الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
(33)
(وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا) رداً لما أجابوا به عليهم، ودفعاً لما نسبوه إليهم من صدهم لأنفسهم (بل مكر الليل والنهار) أي أبطلوا إضرابهم بإضرابهم كأنهم قالوا: بل من جهة مكركم بنا ليلاً ونهاراً، وأصل المكر في كلام العرب الخديعة والحيلة، يقال: مكر به إذا خدعه واحتال عليه. قيل: هو طول السلامة في الدنيا وطول الأمل فيها، وقال الأخفش: هذا مكر الليل والنهار.
قال النحاس: والمعنى والله أعلم: بل مكركم في الليل والنهار ودعاؤكم لنا إلى الكفر هو الذي حملنا على هذا، وقال سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار ويجوز أن يجعل الليل والنهار ماكرين على الإسناد المجازي كما تقرر في علم المعاني، قال المبرد: كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم.
وفي السمين: وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازي كقولهم: ليل ماكر فيكون مصدراً مضافاً لمرفوعه. وإما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به فيكون مضافاً لمنصوبه، وهذان أحسن من قول من قال: إن الإضافة بمعنى في أي في الليل؛ لأن ذلك لم يثبت في غير محل النزاع وقرىء: برفع مكر ونصب الليل، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار، وقرىء: مكر بفتح الكاف وتشديد الراء مضافاً بمعنى الكرور من كَرَّيكرُّ إذا جاء وذهب أي مكر الليل والنهار صدنا أو صدنا مكرهما، وقرىء: مكر بفتح
الكاف وتشديد الراء لكنه ينصب على المصدرية أي بل يكون الإغواء مكراً دائماً لا يفترون عنه.
(إذ تأمروننا) أي بل مكركم بنا وقت أمركم لنا (أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً) أي أشباهاً وأمثالاً، قال المبرد يقال: ند فلان فلان أي مثله، وهذا قول القادة للأتباع: إن ديننا الحق، وإن محمداً كذاب ساحر، وهذا تنبيه للكفار أن تصير طاعة بعضهم لبعض في الدنيا سبب عداوتهم في الآخرة.
(وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) الضمير راجع إلى الفريقين أي أضمر الفريقان الندامة على ما فعلوا من الكفر وأخفوها عن غيرهم، وأخفاها كل منهم عن الآخر مخافة الشماتة، وقيل: المراد بأسرّوا هنا أظهروا لأنه من الأضداد يكون تارة بمعنى الإخفاء وتارة بمعنى الإظهار، وقيل: المعنى تبينت الندامة في أسرة وجوههم، والجملة مستأنفة أو حال من الذين استضعفوا والذين استكبروا.
(وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا) الأغلال جمع غل يقال في رقبته غل من حديد أي جعلت الأغلال من الحديد في أعناق هؤلاء في النار والمراد بالذين كفروا هم المذكورون سابقاً، والإظهار لمزيد الذم، أو للكفار على العموم فيدخل هؤلاء فيهم دخولاً أولياً.
(هل) أي ما (يجزون إلا) جزاء (ما كانوا يعملون) في الدنيا من الشرك والكفر بالله والمعاصي، أو إلا بما كانوا يعملون على حذف الخافض، ولما قصّ سبحانه حال من تقدم من الكفار أتبعه بما فيه التسلية لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبيان أن كفر الأمم السابقة بمن أرسل إليهم من الرسل هو كائن مستمر في الأعصر الأول فقال:
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38)
(وما أرسلنا في قرية) من القرى (من نذير) ينذرهم ويحذرهم عقاب الله (إلا قال مترفوها) حال من قرية وإن كانت نكرة لوقوعها في سياق النفي، والمعنى: قال متنعموها ورؤساؤها وأغنياؤها وجبابرتها وقادة الشر لرسلهم.
(إنا بما) أي بالذي (أرسلتم به) من الإيمان والتوحيد (كافرون).
عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكين خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل، فكتب إليه إنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم فترك تجارته ثم أتى صاحبه، فقال: دلني عليه وكان يقرأ الكتب فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إلام تدعو؟ قال إلى كذا وكذا قال: أشهد أنك رسول الله. قال: وما علمك بذلك؟ قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم فنزلت هذه الآية فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم. أن الله قد أنزل تصديق ما قلت، ثم ذكر سبحانه ما افتخروا به من الأموال والأولاد وما قاسوا حالهم في الدار الآخرة على حالهم في هذه الدار على تقدير صحة ما أنذرهم به الرسل، فقال:
(وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً) والمعنى أن الله فضلنا عليكم
بالأموال والأولاد في الدنيا وذلك يدل على أنه قد رضي ما نحن عليه من الدين (وما نحن بمعذبين) في الآخرة بعد إحسانه إلينا في الدنيا ورضاه عنا أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم نظراً إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لا رزقهم الله، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم، فأبطل الله ظنهم وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم رداً عليهم، وحسماً لمادة طمعهم وتحقيقاً للحق الذي عليه يدور أمر التكوين، وقال:
(قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء) أن يبسطه له (ويقدر) أي يضيق على من يشاء أن يضيقه عليه، فهو سبحانه قد يرزق الكافر والعاصي استدراجاً له، وقد يمتحن المؤمن المطيع بالتقتير توفيراً لأجره، وليس مجرد بسط الرزق لمن يبسط له يدل على أنه قد رضي عنه ورضي عمله، ولا قبضه عمن قبضه عنه يدل على أنه لم يرضه، ولا رضي عمله، بل كل ذلك حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مثل هذا من الغلط البين أو المغالطة الواضحة.
(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ذلك ومن جملة هذا الأكثر من قاس أمر الآخرة على الأولى.
(وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى) كلام مستأنف من جهته تعالى خوطب به الناس بطريق التلوين والالتفات مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق، والمعنى: ليسوا بالخصلة التي تقربكم عندنا قربى قال مجاهد: الزلفى: القربى، والزلفة القربة، قال الأخفش: زلفى اسم مصدر كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا تقريباً، قال الفراء: إن التي تكون للأموال والأولاد جميعاً وهو الصحيح، وقيل: المعنى وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي الخ وذلك أن الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، وقال الزجاج: إن العنى وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف الخبر الأول لدلالة الثاني عليه، ويجوز في غير
القرآن باللتين وباللاتي وباللواتي وبالذي للأولاد خاصة أي لا تزيدكم الأموال والأولاد عندنا درجة ورفعة، ولا تقربكم تقريباً.
(إلا من آمن) استثناء منقطع أي لكن من آمن (وعمل) عملاً (صالحاً) وقيل: إنه متصل على أن يجعل الخطاب عاماً للكفرة والمؤمنين على أنه ابتداء كلام لا مقول لهم.
(فأولئك) إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها (لهم جزاء الضعف) أي جزاء الزيادة وهي المرادة بقوله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول أي جزاء التضعيف للحسنات، وقيل: لهم جزاء الأضعاف لأن الضعف في معنى الجمع أو من إضافة الموصوف إلى صفته. أي لهم الجزاء المضاعف قال مجاهد: أي تضعيف الحسنة، وعن محمد بن كعب قال: إذا كان الرجل غنياً تقياً آتاه الله أجره مرتين وتلا هذه الآية إلى قوله (فأولئك لهم جزاء الضعف)، وقال تضعيف الحسنة.
(بما عملوا) الباء للسببية (وهم في الغرفات) أي غرفات الجنة، قرىء: بالجمع لقوله: (لنبوئنهم من الجنة غرفاً) وفي قراءة سبعية بالإفراد، بمعنى الجمع حملاً لأل على أنها جنسية لقوله:(أولئك يجزون الغرفة).
(آمنون) من كل هائل وشاغل وسائر المكاره، ومن جميع ما يكرهون، ثم لما ذكر سبحانه حال المؤمنين ذكر حال الكافرين فقال:
(والذين يسعون في آياتنا) بالرد لها وإبطالها والطعن فيها حال كونهم (معاجزين) مسابقين لنا زاعمين أنهم يفوتوننا بأنفسهم أو معاندين لنا بكفرهم.
(أولئك في العذاب) أي عذاب جهنم (محضرون) تحضرهم الزبانية إليها لا يجدون عنها محيصاً، ثم كرر سبحانه ما تقدم لقصد التأكيد للحجة والدفع لما قاله الكفرة فقال:
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)
(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) أي يوسعه لمن يشاء ويضيقه على من يشاء ليس في ذلك دلالة على سعادة ولا شقاوة، وفي القاري: هذا في شخص واحد باعتبار وقتين أو في المؤمن، وما سبق في شخصين أو في الكافر فلا تكرار ونحوه في البيضاوي، قال الشهاب: بل فيه تقرير لأن التوسيع والتقتير ليسا لكرامة ولا هوان فإنه لو كان كذلك لم يتصف بهما شخص واحد.
(وما أنفقتم من شيء) على أنفسكم وعيالكم وقيل: ما تصدقتم (فهو يخلفه) عليكم أي يعطي خلفه إذا كان في غير إسراف. يقال: أخلف له وأخلف عليه إذا أعطاه عوضه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة أو فيهما معاً إما عاجلاً بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما آجلاً بالثواب في الآخرة الذي كل خلف دونه، وقال مجاهد: هذا في الآخرة.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله "، أخرجه مسلم، وقال ابن عباس في الآية: يعني في غير إسراف ولا تقتير.
وعن مجاهد والحسن مثله، وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كلما أنفق العبد من نفقة فعلى الله خلفها ضامناً إلا نفقة في بنيان أو معصية " أخرجه الدارقطني والبيهقي. وأخرج نحوه ابن عدي في الكامل والبيهقي من وجه آخر عنه مرفوعاً بأطول منه.
وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: " أنفق يا ابن آدم أنفق عليك "، وثبت في الصحيح من حديثه أيضاًً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً ".
وعن علي ابن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن لكل يوم نحساً فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة "، ثم قال: اقرأوا مواضع الخلف فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، إذا لم ينفقوا كيف يخلف ". أخرجه ابن مردويه.
وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن المعونة تنزل من السماء على قدر المؤنة ".
(وهو خير الرازقين) فإن رزق العباد لبعضهم البعض إنما هو بتيسير الله وتقديره وليسوا برازقين على الحقيقة، بل على طريق المجاز كما يقال في الرجل إنه يرزق عياله وفي الأمير إنه يرزق جنده والرازق للأمير والمأمور والكبير والصغير هو الخالق لهم، ومن أخرج من العباد إلى غيره شيئاًً فهو مما رزقه الله وأجراه على يده، قال بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي، فكم من مشته لا يجد، وكم من واجد لا يشتهي.
(و) اذكر (يوم يحشرهم جميعاً) هو متصل بقوله: (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون) أي ولو تراهم أيضاً يوم يحشرهم الله جميعاً للحساب العابد والمعبود والمستكبر والمستضعف.
(ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) أي يقول تقريعاً للمشركين وتوبيخاً لمن عبد غير الله عز وجل كما في قوله لعيسى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله)؟ وإنما خصص الملائكة بالذكر مع أن بعض الكفار قد عبد غيرهم من الشياطين والأصنام لأنهم أشرف معبودات المشركين، قال النحاس: والمعنى أن الملائكة إذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت للمشركين وتقريع للكافرين وارداً على المثل السائر إياك أعني فاسمعي يا جارة.
(قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) مستأنفة أي تنزيهاً لك أنت الذي نتولاه ونطيعه ونعبده من دونهم ما اتخذناهم عابدين، ولا توليناهم، وليس لنا غيرك ولياً، ثم صرحوا بما كان المشركون يعبدونه فقالوا:(بل كانوا يعبدون الجن) أي الشياطين وهم إبليس وجنوده ويزعمون أنهم يرونهم وأنهم ملائكة وأنهم بنات الله. وقيل: كانوا يدخلون أجواف الأصنام ويخاطبونهم منها.
(أكثرهم بهم مؤمنون) أي أكثر المشركين بالجن مؤمنون مصدقون لهم فيما يقولون لهم، قيل: والأكثر في معنى الكل.
(فاليوم لا يملك بعضكم) وهم المعبودون (لبعض) وهم العابدون (نفعاً) أي شفاعة ونجاة (ولا ضراً) أي عذاباً وهلاكاً وإنما قيل لهم هذا القول إظهاراً لعجزهم وقصورهم وتبكيتاً لعابديهم، وقوله: ولا ضراً هو على حذف مضاف أي لا يملكون لهم دفع ضر والفاء ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب الملائكة فإنه محقق أجابوا بذلك أم لا، بل لترتيب الإخبار به عليه.
(ونقول للذين ظلموا) أنفسهم بعبادة غير الله (ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون) في الدنيا ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من أنواع كفرهم فقال:
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48)
(وإذا تتلى عليهم آياتنا) القرآنية حال كونها (بينات) واضحات الدلالات ظاهرات المعاني على التوحيد (قالوا ما هذا) يعنون التالي لها وهو النبي صلى الله عليه وسلم (إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم) أي أسلافكم من الأصنام التي كانوا يعبدونها.
(وقالوا) ثانياً: (ما هذا) يعنون القرآن الكريم (إلا إفك مفترى) أي كذب في حد ذاته غير مطابق للواقع مختلق على الله من حيث نسبته إليه فمفترى تأسيس لا تأكيد.
(وقال الذين كفروا) ثالثاً: (للحق لما جاءهم) أي لأمر الدين الذي جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن هذا إلا سحر مبين) وفي تكرير الفعل والتصريح بالفاعل إنكار عظيم له وتعجيب بليغ منه، وهذا الإنكار منهم خاص بالتوحيد، وأما إنكار القرآن والمعجزة فكان متفقاً عليه بين أهل الكتاب
والمشركين، وقيل: أريد بالأول وهو قولهم (إلا إفك مفترى) معناه وبالثاني وهو قولهم (إن هذا إلا سحر مبين) نظمه المعجز. وقيل: إن طائفة منهم قالوا: إنه
إفك وطائفة قالوا إنه سحر، وقيل: إنهم جميعاً قالوا: تارة إنه إفك وتارة إنه سحر والأول أولى.
(وما آتيناهم من كتب يدرسونها) أي ما أنزلنا على العرب كتباً سماويه دالة على صحة الإشراك يدرسون فيها ويقرأونها.
(وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) يدعوهم إلى الإشراك أو إلى الحق وينذرهم بالعذاب فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول وجه ولا شبهة يتشبثون بها، قال قتادة: ما أنزل الله على العرب كتاباً قبل القرآن ولا بعث إليهم نبياً قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال الفراء: أي من أين كذبوك؟ ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه، ثم خوفهم سبحانه وأخبر عن عاقبتهم وعاقبة من كان قبلهم، فقال:
(وكذب الذين من قبلهم) أي من كفار القرون الخالية (وما بلغوا معشار ما آتيناهم) أي ما بلغ أهل مكة من مشركي قريش وغيرهم من العرب عشر ما آتينا من قبلهم من القوة والنعمة وكثرة المال والأولاد وطول الأعمار فأهلكهم الله كعاد وثمود وأمثالهم، ولم تنفعهم قوتهم شيئاًً في دفع الهلاك عنهم حين كذّبوا رسلهم فهؤلاء أولى بأن يحل بهم العذاب لتكذيبهم رسولهم والمعشار لغة في العشر قال الجوهري: معشار الشيء عشره وفي البحر المعشار: مفعال من العشر ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع.
ومعناهما العشر والربع وقيل: المعشار عشر العشر والأول أولى. وقيل: إن المعنى: ما بلغ من قبلهم معشار ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى.
وقيل: ما بلغ من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، وقيل: ما أعطى الله من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان، والأول أولى، وقيل: المعشار عشر العشير، والعشير هو عشر العشر، فيكون جزءاً من ألف جزء، قال الماوردي: وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة في التقليل.
قلت: مراعاة المبالغة في التقليل لا يسوغ لأجلها الخروج عن المعنى العربي
وقال ابن عباس في الآية: يقول من القوة في الدنيا، وعن ابن جريج نحوه.
(فكذبوا رسلي) عطف على: (كذب الذين من قبلهم) على طريقة التفسير كقوله: (كذبت قوم نوح فكذبوا عبدنا) الآية والأولى أن يكون من عطف الخاص على العام لأن التكذيب الأول لما حذف منه المتعلق للتكذيب أفاد العموم فمعناه: كذبوا الكتب المنزلة والرسل المرسلة والمعجزات الواضحة وتكذيب الرسل أخص منه وإن كان مستلزماً له فقد روعيت الدلالة اللفظية لا الدلالة الالتزامية، وما بينهما حال أو اعتراض، وقال البيضاوي: لا تكرير لأن الأول للتكثير، والثاني للتكذيب، ونحوه في الكشاف، وبمثله قال الكرخي.
(فكيف كان نكير)؟ أي فكيف كان إنكاري لهم بالعذاب والعقوبة؟ فليحذر هؤلاء من مثل ذلك، قيل والتقدير فأهلكناهم فكيف نكيري، والنكير اسم بمعنى الإنكار ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليهم حجة ينقطعون عندها فقال:
(قل إنما أعظكم بواحدة) أي أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه وأوصيكم بخصلة واحدة وهي:
(أن تقوموا لله مثنى وفرادى) فهذا تفسير للخصلة الواحدة أو بدل منها أي هي قيامكم وتشميركم في طلب الحق بالفكرة الصادقة، متفرقين اثنين اثنين، وواحداً واحداً لأن الاجتماع يشوش الفكر ويعمي البصر، ويمنع من الرؤية ويقل الإنصاف فيه، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب، وليس المراد القيام على الرجلين والنهوض والانتصاب على القدمين، بل المراد القيام بطلب الحق والاعتناء والاشتغال بالتدبر، وإصداق الفكر فيه كما يقال: قام فلان بأمر كذا، وقيل: المراد بواحدة هي لا إله إلا الله، كذا قال مجاهد، والسدي. وقيل: القرآن لأنه يجمع المواعظ كلها والأولى ما ذكرناه، وقال الزجاج: المعنى لأن تقوموا، وقال السدي. معنى مثنى وفرادى منفرداً برأيه ومشاوراً لغيره.
وقال القتيبي: مناظراً مع عشيرته، ومتفكراً في نفسه، وقيل: المثنى عمل النهار، والفرادى عمل الليل، قاله الماوردي. وما أبرد هذا القول، وأقل جداوه ونصبهما على الحال، وقدم المثنى لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإن انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزداد بصيرة قال الشاعر:
إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبة
…
فيزداد بعض القوم من بعضهم علماً
(ثم تتفكروا) في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الكتاب فإنكم عند ذلك تعلمون أن (ما بصاحبكم من جنة) وذلك لأنهم كانوا يقولون: إن محمداً مجنون فقال الله سبحانه: قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة وهي أن تقوموا لله، وفي ذاته مجتمعين، فيقول الرجل لصاحبه: هلم فلنصادق هل رأينا بهذا الرجل من جنة؟ أي جنون وجربنا عليه كذباً، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر، وينظر فإن في ذلك ما يدل على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق وأنه رسول من
عند الله، وأنه ليس بكاذب ولا ساحر ولا مجنون.
قال محمد بن كعب في الآية: يقوم الرجل مع الرجل أو وحده فيفكر ما بصاحبه من جنة، وقال قتادة: يقول: إنه ليس مجنون، وقيل مستأنفة من جهة الله سبحانه مسوقة على طريقة النظر والتأمل بأن هذا الأمر عظيم والدعوى الكبيرة لا يعرض نفسه له إلا مجنون لا يبالي بما يقال فيه وما ينسب إليه من الكذب، وقد علموا أنه أرجح الناس عقلاً، وأوزنهم حلماً وأحدَّهم ذهناً، وأرضاهم رأياً وأصدقهم قولاً، وأزكاهم نفساً، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال، ويمدحون به فوجب أن يصدقوه في دعواه، لا سيما مع انضمام المعجزة الواضحة، وإجماعهم على أنه لم يكن ممن يفتري الكذب، ولا قد جربوا عليه كذباً مدة عمره، وعمرهم. وقيل: ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون واختار أبو حاتم وابن الأنباري الوقف على قوله (ثم تتفكروا) وعلى هذا تكون جملة ما بصاحبكم من جنة مستأنفة كما قدمنا. وقيل ليس بوقف لأن المعنى ثم تتفكروا
هل جربتم عليه كذباً؟ أو رأيتم منه جنة؟ أو في أحواله من فساد.
(إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد) أي ما هو إلا نذير لكم بين يدي الساعة أي قدامها وهو عذاب الآخرة وهو كقوله صلى الله عليه وسلم بعثت بين يدي الساعة ثم أمره سبحانه أن يخبرهم أنه لم يكن له غرض في الدنيا ولا رغبة فيها، حتى تنقطع عندهم الشكوك ويرتفع الريب فقال:
(قل ما سألتكم من أجر) أي من جعل (فهو لكم) يقول لم أسألكم على الإسلام جعلاً أي ما طلبت منكم من جعل تجعلونه لي إلى مقابل الرسالة فهو لكم إن سألتموه، والمراد نفي السؤال بالكلية كما يقول القائل ما أملكه في هذا فقد وهبته لك يريد أنه لا ملك له فيه أصلاً، ومثل هذه الآية قوله قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى، وقوله ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً ثم بين لهم أن أجره عند الله سبحانه فقال (إن أجري إلا على الله) لا على غيره (وهو على كل شيء شهيد) أي مطلع لا يغيب عنه منه شيء فيعلم أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلا منه.
(قل إن ربي يقذف) القذف في الأصل الرمي بالسهم والحصى والكلام.
قال الكلبي: يرمي على معنى يأتي به، وقال مقاتل: يتكلم (بالحق) وهو القرآن والوحي أي يلقيه إلى أنبيائه، وقال قتادة: بالحق أي بالوحي والمعنى أنه يبين الحجة ويظهرها للناس على ألسن رسله وقيل: يرمي الباطل بالحق فيدمغه.
(علام الغيوب) قرىء برفع علام وبنصبه قال الفراء: والرفع في مثل هذا أكثر كقوله: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار)، وقرىء: الغيوب بالحركات الثلاث في الغين وهو جمع غيب، والغيب هو الأمر الذي غاب وخفي جداً
قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
(قل جاء الحق) أي الإسلام والتوحيد، وقال قتادة القرآن وقال النحاس التقدير صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج، وأقول لا وجه لتقدير المضاف فإن القرآن قد جاء كما جاء صاحبه.
(وما يبدىء الباطل وما يعيد) أي ذهب الباطل ذهاباً لم يبق له إقبال ولا إدبار ولا إبداء ولا إعادة فجعل مثلاً في الهلاك بالمرة والإبداء فعل الشىء ابتداء والإعادة فعله على طريق الإعادة، ولما كان الإنسان ما دام حياً لا يخلو عن ذلك كنى به عن حياته وبنفيه عن هلاكه، ثم شاع ذلك في كل مذهب، ولم يبق له أثر، وإن لم يكن ذا روح فهو كناية أيضاًً أو مجاز متفرع على الكناية، وقيل: يجوز أن تكون ما استفهامية أي: أيُّ شىء يبدئه وأي شيء يعيده، وعن قتادة قال: الشيطان لا يبدىء ولا يعيد إذا هلك، وعنه قال: ما يخلق إبليس شيئاً ابتداء ولا يبعثه وبه قال مقاتل والكلبي. وقيل: الباطل الأصنام والأول أولى.
(قل إن ضللت) عن الطريق الحقة الواضحة وقرىء بفتح اللام وهذه لغة نجد، وهي الفصيحة وبكسرها وهي لغة أهل العالية (فإنما أضل) أي إثم ضلالتي يكون (على نفسي) وقال عمر بن سعد: أي إنما أوخذ بجنايتي وذلك أن الكفار قالوا له: تركت دين آبائك فضللت، فأمره الله أن يقول لهم
هذا القول.
(وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي) من الحكمة والموعظة والبيان بالقرآن و (ما) مصدرية أو موصولة والتقابل هنا من جهة المعنى دون اللفظ (إنه سميع قريب) مني ومنكم يعلم الهدى والضلالة وإن بولغ في إخفائهما، وهذا حكم عام لكل مكلف وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به، ثم ذكر سبحانه حالاً من أحوال الكفار فقال:
(ولو ترى إذ فزعوا) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له، قيل: المراد فزعهم عند نزول الموت بهم أو غيره من بأس الله تعالى وقال الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة، وقال قتادة: هو فزعهم إذا خرجوا من قبورهم.
وقال السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فراراً ولا رجوعاً إلى التوبة، وقال ابن معقل: هو فزعهم إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: هو الخسف الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى رجل منهم فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون، وجواب لو محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً وحالاً هائلة (فلا فوت) أي فلا يفوتني أحد منهم ولا ينجو منهم ناج، قال مجاهد: فلا مهرب وقال ابن عباس: فلا نجاة.
(وأخذوا من مكان قريب) من ظهر الأرض أو من القبور وهي قريبة من مساكنهم في الدنيا كما قاله أبو حيان، أو قريب من موقف الحساب، وقيل: أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من الموت، وهذا على قول من يقول: هذا الفزع عند النزع، وقيل: أخذوا من جهنم فألقوا فيها. وقيل: من حيث كانوا فهم من الله قريب لا يبعدون عنه ولا يفوتونه.
وقال ابن عباس من تحت أقدامهم، وعنه قال: نزلت في ثمانين ألفاً
يغزون في آخر الزمان الكعبة ليخربوها فلما يدخلون البيداء يخسف بهم، فهو الأخذ من مكان قريب، ذكره القرطبي.
وقد ثبت في الصحيح أنه يخسف بجيش في البيداء من حديث حفصة وعائشة، وخارج الصحيح من حديث أم سلمة وصفية وأبي هريرة وابن مسعود، وليس في شيء منها أن ذلك سبب نزول هذه الآية، ولكنه أخرج ابن جرير من حديث حذيفة بن اليمان قصة الخسف هذه مرفوعة، وقال في آخرها: فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) الآية، وقيل: يجوز أن يكون هذا الفزع هو الفرع الذي بمعنى الإجابة. يقال فزع الرجل: إذا أجاب الصارخ الذي يستغيث به كفزعهم إلى الحرب يوم بدر.
(وقالوا) وقت النزع وهو وقت نزول العذاب بهم عند الموت كقوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)، أو عند البعث فإن الكفار كلهم يؤمنون حينئذ (آمنا به) أي بمحمد صلى الله عليه وسلم قاله قتادة أو بالقرآن، وقال مجاهد: بالله عز وجل، وقال الحسن: بالبعث ثم نفى الله عنهم نفع الإيمان بقوله:
(وأنى) أي من أين (لهم التناوش) أي التناول، وهو تقابل من النوش الذي هو التناول، والمعنى: كيف لهم أن يتناولوا الإِيمان من بعد يعني في الآخرة، وقد تركوه في الدنيا وهو معنى قوله:
(من مكان بعيد) وهو تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بعد ما فات عنهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة، قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلاً ليأخذ برأسه أو بلحيته ناشه ينوشه نوشاً، ومنه المناوشة في القتال، وذلك إذا تدانى الفريقان. وقيل التناوش: الرجعة أي وأنى لهم الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا، وقال ابن عباس: قال يسألون الرد إلى الدنيا وليس بحين رد، وقال التناوش: تناول الشيء وليس بحين ذلك وقال السدي: هو التوبة أي طلبوها، وقد بعدت لأنها إنما تقبل
في الدنيا وقرىء: التناوش بالواو وبالهمز واستبعد الثانية أبو عبيد والنحاس ولا وجه للاستبعاد فقد ثبت ذلك في لغة العرب وأشعارها، قال الفراء: الهمزة وتركها متقارب.
(وقد كفروا به من قبل) أي والحال أن قد كفروا بما آمنوا به من قبل هذا الوقت وذلك حال كونهم في الدنيا. قيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم من قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة.
(ويقذفون بالغيب) أي يؤمنون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم في الرسول من المطاعن أو في العذاب من البت على نفيه، فيقولون: لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار (من مكان بعيد) أي من جهة بعيدة ليس فيها مستند لظنهم الباطل، وهو الشبه التي تمحلوها في أمر الآخرة كما حكاه من قبل.
وقيل: المعنى يقولون في القرآن أقوالاً باطلة: إنه سحر وشعر وأساطير الأولين، وقيل: يقولون في محمد صلى الله عليه وسلم: إنه ساحر شاعر كاهن مجنون، قرىء: يقذفون مبنياً للمفعول أي يرجمون بما يسوؤهم من جزاء أعمالهم من حيث لا يحتسبون، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئاًً لا يراه من مكان بعيد لا مجال للوهم في لحوقه وهذا استعارة تمثيلية والجملة إما معطوفة على (وقد كفروا به) على أنها حكاية للحال الماضية، واستحضار لصورتها، أو مستأنفة لبيان تمثيل حالهم.
(وحيل بينهم) فعل مبني للمفعول وإذا بني للفاعل يقال فيه: حال وهو فعل لا يتعدى ونائب الفاعل ضمير المصدر المفهوم من الفعل كأنه قيل: وحيل هو أي الحول، وجعل بعضهم نائب الفاعل الظرف، وهو بينهم، واعترض بأنه ينبغي حينئذ أن يرفع.
(وبين ما يشتهون) من النجاة من العذاب ومنعوا من ذلك، وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم، أو حيل بينهم وبين ما يشتهون من الرجوع إلى الدنيا.
(كما فعل بأشياعهم من قبل) أي بأمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية الذين كانوا قبلهم في الدنيا سابقين عليهم في الزمان، والأشياع جمع شيع، وشيع: جمع شيعة، وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض، فهم شيع فالأشياع جمع الجمع.
(إنهم كانوا في شك مريب) تعليل لما قبله أي في شك موقع في الريبة أو ذي ريبة من أمر الرسل والبعث والجنة والنار، أو في التوحيد وما جاءتهم به الرسل من الدين، يقال: أراب الرجل إذا صار ذا ريبة فهو مريب، وقيل هو من الريب الذي هو الشك والتهمة، فهو كما يقال: عجب عجيب وشعر شاعر وهذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك والله أعلم.