الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اللقاء الثالث
في هذا اللقاء:
* أدركوا هؤلاء الشباب.
* من الاعتماد إلى الاجتهاد.
* التلقي بالعقل، والتلقي بالقلب.
* نحو سلفية صحيحة.
* اختلاف لا يضر.
* إذا عرف السبب.
* الاختلاف الفقهي لا التعصب الفقهي.
* السواك
…
ومعجون الأسنان.
* هل تصلي خلف الإمام مالك؟
* من أجل صاحب هذا القبر.
الفصل الأول
اختلاف الأئمة
بعد صلاة الفجر، جلس الشيخ عارف، مع بعض الشباب، يتجاذبون أطراف الحديث.
وجلس معهم الشيخ شاكر الذي عُيّن إماماً جديداً للمسجد.
شاكر: لقد عزمت على تقديم استقالتي، أو أطلب نقلي من القرية.
لقد أصبح الشباب يُعدّد الجماعة في المسجد أثناء الصلاة، ويعمل على تفريق القرية باسم الدين.
عارف: ما هي الأسباب في تصورك يا شاكر؟.
شاكر: يقولون: إن مذهبي حنفي.
المذهب الحنفي
لا يحكم بنقض الوضوء عند لمس المرأة ولا قنت في صلاة الصبح.
عارف: توقع يا شيخ شاكر كثيراً من هذه المتاعب، لأنَّ طريق الدعوة إلى الله لم يُفرش بالورود.
ومسألة الاختلافات الفقهية يجب أن يفهما الشباب فهماً صحيحاً.
الخلافات الفقهية يا شاكر دليل على نضج هذه الأُمة، وحرية فكرها.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد ربى صحابته على الاجتهاد فيما لا نص فيه، لينقلهم من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الاجتهاد.
فقد ثبت في صحيح السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن سأله: كيف تقضي بين الناس؟ قال بكتاب الله.
قال فإن لم تجد؟ قال: بسنة نبيه، قال فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي - فقال
النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يُرضي الله ورسوله، والخلاف الفقهي والحمد لله في الفروع فقط.
ويجب ألا يكون سبباً في التفرق في الدين، أو يؤدي إلى خصومة أو بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه، في مسائل الخلاف، في ظل الحب في الله، والتعاون في الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجرّ ذلك إلى المراء المذموم، أو التعصب. (1)
ثائر: الاجتهاد بطبيعته يُولّد الخلافات، والخلافات تولد الفرقة.
عارف: يا ثائر الخلافات الفقهية غير التعصب الفقهي.
الاجتهاد لابد منه، لأنَّ النصوص الشرعية متناهية، ومشكلات الناس غير متناهية.
فلابد
(1) من كلام الإمام الشهيد.
من الاجتهاد لسدّ حاجات الأُمة، فيما يُستجد من مشكلات.
وما يتسع من رقعة الجولة، وواجبنا أن نتلقي الخلافات الفقهية بعقولنا، لا بقلوبنا.
لأن تلقي الخلافات الفقهية بالقلب يُؤدي إلى الفُرقة.
راضي: يا شيخ عارف الله يكرمك.
نحن الآن في مسجد القرية، ولسنا في الجامعة.
ما هو الفرق بين التلقي بالعقل، والتلقي بالقلب؟.
عارف: يا حاج راضي
…
من تلقى الخلافات الفقهية بعقله حاول أن يبحث عن دليل لكل رأي وقارن بين الأدلة، وعند ذلك يأخذ بالرأي الأقوى دليلاً.
أما من تلقاها بقلبه أي بعاطفته فقد يكتفي بأن إمامه - الذي يحبه - قال كذا.
فلابد أنه صادق، فيسلم بصحته، ويغلق عقله عن كلام غيره من الأئمة، وكل واحد يُؤخذ من
كلامه ويُردّ عليه، إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه فمن تلقى الخلافات الفقهية بقلبه يعرف الحق بالرجال.
ومن يتلقالها بعقله يعرف الرجال بالحق.
عماد: هل اختلف صحابة النبي صلى الله عليه وسلم عندما اجتهدوا؟
راضي: (متعجباً) كيف يختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم النبي؟!
عارف: قلت لكم إن النبي صلى الله عليه وسلم رباهم على الاجتهاد ليخرجوا من دور الاعتماد، إلى دور الاجتهاد، وذلك ليتهيأ كل صحابي لحمل الرسالة، في قطر من الأقطارز وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُقرّ نتائج اجتهادهم.
ووعد المجتهد إن أخطأ بأجر اجتهاده وإن أصاب فله أجران.
روى البخاري عن ابن عمر.
والبيهقي في سننه.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -
عندما انتهى من غزوة الأحزاب، أراد أن يُؤَدَّب يهود بني قريظة على خيانتهم، فقال للصحابة: عزمت عليكم لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة.
فغربت الشمس قبل أن يأتوها.
فقالت طائفة من المسلمين
…
إن النبي لم يُرد أن تَدَعُوا الصلاة.
فقاموا لصلاة العصر، ثم واصلوا السير.
وقالت طائفة: والله إنا لفي عزيمة النبي صلى الله عليه وسلم، وما علينا من إثم.
فلم يصلزا حتى وصلوا.
يقول الإمام ابن تيمية: فصلت طائفة إيماناً واحتساباً.
وتركت طائفو إيماناً واحتساباً.
فأقرّ النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهادين.
سراج: هذه الطائفة احترمت ظاهر النص وعملت به.
والأُخرى احترمت روح النص، وعملت به.
عارف: أحسنت يا سراج.
وقد ذكر أُستاذنا الشيخ
محمد أبو زهرة في كتابه (تاريخ المذاهب الفقهية) .
ذكر أن عمرو ابن العاص رضي الله عنه كان في سفر فأصابه ما يوجب الاغتسال فلم يستطيع، فتيمم وصلى، ثم اغتسل فلم يُعد الصلاة.
بينما حدث مثل هذا لجماعة آخرين، فأعادوا الصلاة بعد الإغتسال.
فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، أقرّ الاجتهادين.
لأنّ الأول أصاب عندما لم يُعد الصلاة، لأنَّ الصلاة بالتيمم تكفي.
والثاني احتاط لدينه، وأعاد الصلاة.
ثائر: كلامك مقنع يا فضيلة الشيخ.
ولكن ما رأيك لو تركنا فقه المذاهب، وأخذنا ديننا من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لنريح أنفسنا من الخلافات.
عارف: هل تتصور يا ثائر أن أئمة المسلمين - رضوان الله عليهم - لم يدرسوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم -
ولم يأخذوا الأحكام منها؟ يا ولدي: أخاف أن تخدعك بعض الدعوات المعاصرة، الداعية إلى نكران فضل الأئمة، والخروج عليهم، فإن بعض الشباب يفهم من الحديث المروي فهماً مُعيناً، فإذا خالفه غيره قال له: لقد خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا يا ولدي.
إن الحديث الواحد يصلنا بروايات عديدة.
والرواية الواحدة كلما تعمقنا في دراستها، جادت علينا بعطاءٍ جديد.
وأئمة المسلمين كانوا علماء بالحديث، ناقدين للسند، عارفين بالرجال الذين يروون الحديث، لقد ألف الإمام مالك كتابه (الموطأ في الحديث) والإمام أحمد بن حنبل له (مسنده) في الحديث والإمام الشافعي ييؤكد كتابه (الأُم) على علمية واسعة بالحديث، وفهم عميق للسند.
وكان الإمام الشافعي يُعلق بعض المسائل فلا يُفتي فيها
انتظاراً للتيقن من صحة السند للحديث.
إيماناً منه بأمانة الفتوى.
وقد ألف الإمام النووي رسالة سماها (المنحة فيما علق الشافعي القول فيه على الصحة) وهذا يؤكد علم الشافعي بالحديث، واحترامه له.
والإمام الأعظم أبو حنيفة كان من أشد الرجال حرصاً على صحة الحديث الذي يأخذ به، وكان تلميذه محمد بن الحسن أشد منه في هذا الميدان.
ثائر: أبو حنيفة كان يُقدم الاجتهاد على حديث الاحاد والاجتهاد عمل عقل غير معصوم، وحديث الآحاد فيه رائحة الوحي والنبوة، وإن لم نقطع بصحته.
عارف: يا ثائر يا ولدي..
القياس هو نقل حكم شرعي ثابت، لقضية مشابهة.
فليس فيه من عمل العقل البشري إلا الصفة الجامعة بين القضيتين.
وإذا كانت ترى في الحديث الضعيف رائحة الصحة، فإن أبا حنيفة كان يرى فيه ملامح الوضع، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يا ثائر يا ولدي أعجبتني كلمة للأستاذ الإمام محمد الغزالي يقول فيها: (إن نقد الأئمة لا يتصدى له إلا من قارب مستواهم على الأقل، وكان نقده بياناً للحق، كما وقر في نفسه، دون أن يجعل الحق حكراً على فهمه هو، ودون أن يحرم عباد الله الصالحين أجورهم على ما اجتهدوا، أخطأُوا أم أصابوا.
ثم يقول فضيلته: وقد درست الحصيلة الأخيرة لجهود هؤلاء الذين يتطاولون على فقه الأئمة فوجدتها تشكيلة من فقه المذاهب القديمة، أساسها التلفيق، ورأيت أحكاماً جديدة يدعي من بلغوها أنها الدين، وهي لا تزيد
على أنها آراءٌ لأصحابها، تخضع لقانون الخطأ والصواب يؤجرون عليها - إن شاء الله - أصابوا أم أخطأُوا.
ومشكلة هؤلاء أنهم يفهمون من الأثر (الحديث) المروي فهماً ما، فإذا خالفهم غيرهم قالوا له: خالفت رسول الله.
مع أن فهمهم قد يكون شراً مستطيراً على السنة وصاحبها، والدين ومستقبله، فمن حق أولي الألباب من العلماء أن يأخذوا على أيديهم، ويُحذروا الناس منهم (1) .
فأئمة المسلمين يا ثائر كانوا علماء بالحديث الشريف، ومنه استمدوا أُصول اجتهادهم.
وقد أجمعت الأُمة على أن الأئمة رضي الله عنهم لم يتعمدوا مخالفة لنص قرآني ولا لحديث صحيح، فإن وُجِد لواحد منهم رأي
(1) دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين (بتصرف) .
يخالف حديثاً صحيحاً، فلابد من عر له في عدم الأخذ بهذا الحديث.
وذلك كضعف سند الحديث عند هذا الإمام، أو ثبوت حديث أقوى منه سنداً، فيأخذ الإمام بالحديث الأقوى، أو تعارض الحديث مع ظاهر آية قرآنية، فيأخذ الإمام بالآية القرآنية، ويؤول الحديث (1) .
راضي: أجلس بينكم ولا أكاد أفهم شيئاً يا شيخ عارف.
شاكر: نحن بحاجة إلى محاضرة طويلة، يشرح فيها الشيخ عارف هذه القضية بإسهاب.
لأن الشباب بحاجة إلى من يبصره بحقائق الإسلام.
عارف: اقرأ انت يا شيخ شاكر، فوقتك أوسع، وأنت شاب مثلهم، وإن اختلفوا معك، فهم يُحبونك والحمد لله.
(1) سنعرف النماذج في الفصل القادم إن شاء الله.
شاكر: أي كتاب عالج هذه القضية يا شيخ عارف؟.
عارف: "الانصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف" للبطليوس.
"بداية المجتهد لابن رشد.
وقد كتب في هذا الموضوع الدكتور مصطفى الزلمي.
والدكتور محمد أبو الفتح البيانوني.
وأستاذنا الدكتور عبد الكريم زيدان، وأُستاذنا الشيخ محمد الغزالي في كتابه "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين".
يا أبنائي: لا تخدعكم دعوة بعض المعاصرين، التي تهدف إلى ترك فقه المذاهب باسم (اللامذهبية) أو باسم (السلفية) فإن السلفية - كما صورها - فضيلة الشيخ محمد الغزالي - هي دعوة إلى الإيمان السهل السائغ البعيد عن التقعر، البرئ من المماحكات، وليست السلفية قنطرة لترويج بعض الآراء، أو حبالاً ينصبها بعض البله في المجتمع لاصطياد الأغرار
شاكر: إن شاء الله موعد محاضرتك عقب صلاة الجمعة {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}
عارف: قبلت الدعوة، وسأحضر بتوفيق الله.
ولكنني أُحب أن أُؤكد بينكم بعض القضايا، قبل أن أنساها.
أولاً: لابد من دراسة الإسلام على يد أُستاذ فاهم، لأنَّ الدراسة بغير أُستاذ كالتداوي بغير طبيب خطرها أقرب من نفعها.
ودور الأُستاذ أن يعطي كل قضية حجمها الذي تستحقه من الدارسة.
وذلك حتى لا ينشغل الشباب بقضايا فرعية عن الجوهر، أو ينشغلوا بالنوافل عن مستقبل لا إله إلا الله.
يا أبنائي: إن عقيدة (لا إله إلا الله) في خطر، والإسلام يُذبح في كثير من بلاد العالم.
والمسلمون في غفلة، يناقشون فضل السواك على معجون الأسنان.
وابن عطاء الله السكندري يقول: من عبادة الهوى التي نهانا الله عنها، أن ننشغل بالنوافل عن الواجبات، فما أقبح أن ينتقل مصاب إلى المستشفى، فينشغل الطبيب بتصفيف شعره، عن إنقاذ حياته.
ثانياً: عليكم أن تتلقوا الخلافات الفقهية بعقولكم لا بعواطفكم، والدليل هو دائرة التحكيم بين رأي وآخر ونحن لا ندعي العصمة للأئمة.
والخلافات الفقهية ظاهرة صحية، أنها أمدت الأمة بثروة تشريعية وسعت الأُمة طوال القرون الماضية.
أما التعصب الفقهي فهو خيبة في العقول، وهو سبب الشقاق.
إن بعض الشباب يعتب على أئمتنا بسبب حدوث الخلافات، مع أن القرآن الكريم حكى لنا قصة نبيين اجتهدا - في قضية واحدة -
فأصاب أحدهما الحكم وهو سليمان عليه السلام ومع ذلك فقد امتدح القرآن داوود عليه السلام ولم يُنقص من قدره.
قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء 78، 79] .
فالأنبياء اجتهدوا، واختلفوا، ومع ذلك فقد مدحهم القرآن.
أليس هذا يرفع الملام عن أئمتنا؟
ثالثاً: مسألة لمس المرأة ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء، مسألة شبع العلماء من دراستها، ولا داعي أبداً لتجديد هذه الخلافات.
فمعظم الأحاديث الصحيحة تؤكد عدم نقض الوضوء بلمس المرأة،
من ذلك قول السيدة عائشة: كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته.
فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي.
والحديث متفق عليه.
أما إذا صاحب اللمس شهوة، فجميع الأئمة يوجبون إعادة الوضوء.
رابعاً: مسألة القنوت في صلاة الصبح، سنة في أيام الحرب والشدائد، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في كل صلاته أيام الشدائد.
أما في غيرها فيجوز الدعاءُ، ويجوز الترك.
وقرأت للشيخ السيد سابق بعد أن ذكر أدلة المذهبين (1) في القنوت، قال: هذا من الاختلاف المباح الذي يستوي فيه الفعل والترك.
فإذا كان الدعاءُ سنة فإن وحدة الأُمة فرض.
واجتهاد إمام ليس حجة على إمام آخر.
(1) فقه السنة جـ 1 ص 198.
فقد حدث أن لقى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً فسأله عمر: ماذا صنعت؟.
قال الرجل: قضى علي بن أبي طالب بكذا.
عمر: لو كنت أنا القاضي لقصيت بكذا.
قال الرجل: فما منعك والأمر إليك؟
قال عمر: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم لفعلت.
ولكنني أردك إلى رأي - أي اجتهاد مني والرأي مشترك.
فعمر لم يقبل أن يرد اجتهاد الإمام علي باجتهاد مثله لأنَّ اجتهاد إمام ليس حجة على مجتهد آخر.
ولكن عندما يخالف الاجتهاد نصاً، فلا اجتهاد مع نص.
(ينظر الشيخ إلى ساعته ويقول: سامحكم الله، لقد أشرقت الشمس، والحاج راضي يريد أن يُغلق باب المسجد ليستريح) .
ويخرج الجميع على أمل اللقاء يوم الجمعة إن شاء الله.
الفصل الثاني
اختلاف الأئمة
امتلأ المسجد بالشباب الذين امتدوا إلى الشوارع المجاورة لمسجد القرية، بينما جلست الأخوات فوق البيوت يسمعن المحاضرة.
واستفتح الشيخ بالذي هو خير، ثم بدأ الحديث.
عارف: أقدم للمحاضرة بعض النقاط الهامة، التي توفر علينا كثيراً من الوقت.
أولاً: عصم الله هذه الأُمة عندما حدد القرآن كل جزئيات العقيدة، قلم تختلف الأُمة في عقيدتها.
أكرم الله هذه الأُمة، عندما جعل الشريعة الإسلامية قسمين.
* قسم إلهي: حدده القرآن بالنص - الذي لا يقبل التأويل - كتحريم الربا، والسرقة، والزنا أو إباحة الطيبات، وبيان الفرائض.
وهذا الجانب لم تختلف فيه الأُمة.
وحكمه حكم العقيدة، ومُنكره كافر.
* وقسم اجتهادي: جعل الله نصوصه قابلة للاجتهاد، وتعدد الفهم.
وذلك ليتسع عطاءُ الشريعة، لأنَّ نصوصها محددة، ومشكلات الناس لا نهائية، وهذا جانب من جوانب عظمة الشريعة.
ثانياً: أجمعت الأُمة على أن القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هما أصل الشريعة.
ولم تختلف الأُمة إلا في السند الذي وصلتنا السنة عن طريقه.
فمن الأئمة من قبل سنداً وعمل به، ومنهم من رفض
هذا السند ولم يعمل بمتنه.
لعدم الثقة في رجاله.
وهذه مسألة تخضع لعلم مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وتاريخ الرجال (1) .
ولكن الذي أُؤكده الآن، أن أحداً من الأئمة لم يتعمد رفض حديث صحيح، فإن وُجد لواحد منهم قولاً يخالف حديثاً صحيحاً، فلابد من عذر له، في عدم الأخذ بهذا الحديث.
وذلك كضعف السند الذي وصل به هذا الحديث عند هذا الإمام.
مع أن الحديث نفسه قد يصل إماماً آخر بسند أقوى فيقبله.
أو بسبب اقتناع الإمام بحديث أقوى سنداً من الحديث الأول ، فيأخذ بالأقوى.
وقد يتعارض الحديث مع ظاهر
(1) علم الجرح والتعديل.
هو علم دراسة تاريخ الرجال الذين نقلوا إلينا الحديث.
والحكم على روايتهم بالقبول والرفض.
آية قرآنية، فيشك الإمام في سند الحديث، فيأخذ بالآية، ويُؤول الحديث.
عماد: نرجو أن يسوق الشيخ لنا مثالاً لذلك.
الشيخ: النماذج كثيرة.
من ذلك مثلاً ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القصاص، إذا قتل مسلم كافراً.
روى البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يُقتل مسلم بكافر.
واعتمد جمهور كبير من العلماء هذا الحديث، فاستثنى الكفار وأهل الكتاب من عموم قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} فأفتوا بعدم القصاص من المسلم إذا قتل ذمياً.
فالعلماءُ اعتبروا هذا الحديث مُخصصاً لعموم الآية الكريمة.
ولكنَّ أبا حنيفة عمل بالآية الكريمة - التي تسوي بين كل
القتلى المقيمين في دار الإسلام، لحُرمة دم أهل الكتاب، ولأَنّ لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فالقصاص يتفق مع روح المساواة، التي امتازت بها الشريعة الإسلامية.
ثائر: لكن الحديث الذي ذكرته صحيح، فكيف يهمل أبو حنيفة هذا الحديث مع صحته؟!
عارف: أبو حنيفة لا يستطيع أن يرفض الحديث، إذا ثبتت صحته.
ولكنه أوَّله بأن المراد من الكافر في هذا الحديث - هو الذي لا عهد له مع الدولة الإسلامية.
أو المراد بالكافر هنا غير الذي ثبتت بالأحاديث الصحيحة أن لهم ما لنا من حقوق، وعليه ما علينا من واجبات.
فجميع الأئمة إذا سلم لديهم الحديث فهو مذهبهم.
وإذا تعارض الحديث مع حديث آخر أقوى منه، أو مع ظاهر
آية قرآنية، فإن الأئمة يجتهدون في محاولة الوصول إلى الرأي الصحيح.
ثالثاًَ: لم يدع أحد من الأئمة لنفسه العصمة.
ولم تدَّعِ الأُمة العصمة لأَئمتها (1) ، فكل إنسان يؤخذ منه، ويرد عليه، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم وهذه القاعدة تؤكد أن الخلافات الفقهية شيء والتعصب الفقهي شيء آخر.
فالخلافات الفقهية ظاهرة صحية لهذه الأُمة، وقد أَسهمت في توسيع الثروة التشريعية، لهذه الأُمة.
أما التعصب الفقهي، فظاهرة مرضية، ابتليت بها الأُمة، ونماها بعض الحكام على طول التاريخ، بقصد شغل الناس عن مساوئهم، وتسهيلاً لقيادتهم.
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} .
(1) لم يخالف في هذا الأمر سوى الشيعة الذين يعتقدون أن أئمتهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم معصومون.
وحسب التعصب الفقهي بلاء على الأُمة، أنه كان سبباً في دخول القوانين الفرنسية، إلى الدولة الإسلامية، عندما طلب سلاطين الخلافة العثمانية من بعض العلماء أن يُقنن الشريعة الإسلامية ليسهل الأخذ منها والحكم بها.
ولكن الذي حدث أن كل فقيه تعصب لمذهبه، وأصر أن يُؤخذ منه وحده، وأن يحكم بمذهبه فقط.
مما جعل السلطان يلجأُ إلى القانون الفرنسي، وقد صدق فيهم قول الشاعر:
المستجير بعمرو عند كُربته
…
كالمستجير من الرمضاءِ بالنار
كما أن التعصب الفقهي، شغل كثيراً من العلماءِ عن متابعة القضايا الفكرية المعاصرة، ومستقبل الإسلام في البلاد، لقد أخذ الإلحاد عدداً من
الجمهوريات الإسلامية، وفتن أهلها، ومن قبل سلب الصليبيون بلاد الأندلس - عروس بلاد الإسلام، وسرقوا 80% من عقيدة بلاد الفليبين الإسلامية، وأحرق اليهود بيت المقدس، كل هذا بلاء حل بالمسلمين، وناهيكم بالغزو الفكري لبلادنا، فالغزو العسكري أهون خطراً من الغزو الفكري، إن الاستعمار مهما عاش في بلد فلابد أن يرحل، أما الغزو الفكري فيجند أبناء البلاد أنفسهم لحماية مصالح العدو، والتنصّل عن دينهم وتراثهم، كل هذا يحدث والمسلمون يشغلون أنفسهم بالجدل في فروع لا يضرهم أن يعملوا بأي رأي فيها.
وبعضهم يبحث عن بعض الخلافات القديمة - المتطفلة على العقيدة الإسلامية - والتي قبرها الزمن، ويحاول إحياءها، ويدفع وحدة الأُمة وتماسكها ثمناً لهذا
البلاء وكل ما أرجوه من الدعاة المخلصين الكرام أن يحددوا حجم القضية التي يدعون الناس لها، ويعطونها من الجهد بمقدار حجمها في دين الله.
وشغل الناس ببعض القضايا الفرعية، وتفرغ بعض الدعاة لدراستها، والرد على منكريها، وإثارتها في كل واد، يأتي على حساب قضايا أخرى متساوية معها في الحجم، أو على حساب قضايا كبيرة لا يسع المسلمون جهلها.
إن التيارات العالمية اليوم تجري بريح عاصف، ضد سفينة الإسلام.
فاليهودية العالمية تملك أمرين لا يضرها أن تفقد ما سواهما.
تملك البنوك العالمية، والإعلام العالمي.
والصليبية العالمية اليوم لا تدخر وسعاً في الترويج لحملات التبشير، التي لا تستهدف تغيير هوية الشباب المسلم، بقدر ما تستهدف تفريغه من الإسلام، أما الآفة الكبرى، في عصر
الناس هذا فهي الشيوعية العالمية، وهي ذئب يلبس جلد حمل، فإذا دخل الحظيرة، فعل بالقطيع ما يريد.
ولا يتسع المجال للحديث عن الدعوات الفرعية، التي يمولها ويُنميها الثلاثي السابق الذكر.
والتي دخلت بلاد محمد صلى الله عليه وسلم في غفلة حراس الحق.
كل هذا
…
وحضرات المسلمين يُجدون في مناقشة: أيهما أفضل
…
أن نلتزم بالنص فنترك تسيد الرسول صلى الله عليه وسلم في الأذان، أم نلتزم بالأدب، فنسيده صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل السواك، أم معجون الأسنان، هل تصح صلاة الصبح خلف إمام لا يقنت؟ وهل هبة الثواب للميت تصل أو لا تصل؟ وما مدى خطورة بناءِ المحراب في قبلة المسجد على عقيدة المسلمين.
وأيهما أفضل: التسبيح على اليد، أم على المسبحة.
سامح الله المسلمين لقد ناموا في النور،
بينما استيقط غيرهم في الظلام، وجد في السير أبنائي وإخواني تلاميذ القرآن: لقد أطلت في المقدمة، لأضع أيديكم على أبعاد المشكلة وخطرها.
والآن أحدثكم عن الأسباب التي ساعدت على اختلاف الفقهاء.
وأقترح أن نستمع إلى الحاج راضي يرتل بعض آيات القرآن لنُجدد نشاطنا (يقرأ الشيخ راضي مطلع سورة الحجرات إلى قوله تعالى {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} ثم يقرأ (فَثبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ) ثم يختم قراءته.
عماد: يا حاج راضي الآية (فتبينوا) وأنت قرأتها (فتثبتوا) بالثاء.
عارف: هما قراءتان قرأ بهما النبي صلى الله عليه وسلم والقراءات المتعددة توسع معاني القرآن.
ولها دخل في مسألة اختلاف الفقهاء لقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة 15] قرأ النبي صلى الله عليه وسلم (وأرجلَكم بالنصب) عطفاً على (اغسلوا وجوهكم) وقرأها بالجرّ (1) عطفاً على {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} فأخذ جمهور علماء الأُمة بقراءة النصب فأوجبوا غسل الرجلين في الوضوء واستدلوا على ذلك بما رواه عبد الله بن عمرو فقد قال: تخلف النبي صلى الله عليه وسلم عنا في سفر، فأدركنا وقد أرهقتنا صلاة العصر.
فجعلنا نتوضأُ، ونمسح على أرجلنا - (عملاً بقراءة الجر) فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار.
قالها ثلاثاً.
(رواه البخاري ومسلم) .
(1) رواية النصب قرأهل نافع وابن عامر والكسائي ورواية الجر قرأها حمزة وابن كثير وأبو عمرو والنبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالنصب والجر.
شاكر: لكن رواية الجر صحيحة أيضاً، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بها.
عارف: اعتبر الجمهور رواية الجر خاصة بالمسح على الخفين.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح عليهما (1) .
(1) أول العلماء رواية الجر في الآية الكريمة بأنها (جر لحركة المجاورة) وهذا باب في اللغة العربية.
تقول العرب (جحر ضب خرب) وهذا باب في اللغة العربية.
تقول العرب (جحر ضب خرب) فتجر كلمة خرب، والأصل فيها أنها مرفوعة، ولكنهم جروها لمجاورتها لكلمة (ضب) وهي مجرورة.
وجاء في هذا قول الله تعالى {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ} (الرحمن 35) قرأو نحاس بالرفع عطفاً على شواظ وقرأ بالجر لمجاورتها لكلمة (من نار) فالجر هنا لحركة المجاورة.
ومنى العلماء من أول (وأرجلكم) في قراءة الجر عطفاً على اللفظ لا على المحل، والعرب تفعل هذا أيضاً في شعرها، فالعربي عندما علف ناقته وسقاها قال: علفتها تبناً وماء بارداً.
والمعنى علفتها تبناً وسقيتها ماء، فالعطف هنا على اللفظ فقط ومن أخذ برواية الجر - وهم الشيعة الإمامية - حاولوا تأويل رواية النصب.
راجع كتاب (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني الحنفي جزء واحد ص 5.
وتفسير مجمع البيان للطبري من علماء الشعية الإمامية جزء 3 ص 163.
والذي يعنينا هنا هو أن القراءات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لها دخل في اختلاف الفقهاء.
(يتقدم الشيخ راضي بكوب من الحليب الدافئ، للشيخ عارف، قائلاً: أنت تحلب ونحن نشرب)
عارف: كذبت عليك أن تسقني ماءً، يا شيخ راضي.
راضي: العفو يا شيخ عارف.
أنت لم تكذب أبداً والحمد لله (يضحك الشيخ عارف ويقول:
عارف: كلمة كذبت عليك، لها معنيان.
كذبت عليك بمعنى قلت غير الصدق.
وكذبت عليك بمعنى (أوجبت عليك) أن تسقني، فكلمة كذب لها معنيان.
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: كذب عليكم الحج.
وكذب عليكم العمرة، وكذب عليكم الجهاد.
ثلاث سفرات كذبن عليكم - يعني وجبن عليكم.
وهذا باب واسع في اللغة العربية، اسمه باب المشترك اللفظي
راضي: العلم واسع يا شيخ عارف.
فأنا لم أسمع عن كذب بمعنى وجب إلا الآن.
عارف: كثير من كلمات اللغة العربية لها معنيان متقابلان من ذلك كلمة ظننت فإنها تأتي بمعنى شككت في الأمر، وتأتي بمعنى تيقنت من الأمر، قال تعالى في مدح المؤمنين {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} فكلمة يظنون بمعني يتيقنون.
قال السيوطي أي الذين يتيقنون من لقاء الله.
حيث لا يذهب وهم عاقل أن الله يمدح قوماً بالشك في لقاء الله.
فالقرآن الكريم عندما حدد العدة للمطلقة قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة 228] .
وكلمة (قُرْءٍ) في اللغة العربية لها معنيان (قُرْءٌ) بمعنى الحيض.
(وقُرءٌ) بمعنى الطهر
من الحيض.
وشواهد اللغة العربية كثيرة في ذلك فالشاعر وصف رجلاً ينزف دمه قال: له قُرءٌ كقرء الحائض.
فالقرءُ هنا بمعنى الحيض.
وشاعر آخر أراد مدح أحد المجاهدين أشاد بترفعه عن رغباته، وابتعاده عن نسائه، في أيام طهرهن، من أجل الحصول على النصر فقال:
أفي كل عام أَنت جاشم غزوة
…
تشدّ لأَقصاها عزيم عزائك
مورثة عزا وفي الحيّ رفعة
…
بما ضاع فيها في قرُوُءِ نسائك
فالقرءُ هنا بمعنى الطهارة من الحيض.
فالكلمة مشتركة بين معنيين متقابلين.
مما سبب اختلاف الأئمة في تحديد مدة العدة.
وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
فأي لوم على الأئمة في اختلافهم
واللغة العربية لغة القرآن - لها دخل في هذا الاختلاف، كما أن للقراءات دخل كبير (1) فيه ونشأ عن هذا التشديد صحة الحديث عند بعض الأئمة، فأخذ به.
وعدم صحته عند بعضهم، فأخذ بحديث آخر أقوى منه سنداً، ودائرة الخلاف هي الأحاديث التي لم تبلغ حدّ التواتر.
فأبة حنيفة - مثلاً - مع تشدده في البحث عن صحة الحديث، كان يحسن الظن بالناس.
فإذا روى رجل مستور الحال حديثاً، فإن الإمام يقبل روايته، لحسن ظنه بالناس - من ناحية - ولأَنّ
(1) ومن ذلك أن اللغة العربية لغة الإيجاز.
فإذا قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لا يقرأ فاتحة الكتاب.
فإن جمهور العلماء قدر الحديث: لا صلاة صحيحة، لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب، وإلى ذلك ذهب الشافعي.
أما الأحناف معنى الحديث.
لا صلاة كاملة.
لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب.
وموضع هذا الخلاف في كتب الفقة.
الأصل في المسلم أنه ثقة - من ناحية أخرى بينما لم يقبل تلميذه (محمد بن الحسن) أحاديث الرجل المستور الحال، الذي لم يتيقن من صلاحه، ويتحقق من عدالته، وذلك للاحتياط في أحكام الشريعة (1) ومن ذلك أيضاً أنّ الإمام مالك رضي الله عنه أعتبر عمل أهل المدينة مصدراً من مصادر الشريعة الإسلامية.
وقد خالف في هذا الإمام (الليث بن سعد - إمام مصر) .
ومن يقرأ الرسالة المطولة التي كتبها الليث بن سعد وأرسلها إلى الإمام مالك - في هذا الشأن - يدرك أدب العلماء الرفيع، مع ما بينهم من اختلاف في الرأي (2) وهناك علوم واسعة، وكتب مطولة ذكرت هذه القضية.
(1) أصول الفقه للسرخسي جـ 1 ص 27.
(2)
الرسالة بتمامها في كتاب الاختلافات الفقهية للدكتور محمد البيانوني.
ولا أحب أن أوسع في هذا الموضوع، حرصاً على وقتكم (1) .
وأُوكد لكم ما بدأت به الحديث، من أن صدر هذه الأُمة تلقي الخلافات الفقهية بعقله.
فلم تتفرق كلمتهم.
أما نحن فقد تلقيناها بقلوبنا وعواطفنا.
وقد حفظ كل مجتهد لأخيه حقه في حرية الاجتهاد.
فعندما عرض الخليفة المنصور على الإمام مالك أن يعمم مذهبه على جميع البلاد، لم يقبل الإمام مالك احتراماً لاجتهاد بقية الأئمة رضوان الله عليهم، وأذكر يا أبنائي كلمة للعلامة الدهلوى قال:
(1) من ذلك ما يختص بالثقات من رجال الحديث ككتاب (الثقاة لابن شاهين، والثقاة لابن حبان) .
وما يختص بالضعفاء من الرجال مثل كتاب (الضعفاء للإمام البخاري) ، وكتاب الكامل لابن عدى حقق صديقنا الأستاذ صبحي السامرائي.
ومنها ما يشمل الثقاة والضعفاء مثل كتاب تاريخ الرجال والعلل ومعرفة الرجال لابن معين (مخطوط) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم وغير هذا كثير.
كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون، ومن بعدهم منهم من يقرأ البسملة في الصلاة، ومنهم من لا يقرأ.
منهم من يقنت في الصبح، ومنهم من لا يقنت.
ومنهم من يعيد الصلاة التي صُليّت بالتيمم، ومنهم من لا يعيد.
ومع ذلك كان بعضهم يصلي خلف بعض.
وكان بعضهم يحترم اجتهاد بعض.
فقد صلى الإمام الشافعي رضي الله عنه صلاة الصبح في بغداد، فترك دعاء القنوت، فلما سئل عن ذلك قال: احتراماً لصاحب هذا القبر يعني (أبا حنيفة) .
وسئل الإمام أبو يوسف: هل تُصلي خلف الإمام مالك إذا سال منه دم، ولم يتوضأ؟ فقال أبو يوسف: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك؟!
وذلك لأنَّ خروج الدم يبطل الوضوء عند أبي يوسف، ولا يُبطله عند الإمام مالك.
ثائر: كان يمكن للسُنة المطهرة أن تنهي هذا الخلاف.
ويفصل فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
عارف: يا ثائر يا ولدي.
الأحاديث الشريفة اختفلت طرقها، التي وصلتنا بها (السند) وقد تشدد بعض الأئمة في نقد تاريخ الرجال، الذين نقلوا إليهم الأحاديث، حتى لا يأخذوا دين الله إلا من مصادره الموثوقة
…
يا أبنائي.
هذه لمحة سريعة عن أسباب اختلاف الفقهاء، وأهم أسبابها، وإذا كان بعض الأغبياء أساء تصويرها، وحاول أن يفرق الأمة، فإن المنصفين في الشرق والغرب من المسلمين وغير المسلمين قد أدركوا عظمة هذا الاختلاف فالإمام ابن تيمية بعد أن تكلم عن اختلاف الفقهاء قال: بهذا العقل المتفتح، والقلب المتسامح، ندرس ما وقع من الأئمة من خلاف، لنرفع عنهم الملام.
ثم خلفت خلوفٌ تحاول هدم
القمم العلمية، وتلتمس لها الأخطاء من بعيد.
وتريد أن تجعل الإسلام بلا تاريخ علمي، ولا مفكرين كبار، وحين تنظر إلى هذه الخلوف المسعورة، تدرك مزيجاً من الجهل والكبر، لا يستحق إلا المقت والإذلال، هؤلاء هم الذين يُشوهون سيرة الأئمة.
وإذا كان رأي ابن تيمية هو رفع الملام عن الأئمة، فقد شهدت جامعات باريس مؤتمراً في كلية الحقوق سنة 1951 أكد هذا المؤتمر أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة لا يماري فيها، كما أكد هذا المؤتمر عظمة الدور الذي أداه اختلاف الفقهاء المسلمين في تنمية الثروة الفقهية.
وجاء في القرارات التي اتخذها هذا المؤتمر.
أن اختلاف المذاهب الفقهية، في الشريعة الإسلامية، ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات.
وأوصى المؤتمر بوضع معجم للفقه
الإسلامي، يسهَل الرجوع إلى المصادر الفقهية، ليكون موسوعة للفقه الإسلامي، تعرض فيه الشريعة بطريقة تتلاءم أسلوبياً مع التطور المعاصر.
أشكركم على حسن سماعكم وأفتح الباب للمناقشة وأرجو أن يجمع الله كلمتكم، ويوحد صفكم.
بعد المحاضرة قام الشباب يصافح بعضه بعضاً، ويعتذر بعضهم للآخر عما بدا منه من جفاءٍ.