المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[المبحث الثاني خطر البدع] - البدع والمخالفات في الحج

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌[تمهيد]

- ‌[المبحث الأول البدعة تعريفها وأنواعها وأقسامها]

- ‌[تعريف البدعة]

- ‌[أنواع البدع وأقسامها]

- ‌[أولا انقسامها باعتبار إخلالها بدين المبتدع]

- ‌[ثانيا انقسامها باعتبار صلتها بالأصول الشرعية]

- ‌[ثالثا انقسامها بحسب ما تقع به]

- ‌[رابعا انقسامها باعتبار ما تقع فيه]

- ‌[خامسا انقسامها باعتبار الخلل الناشئ عنها]

- ‌[سادسا انقسامها باعتبار الأزمنة والأمكنة أو الأحوال والعبادات المختلفة]

- ‌[المبحث الثاني خطر البدع]

- ‌[المبحث الثالث أدلة تحريم الابتداع في الدين]

- ‌[المبحث الرابع البدع والمخالفات التي يقع فيها الحجاج]

- ‌[الكتب التي اهتمت بذكر البدع والمخالفات]

- ‌[أولا البدع والمخالفات قبل الإحرام]

- ‌[ثانيا البدع والمخالفات المتعلقة بالإنابة]

- ‌[ثالثا البدع والمخالفات المتعلقة بالإحرام والمواقيت ومحظورات الإحرام]

- ‌[رابعا البدع والمخالفات المتعلقة بالطواف ودخول المسجد]

- ‌[خامسا البدع والمخالفات المتعلقة بالسعي]

- ‌[سادسا البدع والمخالفات المتعلقة بمنى]

- ‌[سابعا البدع والمخالفات المتعلقة بعرفة]

- ‌[ثامنا المبيت بمزدلفة]

- ‌[تاسعا البدع والمخالفات المتعلقة برمي الجمرات]

- ‌[عاشرا البدع والمخالفات المتعلقة بالذبح والحلق والتقصير]

- ‌[الحادي عشر بدع ومخالفات أخرى]

- ‌[الخاتمة في أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة]

الفصل: ‌[المبحث الثاني خطر البدع]

[المبحث الثاني خطر البدع]

المبحث الثاني

خطر البدع الابتداع في الدين من أخطر ما يهدد دين المسلمين، فإن حقيقته هدم للدين، وقدح في جناب خاتم المرسلين، واغتصاب لحق التشريع الذي هو من حقوق رب العالمين، وإفساد للعبادة المتقرب بها إلى رب الأولين والآخرين، وتشويه للدين الخالد، وصد عن سبيله المستقيم، وطريق إلى تشتيت الأمة ووقوع الخلاف والشقاق بين أبنائها وجعلهم مزقا شتى كل حزب بما لديهم فرحون، وكفى بالبدعة بؤسا وضلالا أن محدثها متعرض للطرد من رحمة الله التي وسعت كل شيء.

فهي هدم للدين إذ لم تنجم بدعة من البدع إلا وأميتت في مقابلها سنة من سنن الدين حتى تفشو البدع وتندرس معالم الدين، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه

ص: 19

سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن " (1) . وعن حسان بن عطية قال:" ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها. . "(2) وروي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله، ما نرى بينهما إلا قليلا، قال: والذي نفسي بيده، لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور (3) .

وقد شرع الله دينا قويما وصراطا مستقيما وجعل للناس عبادات مختلفة، في أدائها صلاح لدينهم ودنياهم وجعل فيها من الحكم ما يحير عقول الألباء وإذا فعلها المسلمون كما شرعها الله فإن تلك الحكم تظهر قائمة للعيان وتكون سببا في دخول الناس في دين الله أفواجا، ولكن البدع تطمس هذه الحكم وتشوه هذه العبادات وإن الناظر اليوم

(1) البدع والنهي عنها لأبي عبد الله محمد بن وضاح القرطبي ت: 287 هـ ص 53، رقم:95.

(2)

نفس المصدر ص 52 رقم: 90.

(3)

نفس المصدر ص 58.

ص: 20

للمجتمعات المسلمة يرى عجبا من البدع التي تحجب نور الإسلام فشركيات متنوعة قد حجبت أصل الدين: التوحيد، وعنصريات مختلفة مزقت الإخوة الإسلامية، وتعصب وتقليد قام مقام التحرر الفكري وصفاء المصادر، وبدع متنوعة في العبادات قد أذهبت حكمتها التي شرعها الله من أجلها.

والبدع طريق إلى تشتيت الأمة المسلمة، وها هي الأمة الإسلامية اليوم قد افترقت إلى فرق شتى مختلفة وطرق متباينة وأحزاب متنافرة كل حزب بما لديهم فرحون، وسبب ذلك نكوص أبناء الأمة وتنكبهم عن الصراط المستقيم فتفرقوا في سبيل الشيطان، روى الإمام أحمد والنسائي (1) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل متفرقة ليس من سبيل إلا عليه شيطان

(1) مسند الإمام أحمد (1 / 435 - 465) ، والنسائي كما في تحفة الأشراف (7 / 46) وسنده حسن.

ص: 21

يدعو إليه، ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] » (1) ".

وهي - أيضا - قدح في تمام بلاغ خاتم المرسلين فلسان حال أصحاب البدع قائل: إن هناك خيرا لم يدلنا عليه، وحاشاه صلى الله عليه وسلم، فإنه ما ترك خيرا إلا دل أمته عليه ولا شرا إلا حذرها منه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:«لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في السماء طائر يطير بجناحيه إلا ذكرنا منه علما» ، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال:«تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما» (2) قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد عن النار إِلا وقد بين لكم» (3) . وإضافة إلى هذا القدح المشين فإن المبتدع مغتصب لحق التشريع، فمسلكه في تشريع ما لم يأذن به الله من إيجاب فعل أو استحبابه مسلك الذين اغتصبوا حق

(1) سورة الأنعام، الآية 153.

(2)

رواه الطبراني. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد (8 / 264) .

(3)

رواه الطبراني في الكبير وصححه الألباني في السلسلة (4 / 416) .

ص: 22

التشريق لأنفسهم وهو لا يكون إلا لله، فهو قد وضع نفسه موضع من يرى أن الحدود التي رسمها الله ليتقرب بها العباد إليه إما ناقصة فيشرع ما يتمها وإما أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قصر في إبلاغها، قال ابن الماجشون: سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون اليوم دينا (1) .

وعن الزبير بن بكار قال (2) «سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك

(1) الاعتصام (1 / 49) .

(2)

الاعتصام (1 / 132) وذكره أبو شامة في كتاب: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص 90) ، وروى نحوه أبو نعيم في الحلية (6 / 326) .

ص: 23

سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن الله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] » (1) ولأثر البدعة السيئ استحق محدثها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعا: «من أحدث حدثا أو آوى محدثا لعنه الله والملائكة والناس أجمعون» (2) .

(1) سورة النور، الآية 63.

(2)

أخرجه النسائي (8 / 19) وأبو داود (ح 4530) .

ص: 24