المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حكم صوم يوم السبت في غير الفريضة - فتاوى يسألونك - جـ ٩

[حسام الدين عفانة]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء التاسع

- ‌مقدمة

- ‌الطهارة والصلاة

- ‌حكم قراءة الحائض للقرآن الكريم ومسها للمصحف الشريف ودخولها المسجد

- ‌الانحراف اليسير في قبلة المسجد لا يبطل الصلاة

- ‌لا تصح الصلاة بقراءة القرآن بغير اللغة العربية

- ‌حكم الصلاة جلوساً على الكرسي

- ‌ترك صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك والصلاة في مساجد ضواحي القدس

- ‌حكم طرد الأطفال من المسجد بحجة التشويش على المصلين

- ‌حكم الجلوس للتعزية ثلاثة أيام

- ‌الصيام

- ‌حكم الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول شهر رمضان

- ‌اختلاف بدء الصوم من بلد لآخر

- ‌ الصوم والفطر مع الجماعة

- ‌يجوز للحائض إذا طهرت أثناء النهار الأكل والشرب والأولى أن تمسك بقية يومها لحرمة الشهر

- ‌المجاهرة بالفطر في رمضان من كبائر الذنوب

- ‌الخطأ في الفطر

- ‌تذكير الناسي للصيام

- ‌حكم صوم يوم السبت في غير الفريضة

- ‌الصوم في العشر الأوائل من شهر ذي الحجة

- ‌الحج والعمرة

- ‌حكم الحج عن السجين المحكوم بالمؤبد

- ‌لا يشترط في النائب بالحج أن يخرج للحج من بلد المحجوج عنه

- ‌مات شخص قبل أن يحج الفريضة وهو مستطيع

- ‌لا يجوز ذبح الهدي في بلد الحاج

- ‌المشروع عند استقبال الحجاج

- ‌التطوع بإنفاق المال في وجوه الخير أولى من تكرار العمرة

- ‌لا فضيلة خاصة للعمرة في شهر رجب

- ‌الأَيمان

- ‌الاستثناء في اليمين

- ‌يحرم الكذب في اليمين لتحصيل أمر دنيوي

- ‌المعاملات

- ‌الأصل في المعاملات الإباحة

- ‌حكم التعامل ببطاقات الائتمان

- ‌المضاربة الصحيحة

- ‌فتوى المفتي لا تحل المال الحرام ولاغيره

- ‌فوائد صندوق التوفير هي الربا المحرم

- ‌يجوز للشريك أن يتقاضى راتباً شهرياً

- ‌لا يصح البيع بدون ذكر الثمن عند العقد

- ‌يجوز أخذ التعويض بسبب شرعي

- ‌حكم ما يعرف بجمعية الموظفين

- ‌الرد على فتوى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر التي أباحت فوائد البنوك

- ‌ضمان ما يتلفه الحيوان

- ‌يحرم بيع اللحوم المثلجة المستوردة على أنها لحوم طازجة

- ‌المرأة والأسرة

- ‌قراءة الفاتحة عند الخطبة لا تعتبر عقداً

- ‌خروج المرأة من بيتها بغير جلباب من كبائر الذنوب

- ‌الحجاب ومسألة التكفير

- ‌القواعد من النساء

- ‌الإحسان إلى الزوجة من واجبات الزوج

- ‌لا ينبغي البحث عن الماضي السيئ للزوجين

- ‌لا تصح الرجعة بالنية المجردة عن القول أو الفعل

- ‌وطء الزوجة في الدبر من المحرمات ولكنه لا يعد طلاقاً

- ‌عدم الالتزام بالأحكام الشرعية يجلب المصائب

- ‌حكم إسقاط الحمل الناتج عن اغتصاب

- ‌حدود طاعة الوالدين

- ‌توريث القاتل خطأً من مال مورثه المقتول

- ‌متفرقات

- ‌العمل عند تضارب الفتوى

- ‌لا يترتب حكم شرعي على رؤية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام

- ‌الرقية الشرعية

- ‌حديث النهي عن الامتشاط يومياً

- ‌مناداة الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم غير ثابت

- ‌حديث (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله)

- ‌حديث أمر موسى بالسجود لقبر آدم عليه السلام مكذوب

- ‌حديث استئذان ملك الموت على النبي صلى الله عليه وسلم غير ثابت

- ‌قصة غدير خم

الفصل: ‌حكم صوم يوم السبت في غير الفريضة

القول بعدم تذكيره بحجة أن ذلك الطعام والشراب رزق ساقه الله إليه.

‌حكم صوم يوم السبت في غير الفريضة

يقول السائل: إن يوم عرفة يصادف هذا العام يوم السبت فما حكم صيامه حيث إنني قد سمعت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن صوم يوم السبت إلا في الفريضة فما قولكم في ذلك؟

الجواب: يوم عرفة يوم من أيام الله سبحانه وتعالى وهو يوم عظيم مبارك ومن أفضل أعمال المؤمن أن يصوم يوم عرفة وقد ثبت في فضل صيامه أحاديث كثيرة منها:

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) رواه مسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم (قال وسئل صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة فقال يكفر السنة الماضية والباقية).

وعن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده) رواه ابن ماجة.

وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على مشروعية صوم يوم عرفة وفضله، وصوم يوم عرفة مشروع مهما كان اليوم الذي وقع فيه سواء كان يوم الجمعة أو السبت أو الأحد. وأما الحديث الذي أشار إليه السائل وهو عن عبد الله بن بسر عن أخته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، فإن هذا الحديث محل خلاف بين المحدثين فمنهم من ضعفه ومنهم من قال بنسخه ومنهم من قال إنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من حسنه أو صححه ومنهم من أولَّه وجمع بينه وبين غيره من الأحاديث التي أثبتت صوم السبت في النافلة.

ص: 56

قال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر الحديث [فقال مالك رحمه الله هذا كذب يريد حديث عبد الله بن بسر ذكره عنه أبو داود، قال الترمذي: هو حديث حسن، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ وقال النسائي هو حديث مضطرب وقال جماعة من أهل العلم لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة فإن النهي عن صومه إنما هو إفراده وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد قالوا ونظير هذا أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده] زاد المعاد في هدي خير العباد 2/ 79 - 80.

وقال الشيخ سليمان العلوان عن الحديث: [هذا الخبر منكر سنداً ومتناً، قال عنه الإمام مالك هذا كذب ذكره عنه أبو داود في سننه، وقال الأوزاعي: مازلت له كاتماً حتى رأيته انتشر يعني حديث ابن بسر هذا في صوم يوم السبت. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصومنَّ أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده) متفق عليه من حديث أبي هريرة. وهو دليل على صوم يوم السبت والأحاديث في ذلك كثيرة].

وقال الشيخ محمد الحمود النجدي: [. وهذا الحديث وإن كان رجاله ثقات معروفون، إلا أنه ليس بالقائم بل هو مضطرب. وفي متنه نكارة، ومخالفة للأحاديث الصحاح في صوم يوم الجمعة ويوماً بعده، كما في الصحيحين من حديث جويرية وكذلك صوم أيام البيض، وصيام داود صيام يوم وفطر يوم كما في الصحيحين، وصوم يوم عرفة وست من شوال كما في صحيح مسلم من حديث أبي أيوب وغيرها. وقد أنكر هذا الخبر الحفاظ، قال الأوزاعي رحمه الله: لم نزل نكتمه حتى انتشر. قال الإمام أحمد: يحيى بن سعيد ينفيه أبى أن يحدثني به. وقال الأثرم: حجة أبي عبد الله - أحمد بن حنبل- في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر].

ومن أهل العلم من يرى جواز إفراد السبت بالصيام وهو اختيار الزهري والأوزاعي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وهو رواية عن الإمام

ص: 57

أحمد لما ورد في الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما.

وقال جماهير أهل العلم يكره إفراد يوم السبت بالصيام فإذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فلا كراهة وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد. قال الإمام الترمذي: [ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم يوم السبت] سنن الترمذي 3/ 120.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال أصحابنا يكره إفراد يوم السبت بالصوم لما روى عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم). والمكروه إفراده فإن صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية وإن وافق صوماً لإنسان لم يكره لما قدمناه] المغني 3/ 171.

وقال أبو بكر الأثرم في كتابه (ناسخ الحديث ومنسوخه): [روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم). فجاء هذا الحديث ثم خالفته الأحاديث كلها. فمن ذلك حديث علي وأبي هريرة وجندب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصوم المحرم. ففي المحرم السبت، وليس فيما افترض.

وقال النسائي: [الرخصة في صيام يوم السبت]. ثم روى بسنده عن جنادة الأزدي أنهم (دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية نفر وهو ثامنهم فقرب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً يوم جمعة، فقال: كلوا، قالوا: صيام، قال: صمتم أمس؟ قالوا: لا، قال: فصائمون غداً؟ قالوا: لا، قال: فأفطروا) السنن الكبرى 2/ 145، وعزاه الحافظ ابن حجر في الإصابة 1/ 256 إلى البغوي وصححه.

وقال الطحاوي بعد أن روى حديث عبد الله بن بسر السابق: فذهب

ص: 58

قوم إلى هذا الحديث فكرهوا صوم يوم السبت تطوعاً. وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بصومه بأساً. وكان من الحجة عليهم في ذلك: أنه قد جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم يوم الجمعة إلا أن يصام قبله يوم، أو بعده يوم. وقد ذكرنا ذلك بأسانيد فيما تقدم من كتابنا هذا فاليوم الذي بعده هو يوم السبت ففي هذه الآثار المروية في هذا إباحة صوم السبت تطوعاً، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء، من هذا الحديث الشاذ الذي خالفها. وقد أذن الرسول صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء وحض عليه ولم يقل: إن كان يوم السبت فلا تصوموه ففي ذلك دليل على دخول كل الأيام فيه.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الصيام إلى الله عز وجل، صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) الحديث في الصحيحين عن ابن عمرو رضي الله عنهما، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً بصيام أيام البيض، وروى عنه في ذلك ما حدثنا

عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل أمره بصيام ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.

وعن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم ليالي البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال: هي كهيأة الدهر) ورواه أبو داود والنسائي وسنده حسن وقد يدخل السبت في هذه، كما يدخل فيها غيره من سائر الأيام. ففيها أيضاً إباحة صوم يوم السبت تطوعاً أ. هـ] شرح معاني الآثار 2/ 80 - 81.

وقال ابن حبان: [فصل في صوم يوم السبت: ذكرُ الزجر عن صوم يوم السبت مفرداً، ثم ذكر حديث عبد الله بن بسر السابق، ثم عقبه بقوله: ذكر العلة التي من أجلها نهي عن صيام يوم السبت مع البيان بأنه إذا قرن بيوم آخر جاز صومه، ثم ذكر حديث أم سلمة السابق صحيح ابن حبان 5/ 250.

وقال ابن خزيمة: [باب النهي عن صوم يوم السبت تطوعاً إذا أفرد

ص: 59

بالصوم بذكر خبر مجمل غير مفسر بلفظ عام مراده خاص، وأحسب أن النهي عن صيامه، إذ اليهود تُعظمه وقد اتخذته عيداً بدل الجمعة. ثم ذكر حديث عبد الله بن بسر السابق. ثم قال: باب ذكر الدليل على أن النهي عن صوم يوم السبت تطوعاً إذا أفرد بصوم، لا إذا صام صائم يوماً قبله أو يوم بعده. وقال: في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن صوم يوم الجمعة إلا أن يصام قبله أو بعده يوماً دلالة على أنه قد أباح يوم السبت إذا صام قبله يوم الجمعة أو بعده يوماً ثم قال: باب الرخصة في يوم السبت إذا صام يوم الأحد بعده: ثم ذكر حديث كريب مولى ابن عباس: أن ابن عباس وناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثوني إلى أم سلمة أسألها الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر لها صياماً، قالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فأخبرتهم وكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا وذكر أنك قلت كذا وكذا، فقالت صدق، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، كان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم] صحيح ابن خزيمة 3/ 316.

وقال البيهقي (باب ما ورد من النهي عن تخصيص يوم السبت بالصوم. ثم ذكر حديث عبد الله بن بسر السابق ثم قال: [وقد مضى في حديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها في الباب قبله ما دل على جواز صوم يوم السبت، وكأنه أراد بالنهي تخصيصه بالصوم على طريق التعظيم له، والله أعلم. ثم استدل بحديث أم سلمة رضي الله عنها] السنن الكبرى 4/ 302.

وقال البغوي: [باب كراهية صوم يوم السبت وحده، ثم ساق حديث عبد الله بن بسر. وعقبه بقوله: ومعنى الكراهية في تخصيص يوم السبت بالصوم أنه يوم تعظمه اليهود] شرح السنة 6/ 361.

وقال الإمام النووي: [يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره صرح بكراهة إفراده أصحابنا منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم؛ لحديث عبد الله بن بسر. قال الحاكم أبو عبد الله:.

ص: 60

وله معارض صحيح وهو حديث جويرية السابق في صوم يوم الجمعة قال: وله معارض آخر بإسناد صحيح. ثم روى بإسناده (عن كريب مولى ابن عباس أن ابن عباس وناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثوه إلى أم سلمة يسألها أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياماً لها؟ قالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا فذكر أنك قلت كذا وكذا، فقالت: صدق، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم) هذا آخر كلام الحاكم. وحديث أم سلمة هذا رواه النسائي أيضا والبيهقي وغيرهما. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس) رواه الترمذي وقال حديث حسن. والصواب على الجملة ما قدمناه عن أصحابنا أنه يكره إفراد السبت بالصيام إذا لم يوافق عادة له؛ لحديث الصماء. وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت فكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد فلا مخالفة فيها لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد السبت وبهذا يجمع بين الأحاديث] المجموع 6/ 439 - 440.

وقال الحافظ المنذري: [بعد أن ذكر حديث ابن بسر: [وهذا النهي إنما هو عن إفراده بالصوم لما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو بعده) فجاز إذاً صومه. ثم ذكر حديث أم سلمة رضي الله عنها] الترغيب والترهيب 2/ 128.

وقال المناوي في شرحه للحديث: [(لا تصوموا يوم السبت إلا في فريضة

) وهذا النهي للتنزيه لا للتحريم، والمعنى فيه: إفراده كما في الجمعة، بديل حديث (صيام يوم السبت لا لك ولا عليك) وهذا شأن المباح، والدليل على أن المراد إفراده بالصوم حديث عائشة (إنه كان يقوم شعبان كله) وقوله (إلا في فريضة) يحتمل أن يراد ما فرض بأصل الشرع كرمضان لا بالتزام كنذر ويحتمل العموم) فيض القدير 6/ 408.

ص: 61

وقال ابن القيم: [وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديماً وحديثاً فقال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن صيام يوم السبت، واحتج الأثرم بما ذكر في النصوص المتواترة على صوم يوم السبت، يعني أن يقال: يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره وحديث النهي على صومه وحده، وعلى هذا تتفق النصوص. وهذه طريقة جيدة، لولا أن قوله في الحديث (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفرداً أو مضافاً، لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه، إلا صورة الفرض، ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد، لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، كما قال في الجمعة فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها.

وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها، كقوله في يوم الجمعة (إلا أن تصوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده) فدل على أن الحديث غير محفوظ، وأنه شاذ. وقد قال أبو داود: قال مالك هذا كذب، وذكر بإسناده عن الزهري: أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت، يقول: هذا حديث حمصي، وعن الأوزاعي قال: مازلت كاتماً له حتى رأيته انتشر، يعني حديث ابن بسر هذا. وقالت طائفة، منهم أبو داود: هذا حديث منسوخ.

وقالت طائفة، وهم أكثر أصحاب أحمد: محكم وأخذوا به في كراهية إفراده بالصوم، وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه.

قالوا: وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل، فإنه سئل في رواية الأثرم عنه؟ فأجاب بالحديث، وقاعدة مذهبه: أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنص يدل على أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به، لأنه ذكره في معرض الجواب فهو متضمن للجواب والاستدلال معاً.

قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد: فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث.

ص: 62

قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متهمين، وذلك يوجب العمل به، وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه، لأنها تدل على صومه مضافاً، فيحمل النهي على صومه مفرداً كما ثبت في يوم الجمعة.

ونظير هذا الحكم أيضاً: كراهية إفراد رجب بالصوم وعدم كراهيته موصولاً بما قبله أو بعده ونظيره أيضاً: ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان: أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول، فلا يكره.

قالوا وقد جاء هذا مصرحاً به في صوم يوم السبت ففي مسند الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة: حدثنا ابن وردان عن عبيد الأعرج حدثتني جدتي يعني الصماء (أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت، وهو يتغدى، فقال: تعالي تغدي فقالت: إني صائمة، فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: كلي فإن صيام يوم السبت لا لك، ولا عليك) وهذا - وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا انفرد - لكن يدل عليه ما تقدم من الأحاديث وعلى هذا: فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم (لا تصوموا يوم السبت) أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده. وأيضاً فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضاً، لا المقارنة بينه وبين غيره وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة، ونحو ذلك

إلخ.

ثم انتقل ابن القيم للكلام على سبب كراهية صومه منفرداً، فقال: ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة، فعللها ابن عقيل: بأنه يوم يمسك فيه اليهود، ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبهاً بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. ولا يقال:

ص: 63

فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ومع هذا فإنه لا يكره، لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصداً تخصيصه المقتضي للتشبه، وشاهده: استحباب صوم يوم قبل عاشوراء وبعده إليه، لتنتفي صورة الموافقة.

وعللته طائفة أخرى: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه، فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيماً له فكره ذلك، كما كره إفراد يوم عاشوراء بالتعظيم، لما عظمه أهل الكتاب، وإفراد رجب أيضاً لما عظمه المشركون، وهذا التعليل قد تعارض بيوم الأحد، فإنه يوم عيد للنصارى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(اليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى) ومع ذلك فلا يكره صومه. وأيضاً فإذا كان يوم عيد، فقد يقال: مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر، فالصوم فيه تحقيق للمخالفة.

ويدل على ذلك: ما رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما من حديث كريب مولى ابن عباس قال (أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها صياماً؟ فقالت: كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم) وصححه بعض الحفاظ، فهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم لأجل مخالفتهم، فكيف نعلل كراهة صومه بكونه عيداً لهم؟ وفي جامع الترمذي عن عائشة قالت:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء، والخميس) قال الترمذي: حديث حسن، وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان، ولم يرفعه وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بصوم] تهذيب سنن أبي داود 7/ 48 - 52 بتصرف.

ومن فتاوى العلماء المعاصرين في هذه المسألة فتوى الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله حيث سئل ما هي الأيام التي يكره فيها الصيام؟

فأجاب: الأيام التي ينهى عن الصيام فيها يوم الجمعة حيث لا يجوز أن يصوم يوم الجمعة مفرداً يتطوع بذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وهكذا لا يفرد يوم السبت تطوعاً ولكن إذا صام الجمعة ومعها السبت أو

ص: 64

معها الخميس فلا بأس كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ينهى عن صوم يوم عيد الفطر وذلك محرم، وكذلك يوم عيد النحر وأيام التشريق كلها لا تصام لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك إلا أن أيام التشريق قد جاء ما يدل على جواز صومها عن هدي التمتع والقران خاصة لمن لا يستطيع الهدي لما ثبت في البخاري عن عائشة رضي الله عنها وابن عمر رضي الله عنهما قالا:(لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) أما كونها تصام تطوعاً أو لأسباب أخرى فلا يجوز كيوم العيد وهكذا يوم الثلاثين من شعبان إذا لم تثبت رؤية الهلال فإنه يوم شك لا يجوز صومه في أصح قولي العلماء سواء كان صحواً أو غيماً للأحاديث الصحيحة الدالة على النهي عن ذلك والله ولي التوفيق] فتاوى إسلامية 2/ 168.

وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن هذه المسألة، فقال السائل: قال صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجر فليمضغها) رواه الخمسة.

وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم) أخرجه النسائي. أفيدونا عن معنى هذين الحديثين جزاكم الله خيراً؟

الجواب: الحديث الأول هو عن صيام يوم السبت اختلف العلماء في تصحيحه فمنهم من صححه، ومنهم من ضعفه، والذين صححوه قال بعضهم: إنه منسوخ وقال بعضهم: إن النهي عن إفراده فقط، فأما لو صامه هو ويوم الأحد فلا نهي في ذلك، وعلى هذا فلا يعارض الحديث الثاني، الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم هو يوم السبت والأحد.

وعلى كل حال فإن أهل العلم اختلفوا في صوم يوم السبت، فمنهم من قال: إنه ليس بمكروه وأطلق، ومنهم من فصَّل فقال: إن أفرد فهو مكروه، وإن جمع مع يوم الأحد الذي بعده، أو يوم الجمعة الذي قبله فلا

ص: 65

كراهة في ذلك وهذا هو الأقرب، والله أعلم] فتاوى منار الإسلام 2/ 365 - 366.

وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله:

[يجوز صيام يوم عرفة مستقلاً سواء وافق يوم السبت أو غيره من أيام الأسبوع لأنه لا فرق بينها لأن صوم يوم عرفة سنة مستقلة وحديث النهي عن يوم السبت ضعيف لاضطرابه ومخالفته للأحاديث الصحيحة] فتاوى اللجنة الدائمة 10/ 396.

ومن الأدلة الدالة على جواز صيام يوم السبت ما جاء في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) واليقين حاصل بهذا الحديث أنه يوافق يوم السبت، وجاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان واتبعه بستٍ من شوال فكأنما صام الدهر. والغالب في هذه الستّ أن يوافق أحدها يوم السبت. وقد استحب أهل العلم صيام ست من شوال متتابعة، وأيضاً لم يقل النبي- صلى الله عليه وسلم:(وأتبعه ستاً من شوال إلا يوم السبت)، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

ومن الأدلة ما رواه الشيخان أيضاً عن جويرية أنّها صامت يوم الجمعة فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي صائمة فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غداً (يعني السبت)، قالت: لا، قال إذاً أفطري". فهذا الحديث صريح بجواز صيام السبت بغير الفرض، ومنها: عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت، ويوم الأحد، وكان يقول:(إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم). رواه النسائي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.

والحديث يدل على جواز صيام يوم السبت بل يدل الخبر على استحباب ذلك مخالفة لليهود فإنهم يعظمون يوم السبت والأحد ويجعلونهما عيداً لهم ومعلوم عندنا أن العيد لا يشرع صيامه فشرع لنا مخالفتهم وصيام

ص: 66