المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ مناظرة الصابئة الفلاسفة والمشركين ونحوهم - الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم «نقض المنطق» - الكتاب

[ابن تيمية]

الفصل: ‌ مناظرة الصابئة الفلاسفة والمشركين ونحوهم

لإسرائيل أشياءَ ثم حرَّمها في التوراة، وأن هذا كان تحليلًا شرعيًّا بخطابٍ لم يكونوا استباحوه بمجرَّد البقاء على الأصل حتى لا يكون رفعُه نسخًا، كما يدعيه قومٌ منهم.

وأمَر بطلب التوراة في ذلك، وهكذا وجدناه فيها، كما حدَّثنا بذلك مُسْلِمَةُ أهل الكتاب في غير موضع

(1)

.

وهكذا‌

‌ مناظرةُ الصَّابئة الفلاسفة والمشركين ونحوهم

، فإن الصَّابئ الفيلسوف إذا ذَكر ما عند قدماء الصَّابئة الفلاسفة من الكلام الذي عُرِّبَ وتُرْجِمَ بالعربية، وذَكَره إما صِرفًا وإما على الوجه الذي تصرَّف فيه متأخِّروهم بزيادةٍ ونقصان، وبسطٍ واختصار، وردِّ بعضه وإتيانٍ بمعانٍ أُخَر ليست فيه، ونحو ذلك= فإنْ ذَكَر ما لا يتعلَّقُ بالدين، مثل الطبِّ والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتبَ من أخَذ عنهم مثل محمد بن زكريا الرازي

(2)

وابن سينا ونحوهما من الزنادقة الأطباء، ما غايتُه انتفاعٌ بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا= فهذا جائز، كما تجوزُ السُّكنى في ديارهم، ولبسُ ثيابهم وسلاحهم.

وكما تجوز مُفَالَحتُهم

(3)

على الأرض، كما عامل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يهودَ

(1)

. انظر: «بذل المجهود في إفحام اليهود» للسموأل بن يحيى (19 - 52).

(2)

. طبيب فيلسوف، ملحد في الإلهيات والنبوات، ينصر قول الفلاسفة القائلين بالقدماء الخمسة (ت: 313). انظر: «طبقات الأطباء» لابن جلجل (77) ، و «منهاج السُّنة» (2/ 572) ، و «درء التعارض» (9/ 346) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 477).

(3)

. المفالحة: مفاعَلة من الفِلاحة، وهي المساقاة والمعاملة على الأرض. انظر:«المغني» (7/ 538) ، و «الإقناع» (2/ 274) ، و «المنتهى» (3/ 49).

ص: 168

خيبر

(1)

.

وكما استأجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر لما خرجا من مكة مهاجرَيْن رجلًا من بني الدِّيل هاديًا خرِّيتًا، والخرِّيتُ الماهرُ بالهداية، وائتمناه على أنفسهما ودوابِّهما، وواعداه غارَ ثورٍ صُبْحَ ثالثة

(2)

.

وكانت خزاعةُ عَيْبةَ نُصْحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم

(3)

مسلمُهم وكافرُهم

(4)

، وكان يقبلُ نصحَهم.

وكلُّ هذا في «الصحيحين» .

وكان أبو طالب ينصرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ويذبُّ عنه مع شِركه.

وهذا كثير، فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمَن، كما قال تعالى:{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75]، ولهذا جاز ائتمانُ أحدهم على المال، وجاز أن يُسْتَطَبَّ الكافرُ إذا كان ثقةً، نصَّ على ذلك الأئمة كأحمد وغيره

(5)

؛ إذ ذاك قبولٌ لخبرهم فيما يَعْلَمُونه من أمر الدنيا وائتمانٌ لهم على ذلك، وهو جائزٌ إذا لم يكن فيه مفسدةٌ راجحةٌ مثل ولايته

(1)

. أخرجه البخاري (2328) ومسلم (1551).

(2)

. أخرجه البخاري (2263، 2264، 3905).

(3)

. أخرجه البخاري (2731). وعيبة نصحه أي موضع النصح له والأمانة على سرِّه.

(4)

. أخرجه أحمد (18910) بسندٍ حسن.

(5)

. ظاهر المروي عن أحمد الكراهة، وعنه ما يفيد الجواز. انظر:«الإرشاد» (546) ، و «المستوعب» (2/ 815) ، و «الآداب الشرعية» (2/ 428).

ص: 169

على المسلمين وعلوِّه عليهم ونحو ذلك

(1)

.

فأخذُ عِلْم الطبِّ من كتبهم مثلُ الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه، بل هذا أحسن؛ لأن كتبَهم لم يكتبوها لمعيَّنٍ من المسلمين حتى تدخُل فيها الخيانة، وليس فيها حاجةٌ إلى أحدٍ منهم بالحياة

(2)

، بل هي مجرَّدُ انتفاعٍ بآثارهم، كالملابس والمساكن والمزارع والسِّلاح ونحو ذلك.

وإن ذَكَر

(3)

ما يتعلَّقُ بالدين، فإنْ نقلوه عن الأنبياء كانوا فيه كأهل الكتاب وأسوأ حالًا، وإن أحالوا معرفتَه على القياس العقليِّ، فإن وافقَ ما في القرآن فهو حقٌّ، وإن خالفه ففي القرآن بيانُ بطلانه بالأمثال المضروبة، كما قال تعالى:{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]، ففي القرآن الحقُّ والقياسُ البيِّن الذي يبيِّنُ بطلانَ ما جاؤوا به من القياس.

وإن كان ما يذكرونه مجملًا فيه الحقُّ [وفيه الباطل]

(4)

، وهو الغالبُ على الصَّابئة المبدِّلين مثل أرسطو وأتباعه وعلى من اتبعَهم من الآخِرين

(5)

،

(1)

. لابن الحاج العبدري (ت: 737) فصلٌ ذائع في كتابه «المدخل» (4/ 107 - 111) في التشنيع على استطباب أهل الكتاب، فيه مبالغةٌ وتهويل.

(2)

. (ط): «وليس هناك حاجة إلى أحد منهم بالخيانة» .

(3)

. أي الصابئ الفيلسوف عن قدماء الصابئة الفلاسفة.

(4)

. زدت ما بين المعكوفات لاقتضاء السياق، ومن الحقِّ ما سيأتي (ص: 288).

(5)

. أتباع أرسطو هم الفلاسفة المشاؤون، وأتباعهم الآخِرون هم المتفلسفة المنتسبون إلى الإسلام كالفارابي وابن سينا وابن رشد وأضرابهم. انظر:«بيان تلبيس الجهمية» (1/ 155، 4/ 347، 5/ 225) ، و «الرد على المنطقيين» (335) ، و «درء التعارض» (1/ 157، 3/ 324، 5/ 9، 6/ 210، 9/ 415).

ص: 170

[فالواجبُ] قبولُ الحقِّ وردُّ الباطل، والحقُّ من ذلك لا يكونُ بيانُ صفة الحقِّ فيه كبيان صفة الحقِّ في القرآن، فالأمرُ في هذا موقوفٌ على معرفة القرآن ومعانيه وتفسيره وترجمته.

والترجمةُ والتفسير ثلاثُ طبقات

(1)

:

أحدها: ترجمةُ مجرَّد اللفظ، مثل نقل اللفظ بلفظٍ مرادِف، ففي هذه الترجمة يريدُ أن تَعْرِفَ أن الذي يعنى بهذا اللفظ عند هؤلاء هو بعينه الذي يعنى باللفظ عند هؤلاء. فهذا علمٌ نافع؛ إذ كثيرٌ من الناس يقيِّدُ المعنى باللفظ، فلا يجرِّدُه عن اللفظين جميعًا.

والثانية: ترجمةُ المعنى وبيانُه، بأن يصوِّر المعنى للمخاطَب، فتصويرُ المعنى له وتفهيمُه إياه قدرٌ زائدٌ على ترجمة اللفظ، كما يشرحُ للعربيِّ كتابًا عربيًّا قد سَمِع ألفاظَه العربيةَ لكنه لم يتصوَّر معانيه ولا فَهِمَها.

وتصويرُ المعنى يكونُ بذكر عينِه، أو نظيره، أو تركيب صفاتٍ من مفرداتٍ يفهمُها المخاطَبُ يكونُ ذلك المركَّب صورةَ ذلك المعنى، إما تحديدًا وإما تقريبًا

(2)

.

الدرجة الثالثة: بيانُ صحة ذلك المعنى وتحقيقه بذكر الدليل والقياس الذي يحقِّقُ ذلك المعنى، إما بدليلٍ مجرَّدٍ وإما بدليلٍ يبيِّن علَّة وجوده.

وهنا قد يحتاجُ إلى ضرب أمثلةٍ ومقاييسَ تفيدُه التصديقَ بذلك المعنى،

(1)

. انظر: «الرد على المنطقيين» (48 - 61) ، و «مجموع الفتاوى» (6/ 65).

(2)

. انظر ما سيأتي (ص: 173).

ص: 171

كما يحتاجُ في الدرجة الثانية إلى أمثلةٍ لتصوُّر ذلك المعنى. وقد يكونُ نفسُ تصوُّره مفيدًا للعلم بصدقه، وإذا كفى تصوُّر معناه في التصديق به لم يحتَجْ إلى قياسٍ ومَثَلٍ ودليلٍ آخر.

فإذا عُرِفَ القرآنُ هذه المعرفة فالكلامُ الذي يوافقُه أو يخالفُه من كلام أهل الكتاب والصَّابئين والمشركين لا بدَّ فيه من الترجمة للَّفظ والمعنى أيضًا، وحينئذٍ فالقرآنُ فيه تفصيلُ كلِّ شيء، كما قال تعالى:{مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} [يوسف: 111]، وقال:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89].

ومعلومٌ أن الأمَّة مأمورةٌ بتبليغ القرآن لفظِه ومعناه، كما أُمِر بذلك الرسول، ولا يكونُ تبليغُ رسالة الله إلا كذلك، وأن تبليغَه إلى العَجَم قد يحتاجُ إلى ترجمته لهم، فيُتَرجَمُ لهم بحسب الإمكان

(1)

، والترجمةُ قد تحتاجُ إلى ضرب أمثالٍ لتصوير المعاني، فيكونُ ذلك من تمام الترجمة.

وإذا كان من المعلوم أن أكثر المسلمين ــ بل أكثر المنتسبين منهم إلى العلم ــ لا يقومون بترجمة القرآن وتفسيره وبيانه، فغيرُهم أن يعجَز عن ترجمة ما عنده وبيانه أولى بذلك؛ لأن عقلَ المسلمين أكمل، وكتابَهم أقومُ قِيلًا وأحسنُ حديثًا، ولغتَهم أوسع، لا سيَّما إذا كانت تلك المعاني غير

(1)

. حكى المصنف اتفاق العلماء على جواز ترجمة معاني القرآن لمن لا يعرف العربية في غير الصلاة. انظر: «الجواب الصحيح» (1/ 221، 2/ 52 - 56، 63، 67 - 71، 3/ 20) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (8/ 230، 474) ، و «درء التعارض» (1/ 43) ، و «مجموع الفتاوى» (6/ 542).

ص: 172

محقَّقة، بل فيها باطلٌ كثير؛ فإن ترجمةَ المعاني الباطلة وتصويرَها صعب؛ لأنه ليس لها نظيرٌ من الحقِّ من كلِّ وجه

(1)

.

فإذا سئلنا عن كلامٍ يقولونه: هل هو حقٌّ أو باطل، ومِن أين يتبيَّن الحقُّ فيه والباطل؟

[قيل:]

(2)

من القرآن، بالحجَّة والدَّليل، كما كان المشركون وأهلُ الكتاب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسائل أو يناظِرونه، وكما كانت الأممُ تجادِلُ رسلَها؛ إذ كثيرٌ من الناس يدَّعي موافقةَ الشريعة للفلسفة.

مثال ذلك: إذا ذكروا «العقول العشرة» و «النفوس التسعة» ، وقالوا: إن العقلَ الأول هو الصَّادرُ الأولُ عن الواجب بذاته، وإنه من لوازم ذاته ومعلولٌ له، وكذلك الثاني عن الأول، وإن لكل فلَكٍ عقلًا ونفسًا

(3)

.

قيل: قولكم: «عقل» و «نفس» لغةٌ لكم، فلا بدَّ من ترجمتها، وإن كان اللفظُ عربيًّا فلا بدَّ من ترجمة المعنى.

(1)

. كما قال المصنف: «اعلم أن المذهب إذا كان باطلًا في نفسه لم يمكن الناقل له أن ينقله على وجهٍ يُتَصَوَّر تصوُّرا حقيقيًّا، فإن هذا لا يكون إلا للحق» . انظر: «مجموع الفتاوى» (2/ 145) ، و «درء التعارض» (3/ 326).

(2)

. زيادة تقديرية لالتئام السياق.

(3)

. وهي نظرية الفيض والصدور عندهم. انظر: «الإشارات والتنبيهات» (3/ 150) ، و «النجاة» (2/ 133) ، و «آراء أهل المدينة الفاضلة» (55) ، و «تهافت الفلاسفة» (145) ، و «بغية المرتاد» (241) ، و «الصفدية» (1/ 125، 279، 2/ 283) ، و «درء التعارض» (1/ 35) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (5/ 264) ، و «الرد على المنطقيين» (221، 308، 389).

ص: 173

فيقولون: العقلُ هو الرُّوح المجرَّدة عن المادَّة، وهي الجسدُ وعلائقها، سمَّوه عقلًا ويسمُّونه مفارِقًا، ويسمُّون تلك المفارِقات للموادِّ لأنها مفارِقةٌ للأجساد، كما أن روحَ الإنسان إذا فارقت جسدَه كانت مفارِقةً للمادَّة التي هي الجسد

(1)

.

والنفسُ هي الروحُ المدبِّرةُ للجسم، مثل نفس الإنسان إذا كانت في جسمه، فمتى كانت

(2)

في الجسم كانت محرِّكةً له، فإذا فارقَتْه صارت عقلًا محضًا، أي: يَعْقِلُ العلومَ من غير تحريكٍ بشيء من الأجسام.

فهذه العقولُ والنفوس، وهذا الذي ذكرناه مِن أحسن الترجمة عن معنى العقل والنفس، وأكثرُهم لا يحصِّلون ذلك

(3)

.

قالوا: وأثبتنا لكلِّ فلَكٍ نفسًا لأن الحركة اختياريةٌ فلا تكونُ إلا لنفسٍ، ولكلِّ نفسٍ عقلًا لأن العقلَ كاملٌ لا يحتاجُ إلى حركة، والمتحرِّكُ يطلبُ الكمالَ فلا بدَّ أن يكون فوقه ما يتشبَّه

(4)

به وما يكونُ علةً له، ولهذا كانت حركةُ أنفسنا للتشبُّه بما فوقنا من العقول، وكلُّ ذلك تشبُّهٌ بواجب الوجود بحسب الإمكان.

والأول لا يَصْدُر عنه إلا عقل؛ لأن النفسَ تقتضي جسمًا، والجسمُ فيه كثرة، والصَّادرُ عنه لا يكونُ إلا واحدًا. ولهم في الصُّدور اختلافٌ كثيرٌ ليس

(1)

. انظر: «الصفدية» (2/ 251 - 258).

(2)

. الأصل: «فمتى إذا كانت» . ولعله من سهو الناسخ، والمثبت من (ف) أجود.

(3)

. انظر: «مجموع الفتاوى» (9/ 271 - 294).

(4)

. الأصل: «يشبه» .

ص: 174

هذا موضعه

(1)

.

قيل لهم: أما إثباتكم أن في السماء أرواحًا فهذا يُشْبِهُ ما في القرآن وغيره من كتب الله، ولكن ليست هي الملائكة كما يقولُ الذين يزعمون منكم أنهم آمنوا بما أُنزِلَ على الرسول وما أُنزِل مِن قبله ويقولون: ما أردنا إلا الإحسانَ والتوفيقَ بين الشَّريعة والفلسفة

(2)

، فإنهم قالوا: العقولُ والنفوسُ عند الفلاسفة هي الملائكةُ عند الأنبياء

(3)

. وليس كذلك، لكن تُشْبِهُها من بعض الوجوه.

فإن اسمَ الملائكة والمَلَك يتضمَّنُ أنهم رُسُلُ الله، كما قال تعالى:{جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} [فاطر: 1]، وكما قال:{وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات: 1]، فالملائكةُ رسلُ الله في تنفيذ أمره الكونيِّ الذي يدبِّر به السموات والأرض، كما قال:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61]، وكما قال:{بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80]، وأمرِه الدينيِّ الذي

(1)

. انظر ما تقدم قريبًا عن نظرية الفيض والصدور عند الفلاسفة.

(2)

. كابن رشد وله كتاب «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» ، وابن سينا، وإخوان الصفا، كما سيأتي (ص: 298). وكالراغب الأصفهاني، والشهرستاني، انظر:«تتمة صوان الحكمة» (112، 141).

(3)

. انظر: «تهافت الفلاسفة» (188، 226) ، و «تهافت التهافت» (484) ، و «الصفدية» (2/ 252، 286) ، و «منهاج السُّنة» (5/ 447) ، و «بغية المرتاد» (219، 223) ، و «درء التعارض» (7/ 368) ، و «الرد على المنطقيين» (102) ، و «الرد على الشاذلي» (42، 138) ، و «الجواب الصحيح» (4/ 151) ، و «مجموع الفتاوى» (9/ 105، 12/ 156).

ص: 175

تَنْزِلُ به الملائكة، فإنه {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2]، وقال:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]، وقال:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75].

وملائكةُ الله لا يحصي عددَهم إلا الله، كما قال تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31].

وقيل لهم: الذي في الكتاب والسُّنة مِن ذِكْر الملائكة وكثرتهم أمرٌ لا يُحْصَر، حتى قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَطَّت السماءُ وحُقَّ لها أن تَئطّ

(1)

، ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا ملكٌ قائمٌ أو قاعدٌ أو راكعٌ أو ساجد»

(2)

، وقال الله

(1)

. أصل الأطيط: صوت الأقتاب. وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها. والمعنى أن كثرة ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطَّت. «النهاية» (أطط).

(2)

. أخرجه أحمد (21516) ، والترمذي (2312) ، وابن ماجه (4190) وغيرهم من حديث إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورِّق عن أبي ذر بإسنادٍ ضعيف، مورِّق لم يسمع من أبي ذر، وإبراهيم بن مهاجر ليس بالقوي. وروي عن أبي ذر موقوفًا، وهو أشبه. انظر: مختصر تلخيص المستدرك (7/ 3532).

وأخرجه البزار (3208) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (1134) من حديث حكيم بن حزام بإسنادٍ حسن.

وفي الباب عن جابر وأنس بن مالك والعلاء بن سعد رضي الله عنهم.

ص: 176

تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الشورى: 5].

فمن جعلهم عشرة، أو تسعة عشر، أو زعم أن التسعة عشر الذين على سَقَر هم العقولُ والنفوس= فهذا جهلُه بما جاء عن الله ورسوله وضلالُه في ذلك بيِّن؛ إذ لم يتَّفق الاسمان في صفة المسمَّى ولا في قَدْره كما تكونُ الألفاظُ المترادفة، وإنما اتفقَ المسمَّيان في كون كلٍّ منهما روحًا متعلِّقًا بالسَّماوات، وهذا من بعض صفات ملائكة السَّماوات.

فالذي أثبتوه بعض الصِّفات لبعض الملائكة، وهو بالنسبة إلى الملائكة وصفاتهم وأقدارهم وأعدادهم في غاية القِلَّة، أقلُّ مما يؤمنُ به السَّامِرَة من الأنبياء بالنسبة إلى الأنبياء؛ إذ لا يؤمنون بعد موسى ويوشَع بنبيٍّ

(1)

.

كيف وهم لم يثبتوا للملائكة من الصِّفة إلا مجرَّدَ ما عَلِمُوه من نفوسهم، مجرَّد العلم للعقول، والحركة الإرادية للنفوس.

ومن المعلوم أن الملائكة لهم من العلوم والأحوال والإرادات والأعمال

(1)

. السامرة أو السامريون من فرق اليهود، يخالفون سائر اليهود في توراتهم وشريعتهم، ولا يعترفون بالمشنا (التي سبقت الإشارة إليها) ، ولا بنبوة من بعد موسى ويوشع كداود وسليمان وعيسى عليهم السلام، وذكر المصنف أنهم في اليهود كالرافضة في المسلمين. انظر:«الملل والنحل» (1/ 199) ، و «الجواب الصحيح» (2/ 23، 450، 3/ 40، 42، 50، 424، 426) ، و «منهاج السُّنة» (1/ 37، 5/ 174) ، و «الرد على المنطقيين» (290) ، و «جامع الرسائل» (1/ 270) ، و «مجموع الفتاوى» (28/ 479).

ص: 177

ما لا يحصِيه إلا ذو الجلال، ووصفُهم في القرآن بالتسبيح والعبادة لله أكثرُ من أن يُذْكَر هنا، كما ذكر [تعالى] في خطابه للملائكة، وأمرِه لهم بالسجود لآدم، وقوله:{فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38]، وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، وقوله:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 26 ــ 29]، وقوله:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75]، وقوله:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} الآية [غافر: 7]، وقوله:{وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5]، وقوله:{كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285]، وقوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا

يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 124، 125]، وقوله:{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12]، وقوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ

(1)

سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 26]،

(1)

. الأصل: «فأنزل الله» . وهو سهو وسبق ذهن إلى آية التوبة: 40.

ص: 178

وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9]، وقوله:{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50]، وقوله:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ} [النحل: 32]، وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]، وقوله:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61]، وقوله:{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: 11]، وقوله:{فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 13 ـ 16].

وقوله: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 ــ 12]، وقوله:{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80]، وقوله:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، وقوله:{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} [الصافات: 1 - 3]، وقوله:{فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} إلى قوله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 149 - 166].

وفي «الصَّحيحين»

(1)

عن جابر بن سَمُرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا

(1)

. هو من أفراد مسلم (430). انظر: «الجمع بين الصحيحين» للحميدي (1/ 339).

ص: 179

تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكةُ عند ربها؟ » قالوا: وكيف تصفُّ الملائكةُ عند ربها؟ قال: «يسدُّون الأوَّل [فالأوَّل]، ويتراصُّون في الصَّفّ»

(1)

.

وفي «الصحيحين»

(2)

عن قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة في حديث المعراج، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لمَّا ذكر صعودَه إلى السماء السابعة، قال:«فرُفِعَ لي البيتُ المعمور، فسألتُ جبريل، فقال: هذا البيتُ المعمورُ يصلِّي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ مَلَك، إذا خرجوا لم يعودوا آخرَ ما عليهم» .

وقال البخاري

(3)

: وقال همام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في البيت المعمور.

فهذا أمرٌ لا يحصيه إلا الله.

وفي «الصحيحين»

(4)

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أمَّن القارئُ فأمِّنوا؛ فإنه من وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» ، وفي الرواية الأخرى في «الصحيحين»

(5)

: «إذا قال: آمين فإن الملائكةَ في السماء تقولُ: آمين» .

(1)

. كذا بالأصل، وما بين المعكوفين استدركته من كتب المصنف حيث يورد الحديث بهذا اللفظ. ولفظ مسلم:«يتمُّون الصفوف الأوَل ويتراصُّون في الصف» .

(2)

. البخاري (3207) ، ومسلم (164).

(3)

. (4/ 111).

(4)

. البخاري (780، 6402) ، ومسلم (410).

(5)

. البخاري (781)، ومسلم (410). ولفظه عندهما: «إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى

».

ص: 180

وفي «الصحيحين»

(1)

أيضًا عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إذا قال الإمام: سمعَ الله لمن حَمِدَه، فقولوا: اللهمَّ ربنا ولك الحمد، فإنه من وافق قولُه قولَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» .

وفي «الصحيح»

(2)

عن عروة، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إن الملائكة تنزلُ في العَنَان، وهو السحاب، فتَذْكُر الأمرَ قُضِيَ في السماء، فتسترقُ الشياطينُ السَّمْعَ، فتَسْمَعُه، فتوحيه إلى الكهَّان، فيكذِبُون معها مئة كذبةٍ من عند أنفسهم» .

وفي «الصحيحين»

(3)

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله ملائكةً سيَّارةً فُضْلًا

(4)

يَتْبَعُون مجالسَ الذِّكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذِكْرٌ قعَدوا معهم، وحفَّ بعضُهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرَّقوا عَرَجُوا وصَعِدوا إلى السماء، فيسألهم الله وهو أعلم: مِن أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لك في الأرض، يسبِّحونك، ويكبِّرونك، ويهلِّلونك، ويحمَدونك، ويسألونك. قال: وما يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنَّتك. قال: وهل رأوا جنَّتي؟ قالوا: لا أي رب، قال: فكيف لو رأوا جنَّتي؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: وممَّ يستجيرونني؟ قالوا: مِن نارك. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا يا رب. قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا:

(1)

. البخاري (796) ، ومسلم (409).

(2)

. البخاري (3210).

(3)

. البخاري (6408) ، ومسلم (2689) واللفظ له.

(4)

. أي زائدين على الملائكة الحَفَظة.

ص: 181

ويستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرتُ لهم، وأعطيتُهم ما سألوا، وأجَرْتُهم مما استجاروا. قال: يقولون: ربِّ، فيهم فلانٌ عبد خطَّاء، إنما مرَّ فجلس معهم. قال: فيقول: وله قد غفرتُ، هم القومُ لا يشقى بهم جليسُهم».

وفي «الصحيحين»

(1)

عن عروة، عن عائشة حدَّثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحُد؟ قال: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومَ العقبة؛ إذ عَرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفِق إلا وأنا بقَرن الثعالب، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سَمِعَ قولَ قومك وما ردُّوا عليك، وقد بعثَ إليك مَلَكَ الجبال لتأمُره بما شئتَ فيهم، فناداني مَلَكُ الجبال، فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئتَ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهم الأخشَبَيْن» ، قال صلى الله عليه وسلم:«بل أرجو أن يُخْرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشركُ به شيئًا» .

وأمثالُ هذه الأحاديث الصِّحاح ما فيها مِن ذِكْر الملائكة الذين في السَّموات وملائكة الهواء والجبال وغير ذلك كثيرةٌ.

وكذلك الملائكةُ المتصرِّفون في أمور بني آدم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتَّفق عليه

(2)

حديث الصَّادق المصدوق، يقول: «ثم يُبْعَثُ إليه

(1)

البخاري (3231) ، ومسلم (1795).

(2)

البخاري (3208) ، ومسلم (2643).

ص: 182

المَلَكُ، فيؤمرُ بأربع كلمات، فيقال: اكتُب رزقَه، وأجلَه، وعملَه

(1)

، وشقيٌّ أو سعيد، ثم ينفخُ فيه الرُّوح».

وفي «الصَّحيح»

(2)

حديث البراء بن عازب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسَّان: «اهجُهم ــ أو هَاجِهم ــ وجبريلُ معك» .

وفي «الصَّحيح»

(3)

أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أجِبْ عنِّي، اللهم أيِّدْه برُوح القُدُس» .

وفي «الصَّحيح»

(4)

عن أنس قال: «كأني أنظرُ إلى غبارٍ ساطعٍ في سِكَّة بني غَنْمٍ، مَوْكِبَ جبريل» .

وفي «الصَّحيحين»

(5)

عن عائشة، أن الحارث بن هشام قال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحيُ؟ قال:«أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَة الجَرَس، وهو أشدُّه عليَّ، فيَفْصِمُ عني وقد وَعَيْتُ ما قال، وأحيانًا يتمثَّلُ لي المَلَكُ رجلًا، فيكلِّمُني، فأعِي ما يقول» .

وإتيانُ جبريلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم تارةً في صورة أعرابيٍّ

(6)

، وتارةً في صورة

(1)

سقطت من الأصل، وهي في «الصحيحين» وسائر كتب المصنف.

(2)

البخاري (3213) ، ومسلم (2486).

(3)

البخاري (3212) ، ومسلم (2485).

(4)

البخاري (3214).

(5)

البخاري (2) ، ومسلم (2333).

(6)

البخاري (50) ومسلم (9) من حديث أبي هريرة، ومسلم (8) من حديث عمر.

ص: 183

دِحْيَة الكَلبي

(1)

، ومخاطبتُه وإقراؤه إيَّاه= كثيرٌ أعظمُ من أن يُذْكَر هنا.

وفي «الصَّحيحين»

(2)

عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يتعاقَبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يَعْرُجُ الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربُّهم ــ وهو أعلمُ بهم ــ: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلُّون، وأتيناهم وهم يصلُّون» .

وفي «الصَّحيحين»

(3)

عن عائشة قالت: حَشَوْتُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وِسَادةً فيها تماثيلُ كأنها نُمْرُقَة، فجاء فقام بين البابين

(4)

، وجعل يتغيَّر وجهُه، فقلت: ما لنا يا رسول الله؟ قال: «ما بالُ هذه الوِسَادة؟ » قالت: وِسَادةٌ جعلتُها لك لتضطجعَ عليها، قال:«أما علمتِ أن الملائكةَ لا تدخلُ بيتًا فيه صورةٌ وأن مَن صَنَع الصُّوَرَ يعذَّبُ يوم القيامة يقال: أحْيُوا ما خلقتُم؟ » .

وفي «الصَّحيحين»

(5)

عن ابن عباس قال: سمعتُ أبا طلحة يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةُ تماثيل» .

وكذلك في «الصَّحيحين»

(6)

عن عبد الله بن عمر قال: «وَعَدَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم

(1)

البخاري (3634) ، ومسلم (2451).

(2)

البخاري (555) ، ومسلم (632).

(3)

البخاري (3224) ، ومسلم (2107).

(4)

الأصل: «بين الناس» ، تحريف.

(5)

البخاري (3225) ، ومسلم (2106).

(6)

من أفراد البخاري (3227) ، كما في «الجمع بين الصحيحين» (2/ 274). وأخرجه مسلم (2104، 2105) من حديث عائشة وميمونة رضي الله عنهما.

ص: 184

جبريلُ، فقال: إنا لا ندخلُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة».

وفي «الصَّحيحين»

(1)

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة تصلِّي على أحدكم ما دام في مُصَلَّاه الذي صلَّى فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يُحْدِث» .

وأمثالُ هذه النصوص التي يُذْكَر فيها من أصناف الملائكة وأوصافهم وأفعالهم ما يمتنعُ أن تكون ما يذكُرونه من العقول والنفوس، أو أن يكون جبريلُ هو العقلُ الفعَّال، وتكون ملائكةُ الآدميِّين هي القُوى الصَّالحة، والشياطينُ هي القُوى الفاسدة، كما يزعمُ هؤلاء.

وأيضًا، فزعمُهم أن العقول والنفوس التي جعلوها الملائكةَ معلولةٌ عن الله، صادرةٌ عن ذاته صدورَ المعلول عن علَّته= هو قولٌ بتولُّدها عن الله، وأن الله وَلَدَ الملائكة

(2)

.

وهذا مما ردَّه الله ونزَّه نفسه عنه، وكذَّب قائلَه، وبيَّن كذبَه بقوله:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3، 4] وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} إلى قوله: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الصافات: 151 - 157]، وبقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ

(1)

البخاري (445) ، ومسلم (649).

(2)

وهو أبلغ من التولد الموجود في الخلق، وشرٌّ من قول مشركي العرب والنصارى. انظر:«الصفدية» (1/ 8، 216، 2/ 81) ، و «بغية المرتاد» (237) ، و «الجواب الصحيح» (4/ 476، 486) ، و «شرح الأصبهانية» (466) ، و «الرد على الشاذلي» (138) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 445، 17/ 290، 294).

ص: 185

وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100]، وقوله:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} إلى قوله: {مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28]، وقال تعالى:{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء: 172].

وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 - 95] ، فأخبر أنهم مُعَبَّدون، أي: مُذَلَّلون مُصَرَّفون مَدِينُون مقهورون، ليسوا كالمعلول المتولِّد تولُّدًا لازمًا لا يُتَصَوَّرُ أن يتغيَّر عن ذلك. وأخبر أنهم عبادُ الله، لا يتشبَّهون به كما يتشبَّه المعلولُ بالعلَّة والولدُ بالوالد، كما يزعمُه هؤلاء الصابئون.

وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 116، 117]، فأخبر أنه يقضي كلَّ شيءٍ بقوله:«كن» ، لا بتولُّد

(1)

المعلول عنه.

(1)

الأصل: «بالتولد» ، خطأ، وعلى الصواب في (ف).

ص: 186

ولذلك قال سبحانه: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 100، 101] ، فأخبر أن التولُّد لا يكونُ إلا عن أصلين، كما تكونُ النتيجةُ عن مقدِّمتين، وكذلك سائرُ المعلولات المعلومة لا يحدثُ المعلولُ إلا باقتران ما تتمُّ به العلة، فأما الشَّيءُ الواحدُ وحدَه فلا يكونُ علَّةً ولا والدًا قطُّ، لا يكونُ شيءٌ في هذا العالم إلا عن أصلين، ولو أنهما

(1)

«الفاعِل» و «القابِل» ، كالنار والحطب، والشَّمس والأرض، فأما الواحدُ وحدَه فلا يَصْدُر عنه شيءٌ ولا يتولَّد

(2)

.

فبيَّن القرآنُ أنهم أخطؤوا طريقَ القياس في العلَّة والتولُّد

(3)

، حيث جعلوا العالم يصدرُ عنه بالتعليل والتوليد.

وكذلك قال: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] خلافُ قولهم: إن الصَّادر عنه واحد

(4)

.

وهذا وفاءٌ بما ذكره الله تعالى من قوله: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ

(1)

الأصل: «ولوانه» . أي ولو سُمِّيا بذلك.

(2)

انظر: «الجواب الصحيح» (4/ 468 - 478، 486) ، و «درء التعارض» (7/ 369 - 374) ، و «الصفدية» (2/ 216) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (5/ 210) ، و «مجموع الفتاوى» (17/ 240 - 243، 261 - 272).

(3)

الأصل: «والتوليد» . والمثبت أصح.

(4)

انظر: «التدمرية» (211) ، و «الرد على المنطقيين» (218).

ص: 187

بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]، إذ قد تكفَّل بذلك في حقِّ كلِّ من خرج عن اتباع الرسول

(1)

، فقال تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]، فقرَّر الوحدانيَّة

(2)

والرِّسالة

(3)

، إلى قوله:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 ــ 29]، فكلُّ من خرجَ عن اتباع الرسول فهو ظالمٌ بحسب ذلك، والمبتدعُ ظالمٌ بقدر ما خالفه من سنَّته.

{وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 30 - 33].

وهؤلاء الصَّابئة قد أتوا بمَثَل، وهو قولهم:«الواحدُ لا يَصْدُر عنه ويتولَّد عنه إلا واحد، والربُّ واحدٌ فلا يَصْدُر عنه إلا واحدٌ يتولَّد عنه» ، فأتى الله بالحقِّ وأحسنَ تفسيرًا، وبيَّن أن الواحدَ لا يَصْدُر عنه شيءٌ ولا يتولَّد عنه شيءٌ أصلًا، وأنه لم يتولَّد عنه شيءٌ ولم يَصْدُر عنه شيء، ولكنْ خَلَقَ كلَّ شيءٍ خلقًا، وأنه خَلَق من كلٍّ زوجين اثنين.

(1)

كما تقدم (ص: 155).

(2)

في الآيتين (2، 3).

(3)

في الآيات (7 - 10، 20).

ص: 188

ولهذا قال مجاهدٌ ــ وذكره البخاريُّ في صحيحه

(1)

ــ في «الشَّفع والوَتْر» : إن الشَّفْع هو الخَلق، فكلُّ مخلوقٍ له نظير، والوَتْر هو الله الذي لا شبيه له

(2)

.

فقال: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام: 101]، وذلك أن الآثار الصَّادرة عن العلل والمتولِّدات في الموجودات لا بدَّ فيها من شيئين: أحدُهما يكونُ كالأب، والآخرُ يكونُ كالأمِّ القابلة، وقد يسمُّون ذلك «الفاعل» و «القابل» ، كالشَّمس مع الأرض، والنار مع الحطب، فأما صدورُ شيءٍ واحدٍ عن شيءٍ واحدٍ فهذا لا وجود له في الوجود أصلًا

(3)

.

وأما تشبيهُهم لذلك بالشُّعاع مع الشمس، وبالصَّوت ــ كالطَّنين ــ مع الحركة والنَّقْر، فهو أيضًا حجةٌ لله ورسوله والمؤمنين عليهم.

وذلك أن الشُّعاع إن أريد به نفسُ ما يقومُ بالشَّمس، فذلك صفةٌ من صفاتها، وصفاتُ الخالق ليست مخلوقةً ولا هي من العالم الذي فيه الكلام. وإن أريدَ بالشُّعاع ما ينعكسُ على الأرض، فذلك لا بدَّ فيه من شيئين، وهما: الشَّمس التي تجري مجرى الأب الفاعل، والأرض التي تجري مجرى الأمِّ القابلة وهي الصَّاحبة للشمس.

(1)

تعليقًا (4/ 131). ووصله ابن جرير (24/ 351، 352) ، وآدم بن أبي إياس في التفسير المنسوب إلى مجاهد (726).

(2)

انظر: «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» (116).

(3)

انظر: «درء التعارض» (7/ 368 - 372).

ص: 189

وكذلك الصَّوتُ لا يتولَّد إلا عن جسمَين يقرعُ أحدُهما الآخر أو يُقْلَع عنه، فيتولَّد الصوتُ الموجودُ في أجسام العالم عن أصلَين يقرعُ أحدُهما الآخرَ أو يُقْلَع عنه

(1)

.

فمهما احتجُّوا به من القياس فالذي جاء الله به هو الحقُّ وأحسنُ تفسيرًا وأحسنُ بيانًا وإيضاحًا للحقِّ وكشفًا له.

وأيضًا، فجعلوها

(2)

علَّةً تامَّةً لما تحتَها

(3)

ومُحْدِثةً له

(4)

ومُوجِبة له، حتى يجعلونها مبادئنا ويجعلونها لنا كالآباء والأمهات، وربما جعلوا العقلَ هو الأب والنفسَ هي الأم، وربما قال بعضهم: الوالدان العقلُ والطبيعة، كما قال صاحب «الفصوص» في قول نوح {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [نوح: 28]: «أي: من كنتُ نتيجةً عنهما، وهما العقلُ والطبيعة»

(5)

.

وحتى يسمُّونها «الأربابَ والآلهة الصُّغرى»

(6)

، ويعبدونها، وهو كفرٌ مخالفٌ لما جاءت به الرُّسل.

(1)

انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (5/ 202 - 211).

(2)

أي العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة التي هي الملائكة بزعمهم. وفي الأصل: «فجعلها» ، والمثبت أولى.

(3)

الأصل: «يحبها» ، وستأتي على الصواب، وأصلحت في (ف).

(4)

الأصل: «وموكدة له» ، تحريف، لعل صوابه ما أثبت.

(5)

«فصوص الحكم» (74).

(6)

انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (2/ 66) ، و «بغية المرتاد» (241، 376) ، و «قصة الحضارة» (2/ 214، 6/ 321، 9/ 89)، وما سيأتي (ص: 296).

ص: 190

وبهذا

(1)

وصفَ بعضُ السَّلف الصَّابئةَ بأنهم يعبدون الملائكة

(2)

، وكذلك في الكتب المعرَّبة عن قدمائهم أنهم كانوا يسمُّونها «الآلهةَ والأربابَ الصُّغرى» ، كما كانوا يعبدون الكواكبَ أيضًا.

والقرآنُ ينفي أن تكونَ أربابًا، أو تكونَ آلهة، أو يكونَ لها غيرُ ما للرسول الذي لا يفعلُ إلا بعد أمر مُرسِله، ولا يشفعُ إلا بعد أن يؤذَن له في الشَّفاعة.

وقد ردَّ الله ذلك على من زعَمه من العرب والرُّوم وغيرهم من الأمم، فقال:{وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} الآية [آل عمران: 80]، وقال تعالى: {

بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26، 27]، وقال:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} إلى قوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 22، 23].

وقد تقدَّم بعض الأحاديث في صَعْق الملائكة إذا قضى الله بالأمر الكونيِّ أو بالوحي الدينيِّ

(3)

.

وقال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ} الآية [النجم: 26]، وقال

(1)

كذا في الأصل، ويجوز أن تكون: ولهذا.

(2)

انظر: تفسير ابن جرير (2/ 36) ، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 128، 4/ 1176).

(3)

لم يقع فيما سبق من الأصل الذي معنا شيءٌ من هذه الأحاديث، وأوردها المصنف في «الصفدية» (1/ 213، 2/ 289) ، و «الرد على المنطقيين» (532 - 534)، وبها فُسِّرَت آية سبأ: 23 فلذلك أشار إليها عقبها.

ص: 191

تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} الآية

(1)

[الأنبياء: 26]، وقال تعالى:{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} الآية [مريم: 64]، وقال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56، 57] الآية نزلت في الذين يَدْعُون الملائكةَ والنبيِّين

(2)

.

واستقصاءُ القول في ذلك ليس هذا موضعَه؛ فإن الله سبحانه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكَلِم، فالكَلِمُ التي في القرآن جامعةٌ محيطةٌ كلِّيَّةٌ عامَّةٌ لما كان متفرِّقًا منتشرًا في كلام غيره، ثم إنه يسمِّي كلَّ شيءٍ بما يدلُّ على صفته المناسبة للحكم المذكور المبيَّن وما يبيِّنُ وجهَ دلالته.

فإن تنزيهَه نفسَه عن الولد والولادة واتخاذ الولد أعمُّ وأقومُ مِن نفيه بلفظ «العلَّة» ؛ فإن العلَّة أصلُها هو التغيُّر، كالمرض الذي يُحِيلُ البدنَ عن صحَّته، والعليلُ ضدُّ الصَّحيح.

وقد قيل: إنه لا يقال: «معلول» إلا في الشُّرب، يقال: شَرِبَ الماءَ عَلًّا بعد نَهَل، وعَلَلْتَه: إذا سَقَيْتَه مرَّةً ثانية

(3)

.

(1)

كذا بالأصل، وقد ذُكِرت قبل قليل.

(2)

انظر: تفسير ابن جرير (14/ 626) ، و «فتح الباري» (8/ 397) ، و «الدر المنثور» (5/ 305).

(3)

انظر: «المحكم» (1/ 95)، و «الأفعال» لابن القطاع (2/ 383). وذكره جماعةٌ ممن صنَّف في لحن العامة. انظر:«درة الغواص» (588) ، و «تثقيف اللسان» (201) ، و «تقويم اللسان» (171) ، و «تصحيح التصحيف» (487). وقد وقع استعماله كذلك عند المحدثين متقدميهم ومتأخريهم، والأصوليين في باب القياس، وعند الزجاج في العروض. انظر:«فتح المغيث» للسخاوي (2/ 47).

ص: 192

وأما استعمالُ اسم «العلَّة» في الموجِب للشَّيء أو المقتضي له فهو من عُرْف أهل الكلام، وهي وإن كان بينها وبين العلَّة اللغويَّة مناسبةٌ من جهة التغيُّر فالمناسبةُ في لفظ «التولُّد» أظهر؛ ولهذا كان في الخطاب أشهَر، يقول الناس: هذا الأمرُ يتولَّدُ عنه كذا، وهذا يولِّدُ كذا، وقد تولَّدَ عن ذلك الأمر كَيت وكَيت، لكلِّ سببٍ اقتضى مسبَّبًا من الأقوال والأعمال، حتى أهلُ الطبائع

(1)

يقولون: «الأركان والمولِّدات» ، يريدون ما يتولَّدُ عن الأصول الأربعة: التراب والماء والهواء والنار= من معدنٍ ونباتٍ وحيوان.

فنفيُه سبحانه عن نفسه أن يَلِدَ شيئًا اقتضى ألا يتولَّد عنه شيء، ونفيُه أن يتَّخذ ولدًا يقتضي أنه لم يفعل ذلك بشيءٍ من خلقه على سبيل التكريم، وأن العباد لا يصلُح أن يتَّخذ شيئًا منهم بمنزلة الولد، وهذا يبطِلُ [دعوى] من يدَّعي مثلَ ذلك في المسيح وغيره، ومن يقول:{نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ} [المائدة: 18]، ومن يقول: الفلسفة هي التشبُّه بالإله

(2)

.

(1)

ويقال لهم: الطبائعية والطبائعيون، وهم طائفة من الفلاسفة تثبت في الأجسام قوة هي مبدأ الحركة، وتنكر المعاد، ومنهم من يجحد الصانع ولا يقر بوجود واجب غير العالم. انظر:«المنقذ من الضلال» للغزالي (76) ، و «أبكار الأفكار» للآمدي (2/ 261) ، و «الصفدية» (2/ 214) ، و «منهاج السُّنة» (3/ 286) ، و «درء التعارض» (5/ 168، 7/ 195) ، و «جامع المسائل» (3/ 223) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 41، 12/ 189).

(2)

على قدر الطاقة، كما تقول الفلاسفة. انظر:«رسالة في حدود الأشياء ورسومها» للكندي (122 - رسائله) ، و «رسائل إخوان الصفا» (1/ 342) ، و «تحقيق ما للهند من مقولة» للبيروني (22) ، و «المطالب العالية» للرازي (7/ 300، 363).

ص: 193

فإن الولد يكونُ مِن جنس والده، ويكونُ نظيرًا له وإن كان فرعًا له، ولهذا كان هؤلاء القائلون بهذه المعاني مِن أعظم الخلق قولًا بالتشبيه والتمثيل وجَعْل الأنداد له والعَدْل

(1)

والتَّسوية، ولهذا كانت الفلاسفةُ الذين يقولون بصدور العقول والنفوس عنه على وجه التولُّد والتعليل يجعلونها له أندادًا ويتخذونها آلهةً وأربابًا، بل قد لا يعبدون إلا إيَّاها ولا يَدْعُون سواها، ويجعلونها هي المبدعةَ لما سواها تحتها.

فالحمدُ لله {الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء: 111]، و {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 1، 2]

(2)

.

فإن هؤلاء جعلوا لله {شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 100]، و {الْجِنَّ} قد قيل: إنه يعمُّ الملائكة، كما قيل في قوله:{وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158]، وإن كان قد قيل في سبب ذلك زعمُ بعض مشركي العرب أن الله صاهَرَ إلى الجنِّ فوَلَدَت الملائكة

(3)

، فقد

(1)

أي يعدلون به غيرَه فيجعلونه عديلًا له، كما قال سبحانه:{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .

(2)

بعده فراغ في الأصل بمقدار ستة أسطر، وكتب الناسخ في الطرة:«قال في المسودة: يتلوه الوريقة. ولم نجدها» .

(3)

انظر: تفسير ابن جرير (19/ 645).

ص: 194

كانوا يعبدون الملائكة أيضًا، كما عبدتها الصَّابئةُ الفلاسفة، كما قال تعالى:{وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} الآية [الزخرف: 19].

وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 40، 41]، يعني: أن الملائكة لم تأمرهم بذلك، وإنما أمرتهم بذلك الجنُّ؛ ليكونوا عابدين للشَّياطين التي تتمثَّل لهم، كما يكونُ للأصنام شياطين، وكما تنزلُ الشَّياطينُ على بعض من يعبد الكواكبَ ويَرْصُدها، حتى تنزل عليه صورةٌ فتخاطبه، وهو شيطانٌ من الشَّياطين.

ولهذا قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} الآية [يس: 60]، وقال:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} الآية [الكهف: 50]، فهم وإن لم يقصدوا عبادةَ الشَّيطان وموالاته فهم في الحقيقة يعبدونه ويوالُونه.

فقد تبيَّن أن هؤلاء الفلاسفة الصَّابئة المبتدعة مؤمنون بقليلٍ مما جاءت به الرُّسل في أمر الملائكة في صِفَتهم وأقدارهم، وذلك أن هؤلاء القوم إنما سلكوا [سبيل]

(1)

الاستدلال بالحركات الفلكيَّة والقياس على نفوسهم، مع ما جحَدوه وجَهِلُوه من خلق الله وإبداعه.

وسببُ ذلك ما ذكره طائفةٌ ممَّن جمع أخبارَهم

(2)

أن أساطينَهم

(1)

من (ط) وليست في الأصل.

(2)

كصاعد وأبي الحسن العامري والشهرستاني. انظر: «طبقات الأمم» لصاعد (21) ، و «الملل والنحل» (2/ 122، 126، 132، 141) ، و «أخبار الحكماء» للقفطي (25) ، و «الجواب الصحيح» (6/ 497 - 499) ، و «درء التعارض» (7/ 80) ، و «النبوات» (198) ، و «الرد على المنطقيين» (337).

ص: 195

الأوائل، كفيثاغورس وسُقْراط وأفلاطُن، كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشَّام، ويتلقَّون عن لقمان الحكيم ومَن بعده من أصحاب داود وسليمان، وأن أرسطو لم يسافر إلى أرض الأنبياء، ولم يكن عنده من العلم بأثارة الأنبياء ما عند سَلَفه، وكان عنده قدرٌ يسيرٌ من الصَّابئيَّة الصَّحيحة، فابتدَع لهم هذه التعاليم القِيَاسيَّة، وصارت قانونًا مشى عليه أتباعُه، واتَّفق أنه قد يتكلَّم في طبائع الأجسام أو في صورة المنطق أحيانًا بكلامٍ صحيح، وأما الأوَّلون فلم يوجد لهم مذهبٌ تامٌّ مبتدَع

(1)

.

[فهو]

(2)

بمنزلة مبتدعة المتكلِّمين في المسلمين، مثل أبي الهُذَيل، وهشام بن الحكم

(3)

، ونحوهما ممَّن وضع مذهبًا في أبواب أصول الدين فاتَّبعه على ذلك طائفة؛ إذ كان أئمَّةُ المسلمين مثل مالكٍ وحمَّاد بن زيد والثَّوري ونحوهم إنما تكلَّموا بما جاءت به الرسالة، وفيه الهدى والشِّفاء، فمن لم يكن له علمٌ بطريق المسلمين يَعْتَاضُ بما عند هؤلاء، وهذا سببُ

(1)

انظر: «الرد على الشاذلي» (136) ، و «درء التعارض» (9/ 124) ، و «جامع المسائل» (5/ 286) ، و «مجموع الفتاوى» (17/ 351) ، و «إغاثة اللهفان» (1019 - 1021، 1028 - 1031).

(2)

أي أرسطو، وزدت ما بين المعكوفين ليفهَم السياق.

(3)

أبو الهذيل العلَّاف من أئمة المعتزلة، وهشام بن الحكم مجسِّمٌ من كبار الرافضة، ولكلٍّ منهما شيعةٌ وأتباع. انظر:«لسان الميزان» (7/ 561، 8/ 334).

ص: 196

ظهور البدع في كلِّ أمة، وهو خفاءُ سنن المرسَلين فيهم، وبذلك يقعُ الهلاك.

ولهذا كانوا يقولون: «الاعتصامُ بالسُّنة نجاة» ، وقالوا:«السُّنة مثلُ سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها هلك»

(1)

، وهذا حقٌّ؛ فإن سفينةَ نوحٍ إنما رَكِبَها من صدَّق المرسَلين واتَّبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذَّب المرسلين، واتِّباعُ السُّنة هو اتباعُ الرسالة التي جاءت من عند الله، فتابِعُها بمنزلة مَن رَكِبَ مع نوحٍ السفينةَ باطنًا وظاهرًا، والمتخلِّفُ عن اتباع الرسالة بمنزلة المتخلِّف عن اتباع نوحٍ عليه السلام وركوب السَّفينة معه.

وهكذا إذا تدبَّر المؤمنُ العليمُ سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم التي فيها ضلالٌ وكُفر، وجدَ القرآن والسُّنة كاشفًا

(2)

لأحوالهم، مبيِّنًا لحقِّهم، مميِّزًا بين حقِّ ذلك وباطله.

والصحابةُ كانوا أعلمَ الخلق بذلك، كما كانوا أقومَ الخلق بجهاد الكفَّار والمنافقين، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود:«من كان منكم مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمَّدٍ كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصُحبة نبيِّه وإقامة دينه، فاعْرِفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهَدْيهم، فإنهم كانوا على الهَدْي المستقيم»

(3)

.

(1)

تقدم تخريج القولين (ص: 82). وفي طرَّة الأصل عند الأول: «نقله الزهري عن العلماء» ، وعند الثاني:«قاله مالك رحمه الله» .

(2)

كذا في الأصل بالإفراد، وهو سائغٌ في العربية من باب الحمل على المعنى.

(3)

أخرجه الخطيب في «تلخيص المتشابه» (1/ 460) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1810) ، وأبو إسماعيل الأنصاري في «ذم الكلام» (758) ، وفي إسناده انقطاع ، قتادة لم يسمع من ابن مسعود.

وروي عن الحسن البصري، أخرجه الآجري في «الشريعة» (1161، 1984) ، وابن عبد البر (1807). وعن الحسن عن ابن عمر، أخرجه أبو نعيم (1/ 305). والأول أشبه.

ص: 197

فأخبَر عنهم بكمال برِّ القلوب، مع كمال عُمْق العلم، وهذا قليلٌ في المتأخرين، كما يقال: مِن العجائب فقيهٌ صُوفيٌّ وعالمٌ زاهدٌ ونحو ذلك؛ فإن أهلَ برِّ القلوب وحُسْن الإرادة وصلاح المقاصد يُحْمَدُون على سلامة قلوبهم من الإرادات المذمومة، ويقترنُ

(1)

بهم كثيرًا عدمُ المعرفةِ وإدراكِ حقائق أحوال الخلق التي توجبُ الذمَّ للشرِّ والنهيَ عنه والجهادَ في سبيل الله= وأهلَ التعمُّق في العلوم قد يدركون من معرفة الشُّرور والشُّبهات ما يُوقِعُهم في أنواع الغيِّ والضلالات= وأصحابُ محمَّدٍ كانوا أبرَّ الخلق قلوبًا وأعمقَهم علمًا.

ثم إن أكثر المتعمِّقين في العلم من المتأخرين يقترنُ بتعمُّقهم التكلُّف المذمومُ من المتكلِّمين والمتعبِّدين، وهو القولُ والعملُ بلا علم، وطلبُ ما لا يُدْرَك.

وأصحابُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كانوا ــ مع أنهم أكملُ الناس علمًا نافعًا وعملًا صالحًا ــ أقلَّ الناس تكلُّفًا، تَصْدُر عن أحدهم الكلمةُ والكلمتان من الحكمة أو من المعارف ما يهدي الله بها أمَّة، وهذا مِن منن الله على هذه الأمَّة. وتجدُ غيرَهم يَحْشُون الأوراقَ من التكلُّفات والشَّطَحات ما هو من أعظم الفُضول

(1)

الأصل: «ويقرن» . وسيأتي نظيرها على الصواب.

ص: 198

المبتدَعة والآراء المختَرعة، لم يكن لهم في ذلك سلفٌ إلا رعوناتُ النفوس المتلقَّاة ممَّن ساء قصدُه في الدين.

ويروى أن الله سبحانه قال للمسيح: إني سأخلقُ أمَّةً أفضِّلُها على كلِّ أمَّةٍ وليس لها علمٌ ولا حِلم، فقال المسيح: أيْ ربِّ، كيف تفضِّلُهم على جميع الأمم وليس لهم علمٌ ولا حِلم؟ قال: أهبُهم من علمي وحِلمي

(1)

.

(1)

أخرجه أحمد (27545) ، والبخاري في «التاريخ الكبير» (8/ 355) ، والخرائطي في «فضيلة الشكر» (19)، والطبراني في «الأوسط» (3252) وغيرهم من حديث يزيد بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعًا:«إن الله عز وجل يقول: يا عيسى إني باعثٌ من بعدك أمةً إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلمَ ولا علم، قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلمَ ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» .

ولا بأس بإسناده، وصححه الحاكم (1/ 348) ولم يتعقبه الذهبي، وحسنه البزار (4088) ، وابن حجر في «الأمالي المطلقة» (49) ، إلا أن البزار وهم في اسم راويه يزيد فجعله أخاه يونس.

وأعله الألباني في «الضعيفة» (4038، 4991) ومحققو «المسند» بأن يزيد بن ميسرة مجهول الحال لم تثبت عدالته ولم يرو عنه إلا اثنان. وليس كذلك، بل هو زاهدٌ واعظٌ معروفٌ من أتباع التابعين بالشام، له أخبارٌ كثيرة وأقوالٌ مأثورة في «الزهد» لأبي داود (393 - 396) ، و «الحلية» (5/ 234 - 243) ، و «تاريخ الإسلام» (3/ 340) وغيرها، وروى عنه جماعةٌ فوق العشرة، وأورده ابن حبان في «الثقات» (7/ 627) ، ولم يَرو ما يُنْكَر، فمثله مع تصحيح الحاكم له يحسَّن حديثه ما لم ينفرد بما لا يحتمل، كما قال الذهبي في «الموقظة» (78):«وإن صحَّح له كالدارقطني والحاكم فأقلُّ أحواله حُسْنُ حديثه» . لكن قد ذُكِر أنه قرأ الكتب (يعني كتب أهل الكتاب) كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (35431) ، وروى عنها كثيرًا، فيُتأنى في مروياته المرفوعة التي من هذا اللون خاصَّة، فإنها مظنَّة الوهم، لاحتمال أن تكون مما قرأه من تلك الكتب ورفعَها خطأً على سبيل التوهُّم، كما يقعُ لغيره ممن ليس الحديثُ من صناعته، إلا أن في حديثه هذا قرينة تدفعُ عنه الوهمَ وتدلُّ على ضبطه له، وهي أنه قال في روايته: «سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ــ ما سمعتُه يكنِّيه قبلها ولا بعدها ــ يقول

» ثم ذكره، وقد قال الإمام أحمد:«إذا كان في الحديث قصة دلَّ على أن راويه حفظه» ، انظر:«هُدى الساري» (363).

ص: 199

وهذا من خواصِّ متابعة الرسول، فأيُّهم كان له أتبعَ كان في ذلك أكمَل، كما قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 28، 29].

وكذلك في «الصَّحيحين»

(1)

من حديث أبي موسى وعبد الله بن عمر: «مَثَلُنا ومَثَلُ الأمم قبلنا كالذي استأجَر أُجَراء، فقال: من يعملُ لي إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراط؟ فعَمِلَت اليهود. ثم قال: من يعملُ لي إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراط؟ فعَمِلَت النصارى. ثم قال: من يعملُ لي إلى غروب الشَّمس على قيراطين قيراطين؟ فعَمِلَت المسلمون. فغضبت اليهودُ والنصارى وقالوا: نحن أكثرُ عملًا وأقلُّ أجرًا. قال: فهل ظلمتُكم من حقِّكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء» .

(1)

البخاري (557، 558، 2268، 2269، 2271، 3459، 5021) ، وهو من أفراده كما في «الجمع بين الصحيحين» (1/ 315، 2/ 269).

ص: 200

فدلَّ الكتابُ والسُّنة على أن الله يؤتي أتباعَ هذا الرَّسول مِن فضله ما لم يؤتِه لأهل الكتابَيْن قبلهم، فكيف بمن هو دونهم من الصابئة؟ دَع مبتدعةَ الصَّابئة من المتفلسفة ونحوهم.

ومن المعلوم أن أهل الحديث والسُّنة أخصُّ بالرَّسول وأتباعه

(1)

، فلهم مِن فضل الله وتخصيصه إيَّاهم بالعلم والحِلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم

(2)

، كما قال بعضُ السَّلف:«أهل السُّنة في الإسلام كأهل الإسلام في المِلَل»

(3)

.

فهذا الكلام تنبيهٌ على ما يظنُّه أهل الجهالة والضَّلالة مِن نقص الصَّحابة في العلم والبيان، أو اليد والسِّنَان، وبسطُ هذا لا يحتملُه هذا المقام.

والمقصود التنبيهُ على أن كلَّ من زعَم بلسان حاله أو مقاله أن طائفةً غيرَ أهل الحديث أدركوا مِن حقائق الأمور الباطنة الغيبيَّة في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد، وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر، وتعرُّف واجب الوجود، والنفس الناطقة

(4)

، والعلوم والأخلاق التي تزكو بها النفوسُ وتَصْلُح

(1)

يعني أصحابه، كما تقدم (ص: 134).

(2)

الأصل: «لهم» . وأصلحت في (ط).

(3)

أخرجه ابن عدي في «الكامل» (5/ 45) ، واللالكائي في «أصول اعتقاد أهل السُّنة» (54) ، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (1518، 1519)، وغيرهم عن أبي بكر بن عياش قال:«السُّنة في الإسلام أعزُّ من الإسلام في سائر الأديان» ، وفي رواية:«السُّنة في الإسلام كالإسلام في الشرك» .

(4)

وهي الروح، كما تسميها الفلاسفة. انظر:«التدمرية» (52) ، و «الصفدية» (2/ 267) ، و «منهاج السُّنة» (2/ 579) ، و «الجواب الصحيح» (3/ 486).

ص: 201

وتَكْمُل= فوق

(1)

أهل الحديث، فهو إن كان من المؤمنين بالرُّسل فهو جاهلٌ فيه شعبةٌ قويةٌ من شعب النفاق، وإلا فهو منافقٌ خالصٌ من الذين إذا {قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] ، وقد يكون من الذين {يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} [غافر: 35]، ومن الذين {يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} الآية [الشورى: 16].

وقد تبيَّن ذلك بالقياس العقليِّ الصحيح الذي لا ريب فيه، وإن كان ذلك ظاهرًا بالفطرة لكلِّ سليم الفطرة، فإنه متى كان الرَّسولُ أكملَ الخلق وأعلمَهم بالحقائق وأقومَهم قولًا وحالًا، لَزِمَ أن يكون أعلمُ الناس به أعلمَ

(2)

الخلق بذلك، وأن يكون أعظمُهم موافقةً له واقتداءً به أفضلَ الخلق.

ولا يقال: هذه الفطرة يغيِّرها ما يوجدُ في المنتسبين إلى السُّنة والحديث من تفريطٍ وعُدوان، فيقال: إن ذلك في غيرهم أكثَر، والواجبُ مقابلةُ الجملة بالجملة في المحمود والمذموم، هذه هي المقابلة العادلة.

وإنما غيَّر الفطرةَ قلةُ المعرفةِ بالحديث والسُّنة واتِّباعِ ذلك

(3)

، مع ما يوجدُ في المخالفين لها

(4)

من نوع تحقيقٍ لبعض العلم وإحسانٍ لبعض

(1)

الأصل: «دون» ، وهو تحريفٌ محيل للمعنى.

(2)

الأصل: «وأعلم» ، والمثبت من (ط) أشبه بالصواب.

(3)

أي وقلة اتباع الحديث والسُّنة.

(4)

أي السُّنة. ولعلها: «لهما» ، أي الحديث والسُّنة.

ص: 202

العمل، فيكونُ ذلك شبهةً في قبول غيره

(1)

وترجيح صاحبه.

ولا غرض لنا في ذِكر الأشخاص، وقد ذكر أبو محمد ابن قتيبة في أول كتاب «مختلف الحديث»

(2)

وغيره من العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من الأمور المبيِّنة لما ذكرناه

(3)

.

وإنما المقصود ذِكْر نفس الطريقة العِلْمية والعملية التي تُعَرِّفُ بحقائق الأمور الخبرية النظرية، وتُوصِلُ إلى حقائق الأمور الإرادية العملية، فمتى كان غيرُ الرسول قادرًا على عِلمٍ بذلك أو بيانٍ له أو محبةٍ لإفادة ذلك فالرسولُ أعلمُ بذلك وأحرصُ على الهدى وأقدرُ على بيانه منه، وكذلك أصحابُه من بعده وأتباعُهم.

وهذه صفاتُ الكمال: العلم

(4)

، وإرادة الإحسان

(5)

، والقدرة عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة:«اللهمَّ إني أستخيرُك بعلمك، وأستَقْدِرُك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تَقْدِرُ ولا أَقْدِر، وتَعْلَمُ ولا أَعْلَم، وأنت عَلَّامُ الغيوب»

(6)

.

(1)

أي الحديث. وهذه المغايرة في الضمائر من باب الحمل على المعنى، إن سلم النص من التحريف.

(2)

(53 - 59).

(3)

ستأتي الإشارة إلى بعضها (ص: 207، 208).

(4)

الأصل: «والعلم» ، وهو خطأ. وانظر:«مجموع الفتاوى» (6/ 267، 15/ 392) ، و «جامع الرسائل» (2/ 69) ، و «جامع المسائل» (7/ 185).

(5)

الأصل: «والإرادة والإحسان» . والمثبت أشبه بالصواب.

(6)

أخرجه البخاري (6382).

ص: 203

فعلَّمنا صلى الله عليه وسلم أن نستخيرَ الله بعلمه، فيعلِّمنا مِن علمه ما نَعْلَمُ به الخير، ونستَقْدِرَه بقدرته، فيجعلَنا قادرين؛ إذ الاستفعالُ طلبُ الفعل، كما قال في الحديث الصَّحيح:«يقولُ الله تعالى: يا عبادي، كلُّكم جائعٌ إلا من أطعمتُه، فاستطعِمُوني أُطْعِمْكم، يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا من هديتُه، فاستَهْدُوني أَهْدِكم»

(1)

، فاستِهداءُ الله طلبُ أن يهديَنا، واستِطعامُه طلبُ أن يُطْعِمَنا، هذا قوتُ القلوب، وهذا قوتُ الأجسام، وكذلك استخارتُه بعلمه واستقدارُه بقدرته.

ثم قال: «وأسألُك من فضلك العظيم» ، فهذا السُّؤال مِن جُودِه ومَنِّه وعطائه وإحسانه الذي يكونُ بمشيئته ورحمته وحَنَانِه؛ ولهذا قال:«فإنك تَقْدِرُ ولا أَقْدِر، وتَعْلَمُ ولا أَعْلَم» ولم يقل: إني لا أَرْحَمُ نفسي؛ لأنه في مقام الاستخارة يريدُ الخيرَ لنفسه ويطلبُ ذلك لكنَّه لا يعلمُه ولا يقدرُ عليه إن لم يعلِّمه الله إياه ويُقْدِره عليه.

فإذا كان الرسولُ أعلمَ الخلق بالحقائق الخبرية والطَّلبية، وأحبَّ الخلق للتعليم والهداية والإفادة، وأقدرَ الخلق على البيان والعبارة= امتنَع أن يكونَ من هو دونه أفاد خواصَّه معرفةَ الحقائق أعظمَ مما أفادها الرسولُ لخواصِّه، فامتنعَ أن يكونَ عند أحدٍ من الطَّوائف مِن معرفة الحقائق ما ليس عند علماء الحديث.

(1)

أخرجه مسلم (2577) من حديث أبي ذر، وللمصنف فصلٌ مفردٌ في شرحه ضمن «مجموع الفتاوى» (18/ 136 - 209) وغيره.

ص: 204

وإذا لم يكن في الطَّوائف من هو أعلمُ بالحقائق وأبينُ لها منهم

(1)

وجبَ أن يكون كلُّ ما يُذَمُّون به مِن جَهْلِ بعضهم هو في طائفة المخالف لهم الذامِّ أكثر، فيكون الذامُّ لهم جاهلًا ظالمًا فيه شعبةُ نفاقٍ إذا كان مؤمنًا. وهذا هو المقصود.

ثم إن هذا الذي بيَّنَّاه مشهودٌ بالقلب

(2)

، أعلمُ ذلك في كلِّ أحدٍ ممَّن أعرفُ مفصَّلًا

(3)

. وهذه جملةٌ يمكنُ تفصيلُها من وجوهٍ كثيرة، لكن ليس هذا موضعه.

(1)

الأصل: «منه» . والصواب ما أثبت.

(2)

تقدم بيان المراد بالشهود والمشاهدة (ص: 14).

(3)

أي يعلم شعبة النفاق في من يعرفه ممن يذمُّ أهل السُّنة والحديث، كأن يقول أحدهم بلسانه ما ليس في قلبه. وذلك على جهة الفراسة والمكاشفة، وقد حكى عنه ابن القيم منهما طرفًا في «مدارج السالكين» (2/ 511).

ومن هذا قوله في «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/ 90): «والمجادلة المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال، وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمَد في القول والعمل فنوعٌ من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل» .

ص: 205

فصل

وأما قولُ من قال

(1)

: «إن الحَشْوِيَّة على ضربين:

أحدهما: لا يتحاشى من الحَشْو

(2)

والتشبيه والتجسيم.

والآخر: يتستَّر

(3)

بمذهب السَّلف.

ومذهبُ السَّلف إنما هو التوحيدُ والتنزيه، دون التشبيه والتجسيم

(4)

.

وكذا جميعُ المبتدعة يزعمون [أنهم على مذهب السَّلف]

(5)

، فهم

(6)

كما قال القائل:

وكلٌّ يدَّعون وِصَالَ ليلى

وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا»

فهذا الكلام فيه حقٌّ وباطل.

* فمن الحقِّ الذي فيه: ذمُّ من يمثِّلُ اللهَ بمخلوقاته ويجعلُ صفاته من جنس صفاتهم، وقد قال الله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقال تعالى:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4]، وقال: {هَلْ

(1)

هو أبو محمد العز بن عبد السلام في رسالته «الملحة في اعتقاد أهل الحق» (16) ، وساقها السبكي بتمامها في «طبقات الشافعية» (8/ 219 - 229، 239). وضمَّن ابنُ جَهْبَل (ت: 733) هذا النصَّ في رده واعتراضه على «الفتوى الحموية» دون تصريح بنسبته للعز، وساق السبكي تصنيفه هذا بتمامه في «طبقات الشافعية» (9/ 35 - 91).

(2)

«الملحة» : «إظهار الحشو» .

(3)

الأصل: «تستر» ، والمثبت من «الملحة» وما سيأتي (ص: 212).

(4)

«الملحة» وما سيأتي (ص: 213): «دون التجسيم والتشبيه» . وهو الأوفق للسجع.

(5)

مستدرك من «الملحة» وما سيأتي (ص: 217).

(6)

الأصل: «فيهم» ، تحريف.

ص: 206