الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا
(49)
(يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات) أي عقدتم بهن عقد النكاح أو بالكتابيات، وإنما خص المؤمنات بالذكر للتنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيراً للنطفة، وقد اختلف في لفظ النكاح، هل هو حقيقة في الوطء؟ أو في العقد؟ أو فيهما على طريقة الاشتراك؟ وكلام صاحب الكشاف في هذا الموضع يشعر بأنه حقيقة في الوطء، فإنه قال: النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث إنه طريق إليه، ونظيره تسمية الخمر إثماً لأنها سبب في اقتراف الإثم، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد، كما قاله صاحب الكشاف والقرطبي وغيرهما.
(ثم) التراخي ليس قيداً، وفائدة التعبير بثم إزالة ما عسى أن يتوهم من أن تراخي الطلاق بقدر إمكان الإصابة كما يؤثر في النسب يؤثر في العدة (طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) أي تجامعوهن، فكنى عن ذلك بلفظ المس ومن آداب القرآن الكناية عن الوطء بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والغشي والإتيان.
وقد استدل بهذه الآية القائلون بأنه لا طلاق قبل النكاح، وهم الجمهور، وبه قال علي وابن عباس وجابر ومعاذ وعائشة، وبه قال سعيد بن المسيب وعروة وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وطاووس والحسن وعكرمة وعطاء وسليمان بن يسار ومجاهد والشعبي وقتادة وأكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي، وذهب ابن مسعود ومالك وأبو حنيفة إلى صحة الطلاق قبل النكاح إذا قال: إذا تزوجت فلانة فهي طالق فتطلق إذا تزوجها، وبه قال النخعي وأصحاب الرأي، وقال ربيعة والأوزاعي: إن عينّ امرأة وقع وإن عمّم
فلا يقع، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا طلاق فيما لا تملك، ولا عتق فيما لا تملك، ولا بيع فيما لا تملك، أخرجه أبو داود والترمذي بمعناه. وعن ابن عباس قال: جعل الله الطلاق بعد النكاح أخرجه البخاري.
(فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) أي تحصونها بالاقراء والأشهر، أجمع العلماء على أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس والخلوة فلا عدة، وذهب أحمد إلى أن الخلوة توجب العدة والصداق، وقد حكى ذلك الإجماع القرطبي وابن كثير، والمعنى: تستوفون عددها؛ من عددت الدراهم فأعتدها، وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق لهم كما يفيده قوله:(فما لكم) وقرىء: تعتدونها بتشديد الدال وبتخفيفها، وفي هذه وجهان أحدهما: أن يكون بمعنى الأولى مأخوذ من الاعتداد أي تستوفون عددها ولكنهم تركوا التضعيف لقصد التخفيف، قال الرازي: ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف؛ لأن الاعتداء يتعدى بعلى، وقيل من الاعتداء بحذف حرف الجر أي تعتدون عليها أي على العدة مجازاً.
والوجه الثاني: أن يكون المعنى تعتدون فيها والمراد بالاعتداء هذا هو ما في قوله: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) فيكون معنى الآية على القراءة الأخرى: فما لكم عليهن من عدة تعتدون عليهن فيها بالمضارة وقد أنكر ابن عطية صحة هذه القراءة عن ابن كثير، وقال: إن البزي غلط عليه وهذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ولقوله: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر).
(فمتعوهن) أي أعطوهن ما يستمتعن به، والمتعة المذكورة هنا قد تقدم الكلام عليها في البقرة. وقال سعيد بن جبير: هذه المتعة المذكورة هنا منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي في قوله:(وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم)، وقيل المتعة هنا: هي أعم من أن تكون نصف الصداق، أو المتعة خاصة إن لم يكن قد سمي لها فمع التسمية
للصداق تستحق نصف المسمى عملاً بقوله (فنصف ما فرضتم)، ومع عدم التسمية تستحق المتعة عملاً بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى (ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، وهذا الجمع لا بد منه، وهو مقدم على الترجيح وعلى دعوى النسخ، ويخصص من هذه الآية من توفي عنها زوجها، فإنه إذا مات بعد العقد عليها وقبل الدخول بها كان الموت كالدخول فتعتد أربعة أشهر وعشراً، قال ابن كثير بالإجماع، فيكون المخصص هو الإجماع.
(وسرحوهن سراحاً جميلاً) أي أخرجوهن من غير إضرار ولا منع حق من منازلكم، إذ ليس لكم عليهن عدة، والسراح الجميل الذي لا ضرار فيه وقيل: هو أن لا يطالبها بما كان قد أعطاها، وقيل هو هنا كناية عن الطلاق وهو بعيد، لأنه قد تقدم ذكر الطلاق، ورتب عليه التمتع، وعطف عليه السراح الجميل، فلا بد أن يراد به معنى غير الطلاق.
وعن ابن عباس في الآية قال: هذا في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها من قبل أن يمسها فإذا طلقها واحدة بانت منه ولا عدة عليها تتزوج من شاءت ثم قال: (فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً)، يقول: إن كان سمى لها صداقاً فليس لها إلا النصف وإن لم يكن سمى لها صداقاً متعها على قدر عسره، ويسره وهو السراح الجميل.
وعن ابن عمر قال: (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) منسوخة نسختها التي في البقرة (فنصف ما فرضتم)، وعن سعيد بن المسيب نحوه، وعن الحسن وأبي العالية قالا: ليست بمنسوخة لها نصف الصداق، ولها المتاع وعن ابن جريج قال بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال ابن عباس: أخطأ في هذا إن الله يقول: إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن.
وعن ابن عباس أنه تلا هذه الآية وقال: لا يكون طلاق حتى يكون نكاح، وقد وردت أحاديث فيها: أنه لا طلاق إلا بعد نكاح وهي معروفة.
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)
(يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) ذكر سبحانه في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله، وبدأ بأزواجه اللاتي قد أعطاهن أجورهن أي مهورهن فإن المهور أجور الإبضاع، ولهذا قال الكرخي: إن النكاح بلفظ الإجارة جائز.
وقال أهل الرأي: التأبيد من شرط النكاح، والتأقيت من شرط الإجارة وبينهما منافاة، وإيتاء الأجور إما تسليمها معجلة، أو فرضها أو تسميتها في العقد، واختلف في معنى الآية فقال ابن زيد والضحاك: إن الله أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها؛ فتكون الآية مبيحة لجميع النساء ما عدا ذوات المحارم، وقال الجمهور: المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك لأنهن قد اخترنك على الدنيا وزينتها، وهذا هو الظاهر؛ لأن قوله: أحللنا وآتيت ماضيان؛ وتقييد الاحلال بإيتاء الأجور ليس لتوقف الحل عليه؛ لأنه يصح العقد بلا تسمية ويجب مهر المثل مع الوطء، والمتعة مع عدمه. فكأنه لقصد الإرشاد إلى ما هو أفضل.
(وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك) أي السراري اللاتي دخلن في ملكك بالغنيمة. والمعنى: مما رده الله عليك من الكفار بالغنيمة من نسائهم
المأخوذات على وجه القهر والغلبة مثل: صفيه وجويرية فأعتقهما وتزوجهما، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه فولدت له إبراهيم، وليس المراد بهذا القيد إخراج ما ملكه بغير الغنيمة؛ فإنها تحل السرية المشتراة والموهوبة ونحوهما ولكنه خرج مخرج الغالب وأشار به إلى ما هو الأفضل كالقيد الأول المصرح بإيتاء الأجور، وهكذا قيد المهاجرة في قوله:
(وبنات عمك وبنات عماتك) أي نساء قريش (وبنات خالك وبنات خالاتك) أي نساء بني زهرة (اللاتي هاجرن معك) فإنه للإشارة إلى ما هو الأفضل، وللإيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر، أي أحللنا لك ذلك زائداً على الأزواج اللاتي آتيت أجورهن على قول الجمهور، لأنه لو أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجت وآتيت أجرها لما قال بعد ذلك: وبنات عمك وبنات عماتك، لأن ذلك داخل فيما تقدم، والأول أولى والمراد بالمعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة فيها. قال النسفي: ليس (مع) للقران، بل لوجودها فحسب، كقوله: وأسلمتُ مع سليمان.
وقيل إن هذا القيد أعني المهاجرة معتبر، وإنها لا تحل له من لم تهاجر من هؤلاء كما في قوله:(والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، ويؤيد هذا حديث أم هانىء وسيأتي.
ووجه إفراد العم والخال، وجمع العمة والخالة، ما ذكره القرطبي إن العم والخال في الإطلاق اسم جنس؛ كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة قال وهذا عرف لغوي، فجاء الكلام عليه بغاية البيان، وحكاه عن ابن العربي وقال ابن كثير إنه وحد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الأنثى كقوله: عن اليمين وعن الشمائل، وقوله يخرجهم:(من الظلمات إلى النور)، وجعل:(الظلمات والنور) وله نظائر كثيرة انتهى.
وقال النيسابوري: وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتهما مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن
هذا الاختصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة انتهى. وكل وجه من هذه الوجوه يحتمل المناقشة بالنقض والمعارضة، وأحسنها تعليل جمع العمة والخالة تسبق الوهم إلى أن التاء للوحدة وليس في العم والخال ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد به الوحدة إلا مجرد صيغة الإفراد وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما تقرر من عموم أسماء الأجناس المضافة؛ على أن هذا الوجه الأحسن لا يصفو عن شوب المناقشة أيضاًً؛ قال الشهاب.
وقد سئل كثير عن حكمة إفراد العم والخال دون العمة والخالة حتى أن السبكي صنف جزءاً فيه سماه بذل الهمة في إفراد العم وجمع العمة. وقد رأيت لهم فيه كلمات كلها ضعيفة، كقول الرازي: إن العم والخال على زنة المصدر ويستوي فيه المفرد والجمع بخلاف العمة والخالة وقيل: إنهما يعمان إذا أضيفا، والعمة والخالة لا يعمان لتاء الوحدة انتهى.
أخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، والطبراني وغيرهم عن أم هانيء بنت أبي طالب قالت:(خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، فأنزل الله: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله هاجرن معك) قالت: فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من وجه آخر عنها قالت: نزلت في هذه الآية: (وبنات عماتك اللاتي هاجرن معك) أراد النبي أن يتزوجني فنهي عني إذ لم أهاجر.
وعن ابن عباس في قوله: (إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله: (خالصة لك) قال فحرم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء لم يحرم ذلك عليه. وكان نساؤه يجدن من ذلك وجداً شديداً أن ينكح في أي النساء أحب، فلما أنزل: إني حرمت عليك من النساء سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه.
(وامرأة مؤمنة) أي: وأحللنا لك امرأة مصدقة بالتوحيد، وهذا يدل
على أن الكافرة لا تحل له، قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه، قال ابن العربي: والصحيح عندي تحريمها، وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان في جانب الفضائل والكرامات فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو صلى الله عليه وسلم على المؤمنات، ولهذا كان لا تحل له الكتابية الكافرة لنقصانها بالكفر، انتهى.
وأما تسرّيه بالأمة الكتابية فالأصح فيه الحل لأنه صلى الله عليه وسلم استمتع بأمته ريحانه قبل أن تسلم كذا في المواهب وكانت يهودية من سبي قريظة، ومما خص به أيضاًً أنه يحرم عليه نكاح الأمة ولو مسلمة لأن نكاحها معتبر بخوف العنت، وهو معصوم، وبفقدان مهر الحرة ونكاحه غنى عن المهر ابتداء وانتهاء، وبرق الولد ومنصبه صلى الله عليه وسلم ينزه عنه كذا في الروض وشرحه.
(إن وهبت نفسها للنبي) أي ملكتك بضعها بأي عبارة كانت بغير صداق، وأما من لم تكن مؤمنة فلا تحل لك بمجرد هبتها نفسها لك، ولكن ليس ذلك بواجب عليك بحيث يلزمك قبول ذلك، بل مقيداً بإرادتك فهي جملة شرطية لا تستلزم الوقوع، ولهذا قال:(إن أراد النبي أن يستنكحها) يقال نكح واستنكح مثل عجل واستعجل، وعجب واستعجب.
ويجوز أن يراد الاستنكاح بمعنى طلب النكاح أو طلب الوطء قاله القرطبي، أي يصيرها منكوحة له، ويتملك بضعها بتلك الهبة بلا مهر، وذلك جار منه مجرى القبول. وحيث لم تكن الآية نصاً في كون تملكيها بلفظ الهبة لم تصلح أن تكون مناطاً للخلاف في انعقاد النكاح بلفظ الهبة، وإيراده في الموضعين بعنوان النبوة بطريق الالتفات عن الخطاب للإيذان بأنها المناط لثبوت الحكم؛ فيختص به كما ينطق به قوله الآتي:(خالصة لك) وقد قيل إنه لم ينكح النبي من الواهبات أنفسهن أحداً، ولم يكن عنده منهن شيء، قال قتادة: كانت عنده ميمونة بنت الحرث، قال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين: وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر الأسدية، وقال عروة ابن الزبير وهي أم حكيم بنت الأوقص
السلمية.
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن عن عائشة قالت: (التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم). وأخرج البخاري وغيره عن عروة: (أن خولة بنت حكيم كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم)، وعن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبد الله ابن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة؛ ستاً من قريش: خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة، وثلاثاً من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحرث، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وزينب أم المساكين والعامرية وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون، وهي التي استعاذت منه: وزينب بن جحش الأسدية، والسبيتين: صفية بنت حيي وجويرية بنت الحرث الخزاعية.
وأخرج البخاري وابن مردويه عن أنس قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هل لك بي حاجة؟ فقالت ابنة أنس ما كان أقل حياءها؟ فقال: هي خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت نفسها عليه.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوهبت نفسها له فصمت، الحديث بطوله وكان من خصائصه صلى الله عيله وسلم أن النكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ولي. ولا شهود ولا مهر، والزيادة على أربع، ووجوب تخيير النساء وعليه جماعة.
واختلفوا في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة، فذهب أكثرهم إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج، وهو قول سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي. وقال إبراهيم النخعي وأهل الكوفة ينعقد بلفظ التمليك والهبة، ومن قال بالقول الأول اختلفوا في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم فذهب قوم إلى أنه كان ينعقد في حقه صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة، وذهب قوم
آخرون إلى أنه لا ينعقد كما في حق سائر الأمة وكان اختصاصه في ترك المهر وعدم لزومه له لا في لفظ النكاح واختلفوا في أن العقد بلفظ الهبة هل وقع له بالفعل أم لا.
فقال ابن عباس ومجاهد: لم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. وقال آخرون: وقع، واختلفوا فيها كما تقدم وقال الزمخشري: قيل الموهوبات أربع: ميمونة وزينب وأم شريك وخولة: وفي السمين: هذا من اعتراض الشرط على الشرط. والثاني قيد في الأول ولذلك أعربوه حالاً، لأن الحال قيد ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول في الوجود.
فلو قال: إن أكلت إن ركبت فأنت طالق فلا بد أن يتقدم الركوب على الأكل، وأنه يشترط أن لا يكون ثمة قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقولك: إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حر، فإنه لا يتصور هنا تقديم الطلاق على التزويج إلا أني قد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية.
وذلك أن الشرط الثاني هنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لا أنه لا يمكن عقلاً، وذلك أن المفسرين فسروا قوله تعالى إن أراد، بمعنى قبل الهبة لأنه بالقبول منه يتم نكاحه، وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة إذ القبول متأخر، وأيضاًً فالقصة كانت على ما ذكرته من تأخر إرادته عن هبتها، وهو مذكور في التفسير.
وقد عرضت هذا الإشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به، ولم يظهر عنهم جواب، إلا ما قدمته من أن ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلت لك آنفاً انتهى.
وقد بين الله سبحانه أن هذا النوع من النكاح خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يحل لغيره من أمته فقال.
(خالصة لك من دون المؤمنين) لفظ: خالصة إما حال من امرأة قاله الزجاج، أو حال من فاعل (وهبت) أي حال كونها خالصة لك دون غيرك، أو
مصدر مؤكد كوعد الله أي خالص لك خلوصاً، أو نعت مصدر مقدر أي: هبة خالصة، فنصبها بوهبت، وقد أجمع العلماء على أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يجوز لغيره ولا ينعقد النكاح بهبة المرأة نفسها إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه أنه يصح النكاح إذا وهبت وأشهد هو على نفسه بمهر، وأما بدون مهر فلا خلاف في أن ذلك خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال.
(قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم) اعتراض مقرر لمضمون ما قيله من خلوص الإحلال له، أي ما فرضه الله سبحانه على المؤمنين في حق أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه، فإن ذلك حق عليهم مفروض لا يحل لهم الإخلال به، ولا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خصه الله به توسعة عليه وتكريماً له، فلا يتزوجوا إلا أربعاً بمهر وبينة وولي.
وعن ابن عمر في الآية قال: فرض الله عليهم أنه لا نكاح إلا بولي وشاهدين. وعن ابن عباس: مثله وزاد ومهر.
(وما ملكت أيمانهم) أي وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم من كونهم ممن يجوز سبيه وحربه، لا ممن كان لا يجوز سبيه أو كان له عهد من المسلمين؛ أي تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية، وأن تستبرأ قبل الوطء.
(لكيلا يكون عليك حرج) قال المفسرون: هذا يرجع إلى أول الآية أي أحللنا لك تزواجك وما ملكت يمينك، والواهبة نفسها لك لكيلا يكون عليك حرج؛ فتكون اللام متعلقة بأحللنا، وقيل هي متعلقة بخالصة قاله البيضاوي وأبو السعود، والتعلق باعتبار ما فيه من معنى ثبوت الإحلال وحصوله له صلى الله عليه وسلم والأول أولى، والحرج الضيق، أي وسعنا عليك في التحليل لك لئلا يضيق صدرك فتظن أنك قد أثمت في بعض المنكوحات.
(وكان الله غفوراً رحيماً) يغفر الذنوب فيما يعسر التحرز عنه، ويرحم العباد بالتوسعة في ذلك، ولذلك وسع الأمر ولم يضيقه.
تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)
(ترجي من تشاء منهن) قرىء ترجي مهموزاً وغير مهموز، وهما لغتان والإرجاء التأخير. يقال: أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي تضم إليك. يقال: آواه إليه بالمد ضمه إليه، وأوى مقصوراً أي ضم إليه، والمعنى: أن الله وسع على رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل الخيار إليه في نسائه، فيؤخر من شاء منهن ويؤخر نوبتها ويتركها ولا يأتيها من غير طلاق، ويضم إليه من شاء منهن ويضاجعها ويبيت عندها.
وقد كان القسم واجباً عليه حتى نزلت هذه الآية فارتفع الوجوب وصار الخيار إليه، وكان ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، وممن أرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية، فكان صلى الله عليه وسلم يسوي بين من آوى في القسم، وكان يقسم لمن أرجاه ما شاء، هذا قول جمهور المفسرين في معنى الآية، وهو الذي يناسب ما مضى، وقد دلت عليه الأدلة الثابتة في الصحيح وغيره.
قال ابن العربي: هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعول عليه لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون فرض عليه تطييباً لنفوسهن، وصوناً لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وقيل: هذه الآية في
الواهبات أنفسهن لا في غيرهن من الزوجات قاله الشعبي وغيره، وقيل: معنى الآية في الطلاق أي: تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء.
وقال الحسن. إن المعنى تنكح من شئت من نساء أمتك وتترك نكاح من شئت منهن، وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: لا يحل لك النساء من بعد، وعن ابن عباس: ترجي أي تؤخر، وعنه قال: من شئت خليت سبيلها منهن، ومن أحببت أمسكت منهن.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وأقول: تهب المرأة نفسها. فلما أنزل الله: ترجي من تشاء منهن الآية قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.
وعن أبي رزين قال: هَمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه فلما رأين ذلك أتينه فقلن: لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك افرض لنا من نفسك ومالك بما شئت فأنزل الله ترجي من تشاء منهن، يقول: تعزل من تشاء فأرجى منهن نسوة، وآوى نسوة، وكان ممن أرجى ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب فكانت قسمته من نفسه وماله بينهن سواء.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية ترجي من تشاء منهن، فقلت لها ما كنت تقولين؟ قالت كنت أقول إن كان ذلك إلي فإني أريد أن لا أوثر عليك أحداً.
(ومن ابتغيت ممن عزلت) الابتغاء الطلب، والعزل الإزالة، والمعنى إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن قد عزلتهن من القسمة وتضمها إليك (فلا جناح عليك) في ذلك، والحاصل أن الله سبحانه فوض الأمر إلى رسوله
يصنع في زوجاته ما شاء من تقديم وتأخير وعزل وإمساك، وضم من أرجى وإرجاء من ضم إليه، وما شاء في أمرهن فعل توسعة عليه ونفياً للحرج عنه، وأصل الجناح الميل، يقال: جنحت السفينة إذا مالت، والمعنى لا ميل عليك بلوم ولا عتب فيما فعلت.
(ذلك) أي ما تقدم من التفويض إلى مشيئته وهو مبتدأ وخبره قوله (أدنى أن تقر أعينهن) أي ذلك التخيير والتفويض فوضناك أقرب إلى رضائهن وأطيب لأنفسهن إذ كان من عندنا لأنهن إذا علمن أنه من الله قرت أعينهن، واطمأنت نفوسهن، وذهب التغاير وحصل الرضاء. قرىء تقر على البناء للفاعل مسنداً إلى أعينهن، وقرىء بضم التاء من أقرر وفاعله ضمير المخاطب وبنصب أعينهن على المفعولية، وقرىء على البناء للمفعول، وقد تقدم بيان معنى قرة العين في سورة مريم.
(ولا يحزن) أي لا يحصل معهن حزن بتأثيرك بعضهن دون بعض (ويرضين بما آتيتهن كلهن) أي بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء وكان يقسم بينهن في القسمة حتى مات، ولم يستعمل شيئاًً مما أتيح له ضبطاً لنفسه، وأخذاً بالأفضل غير سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنهما.
(والله يعلم ما في قلوبكم) من كل ما تضمرونه ومن ذلك ما تضمرونه من أمور النساء والميل إلى بعضهن (وكان الله عليماً) بكل شيء وبما في ضمائركم لا تخفى عليه خافية (حليماً) عنكم لا يعاجل العصاة بالعقوبة فينبغي أن تتقى محارمه لأن انتقام الحليم وغضبه أمر عظيم.
(لا يحل لك النساء من بعد) أي من بعد هؤلاء التسع اللاتي اخترنك واجتمعن في عصمتك وهن التسع اللاتي توفي عنهن. وهن عائشة بنت أبي بكر الصديق وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت
زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية وميمونة بنت الحرث الهلالية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية قاله أبو السعود.
وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على أقوال، الأول: أنها محكمة، وأنه حرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج على نسائه مكافأة لهن بما فعلن من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة؛ لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله له بذلك، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والحسن وابن سيرين وابن بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وابن زيد وابن جرير. وقال أبو أمامة بن سهل حنيف: لما حرم الله عليهن أن يتزوجن من بعده حرم عليه أن يتزوج غيرهن.
وقال أُبي بن كعب وعكرمة وأبو رزين أن المعنى لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سماها الله قال القرطبي: وهو اختيار ابن جرير وقيل لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات لأنهن لا يصح أن يتصفن بأمهات المؤمنين، وهذا القول فيه بعد؛ لأنه يكون التقدير لا يحل لك النساء من بعد المسلمات ولم يجر للمسلمات ذكر، وقيل هذه الآية منسوخة بالسنة، وبقوله:(تُرجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء)، وبهذا قالت أم سلمة وعائشة وعلي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وغيرهم. وهذا هو الراجح وسيأتي ما يدل عليه من الأدلة، عن زياد رجل من الأنصار قال: قلت لأبي بن كعب أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مُتْنَ أما كان يحل له أن يتزوج؟ قال وما يمنعه من ذلك؟ قلت قوله: لا يحل لك النساء من بعد، قال إنما أحل له ضرباً من النساء ووصف له صفة فقال:(يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله (وامرأة مؤمنة) ثم قال: لا يحل لك النساء من بعد هذه الصفة.
وعن ابن عباس قال نُهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان
من المؤمنات المهاجرات: (لا يحل لك النساء من بعد) الآية، فأحل له الفتيات المؤمنات وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي وحرم كل ذات دين غير الإسلام وقال:(يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله: (خالصة لك من دون المؤمنين)؟ وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء.
وعنه قال نُهي النبي أن يتزوج بعد نسائه الأولى شيئاًً، وعنه في الآية قال: حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه، وعن أنس قال: لما خيرهن فاخترن الله ورسوله قصره عليهن فقال: (لا يحل لك النساء من بعد).
وعن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله:(ترجي من تشاء منهن) الآية، وأخرج أحمد وأبو داود في ناسخه، والترمذي وصححه، والنسائي والحاكم وصححه.
عن عائشة قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، لقوله:(ترجي من تشاء منهن) الآية، وعن ابن عباس مثله، وعن أبي رزين:(لا يحل لك النساء من بعد) قال: من المشركات إلا ما سبيت فملكت يمينك.
(ولا أن تبدل بهن من أزواج) أي ليس لك أن تطلق واحدة منهن أو أكثر وتتزوج بدل من طلقت منهن أي من المسلمات غيرهن من الكتابيات؛ لأنه لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية و (من) مزيدة لتأكيد النفي وفائدته استغراق جنس الأزواج بالتحريم.
وقال ابن زيد: هذا شيء كانت العرب تفعله تقول خذ زوجتي وأعطني زوجتك، وقد أنكر ابن جرير والنحاس ما ذكره ابن زيد؛ قال ابن جرير: ما فعلت العرب هذا قط، ويدفع هذا الإنكار منهما؛ ما أخرجه الدارقطني عن أبي
هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله عز وجل ولا أن تبدل بهن، وأخرجه أيضاًً عنه البزار وابن مردويه.
وأخرجا عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأبادلك امرأتي؛ أي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله هذه الآية. قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فدخل بغير إذن؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الاستئذان؟ قال يا رسول الله ما استأذنت على رجل من الأنصار منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه عائشة أم المؤمنين، قال أفلا أنزل لك عن أحسن خلق الله؟ قال: يا عيينة إن الله حرم ذلك، فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه.
(ولو أعجبك حسنهن) وهذا كقولك: اعطوا السائل ولو على فرس. أي: في كل حال، ولو على هذه الحالة المنافية للإعطاء، وقيل: تقديره مفروضاً إعجابك بهن، أي لا يحل لك التبدل بأزواجك ولو أعجبك حسن غيرهن وجمالها ممن أردت أن تجعلها بدلاً من إحداهن، وهذا التبدل أيضاًً من جملة ما نسخه الله في حق رسوله على القول الراجح ونسخها إما بالسنة أو بقوله:(إنا أحللنا لك أزواجك)، وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.
قال ابن عباس: يعني أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبي طالب لما استشهد جعفر؛ أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ذلك.
(إلا ما ملكت يمينك) استثناء من النساء لأنه يتناول الحرائر والإماء وقيل: منقطع، والمعنى تحل لك الإماء، وقد ملك صلى الله عليه وسلم
بعدهن مارية القبطية أهداها له المقوقس ملك القبط وهم أهل مصر والإسكندرية وولدت له إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان ومات في حياة أبيه، وله سبعون يوماً وقيل: سنة وعشرة أشهر وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه بل أمرهم فصلوا قاله ابن حجر في شرح الهمزية، وقد اختلف العلماء في تحليل الأمة الكافرة على قولين:
الأول: أنها تحل للنبي صلى الله عليه وسلم لعموم هذه الآية وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن.
والثاني: أنها لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم تنزيهاً لقدره عن مباشرة الكافرة، ويترجح القول الأول بعموم هذه الآية وتعليل المنع بالتنزه ضعيف فلا تنزه عما أحله الله فهو طيب لا خبيث باعتبار ما يتعلق بأمور النكاح لا باعتبار غير ذلك فالمشركون نجس بنص القرآن، وممكن ترجيح القول الثاني بقوله سبحانه:(ولا تمسكوا بعصم الكوافر) فإنه نهي عام.
(وكان الله على كل شيء رقيباً) أي مراقباً حافظاً وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء، ويدل عليه ما روي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل]. أخرجه أبو داود وعن أبي هريرة أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: [انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاًً].
قال الحميدي: يعني هو الصغر وعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: هل نظرت إليها؟ قلت لا. قال: فانظر إليها فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما، أخرجه الترمذي وقال حسن.