأصولُه ليس
فيها قضيةٌ كليةٌ للأمور الموجودة، وليس فيها ما تُعْلَمُ به القضيةُ الكلية، إلا العقل المجرَّد الذي يعقِلُ المقدَّرات الذهنية، وإذا لم يكن في أصول برهانهم علمٌ بقضيةٍ عامةٍ للأمور الموجودة لم يكن في [ذلك]
(1)
علم.
وليس فيما ذكرناه ما يمكنُ النزاع فيه إلا القضايا البديهية، فإن فيها عمومًا، وقد يظنُّ أنه به تعلمُ الأمورُ الخارجة، فيفرض أنها تفيدُ العلوم الكلية، لكن بقية المبادئ ليس فيها علمٌ كلي، فكان الواجبُ ألا يجعلَ مقدمة البرهان إلا القضايا العقلية البديهية المحضة؛ إذ هي الكلية، وأما بقيةُ القضايا فهي جزئية، فكيف يصلحُ أن تجعلَ من مقدمات البرهان؟
إلا أن يقال: تُعْلَمُ بها أمورٌ جزئية وبالعقل أمورٌ كلية، فبمجموعهما يتمُّ البرهان، كما يُعْلَمُ بالحسِّ أن مع هذا ألفَ درهم ومع هذا ألفان، ويُعْلَمُ بالعقل أن الاثنين أكثرُ من الواحد، فيُعْلَمُ أن مال هذا أكثر.
فيقال: هذا صحيح، لكن هذا إنما يفيدُ قضيةً جزئيةً معيَّنة، وهو كونُ مال هذا أكثر من مال هذا. والأمورُ الجزئيةُ المعيَّنةُ لا يحتاجُ في معرفتها إلى قياس، بل قد تُعْلَمُ بلا قياس، وتُعْلَمُ بقياس التمثيل، وتُعْلَمُ بالقياس عن جزئيتين، فإنك تعلمُ بالحسِّ أن هذا مثل هذا، وتعلمُ أن هذا مِن نعته كَيت وكَيت، فتعلمُ أن الآخر مثلُه، وتعلمُ أن حكمَ الشيء حكمُ مثله. وكذلك قد تعلمُ أن زيدًا أكبر من عمرو، وعَمرًا أكبر من خالد، وأمثال هذه الأمور المعيَّنة التي تُعْلَمُ بدون قياس الشمول الذي اشترطوا فيه ما اشترطوا.
فقد تبيَّن أن هذا القياسَ العقلي المنطقي الذي وضعوه وحدَّدوه لا يُعْلَمُ
(1)
. بياض في الأصل بمقدار كلمة، وأثبتها من (ط).