المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر بناية البيت العتيق - البداية والنهاية - ط السعادة - جـ ١

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الأول]

- ‌كلمة الناشر

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌سبب تأليف الكتاب والطريقة التي اتبعها المؤلف فيه

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ فِيمَا وَرَدَ فِي صِفَةِ خَلْقِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ

- ‌وَأَمَّا الْكُرْسِيُّ

- ‌ذِكْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ

- ‌باب ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما

- ‌بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ

- ‌فَصْلٌ فِي الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات وما فيهن مِنَ الْآيَاتِ

- ‌الْكَلَامِ عَلَى الْمَجَرَّةِ وَقَوْسِ قُزَحٍ

- ‌بَابُ ذِكْرِ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَصِفَاتِهِمْ عليهم السلام

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌بَابُ ذِكْرِ خَلْقِ الْجَانِّ وَقِصَّةِ الشَّيْطَانِ

- ‌ذكر آدم عليه السلام

- ‌بَابُ مَا وَرَدَ فِي خَلْقِ آدَمَ عليه السلام

- ‌ذكر احتجاج آدم وموسى عليهما السلام

- ‌ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي خَلْقِ آدَمَ عليه السلام

- ‌ذِكْرُ قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ قَابِيلَ وَهَابِيلَ

- ‌ذِكْرُ وَفَاةِ آدَمَ وَوَصِيَّتِهِ إِلَى ابنه شيث عليه السلام

- ‌ذِكْرُ إِدْرِيسَ عليه السلام

- ‌قصة نوح عليه السلام

- ‌ذِكْرُ شيء من أخبار نوح نفسه عليه السلام

- ‌ذِكْرُ صَوْمِهِ عليه السلام

- ‌ذكر حجه عليه السلام

- ‌ذكر وصيته لولده عليه السلام

- ‌قِصَّةُ هُودٍ عليه السلام

- ‌قِصَّةُ صالح عليه السلام نبي ثمود

- ‌ذِكْرُ مُرُورِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِوَادِي الْحِجْرِ مِنْ أَرْضِ ثَمُودَ عَامَ تَبُوكَ

- ‌قصة إبراهيم الخليل عليه السلام

- ‌ذِكْرُ مُنَاظَرَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مَعَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَازِعَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ في الْعَظَمَةِ وَرِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ فَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَهُوَ أَحَدُ الْعَبِيدِ الضُّعَفَاءِ

- ‌ذكر هجرة الخليل عليه السلام الى بلاد الشام ودخوله الديار المصرية واستقراره في الأرض المقدسة

- ‌ذِكْرُ مَوْلِدِ إسماعيل عليه السلام مِنْ هَاجَرَ

- ‌ذِكْرُ مُهَاجَرَةِ إبراهيم بِابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ إِلَى جِبَالِ فَارَانَ وَهِيَ أَرْضُ مَكَّةَ وَبِنَائِهِ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ

- ‌ قِصَّةِ الذَّبِيحِ

- ‌ذِكْرُ مولد إسحاق عليه السلام

- ‌ذكر بناية الْبَيْتِ الْعَتِيقِ

- ‌ذِكْرُ ثَنَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الكريم على عبده وخليله إبراهيم

- ‌ذِكْرُ قَصْرِهِ فِي الْجَنَّةِ

- ‌ذِكْرُ صِفَةِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام

- ‌ذِكْرُ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ الخليل وَمَا قِيلَ فِي عُمُرِهِ

- ‌ذِكْرُ أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ الخليل

- ‌قصة قوم لوط

- ‌قصة مدين قوم شعيب عليه السلام

- ‌بَابُ ذِكْرِ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والتسليم

- ‌ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ عليه السلام

- ‌ذِكْرُ إِسْحَاقَ بن إبراهيم الكريم بن الكريم عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ

- ‌ذِكْرُ مَا وَقَعَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ فِي حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن رَاحِيلَ

- ‌قصة أَيُّوبَ عليه السلام

- ‌ قِصَّةَ ذِي الْكِفْلِ

- ‌باب ذكر أمم اهلكوا بعامة

- ‌قِصَّةُ قَوْمِ يس وَهُمْ [1] أَصْحَابُ الْقَرْيَةِ أصحاب ياسين

- ‌قصة يونس عليه السلام

- ‌ذِكْرُ فَضْلِ يُونُسَ عليه السلام

- ‌ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم

- ‌فَصْلٌ

- ‌ذِكْرُ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ

- ‌فَصْلٌ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ

- ‌فَصْلٌ فِي دُخُولِ بَنِي إِسْرَائِيلَ التِّيهَ وَمَا جَرَى لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ

- ‌سؤال الرؤية

- ‌قِصَّةُ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ فِي غَيْبَةِ كَلِيمِ اللَّهِ عنهم

- ‌ذِكْرُ حَدِيثٍ آخَرَ بِمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ

- ‌قِصَّةُ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ

- ‌قصة موسى والخضر عليهما السلام

- ‌ذِكْرُ الْحَدِيثِ الْمُلَقَّبِ بِحَدِيثِ الْفُتُونِ الْمُتَضَمِّنِ قِصَّةَ مُوسَى مَبْسُوطَةً مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا

- ‌ذِكْرُ بِنَاءِ قُبَّةِ الزَّمَانِ

- ‌قِصَّةُ قَارُونَ مَعَ مُوسَى عليه السلام

- ‌باب ذِكْرُ فَضَائِلِ مُوسَى عليه السلام وَشَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ ووفائه

- ‌ذكر حجته عليه السلام الى البيت العتيق

- ‌ذِكْرُ وَفَاتِهِ عليه السلام

- ‌ذِكْرُ نُبُوَّةِ يُوشَعَ وَقِيَامِهِ بِأَعْبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بعد موسى وهارون عليهما السلام

- ‌ذكر قصتي الخضر والياس عليهما السلام

- ‌أَمَّا الْخَضِرُ

- ‌واما إِلْيَاسُ عليه السلام

الفصل: ‌ذكر بناية البيت العتيق

‌ذكر بناية الْبَيْتِ الْعَتِيقِ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ 22: 26- 27 وَقَالَ تَعَالَى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمن دَخَلَهُ كانَ آمِناً. وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. وَمن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ 3: 96- 97 وقال تَعَالَى وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. قَالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً. قَالَ وَمن ذُرِّيَّتِي قال لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا من مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإِذْ قال إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ من الثَّمَراتِ من آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قال وَمن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 2: 124- 129 يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَصَفِيِّهِ وَخَلِيلِهِ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ وَوَالِدِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ صَلَاةٍ وَتَسْلِيمٍ أَنَّهُ بَنَى الْبَيْتَ الْعَتِيقَ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ لِعُمُومِ النَّاسِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِيهِ وَبَوَّأَهُ اللَّهُ مَكَانَهُ أَيْ أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ وَدَلَّهُ عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ أُرْشِدَ إِلَيْهِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ عز وجل. وَقَدْ قدمنا في صفة خلق السموات أَنَّ الْكَعْبَةَ بِحِيَالِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ بِحَيْثُ أَنَّهُ لو سقط لسقط عليها وكذلك معابد السموات السَّبْعِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ إِنَّ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ وَهُوَ فِيهَا كَالْكَعْبَةِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ عليه السلام أَنْ يَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا يَكُونُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَتِلْكَ المعابد لملائكة السموات وَأَرْشَدَهُ اللَّهُ إِلَى مَكَانِ الْبَيْتِ الْمُهَيَّأِ لَهُ المعين لذلك منذ خلق السموات وَالْأَرْضَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خلق السموات وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَجِئْ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومٍ أَنَّ الْبَيْتَ كَانَ مَبْنِيًّا قَبْلَ الْخَلِيلِ عليه السلام وَمَنْ تَمَسَّكَ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ مكان البيت فَلَيْسَ بِنَاهِضٍ وَلَا ظَاهِرٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَكَانُهُ المقدر في علم الله المقرر في قدرته الْمُعَظَّمُ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ مَوْضِعُهُ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى زَمَانِ إِبْرَاهِيمَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ آدَمَ نَصَبَ عَلَيْهِ قُبَّةً وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا لَهُ قَدْ طُفْنَا قَبْلَكَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَأَنَّ السَّفِينَةَ طَافَتْ بِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَلَكِنْ كُلُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ وَلَا تُكَذَّبُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا فَأَمَّا إِنْ رَدَّهَا الْحَقُّ فهي مردودة. وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ

ص: 163

لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ 3: 96 أَيْ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِعُمُومِ النَّاسِ لِلْبَرَكَةِ وَالْهُدَى الْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ قِيلَ مَكَّةُ وَقِيلَ محل الكعبة (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ) 3: 97 أَيْ عَلَى أَنَّهُ بِنَاءُ الْخَلِيلِ وَالِدِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَإِمَامِ الْحُنَفَاءِ مِنْ وَلَدِهِ الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِ وَيَتَمَسَّكُونَ بِسُنَّتِهِ وَلِهَذَا قَالَ (مَقامِ إِبْراهِيمَ) 2: 125 أَيِ الْحَجَرُ الَّذِي كَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ قَائِمًا لَمَّا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ عَنْ قَامَتِهِ فَوَضَعَ لَهُ وَلَدُهُ هَذَا الْحَجَرَ الْمَشْهُورَ لِيَرْتَفِعَ عَلَيْهِ لَمَّا تَعَالَى الْبِنَاءُ وَعَظُمَ الْفِنَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ. وَقَدْ كَانَ هَذَا الْحَجَرُ مُلْصَقًا بِحَائِطِ الْكَعْبَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ إِلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَأَخَّرَهُ عَنِ البيت قليلا لئلا يشغل المصلين عِنْدَهُ الطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ وَاتَّبَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي هَذَا فَإِنَّهُ قَدْ وَافَقَهُ رَبُّهُ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَاتَّخِذُوا من مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى 2: 125 وَقَدْ كَانَتْ آثَارُ قَدَمَيِ الْخَلِيلِ بَاقِيَةً فِي الصَّخْرَةِ إِلَى أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ.

وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ

وَرَاقٍ لِبِرٍّ فِي حِرَاءَ وَنَازِلِ [1]

وَبِالْبَيْتِ حَقِّ الْبَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ

وباللَّه إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ

وبالحجر المسود إذ يمسحونه

إذ اكْتَنَفُوهُ بِالضُّحَى وَالْأَصَائِلِ

وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ

عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ

يَعْنِي أَنَّ رِجْلَهُ الْكَرِيمَةَ غَاصَتْ فِي الصَّخْرَةِ فَصَارَتْ عَلَى قَدْرِ قَدَمِهِ حَافِيَةً لَا مُنْتَعِلَةً وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ 2: 127 أَيْ فِي حَالِ قَوْلِهِمَا رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 2: 127 فَهُمَا فِي غَايَةِ الْإِخْلَاصِ وَالطَّاعَةِ للَّه عز وجل وَهُمَا يَسْأَلَانِ مِنَ اللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا مَا هُمَا فِيهِ مِنَ الطَّاعَةِ الْعَظِيمَةِ وَالسَّعْيِ الْمَشْكُورِ (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) 2: 128

[1] قال في المعجم بعد بيان معنى ثور أنه الجبل الّذي فيه الغار. وقال أبو طالب عم النبي عليه السلام.

أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ عَلَيْنَا بشرّ أَوْ مُلِحٍّ بِبَاطِلِ وَمِنْ كَاشِحٍ يَسْعَى لَنَا بمعيبة ومن مفتر في الدين ما لم يحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه وعير وراق (1) في حراء ونازل. وقال الجوهري ثور جبل بمكة وفيه الغار المذكور في القرآن الى أن قال صاحب المعجم أيضا وقد قيل إن بمكة أيضا جبل اسمه عير ويشهد بذلك بيت أبى طالب المذكور فإنه ذكر جبال مكة وذكر فيها عيرا فيكون المعنى أن حرم المدينة مقدار ما بين عير الى ثور اللذين بمكة أو حرم المدينة تحريما مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة بحذف المضاف وإقامة المضاف اليه مقامه ووصف المصدر المحذوف إلخ (1) قوله وعير وراق هكذا في المعجم. وما في القصيدة المطبوعة بالاستانة والأصول التي بأيدينا وراق لبر. والبر العبادة

ص: 164

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْخَلِيلَ بَنَى أَشْرَفَ الْمَسَاجِدِ فِي أَشْرَفِ الْبِقَاعِ فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وَدَعَا لِأَهْلِهَا بِالْبَرَكَةِ وَأَنْ يُرْزَقُوا مِنَ الثَّمَرَاتِ مَعَ قِلَّةِ الْمِيَاهِ وَعَدَمِ الْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ حَرَمًا مُحَرَّمًا وَأَمْنًا مُحَتَّمًا فَاسْتَجَابَ اللَّهُ وَلَهُ الْحَمْدُ لَهُ مَسْأَلَتَهُ وَلَبَّى دَعْوَتَهُ وَأَتَاهُ طِلْبَتَهُ فَقَالَ تَعَالَى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ 29: 67 وَقَالَ تَعَالَى أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا 28: 57 وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ وَعَلَى لُغَتِهِمُ الْفَصِيحَةِ الْبَلِيغَةِ النصيحة لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة الأولى والأخرى. وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فَبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا وَأَيَّ رَسُولٍ خَتَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَأَكْمَلَ لَهُ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ وَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ أَهْلَ الْأَرْضِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ والأعصار الى يوم القيامة وكان هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ لِشَرَفِهِ فِي نَفْسِهِ وَكَمَالِ مَا أُرْسِلَ بِهِ وَشَرَفِ بُقْعَتِهِ وَفَصَاحَةِ لُغَتِهِ وَكَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَكِرِيمِ مَحْتِدِهِ وَعَظِيمِ مَوْلِدِهِ وَطِيبِ مَصْدَرِهِ وَمَوْرِدِهِ وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عليه السلام إذ كان باني الكعبة لأهل الْأَرْضِ أَنْ يَكُونُ مَنْصِبُهُ وَمَحَلُّهُ وَمَوْضِعُهُ فِي منازل السموات وَرَفِيعِ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي هُوَ كَعْبَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْمُبَارَكِ الْمَبْرُورِ الَّذِي يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ. ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ صِفَةَ بِنَايَةِ الْبَيْتِ وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيُرَاجِعْهُ ثَمَّ وللَّه الْحَمْدُ فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ السُّدِّيُّ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ يَبْنِيَا الْبَيْتَ ثُمَّ لَمْ يَدْرِيَا أَيْنَ مَكَانُهُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا يُقَالُ لَهُ الْخَجُوجُ لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْسٌ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ فَكَنَسَتْ لَهُمَا مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَنْ أَسَاسِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَأَتْبَعَاهَا بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس وذلك حين يَقُولُ تَعَالَى وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ 22: 26 فَلَمَّا بَلَغَا الْقَوَاعِدَ بَنَيَا الرُّكْنَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لإسماعيل يا بنى اطلب لي الحجر الأسود من الهند وكان ابيض ياقوتة بيضاء مثل النعامة وَكَانَ آدَمُ هَبَطَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ فَاسْوَدَّ مِنْ خَطَايَا النَّاسِ فَجَاءَهُ إِسْمَاعِيلُ بِحَجَرٍ فَوَجَدَهُ عند الركن. فقال يا أبتي مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا قَالَ جَاءَ بِهِ مَنْ هُوَ أَنْشَطُ مِنْكَ فَبَنَيَا وَهُمَا يَدْعُوَانِ اللَّهَ (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) 2: 127 وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ وَأَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَكَانَ مَلِكَ الْأَرْضِ إِذْ ذَاكَ مَرَّ بِهِمَا وَهُمَا يَبْنِيَانِهِ فَقَالَ مَنْ أَمَرَكُمَا بِهَذَا فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ اللَّهُ أَمَرَنَا بِهِ فَقَالَ وَمَا يُدْرِينِي بِمَا تَقُولُ فَشَهِدَتْ خَمْسَةُ أَكْبُشٍ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَآمَنَ وَصَدَّقَ وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّهُ طَافَ مَعَ الْخَلِيلِ بِالْبَيْتِ وَقَدْ كَانَتْ عَلَى بِنَاءِ الْخَلِيلِ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ فَقَصُرَتْ بِهَا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ أخبر بن عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال ألم ترى الى قومك حين بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ يا رسول

ص: 165