المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة آل عمران (3) : آية 118] - التحرير والتنوير - جـ ٤

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 92]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 93 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 96 الى 97]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 98 إِلَى 99]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 100 إِلَى 101]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 102 إِلَى 103]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 104 إِلَى 105]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 106 إِلَى 107]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 108 إِلَى 109]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 110]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 111]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 112]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 113 إِلَى 114]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 115]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 116]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 117]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 118]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 119]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 120]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 121 إِلَى 122]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 123 إِلَى 125]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 126 إِلَى 128]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 129]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 130 إِلَى 132]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 133 إِلَى 134]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 135]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 136]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 137]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 138]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 139]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 140 الى 141]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 142]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 143]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 144]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 145]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 146 إِلَى 148]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 149 إِلَى 150]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 151]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 152]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 153]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 154]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 155]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 156]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 157 إِلَى 158]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 159]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 160]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 161]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 162 إِلَى 163]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 164]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 165]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 166 إِلَى 168]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 169 إِلَى 172]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 173 إِلَى 175]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 176]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 177]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 178]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 179]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 180]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 181 إِلَى 182]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 183 إِلَى 184]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 185]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 186]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 187]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 188]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 189]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 190 إِلَى 194]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 195]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 196 إِلَى 198]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 199]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 200]

- ‌4- سُورَةُ النِّسَاءِ

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 13 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 20 إِلَى 21]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 23]

الفصل: ‌[سورة آل عمران (3) : آية 118]

وَقَوْلُهُ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ

إِدْمَاجٌ فِي خِلَالِ التَّمْثِيلِ يُكْسِبُ التَّمْثِيلَ تَفْظِيعًا وَتَشْوِيهًا وَلَيْسَ جُزْءًا مِنَ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا. وَقَدْ يَذْكُرُ الْبُلَغَاءُ مَعَ الْمُشَبَّهِ بِهِ صِفَاتٍ لَا يَقْصِدُونَ مِنْهَا غَيْرَ التَّحْسِينِ أَوِ التَّقْبِيحِ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ

صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهُوَ مَشْمُولُ

تَنْفِي الرِّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ

مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بَيْضٌ يَعَالِيلُ

فَأَجْرَى عَلَى الْمَاءِ الَّذِي هُوَ جُزْءُ الْمُشَبَّهِ بِهِ صِفَاتٍ لَا أَثَرَ لَهَا فِي التَّشْبِيهِ.

وَالسَّامِعُونَ عَالِمُونَ بِأَنَّ عِقَابَ الْأَقْوَامِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ غَايَةٌ فِي الشِّدَّةِ، فَذَكَرَ وَصْفَهُمْ بِظُلْمِ أَنْفُسِهِمْ لِتَذْكِيرِ السَّامِعِينَ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمَوْعِظَةِ، وَجِيء بقوله ثَلُ مَا يُنْفِقُونَ

غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ كَالْبَيَانِ لِقَوْلِهِ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ.

وَقَوْلُهُ مَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

الضَّمَائِرُ فِيهِ عَائِدَةٌ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَظْلِمْهُمْ حِينَ لَمْ يَتَقَبَّلْ نَفَقَاتِهِمْ بَلْ هُمْ تَسَبَّبُوا فِي ذَلِكَ، إِذْ لَمْ يُؤْمِنُوا لِأَنَّ الْإِيمَانَ جَعَلَهُ اللَّهُ شَرْطًا فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ وَأَنْذَرَهُمْ لَمْ يَكُنْ عِقَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهُمْ، وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ الله لَا يُخَالف وَعْدَهُ مِنْ نَفْيِ الظُّلْمِ عَن نَفسه.

[118]

[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 118]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)

الْآنَ إِذْ كَشَفَ اللَّهُ دَخَائِلَ مَنْ حَوْلَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَتَمَّ كَشْفٍ، جَاءَ مَوْقِعُ التَّحْذِيرِ مِنْ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهِمْ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْإِلْقَاءِ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، لِلْإِخْبَارِ عَنْهُمِِْ

ص: 62

بِقَوْلِهِ: وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا [آل عمرَان:

119] إِلَخْ

وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، دُونَ الَّذِينَ كَانُوا مُشْرِكِينَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. وَهَذَا مَوْقِعُ الِاسْتِنْتَاجِ فِي صِنَاعَةِ الْخَطَابَةِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّمْهِيدَاتِ وَالْإِقْنَاعَاتِ. وَحَقُّهُ الِاسْتِئْنَافُ الِابْتِدَائِيُّ كَمَا هُنَا.

وَالْبِطَانَةُ- بِكَسْرِ الْبَاءِ- فِي الْأَصْلِ دَاخِلُ الثَّوْبِ، وَجَمْعُهَا بَطَائِنُ، وَفِي الْقُرْآنِ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [الرَّحْمَن: 54] وَظَاهِرُ الثَّوْبِ يُسَمَّى الظِّهَارَةُ- بِكَسْرِ الظَّاءِ-. وَالْبِطَانَةُ أَيْضًا الثَّوْبُ الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ثَوْبٍ آخَرَ، وَيُسَمَّى الشِّعَارَ، وَمَا فَوْقَهُ الدِّثَارَ، وَفِي الْحَدِيثِ:«الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ» ثُمَّ أُطْلِقَتِ الثِّيَابِ فِي شِدَّةِ الْقُرْبِ مِنْ صَاحِبِهَا.

وَمَعْنَى اتِّخَاذِهِمْ بِطَانَةً أَنهم كَانُوا يحالفونهم وَيَوَدُّونَهُمْ مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا أَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ بَقِيَتِ الْمَوَدَّةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ كَانُوا أَحْلَافَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الْيَهُودِ مَنْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ عَلَى دِينِهِ.

وَقَوْلُهُ: مِنْ دُونِكُمْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) فِيهِ زَائِدَةٌ وَ (دُونَ) اسْمُ مَكَانٍ بِمَعْنَى حَوْلَكُمْ، وَهُوَ الِاحْتِمَالُ الْأَظْهَرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي نَظِيرِهِ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا

رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً

[التَّوْبَة: 16] وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ وَ (دُونَ) بِمَعْنَى غَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ [الْفَتْح: 27] مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، وَقَدْ عَلِمَ السَّامِعُونَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنِ اتِّخَاذِهِمْ بِطَانَةً هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يُمَوِّهُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ مِنْهُمْ، وَدَخَائِلُهُمْ تَقْتَضِي التَّحْذِيرَ مِنِ اسْتِبْطَانِهِمْ.

وَجُمْلَةُ: لَا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا صِفَةٌ لِبِطَانَةٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا الْوَصْفُ لَيْسَ مِنَ الْأَوْصَافِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تُفِيدُ تَخْصِيصَ النَّكِرَةِ عَمَّا شَارَكَهَا، لَكِنَّهُ يَظْهَرُ بِظُهُورِ آثَارِهِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. فَنَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ اتِّخَاذِ بِطَانَةٍ هَذَا شَأْنُهَا وَسَمْتُهَا، وَوَكَلَهُمْ إِلَى تَوَسُّمِ الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ وَقَوْلُهُ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ جُمْلَتَيْنِ فِي مَحَلِّ الْوَصْفِ أَيْضًا عَلَى طَرِيقَةِ تَرْكِ عطف الصِّفَات، ويومىء إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ

ص: 63

أَيْ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ عَلَامَاتِ عَدَاوَتِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَتَتَوَسَّمُونَ تِلْكَ الصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي يُجْعَلُ مِنْ دُونِكُمْ وَصْفًا، وَتَكُونُ الْجُمَلُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفَاتٍ وَاقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ بِطَانَةٍ مِنْ غَيْرِ أهل ملّتنا، وهذ الْخِلَالُ ثَابِتَةٌ لَهُمْ فَهِيَ صَالِحَةٌ لِلتَّوْصِيفِ، وَلِتَعْلِيلِ النَّهْيِ، ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ النَّاشِئَةَ عَنِ اخْتِلَافِ الدِّينِ عَدَاوَةٌ مُتَأَصِّلَةٌ لَا سِيَّمَا عَدَاوَةُ قَوْمٍ يَرَوْنَ هَذَا الدِّينَ قَدْ أَبْطَلَ دِينَهُمْ، وَأَزَالَ حُظُوظَهُمْ. كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.

وَمَعْنَى لَا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا لَا يقصّرون فِي حبالكم، وَالْأَلْوُ التَّقْصِيرُ وَالتَّرْكُ، وَفِعْلُهُ أَلَا يَأْلُو، وَقَدْ يَتَوَسَّعُونَ فِي هَذَا الْفِعْلِ فَيُعَدِّي إِلَى مَفْعُولَيْنِ، لِأَنَّهُمْ ضَمَّنُوهُ مَعْنَى الْمَنْعِ فِيمَا يَرْغَبُ فِيهِ الْمَفْعُولُ، فَقَالُوا لَا آلُوكَ جَهْدًا، كَمَا قَالُوا لَا أَدَّخِرُكَ نُصْحًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَاعَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالُ حَتَّى صَارَ التَّضْمِينُ مَنْسِيًّا، فَلِذَلِكَ تَعَدَّى إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الشَّرِّ كَمَا يُعَدَّى إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْخَيْرِ، فَقَالَ هُنَا: لَا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أَيْ لَا يُقَصِّرُونَ فِي خَبَالِكُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَا يَمْنَعُونَكُمْ، لِأَنَّ الْخَبَالَ لَا يُرْغَبُ فِيهِ وَلَا يُسْأَلُ.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالْبِطَانَةِ، لِأَنَّ شَأْنَ الْبِطَانَةِ أَنْ يَسْعَوْا إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُ مَنِ اسْتَبْطَنَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ بِضِدِّ ذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ سَعْيِهِمْ بِالضُّرِّ، بِالْفِعْلِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي السَّعْيِ بِالْخَيرِ.

والخبال اختلال الْأَمْرِ وَفَسَادُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ فَسَادُ الْعَقْلِ خَبَالًا، وَفَسَادُ الْأَعْضَاءِ.

وَقَوْلُهُ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ الْوُدُّ: الْمَحَبَّةُ، وَالْعَنَتُ: التَّعَبُ الشَّدِيدُ، أَيْ رَغِبُوا فِيمَا يعنتكم و (مَا) هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ، غَيْرُ زَمَانِيَّةٍ، فَفِعْلُ عَنِتُّمْ لَمَّا صَارَ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ زَالَتْ

دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُضِيِّ.

وَمَعْنَى قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ظَهَرَتْ مِنْ فَلَتَاتِ أَقْوَالِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ فَعَبَّرَ بِالْبَغْضَاءِ عَنْ دَلَائِلِهَا.

ص: 64