الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فآمنوا فمتعناهم إلى حين) أي وقع منهم الإيمان بعدما شاهدوا أعلام نبوته فمتعهم الله في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم، ومنتهى أعمارهم. ولما كانت قريش وقبائل من العرب يزعمون أن الملائكة بنات الله أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتائهم على طريقة التقريع والتوبيخ فقال:
(فاستفتهم) أي استخبرهم يا محمد.
(ألربك البنات ولهم البنون)؟ أي كيف يجعلون لله على تقدير صدق ما زعموه من الكذب أدنى الجنسين؟ وأوضعهما وهو الإناث ولهم أعلاهما وأرفعهما وهم الذكور، وهل هذا إلا حيف في القسمة لضعف عقولهم وسوء إدراكهم؟ ومثله قوله:(أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال:
(أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون) فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو أشد منه في التبكيت والتهكم بهم، أي كيف جعلوهم إناثاً وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم، وهذا كقوله:(وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ)؟ فبين سبحانه أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة، ولم يشهدوا ولا دل دليل على قولهم من السمع، ولا هو مما يدرك بالعقل حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم
ثم أخبر سبحانه عن كذبهم فقال:
(أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ
(151)
وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) استئناف من جهته تعالى غير داخل تحت الأمر بالاستفتاء مسوق لإبطال مذهبهم الفاسد ببيان أنه ليس مبناه إلا الإفك الصريح، والافتراء القبيح من دون دليل ولا شبهة دليل؛ فإنه لم يلد ولم يولد، قرأ الجمهور: ولد الله فعلاً ماضياً مسنداً إلى الله وقرىء: بإضافة ولد إلى الله على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي يقولون: الملائكة ولد الله، والولد بمعنى مفعول يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، ثم كرر سبحانه تقريعهم وتوبيخهم فقال:
أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165)
(أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ)؟ قرأ الجمهور: بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري وقد حذف معها همزة الوصل استغناء بها عنها، وقرىء بهمزة وصل تثبت ابتداء وتسقط درجاً، ويكون الاستفهام منوباً قاله الفراء وحذف حرفه للعلم به من المقام، أو على أن اصطفى وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول، وعلى تقدير عدم الاستفهام والبدل فقد حكى جماعة من المحققين منهم الفراء أن التوبيخ يكون باستفهام وبغير استفهام كما في قوله:(أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) وقيل: هو على إضمار القول والاصطفاء أخذ صفوة الشيء.
(ما لكم كيف تحكمون)؟ جملتان استفهاميتان ليس لإحداهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب استفهمهم أولاً عما استقر لهم، وثبت استفهام إنكار، وثانياً استفهام تعجب من هذا الحكم الذي حكموا به، والمعنى أي شيء ثبت لكم كيف تحكمون لله بالبنات؟ وهو القسم الذي تكرهونه ولكم بالبنين وهو القسم الذي تحبونه
(أفلا تذكرون)؟ أي تتذكرون والمعنى ألا تعتبرون وتتفكرون فتتذكرون بطلان قولكم.
(أم لكم سلطان مبين) أي حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه ضرورة أن الحكم بذلك لا بد له من مسند حسي أو عقلي، وحيث انتفى كلاهما فلا بد من مستند نقلي، وهو إضراب عن توبيخ إلى توبيخ،
وانتقال من تقريع إلى تقريع
(فأتوا بكتابكم) أي فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا أو فأتوا بالكتاب الذي ينطق لكم بالحجة ويشتمل عليها (إن كنتم صادقين) فيما تقولونه.
(وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) التفات للغيبة للإيذان بانقاطعهم عن درجة الخطاب، واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم، وتحكى جناياتهم للآخرين قال أكثر المفسرين: إن المراد بالجنة هنا الملائكة، قيل لهم: جنة لأنهم لا يرون، وقال مجاهد: هم بطن من بطون الملائكة يقال هم: الجنة، وقال أبو مالك: إنما قيل لهم الجنة لأنهم خزان على الجنان، والنسب الصهر قال قتادة والكلبي: قالوا لعنهم الله إن الله صاهر الجن. فكانت الملائكة من أولادهم قالا: والقائل بهذه المقالة اليهود، وقال مجاهد والسدي ومقاتل: إن القائل بذلك كنانة وخزاعة، قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سروات بناتهم فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه. وقال ابن عباس: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان، ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله:
(ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون) أي علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا القول يحضرون النار. ويعذبون فيها لكذبهم في قولهم ذلك، والمراد به المبالغة في التكذيب ببيان أن الذين ادعى هؤلاء لهم تلك النسبة، ويعلمون أنهم أعلم منهم بحقيقة الحال يكذبونهم في ذلك، ويحكمون بأنهم معذبون لأجله حكماً مؤبداً وقيل: علمت الجنة أنهم أنفسهم يحضرون للحساب والأول أولى لأن الإحضار إذا أطلق فالمراد به العذاب، وقيل: المعنى ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون إلى الجنة، ثم نزه سبحانه وتعالى نفسه الكريمة فقال:
(سبحان الله عما يصفون) أو هو حكاية لتنزيه الملك لله عز وجل عما وصفه به المشركون ذكره العمادي، وأشار له أبو السعود. والاستثناء في قوله
(إلا عباد الله المخلصين) منقطع، والتقدير: لكن عباد الله المخلصين بريئون
عن أن يصفوا الله بشيء من ذلك، وقد قرىء: بفتح اللام وكسرها ومعناهما ما بيناه قريباً، وقيل هو استثناء من المحضرين أي إنهم يحضرون النار إلا من أخلص فيكون متصلاً لا منقطعاً، قاله أبو البقاء. وعلى هذا تكون جملة التسبيح معترضة، ثم خاطب الكفار على العموم أو كفار مكة على الخصوص فقال:
(فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين) أي فإنكم وآلهتكم التي تعبدون من دون الله لستم بفاتنين على الله بإفساد عباده، وإضلالهم، وعلى متعلقة بفاتنين والواو في وما تعبدون إما للعطف على اسم إن أو هو بمعنى مع وما موصولة أو مصدرية أي فإنكم والذي تعبدون أو وعبادتكم ومعنى فاتنين مضلين، يقال: فتنت الرجل وأفتنته ويقال فتنه على الشيء وبالشيء كما يقال: أضله على الشيء، وأضله به، قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنته، وأهل نجد يقولون: أفتنته، ويقال: فتن فلان على فلان امرأته، أي أفسدها عليه، فالفتنة هنا بمعنى الإضلال والإفساد، قال مقاتل: يقول ما أنتم بمضلين أحداً بآلهتكم إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم.
و (ما) في
(ما أنتم) نافية. (وأنتم) خطاب لهم ولمن يعبدونه على التغليب، قال الزجاج: أهل التفسير مجمعون فيما علمت أن المعنى ما أنتم بمضلين أحداً إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل، والجملة تعليل وتحقيق لبراءة المخلصين ببيان عجزهم عن إغوائهم وإضلالهم، والالتفات إلى الخطاب لإظهار كمال الاعتناء بتحقيق مضمون الكلام.
(إلا من هو صال الجحيم) أي إلا من سبق له في علم الله الشقاوة وأنه سيدخل النار، والاستثناء مفرغ قاله السمين. وهذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فهو استثناء من المفعول المقدر، وقال ابن عباس: في الآية إنكم يا معشر المشركين وما تعبدون يعني الآلهة ما أنتم عليه بمضلين إلا من سبق في علمه أنه سيصلى الجحيم، وعنه قال: يقول إنكم لا تضلون أنتم ولا أضل منكم إلا من قضيت عليه أنه صال الحجيم وعنه قال: لا تفتنون إلا من
هو صال الجحيم، قرأ الجمهور: صال بكسر اللام لأنه منقوص مضاف حذفت الياء لالتقاء الساكنين وحمل على لفظ من فأفرد كما أفرد هو.
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة: بضم اللام مع واو بعدها، وروي عنهما أنهما قرآ: بضم اللام بدون الواو، فأما مع الواو فعلى أنه جمع سلامة بالواو حملاً على معنى من، وحذفت نون الجمع للإضافة، وأما بدون الواو فيحتمل أن يكون جمعاً، وإنما حذفت الواو خطأ كما حذفت لفظاً، ويحتمل أن يكون مفرداً وحقه على هذا كسر اللام.
قال النحاس وجماعة أهل التفسير يقولون: إنه لحن لأنه لا يجوز هذا قاضي المدينة، والمعنى أن الكفار وما يعبدونه لا يقدرون على إضلال أحد من عباد الله إلا من هو من أهل النار وهم المصرون وإنما يصر على الكفر من سبق القضاء عليه بالشقاوة، وأنه ممن يصلى النار أي يدخلها. ثم قال الملائكة مخبرين للنبي صلى الله عليه وسلم كما حكاه الله سبحانه عنهم
(وما منا) في الكلام حذف والتقدير وما منا أحد أو وما منا ملك.
(إلا له مقام معلوم) في عبادة الله، وقيل: التقدير وما منا إلا من له مقام معلوم، رجح البصريون التقدير الأول، ورجح الكوفيون الثاني. قال الزجاح هذا قول الملائكة وفيه مضمر، والمعنى وما منا ملك إلا له مقام معلوم يعبد ربه فيه لا يتجاوزه، وقيل: مقام معلوم في القربة والمشاهدة، وقيل: يعبد الله على مقامات مختلفة كالخوف والرجاء والمحبة والرضاء، والأول أولى، وقيل: هو من كلام النبي والمؤمنين، أي وما منا إلا له مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله في القيامة، وفيه بعد ثم قالوا:
(وإنا لنحن الصافون) أي في مواقف الطاعة أو حول العرش، داعين للمؤمنين، قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم، وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض، أو نحن الصافون له في الصلاة، وهذا على القول الثاني أنهم المؤمنون، والأول أظهر.
وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170)
(وإنا لنحن المسبحون) أي المنزهون لله المقدسون له عما أضافه إليه المشركون، وقيل: المصلون، وقيل: المراد بقولهم (المسبحون) مجموع التسبيح باللسان وبالصلاة، والمقصود: أن هذه الصفات هي صفات الملائكة، وليسوا كما وصفهم به الكفار من أنهم بنات الله.
وعن ابن عباس قال: هذه الملائكة وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم " وذلك قول الملائكة (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه وغيرهم.
وعن العلاء ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: " أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد، ثم قرأ: وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون " أخرجه محمد بن نصر وابن عساكر.
وعن ابن مسعود قال: " إن من السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائماً أو ساجداً، ثم قرأ: وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون.
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله "، (1) قيل: الأطيط أصوات الأقتاب، وقيل:
(1) روى مسلم في صحيحه 1/ 371 عن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا بصفوف الملائكة ....
أصوات الإبل وحنينها.
وقد ثبت في الصحيح وغيره: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بأن يصفوا كما تصف الملائكة عند ربهم، فقالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يقيمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف ". قال القرطبي: قال مقاتل: هذه الآيات الثلاث نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى، فتأخر جبريل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أهنا تفارقني؟ فقال جبريل: ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني هذا.
وأنزل الله حكاية عن قول الملائكة: (وما منا إلا له مقام معلوم) إلى آخرها ".
(وإن كانوا ليقولون) إن مخففة من الثقيلة، وفيها ضمير شأن محذوف، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي وإن الشأن كان كفار العرب ليقولون الخ، وهذا رجوع إلى الإخبار عن المشركين. أي كانوا قبل المبعث المحمدي إذا عيروا بالجهل قالوا:
(لو أن عندنا ذكراً من الأولين) أي كتاباً من كتبهم كالتوراة والإنجيل
(لكنا عباد الله المخلصين) أي لأخلصنا العبادة له، ولم نكفر به كما كفروا فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب.
(فكفروا به) قال ابن عباس: لما جاء المشركين من أهل مكة ذكر الأولين، وعلم الآخرين؛ كفروا بالكتاب والفاء هي الفصيحة الدالة على محذوف مقدر في الكلام، قال الفراء: تقديره فجاءهم محمد بالذكر، فكفروا به، وهذا على طريق التعجب منهم، ونظير ذلك قوله: في سورة فاطر: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا) والمراد بالنذير الرسول، وقد قيل هنا: إن الذكر هو الرسول (فسوف يعلمون) عاقبة كفرهم ومغبة تكذيبهم، وما يحل بهم من الانتقام، وفي هذا تهديد لهم شديد.
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)
(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) مستأنفة مقررة للوعيد وتصديرها بالقسم لغاية الاعتناء بتحقيق مضمونها أي وبالله والمراد بالكلمة ما وعدهم الله به من النصر والغلبة والظفر على الكفار. قال مقاتل: عنى بالكلمة قوله سبحانه: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) وقال الفراء: سبقت كلمتنا بالسعادة لهم، والأولى تفسير هذه الكلمة بما هو مذكور هنا فإنه قال:
(إنهم لهم المنصورون) فهذه هي الكلمة المذكورة سابقاً وهذا تفسير لها وإنما سماها كلمة وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة فهو مجاز من إطلاق الجزء على الكل.
(وإن جندنا) المراد بجند الله حزبه وهم الرسل وأتباعهم، والجند الأنصار والأعوان والجمع أجناد وجنود، والواحد جندي، فالياء للوحدة مثل روم ورومي وجند بفتحتين بلد باليمن. قال الشيباني: جاء هنا على الجمع يعني قوله:
(لهم الغالبون) من أجل أنه رأس آية، وهذا الوعد لهم بالنصر والغلبة لا ينافيه انهزامهم في بعض المواطن، وغلبة الكفار لهم، فإن الغالب في كل موطن هو انتصارهم على الأعداء وغلبتهم لهم فخرج الكلام مخرج الغالب على أن العاقبة المحمودة لهم على كل حال، وفي كل موطن كما قال سبحانه:(والعاقبة للمتقين) والمراد الوعد بعلوهم على عدوهم، في مقادم
الحجاج وملاحم القتال في الدنيا. وعلوهم عليهم في الآخرة، وعن ابن عباس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في العقبى، والحاصل أن قاعدة أمرهم وأساسه الظفر والنصرة، وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة فالعبرة للغالب، ويعطي الأكثر حكم الكل ويلحق القليل بالعدم أو الغلبة باعتبار عاقبة الحال، وملاحظة المآل، ثم أمر سبحانه رسوله بالإعراض عنهم والإغماض عما يصدر منهم من الجهالات والضلالات فقال:
(فتول عنهم حتى حين) أي أعرض عنهم إلى مدة معلومة عند الله سبحانه وهي مدة الكف عن القتال، قال السدي ومجاهد: حتى نأمرك بالقتال وقال قتادة: إلى الموت. وقيل: إلى يوم بدر، وقيل: إلى يوم فتح مكة. قيل هذه الآية منسوخة بآية السيف والأول أولى؛ وكان صلى الله عليه وسلم أول الأمر مأموراً بالتبليغ والإنذار والصبر على أذى الكفار تأليفاً لهم. ثم أمر بالجهاد في السنة الثانية من الهجرة. قال ابن حجر رحمه الله: وغزواته صلى الله عليه وسلم سبع وعشرون غزوة، قاتل في ثمان منها بنفسه: بدر وأحد والمصطلق والخندق وقريظة؛ وخيبر، وحنين، والطائف أهـ.
(وأبصرهم) إذا نزل بهم العذاب بالقتل والأسر؛ وما هيأنا لهم (فسوف يبصرون) ذلك عن قريب حين لا ينفعهم الإبصار؛ وسوف هنا للوعيد لا للتبعيد؛ إذ ليس المقام مقامه، كما تقول: سوف أنتقم منك؛ وأنت متهيء للانتقام؛ قاله الكرخي ولذا عبر بالإبصار عن قرب الأمر كأنه حاضر قدامه. مشاهد له. خصوصاً إذا قيل: إن الأمر للفور، وقيل: يبصرون العذاب يوم القيامة؛ ثم هددهم سبحانه بقوله: (
أفبعذابنا يستعجلون)؟ كانوا يقولون من فرط تكذيبهم: متى هذا العذاب؟.
(فإذا نزل بساحتهم) إذا نزل عذاب الله لهم بفنائهم والساحة في اللغة فناء الدار الواسع الخالي من الأبنية وجمعها سوح، قال الفراء: نزل بهم، نزل بساحتهم سواء؛ قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل، قيل: المراد به
نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم يوم فتح مكة شبه العذاب بجيش هجم عليهم؛ فأناخ بفنائهم بغتة وهم في ديارهم. ففي الضمير المستتر في نزل استعارة بالكناية والنزول تخييل. قرأ الجمهور: نزل مبنياً للفاعل.
وقرىء: مبنياً للمفعول والجار والمجرور قائم مقام الفاعل.
(فساء صباح المنذرين) أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، والمخصوص بالذم محذوف، أي صباحهم وخص الصباح بالذكر لأن العذاب كان يأتيهم فيه وإن وقع في وقت آخر، وفي التعبير بالمنذرين إقامة الظاهر مقام المضمر واللام للجنس لا للعهد فإن أفعال الذم والمدح تقتضي الشيوع للإبهام والتفصيل فلا يجوز أن تقول: بئس الرجل هذا ونعم الرجل هذا إذا أردت رجلاً بعينه.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: " صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقد خرجوا بالمساحي فلما نظروا إليه قالوا: محمد والخميس، فقال: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " الحديث.
ثم كرر سبحانه ما سبق تأكيداً للوعد بالعذاب وتسلية على تسلية: فقال:
(وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون) حذف مفعول أبصر هنا وذكره أولاً إما لدلالة الأول عليه. فتركه هنا اختصاراً أو قصداً إلى التعميم للإيذان بأن ما يبصره من أنواع عذابهم لا يحيط به الوصف، وقيل: هذه الجملة المراد بها أحوال القيامة والجملة الأولى: المراد بها عذابهم في الدنيا وعلى هذا فلا يكون من باب التأكيد، بل من باب التأسيس، ثم نزه سبحانه نفسه عن قبيح ما يصدر منهم فقال:
(سبحان ربك رب العزة عما يصفون) العزة الغلبة والقوة والمراد تنزيهه عن كل ما يصفونه، مما لا يليق بجنابه الشريف ورب العزة بدل من
ربك، وأضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل: ذي العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه به، وقيل: المراد العزة المخلوقة الكائنة بين خلقه ويترتب على القولين مسألة اليمين، فعلى الأول ينعقد بها اليمين لأنها صفة من صفاته بخلاف الثاني، فإنه لا ينعقد بها اليمين قاله السمين، ثم ذكر ما يدل على تشريف رسله وتكريمهم فقال:
(وسلام على المرسلين) أي الذين أرسلهم إلى عباده، وبلغوا رسالاته وهو من السلام الذي هو التحية، وقيل معناه: أمن لهم وسلامة من المكاره.
أخرج ابن سعد وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سلمتم على المرسلين فسلموا عليّ فإنما أنا بشر من المرسلين ".
وعن أنس مرفوعاً نحوه بأطول منه عند ابن مردويه وعمم الرسل بالسلام بعد ما خص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلاً.
(والحمد لله رب العالمين) إرشاد لعباده إلى حمده على إرسال رسله إليهم مبشرين ومنذرين، وتعليم لهم. كيف يصنعون عند إنعامه عليهم وما يثنون به عليه، وقيل: إنه الحمد على هلاك المشركين، ونصر الرسل عليهم، والأولى: أنه حمد لله سبحانه على كل ما أنعم به على خلقه أجمعين، كما يفيده حذف المحمود عليه، فإن حذفه مشعر بالتعميم كما تقرر في علم المعاني، والحمد هو الثناء الجميل لقصد التعظيم.
عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يسلم من صلاته قال: " سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن مردويه.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كنا نعرف انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة بقوله: سبحان ربك إلى آخرها.
وأخرج الخطيب نحوه من حديث أبي سعيد، وأخرج الطبراني عن زيد ابن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من قال: " دبر كل صلاة سبحان ربك الآيات ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر "، وأخرج حميد بن زنجويه في ترغيبه عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه نحوه.
وعن علي رضي الله تعالى عنه: " من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه سبحان ربك إلى آخرها " ذكره النسفي والخازن، قال النسفي اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه وما عاناه المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم، فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون والتسليم على المرسلين والحمد لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب.
خاتمة الجزء الحادي عشر
تم بعون الله الجزء الحادي عشر من كتاب فتح البيان في مقاصد القرآن ويليه الجزء الثاني عشر وأوله تفسير سورة ص.