الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
احتجاج المشركين في زماننا بالمتشابه
…
وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا.
ــ
فالقرآن كفيل بذلك (قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة) ولكن قد يؤتى الإنسان من عدم الفهم له أو عدم الاعتناء به. وقد التزم بعض العلماء؛ وهو شيخ الإسلام ابن تيمية أن لا يحتج مبطِل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقضه، وذكر لذلك أمثلة: منها آية {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} 1 و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 2.
(وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا) هذا فيه بيان موضوع الكتاب وما صُنِّف فيه؛ فهو في رد شُبَهٍ شَبَّه بها بعض المشركين على توحيد العبادة؛ فإن الشيخ رحمه الله لما تصدى للدعوة إلى الله وبيَّن ما عليه الكثير من الشرك الأكبر تصدى بعض الجهال بالتشبيه على جهالٍ مثلهم، وزعموا أن المصنف رحمه الله يكفِّر المسلمين، وحاشاه ذلك؛ بل لا يكفر إلا من عمل مكفراً وقامت عليه الحجة فإنه يكفره. فقصد كشف تلك الشُبه المشبهة على الجهال وردّها وإن كانت أوهى من خيط العنكبوت لكن تشوش عليهم.
وقدم المصنف رحمه مقدمة نافعة في بيان حقيقة دين المرسلين وما دعوا إليه وحقيقة دين المشركين وما كانوا عليه؛ ليعلم الإنسان
1 سورة الأنعام، الآية:103.
2 سورة الشورى، الآية:11.
فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصّل.
أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} .
ــ
حقيقة دين المرسلين عند ورود الشبهة، ويعلم من هو أولى بدين المرسلين من دين المشركين، وبيَّن أن مشركي زمانه هم أتباع دين المشركين1.
(فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين) طريق (مجمل) وطريق (ومفصل) .
(أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها) وفهمها وعرفها، أما من كانت تجري على لسانه فقط فإن هذا الجواب لا يكون له حجة. وإنما قال ذلك في المجمل لأنه في الحقيقة يصلح جواباً لكل شبهة (وذلك قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} ) الآيات المحكمات تعبَّد الله الخلقَ بالعلم بها، والعمل بها والإيمان بها. هذا هو حكم المحكم:
الأول: الإيمان به أنه من عند الله.
الثاني: معرفة معانيه.
الثالث: العمل به.
{هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أُمَّ الشيء أصله والذي يرجع إليه عند الاشتباه
1 وتقدم ذكر هذه المقدمة أول الكتاب وبيان موضوعه أيضاً.
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} . وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".
ــ
والإشكال {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} الدلالة، ليس دلالتها واضحة مثل المحكمات. وحكمها:
أولاً: الإيمان بها أنها من عند الله أنزلها على العباد ليؤمنوا بها.
والثاني: أن لا تفسر بما يخالفِ المحكم بل تُرد إلى الأم وهو المحكم وتفسَّر به1.
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} يعني ميل ومنه قوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} وزاغت الشمس ومالت، والمراد أن الذين في قلوبهم ميل عن الحق {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} يطلبون المتشابه في الدلالة ويتركون المحكم؛ ويصدفون عن الواضح لكونه يهدم ما هم عليه من الباطل ويفضحهم؛ فالجاهل إذا أدلوا عليه بآية من المتشابه راجت عليه، وهذا يفيد أن أهل الاهتداء والاستقامة يتبَّعون المحكم ويردون المتشابه إلى المحكم، فيقولون: لم عدلت عن هذه الآية وهذه الآية التي لا تحتمل هذا، ولا هذا، وأنهم خلاف أهل الزيغ؛ لأنه
1 قال ابن القيم رحمه الله: قسم الله سبحانه الأدلة السمعية إلى قسمين: محكم، ومتشابه. وجعل المحكم أصلاً للمتشابه وأمَّاًّ له يُردّ إليه، فما خالف ظاهر المحكم فهو متشابه يرد إلى المحكم. وقد اتفق المسلمون على هذا (الصواعق، ص 772) .
مثال ذلك إذا قال بعض المشركين: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، أو أن الشفاعة حق، أو أن الأنبياء لهم جاهٌ عند الله، أو ذكر كلاماً للنبي صلى الله عليه وسلم يستدل به على شيء من باطله وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره.
ــ
خص أولئك بأتباع المتشابه {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَة1ِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ2 وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} 3.
(وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله" عنى الله بقوله {فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} "فاحذروهم" 4 لا يزيغون بكم عن سبيل الحق زاغوا عن الحق. حذَّر منهم لأن مخالطتهم وسماع كلامهم الداءُ العضال ومرض القلوب، ولا يتكل الإنسان على ما معه من الحق؛ بل يبعد عن أهل الزيغ ويجانبهم ولو معه حق؛ فإن السلف كان هذا شأنهم ويستدلون بالحديث. وهذا حكم أهل الباطل؛ أن يبعد عنهم لئلا يدخل القلب شبهة يعسر التخلص منها؛ فإن أخل الباطل لا يألُون جهداً أن تكونوا مثلهم في زيغ القلوب وهم أضر على الناس من أهل المعاصي الشهوانية.
(مثال ذلك) يعني مثل احتجاج المشركين بالمتشابه. وللجواب
1 إرادة اللبس.
2 على أهوائهم الباطلة.
3 والتأويل يُراد به التحريف، ويراد به التفسير، ويراد به علم كيفيات الأمور الغائبة.
فالتحريف باطل، والتفسير يعلمه العلماء، والكيفات الغائبة لا يعلمها إلا الله.
4 أخرجه البخاري (ك 65 ب1) ، ومسلم (2053) .
فجَاوِبه بقولك إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبَّعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن المشركين يُقرُّون بالربوبية وأن الله كفَّرهم بتعلُّقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
ــ
عن ذلك بالجواب المجمل (إذا قال بعض المشركين: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} 1ِ) زعم أن الآية تدل على أنهم يدعون، يعني فيطلبون له، وأنهم أهل قرب ومنزلة وجاه وفضل، ومن كان كذلك فقد تأهل. أو شبَّه بـ (أن الشفاعة) التي ذكرت في النصوص (حق) وواقعةٌ، وإذا كانت حقاً فهي تُطلَب من الأموات ونحوهم، فيهتف باسمه ويقول: يا فلان، اشفع لي
…
(أو أن الأنبياء لهم جاهٌ عند الله) فهم يسألون ويدعون ليسألوا لمن ليس له الجاه عنده (أو ذكر) المبطل المشبه (كلاماً للنبي صلى الله عليه وسلم يستدل به على شيء من باطله وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره) يعني لا تفهم أنه يدل على مقصوده وتفهم وتعتقد أن هذه أمور باطلة.
(فجاوِبه بقولك إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم) ويعدلون عنه (ويتبعون المتشابه) ويميلون إليه ويستدلون به، وأمت تركت المحكم وهو قوله:{فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} 2ِ {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} 3ِ وعمدت إلى المتشابه {أَلا
1 سورة يونس، الآية:62.
2 سورة الجن، الآية:18.
3 سورة المؤمنون، الآية:117.
هذا أمر محكمَ بيَّن لا يقدر أحد أن يغير معناه.
وما ذكرتَه لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا أعرف معناه.
ــ
إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} وعمدت إلى المتشابه وهو أن الشفاعة حق وتركت المحكم وهو {فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} (وما ذكرته لك) وجاوبه بما ذكره المصنف (من أن المشركين يقرون بالربوبية) لم ينازعوا فيها.
وتبيَّن له أن الداعي عبد القادر مثلاً يدَّعي أنه ذو مكانة وأنت مُقرٌّ بالربوبية والمشركون الأولون مقرون بالربوبية ولا نفعهم (وأن الله كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 1ِ ومع قولهم {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 2ِ ما زادوا على هذا.
(هذا أمر محكمَ بيَّن لا يقدر أحد أن يغير معناه) كون الذين في قلوبهم زيغ يحتجون بالمتشابه ويعدلون عن المحكم، وكون المشركين الأولين ما ادَّعَوا فيهم الربوبية وإنزال المطر، وأنهم ما كانوا مشركين كفاراَ إلا بتعلُقهم عليهم رجاء شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفى. هذان أمران محكمان:
الأول: احتجاجهم بالمتشابه.
والثاني: أن المشركين مقرون بالربوبية –كما تقدم- وأن الله كفرهم بتعلقهم على الملائكة ونحوهم؛ كونهم ما طلبوا إلا الشفاعة
1 سورة يونس، الآية:18.
2 سورة الزمر، الآية:3.
ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله عز وجل. وهذا جواب جيد سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفَّقه الله تعالى فلا تَستَهِن به.
ــ
والقرب إلى الله بذلك ليس من الأمور المتشابهة؛ كما أن الأمور المحكمة أنهم ما أرادوا ممن دعَوه وذبحوا له وتعلَّقوا عليه إلا شفاعته كما قال فيه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} .
(وما ذكرته لي أيها المشرك من القرآن) كقوله {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فإن من المتشابه1ِ وحكمه أن يُردَّ إلى المحكم (أو كلام) النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: "وأعطيت الشفاعة"(لا أعرف معناه) لا أعرف دلالته على ما قصدت وأردت أنهم يدعون من دون الله. نعم {لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ولكن أين دلالته على المقام ما دل على أنهم يدعون، من وصلهم إلى هذه الدرجة؟ أأنت الذي تقول هذا؟!
وأنا عندي شيء أقطع به كالشمس من النصوص كقوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} وكقوله: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} .
(ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف
1 قلت: على المُشبَّه عليه؛ لا على العلماء، ولا لأنه يخالف ظاهر المحكم كما تقدم في كلام ابن القيم.
فإنه كما قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} .
ــ
كلام الله عز وجل يعني فأعرف أن هذه الآية ونظائرها لا تنافي هذه النصوص وما معي من النصوص محكم فلا أترك المحكمَ البيِّنَ الدلالةَ للمتشابه.
فالأدلة التي معي لا يناقضها شيء هي من المحكمات، وما زعمه أنه يخالفها من المتشابه فلا يخالفها أبداً، ولو ادَّعى هو أن كلام الله يتناقض لكان كفراً آخر، وكذلك لو ادعى أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم يخالف كلام الله لكان كفراً آخر سوى ما كان عليه من الكفر.
(وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفَّقه الله تعالى فلا تستهن به) هذا ثناء من المؤلف على هذا الجواب المجمل وأنه أصل أصيل في دفع شبه المشبّه.
(فإنه) نظير الخصلة التي هي الدفع بالتي أحسن (كما قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} 1ِ) ، فكذلك هذا الجواب بهذه الصفة العظيمة فإنك إذا وفقت للجواب بهذا فقد وفقت لأمر عظيم.
فصار هذا الجواب عن هذه الشبه جواباً مركَّباً 2ِ من ثلاثة أمور:
1 سورة فصلت، الآية:35.
2 والجواب المركب هو الذي لا يكفي كل فرد منه جواباً، فلا يكفي مثلاً في كشف هذه الشبه أن تقول:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} الآية، بل حتى تركب من الثلاثة. والمفرد هو الجواب الواحد الكافي. فصارت الشبهة كالداء الذي يحتاج إلى دواء؛ فتارةً يداوى بالعسل وحده ويكفي، وتارة لا يكفي العسل وحده بل يداوي بالعسل والثفاء جميعاً (تقرير أيضاً) .