المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الزكاة الزَّكاة في اللُّغة (1) بمعنى النماء، يقال: زكي الزّرع - البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن - جـ ٤

[الحسين بن محمد المغربي]

الفصل: ‌ ‌كتاب الزكاة الزَّكاة في اللُّغة (1) بمعنى النماء، يقال: زكي الزّرع

‌كتاب الزكاة

الزَّكاة في اللُّغة (1) بمعنى النماء، يقال: زكي الزّرع إذا نمي، وبمعنى. التطهر (أ) كقوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} (2). (ب وهي في الشّرع ب): إعطاء جُزء مالي معين من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه، وهو غير منعكس لعدم شموله زكاة ما أَخرَجَت الأرض، فحدها حينئذٍ: إعطاء جزء مالي معين عند حصول موجبه (3)، والمناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي: أنَّ إخراج ذلك الجزء سبب للنماء في المال، أو (جـ) أن الأجر ينمو بسبب إخراجها، أو أنّ متعلّقها الأموال ذوات النماء كالتجارة والزراعة، وفيها طهارة للنفس من رذيلة البُخْل، وتطهير من الذنوب.

وهي الركن الثّالث من أركان الإسلام التي بُنِيَ عليها، ووجوبها معلوم من الدين ضرورة، فيكفر منكرها ويحارب كما فعل الصديق رضي الله عنه، وقد تُطلق الزكاةُ على الصَّدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والعفو والحق.

واعلم أنه اختلف في أي سَنَة فُرِضَت الزَّكاة وقد ذهب الأكثر إلى أنها فُرضت بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثّانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في باب السِّيَر من "الروضة"، وجزم ابن الأثير في "التاريخ"

(أ) جـ: الطّهارة.

(ب، ب) لحق بحاشية.

(جـ) وأن.

_________

(1)

لسان العرب مادة زكا (19: 77).

(2)

سورة الأعلى الآية 14.

(3)

هذا التعريف غير مانع لدخول الكفارات فإنها إعطاء جُزْء مالي عند حصول موجبه، ولا يستقيم.

ص: 279

بأن ذلك كان في التّاسعة (1)، وفيه نَظرَ، فإن الزَّكاة ذُكِرَتْ في حديث ضِمَام بن ثعلبة في قوله: أنشدك آلله أمرك أن تأخذ هذه الزكاة الصَّدقة (أ) من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا (2)؟، وكان قدومه في سنة خمس، وفِي حديث وَفْد عبد القيس، وفي عدة أحاديث متقدمة على ذلك التاريخ، وقوي بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المُطَوَّلَة، فإن فيها: لما أنزلت آية الصَّدقة، بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عاملًا، فقال: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية (3)، والجزية إنّما وجبت في التّاسعة فتكون الزَّكاة في التّاسعة، لكنه حديث ضعيف لا يحتج به (4).

وذهب ابن خزيمة في صحيحه (5) أنّ فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أنّ جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام (6) " انتهى.

ولكنه يعترض عليه بأن هذا الإخبار يحتمل أن يكون في وقت متأخر،

(أ) جـ: أن تأخذ هذه من أغنيائنا.

هـ: أن تأخذ هذه الصَّدقة، والمثبت ما في الأصل.

_________

(1)

الكامل لابن الأثير 2: 199.

(2)

البخاريّ العلم، باب ما جاء في العلم 1: 148 - 149 ح 63 (بلفظ الصَّدقة)، مسلم الإيمان، باب بيان الصلوات الّتي هي أحد أركان الإسلام 1: 41 - 42 ح 10 - 12.

(3)

رواه الطبري في التفسير 11: 370 - 732 ح 16987.

وقد جزم غير واحد من أهل العلم ببطلان هذه القصة. انظر مثلًا: مقبل بن هادي الوادعي الصّحيح المسند من أسباب النزول ص جـ - د.

(4)

انظر: الإصابة 1: 198 رقم 928.

(5)

صحيح ابن خزيمة 4: 13.

(6)

رواه ابن خزيمة الزَّكاة 4: 13 ح 2260 وإسناده ضعيف فإن فيه سلمة بن الفضل، قال ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الخطأ. (تقريب التهذيب 1: 318).

ص: 280

لأن جعفر بن أبي طالب أقام بالحبشة إلى سنة ست، والظاهر أنه بلغه فرضية ما ذكر لأن الأخبار كانت تتصل بهم، وقوله:"يأمرنا" بصيغة المتكلم صادق باعتبار أنه بعض الأمة المأمورين، ويدلُّ على ذلك أنّ الصلوات الخمس لم تكن فُرِضَت في وقت هجرتهم ولا صيام رمضان، فإنَّ (أ) آية الصِّيام مَدَنيَّة بلا خلاف، وهو متقدم على فرض الزَّكاة يدل عليه ما ثبت عند أحَمد وابن خزيمة أيضًا والنَّسائيُّ وابن ماجة والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عُبَادة قال:"وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بصدقة الفطر، قبل أن تنزل الزَّكاة ثمّ نزلت فريضة الزَّكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله"(1). إسناده صحيح، ورجاله رجال الصّحيح، إلا أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفي اسمه: عَرِيب -بالمهملة المفتوحة- ابن حميد، وقد وثقه أحمد وابن معين (2).

453 -

عن (ب) ابن عبّاس رضي الله عنه أنّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إِلى اليمن، فذكر الحديث وفيه أنّ الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترَدُّ في فقرائهم.

متفق عليه واللفظ للبخاري (3).

(أ) جـ: وإن.

(ب) جـ: وعن.

_________

(1)

النَّسائيُّ الزَّكاة، باب فرض صدقة الفطر قبل نزول الزَّكاة 5: 49، ابن ماجة الزَّكاة، باب صدقة الفطر 1: 584 ح 1828، أحمد 6: 6، ابن خزيمة 4: 81 ح 2394، المستدرك 1: 410 عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه.

(2)

قال ابن حجر: "كوفي ثقة"(تقريب التهذيب 2/ 20 رقم 169).

(3)

البخاريّ الزَّكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال النَّاس في الصَّدقة 3: 322 ح 1458، مسلم الإيمان، باب الدُّعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام 1: 50 ح 29 - 19.

ص: 281

الحديث أخرجه البخاريّ ولفطه: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى (أ) اليمن قال: إنك تَقْدُمُ على قومٍ أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله عز وجل، فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أنَّ الله قد فرض عليهم زكاة من أموالهم وتُرَدُّ على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال النَّاس".

الحديث فيه دلالة علي فرضية الزَّكاة، وأنها حق واجب في المال، وفي قوله:"تؤخذ من الأغنياء" دلالة على أنّ أمر الأخذ إلى العامل من قبل الإمام أو الإمام نفسه، إذ لا خصوصية لأخذ آحاد النَّاس لها، وقد بين المراد ببعث السعاة، وخص الفقراء بالذكر؛ لأن الفقير معتبر في أكثر مصارف الزَّكاة، ولأن العامل ليس الصّرف إليه مقصودًا بالشرعية لها، وإنّما كان بالعَرْض والمؤلِّف ليس يلازم في جميع الأحوال، وإنّما هو علي فرض الحاجة إلى التأليف، ومن عداهما فالفقر معتبر فيه (1)، ولعلّه يراد بالفقير هنا من يحل الصّرف إليه، فيدخل فيه المسكين عند من يقول المسكين أعلى حالًا من الفقير، وأما من قال بالعكس أو قال بالاستواء فالأمر في ذلك واضح، وبَعْث معاذ إلى اليمن كان في سنة ثمان بعد الفتح (2)، وأقام معاذ باليمن إلى خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

454 -

وعن أنس رضي الله عنه أنّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب له "هذه فريضة الصَّدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على

(أ) جـ: على.

_________

(1)

هذا الإطلاق فيه نظر فإن الغارم الّذي تحمل حمالة لإصلاح ذات البين يعطى من الزَّكاة وإن كان غنيا لوفاء ما تحمل.

(2)

سير أعلام النُّبَلاء 1: 443.

ص: 282

المسلمين، فالتي أمر الله بها رسوله:

في أربع وعشرين في (أ) الإِبل فما دونها الغنم (1) في كلّ خمس شاة، فإِذا بلغت خمسًا وعشرين إِلى خمس وثلاثين" ففيها بنت مخاض أنثى، فإِن لم يكن فابن لَبُون ذكَر، فإِذا بَلَغت ستًّا وثلاثين إِلى خمس وأربعين ففيها بنت لَبُون أنثى، فإِذا بلغَتْ ستًّا وأربعين إِلى ستين ففيها حِقة طروقه الجمل، فإِذا بلغَتْ واحدا (2) وستين إِلى خمس وسبعين ففيها جَذعة، فإِذا بلغت ستًّا وسبعين إِلى تسعين ففيها بنتا لَبُون، فإِذا بلغت إِحدى وتسعين إِلي عشرين ومائة ففيها حِقَّتَان طَروقتا الجمل، فإِذا زادَتْ على عشرين ومائة (ب) ففي كلّ أربعينَ بنت لَبُون، وفي كلّ خمسين حِقَّة، ومنْ لم يكن معه إِلا أربعٌ من الإِبل فليسَ فيها صدقة إِلا أنّ يشاء رَبُّهَا.

وفي صدقة الغنم في سائمتها إِذا كانت أربعين إِلى عشرين ومائة شاةٍ شاةٌ، فإِذا زادت على عشرين ومائة إِلى مائتين ففيها شاتان، فإِذا زادت على مائتين إِلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإِذا زادت على ثلاثمائة ففي كلّ مائةٍ شاة، فإِذا كانت سائمة الرَّجل ناقصة من أربعين شاة شاة فليس فيها صدقة إِلا أنّ يشاء ربها، ولا يجمع بين مفترق، ولا يُفَرّق بين مجتمع خشية الصَّدقة، وما كان من (جـ) خليطَيْن فإِنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصَّدقة هرمة ولا ذات عوار

(أ) جـ: من.

(ب) في جـ: سقطت (ومائة).

(جـ) سقط من جـ: من.

_________

(1)

في البخاريّ: "من الغنم"، وسيأتي تعليق المؤلِّف على ذلك.

(2)

البخاري: "واحدة".

ص: 283

ولا تيس إِلا أنّ يشاء المصدق.

وفي الرِّقة ربع العشر، فإِن لم يكن إِلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إِلا أنّ يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإِبل صدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حِقَّة فإِنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إِن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحِقة وعنده الجذعة فإِنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين". رواه البخاريّ (1).

هذا الكتاب كتبه أبو بكر (أ) لأنس لما وجهه إلى البحرين عاملًا عليها (ب)، وهي اسم لإقليم مشهور (2) يشتَمل على مدن معروفة قاعدتها "هَجَر"، وهو علم مفرد بلفظ المثنى، والنسبة إليه بحراني، وافتتح الكتاب ببِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهو يستدل به على إثبات البسملة في أول الكتب، وعلى أنه يكفي ذلك من دون ذِكْر الحَمْد.

وقوله: "هذه فريضة الصَّدقة": أي نسخة فريضة حذف المضاف للعِلْم به، فيه اسم الصَّدقة تطلق على الزَّكاة، وقد منع ذلك بعض الحنفية.

وقوله: "التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم" فيه دلالة على أنّ الحديث مرفوع غير موقوف، ومعني "فرض" أوجب أو شَرَع، والمعنى أنه فعل ذلك بأمر الله له، وقيل معناه: قَدَّرَه لأن وجوب الزَّكاة بنصّ القرآن،

(أ) سقط من جـ: (أبو بكر).

(ب) سقط من جـ: (عليها).

_________

(1)

البخاريّ الزَّكاة، باب زكاة الغنم 3: 317 ح 1454.

(2)

معجم البلدان لياقوت 1: 346 - 349.

ص: 284

وتقدير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لبيان الأنواع والأجناس والقَدْر الخرج بيان لما أجمل في القرآن.

ومعنى الفَرْض في الأصل: قَطْع الشيء الصُّلْب، ثم استعمل في التقدير لكونه مقتطعًا من الشيء الّذي يقدر منه، وقد يَرِدُ بمعنى البيان كقوله تعالى:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (1)، وبمعنى الإنزال كقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} (2) أي أَنْزَلَ، وبمعنى الحل كقوله تعالى:{مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} (3)، ومعنى التقدير لازم في ذلك جميعه، وقال الراغب (4): كلّ شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام (5) وما عدي باللام فهو بمعنى لم يحرم عليه، وذكر أنّ الإلزام معنى قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} أي: أَوْجَبَ عليك العمل، وهذا يؤيد قول الجمهور أنّ الفرض مرادف للوجوب (6).

وفي قوله "على المسلمين": استدل به علي أنّ الكافر ليس مخاطبًا بذلك، ويُرد بأن (أ) المراد بذلك كونها لا تصح منه، لا أنه لا يُعَاقَب عليها

(أ) جـ: أنّ.

_________

(1)

سورة التّحريم الآية 2.

(2)

سورة القصص الآية 85.

(3)

سورة الأحزاب الآية 38.

(4)

المفردات ص 376 (والمؤلِّف نقل العبارة هنا بالمعنى).

(5)

المفردات: "الإيجاب". في النسخ هـ، جـ، الأصل: الإنزال (وهو مقبول معنى).

(6)

خلاف الحنفية الذين يقولون: الفرض غير الواجب وإن كان يرادفه في بعض مدلولاته لغة، وذلك لأن الحنفية يتفقون مع الجمهور في أنّ الفرض والواجب كلاهما لازم لكن الفرض ثبت اللزوم فيه بدليل قطعيّ لا شبهة فيه والواجب ثبت اللزوم فيه بدليل ظني فيه شبهة.

(انظر: روضة الناظر 26، أصول الفقه لأبي زهرة 29).

ص: 285

وهو محل النزاع.

وقوله: "والتي أمر الله بها رسوله" وقع هكذا في كثير من نسخ البخاريّ، ووقع في بعضٍ منها بحذف "بها"، وفي لفظ البخاريّ زيادة "فَمَنْ سُئِلها على وجهها فليُعْطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه"(1) أي من سئل عَليّ هذه الكيفية المثبتة في هذا الحديث فليعطها العامل، ومن سئل أكثر منها فلا يعطى العامل، وذلك لأن حق العامل أنّ يكون أمينًا، والسائل للزائد قد خان، وفي هذا دلالة على أنّ ولاية القبض إلى العامل إلا أنه إذا خان لم يجب على رب المال التسليم إليه فيتولى إخراجه (أ)، وهذا ظاهر في أنه طلب الزيادة من غير تأويل له في أخذها، فأمّا (ب) مع التّأويل فلا يفهم منه المنع، فلا يعارضه ما أخرجه مسلم من حديث جرير مرفوعًا:"أرضوا مصدقيكم"(2) قاله مجيبًا لمن قال له من الإعراب: إن ناسًا من المصدقين يأتوننا فيظلموننا، وأخرج أبو داود عن جابر بن عُتَيك مرفوعًا:"سيأتيكم ركب (3) مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم"(4). وعند الطَّبرانيُّ في الأوسط من حديث سعد بن أبي وقّاص مرفوعًا: "ادفعوا إليهم ما

(أ) جـ: إخراجها.

(ب) جـ: وأن.

_________

(1)

خرجناه في حديث الباب.

(2)

مسلم الزَّكاة، باب إرضاء السعاة 2: 685، 686 ح 29 - 989.

(3)

في سنن أبي داود: "ركيب" - بالتصغير.

(4)

أبو داود الزَّكاة، باب رضا المصدق 2: 245 ح 1/ 158.

ص: 286

صَلَّوا الخَمْس" (1).

وعند أحمد والحارث وابن (2) وهب من حديث أنس قال: "أتى رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله: إذا أديتُ الزكاةَ إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ قال: نعم ولك أجرها، وإثمها على من بدلها"(3).

فهو محمول على أنّ العامل له تأويل في أخذ ذلك، أو مع خشية وقوع منكر أعظم من ذلك، والله أعلم.

وقوله: "في أربع وعشرين من الإِبل فما دونها" خبر مقدم، و"الغنم" مبتدأ مؤخر، وقَدَّم الخبر هنا لأن الغرض بيان المقادير التي يجب فيها الزَّكاة، والزكاة إنّما تجب بعد وجود النصاب فَحَسُنَ التقديم، وفي رواية الأكثر بزيادة "منْ" في "الغنم"، وفي توجيه إعرابه خفاء، ووجهه أنّ المبتدأ محذوف، والتقدير الزَّكاة في أربع وعشرين، حذف المبتدأ وبقي متعلّقه دالا عليه لقرينة المقام، و "من الغنم" بيان للزكاة.

وقوله: "في كلّ خمس شاة" الجملة خبر المبتدأ الأوّل، والعائد مستغني عنه لاتحاد جزء الخبر وهو "شاة" بالمبتدأ وهو "الزَّكاة"، وظاهره أنّ هذا هو (4) الواجب متعين فلا يجزئ إخراج بنت مخاض عن أربع وعشرين، وهو قول مالك وأحمد، وقال الشّافعيّ والجمهور يجزئه (5)

(1) عزاه الهيثمي للطبراني في "المعجم الأوسط" وقال عقبة: "فيه هانئ بن المتوكل وهو ضعيف". (مجمع الزوائد 3: 80).

(2)

كذا بغير واو، وفي التلخيص 2: 164 بواو، وهو الصواب.

(3)

المسند 3: 136.

(4)

"هو" زائدة، والعبارة قلقة، والمناسب حذف ضمير الفصل.

(5)

في النسخ "يحرم" وهو خطأ والتصويب من الفتح.

ص: 287

لأنه يجزئ عن خمس وعشرين. فما دونها أولى، ولأن (أ) الأصل أنّ يجب من جِنْس المال، وإنّما عدل عثه رفقًا بالمالك، فإذا أحبَّ الأصل أجزأه، فإن (ب) كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشّافعيّة وغيرهم، والأقيس أنه لا يجزئ.

وفي قوله: "في أربع وعشرين ونحوه" يدلُّ على أنّ الوَقَص (1) متعلّق به الوجوب، وهو قول للشافعي في البويطي (جـ)، وبه قال محمّد وزفر، وذهب أبو حنيفة، وهو على أصل مذهب الهادي، وقول للشافعي أنه لا يتعلّق به الوجوب، (د وسيأتي قريبًا حديث معاذ أنه لا يتعلّق بها الوجوب د).

وفائدة الخلاف: لو تلفت واحدة من ستِّ إبل بعد أن حال الحول قبل إمكان الأداء فإنّه تجب واحدة كاملة على القول بعدم تعلّق الوجوب بها، وعلى القول الثّاني تجب خمسة أسداس، وهذا بناء على أنّ إمكان الأداء شرط في الضمان لا في الوجوب.

وقوله: "فإِذا بلغت خمسًا وعشرين" إلخ: ذهب إلى هذا الجمهور، وقد رُوِيَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنه يجب في الخمس (هـ) والعشرين خمس شياه، فإذا (و) صارت ستًّا وعشرين كان فيها بنت مخاض أخرجه

(أ) جـ: بدون الواو.

(ب) حـ: وإن.

(جـ) جـ: والبويطي.

(د، د) ما بينهما، ساقط من جـ.

(هـ) جـ: خمسة.

(و) جـ: وإذا.

_________

(1)

الوقص بفتحتين واحد الأوقاص في الصدقة وهو ما بين الفريضتين. (مختار الصحاح 252). قال ابن حجر (الفتح 3/ 319): "الوَقَص بفتح الواو والقاف ويجوز إسكانها، وبالسين المهملة بدل الصاد: هو ما بين الفَرْضَيْن عند الجمهور، واستعمله الشّافعيّ فيما دون النصاب الأوّل أيضًا، والله أعلم" اهـ.

ص: 288

ابن أبي شيبة وغيره (أموقوفًا ومرفوعًا أ) والبيهقي أخرج الموقوف (1)(ب)، وإسناد المرفوع ضعيف (2). وأخرج المرفوع ابن جُرَيج وصححه (2).

وقوله: "إِلى ستٍّ وثلاثين" ظاهره أنه لا يجب شيء في الوقص (3) خلافًا للحنفية، فقالت: يستأنف الفريضة فيجب في كلّ خمس من الإبل شاة مضافة إلى بنت الخاض.

وقوله: "بنت مخاض أنثى" زاد حماد بن سلمة في روايته: "فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون ذكر"، ولفظ "أنثى" و "ذكر" للتأكيد، أو لتنبيه رب المال ليطيب نفسًا بالزيادة، وقيل احترز بذلك عن الخنثى وفيه بُعْد (جـ).

ولفظ "إِلى" في قوله: "إِلي خمس وثلاثين" ونحوها داخل ما بعدها في حكم ما قبلها لقرينة ما بعده (د).

(أ، أ) ما بينهما ساقط من جـ.

(ب) زادت جـ هنا: مرفوعًا.

(جـ) زادت جـ: وبنت المخاض بفتح الميم والمعجمة الخفيفة وآخره معجمة هي التي مر عليها حول ودخلت في الثاني وحملت، والخماض الحامل، أي: دخل وقت حملها وإن لم تحمل، وابن اللبون الذي دخل في الثّالثة وصارت أمه لبونا بوضع الحَمْل. وسيأتي نحو هذه العبارة.

(د) زادت جـ: وقوله: حقة ضروبة العجل، الحقة بكسر الحاء وتشديد القاف، والجمع: حِقَاق بكسر الخفيف، وسميت حقة لأنها استحقت أن يُحمَل عليها، وطروقة: بفتح أوله، أَي: مطروقة، وهي فعولة بمعنى مفعولة، كحلوبة بمعنى محلوبة، والمراد أنها بلغت أوان أن يطرفها العجل، وهي التي دخلت في السنة الرّابعة.

والجَذَعَةَ بفتح الجيم والذال المعجمة: التي دخلت في السنة الخامسة والسابق أيضًا ساقط من هـ عدا عبارة: وسميت حقة لأنها استحقت أن يُحْمَلَ عليها.

_________

(1)

مصنف ابن أبي شيبة 3: 122، سنن البيهقي 4:92.

(2)

انظر: فتح الباري 3: 319.

(3)

تقدّم معنى (الوَقَص).

ص: 289

وقوله: "إِذا بلغت يعني ستًّا وأربعين"(أ) بزيادة يعني وزادها البخاريّ للتنبيه على أنه مزيد، أو شك أحد رواته فيه، فلم يجزم بأنها من لفظ الحديث.

وقوله: "فإِذا زادت على عشرين ومائة" أي واحدة فصاعدًا ففي كلّ أربعين بنت لَبُون، وفي كلّ خمسين حقَّة، ذهب إلى هذا الجمهور من أهل الحجاز والقاسم في "الأحكام"(1) فيجب حينئذ في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وذهب ابن مسعود والنخعي وحماد والمؤيد وأبو طالب وأبو العباس (2) إلى أنّ الفريضة تستأنف إذا زادت واحدة على مائة وعشرين فيجب في الخمس شاة، وعلى ما تقدّم (ب يعني في كلّ خمس شاة إلى خمس وعشرين ب) لقوله صلى الله عليه وسلم:"وما زاد على ذلك (جـ) استؤنفت الفريضة"(3) أخرجه التّرمذيّ (د)، والعمل به أرجح لأنه موجب للزكاة، "وفي حديث أنس إسقاط لزكاة ما زاد (هـ) على ذلك حتّى يبلغ الزائد (4)

(أ) زادت جـ، هـ: كذا وقع في رواية الإسماعيلي من طريق أخرى عن الأنصارى شيخ البخاري، وأما في رواية البخاري فهو بلفظ:"فإذا بلغت" يعني: ستًّا وأربعين.

(ب - ب) ساقط من هـ.

(جـ) سقط من جـ (على ذلك).

(د) في جـ، هـ (بياض الأم) بدلا من (الترمذي).

(هـ) جـ: (إسقاط لما زاد

).

_________

(1)

المغني 4: 20، البحر الزخار 2: 161 وعزاه إلى الناصر في الأحكام.

(2)

البحر 2: 161.

(3)

لم أقف علبه في كتب السنة إلا أنّ صاحب جواهر الأخبار والآثار عزاه إلى أصول الأحكام عن على موقوفًا. وقد أخرجه عبد الرزاق في "المصنِّف"(4: 9 - 10) من حديث طويل موقوفًا على إبراهيم ولم أقف عليه في "سنن التّرمذيّ".

(4)

حتّى يحصل بالزيادة مع الأصل عند القسمة عدد أربعين أو خمسين، وهذا يحصل كلّ ما زادت عشرة.

ص: 290

أربعين أو خمسين، والموجب إذا عارضه مسقط فهو راجح (أ)، وذهب أبو حنيفة إلى مثل القول الثاني إلى مائة وخمس وأربعين ثمّ فيما زاد روايتان كالقول الثاني وكالقول الأوّل، وذهب مالك إلى أنَّ في إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة، وفيها ابنتا لبون وحقة كالقول الأوّل لخبر سالم بن عبد الله بن عمر عن نسخة الكتاب الّذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصَّدقة وكان عند آل عمر (1) وانتسخه منهم عمر بن عبد العزيز، أخرجه أبو داود (2)، ولا يخفى عليك أنّ الأرجح هو الأوّل لأن ذلك ممّا أخرجه البخاريّ، وعمل به أبو بكر الصديق في أيّام وفرة (ب) الصّحابة واجتماعهم، وهذا جهة ترجيح.

وفي قوله: "إِلا أنّ يشاء ربها" المعنى في ذلك أنه ليس على صاحبها صدقة واجبة مع إيكاله إلى مشيئته، فليست من الصَّدقة الواجبة، لأن الواجب ليس واقعًا على الاختيار والمشيئة، فيكون ذلك استثناء منقطعًا لأن الصَّدقة المسوق التفصيل فيها هي الواجبة، ولعلّ ذِكْر ذلك لدفع وهم ينشأ من قوله:"فليس فيها صدقة" أنّ المنفي مطلَق الصَّدقة لاحتمال اللّفظ له، وإن كان غير مقصود.

وقوله: "فإِذا زادت على ثلاثمائة ففي كلّ مائة شاة" مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرّابعة حتّى تفي أربعمائة، وهذا قول الجمهور، قالوا: وفائدة ذكر الثلاثمائة لبيان النصاب الّذي بعده لكون ما قبله مختلفًا فيه، وعن

(أ) جـ، هـ: أرجح.

(ب) هـ، جـ: وفور.

_________

(1)

آل عمر هنا هم سالم بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمر -كما في سنن أبي داود أنه انتسخها منهم.

(2)

سنن أبي داود الزَّكاة، باب في زكاة السائمة 2: 224 - 226 ح 1568.

ص: 291

بعض الكوفيين كالحسن بن صالح، ورواية عن أحمد: إذا زادت عن الثلاثمائة واحدة وجب الأربع.

وقوله: "لا (أ) يجمع بين مفترق"، وفي لفظ "متفرق" الجمع بين المفترق قال مالك في "الموطَّأ": معناه أنّ يكون ثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة يجب على كلّ واحد منهم الزَّكاة فيجمعونها حتّى لا تجب عليهم كلهم إلا شاة (1) انتهى.

والتفريق بين المجتمع أنّ الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة (ب وإحدى وعشرون ب) شاة (2) فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فإذا طلبهما المصدق فرقا غنمهما فلم يكن على كلّ واحد منهما إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك (3).

قال ابن الأثير (4): فهذا الذي سمعتُ في ذلك، وقال الخطابي: قال الشّافعيّ (5): الخِطَاب في هذا للمصدق ولرب المال، قال: والخشية خشيتان، خشية الساعي أن تقل الصَّدقة، وخشية رب المال أنّ يقل ماله، فأمر كلّ واحد منهما أنّ لا يحدث في المال شيئًا من الجمع والتفرقة خشية الصَّدقة.

(أ) جـ، هـ: ولا.

(ب - ب) ساقط من جـ، هـ.

_________

(1)

الموطأ الزَّكاة، باب صدقة الخُلَطَاء ص 178 - 179 ح 25 (بنحوه).

(2)

عبارة الموطَّأ هنا:

"

مائة شاة وشاة فيكون ..... " وهو ما يناسب ما بعده من جهة المعنى في تصوير تفريق الخليطين ماشيتهما لإسقاط شيء من الزَّكاة عنهما.

(3)

الموطَّأ (السابق)2.

(4)

غريب الحديث 3/ 438.

(5)

الفتح 3: 314.

ص: 292

وقوله: "وما كان من خليطين" إلخ: اختلف في تفسير الخليط فعند أبي حنيفة والعترة (1) ومالك هما الشريكان ولا يجب عليهما إلا إذا كان ملك كلّ واحد منهما نصابًا، وفي البخاريّ تعليقًا (2) ما لفظه وقال سفيان:"لا يجب عليه حتّى يتم لهذا أربعون شاةً ولهذا أربعون شاةً"، ورد هذا ابن جرير بأنه إذا كان لا يجب في حال الاجتماع إلا ما يجب في حال الانفراد تَخَلَّوا.

فائدة بيان هذا الحكم بقوله "وما كان من خليطين" إلخ، وأن المتبادر أنّ الواجب حينئذٍ غير ما يجب على تقدير (أ) الانفراد، وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إن الخليط هو المجتمع ماشيتهما في المسرح (ب) والمبيت والحوض والفحل فيجب الزَّكاة فيها (3)، ولو كان مال أحدهما دون النصاب (جـ) ويؤيد ذلك ما في "جامع سفيان الثّوريّ" عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر:"ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان"(4).

(أ) جـ: قدر.

(ب) هـ: السرح.

(جـ) بحاشية هـ: "في حاشية الأصل ما لفظه: لفظ الخليط يدخل تحته أمران: أحدهما: خليط والآخر بدونها، وهي في الشركة أحق، والصنو في كلّ جزء من الشاة مثلًا مشترك فهو أولًا يتعلّق الحكم به، وإذا تحقق به فائدة للحديث نفي الآخر مشكوكًا فيه والأصل براءة الذِّمَّة واقعة بصدق الخلطة بخلطه من اختلاط الماء، ثمّ لا حَدّ للمكان كاتحاد المراح والراعى والفحل ونحو ذلك، ولا حد يوقف عليه لعرف شائع أو غيره، والشارع لا يحيل على غير معلوم رائدًا، خلطه له يقول بها أحد، وخلطه الشركة يحصل لمجرد الاشتراك حسب فهي معلومة محدودة. انتهى".

_________

(1)

البحر 2: 167، سؤال 1780.

(2)

البخاريّ، باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية 3/ 315.

وفي المصنِّف لعبد الرزّاق بلفظ: "لا يجب على الخليطين شيء إلا أنّ يتم لهذا أربعين ولهذا أربعين". (مصنف عبد الرزّاق 4: 21 ح 6839).

(3)

المغني 4: 51 - 52.

(4)

الفتح 3: 315.

ص: 293

قلت: ما معنى الخليطين؟ قال: إذا كان المراح والراعي واحدًا، والدلو واحدًا، وهذا هو الظّاهر من الحديث ولا مدفع له، ولا ينافيه (أ) حديث:"ليس فيما دون خمس ذَوْد صدقة"(1) ونحوه، فإن اعتبار النصاب حاصل، ولكن في هذا الحديث دلالة على أنَّ النِّصَاب في هذه الحال لا يشترط أنّ تكون لمالك واحد، واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن هذا الحديث لم يبلغهم (2) والله أعلم.

ومعنى قوله: "يتراجعان بالسوية" هو أنه لو كان لواحد مثلًا عشرون متميزة ولآخر مثلها فأخذ المصدق واحدة من مال أحد (ب) الشريكَيْن فإنّه يرجع على خليطه بقيمة نصف شاة، وعلى هذا القياس.

وقوله: "ولا يخرج في الصَّدقة هَرِمةً" بفتح الهاء وكسر الراء: الكبيرة التي سقطت أسنانها (3).

وقوله: "ولا ذات عوار"(4) بفتح العين المهملة، و (جـ) بضمها وقيل

(أ) بحاشية جـ: بل ينافيه، وحديث الخليطين يحتمل ما أرادوه، ويحتمل أن يكون نهيا للمال كأن يفرق النصاب لئلا يكل للساعي ونهى الساعي أنّ يجمع المفترق لأن الافتراق لا يكون في العادة إلا لافتراق الملك فنهي الساعي أنّ يكل مال مكلف لمال مكلف آخر، أو نَهَى الساعي أنّ يحشر السوائم إليه لأن السنة أن يقصد إلى محلها، وهذه الإحتمالات تصادق الأحاديث الأخر كحديث ليس فيما دون خمس

الحديث، وحديث: مَنْ لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء، وحديث أنس وابن عمرو بن حزم والحارث الأعور ..... ".

(ب) ساقط من جـ (أحد).

(جـ) جـ: أو.

_________

(1)

البخاريّ الزَّكاة، باب زكاة الورق 3: 310 ح 1447، 7441 م، مسلم الزَّكاة، 2: 673 ح 1 - 4/ 979.

(2)

فتح الباري 3: 315.

(3)

مختار الصحاح 479، اللسان 16: 89 الهاء فصل الهرم أقصى الكبر.

(4)

غريب الحديث 3: 318 وقد تجيء بالضم بمعنى العيب.

ص: 294

بالفتح للعين المهملة أي: معيبة العين، وبضمها عور العين.

واختلف في تحقيق القَدْر الذي يمنع إخراجها، والأكثر على أنه ما ثبت به الرَّدّ في البيع، وقيل ما يمنع الإخراج في الأضحية، ويدخل في العيب المرض، وكذا الذكورة بالنسبة للأنوثة، والصغير سنًّا بالنسبة إلى ما هو أكبر منه.

وقوله: "إِلا أن يشاء المصدق" اختلف في ضبطه، والأكثر على أنه بالتشديد، وأصله المتصدق فأدغمت التاء بعد قلبها صادًا، والمراد به المالك، وهو اختيار أبي عُبَيدة، والاستثناء راجع إلى الآخر وهو التيس، وذلك أنه إذا لم يكن مُعدًا للإنزاء فهو من الخيار، وللمالك أن يخرج الأفضل، ويحتمل عَوْده إلى الجميع، ويفهم منه أنّ للمالك إذا رأى الصلاح في إخراج الهرمة أو ذات العوار (أبأن تكون سمينة قيمتها أكثر من الوسط الواجب إخراجها، وقد قال بهذا أ) بعض المفرعين على أصل الهادي، وبعضهم قال: لا يخرجها وإن زادت قيمتها فيتعين الاستثناء إلى الأخير، ومنهم من ضبطه بالتخفيف، والمراد به الساعي، فيدلُّ على أنّ له الاجتهاد ونظر الأصلح للفقراء، وأنه كالوكيل لهم فتقيد مشيئته بالمصلحة، وهذا قول الشّافعيّ في البويطي، فيعود الاستثناء إلى الجميع كما هو الواجب في مثله، ولفظ الشافعي (1): ولا يؤخذ ذات عور ولا تيس ولا هرمة إلا أنّ يرى المصدق أنّ ذلك أفضل للمساكين فيأخذه على النظر، انتهى، وهذا إذا كانت الغنم مختلفة، فلو كانت معيبة أو تيوسًا أجزأه أن يخرج واحدة منها، وعن المالكية يلزمه أنّ يشتري شاة مجزئة

(أ - أ) ما بينهما ساقط من هـ.

_________

(1)

الفتح 3: 321.

ص: 295

تمسكًا بظاهر الحديث، وفي رواية عنهم كالأول.

وقوله: "وفي الرِّقَة" هي بكسر الراء وتخفيف القاف هي الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أولًا، وقيل أصلها وَرِق فحذفت الواو وعوضت الهاء (1) وأطلق على الجميع بخلاف الورق (2)، وقد قيل إن هذا الدّليل إنّما ورد في زكاة الفضة، والذهب مقيس عليها مقوم بالفضة، وهذا قول الزُّهْرِيّ، وخالفه الجمهور، وسيأتي في حديث علي رضي الله عنه النص على الذهب أيضًا.

وقوله "وإِن لم (أ) أي الرقة - إِلا تسعين ومائة" يوهم أنها زادت على التسعين ومائة قبل بلوغ المائتين (3) أنّ فيها صدقة، وليس كذلك، وإنّما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المائة، والحِسَاب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه العقود كالعشرات. والمئين والألوف، فذكر التسعين لذلك.

وقوله: "إِلا أنّ تتطوع" يعني متبرعًا.

وقوله: "فإِنها تقْبل منه الحقّة ويجعل معها شاتين إِن استيسرتا أو عشرين درهمًا" إلخ: فيه دلالَة على أنّ ذلك القَدْر هو جبر التفاوت ما بين السنين المذكورين، وفي العكس كذلك، وكذلك الحُكْم في سائر الأسنان، وقد ذهب إلى هذا الشافعي فقال، التفاوت بين كلّ سنين كما ذكر في الحديث، وذهبت الهادوية إلى أنّ الواجب إنّما هو زيادة فضل القيمة من رب المال، أو رد الفضل من المصدق، ويرجع في ذلك إلى

(أ) زادت جـ، وهـ: يكن.

_________

(1)

اللسان 21: 254.

(2)

اللسان 21: 255.

(3)

نصاب الزَّكاة اليوم ما يعادل ست وخمسين ريال عربي سعودي المضروبة بالفضة، وهو مائة وأربعون مثقال. السلسبيل 1: 265 حاشية الروض لابن قاسم 3: 244.

ص: 296

التقويم، قالوا: بدليل أنه قد ورد في رواية: عشرة دراهم أو شاة ما ذلك إلا لأن التقويم يختلف باختلاف الزّمان والمكان فور ما ذكرنا بالتقويم ما بينهما فيجب الرجوع إلى التقويم في ذلك، وقد أشار إلى مثل هذا البخاريّ (1) فإنّه أورد حديث أبي بكر في باب أخذ العَرْض (2) في الزَّكاة، وذكر في ذلك قول معاذ لأهل اليمن: "إيتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصَّدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة (3)، ورد الجمهور ذلك بأنه لو كان القصد ما ذكرتم لم ننظر إلى ما بين السّنّيْن في القيمة، وتقدير القيمة يزيد تارة وينقص أخرى في الأمكنة والأزمنة، وما ذكره الشارع ظاهر في أنّ ذلك لا يزيد ولا ينقص، قال الخطابي (4): يشبه أنّ يكون الشارع جعل الشاتَيْن والعشرين درهمًا تقديرًا في الجبران لئلا يكل الأمر إلى اجتهاد الساعي لأنه يأخذها على المياه (أ) حيث لا حاكم ولا مقوم غالبًا، وضبطه بقياس يرفع التنازع كالصاع في المُصَرَّاة والغرة في الجنين، والله أعلم.

وذهب زيد بن عليّ إلى أنّ ما بين كلّ سنَّين شاة أو عشرة دراهم، وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا تعذر الواجب رجعَ إلى القيمة فقط.

فائدة: بنت المَخَاض من الإبل وابن المَخَاض -بفتح الميم والمعجمة المخففة وآخره معجمة-: ما استكمل السَّنَة الأولى ودخل في الثّانية إلى

(أ) جـ: المائة.

_________

(1)

البخاريّ الزَّكاة، باب العَرْض في الزَّكاة 3: 311 (تعليقًا).

(2)

العرض: ما عدا النقدين.

(3)

وصّله يحيى بن آدم في الخراج ص 151 ح 525.

قال الحافظ ابن حجر: وهو إلى طاوس إسناد صحيح لكنه لم يسمع من معاذ فهو منقطع. تغليق التعليق 3: 13.

(4)

الفتح 3: 320.

ص: 297

آخرها، سمي بذلك لأن أمه من المَخَاض أي الحوامل، و "المخاض" اسم للحوامل لا واحد له من لفظه.

وبنت اللَّبون وابن اللَّبُون: "ما استكمل السنة الثّانية ودخل في الثّالثة إلى تمامها، سمى بذلك لأن أمه ذات لَبَن.

والحقَّة والحِقّ بكسر الحاء وتشديد القاف، والجمع الحِقَاق بالكسر والتخفيف.

وطَروقة الفحل: -بفتح أوله- أي: مطروقة، وهي فعولة بمعنى مفعولة كحَلُوبَة بمعنى مَحْلُوبة، وذلك ما استكمل السنة الثّالثة ودخل في الرّابعة إلى تمامها، سمي بذلك لاستحقاقه أنّ يحمل عليه أو تركبه الفحل، ولذلك قيل طَرُوقة الفحل أي يطرقها.

والجَذَعَة والجَذَع -بفتح الجيم والذال-: ما استكمل الرّابعة ودخل في الخامسة إلى آخرها.

والثني من الإبل: ما دخل في السّادسة وألقى ثنيته فإذا دخل في السابعة فربع، وفي الثامنة سدس، وفي التّاسعة بازل، وفي العاشرة مُخْلِف بضم الميم والخاء المعجمة الساكنة وكسر اللام.

445 -

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثه إِلى اليمن فأمره أنّ يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة، ومِنْ كُلّ أربعين مسنة، ومن كلِّ حالم دينارًا أو عدله معافر.

رواه الخمسة واللفظ لأحمد، وحسنه التّرمذيّ وأشار إلى اختلاف في وصله، وصححه ابن حبّان والحاكم (1).

(1) أبو داود الزَّكاة، باب في زكاة السائمة 2: 234 ح 6715، التّرمذيّ الزَّكاة، باب ما جاء في زكاة البقر 3: 20 ح 623، النَّسائيُّ الزَّكاة، باب زكاة البقر 5: 18، ابن ماجة الزَّكاة، باب الصدقة 1: 576 ح 1803 (بدون قوله: ومن كلّ حالم دينار أو عدله معافر) الحاكم الزَّكاة 1: 398، الدارقطني 2: 102 ح 31.

ص: 298

حديث معاذ أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ عن أبي وائل عن معاذ، وأخرجه باقي أصحاب السنن وابن حبّان والدارقطني والحاكم من رواية أبي وائل عن مسروق عنه، ورجح الترمذي (1) والدارقطني في العلل الرِّواية المرسلة، وقد اعترضت رواية الاتصال بأن مسروقًا لم يلق معاذًا كذا قال ابن عبد الحق (2)، وأجيب عنه بأن ابن عبد البر (3) قال: إن الإسناد متصل، وذلك لأن مسروقًا همداني النسب من وادعة يماني الدَّار (4) وقد كان في أيّام معاذ باليمن واللقاء ممكن بينهما، فهو محكوم له بالاتصال على رأي الجمهور، وقد أخرجه مالك عن طاوس عن معاذ (5)، وقد قال الشّافعيّ: إن طاوسًا عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممّن أدرك معاذًا، وهذا ممّا لا أعلم مَنْ أحد فيه خلافًا (6)، انتهى. وقد رواه الدارقطني من طريق طاوس عن ابن عبّاس (7) وهو موصول، إلا أنّ في طريقه المسعودي وقد اختلط (8)، وتفرد بوصله عنه بقية بن الوليد (9)، وقال ابن عبد الحق (10) ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته، يعني في النصب، وقال ابن جرير الطّبريّ (11): صح الإجماع المتيقن المقطوع به الذي لا اختلاف

(1) التّرمذيّ 3: 20.

(2)

و (3) نصب الراية 2: 347.

(4)

تهذيب التهذيب 10: 110.

(5)

الموطأ الزَّكاة، باب ما جاء في صدقة البقر ص 176 ح 24.

(6)

الأم: 7 - 8.

(7)

الدارقطني 2: 99 ح 22، البزار (كشف الأستار 1: 422 ح 892).

(8)

ميزان الاعتدال 2: 574 رقم 4907، التقريب 1: 487 رقم 1008.

(9)

قال البزار: "إنّما يرويه الحفاظ عن الحكم عن طاوس مرسلًا، ولم يتابع بقية على هذا أحدٌ، ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم عن طاوس عن ابن عبّاس، والحسن لا يحتج بحديثه إذا تفرد به". (كشف الأستار 1: 423).

(10)

نصب الراية 2: 347، التلخيص 2:160.

(11)

نصب الراية 2: 743، التلخيص 2:160.

ص: 299

فيه أنّ في كلِّ خمسين بقرة بقرةً، فوجب الأخذ بهذا وما دون ذلك مختَلَفٌ فيه، ولا نصَّ في إيجابه، وتعقبه صاحب "الإمام"(1) بحديث عمرو بن حزم الطَّويل في الديات وغيرها، فإن فيه:"في كلّ ثلاثين باقورة (2) تبيع جذع أو جذعة، وفي كلّ أربعين باقورة بقرة"(3)، وقال ابن عبد البرّ في "الاستذكار" (4): لا خلاف بين العلماء أنّ السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ هذا، وأنه النصاب مُجْمَع عليه فيها.

والحديث فيه دلالة على وجوب الزَّكاة في البقر، وهو مُجْمَعٌ عليه.

وفي قوله: "من كلّ ثلاثين بقرة" إلخ: دلالة على أنه لا يجب شيء فيما دون الثلاثين، وهو قول العترة (5) والفقهاء، وروى في ذلك عن ابن مسعود أنه قال صلى الله عليه وسلم:"ليس فيما دون ثلاثين من البقر شيء" ذكره في الشفاء (6)، وهو متأيد بمفهوم العدد في حديث معاذ، والخلاف في ذلك للزهري (7) فقال: يجب في الخمس شاة كالإبل، وأجيب بأن النصب لا تثبت بالقياس، سَلَّمْنَا فالنصُّ مانع (8).

(1) الإمام شرح الإلمام لابن دقيق العيد.

(2)

باقورة اسم للجمع، وأهل اليمن يسمون البقر باقورة.

لسان العرب 6: 139 - 140 (مادة بقر).

وانظر التلخيص 2: 160.

(3)

الحاكم 1: 395.

(4)

لم يطبع فيما بين أيدينا من "التلخيص". (راجع التلخيص 2/ 160).

(5)

البحر الزخار 2: 163.

(6)

لم أقف عليه في كتب السنة، وعزاه في جواهر الأخبار والآثار إلى أصول الأحكام، والشفاء 2:164.

(7)

قال الزّهريُّ: فرائض البقر قبل فرائض الإبل مصنف عبد الرزّاق 4: 25 ح 6854.

(8)

لو سلمنا أنّ النصب تثبت بالقياس فالنص -مفهوم حديث معاذ- يمنع من قياس البقر على الإبل.

ص: 300

وفي قوله: "تَبيع أو تَبيعَة" فيه دليل على التخيير في ذلك، وفي المسنة ظاهره أنه لا (أ) يجزئ المسن، وهو كذلك لأن النصَّ ورد به (ب) إلا أنه أخرج الطَّبرانيُّ عن ابن عبّاس مرفوعًا "ليس في البقر العوامل صدقة"(1)، لكن في ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كلّ أربعين مسنة أو مسنًا" (جـ) وصرح بذكر المسن صاحب "المحيط" وصاحب "مصباح الشّريعة" (د)، ولا شيء في الأوقاص لما روي أنّ معاذًا لما أتى بما دون النصب فيها فأبى أنّ يأخذ منه شيئًا وقال: "لم نسمع فيه من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شيئًا حتّى ألقاه"، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أنّ يقدم معاذ، أخرجه مالك في الموطأ (2) وهو الصّحيح، وإن كان البزار قد روي أنّ معاذًا لما قدم من اليمن سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الأوقاص، فقال: "ليس فيها شيء" (3). وعن أبي حنيفة أنّ فيما بين الأربعين والستين يجب ربع مسنة، وفي "ملتقى الأبحر" عن أبي حنيفة: أنه يجب في ذلك. قسطة من المسنة، والجواب عنه الحديث.

وفي (هـ) قوله: "وعن كلّ حَالِم" يعني محتلم، هكذا أخرجه أبو

(أ) جـ: سقط (لا).

(ب) من هنا ساقط في جـ.

(جـ) هـ: مسنٌ.

(د) آخر السقط من جـ.

(هـ) سقط من جـ: (وفي).

_________

(1)

الطبراني 11: 40 ح 10974، البيهقي 4: 116، الدارقطني 2: 103، ورواه ابن عدي في

الكامل 3: 1293 - 1294. وقال: "فيه سوار وعامة ما يرويه ليست محفوظة وهو ضعيف".

(2)

الموطأ الزَّكاة، باب ما جاء في صدقة البقر ص 176 ح 24.

(3)

كشف الأستار 1: 423 ح 892، وقد تقدّم الكلام على الحديث.

ص: 301

داود مفسرًا في رواية، "أو عدله (*) من المعافر" هي ثياب تكون باليمن (1)، هذا لفظ أبي داود من رواية أبي وائل عن معاذ (2)، وفي رواية مسروق عنه من دون تفسير فيهما (3)، والمراد به الجزية ممّن لم يسلم، كما يدلُّ عليه سياق الحديث.

والمعافر (4): بالعين المهملة حيٌّ من همدان، لا ينصرف في معروف ولا نكرة لأنه جاء على مثال ما لا ينصرف من الجمع، وإليهم تنسب (أ) الثِّياب المعافرية، يقولون "ثوب معافري".

وفي قوله "وأشار إِلى اختلاف في وصلة": هو كما عرفت، من عدم لقاء طاووس ومسروق لمعاذ، فهو غير موصول، وبروايته عن ابن عبّاس يكون موصولًا، والله أعلم.

456 -

وعن عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم" رواه أحمد (5).

ولأبي داود: "ولا تؤخذ صدقاتهم إِلا في دورهم"(6).

في الحديث دلالة على أنّ المصدق هو الذي يأتي إلى رَبِّ المال، فيأخذ صدقته من المحل الّذي يكون فيه المال، ورواية أحمد خاصّة بالأنعام، ورواية أبي داود عامة لجميع الصدقات.

(أ) زادت هـ: (في معروقة).

_________

(*) عدله: ما يعادل الشيء.

(1 - 2) أبو داود الزَّكاة، باب في زكاة السائمة 2: 235 ح 1576.

(3)

أبو داود (السابق) 2: 236 ح 1578.

(4)

غريب الحديث 3: 262 وقال: "قبيلة باليمن، والميم زائدة".

(5)

أحمد 2: 185، البيهقي كتاب الزَّكاة باب أين تؤخذ صدقة الماشية 4:110.

(6)

أبو داود الزَّكاة، باب أين تصدق الأموال 2: 250 ح 1591.

ص: 302

وحديث عَمرو بن شعيب في رواية أبي داود والنَّسائيِّ بلفظ: "لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم"(1).

قال ابن إسحاق: معنى "لا جلب": أن تصدق الماشية في موضعها، ولا تجلب إلى المصدق، ومعنى "لا جنب": أنّ يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصَّدقة فيجنب إليه، فَنُهوا عن ذلك.

وفسره مالك (2) بالسباق في خيل الحلبة فقال: معنى "الجلب" أنّ يجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق، و"الجنب" أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرسًا آخر حتّى إذا دنا تحول الراكب على الفرس المجنوب فيسبق، ويدلُّ على هذا التفسير أنّ في رواية عمران بن حصين:"لا جلب ولا جنب في الرهان"(3)، وهذا التفسير أقرب لأنه على الوجه الأوّل يكون من عطف العام على الخاص، وهو وإن كان له من وجه فهو بعيد لخفاء النكتة المقتضية للإجناب، والله أعلم.

457 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". رواه البخاريّ، ولمسلم:"ليس في العبد إِلّا صدقة الفِطْر"(4).

في الحديث دلالة على عدم وجوب الصَّدقة في العَبْد والفَرس، وهو مجمع عليه في العبد المُعَدّ للخدمة، والفرس المعدة للرُّكوب، وأما الخيل المعدة للنتاج فالخلاف فيها لأبي حنيفة وزفر إذا كانت لغير الغزو وكانت

(1) لم يروه النَّسائيُّ من طريق عمرو بن شعيب.

(2)

التلخيص 171:2.

(3)

أبو داود الجهاد، باب في الجلب على الخيل في السباق 3: 67: 68 ح 2581.

(4)

البخاريّ الزَّكاة، باب ليس على المسلم في عبده صدقة 3: 327 ح 1464، مسلم الزَّكاة، باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه 2: 675 ح 982 - 8.

ص: 303

إناثًا وذكورًا سائمة، وفي الإناث المنفردة روايتان (1) أيضًا، الأصح عدم الوجوب لعدم التناسل بخلاف السوائم الثلاث فإن ذكورها وإن لم يكن فيها التناسل إلا أنه يحصل فيها نمو بالسمن للأكل، بخلاف الخيل عند أبي حنيفة، فهي لا تحل عنده، والقائل بحلها أبو يوسف ومحمد، وهما لا يوجبان الزَّكاة، وهذا هو الأصح من مذهب أبي حنيفة (2)، وإن روي في القدوريّ اشتراط اختلاطها بالذكور والإناث، والواجب في عينها، ويؤخذ من قيمتها (أ) أربعون دينارًا كما كان في عصرهم، واحتج أبو حنيفة بقوله عليه الصلاة والسلام "في كلّ فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم" أخرجه الدارقطني والبيهقي وضعفاه والخطيب عن جابر (3)، وتأول حديث أبي هريرة بأن المراد بالفرس التي لا صدقة فيها هي المعدة للرُّكوب، وهي لا يجب فيها بالإجماع، قال: بقرينة اقترانها بالعبد المعد للخدمة، بدليل استثناء صدقة الفطر في حقه، وأجاب الجمهور بضعف الحديث الذي احتج به وقوة حديث النفي، فلا يعارضه ولو كان عمومًا، وله أن يجيب بأن الحديث متأيد بما روي أنّ عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي عُبَيْدة يأمره أنّ يأخذ من الخيل السائمة من كلّ فَرَس دينارًا أو عشرة

(أ) هـ، جـ: فإذ كانت أربعين أخرج واحدة منها أو ربع عشر قيمتها أو دينارًا عن كلّ فرس، وهذا بناء على أنّ الفرس قيمتها.

_________

(1)

في هـ، جـ: زيادة هنا: "الأصح الوجوب لأنها تتناسل بالفعل المستعار والناس لا يمنعونه في العادة، وفي الذكور المنفردة روايتان".

وفي جـ: "الأصح الوجوب لأنها لا .... " إلى آخر العبارة.

(2)

المغني 2: 620.

(3)

الدارقطني 2: 126 وقال: تفرد به غُورك عن جعفر بن محمّد وهو ضعيف جدًّا. البيهقي 4: 119. تاريخ بغداد 6: 398. ولفظهم في الخيل السائمة في كلّ فرس دينار قال الحافظ في التلخيص وإسناده ضعيف جدًّا 2: 157.

ص: 304

دراهم، ووقعت هذه الحادثة في زمن مروان فشاور الصّحابة في ذلك فروى أبو هريرة الحديث:"ليس على الرَّجُل في عبده ولا فرسه صدقة"(1)، فقال مروان لزيد بن ثابث: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال أبو هريرة: عجبًا من مروان أحدثه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال زيد: صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إنّما أراد به فرس الغازي (2)، فأمّا من تاجر يطلب نسلها ففيها الصَّدقة، فقال: كم؟ قال: في كلّ فرس دينار أو عشرة دراهم.

فهذا يدلُّ على شيوع ذلك في أيّام الصّحابة، وعلى صحة تأويل أبي حنيفة لحديث أبي هريرة.

واعلم أنّ ظاهر هذا الاحتجاج أنه يجب في الفرس ولو كانت واحدة، وأنه لا يشترط منها أنّ يبلغ إلى أربعين، ولعلّ اعتبار الأربعين إنّما هو لإخراج واحدة منها (واعلم أيضًا أنّ أبا حنيفة يقول: إنّه لا يأخذ الإمام زكاتها قهرًا لأن زكاتها لا تجب في عينها) (أ) بخلاف زكاة السائمة فإنها جزء من عينها وللإمام فيه حق الأخذ، وذهب أهلُ الظّاهر إلى العمل بظاهر حديث أبي هريرة، وأنها لا تجب الزَّكاة في الخيل ولو كانت للتجارة، وأجيب بأن زكاة التجارة واجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره (3)، فهو مخصوص (ب) لعموم النفي الّذي في الحديث، والله أعلم.

(أ) زيادة في النسخ الثلاث.

(ب) جـ، هـ: مخصص.

_________

(1)

البخاريّ الزَّكاة، باب ليس على المسلم في عبده صدقة 3: 327 ح 1464 (بلفظ: "المسلم" بدل "الرَّجل")، ومسلم الزَّكاة، باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه 2: 675 - 676 ح 8 - 982 (بنحوه).

(2)

ذكره أبو زيد الدبوسي في كتابه "الأسرار" وقال الحافظ في الدراية: إسناده صحيح 158.

(3)

قال الصغاني: في الإبل كيف الإجماع؟ وهذا خلاف الظاهرية 2: 243.

ص: 305

458 -

وعن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في كلّ سائمة إِبل في أربعين بنت لَبُون، لا تفرق إِبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا بها فله أجرها، ومن منعها فإِنا آخذوها وشطر ماله؛ عزمة من عزمات رَبّنَا، لا يحل لآل محمّد منها شيء" رواه أحمد، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وصححه الحاكم (1)، وعلق الشّافعي القول به على ثبوته (2).

بَهْز -بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وبالزاي- ابن حكيم بن معاوية بن حَيْدَة -بفتح الحاء المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الدال- القشَيرِيّ -بضم القاف وفتح الشين المعجمة-، وقد اختلف العلماء فيه، فقال يحيى بن معين في هذه التّرجمة: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز، وقال أبو حاتم: هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به (3)، وقال الشّافعي (4): ليس حجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم -يعني تجوز العقوبة بالمال- ثمّ رجع، ورأى العقوبة فيه بغير أخذ المال.

وسئل عنه أحمد فقال: ما أدري وجهه، فسئل عن إسناده فقال: صالح الإسناد (5)، وقال ابن حبّان (6): كان يخطئ كثيرًا يعني بهز ولولا

(1) أبو داود الزَّكاة، باب في زكاة السائمة 2: 233 ح 1575 (بنحوه)، النسائي الزَّكاة، باب عقوبة مانع الزَّكاة 5: 11 (بلفظ: "شطر إبله")، أحمد 2: 4، الحاكم 1: 397 - 398 (بلفظ: "شطر إبله").

(2)

التلخيص الحبير 2: 170.

(3)

الجرح والتعديل 3: 257 - 258.

(4)

و (5) التلخيص الحبير 2: 170.

(6)

المجروحين 1: 194.

ص: 306

هذا الحديث لأدخلته في الثقات، وهو ممّن أستخير الله (أ) فيه، وقال ابن عَدِي (1): لم أر له حديثًا منكرًا، وقال ابن الطلاع في أوائل الأحكام: بهز مجهول، وقال ابن حزم: غير مشهور بالعدالة، وهو خطأ منهما، وقد وثقه خلق من الأئمة.

قال المصنِّف -رحمه الله تعالى (2) -: وقد استوفيتُ الكلامَ فيه في "تلخيص التهذيب"، وقال الذهبي (3): ما تركه عالم قط، وقد تكلم فيه بأنه كان يلعب بالشطرنج، قال ابن القطان: وليس ذلك بضائر له فإن استباحته مسألة فقهية مشتهرة.

قوله "لا تفرق إِبل عن حسابها": معناه أنّ المالك لا يفرق ملكه عن ملك غيره حيث كانا خليطين كما تقدّم في الحديث الأوّل، كأن يكون خمس من الإبل بين شريكَيْن فاقتسماها لئلا يجب عليهما الزَّكاة.

وقوله "مؤتجرًا": أي طالبًا للأجر.

وقوله "فإِنا آخذوها" إلى آخره: فيه دلالة على أنّ الزكاة يأخذها الإمام قهرًا إذا منعها رب المال، والظاهر أنه مجمع عليه (4) وأن نيّة الإمام تكفي في أخذ الزَّكاة وإن فات رَبّهَا الأجر فقد سقط عنه الفرض الواجب.

وقوله "وشَطْر ماله": معطوف على الضمير المنكوب في قوله "آخذوها" والشطر مراد به البعض، ظاهره أنّ الإمام يعاقبه بأخذ جزء من

(أ) سقط لفظ الجلالة من جـ.

_________

(1)

الكامل 2: 501.

(2)

التلخيص الحبير 2: 170.

(3)

ميزان الاعتدل 1: 354 رقم 1325.

(4)

في قول أكثر أهل العلم. المغني 2: 573 المجموع 5: 289.

ص: 307

المال عقوبةً له، وفيه دلالة على جواز العقوبة بالمال، وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في القديم ثمّ رجع عنه (1)، وقال: إنّه منسوخ وإن ذلك كان في صدر الإسلام العقوبة بالمال جائزة، وقال: إن الناسخ له حديث ناقة البراء أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حكم عليه بضمان ما أفسدت من دون عقوبة، ورد عليه النووي (2) بأن الذي ادعوه بأن العقوبة بالمال في صدر الإسلام غير ثابت ولا معروف، ودعوى النسخ على فرض صحته غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ.

قال المصنف -رحمه الله تعالى (3) -: والجواب عن الاحتجاج بالحديث ما أجاب به إبراهيم الحَربْيُّ، فإنّه قال في سياق هذا المتن: وَهم الراوي في قوله: "وشَطْر ماله"، وإنّما هو فإنا آخذوها من شطر ماله، أي: يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصَّدقة من خير الشطرَيْن عقوبة لمنعه الزَّكاة، فأمّا ما لا يلزمه فلا، نقله ابن الجوزي في "جامع المسانيد" عن الحربي، والله الموفق. انتهى.

وأنا أقول هذا الجواب لا يجدي، فإنّه إذا تخير المصدق وأخذ من خير الشطرين فقد أخذ زيادة على الواجب، وهي عقوبة مالية، فقد حصل العقوبة بالمال الّتي فر منها.

وقد ورد العقوبة بالمال في قضايا متعددة منها قصة المَدَديّ الذي أغلظ الكلام لأجله عوف بن مالك على خالد بن الوليد لما أخذَ سلبه، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لا يردّ عليه" أخرجه مسلم (4)، وكذا من سرق من

(1) المجموع مع المهذب 5: 284، 288.

(2)

المجموع 288:5.

(3)

التلخيص الحبير 2: 170.

(4)

مسلم الجهاد، باب استحقاق القاتل سلب القتيل 3: 1373 - 1374 ح 43، 44 - 1753.

ص: 308

التّمر المعلق على الشجر وخرج به فيما لا يوجب القطع فإنّه أوجب عليه الغرامة والعقوبة (1)، وفُسرت العقوبة بمضاعفة الغرامة، أخرجه أبو داود والنَّسائيّ وصححه الحاكم، وكذلك تحريقه، صلى الله عليه وسلم، متاع الغال عقوبة له، وجرى على ذلك الخليفتان أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما (2)، وهو ممّا يدلُّ على عدم النسخ.

وقوله "عزمة": يجوز فيه الرفع خبر لمبتدأ محذوف، والنصب على المصدر، وهو مصدر مؤكد لنفسه مثل: له عليَّ ألف درهم، اعترافًا بفعل يدلُّ عليه الجملة التي قبله، وهي: فإنا آخذوها ألقائمة مقام الفعل المحذوف وجوبًا، ومعنى العزيمة في اللُّغة: الجد في الأمر، يعني أنّ أخذ ذلك واجب مفروض من الأحكام التي حكم بها الله على عباده كالجهاد ونحوه، لم يوسع في ذلك على الأئمة في التَّرك والمساهلة، أو لم يوسَّع على المكلفين وسهل لهم ذلك حتّى يتوقف أخذها على اختيارهم، وعزائم الله فرائضه على العباد كذا في "القاموس"(3).

وقوله "لا يحل" إلخ: سيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا.

459 -

وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحَوْل ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتّى تكون لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول

(1) أبو داود اللقطة، باب التعريف باللقطة 2: 335 - 336 ح 1710، التّرمذيّ البيوع، باب ما جاء في الرُّخصة في أكل الثمرة للماء بها 3: 575 ح 1289 (مختصرًا)، النسائي قطع السارق، باب الثمر يسرق بعد أنّ يؤويه الجرين 8: 77، الحاكم 4:381.

(2)

أبو داود الجهاد، باب في عقوبة الغال 3: 158 ح 1573.

(3)

القاموس باب الميم فصل العين (4: 150).

ص: 309

ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلكِ، وليس في المال زكاة حتّى يحول عليه الحول" رواه أبو داود (1)، وهو حَسَن، وقَد اختُلف في رفعه.

وللترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتّى يحول عليه الحول"(2) والراجح وقفه.

أخرج حديث عليّ: أبو داود عن الحارث الأَعْوَر وعاصم بن ضمرة كلاهما مرفوعًا إلا قوله: "فما زاد فبحساب ذلك" قال: فلا أدري أعليّ يقول "فبحساب ذلك" أو يرفعه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإلا قوله "وليس في مال زكاة" إلخ، فقال أبو داود: إلا أنّ جريرًا قال ابن وهب يزيد في الحديث عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "ليس في مالٍ زكاة حتّى يحول عليه الحَوْل"، وظاهره أنه اختلف فيه (أ).

الحديث فيه دلالة على اعتبار النصاب في وجوب الزَّكاة، وأن نصاب الفضة ما ذكر في مائتي درهم (3)، وهو مجمع عليه، وظاهره أنه لا بد أنّ يكون ذلك القدر خالصًا من الفضة، فما كمل بالغش لم يجب فيه الزَّكاة

(أ) في جـ وحاشية الأصل: وعاصم بن ضمرة السلولي وثقه ابن المديني، وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس. وأما الحارث الأعور فكذبه ابن المديني وغيره. وروى سعيد بن منصور عن ابن معين توثيقه.

_________

(1)

أبو داود الزَّكاة، باب في زكاة السائمة 2: 230 ح 1573، التّرمذيّ (طرف منه) الزَّكاة، باب ما جاء في زكاة الذهب والفضة 3: 16 ح 620، النَّسائيُّ (طرف منه) الزَّكاة باب زكاة الورق 5: 27، ابن ماجة الزَّكاة، باب زكاة الورق والذهب 1: 570 ح 1790، وقد حسنه النووي في الخلاصة.

(2)

التّرمذيّ الزَّكاة، باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتّى يحول عليه الحول 3: 25 ح 631، الدارقطني الزَّكاة، باب وجوب الزَّكاة بالحول 2:90.

(3)

ما يعادل ستًّا وخمسين ريال عربي سعودي المضروبة بالفضة وهو ما يعادل مائة وأربعون مثقال. السلسبيل 1: 265.

ص: 310

ولو كان الغش يسيرًا، وهو قول الأكثر، وذهب المؤيد بالله (1) والإمام يحيى إلى أنه إذا كان الغش يسيرًا يتعامل به فلا يضره، وفسره الإمام يحيى بالعشر فما دون، قال لأنه لا تخلو الفضة في الأغلب عن ذلك، وفي "البحر"(2) رواية عن أبي حنيفة أنه يعفي في الغش عن النّصف فما دون، وعن السرخسي من الشّافعيّة (3) حكاية وجه في مذهبهم: أنّ الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضم إليه قيمة الغش من النحاس مثلًا لبلغ نصابًا فإن الزَّكاة تجب فيه، وهو منقول عن الحنفية، وظاهر مفهوم العدد وهو متأيد بحديث النفي الّذي سيأتي وغيره أنه إذا نقص عن ذلك القدر وإن قل النقص أنه لا يجب فيه الزَّكاة، ونقل عن بعض المالكية، وفي البحر (4) نسبه إلى مالك أنه يعفى عن النقص اليسير كالحبة والحبتين فتجب الزَّكاة حينئذٍ، والمراد بالدرهم ما بلغ قدر الدرهم من الفضة سواء كان مضروبًا أو غير مضروب، وحصل الإجماع أنّ العشرة الدراهم مقدار سبعة مثاقيل، فالدرهم سبعة أعشار المثقال.

قال أبو عُبَيد: إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتّى جاء عبد الملك بن مَرْوَان فجمع العلماء فجعلوا كلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل، قال عياض (5): وهذا يلزم منه أن يكون صلى الله عليه وسلم أحال نصاب الزَّكاة على أمرٍ مجهول، وهو مشكِل، والصواب أنّ معنى ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة في الوزن بالنسبة إلى العدد، فعشرة مثلًا وزن

(1) البحر 2: 150.

(2)

البحر 2: 150.

(3)

المجموع 5: 467 وقال: "وهذا الوجه الّذي تفرد به السرخسي غلط مردود بقوله "وليس فيما دون خمسة أواق من الوَرق صدقة".

(4)

البحر 1: 150.

(5)

شرح مسلم للنووي 6:3.

ص: 311

عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأيُ على نقش الكتابة العربيّة ويصير وزنها وزنًا واحدًا، وفي البحر (1): كانت الدراهم بعضها عشرة وزن خمسة دنانير، وبعضها عشرة وزن ستة، وبعضها عشرة وزن عشرة، فأخذوا من كلّ عشرة ثلثها فصارت العشرة الدراهم وَزْن سبعة مثاقيل، أو وزن ثلث مجموع العَشَرَات أربعمائة وعشرون شعيرة وذلك وزن سبعة مثاقيل، قال: ولا ضربة للإسلام في عهده صلى الله عليه وسلم بل ضرب الجاهلية وهي المقصودة في الخطاب بالدرهم والدينار، وكان المسلمون يردونها إلى التبر وهو غير المضروب ويتعاملون بها وكان لهم نصف الأُوقِية معيارًا وهو عشرون درهمًا ويسمي نَشًّا كما في حديث عائشة (2)، وكذلك النواة وهي ثُمُن الأُوقِية خمسة دراهم، فيردون ما وصلهم من الضرب الكسروية والقيصرية إلى هذا الوزن، وأول من ضرب الدّينار في الإسلام عبد الله بن الزُّبَيْر، والدرهم عبد الملك برأي عليّ بن الحُسَين رضي الله عنهم، انتهى (3).

قال المصنِّف -رحمه الله تعالى (4): ولم يخالف في أنّ نصاب الفضة مائتا درهم تبلغ مائة وأربعين مثقالًا من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسي فإنّه قال: إن أهل كلّ بلد يتعاملون بدراهمهم، وذكر ابن عبد البرّ اختلافًا في الوزن بالنسبة لدراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلدان، وبعضهم اعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن، قال: وهو خارق للإجماع، وأقول: إن صح الإجماع فهو دليل على ما ذكر من اعتبار الوزن وإلا فكان الظّاهر ما ذكره مع ثبوت اختلاف قدرها في زمنه صلى الله عليه وسلم وإطلاقه لذلك مع علمه بالاختلاف وأن كثيرًا من الإعراب من أهل البوادي لم

(1) البحر 2: 150 - 151.

(2)

مسلم النِّكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن .... ، 2: 1042 ح 78 - 1426.

(3)

البحر 2: 150.

(4)

الفتح 3: 311.

ص: 312

يعرف الوزن ولا يهتدي عند الإطلاق إلى ذلك والله أعلم.

وقوله: "حتّى يكون ذلك عشرون دينارًا" المراد بالدينار (1): المثقال وهو ستون شعيرة من الشعير الموافق للعادة أي لا يخالف المعتاد في الخفة والثقل، وهذا بناء على أنّ المراد به الشعير المتبادر عند الإطلاق، وقال ابن الخليل وأبو مضر: المراد به وزنات عند أهل الصوغ يسمى شعائر قيل: وهي حب الشكلم، وكان عهده صلى الله عليه وسلم المثقال عشرين قيراطًا عراقيا، والقيراط ثلاث شعيرات، وهذا مخالف لاصطلاح أهل الفرائض في القيراط، فهو عندهم ربع السدس جزء من أربعة وعشرين، واعتبار نصاب الذهب بالعشرين الدّينار هو قول الأكثر، وقد روى عن الحسن البصري (2) أنّ نصاب الذهب أربعون، قال: لأنه إذا كان عشرين استفتح المال المزكى بالكسر، فيكون زكاته نصف دينار بخلاف ما إذا كان أربعين كان زكاته دينارًا، وقد روي عنه مثل قول الأكثر (3)، ونصابه معتبر في نفسه، فإن نقص عن ذلك ولو قل النقص لم يجب فيه شيء، وذهب طاوس (4) إلى أنه يعتبر في نصابه التقويم بالفضة، فما بلغ منه ما يقوم بمائتي درهم وجب فيه الزَّكاة، وهو بناء على أنه لم يثبت له نصاب في عينه، ولكنه قد ثبت فالنَّصُّ أولى، وعن مالك أنه لا يضر النقصان اليسير كما تقدّم في الفضة، وقدر ذلك بالحبة والحبتين، وعنه أنّ ذلك لا يضر إذا نقص في بعض الموازين دون بعض، فإن نقص في جميعها ضره (أ).

وفي قوله: "حتّى يحول عليه الحول" وحديث ابن عمر [وكذلك

(أ) هـ: ضر.

_________

(1)

النصاب اثنا عشر جنيهًا ونصفًا من الجنيهات السعودية. 1: 264 السلسبيل.

(2)

و (3) شرح مسلم 4:3، البحر 2:149.

(4)

البحر 149:2.

ص: 313

أخرج الدارقطني من حديث أنس مرفوعًا "ليس في المال زكاة حتّى يحول عليه الحول" وحديث ابن عمر] رفعه أيضًا الدارقطني (1) والحاكم فيه دلالة على أنّ الزَّكاة لا تجب حتّى يمضي على المال في ملك المالك الحَوْل، وهو قول الأكثر، وذهب ابن عبّاس وابن مسعود والناصر وداود والصادق والباقر أنه يجب على المالك إذا استفاد المال أنْ يزكيه في الحال لعموم قوله:"في الرقة ربع العشر"، والجواب أنه مقيد بهذه الأحاديث والضعف فيها منجبر بكثرتها وبالآثار الواردة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، والله أعلم.

460 -

وعن عليّ رضي الله عنه قال: "ليس في البَقَر العوامل صدقة" رواه أبو داود والدارقطني والراجح وقفه أيضًا (2).

الحديث قال البيهقي (3): رواه النّفيلي عن زهير بالشك في وقفه أو رفعه، ورواه أبو بدر عن زُهَيْر مرفوعًا، ورواه غير زهير عن أبي إسحاق موقوفًا. انتهى.

وهو عند أبي داود وابن حبّان عن عاصم عن عليّ، وصححه ابن القطان بناء على توثيق عاصم بن ضمرة (4) عدم التعليل بالرفع والوقف.

وقد روي مثله من حديث عمر، أخرجه البيهقي وابن عدي، ومن حديث ابن عبّاس أخرجه الدارقطني (5) بإسناد ضعيف (6) ومن حديث جابر

(1) الدارقطني 2: 91 وأخرجه ابن عدي في الكامل 2: 779 وفيه حسان بن سياه ضعيف وتقدمت له شواهد.

(2)

أبو داود بمعناه الزكاة، باب في زكاة السائمة 2: 228 ح 1572، الدارقطني الزَّكاة، باب ليس في العوامل صدقة 2:103.

(3)

البيهقي الزكاة، باب ما يسقط الصدقة عن الماشية 4:116.

(4)

عاصم بن ضمرة السلولي صدوق، التقريب 159. الميزان 2: 352 رقم 4052.

(5)

الدارقطني 2: 103.

(6)

فيه سوار بن مُصْعَب، متروك، الميزان 2: 246، الضعفاء 2:168.

ص: 314

بلفظ "ليس في المثيرة صدقة"، وفي رواية:"مثيرة الأرض"(1)، وضعف البيهقي (2) إسناده، وصححه من طريق عَمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جده (3)، إلا أنه قال "الإبل" بدل "البقر"، وإسناده ضعيف (4).

والحديث فيه دلالة على أنه لا يجب في البقر العوامل شيء، وظاهره سواء أسمت أو لم تسم إذا كانت عاملة، وقد ذهب إلى هذا الشّافعيّ في أحد قولَيْه، وهو الصّحيح لمذهبه (5)، والقاضي زيد وصاحب اللمع، وذهب الإمام يحيى وحكاه لمذهب الهادي والشّافعيّ في أحد قوليه، والجويني (6) إلى أنه تجب الزَّكاة [في العاملة السائمة لقول عليّ رضي الله عنه فإذا رعت وجبت (7)، وذهب مالك (8) وربيعة إلى وجوب الزَّكاة] في المواشي، وإن لم تكن سائمة بأن تكون معلوقة لعموم قوله:"في كلّ أربعين من الغنم" الحديث، "وفي ثلاثين من البقر" الحديث (9)، "وفي خمس من الإبل" الحديث (9)، والجواب بأن ذلك عموم، وهذا خصوص، والعمل بالخاص فيما تناوله هو الواجب.

وإذا اختلف في العلّف والسوم فمذهب الهادي والشّافعي (10) أنّ العبرة بالأغلب، إذْ هو كالكل في أكثر الأحكام، واعتبر الإمام المهدي معه ذلك طرفي الحول، فلا بد أنّ يسام في أكثر الوسط مع طرفي الحول قياسًا

(1) الدارقطني 2: 104، البيهقي 4:116.

(2)

و (3) البيهقي 4: 116.

(4)

فيه محمّد بن حمزة الرقي منكر الحديث، الميزان 3: 529، لسان الميزان 5:148.

(5)

المجموع 5: 304.

(6)

البحر 2: 157.

(7)

لم أقف عليه في كتب السنن وفي المجموع: زيد بن عليّ. جواهر الأخبار 2: 155.

(8)

البحر 2: 157.

(9)

تقدّم.

(10)

البحر 2: 157.

ص: 315

على كمال النصاب، وللشافعي (1) قولان؛ أحدهما يسقط بعلف ثلاثة أيّام إذ لا تصبر في مثلها، والثاني إن نوى جعلها معلوفة سقطت بمرة كنية القنية.

461 -

وعن عَمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ولي يتيمًا له مال فليتجر له ولا يتركه حتّى تأكله الصَّدقة" رواه التّرمذيّ والدارقطني (2)، وإسناده ضعيف وله شاهد مرسل عند الشّافعيّ، في إسناد الحديث المثنى بن الصباح وهو ضعيف (3)، وقد قال التّرمذيّ (4): إنّما يروى من هذا الوجه.

وقد رُوي عن عمرو بن شعيب عن عمر بن الخطّاب موقوفًا عليه، انتهى.

وقال مهنا (5): سألتُ أحمد عنه فقال: ليس بصحيح يرويه المثنى عن عمرو، ورواه الدارقطني (6) من حديا أبي إسحاق الشيياني أيضًا عن عمرو بن شُعَيْب، لكن رواية مندل بن عليّ وهو ضعيف (7)، ومن حديث العرزمي عن عمرو (8)، والعرزمي ضعيف متروك (9)، ورواه ابن عدي (10)

(1) البحر 2: 157.

(2)

التّرمذيّ (وأوله ألا مَنْ) الزَّكاة في باب ما جاء في زكاة مال اليتيم 3: 32 ح 641، الدارقطني، الزَّكاة باب وجوب الزَّكاة في مال الغني واليتيم 2: 110، الأم 2:23.

(3)

المثنى بن صباح اليماني الأنباري ضعيف، اختلط بآخره. التقريب 328.

(4)

التّرمذيّ 3: 32، 33.

(5)

التلخيص 2: 166.

(6)

الدارقطني 2: 110.

(7)

مر في حديث 348.

(8)

الدارقطني 2: 11.

(9)

محمّد بن عبيد الله العرزمي متروك، الميزان 3: 635، التقريب 309.

(10)

الكامل 7: 2604.

ص: 316

من طريق عبد الله بن عليّ، وهو الإفريقي وهو ضعيف (1)، وقال الدارقطني في "العلل" رواه حسين المُعَلِّم عن مكحول عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيَّب عن عمر، ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب عن عمر، ولم يذكر ابن المسيَّب، وهو الّذي عناه التّرمذيّ، والمرسل الّذي رواه الشّافعيّ (أ)، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزَّكاة"(2)، وقد أخرجه الشافعي عن عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن جُريج عن يوسف بن مَاهَك به مرسلًا، وقد أكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزَّكاة مطلقًا (3)، وقد روى مثله عن أنس مرفوعًا، أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط"(4)، وقد روى مثله الشّافعيّ عن ابن عمر موقوفًا (5)، وأخرج أيضًا مالك في الموطَّأ عن القاسم بن محمّد قاسم:"كانت عائشة تليني وأخًا لي يتيمًا في حجرها، وكانت تخرج من أموالها الزَّكاة"(6)، وهو مروي أيضًا عن عليّ رضي الله عنه من طرق، أخرجها البيهقي وابن عبد البر (7).

(أ) بحاشية الأصل وهـ: وأخرج عبد الرزّاق والدارقطني والبيهقي ذلك موقوفًا على عمر، وصححه البيهقي.

_________

(1)

عبد الله بن عليّ أبو أيوب الإفريقي قال أبو زرعة: ليس بالمتين، في حديثه إنكار، وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ، وفي التلخيص: ضعيف. الميزان 2: 363، التقريب 182: التلخيص 2: 167.

(2)

الأم: 2: 25.

(3)

الأم: 2: 24.

(4)

التلخليص بلفظ "اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزَّكاة"، الطبراني في الأوسط في ترجمة علي بن سعيد 2:167.

(5)

الأم 2: 25.

(6)

الموطأ 171، الأم 2:25.

(7)

الدارقطني 2: 110.

ص: 317

والحديث فيه دلالة على وجوب الزَّكاة في مال الصبي، وأنه كمال المكلَّف، ولكن الواجب على وليه الإخراج لهذا ولعموم أدلة الزَّكاة، كقوله "في الرقة ربعِ العشر"(1) ونحوه، وقد ذهب إلى هذا طوائف من الصّحابة كعلي وعمر وابن عمر وعائشة (2)، ومن التابعين كابن أبي ليلى، ومن بعدهم كالثوري والنخغي، ومن الأئمة كالهادي والمؤيد والشّافعيّ وغيرهم (2)، وذهب ابن عبّاس وزيد بن علي والناصر والصادق وأبو حنيفة وأصحابه وابن شبرمة إلى أنه يلزمهم العشر (3) لعموم دليله لا غيره لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم

" الحديث (4)، وذهب ابن مسعود (5) إلى أنه لا يخرج الولي بنفسه من مال الصبي، قال فيما أخرجه البيهقي عنه: "من ولي مال يتيم فليحص عليه السنين، فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزَّكاة، فإن شاء زكي وإن شاء ترك" (6) وأعله الشّافعي بالانقطاع (7)، وبأن راويه ليث بن أبي سليم، وهو ليس بحافظ، وقد روي مثله عن ابن عبّاس (8)، وفي إسناده ابن لهيعة (9).

(1) تقدّم.

(2)

المغني 2: 622 وذكر النووي في المجموع أنّ رأي ابن أبي ليلى فيما ملكه زكاة لكن إن أداها الوصي ضمن. 5: 283 ويحكى عن النووي تجب الزَّكاة ولا تخرج حتّى يبلغ الصبي. المغني 2: 622.

(3)

المغني 2: 622، المجموع 5:282.

(4)

أبو داود الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا 4: 558 ح 4398، ابن ماجة الطّلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم 1: 658 ح 2041، أحمد 6:100.

(5)

المغني 2: 622.

(6)

البيهقي 4: 108.

(7)

الانقطاع بين مجاهد وبين ابن مسعود 4: 108.

(8)

البيهقي 4: 108.

(9)

تقدّم في ح 28.

ص: 318

وفي قوله "حتى تأكله الصدقة": دلالة على أن الزكاة لا تتعلق بالعين حتى تمنع وجوب الزكاة بنقصان النصاب، وإن كان ذلك يحتمل التأويل بأنه يصدق بأكل البعض منه مجازًا، والله أعلم.

462 -

وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صَلِّ عليهم". متفق عليه (1)، لفظ البخاري قال: "اللهم صلِّ على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى" (2).

في الحديث دلالة على أنه مشروع من قابض الزكاة الدعاء لمؤتيها، وظاهر هذا أن عادة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بذكر لفظ الصلاة، وهو مؤيد بقوله تعالى:{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (3) ولكنه غير متعين ذلك اللفظ لما أخرجه النسائي من حديث وائل بن حجر (4) أنه صلى الله عليه وسلم قال في رجل بعثه ساعيا في الزكاة: "اللهم بارك فيه وفي إبله" وترجم البخاري في ذلك باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (5)، وكأنه أراد الإشارة إلى ما ورد في الحديث.

وقد استدل بعض أهل الظاهر بهذا على وجوب الدعاء من الإمام، وآخذ الصدقة، وحكى وجهًا لبعض الشافعية، وأجيب بأنه لو كان واجبًا لعلمه النبي صلى الله عليه وسلم السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الإمام من الكفارات وغيرها لا يجب عليه فيها الدعاء، وكذلك الزكاة، وأما الأمر في الآية

(1) البخاري المغازي باب غزوة الحديبية 7: 448 ح 4166، مسلم الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقته 2: 756 ح 176 - 1078.

(2)

البخاري كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة 3: 361 ح 1497.

(3)

سورة التوبة الآية 103.

(4)

النسائي الزكاة، باب الجمع بين المتفرق، والتفريق بين المجتمع 5:21.

(5)

البخاري 3: 361.

ص: 319

الكريمة فيحتمل أن يكون إيجابًا على الرسول صلى الله عليه وسلم خاصًّا به لكون صلاته سَكَنٌ لهم.

واستدل أيضًا بجواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور، وقال جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة للمتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث، وأجاب الخطابي (1) بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعوِّ له، فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه دعاء له بزيادة القربة والزلفى، ولذلك كان لا يليق بغيره، انتهى.

وفي قوله "اللهم صل على آل أبي أوفى": مراد بالآل النفس، لأن الآل يطلق على ذات الشيء كقوله "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود"(2)، وقيل: لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر.

463 -

وعن عليّ رضي الله عنه أن العباس رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم "في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك" رواه الترمذي والحاكم (3).

الحديث أخرجه أحمد وأصحاب السنن والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث الحجاج بن دينار عن الحكم بن عيينه عن جُحَيَّة بن عدي عن

(1) معالم السنن 2: 203.

(2)

البخاري فضائل القرآن، باب حُسْن الصوت بالقراءة للقرآن 9: 92 ح 5048، مسلم صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن 1: 546 ح 236 - 793 م.

(3)

أبو داود الزكاة، باب في تعجيل الزكاة 2: 275 ح 1624، الترمذي الزكاة، باب في تعجيل الزكاة 3: 63 ح 678، ابن ماجه الزكاة، باب تعجيل الزكاة قبل محلها 1: 572 ح 1795، الحاكم معرفة الصحابة 3: 332، الدارقطني الزكاة، باب تعجيل الصدقة قبل الحول 2: 123 ح 3، البيهقي الزكاة، باب تعجيل الصدقة 4:111.

ص: 320

علي، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الحكم، ورجح رواية منصور عن الحسن بن مسلم بن يناق عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وكذا رجحه أبو داود (1)، وقال البيهقي (2): قال الشافعي: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تسلف صدقة مال العباس قبل أن يحل، ولا أدري أثبت أم لا، قال البيهقي: عنى بذلك هذا الحديث، وهو معتضد بحديث أبي البختري عن على رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين"(3)، رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا (4).

وقد ورد هذا المعنى بألفاظ مختلفة، ومجموعها يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض من العباس زكاة عامَيْن، واختلفت الرواية هل هو استسلاف من النبي صلى الله عليه وسلم أو تقديم من العباس ابتداء، ولعلهما واقعتان جميعًا.

والحديث فيه دلالة على صحة تعجيل الزكاة قبل أن يحل وقت وجوبها، وقد ذهب إلى هذا الهادي والقاسم والمؤيد بالله والحنفية والشافعية (5)، إلا أن ذلك مخصوص بالمالك، ولا يصح التعجيل من المتصرف بالوصاية أو الولاية، ولعل وجه ذلك أن فيه تبرعًا بالإخراج قبل وجوبه، وذلك إنما هو للمالك، ولأنه يجوز ذهاب المال قبل وجوب الإخراج. قال المؤيد بالله (6): والتعجيل أفضل، وقد صح عن أبي هريرة أنه كان يقبض زكاة الفطر في رمضان (7) مع أن وقت وجوبها هو يوم

(1) أبو داود 2: 276.

(2)

السنن 4: 111.

(3)

البيهقي 4: 111.

(4)

الانقطاع بين أبي البختري وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم. سنن البيهقي 4: 111، التهذيب 4:72.

(5)

البحر 2: 188، المجموع 6: 86، المغني 2:630.

(6)

البحر 2: 188.

(7)

البخاري الوكالة، باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئًا ..... ، 4: 487 ح 2311.

ص: 321

العيد، وكذا صح عن ابن عمر أنهم كانوا يخرجونها قبل يوم العيد باليوم واليومين (1)، وذهب الناصر ومالك وربيعة وداود وأبو عبيد بن الحارث إلى أنه لا يجزئ التعجيل لا تقدم من حديث الترمذي حتى يحول عليه الحول (2).

والجواب عنه بأن المراد به أنه لا وجوب حتى يحول عليه الحول، وهو لا ينفي جواز التعجيل، قالوا: ولأن ذلك كالعبادة قبل الوقت، والجواب عنه بأن العبادة قبل الوقت لا يحصل سبب وجوبها، وهنا قد حصل سبب الوجوب وهو ملك النصاب، وحول الحول إنما هو شرط للوجوب، وفرق بين التقديم على السبب والتقديم على الشرط كالحج، فإن وجوبه مشروط بالاستطاعة، وهو يصح فعله قبلها، وفرق أيضًا حديث العباس، وقال الإسفرائيني (3): لا يصح لعامين، وهو مردود بحديث العباس، ولا يصح التعجيل قبل ملك النّصاب لعدمِ حصول سبب الوجوب، واعتبر الحنفية والشافعية كمالَ النصاب آخر الحَوْل الذي وقع فيه التعجيل، ولو كان وقت التعجيل ناقصا ولا يكمل النصاب بالمعجل إلى الفقر أو لا يزكي إذ هو تمليك لهم، وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه يحتسب به، قال: لأن التعجيل رفق بالمساكين، وهذا ينافيه لتفويتها عليهم فلزم الاحتساب به، وأما المصدق فاتفاق أن التعجيل إليه ليس بتمليك.

464 -

وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون خمس أواقي من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإِبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أَوْسُق من التمر صدقة"

(1) البخاري الزكاة، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك 3: 375 ح 1511.

(2)

البحر 2: 188، المغني 2:630.

(3)

البحر 1: 188.

ص: 322

رواه مسلم (1)، وله من حديث أبي سعيد "ليس فيما دون خمسة أو ساق من تمر ولا من حبٍّ صدقة"(2).

وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه (3).

قوله: "ليس فيما دون خمس أواقي" هكذا وقع في رواية لمسلم بإثبات الياء، وفي باقي روايته "أواق" بحذفها، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: الأوقيَّةَ بضم الهمزة وتشديد الياء وجمعها أواقيّ بتشديد الياء وتخفيفها (أ (وأواق بحذفها. قال ابن السكيت في "الإصلاح": كل ما كان من هذا النوع واحده مشدد خافي جمعه التشديد التخفيف) أ) كالأوقية والأواقي والسري والسراوي والتحتية والعلية والأثفبة ونظائرها، وأنكر جمهورهم أن يقال في الواحدة، وفيه بحذف الهمزة، وحكى اللحياني جوازها بفتح الواو، وجمعها وقايا.

والأوقية: أربعون درهمًا كما تقدم.

الورق: بفتح الواو وكسرها وكسر الراء وإسكانها والمراد به الفضة مطلقًا، وقيل هو حقيقة في المضروب، ولا يطلق على غيره إلا مجازًا، وقد تقدم ما يتعلق بذلك من الفقه.

والذَّوْد (4): بفتح الذال المعجمة وسكون الواو ما بين الثلاث إلى العشر [من الإبل لا واحد له من لفظه، وإنما يقال في الواحد بعير، وقال الجمهور: هو من الثلاث إلى العشر]، قال أبو عبيد (5): ما بين ثلاث إلى

(أ - أ) في الأصل وغيره.

_________

(1)

مسلم الزكاة، 2: 675 ح 6 - 980.

(2)

مسلم (السابق) 2: 674 ح 4 - 979 م.

(3)

البخاري الزكاة، باب زكاة الورق 3: 310 ح 1447.

(4)

القاموس (مادة: ذود) 1: 330.

(5)

النهاية 2: 171.

ص: 323

تسع مختص بالإناث، وأنكر ابن قتيبة أن يُقَال خمس ذود كما لا يقال خمس ثوب وغُلِّطَ بأن هذا اللفظ شائع في الحديث الصحيح، مسموع من العرب، موجود في كتب اللغة، وليس هو جمع لمفرد بخلاف الأثواب، وقال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجَمْع فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبل، وثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربع ذود وعشر ذود على غير قياس، كما قالوا ثلاثمائة ونحوه (1)، وقد روي في الحديث بتنوين خمس وإتباع ذود على الصفة، ورواية الجمهور بالإضافة، وهو المشهور.

ولفظ ذود مؤنث ولذلك أنث له اسم العدد، نص عليه سيبويه وقال: وليس باسم كسر عليه مؤنث.

فائدة: قال الأصمعي: الذود ما بين الثلاث إلى العشر، والصبه خمس أو ست، وفي القاموس (2) بالضم وهي السرية من الخيل والإبل والغنم أو ما بين العشرة إلى الأربعين، إذ هي من الإبل ما دون المائة، والصِّرمة ما بين العشر إلى العشرين، وفي القاموس (3): الصرمة بالكسر ما ما بين العشرين إلى الثلاثين، والعكرة: ما بين العشرين إلى الثلاثين، وفي القاموس (4)، العكرة: القطعة من الإبل، والهجمة: ما بين الستين إلى السبعين، وفي القاموس (5): الهجمة من الإبل: ما لها أربعون إلى ما زاد أو ما بين السبعين إلى المائة أو إلى دونها، والهنيدة مائة، وفي القاموس (6): الهنيدة اسم للمائة من الإبل أو لما فوقها ودونها أو للمائتين

(1) الفتح 3: 323.

(2)

القاموس 1: 94.

(3)

القاموس 4: 140 - 141.

(4)

القاموس 2: 98.

(5)

القاموس 4: 190.

(6)

القاموس 1: 362.

ص: 324

كهيدة، والخِطرْ نحو مائتين، وفي القاموس (1): الخِطرْ بكسر الخاء: الإبل الكثير أو أربعون أو مائتان أو ألف منها، والعرج: من خمسمائة إلى ألف، وفي القاموس (2): العرج القطيع من الإبل نحو الثمانين أو منها إلى التسعين أو مائة وخمسون وفوقها، أو من خمسمائة إلى ألف، والجمع أعراج وعروج، وقال أبو عبيدة وغيره: الصرمة من العشر إلى الأربعين (3).

وقوله "أوساق": جمع وَسْق بكسر الواو وفتحها، والمراد به ستون صاعًا كل صاع خمسة أرطال وثُلُث بالبغدادي، وفي رطْل بغداد أقوال أظهرها أنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وقيل: مائة وثمانية وعشرون درهمًا، وقيل مائة وثلاثون، والخمسة الأوسق ألف وستمائة رِطْل بالبغدادي (4)، وقد ذهب إلى تقديره بالوزن زيد بن علي والناصر والمؤيد وأبو حنيفة والشافعي ومالك (5)، قالوا لاتفاق أهل المدينة على تقديره به، وهم أعرف.

وذهب الهادي والقاسم إلى أنه يقدر بالكيل لظاهر الخبر، والوزن في المدينة إنما أمر به هارون حين تناظر أبو يوسف ومالك وأحضروا صيعانهم التي روي أنها عهده، صلى الله عليه وسلم، فالصاع حينئذ أربعة أمداد بمده صلى الله عليه وسلم، والجمهور على أنَّ مُدَّه صلى الله عليه وسلم رِطْل وثُلُث وزيادة يسيرة بالبغدادي، وهو

(1) القاموس 2: 22.

(2)

القاموس 1: 206.

(3)

انظر شرح صحيح مسلم للنووي 3: 4، 5.

(4)

تقدم في حديث القلتين.

(5)

قال الإمام النووي: "هذا الذي صححه الرافعي من الاعتبار بالكيل هو الصحيح، وقال أيضًا: إن الاعتماد في ذلك على الكيل لا الوزن". 5: 416 - 6: 69 - البحر 2: 170.

وقال الإمام ابن قدامة: "والنصاب معتبر بالكيل، فإن الأوساق مكيلة وإنما نقلت إلى الوزن لتضبط وتحفظ وتنقل، ولذلك تعلق وجوب الزكاة بالمكيلات دون الموزونات". المغني 2: 701.

ص: 325

الذي رجع إليه أبو يوسف حين ناظره مالك بشهادة أهل المدينة، وكان أبو حنيفة يقول: إن المُدَّ رِطْلَان والصاع ثمانية أرطال.

واختُلف هل هذا التقدير تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، وفائدة الخلاف أنه على وجه التقريب تجب الزكاة وإنْ نقص قليلًا، وعلى وجه التحديد لا تجب، وهذا الحديث مخصص لعموم:"فيما سَقَت السماءُ العُشْر"(1) فلا تجب الزكاة فيما دون ذلك، وقد ذهب إلى هذا الجمهور منهم على وابن عمر وجابر والهادي والقاسم والمؤيد والشافعي وأبو يوسف ومحمد والثَّوْريُّ (2)، وذهب زيد بن علي والنخعي وابن عباس وأبو حنيفة إلى العمل (3) لعموم قوله:"فيما سقت السماءُ العُشْر" فتجب الزكاة فيما قَلَّ وكُثَر وتخصيصه بحديث الأوساق ممنوع، وذلك أن حديث العموم مشهور، له حكم المعلوم عندهم، وحديث الأوساق ظني فلا يقوى على تخصيصه.

وقد حكى أبو الحسين والرازي عن الشيخ أبي الحسن الكرخي أن المبين إذا كان لفظًا معلومًا وجب كون بيانه مثله وإلا لم يقبل، ولهذا لم يقبل خبر الأوساق مع قوله لا فيما سقت السماء العشر". انتهى.

وهذا بناء منهم على أن دلالة العموم على ما تحته من الأفراد قطعية، وهو ممنوع، ولكن لا يتم العمل بالتخصيص إلا إذا كان خبر الأوساق متأخرًا، وأما إذا كان متقدمًا فيستقيم ذلك على أصل الشافعي ومن قال بقوله مِنْ بِنَاء العام على الخاص مطلقًا، وأما على قول الجمهور منْ أنَّ العامَّ المَتأخر ناسخ للخاص المتقدم فلا ينم العمل به، بل العمل بالعام على تقدير تأخره أو التوقف مع جهل التاريخ والرجوع إلى غيره إنْ وُجِدَ.

(1) انظر تخريجه في الحديث التالي.

(2)

و (3) البحر 2: 170.

ص: 326

وذهب الناصر إلى العمل بحديث الأوساق في التمر والزبيب والبُر والشعير والعمل بعموم: "فيما سقت السماء العُشر" في غير ذلك جمعًا بين الأدلة، ويُجَابُ عنه بأن النَّصَّ على ما ذكر لا يقتضي الوقوف عليه مع إثبات حجية القياس، فلا وجه لذلك، والله أعلم.

465 -

وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثريَّا العُشْر، وفيما سُقِي بالنَّضح نصف العُشْر" رواه البخاري (1)، ولأبي داود أيضًا "العشر، وفيما سُقي بالسواني أو النضح نصف العشر"(2).

المراد بما سقت السماء هو ما كان من المطر أو الثلج أو البرد أو الطل والعيون، وهي الأنهار الجارية التي يسقى منها بإساحة الماء من غير اغتراف منه بآلة، والعثَرِيُّ بفتح العين المهملة وفتح الثاء وكسر الراء المهملة وتشديد الياء المنقوطة من أسفل بنقطتين (3)، وحكى ابن الأعرابي تشديد الثاء المثلثة، ورده ثعلب، وحكى ابن عديس في "المثلث" منه ضم أوله وإسكان ثانيه (4)، واختُلِف في معناه، فقيل هو الذي يشرب بعروقه لأنه عثر على الماء قاله الخطابي، وهو ما كان الماء قريبًا من وجه الأرض فيغرس فتصل العروق إلى الماء فتستغني عن السقي.

وقيل العَثَرِيُّ هو الماء المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه ماء المطر في

(1) البخاري الزكاة، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء بالماء الجاري 3: 347 ح 1483، أحمد 3:341.

(2)

لفظ أبي داود "فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر". الزكاة، صدقة الزرع 2: 252 ح 1596.

(3)

مشارق الأنوار 2: 67.

(4)

الفتح 3: 349.

ص: 327

وقيل العَثَرِيُّ هو الماء المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه ماء المطر في ساق تساق إليه، وسمى بذلك لأن الماء تتغير فيها، وقال أبو عبيد (1): إن العثري ما سقت السماء، والظاهر هو الأول بقرينة مغايرة العطف، وقال بعضهم: العشري هو الذي لا حمل له، ولا يصح هذا لأن ما لا حمل له لا زكاة فيه.

والنَّضْح بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها مهملة، والمراد به ما سقي بالسانية، وهي رواية مسلم، والمراد بها الإبل التي يستقى عليها، والبقر وغيرها مثلها في الحُكْم، وعطف النضح على السواني في رواية أبي داود يدل على أنَّ النَّضْحَ ما كان بآلة غير السواني، والحكم في ذلك واحد لأن المقصود الاحتياج إلى تعب، ومن أوله في السقي.

والبعُل بفتح الباء الموحدة وضم المهملة: وهو النخل الذي يشرب بعروقه (2)، وظاهر الحديث أنه يجب العشر فيما يسقي بما ذكر، ونصف العُشْر فبالنضح حيث كان جميعه، وأما إذا كان بعض السقي من السني وبعضه من غيره وجب الزكاة بالتقسيط، وقال المؤيد وأبو طالب وأحمد بن حنبل: العبرة بالأكثر، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (3)، والقول الثاني يؤخذ بالتقسيط (4)، وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع وانتهى ولو كان أقل، وعلى القول بالتقسيط إذا استوى أو التبس فنصفان إذ لا مخصص، واختلف في التقسيط فقيل حسب العرامة، وهو ظاهر اللمع، وقيل يعتبر بالأوراد وهو أحد قولي الشافعي.

(1) مشارق الأنوار 2: 16.

(2)

النهاية 1: 141.

(3)

المغني 2: 699، البحر 2: 170، المجموع 5:224.

(4)

المغني 2: 700، المجموع 5:422.

ص: 328

466 -

وعن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما: "لا تأخذا في الصدقة إِلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر" رواه الطبراني والحاكم (1).

وللدارقطني عن معاذ: "فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم" وإسناده ضعيف.

الحديث الأول: أخرجه الحاكم من حديث أبي بُرْدَة عن أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يُعَلِّمَان الناس أمر دينهم، قال البيهقي (2): رواته ثقات وهو متصل، وروى الطبراني من حديث موسى بن طلحة عن عمر:"إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة" فذكرها وهو مرسل (3) رواية موسى عن عمر كذا قال أبو زرعة، وروي ابن ماجه والدارقطني (4) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:"إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب" زاد ابن ماجه: "والذرة"، وفي إسنادهما محمد بن عبد الله

(1) الحاكم الزكاة 1: 401 بلفظ: "لا تأخذوا .... "، والدارقطني الزكاة، باب ليس في الخضراوات صدقة 2: 98، بلفظ:"لا تأخذوا"، ومجمع الزوائد في باب زكاة الحبوب وعزاه إلى الطبراني في الكبير، وقال: رجاله رجال الصحيح والبيهقي الزكاة، باب لا تؤخذ صدقة شيء من الشجر غير النخل والعنب 4: 125 بلفظ: "لا تأخذا".

(2)

البيهقي 4: 126.

(3)

لم أقف عليه في الطبراني وقد ذكر في التلخيص أنه عند الدارقطني، فلعله من المؤلف سبق قلم، التلخيص 2: 176، وعند الدارقطني 2: 196 وهو مرسل؛ لأن موسى بن طلحة لم يدرك عمر.

(4)

ابن ماجه: 1: 580 ح 1815، الدارقطني 2:96.

ص: 329

العرزمي، وهو متروك (1)، وروى البيهقي (2) من طريق مجاهد قال:"لم تكن الصدقة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا في خمسة" فذكرها، ومن طريق الحسن قال:"لم يفرض النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة إلا في عشرة"(3) فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة. وعن الشعبي (4): "كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب" قال البيهقي (5): هذه المراسيل طرقها مختلفة، هي تؤكد بعضها بعضا.

والحديث الثاني: أخرجه الدارقطني والبيهقي (6) من حديث إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ، وفيه انقطاع لأن موسى لم يسمع من معاذ، كذا قال أبو زرعة (7)، وكذا قال ابن عبد البر: إنه لم يدرك معاذًا ولا لقيه، وفي هذا رد على الحاكم حيث قال (8): موسى تابعي كبير لا ينكر أنه لقي معاذًا.

والحديث فيه دلالة على أنه لا تجب الزكاة فيما عدا الأربعة المذكورة، وقد ذهب إلى هذا الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي وابن سيرين ورواية أيضًا عن أحمد (9)، وذهب الشافعي (10) إلى أنها تجب الزكاة في هذه وما شابهها في الاقتيات اختيارًا كالذرة والحمص لورود النص فيما ذكر، وشمول العلة لغيرها، وهي الاقتيات والادخار وعظم المنافع فيها، واحترزنا بالاختيار عما كان يقتات في الاضطرار كحب

(1) التقريب 309.

(2)

و (3) و (4) و (5) سنن البيهقي 4: 129.

(6)

الدارقطني 2: 59 - البيهقي 4: 129.

(7)

نصب الراية 2: 386.

(8)

الحاكم 1: 401.

(9)

المغني 2: 691.

(10)

المجموع 445:2 - 446.

ص: 330

الغاسول (1) ونحوه فإنه ليس في معنى ما ورد به النص، وقال في القديم: تجب الزكاة في الرسون والزعفران والورس والقرطم والعلس لآثار وردت في ذلك، وحكى الرافعي قولين في اللوز والبلوط، وقال أبو يوسف: تجب فيما جرى فيه النقير والرطل فقط، وقال محمد كذلك إلا الحناء، وذهب الهادي والقاسم إلى أنها تجب في كل خارج لعموم الآية، وهي قوله تعالى:{وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} (2)، وقوله صلى الله عليه وسلم:"فيما سقت السماء العُشْر"(3)، ونحوه إلا الحشيش والحطب (4) لقوله صلى الله عليه وسلم:"الناس شركاء في ثلاث"(5)، والحطب مقيس على الكلأ.

وقال أبو حنيفة بمثله إلا أنه استثنى السعف والتين، والحديث وارد على الجميع، والظاهر مع مَنْ قال به، والمخالفون دفعوا ذلك، والشافعي رجع إلى القياس وحَكَمَ بتخصيصه لعموم حديث معاذ وأبي موسى وهو صحيح، وقريب منه أبو يوسف ومحمد ولكنهما يجعلان العلة كثرة الاحتياج إلى ذلك فكان مظنة التبادر من لفظ العموم لا القياس، والهادي والقاسم رجحا العمل بعموم الآية والحديث، والحديث المخصص ضعيف، قال الإمام المهدي في "البحر" (6): لنا عموم الأدلة وقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس في الخضروات صدقة"(7) ضعيف السند فأسقطه البخاري وضعفه

(1) هو الأشنان، وقيل حب أسود يابس، يدفن حتى يلين قشره، ثم يزال قشره ويطحن ويخبز، ويقتاته أعراب طيء، ومثلوه بحب الحنظل وسائر بذور البراري. المجموع 5:446.

(2)

البقرة: الآية 267.

(3)

تقدم من حديث ابن عمر.

(4)

البحر 2: 168.

(5)

أبو داود البيوع، باب في منع الماء 3: 750 ح 3477، أحمد 5: 364 (بلفظ: "المسلمون شركاء .... ").

(6)

البحر 2: 169.

(7)

أخرجه الترمذي في السنن كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الخضراوات 3: 21 ح 638 (ط. بيروت) عن معاذ أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات - وهي =

ص: 331

الترمذي، سلمنا فأراد ما لم يبلغ النصاب. انتهى.

وقد يُجَابُ عن تضعيف الحديث بأن إسقاط البخاري له لا يقتضي ضعفه، وتضعيف الترمذي له إنما هو سبب إرسال موسى بن طلحة، فإنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تابعي ولكن الإرسال غير قادح عند كثير من الأئمة منهم الإمام المهدي إذا عرف من حال الراوي أنه لا يرسل إلا عن عدل، وقد رواه البيهقي من حديث موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ (1)، مع أنه وصله الدارقطني (2) فرواه عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعًا، وقد روي من حديث على مرفوعًا أخرجه الدارقطني بسند ضعيف (3)، وعن محمد بن جحش أخرجه الدارقطني (4) وفيه عبد الله بن شبيب، قيل: إنه يسرق الحديث (5)، وعن عائشة أخرجه الدارقطني (6) وفيه صالح بن موسى وفيه ضعف (7)، وعن علي وعمر موقوفًا أخرجها البيهقي (8)، فهذه الروايات تقوي بعضها بعضًا فيصلح للاحتجاج.

= البقول - فقال: "ليس فيها شيء".

وقال الترمذي عقبه: "إسناد هذا الحديث ليس بصحيح، وليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وإنما يروي هذا عن موسى بن طلحة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، والعمل علي هذا عند أهل العلم أن ليس في الخضراوات صدقة".

(1)

بلفظ: "أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير؛ والزبيب والتمر (4: 128، 129).

(2)

الدارقطني 2: 69.

(3)

الدارقطني 2: 94، 95. وفيه العفر بن حبيب؛ قال ابن حبان: يأتي عن الأثبات بالمقلوبات 2: 317 وقال الذهبي لا يكاد يعرف. الميزان 2: 317، قال في اللسان:"أحمد بن الحارث عن العفر بن حبيب يحدث عن علي: ليس في العوامل صدقة". رواه الدارقطني في السنن. قال ابن القطان: "أحمد مجهول كشيخه".

(4)

الدارقطني 2: 95، 96.

(5)

الميزان 2: 438.

(6)

الدارقطني 2: 95.

(7)

صالح بن موسى بن عبد الله بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله متروك. التقريب 150.

(8)

البيهقي 4: 129، 130.

ص: 332

467 -

وعن سهل بن أبي حثمة قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإِن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (1).

الحديث في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار (2)(أ) الراوي عن سهل، وقد قال البزار (3): إنه تفرد به، وقال ابن القطان (4): لا يعرف حاله.

قال الحاكم (5): "وله شاهد متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به" انتهى.

عن عمر أنه كان يقول للخراص: "دع لهم قدر ما يأكلون وقدر ما يقع" أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو عُبَيْد في "الأموال" والبيهقي (6).

وأخرج ابن عبد البر (7) عن جابر مرفوعًا: "خففوا في الخَرص فإن في المال العرية والواطئة والآكلة"(8) الحديث. وفي النهاية (9) أنه قال للخراص: "احتاطوا لأهل الأموال في النائية والواطئة"(10) الواطئة المارة والسابلة

(أ) الأصل وهـ: دينار - خطأ.

_________

(1)

أبو داود الزكاة، باب في الخرص 2: 258، 259 ح 1605، الترمذي الزكاة، باب ما جاء في الخرص 3: 35 ح 643، النسائي الزكاة. لم يترك الخارص 5: 32، أحمد 3: 448، الحاكم 1: 402، ابن حبان 5:119.

(2)

عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الأنصاري المدني مقبول. التقريب 209.

(3)

و (4) التلخيص 2: 182.

(5)

الحاكم 1: 402.

(6)

عبد الرزاق 4: 129 ح 7221 (بتقديم وتأخير)، ابن أبي شيبة 3: 194 (بمعناه)، البيهقي في السنن الكبري 4: 124 (بمعناه)، الأموال لأبي عبيد ص 586 ح 1449 (بمعناه).

(7)

التمهيد 6: 472.

(8)

عبد الرزاق 4: 129، ح 7220، بنحوه، والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 124 بنحوه.

(9)

النهاية 5: 200.

(10)

أخرجه ابن عدي 2: 852 من طريق، في طريقه حرام بن عثمان. قال الإمام الشافعي وأحمد:"الحديث عن حرام بن عثمان حرام". (الكامل لابن عدي 2: 850).

ص: 333

سموا بذلك لوطئهم الطريق، يقول استظهروا لهم في الخرص لما ينوبهم وينزل بهم من الضيفان، وقيل: الواطئة سقاطة التمر تقع فتوطأ بالأقدام فهي فاعلة بمعنى مفعولة، وقيل هي من الوطايا جمع وطيئة وهي تجري مجرى العريَّة سميت بذلك لأن صاحبها وطأها لأهله أي ذللها ومهدها فهي لا تدخل في الخرص، ومنه حديث القَدَر وآثار موطوءة أي مسلوك عليها بما سبق من خير أو شر. انتهى.

وقد اختلف في معنى هذا فقال ابن حبان: له معنيان أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر، وثانيهما أن يترك ذلك من نَفْس الثمر قبل أن يعشر، وقال الشافعي: معناه أن يَدَعَ ثُلُثَ الزكاة أو رُبُعَهَا ليفرِّقها هو بنفسه على أقاربه وجيرانه، وقيل: يَدَعُ له ولأهله قَدْرَ ما يأكلون ولا يخرص، ومقتضى هذا أنه إذا احتاج وأهله إلى الجميع أنْ يترك الجميع، وقد حكاه المنذري كذلك في حواشيه.

والأولى الرجوع في تفسير الحديث إلى ما صرحت به رواية جابر، وهو التخفيف في الخرص فيترك من العشر بقدر الربع أو الثلث، فإن الأمور المذكورة قد لا تدرك الحصاد، فلا تجب فيها الزكاة، والأثمار لا تخلو في الأغلب عن ذلك.

468 -

وعن عتاب بن أسيد قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبًا" رواه الخمسة وفيه انقطاع (1).

(1) أبو داود الزكاة، باب في خرص العنب 2: 257 ح 1603، الترمذي، (بنحوه) الزكاة، باب ما جاء في الخرص 3: 36 ح 644، النسائي الزكاة، باب شراء الصدقة 5: 82، ابن ماجه، (بنحوه) الزكاة، باب خرص النخل والعنب 1: 582 ح 1819، الدارقطني الزكاة 2: 132، ابن حبان الزكاة، ذكر الأخبار عما يعمل الخارص في العنب كما يعمله في النخل 5: 118 ح 2368.

ص: 334

وأخرج الحديث الدارقطني وابن حبان أيضًا، والانقطاع من حيث إنه رواية سعيد بن السيب عن عتاب، وقد قال أبو داود: إنه لم يسمع منه (1)، وقال ابن قانع: لم يدركه، وقال المنذري: إن مولد سعيد في خلافة عمر، وعتاب مات في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وقال بمثله ابن عبد البر (2)، وقد رواه الدارقطني بسند فيه الواقدي عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب بن أسيد (3)، وقال أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عتابًا مرسل، وهذه رواية عن الزهري (4)، قال النووي: هو وإن كان مرسلًا فهو معتضد بقول الأئمة (5).

والحديث فيه دلالة على وجوب خرص العنب والتمر لأن قول الراوي "أمر" مفهم لوقوع ما يدلّ على الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر ظاهر في الوجوب، وقد ذهب إلى الوجوب الشافعي في أحد قولَيْه (6)، قال الإمام المهدي: لا دليل على الوجوب (7)، ويجاب عنه بأن الدليل ما عرفت، وذهب الهادوية والشافعي في أحد قوليه إلى أنه مندوب (8) قالوا: للمصلحة في ذلك، وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنه رجم بالغيب، ويجاب عنه بأنه عمل بالظن، ورد الأمر به، قال القاسم والهادي والمؤيد وأبو

(1) سنن أبي داود 2: 258.

(2)

الاستيعاب 8.

(3)

الدارقطني 2: 132.

(4)

العلل 213:1.

(5)

المجموع 5: 407.

(6)

قال النووي: خرص الرطب والعنب اللذين تجب فيهما الزكاة سنة، هذا هو نص الشافعي رحمه الله في جميع كتبه ..... وحكى وجهًا، أنه واجب وهو شاذ ضعيف. (المجموع 5: 435).

(7)

البحر 171:2.

(8)

المجموع 5: 435، البحر 2:171.

ص: 335

طالب (1): وثمرته أمن الخيانة من رب المال، ولذلك يجب البينة في دعوى النقص بعد الخرص، ومطالبة المصدق بقدر ما خرصه للفقر أو جواز انتفاع المالك بالأكل والانتفاع.

وقال المنصور والشافعي: ومن فوائده التضمين لرب المال قدر الزكاة فيضمنه ولو تلف بغالب، كما لو تلف بعد إمكان الأداء (2)، قال الإمام المهدي (3): لا دليل على التضمين، ويجاب عنه بأن في قصة عبد الله بن رَوَاحَة أنه ضمن أهل خيبر بعد أن خرص عليهم (4) ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا بد من لفظ التضمين وقبول المضمن لذلك، وإلا لم يضمن.

وقال ابن المنذر (5): أجمع من يحفظ عنه العلم أن الخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان (أ).

ويكفي خارص واحد عند العترة وأحد قولي الشافعي كعبد الله بن رواحة وعتاب بن أسيد وأحد قولي الشافعي لا بد من عدلين كتقويم جزاء الصيد (6)، والجواب أنه لا قياس مع النص.

(ولا بد أن يكون عدلًا، لأن الفاسق غير مأمون، عارفًا بالخرص)(ب).

والحديث وارد في العنب والتمر ويقاس عليه غيره، وهو ما كان يمكن ضبطه وإحاطة النظر به.

(ا) بحاشية الأصل.

(ب) بحاشية الأصل.

_________

(1 - 2 - 3) البحر 171:2.

(4)

أبو داود الزكاة، باب متى يخرص التمر 2: 260 ح 1606.

(5)

في السبل: ابن عبد البر (2: 261).

(6)

المجموع 5: 436، البحر 2:171.

ص: 336

وعن أبي جعفر وابن (أ) أبي الفوارس أن ذلك يقصر على ورود النص، وقد قال به شريح وبعض أهل الظاهر، ومذهب الهادوية والشافعية (1) أنه لا خرص في الزرع لتعذر ضبطه لاستتاره بالقشر، وذهب الإمام يحيى إلى أنه يجوز للمصلحة كالعنب، قال الإمام المهدي (2): العنب ممكن الضبط لظهوره فافترقا، وإذا ادعى المالكُ أنه نقص المخروص، فإن كان ذلك بسبب يمكن إقامة البينة عليه وجبت عليه البينة، وإلا صدق مع يمينه وفي عجالة المنهاج ما لفظه:"ولو ادعى هلاك الخروص بسبب خفيٍّ كسرقة أو ظاهر كالنهب والبرد عرف صدقه بيمينه" أي في دعوى التلف بذلك السبب (3)، واليمين مستحبة على الأصح (4)، فإنْ لم يعرف الظاهر طولب ببينة على الصحيح لإمكانها ثم يصدق بيمينه في الهلاك له أي بذلك السبب والثاني: لا يطالب بها بل القول قوله بيمينه لأنه مؤتمن شرعًا، فإن اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرض لسبب فالمفهوم من كلامهم قبوله مع اليمين، ولو ادعى حَيْف الخارص أو غلطه بما يبعد لم يقبل.

أو محتمَل -بفتح الميم- قُبِلَ في الأصح لما نبه عليه من التعليل، والثاني: لا يعدم تحققه.

وقوله: "وتؤخذ زكاته زبيبًا" هذا فيما كان يعتبر فيه الترتيب، وأما ما كان لا يعتبر فيه ذلك وإنما يؤخذ رطبًا فالظاهر أن له حكم الخضراوات، والله أعلم.

(أ)(ابن) ساقطة من هـ.

_________

(1)

المجموع 5: 436، البحر 2:171.

(2)

البحر 2: 172.

(3)

المجموع 5: 439.

(4)

ذكر النووي ذلك في المجموع 5: 439، وقال ابن قدامة:"القول قوله بغير يمين؛ لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم". (المغني 2: 707).

ص: 337

469 -

وعن عَمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده: "أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارَيْن من نار؟ فألقتهما". رواه الثلاثة (1) وإسناده قَويّ، وصححه الحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها (2).

470 -

وعن أم سلمة: "أنها كانت تلبس أوْضَاحًا من ذهب فقالت: يا رسول الله أكَنْزٌ هو؟ قال: إِذا أدَّيْتِ زكاته فليس بكنز" رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم (3).

الحديث أخرجه أبو داود من حديث حسين المُعلِّم وهو ثقة عن عمرو، فَجَزْم الترمذي بأنه لا يُعْرَف إلا من حديث ابن لَهْيعَة غير صحيح (4).

وحديث عائشة أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي: "أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقالت صغتهن أتزين بهن لك يا رسول الله قال: أتؤدين زكاتهن؟ قالت: لا قال: هو حسبك من النار .. " وإسناده على شرط الصحيح.

وفي الباب (أ) عن عمر أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي " أنه كتب عمر

(أ) بحاشية الأصل.

_________

(1)

أبو داود الزكاة، باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي 2: 212 ح 1563، الترمذي الزكاة، باب ما جاء في زكاة الحلي 3: 29 ح 637، النسائي الزكاة، باب زكاة الحلي 5: 28، رواه مسندًا ومرسلا. وقال النووي في المجموع: وإسناده حسن 5: 489.

(2)

الحاكم 1: 389، الدارقطني 2: 105، البيهقي 4:139.

(3)

أبو داود الزكاة، باب الكنز ما هو وزكاة الحلي 2: 212 ح 1563، الدارقطني الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز 2: 105، الحاكم 1، 390.

(4)

التلخيص الحبير 2: 186.

ص: 338

إلى أبي موسى أنْ مُر (أ) مَنْ قِبَلَك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهنّ" (1) وهو مرسل قاله البخاري (2)، وقد أنكر الحسن ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة قال: لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال في الحلي زكاة (3).

وعن ابن عباس أخرجه ابن المنذر والبيهقي، وقال الشافى: لا أدري أثبت عنه أم لا.

وعن ابن مسعود أخرجه ابن المنذر والطبراني والبيهقي أن امرأته سألته على حلي لها، فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، قالت: أضعها في بني أخ لي في حِجرِي؟ قال: نعم (4).

والحديث فيه دلالة على وجوب الزكاة في الحلي من ذهب أو فضَّة، وقد ذهب إلى هذا العترة والثوري والنخعي والزهري وأبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي (5)، لهذه الأحاديث وعموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ

} (6) الآية.

وذهب الحسن البصري والشَّعْبِيّ ومالك وأحمد وإسحاق والشافعي (7) إلى أنها لا تَجِب الزكاة في الحلي لما أخرجه الدارقطني من حديث جابر: "ليس في الحُليّ زكاة"(8) وفي إسناده أبو حمزة وهو ضعيف، وهو

(أ) جـ: أو اؤمر.

_________

(1)

البيهقي 4: 139، ابن أبي شيبة 3:153.

(2)

انظر التاريخ الكبير 1: 2: 227.

(3)

مصنف ابن أبي شيبة 3: 155.

(4)

البيهقي 4: 39.

(5)

البحر 2: 151، المجموع 5:488.

(6)

التوبة: الآية 34.

(7)

المجموع 5: 488.

(8)

الدارقطني 2: 107 قال عقبة: "أبو حمزة هذا ميمون ضعيف الحديث".

ص: 339

متقوي بآثارٍ: أخرج مالك عن ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه بالذهب فلا يُخْرجُ منه الزكاة (1).

وأخرج مالك والشافعي عنه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة "أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة"(2).

وعن جابر أخرج الشافعي أنه سأله رجل عن زكاته فقال: "زكاته عاريته"(3) ورواه البيهقي أيضًا، وروى الدارقطني عن أنس وأسماء بنت أبي بكر مثل ذلك (4).

وقوله: في الحديث "مِسكتان" بكسر الميم وتحريك السين بالفتح مثنى مسكة، وهي أسورة من ذبل أو عاج، فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال من ذهب أو فضة أو نحوهما.

والأوضاح: حلي مِن الدراهمِ الصحاح أو الفضة.

471 -

وعن سمرة بن جُنْدب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع" رواه أبو داود (5)، وإسناده لين، وأخرجه الدارقطني والبزار، وهو من حديث سليمان بن سمرة، وفي إسناده جهالة (6).

(1) مالك 171، الأم 2:35.

(2)

مالك 170، الأم 2:34.

(3)

الأم 2: 35 عن عمرو بن دينار: سمعت رجلًا يسال جابر بن عبد الله عن الحلي أفيه زكاة؟ فقال جابر: ....

(4)

الدارقطني 2: 109.

(5)

أبو داود الزكاة، باب العروض إذا كانت للتجارة 2: 211 ح 1562، الدارقطني الزكاة، باب سقوط زكاة مال التجارة، وسقوطها عن الخيل والرقيق 2:127.

(6)

قال الذهبي في الميزان: "جعفر بن سعد بن سمرة عن أبيه، وعمه سليمان بن موسى له حديث في الزكاة عن ابن عم له .... "، قال الذهبي:"ولكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم". 407:1 - 408.

ص: 340

والحديث يدل على أنه إذا نوى المالكُ بشيءٍ من ماله البيع أو كان من ابتدائه معدودًا لذلك صار للتجارة، فتجب فيه الزكاة، وهو المتبادر من قوله "نعدّه للبيع"، وقد ذهب إلى هذا الأخير العترة وأكثر الفقهاء (1)، واشترطوا أن يكون ابتداء الملك بالاختيار، وهو يتبادر من قوله "نعده"، وذهب أحمد وإسحاق والكرابيسي إلى أنه يصير للتجارة إذا نوى به البيع (2)، وإن لم يكن كذلك قالوا لقوله صلى الله عليه وسلم:"لكل امرئ ما نوى" ولكنه عام والحديث المذكور خاص، والله أعلم.

472 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وفي الركاز الخمس" متفق عليه (3).

الركاز: عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق المَعَادِن، والقولان تحتملهما اللغة لأن كلا منهما مركوز في الأرض أي: ثابت، يُقَالُ: ركزه يركزه ركزًا إذا دفنه، وأركز الرجل إذا وجد الركاز، والركاز وهو بكسر الراء وتخفيف الكاف وبعده زاي (4)، وصرح مالك كما رواه عنه أبو عبيد في كتاب "الأموال"(5)، وهو دفين الجاهلية بكسر الدال وسكون الفاء، قال: وأما المعدن فإنه بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزرع حين يُحْصَدُ، ومثله قال الشافعي كما أخرج البيهقي في "المعرفة" من طريق الربيع قال الشافعي (6):

(1) البحر 2: 155.

(2)

وحال عليه الحول وبلغ النصاب مالكًا له (الكافي 1: 423).

(3)

البخاري الزكاة، باب في الركاز الخمس 3: 364، مسلم الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار 3: 1334 ح 45 - 1710.

(4)

النهاية في غريب الحديث 2: 258.

(5)

الأموال: 424.

(6)

الأم 2: 37.

ص: 341

والركاز الذي فيه الخمس دفن الجاهلية ما وجد في غير مِلْك لأحد.

وقال الحسن البصري: "ما كان من رِكَاز في أرض الحرب ففيه الخمس، وما كان في أرض المسلم ففيه الزكاة" أخرجه البخاري تعليقًا (1)، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا فرق هذه التفرقة غير الحسن، وقال أبو حنيفة: الركاز المعدن، وإليه ذهب الثوري، واختاره المهدي، واحتج له بقول العرب: أركز الرجلُ إذا أصاب ركازًا، وهي قِطعَ من الذهب تخرج من المعادن، وقول مالك والشافعي هو الأولى هنا بقرينة العَطْف على المعدن، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"العجماء جُبَار، والمَعْدِن جُبَار، وفي الركاز الخمس".

واعلم أن في الرِكاز على القولين الخلاف في قدر ما يؤخذ واعتبار الحَوْل والنِّصَاب وعَيْن ما تجب فيه ذلك، فعلى القول بأنه المعادن ذهب القاسم والهادي وأحد قولي الشافعي إلى وجوب الخمس في كل معدن (2)، لقوله صلى الله عليه وسلم:"الركاز ما نَبَتَ مع الأرض" أخرجه البيهقي عن أبي هريرة (3)، واستثنى المؤيد بالله الملح والنفط، والقار (4)، لقوله، صلى الله عليه وسلم:"الركاز الذهب والفضة".

[جوابًا لسؤال مَنْ قال: ما الركاز يا رسول الله (أ)؟]

فخرجت الثلاثة، ولأنها ماء منعقد ولا خمس في الماء.

ويرد عليه أن قوله: "ما نبت مع الأرض" تعمها، وأحد قولي

(أ) بحاشية الأصل.

_________

(1)

البخاري الزكاة، باب في الركاز الخمس 3: 363، ومصنف ابن أبي شيبة 3:225.

(2)

المجموع 6: 45، البحر 2:209.

(3)

البيهقي 4: 152.

(4)

البحر 209:2.

ص: 342

الشافعي لا تجب فيما عدا الذهب والفضة للحديث، ويجاب عنه بأن الحديث أخرجه البيهقي.

[وفي إسناده عبد الله بن سعيد (1)، وتابعه حبان بن علي، وعبد الله متروك، وحبان ضعيف](أ).

وقال أبو حنيفة (2): لا يجب إلا في المنطبع فيخرج الكحل ونحوه لتخصيصه الذهب والفضة فقِيْسَ المنطبع، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه (2) إلى أنه لا يعْتَبَرُ النِّصَاب لعموم الدليل، وذهب الشافعي وأصحابه، ومالك، وأحمد، وإسحاق إِلِى اعتبار النصاب قالوا: لقوله، صلى الله عليه وسلم،:"ليس فيما دُوْنَ خمس أوَاق صَدَقَة" ولم يفصل.

والجواب بأن الظاهر من الصدقة هو الزكاة فلا يتناول الخمس، وهو محل احتمال إذ الخُمْس له حُكم الزكاة في كونه واجبًا لمصرف مخصوص فلا تعد في تناول الصدقة له، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه والزهري وقول للشافعي إلى أن الواجب في المعدنِ الخمس لقوله:"وفي الركاز الخمس"، وذهب أحمد وإسحاق وقول للشافعي إلى وجوب ربع العشر قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: "وفي الرقة ربع العشر" ولم يفصل، ويقاس غيرها عليها، [ولحديث بلال بن الحارث الآتي قريبًا، والجواب](ب) مثل الطرف الأول ولا يعتبر الحول عند العترة وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي إذ

(أ) بحاشية الأصل.

(ب) حاشية الأصل.

_________

(1)

هو عبد الله بن سعيد المقري، قال فيه الشافعي:"شيخ ضعيف، اتقى الناسُ حديثه، فلا يجعل خبر رجل اتَّقى الناس حَديثَه حجة"، (السنن الكبرى للبيهقي 4: 152)، وقد تقدم في ح 9.

(2)

البحر 210:2.

ص: 343

لم يفصل الدليل، مالك وأحد قولي الشافعي يعتبر لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" والجواب مثل ما مر ولا يعتبر إسلام الواجد عند العترة وأبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي وذهب مالك وأحد قولي الشافعي والعراقيون والثوري والأوزاعي بل حكمه حكم الزكاة، فيشترط الإسلام إذ هو واجب في نام كالزرع والجواب بأنه لم يزرع فكان غنيمة كالفيء.

وعلى كون المُرَاد بالركاز الدفين ففيه تفصيل وخلاف، فذهَبتْ الهادوية إلى أنه إنْ وُجِدَ في دار الإسلام فلُقَطَة، وقال أبو حنيفة: إنْ وجد في دار فلصاحبها ولا خُمس إذ هو أحق حيث لم يكن ضربه الإسلام بل جهل حالها، أو كان ضربه كفر وملكه الإمام عقيب الفتح، وإنْ كان في دار الحرب فغنيمة.

وعند أبي حنيفة لا خمس فيه لأنه وجده في موضع لم يظهر عليه المسلمون ولم يزحفوا عليه بخيل ولا ركاب.

وعند الشافعي إنْ كان في موات دار الحرب فغنيمة ولا خمس، وعنه يخمس والباقي له ولجيش الإمام، وعند الهادوية وعن الشافعي أن آلة الذهب والفضة إن وجدت فكالركاز، وعنه بل لُقَطَة، وأما المنبوذ على وجه الأرض فله حكم الدار مطلقًا.

473 -

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كنز وَجَدَه رجل في خربة: "إِنْ وجدته في قرية مسكونة فعرِّفْه، وإن وجدته في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس" أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ حسن (1).

(1) الشافعي في الأم 2: 37، وأخرجه أبو داود اللقطة، باب اللقطة ح ا 17، وأبو عبيد في =

ص: 344

وأخرج نحوه الشافعي عن عمرو بن شعيب بلفظِ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كَنْزٍ وجده رجل في خربة جاهلية: "إن وجدته في قرية مسكونة أو طريق ميتاء فعرِّفه، فإن وجدته في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس".

وأخرجه أبو داود أيضًا، وأخرجه النسائي والحاكم والبيهقي، وأخرج سعيد بن منصور عن علي "أن رجلًا وجد ركازًا، فأداه به فأخذ علي منه الخمس وأعطى بقيته للذي وجده". رواه من وجه آخر عن الشعبي وكذلك ابن أبي شيبة.

الحديث فيه دلالة على بعض ما تقدم في التفصيل، والظاهر في الخربة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أن المالك في الأصل كافر، والقرية المسكونة الظاهر فيها إسلام أهلها أو دخولهم في الذمة فيحمل على ذلك، والقرية غير المسكونة محمولة على أنها من مساكن الحربيين، والله أعلم، والطريق الْمِيتاء: بكسر الميم هي المسلوكة بالاستطراق (1).

474 -

وعن بلال بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخذ من المعادن القبلية الصدقة" رواه أبو داود (2).

هو أبو عبد الرحمن: بلال بن الحارث بن عُصْم -بضم العين وسكون الصاد المهملتين- المزني، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد مُزَيْنَة

= في الأموال ح 858، 860، وأحمد ح 6683، 6936، والبيهقي 4: 155، والنسائي في الكبرى (كما في تحفة الأشراف 6/ 330). وصححه الحاكم 2: 56 ووافقه الذهبي، وانظر التلخيص الحبير 2:182.

(1)

النهاية 4: 378.

(2)

أبو داود كتاب الخراج، باب في إقطاع الأرضين 3: 444 ح 3062 من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه، عن جده، ولفظه: "أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبيلة ورواه مرسلًا ح 3061، البيهقي 4: 151 - 152، مالك الزكاة 169، الحاكم البيوع 2:65.

ص: 345

سنة خمس من الهجرة وسكن بالأشعر وراء المدينة، وكان أحد من يحمل ألوية مزينة يوم الفتح، روى عنه ابنه الحارث وعلقمة بن وقاص، مات سنة ستين، وله ثمانون سنة (1).

الحديث رواه أبو داود، والطبراني، والحاكم، والبيهقي موصولًا، ورواه مالك في "الموطأ" عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم أنه صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية، وأخذ منها الزكاة دون الخمس، وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم.

قال الشافعي بعد أن روى حديث مالك (2): "ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولم تكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه، وأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم".

قال البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن الدراوردي عن ربيعة موصولًا (3)، ثم أخرجه عن الحاكم، والحاكم أخرجه في المستدرك (4)، وكذا ذكره ابن عبد البر من رواية الدراوردي.

قال: ورواه أبو سبرة المديني عن مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو عن علقمة عن أبيه عن بلال موصولًا، لكن لم يتابَع عليه، قال: وقد رواه أبو أوَيْس عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وعن ثَوْر بن يزيد بن عكرمة عن ابن عباس، وقد أخرجه أبو داود أيضًا (5) عن أبي أويس من الطريقَيْن بلفظ:"أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جليسها وغورتها"،

(1) الإصابة 1: 273 رقم 73.

(2)

الأم 2: 36.

(3)

البيهقي 4: 152.

(4)

المستدرك 2: 65.

(5)

أبو داود 3: 444.

ص: 346

وفي لفظ: "جلسها وغورها"، وحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم، وكتب له بذلك كتابًا، انتهى.

والقبليَّة منسوبة إلى "قَبَل" -بفتح القاف والباء- وهو موضع من ناحية الفُرْع -بضم الفاء وسكون الراء وبالعين المهملة- قرية بين مكة والمدينة على نحو من أربع مراحل من المدينة (1).

وجلسها منسوب إلى "جَلْس" -بفتح الجيمِ وسكون اللام- وهو ما ارتفع من الأرض، والغوريّ منسوب إلى "الغوْر" -بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وهو ما انخفض (2).

والحديث يدل على وجوب الصَّدَقَة في المعادن، فعلى رواية الصدقة يحتمل أن يريد بها الزكاة كما هو المتبادر من لفظ الصدقة، وتفسره الرواية الأخرى في لفظ مالك، ويحتمل أن يريد به الخُمْس، وقد ذهب إلى الأول أحمد وإسحاق وقول الشافعي كما تقدم، وذهب غيرهم إلى وجوب الخمس (ألقوله:"وفي الركاز الخصم" أ)، وهو محتمل الدفين كما تقدم فلا يكون حجة، والله أعلم.

[عدة أحاديث كتاب الزكاة سبعة وعشرون حديثًا](ب).

(أ - أ) ساقط من هـ.

(ب) بحاشية الأصل.

_________

(1)

وقبل: هي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام (النهاية 4: 10).

(2)

النهاية 1: 286.

ص: 347